← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

أجزائه. وقد اختلف في أن المعترض إذا قال: ليس هذا مأخذي هل يصدق؟ والصحيح أنه يصدق، لأنه أعرف بمذهبه ومذهب إمامه. واعلم أن أكثر القول بالموجب من هذا القبيل وهو ما يقع لاشتباه المأخذ لخفاء مأخذ الأحكام (وقل ما) يقع لاشتباه محل الخلاف لشهرته (ولتقدم التحرير غالبًا. ومثال القول بالموجب): في جانب الثبوت: قولهم: في وجوب زكاة الخيل: حيوان يسابق عليها فتجب الزكاة فيها كالإبل.

стр. 1682

فيقول المعترض: وجوب الزكاة في الخيل مسلم، ولكن في زكاة التجارة، والخلاف إنما وقع في نوع من الزكاة وهي زكاة العين. ومقتضي دليلكم: وجوب مطلق الزكاة، ولا يلزم من إثبات المطلق إثبات جميع أنواعه حتى يلزم هذا النوع الذي وقع فيه الخلاف. واعلم أن المستدل قد يسكت عن مقدمة خشية أن يمنعها الخصم فيحتاج إلى الاستدلال عليها فيقع في أمر آخر وهو أن يقول المعترض بالموجب. مثاله في الوضوء: ما ثبت قربة فشرطه النية كالصلاة، ويسكت عن الصغرى، فلا يقول: الوضوء يثبت قربة. فيقول المعترض، مسلم، ومن أين يلزم أن يكون الوضوء يثبت قربة. قال الجدليون: القول بالموجب فيه انقطاع أحد المتناظرين، إذا لو بين أن المثبت مدعاة، أو ملزومة.

стр. 1683

أو المبطل، مأخذ الخصم، أو الصغرى حق انقطع المعترض إذا لم يبق بعده إلا تسليم المطلوب، وإلا انقطع المستدل، إذ قد ظهر عدم إفضاء دليله إلى مطلوبه. ونظر فيه ابن الحاجب، بما هو مبين في الأصل. المبطل السادس للعلية الفرق: بين الأصل والفرع: وهو جعل المعترض تعين الأصل الذي للقياس، أي: الخصوصية التي فيه علة لحكمه. أو جعل تعين الفرع، أي: خصوصيته مانعًا من ثبوت حكم الأصل

стр. 1684

فيه. مثال الأول: إذا قيل: الخارج من غير السبيلين ناقض للوضوء كالخارج منهما، بجامع خروج النجاسة. فيقال: الفرق بينهما أن الخصوصية التي في الأصل، وهي خروج النجاسة من السبيلين، هي العلة في انتقاض الوضوء لا مطلق خروجها. ومثال الثاني: قول الحنفي: يجب القصاص على المسلم بقتل الذمي قياسًا على غير المسلم بجامع القتل العمد العدوان فيهما. فيقول المعترض: الفرق بينهما أن تعين الفرع وهو كونه مسلمًا، مانع لوجوب القصاص عليه لشرفه بالإسلام. والأول وهو الفرق بخصوص الأصل يؤثر في منع علية الوصف المشترك بينه وبين الفرع، حيث لم يجز التعليل للحكم الواحد بعلتين

стр. 1685

مختلفتين، وذلك لأن حكم الأصل إذا كان معللًا بما يختص به لا يكون معللًا بالمشترك بينه وبين الفرع، ولا يلزم تعليل الحكم الواحد بعلتين مختلفتين، (وهو غير جائز في هذه العلل، ولا يؤثر في منع عليته، حيث جاز التعليل بمختلفتين) لأن تعليل حكم الأصل بالمختص به لا ينافي تعليله بالمشترك بينه وبين الفرع، إذ لا يلزم منه إلا التعليل بمختلفين وذلك جائز في هذه العلل. والثني وهو الفرق يجعل الفرق بجعل الفرع مانعًا من ثبوت الحكم فيه يؤثر عند من جعل النقض مع المانع قادحًا في العلة، لأن العلة عنده ما يستلزم الحكم، والوصف المشترك مع هذا المانع لا يستلزم الحكم فلا يكون علة عنده. وعند من لم يجعل النقض مع المانع قادحًا في العلة لا يؤثر في منع عليته إذ لا يلزم منه إلا تخلف الحكم المانع وهو غير قادح عنده كذا

