← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

يصح الاستدلال به مع إمكان الاستدلال بما هو أولى منه، بخلاف ما تقدم في الشبه. وقيل: يفيد علية المدار قطعًا، وبه قال بعض المعتزلة. وقيل: لا يفيد علية المدار لا ظنًّا ولا قطعًا. واختاره الآمدي وابن الحاجب. لنا على أن الدوران يفيد ظن علية الوصف: أن التعلق الحادث لا بد له من علية إما لحدوثه، أو لكونه الأحكام تابعة للمصالح. (فعليته إما الوصف المدار، أو غيره) وغير المدار ليس بعلة، لأنه وجد قبله، أي: قبل الحكم، فليس بعلة له للتخلف، أي: لتخلف

стр. 1612

معلوله، وهو الحكم عنه. وإلا أي: وإن لم توجد قبله، فالأصل عدمه، فلا يوجد عند الحكم؛ لأن الأصل بقاء ما كان (على ما كان، وإذا كان معدومًا عند حصول الحكم لا يكون علة له لامتناع اجتماع المعلول مع عدم العلة). قال العبري: وفيه نظر. وإذا كان للحكم علة وغير المدار لا يكون علة، ظن كون المدار علة فيكون الدوران مفيدًا لظن العلية، وهو المطلوب. ولنا أيضًا أن علية بعض المدارات للحكم الدائر مع التخلف، أي: تخلف ذلك الدائر عن ذلك المدار في شيء من الصور لا تجتمع مع عدم علية بعضها الآخر؛ لأن ماهية الدوران من حيث هي:

стр. 1613

إما أن تدل على علية المدار للدائر، فيلزم علية هذه المدارات التي فرضنا عدم عليتها، لأنه حيث وجد الدوران، وجد علية المدار للدائر، فلا تجتمع علية بعض المدارات مع عدم علية بعضها. أو لا تدل ماهية الدوران على علية المدار للدائر، فيلزم عدم علية تلك المدارات التي فرضنا عليتها للتخلف السالم عن المعارض الذي هو مقتضٍ لعدم العلية، وهو تخلف الدائر عن المدار مع سلامته عن المعارض، وهو دلالة ماهية الدوران على العلية. فإن دلالة ماهية الدوران على العلية يقتضي علية المدار، والتخلف يقتضي عدم عليته فبينهما تنافٍ. والأول: وهو علية بعض المدارات مع التخلف ثابت بالاتفاق، لأن شرب السقمونيا علة الإسهال مع تخلف الإسهال عنه، فانتفى الثاني، وهو عدم علية بعض المدارات للدائر. ويلزم من انتفائه علية جميع المدارات، وهو المطلوب.

стр. 1614

وقيد عليه بعض المدارات بالتخلف المذكور، ليستدل به على عدم علية تلك، على تقدير عدم دلالة ماهية الدوران على العلية. وعورض هذا الدليل بمثله، فقيل: عدم علية بعض المدارات، مع التخلف في شيء من الصور لا تجتمع مع علية البعض. لأن ماهية الدوران إن دلت على علية المدار كانت المدارات المتخلف عنها الدائرة علة للدليل الدال على عليتها. وإن لم تدل عليها يلزم عدم علية هذه المدارات بالأصل السالم عن معارضة دلالة الدوران على العلية. والأول ثابت ككثير من الاتفاقيات، فانتفى الثاني، وهو علية بعض المدارات، فلا يكون شيء منها علة، وهو المطلوب. وأجيب: بأنا نختار أن الدوران دال على العلية. قولكم: فيلزم علية تلك المدارات التي تخلف عنها الدائر لوجود

стр. 1615

الدليل عليه فاسد، لأنه لا يلزم من وجود الدليل وجود المدلول، لأن المدلول قد لا يثبت لمعارض من مانع أو فقد شرط. وعلى قولكم: يلزم وجود المدلول بدون الدليل، وهو غير معقول فالترجيح معنا. قيل: الدوران لا يفيد العلية مطلقًا، لأنه مركب من الاطراد. وحاصله أنه لا يوجد في صورة بدون حكم، ووجوده بدون الحكم هو النقض، فيكون الاطراد هو السلامة عن النقض. والنقض أحد مفسدات العلة، والسلامة عن مفسد واحد لا توجب انتفاء كل مفسد، ولا ينتفي الفساد إلا به. سلمنا، لكن انتفاء كل مفسد لا يكفي في الصحة، فلا بد من مقتض للصحة من علة، وعدم المانع وحده لا يصلح علة،

стр. 1616

فعلم أن الطرد لا يؤثر. والعكس لم يعتبر في العلل الشرعية على الصحيح، لأن عدم العلة مع وجود المعلول لعلة أخرى لا يقدح في علية العلية المعدومة، لجواز أن يكون للمعلول علتان على التعاقب، كالبول واللمس بالنسبة إلى الحدوث فلا يكون شيء منهما دالًا على العلية، فلا يكون الدوران دليلًا على العلة. قلنا: كون كل واحد من الطرد والعكس، لا يدل على العلية عند انفراده، لا يلزم منه عدم دلالتهما عليها عند الاجتماع. أعني الدوران، فإنه قد يكون للمجموع ما ليس لأجزائه، لأن المجموع يغاير كل واحد من أجزائه، فجاز أن يثبت لأحد المتغايرين ما لا يثبت للآخر كأجزاء العلة، فإن كلًّا منهما مفردًا غير مؤثر

стр. 1617

ومجموعهما مؤثر. وعليه إشكال، وجوابه في الشرح. الطريق السابع من الطرق الدالة على علية الوصف: التقسيم الحاصر، والتقسيم الغير الحاصر. ويعبر عنهما بالسبر والتقسيم، ويعبر عنهما بالسبر فقط. وهو حصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصالحة للعلية. أي: في بادئ الرأي في عدد، ثم إبطال بعضها. وهو ما سوى الذي يدعى أنه العلة واحدًا كان أو أكثر.

стр. 1618

وعند التحقيق: الحصر راجع إلى التقسيم، والسبر إلى الإبطال. والسبر لغة: الاختبار. والتقسيم متقدم عليه في الوجود، لأنه: تعداد الأوصاف التي يتوهم صلاحيتها للتعليل، ثم يسبرها أي: يختبرها ليميز الصالح للتعليل من غيره. لكن السبر وإن تأخر عن التقسيم فهو متقدم عليه أيضًا، لأنه أولًا يسبر المحل، هل فيه أوصاف أم لا؟ ثم يقسم ثم يسبر ثانيًا. فقد تقدم السبر في اللفظ في كلامهم باعتبار السبر الأول. ثم إن كان دائرًا بين النفي والإثبات فهو الحاصر.

стр. 1619

كقولنا: ولاية الإجبار في النكاح إما أن لا تعلل بشيء، أو تعلل بالبكارة أو الصغر أو غيرهما. والكل باطل سوى الثاني، وهو أن تكون الولاية معللة بالبكارة. فالأول والرابع للإجماع على أن الأحكام الشرعية معللة بعلل، وعلى أن غيرهما ليس بعلة للولاية، والثالث: وهو التعليل بالصغر، (فلأنها لو كانت معللة بالصغر)، لثبتت الولاية في البنت الصغيرة، لثبوت علتها، لكنها لا تثبت لقوله ﵊: «الأيم أحق بنفسها» رواه مسلم.

стр. 1620

فإنه يدل على نفي ولاية الإجبار عن الثيب صغيرة كانت أو كبيرة. وإذا بطلت الأقسام- سوى الثاني- كان حقًّا. فكانت الولاية معللة بالبكارة، وهو المطلوب. والسبر غير الحاصر: هو الذي لا يكون دائرًا بين النفي والإثبات، ويسمى بالتقسيم المنتشر. وخالف المصنف في التعبيرين، تنبيهًا على جواز إطلاق كل واحد من السبر والتقسيم، على كل واحد من القسمين. والأول: قد يفيد القطع بالمطلوب، إذا كان الحصر في الأقسام، وإبطال غير المطلوب قطعيًّا، فيكون حجة في العقليات والشرعيات.

стр. 1621

وأما الثاني: فلا يفيد إلا الظن فلا يكون حجة في العقليات، بل في الشرعيات على الأصح. وذلك مثل أن تقول علة حرمة الربا في البر مثلًا، إما الطعم، أو الكيل، أو القوت أو المال، والكل باطل- سوى الطعم- لكذا فتعين الطعم. هذا إن لم يتعرض للإجماع على تعليل حكمه، وعلى حصر العلة في الأقسام، فإن تعرض لذلك كان قطعيًّا، قاله في المحصول. وهنا بحثان: الأول: أنه يكفي في بيان الحصر إذا منع أن يقول: بحثت، فلم أجد سوى هذه الأوصاف، ويصدق فيه لعدالته وتدينه، وذلك مما يغلب ظن عدم غيره.