стр. 1686

شرحه العبري وغيره. وعلم من هذا البيان أن مختار المصنف قدح النوع الأول في المستنبطة دون المنصوصة، وعدم قدح النوع الثاني مطلقًا. وقال الإسنوي: بناء الأول على التعليل بعلتين صحيح، وأما الثاني فلا، بل يؤثر مطلقًا في دفع كلام المستدل. أما على القول بأن النقض مع المانع قادحًا فواضح. وأما على القول بأنه غير قادح، فلأن العلة وإن كانت صحيحة، لكن قام بالفرع، وهو المسلم في مثالنا، مانع يمنع من ترتب مقتضاها عليه، لأن الغرض أن ذلك من باب التخلف لمانع، ويستحيل وجود الشيء مع مقارنة المانع معه.

стр. 1687

وحينئذ فيحصل للمعترض مقصوده، وهو عدم إيجاب القصاص. قال: ولم يتعرض الإمام وأتباعه، ولا ابن الحاجب لهذا البناء أصلًا. نعم إطلاق الإمام أن قبول الفرق مبني على تعليل الحكم الواحد بعلتين. وإذا حملنا كلامه على الفرق بتعيين الأصل لم يرد عليه شيء انتهى. قال العراقي: كذا أورده شيخنا جمال الدين رحمه الله تعالى وغيره. وفيه نظر، لأن المعترض لم يحصل له مقصوده من جهة إفساد علة المستدل، بل من جهة أخرى، والكلام إنما هو في إفساد العلة بالفرق ولم يحصل ذلك، فتأمل.

стр. 1688

وجعل في جمع الجوامع القدح بالفرق راجع إلى المعارضة في الأصل أو الفرع، فحكمه في الرد والقبول حكمه. وذهب كثير من المتقدمين إلى أنه معارضة في الصل والفرع معًا، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقًا. وحكى بعضهم في قبوله قولان أصحهما قبوله. وحكاه إمام الحرمين عن جماهير الفقهاء. وقال الشيخ أبو إسحاق في الملخص: إنه أفقه شيء يجري في النظر. والثاني: أنه مردود لا يقدح، وعزاه ابن السمعاني للمحققين، وحاصل كلام ابن الحاجب مبين في الأصل مع فوائد جمة.

стр. 1689

قال الآمدي: وأول ما يجب الابتداء به من الأسئلة: الاستفسار، ثم فساد الاعتبار، وهو: منع المعترض من تمكنه من القياس مطلقًا، كأنه يدعي أن القياس لا يعتبر في تلك المسألة ثم فساد الوضع، وهو: منع تمكنه من القياس المخصوص، ثم منع الحكم في الأصل، ثم منع وجود العلة فيه، ثم الأسئلة المتعلقة بالعلة كالمطالبة، وعدم التأثير، والقدح في المناسبة، والتقسيم. وكون الوصف غير ظاهر ولا منضبط، وكونه غير مفض إلى

стр. 1690

المقصود، ثم النقض، ثم الكسر، ثم المعارضة في الأصل، ثم ما يتعلق بالفرع كمنع وجود العلة فيه، ومخالفة حكمه لحكم الأصل، واختلاف الضابط، والحكمة، والمعارضة في الفرع والقلب، ثم القول بالموجب. الطرف الثالث في أقسام العلة وما يصح به التعليل منها، وما لا يصح. إذا ثبت حكم في محل فنقول:

стр. 1691

علة ذلك الحكم: إما محله كتعليل حرمة الربا في النقدين بجوهرهما، أي: بكونهما ذهبًا وفضة، وهو نفس المحل. أو العلة جزؤه، أي: جزء ذلك المحل: كتعليل خيار الرؤية في بيع الغائب بكونه عقد معاوضة. أو العلة أمر خارج عنه. وذلك الخارج إما عقلي، وهو الوصف الذي لا يتوقف على وضع. وهو ثلاثة أقسام: حقيقي: وهو ما يمكن تعقله باعتبار نفسه، ولا يتوقف على وضع، كتعليل الربا في البر بالطعم، فالطعم مدرك بالحس، وهو أمر

стр. 1692

حقيقي لا يتوقف معقوليته على معقولية غيره. ويعتبر فيه، أن يكون ظاهرًا لا خفيًا، ومنضبطًا يتميز عن غيره. أو إضافي: كتعليل ولاية الإجبار بالأبوة. أو سلبي: كتعليل عدم وقوع طلاق المكره بعدم الرضا. أو الخارج: شرعي. إن كان الواضع الشرع، كتعليل جواز رهن المشاع بجواز بيعه. والخارج لغوي: إن كان الواضع الرعب على رأي، كتعليل حرمة النبيذ بكونه مسمى بالخمر كالمعتصر من العنب. ونفي الخارج العرفي، ذكره في المحصول.