стр. 1622

الثاني: أن المعترض له أن يبين وصفًا آخر، إذا بينه لزم المستدل إبطاله ولا يلزم انقطاعه. فإن قيل: السبر غير الحاصر لا يفيد العلية، لأن حرمة الربا مثلًا يجوز أن تكون معللة بعلة، فإن الأحكام منها ما لا يعلل، بدليل أن علية العلة غير معللة، وإلا لزم التسلسل، فتكون هذه كتلك لا علة لها، ولئن سلم أن لها علة، ، فلم لا يجوز أن تكون العلة غير المذكورات؟ . وما الدليل على الحصر في الأربعة؟ وإليه أشار بقوله: «أو العلة غيرها». قلنا جوابًا عن الأول: إنا قد بينا أن الغالب على الأحكام

стр. 1623

الشرعية تعليلها بالمصالح تفضلًا وإحسانًا كما مر. فإذًا ظن (التعليل أغلب من ظن) عدم التعليل. وعن الثاني: أن الأصل عدم غيرها، أي: عدم علة أخرى غير المذكورات، وذلك كاف في حصول الظن بغلبة أحدها. الطريق الثامن من الطرق الدالة على علية الوصف: الطرد وهو مصدر بمعنى الاطراد، وهو أن يثبت معه، أي: مع الوصف الذي لم يعلم كونه مناسبًا ولا مستلزمًا للمناسب الحكم، فيما عدا المتنازع فيه، أي: في جميع الصور المغايرة لمحل النزاع، . فيثبت ذلك الحكم مع ذلك الوصف فيه، أي: في محل النزاع. أيضًا، إلحاقًا للمفرد بالأعم الأغلب.

стр. 1624

فإن استقراء الشرع دل على أن النادر في كل باب ملحق بالغالب. فإذا رأينا الوصف في جميع الصور المغايرة لصورة النزاع مقارنًا للحكم، ثم رأينا الوصف حاصلًا في الفرع، وجب أن نستدل به على ثبوت الحكم فيه إلحاقًا لهذه الصورة الواحدة بسائر الصور. وقال في جمع الجوامع: هو مقارنة الحكم للوصف، أي: من غير مناسبة، وهو تعريف القاضي أبي بكر، وهو أعم من تعريف المصنف، وقد سبق للمصنف نقله عنه كذلك، ولعله هنا عرف الطرد الذي يختار حجيته دون مطلق الطرد.

стр. 1625

وبهذا يشعر قوله: «وقيل تكفي مقارنته في صورة وهو ضعيف». لأن الظن لا يحصل إلا بالتكرار. وما اختاره المصنف من كون الطرد: يثبت الحكم بالشرط المتقدم ذهب إليه الغزالي في شفاء الغليل، والإمام الرازي. وعزاه لكثير من فقهائنا. ورده الآمدي وابن الحاجب تبعًا للمستصفى والأكثرين، كما حكاه عنهم إمام الحرمين وغيره.

стр. 1626

وبالغ القاضي أبو بكر في الإنكار على القائل به. وقال ابن السمعاني في القواطع: (قياس المعنى تحقيق، والشبه تقريب، والطرد تحكم. الطريق التاسع من الطرق) الدالة على علية الوصف: تنقيح المناط: أي تلخيص ما ناط الحكم به، أي ربط الشارع الحكم به وعلقه عليه وهو العلة. والمناط: اسم مكان الإناطة، من ناط ينوط، إذا علق الشيء بالشيء وألصقه به. فلما ربط الحكم بالعلة وعلق عليها، سميت مناطًا. وتنقيح مناط العلة: بأن يبين المستدل إلغاء الفارق بين الأصل

стр. 1627

والفرع، وعدم تأثيره. وحينئذ فيلزم اشتراكهما في الحكم. مثاله: أن يقال لا فارق بين القتل بالمثقل والمحدد إلا كونه محددًا، وكونه محددًا لا مدخل له في العلية. لأن المقصود من القصاص: حفظ النفس، فيكون القتل هو العلة، وقد وجد في المثقل فيجب فيه القصاص. وقد يقال تعريفًا آخر لتنقيح المناط: العلة إما المشترك بين الأصل والفرع وهو القتل العمد في مثالنا. أو الميز للأصل عن الفرع، أي: الذي اختص به الأصل،