стр. 1693

وكل واحدة من هذه العلل، إما متعدية: وهي التي تتجاوز عن محل الحكم المنصوص، كتعليل حكمه بما يشاركه فيه غيره. أو قاصرة: وهي التي تتجاوز عنه كتعليل حكمه بمحله. وعلى كل واحد من التقديرات المذكورة، إما أن تكون العلة بسيطة، كالأمثال المذكورة، أو مركبه بمن الصفة الحقيقية. والإضافية كتعليل عدم قتل الأب قتل صدر من الأب فلا يجب به القصاص.

стр. 1694

فالقتل حقيقي، والأبوة إضافية. أو من الحقيقية والسلبية، كتعليل وجوب القصاص على قاتل الذمي، بكونه قتلًا بغير حق. أو من الإضافة والسلب، كتعليل القصاص بالقتل بالمثقل، بكونه بغير حق. أو من الثلاثة كتعليل وجوب القصاص بالقتل بالمثقل بكونه قتلا عمدًا بغير حق، والمختار جواز التعليل بكل واحد من هذه الأقسام. وقيل: لا يعلل بالمحل وكذا جزؤه الخاص، ونقله الآمدي عن الأكثرين. لأن محل الحكم قابل له، فلا يكون علة له وإلا يلزم

стр. 1695

كون الشيء الواحد قابًلا للشيء وفاعًلا له. وأنه باطل؛ لأن نسبة القابل للمقبول بالإمكان، ونسبة الفاعل إلي المفعول بالوجوب، وبين الوجوب والإمكان تناف. وإليه أشار بقوله: "القابل لا يفعل". قلنا: لا نسلم أن القابل للشيء لا يكون فاعلًا له، ولا أن الوجوب والإمكان متنافيان، وإنما يلزم أن لو كان المراد من الإمكان هو الإمكان الخاص، وليس كذلك، بل المراد به الإمكان العام. ومع هذا كله فالعلة الشرعية هي: المعرف للحكم لا المؤثر فيه. فلا يلزم من تعليل الحكم به كون الشيء قابلًا وفاعلًا لشيء واحد.

стр. 1696

وما اختاره المنصف نقل عن الأكثرين. وقيل: يجوز التعليل بالمحل في العلة القاصرة، إذ لا استبعاد في أن يقول الشارع: حرمت الخمر لكونها خمرًا، فإن كونها خمرًا يناسب حرمته. ولا يجوز في المتعدية، إذا يستحيل حصول مورد النص بخصوصه في غيره، واختاره الإمام والآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي. قال العبري: وهو الحق. (واعلم أن التعليل قد يكون بالوصف الضابط المشتمل على الحكمة

стр. 1697

المناسبة للحكم، كجواز تعليل القصر بالسفر المشتمل على المشقة والمشقة حكمة مناسبة للحكم الذي هو القصر، وجعل السفر علة وإن كان المقصود المشقة، لكونها يعسر ضبطها لاختلاف مراتبها بحسب الأشخاص والأحوال، وليس كل قدر منها يوجب الترخيص وإلا سقطت العبادات. وتعيين القدر منها الذي توجبه متعذر، فضبطت بوصف ظاهر منضبط هو السفر، فجعل أمارة لها، فلذا كان التعليل بالوصف الضابط متفقًا عليه. وأما التعليل بمجرد الحكمة فقد اختلف فيه: فجوزه المنصف مطلقًا تبعًا للإمام الرازي).

стр. 1698

وقيل: لا يعلل الحكم بالحكم الغير المضبوطة كالمصالح والمفاسد، وبه قال الأكثرون، كما حكاه الآمدي، لأنه لا يعلم وجود القدر الحاصل من المصلحة الذي ترتب الحكم عليه في الأصل في الفرع، لكون المصلحة غير مضبوطة، ولكون المصالح والمفاسد من الأمور الباطنة التي لا يمكن الوقوف على مقاديرها، ولا امتياز لكل واحدة من مراتبها التي لا نهاية لها عن المرتبة الأخرى. وحينئذ لا يجوز للمستدل إثبات حكم الفرع بها، فلا يجوز التعليل بها.