стр. 1628

وهو كونه قتلًا بالمحدد. والثاني باطل لأن الفارق ملغي، فثبت الأول، وهو أن العلة هو المشترك بينهما فثبت الحكم في الفرع لحصوله فيه. قال في المحصول: وهذا طريق جيد إلا أنه بعينه طريق السبر والتقسيم من غير تفاوت. وأجيب: بالفرق بينهما: فإن هنا يتعرض لاختصاصه بالأصل، بخلاف طريق السبر، فإنه لا يتعرض فيه. ولا يكفي في تنقيح المناط أن يقال: الحكم لا بد له من محل، ومحل الحكم إما المشترك بين الأصل والفرع، أو مميز الأصل عن الفرع لكذا فثبت الأول.

стр. 1629

لأنه لا يلزم من ثبوت المحل الذي هو للحكم، ثبوت الحكم الذي هو الحال، إذ يصدق هذا الرجل طويل، ولا يلزم ثبوت الطول لكل رجل، مع الاشتراك في محل الطول الذي هو الرجولية. وجعل في جمع الجوامع: تنقيح المناط عبارة عن: الاجتهاد في الحذف والتعيين، وتحته قسمان: أحدهما: أن يدل نص ظاهر على التعليل بوصف، فيحذف خصوص ذلك الوصف عن الاعتبار، ويناط الحكم بالأعم. الثاني: أن يدل لفظ ظاهر على التعليل بمجموع أوصاف، فيحذف بعضها عن درجة الاعتبار. إما لأنه طردي، لو لثبوت الحكم مع بقية الأوصاف بدونه، ويناط بالباقي. وجعل إلغاء الفارق، مسلكًا عاشرًا من مسالك العلة. وقدم تنقيح المناط، لاعتضاده بظاهر في التعليل بمجموع

стр. 1630

أوصاف، لكن قد يكون دليل نفي الفارق قطعيًا فيكون أقوى من تنقيح المناط على رأي من غاير بينهما. ثم ذكر أن إلغاء الفارق والدوران والطرد على القول به ترجع إلى نوع من الشبه، فإنها اشتركت في حصول الظن فيها في الجملة (لا مطلقًا) من غير تعيين جهة المصلحة المقصودة من شرع الحكم، لأنها لا تدرك بواحد منها بخلاف المناسبة وهذا حقيقة الشبه. واعلم أن الفرق بين تنقيح المناط وتحقيق المناط وتخريج المناط: أن تنقيح المناط قد عرفته. وأما تحقيق المناط فهو: تحقيق العلة المتفق عليها في الفرع، أي: إقامة الدليل على وجودها فيه، كما إذا اتفقنا على أن العلة في الربا هي القوت، ثم يختلفان في أن التبن هل هو مقتات حتى يجري فيه الربا. وأما تخريج المناط: فهو استخراج علة معينة للحكم ببعض الطرق

стр. 1631

المتقدمة كالمناسبة وغيرها. مثاله: استخراج الطعم أو القوت أو الكيل بالنسبة إلى تحريم الربا. وقد قال بتنقيح المناط أكثر منكري القياس. تنبيهك نبه به المصنف على طريقين آخرين ظن بعض الأصوليين أنهما مفيدان للعلة. والمختار عدم إفادتهما. أحدهما: ما قيل: (من أن) هذا الوصف علة، لأنه لا دليل على عدم عليته (وإذا انتفى الدليل على عدم عليته، انتفى عدم عليته وإذا) انتفى عدم عليته، فهو علة لامتناع ارتفاع النقيضين.

стр. 1632

قلنا: معارض بمثله، فنقول هذا الوصف ليس بعلة، إذ لو كان علة لوجد دليل على عليته، وإذا لا دليل لعليته فليس بعلة. وحاصله: أن جعل العجز عن إثبات عدم عليته دليلًا على (عليته ليس بأولى من جعل العجز عن إثبات عليته دليلًا على) عدمها. الثاني: ما قيل هذا الوصف علة، لأنه لو كان علة لسوينا بين الأصل والفرع، ولو سوينا بينهما لتأتى القياس المأمور به، إذ القياس المأمور به لا يتأتى بدون التسوية بينهما فيكون حمل الوصف على العلة مقدمة لتحقق المأمور به، (وتحقق المأمور به) واجب، فحمل الوصوف على العلية واجب، لما ثبت أن مقدمة الواجب واجب.