стр. 1699

قلنا: لو لم يجز التعليل بتلك الحكم، لامتناع الاطلاع على القدر الذي نيط به الحكم، لما جاز التعليل بالوصف المناسب المشتمل عليها، (لعدم العلم بالقدر الحاصل فيه من المصلحة حينئذ). لكنهم يستدلون علي علية الوصف باشتماله علي المصلحة. فالدال على عليته: إما اشتماله على مطلق المصلحة وهو باطل، وإلا لكان كل وصف مشتمل على أي مصلحة كانت علة لذلك الحكم. أو اشتماله على مصلحة معينة. فإن لم يمكن الاطلاع عليها، لم يمكن الاستدلال علي علية الوصف بكونه مشتملًا عليها، لأن العلم باشتمال الوصف عليها من غير العلم بها ممتنع. وإذا أمكن الاستدلال أمكن الاطلاع على تلك الحكم فيصح التعليق بها، لأنه إذا ظن أن الحكم في الأصل إنما ثبت لمصلحة، وتلك

стр. 1700

المصلحة وجدت في الفرع، يحصل من هذين الظنين ظن الحكم) في الفرع لا محالة. وإليه أشار بقوله: فإذا حصل ظن أن الحكم، أي: في الأصل لمصلحة، وأنها وجدت في الفرع لزم بالضرورة أن يحصل ظن الحكم فيه، أي: في الفرع. ولك أن تمنع الملازمة لجواز التعليل بالمظنة، وإن انتفت المئنة كما في الملك المرفه في السفر، فإنه يجوز له القصر مع انتفاء

стр. 1701

المشقة. واعلم أنه يجوز التعليل بما لا يطلع على حكمته، لأنه لا يخلو عنها في نفس الأمر، ويسمى أمارة. واختلف فيما قطع بانتفائها في بعض الصور، كاستبراء الصغيرة. فإن الاستبراء لتيقن براءة الرحم، وهو منتف فيها. فقال الغزالى، وتلميذه محمد بن يحيى: (ثبتت الحكمة) للمظنة.

стр. 1702

وقال الجدليون: لا تثبت لانتفاء الحكمة، لإنها روح العلة، وهذا يرشدك إلي تحقيق ماتقدم. واعلم أنه يجوز تعليل الحكم الثبوتي، كالتحرير بالإسكار. والعدمي بالعدمي، كعدم نفاذ التصرف (بعدم العقل. والعدمي بالوجودي، كعدم نفاذ التصرف) بالإسراف. وأما عكسه: وهو تعليل الحكم الوجودي بالوصف العدمي، فقد اختلف فيه. والأكثر: على جوازه، منهم المنصف، واختاره الإمام الرازي هنا؛

стр. 1703

لأن دوران الحكم قد يحصل مع بعض العدميات. وقيل: العدم لا يعلل به، واختاره الآمدي، ابن الحاجب، وصاحب جمع الجوامع، والإمام الرازي في كلامه على الدوران، لأن الأعدام لا تتميز عن غيرها، (وكل ما) لا يتميز عن غيره لا يكون علة، فلا تكون الأعدام علة. أما كون الأعدام لا تتميز عن غيرها، فلأن المتميز عن غيره لا بد أن يكون موصوفًا بصفة التمييز، والموصوف بصفة التميز ثابت، والعدم نفي محض. وأما ن (كل ما) لا يتميز عن غيره لا يكون عليه فلأن

стр. 1704

الشيء الذي يكون علة لا بد أن يكون متميزًا عما لا يكون علة وإلا لم يعرف كونه علة. وأيضًا: الأوصاف منها ما يصلح للعلية، ومنها ما لا يصلح لها، فيجب على المجتهد سبرها ليتميز له الصالح من غيره، وليس المجتهد سبرها- أي: الأعدام -بالإجماع، ويجب عليه سبر الأوصاف الصالحة للعلية كما مر. فلا تكون الأعدام من الأوصاف الصالحة للعلية، وإذا ثبتت هاتان المتقدمتان ثبت أن الوصف السلبي لا يعلل به وهو المطلوب. [قلنا: الجواب عن الأول: أنا لا نسلم أن الأعدام لا تتميز بل تقبل التمييز إذا كانت من الأعدام المضافة، فإن عدم اللازم متميز عن عدم الملزوم، فإنا نحكم بأن عدم اللازم يستلزم عدم الملزوم دون العكس.