стр. 1633

قلنا: هو أي هذا القول دور، لأن تأتي القياس المأمور به متوقف على علية هذا الوصف، فلو توقف عليته على تأتي القياس المأمور به لزوم الدور. الطرف الثاني فيما يبطل العلية

стр. 1634

وهو ستة: النقض، وعدم التأثير، والكسر، والقلب، والقول بالموجب، والفرق. الأول النقض ويسمى تخصيص العلة، وتخصيص الوصف: وهو إبداء الوصف

стр. 1635

الذي يُدَّعى أنه علة في محل ما يدون الحكم فيه، مثل أن تقول: لمن لم يبيت الصيام من الليل، تعرى أول صومه عن النية فلا يصح، كعراء أول صلاته منها، فيجعل عراء أول الصوم من النية علة لبطلانه، فينتقض بالتطوع بالصوم، فإنه يصح بدون التبييت فقد وجدت العلة، وهي العري بدون الحكم وهو عدم الصحة في النفل. وقد اختلف في كون النقض قادحًا في العلية: قيل: يقدح في علية الوصف مطلقًا، سواء كانت العلة منصوصة، أو مستنبطة، وسواء كان التخلف لمانع أو لا لمانع. واختاره في جمع الجوامع وعزاه للشافعي- رضي الله تعالى

стр. 1636

عنه- ونقل عن اختيار الإمام الرازي. وقال ابن السمعاني في القواطع: هو مذهب الشافعي (رضي الله تعالى عنه) وجميع أصحابه إلا القليل منهم. وقال الغزالي في شفاء الغليل: إنه لا يعرف له (فيه نص). وقيل: لا يقدح مطلقًا، ونسب لأكثر الحنفية والمالكية والحنابلة. وقيل: لا يقدح في المنصوصة ويقدح في المستنبطة. وقيل: لا يقدح حيث وجد مانع للتخلف أو فقد شرط، سواء

стр. 1637

كانت العلة مستنبطة أو منصوصة، وإلا فتقدح، وهو المختار، واختاره الصفي الهندي، وعزاه في جمع الجوامع لأكثر فقهائنا. وهنا نفائس تراجع من الأصل. واستدل لمختاره على عدم القدح لمانع، بقوله: «قياسًا على

стр. 1638

التخصيص» فكما أن التخصيص لا يقدح في كون الوصف علة، والجامع بينهما هو جمع الدليلين المتعارضين، فإن مقتضى العلة ثبوت الحكم في جميع محالها، ومقتضى المانع عدم ثبوته في بعض تلك الصور، فيجمع بينهما بأن يترتب الحكم على العلة فيما عدا صورة وجود المانع. كما أن مقتضى العام، ثبوت حكمه في جميع أفراده، ومقتضى التخصيص عدم ثبوته في بعضها، وقد جمعنا بينهما. فالنقض للمانع المعارض للعلة، كالتخصيص المعارض للعام. فنسبة العلة إلى محالها كنسبة العام إلى أفراده، ونسبة النقل لمانع إلى العلة كنسبة المخصص إلى العام، كما أن العام بعد التخصيص حجة في الباقي، كذلك العلة مقتضية للحكم فيما عدا النقض لمانع. وأيضًا: لأن الظن بعلية الوصف باق مع التخلف لمانع، لأن التخلف هنا، يسنده العقل إلى المانع، لا إلى عدم المقتضى، بخلاف ما لم يكن مانع، أي: بخلاف التخلف الذي لم يكن لمانع، فإنه يغلب على

стр. 1639

الظن أن التخلف لعدم المقتضى، وإذا بقي ظن علية الوصف مع المانع لم يكن قادحًا في عليته، إذ المراد بالعلية، : بقاء الظن بها وهو المطلوب. قيل: من جهة القائلين بأن النقض يقدح مطلقًا. العلة: ما يستلزم الحكم، والوصف المنقوض لمانع قبل انتفاء المانع لم يستلزم الحكم، وإذا ثبتت المقدمتان: فيقال: الوصف المنقوض لمانع لا يسلتزم الحكم والعلة تستلزم الحكم، لينتج: فالوصف المنقوض لمانع ليس بعلة. وإذا كان التخلف لمانع قادحًا، فلغير مانع أولى، فكان التخلف مطلقًا قادحًا.

стр. 1640

قلنا: ليست العلة ما تستلزم الحكم، بل ما يغلب على ظنه وجود الحكم بمجرد النظر إليه، وإن لم يخطر المانع بالبال وجودًا أو عدمًا، أو لم يخطر بباله شيء منهما فيكون علة. وتحقيقه: أن الذي يستلزم إنما هو العلل العقلية، لأنها علل بالذات، ويستلزم معلولها استلزامًا ذاتيًّا، وما بالذات لا ينفك، لا جرم: دل الانفكاك على عدم العلية وهذه علل بالوضع، فقد لا يستلزم معلولها، ولا يضر الانفكاك. هذا كله إذا كان النقض غير وارد بطريق الاستثناء. وأما الوارد استثناء عن القاعدة الكلية، أورد على جميع المذاهب فإنه لا يقدح كمسألة العرايا، فإنها وردت على جميع ما علل به،

стр. 1641

كالكيل، والطعم، والقوت، والمال، مع أنه غير قادح في علية أحدها؛ لأن الإجماع منعقد على أن حرمة الربا معللة بأحدها. فلا يقدح الاستثناء في عليتها، لأن الإجماع أدل على العلية من النقض على عدم العلية، وإلا يلزم الإجماع على الخطأ، وإنه باطل. ومقتضى كلام المصنف: أن الوارد على سبيل الاستثناء لا يقدح بلا خلاف، وبه صرح الخنجي والشيخ سعد الدين. وكلام الإمام الرازي، وصاحب الحاصل، يقتضي أن فيه

стр. 1642

خلافًا. قال العبري: والمعتمد قول الإمام لا غيره. وهنا فوائد مبسوطة في الأصل. وجوابه- أي: جواب النقض الذي يدفع به- بأحد أمور ثلاثة على ما ذكر المصنف. الأول: منع المستدل وجود العلة في صورة النقض، لا عنادًا ومكابرة، بل لعدم قيد من القيود المعتبرة في علة الوصف.

стр. 1643

مثاله: أن يقال: من لم يبيت النية في رمضان يعرى أول صومه عنها فلا يصح، فينقض بالتطوع. فيجاب بأن العلة في البطلان: هو عراء أول الصوم بقيد كونه واجبًا لا مطلق الصوم، وهذا القيد مفقود في التطوع فلم توجد العلة فيه. وليس للمعترض إذا منع العلل وجود العلة في صورة النقض (لعدم قيد كما ذكرنا الدليل على وجوده، أي: على وجود الوصف بتمامه في صورة النقض). وبه جزم الإمام الرازي تبعًا للأكثرين لأنه نقل من الاعتراض إلى الاستدلال.

стр. 1644

أو لأنه نقل من مسألة إلى مسألة، وهو غصب غير ملتفت إليه في اصطلاح أهل النظر. ولو قال المعترض للمستدل ما دللت به على وجوده هنا، أي على وجود الوصف مع قيوده المعتبرة في الفرع دل عليه ثمة، أي: دل عليه في محل النقض، فينتقض دليل لوجوده في محل النقض، بدون مدلوله، وهو وجود العلة. فهو نقل من نقض العلة إلى نقض الدليل الدال عليها وهل يسمع أم لا؟

стр. 1645

فيه خلاف: قال الجدليون: لا يسمع هذا من المعترض، لأنه انتقل من نقض العلة إلى نقض دليلها. ونقل عن اختيار الآمدي والصفي الهندي وصوبه في جمع الجوامع. قال الإسنوي: وغيره: وهو الأقرب إلى الفهم من كلام المصنف، لأنه علل منع المعترض من الدليل على وجوده بأنه نقل فدل على أن النقل غير مقبول مطلقًا. وقيل: يسمع. وهو ظاهر كلام المحصول لأن القدح في (دليل العلة، قدح في) العلة، وهو مطلوب فلا انتقال.

стр. 1646

ولذا قال ابن الحاجب إن في عدم سماعه نظرًا. هذا إذا ادعى انتقاض دليل العلية معينًا. ولو ادعى أحد الأمرين فقال: يلزم إما انتقاض العلة أو انتقاض دليلها، وكيف كان فلا تثبت العلية كان مسموعًا بالاتفاق، فإن عدم الانتقال فيه ظاهر، قاله المحقق. الثاني: من أجوبة النقض. أن يدعى المعلل ثبوت الحكم في تلك الصورة التي نقض بها المعترض وإليه أشار بقوله: «أو دعوى الحكم» تحقيقًا: مثل أن يقول المستدل: السلم عقد معاوضة، فلا يشترط فيه التأجيل كالبيع

стр. 1647

فينتقض بالإجارة فإنها عقد معارضة، فلا يشترط فيها التأجيل. فيقول: المستدل: ليس الأجل شرطًا لصحة عقد الإجارة أيضًا، بل التأجيل الذي فيها، إنما هو لاستقرار المعقود عليه، وهو الانتفاع بالعين، إذ لا يتصور استقرار المعقود عليه وهو الانتفاع بالعين. إذ لا يتصور استقرار المنفعة المعدومة في الحال. وإليه أشار بقوله: «قلنا: هناك أي: في الإجارة» لاستقرار المعقود عليه لا لصحة العقد، ولا يلزم من كون الشيء شرطًا في الاستقرار أن يكون شرطًا في الصحة. ومحل صحة الجواب بذلك أن لا يكون انتفاؤه في صورة النقض، مذهب المستدل. فأما إذا كان مذهب المستدل فليس له الجواب به. سواء كان مذهب المعترض أم لا. واعلم أن دعوى الحكم في صورة النقض يدفعه، ولو كان ثبوت

стр. 1648

ذلك الحكم في النقض تقديرًا، كقولنا: رق الأم علة لرق الولد، فينقضه المعترض بولد المغرور بحرية الأم فإن رق الأم حاصل مع عدم رق الولد اتفاقًا. ويقول المعلل: ثبت الرق في ولد المغرور تقديرًا، وإن لم يثبت ظاهرًا وإلا أي: لو لم يثبت رقه تقديرًا لم يجب عليه قيمته؛ لأن القيمة للرقيق لا للحر. وتوقف الإمام الرازي في كون التقديري يدفع النقض. الثالث: من أجوبة النقض: إظهار المانع. وإليه أشار بقوله: «أو إظهار المانع»، يعني: بيان وجود معارض في

стр. 1649

محل النقض اقتضى نقيض الحكم: كنفي الوجوب للوجوب، أو ضده: كالحرمة للوجوب. واقتضاء المانع لنقيض الحكم أو ضده إما لتحصيل مصلحة، وهي اللذة، أو ما هو وسيلة إليها، أو لدفع مفسدة، وهي الألم، أو ما هو وسيلة إليها. أما تحصيل المصلحة، فكما في العرايا، فإن وصف الثمن والمثمن وهو كونهما مطعومين مع عدم العلم بمساواتهما علة للتحريم. وقد تخلف التحريم عنه في العرايا وهي: بيع الرطب على رأس النخل بالتمر على الأرض بمساواته تخمينًا لوصف لا يقينًا لمانع، هو حاجة الفقير الذي لا يملك النخل، وله تمر إلى الرطب، ومالك النخل والرطب إلى التمر، وهو يقتضي عدم التحريم لتحصيل مصلحة هي التلذذ بالغذاء المحتاج إليه، وعدم التحريم نقيض التحريم. وضربه الدية على العاقلة في الخطأ. فإن القتل العمد العدوان سبب للزجر، وهو علة لضرب الدية على القاتل، ووجوب أدائهما عليه لينزجر به ويحصل به حفظ النفس، وقد

стр. 1650

تخلف الحكم عنه (في الخطأ) لمانع وهو الخطأ به وعدم القصد، لقوله ﵊ كما روى عنه «رفع عن أمتي الخطأ». بل هو يقتضي عدم وجوب أداء الدية عليه تحصيلًا لمصلحة حفظ ماله، وبقية الأمثلة في الأصل. قال ابن الحاجب: هذا كله إذا لم تكن العلة منصوصة بظاهر عام، فإن كان فلا يجب إظهار المانع بعينه بل يحكم بتخصيصه بغير محل النقض، ويقدر المانع لجلب مصلحة أو دفع مفسدة، فيكون تخصيصًا للعموم لا للعلة. وقال بعضهم: إنما بناه على مختاره في ذلك. تنبيه: في بيان ما يكون نقضًا ويستحق الجواب، وما لا يكون كذلك، فالذي يكون نقضًا قسمان، لأن دعوى الحكم قد تكون في بعض الصور، وقد تكون في كلها.
следующие страницы →