стр. 1705

وما استدلوا به فجوابه: أن الموصوف بالتمييز إنما يستدعى الثبوت في النفس فقط، والعدم له ثبوت فيه. نعم، الأعدام المطلقة ليس لها تمييز، ونحن نسلم امتناع التعليل بها. والجواب عن الثاني: أنا لا نسلم أن المجتهد يجب عليه سبر الأوصاف مطلقًا، سواء كانت متناهية أو غير متناهية، بل يجب سبر المتناهية دون غيرها لامتناع سبرها. وحينئذ، فنقول: ليس على المجتهد سبرها-أي: الأعدام- فسقطت عنه لعدم تناهيها لا لعدم صلوحها للعلة، فلا يتم ما ذكرتم. واعلم أن الخلاف في تعليل الثبوتى بالعدمي يجرى في كون العدم جزء علة أيضًا. وقد ذكره ابن الحاجب، وأهمله المنصف لوضوحه، بل قد يدعي دخوله في كلامه؛ لأنه متى كان جزء العلة عدمًا، فقد صدق

стр. 1706

التعليل بالعدم والوصف الإضافي: وهو ما يعقل باعتبار غيره، كالأبوة والبنوة والمعية والقبلية والبعدية، عدمي. فيجري فيه الخلاف في تعليل الثبوتى بالعدمي. تنبيه: ظاهر كلام المنصف أن القائلين بمنع التعليل بالعلة العدمية، قائلون به سواء كان المعلل به عدميًا، أم لا. وتقدم ما فيه.

стр. 1707

ويجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي، عند المنصف تبعًا للإمام الرازي، أما بمعنى المارة المجردة فظاهر. وأما بمعني الباعث: فلأن الحكم قد يدور مع حكم آخر، والدوران يفيد ظن العلية. واختار ابن الحاجب: أنه إن كان باعثًا على حكم الأصل لتحصيل مصلحة يقتضيها حكم الأصل جاز، وإن كان لدفع مفسدة يقتضيها حكم الأصل فلا. وإيضاحه في الأصل. وقيل: لا يجوز تعليل الحكم الشرعي بالحكم الشرعي مطلقًا، لأن الحكم الشرعي الذي هو علة يتحمل

стр. 1708

الحكم الذي جعل معلولاً، ويتجمل أن يكون متأخرًا عنه، ويتحمل أن يكون مقارنًا له. والتقدير الأول ينافي التعليل، لأن تقدم العلة على المعلول يقتضي تخلفه عنها. وكذا الثاني: لأن تقدم المعلول على العلة ينافي عليتها لامتناع تأخر العلة عن المعلول. والثالث: يتحمل التعليل وعدمه، إذ على تقدير المقارنة، يجوز أن تكون العلة هو أو غيره. وعلى هذا إنما يجوز التعليل بالحكم المقارن، وهو أحد التقديرات الثلاث التي لا يكون علة عليها، فيكون مرجوحًا بالنسبة إليها. والعبرة في الشرع بالراجح دون المرجوح، فوجب الحكم في الشرع بأنه ليس بعلة، فيمتنع التعليل به.

стр. 1709

قلنا: لا نسلم اختصاصه بالمقارنة، بل يجوز به، ويجوز بالمتأخر، ولا ينافي العلية، لأنه- أي: الحكم الشرعي المتأخر الذي فرضناه علة- معرف، والمعرف للشيء يجوز أن يتأخر عنه كالعالم للصانع. ويجوز التعليق بالعلل القاصرة، كما تقدم.

стр. 1710

وبه، قال الأكثرون، منهم الإمام مالك والشافعي وأحمد- رضي الله تعالى عنهم. وقالت الحنفية: لا يعلل بالقاصرة، أي: إن كانت مستنبطه كما قيد به القاضي، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم. لكن حكى القاضي عبد الوهاب في الملخص قولاً بالمنع مطلقًا، وعزاه لأكثر فقهاء العراق.

стр. 1711

قال العراقي: وهو غريب. وقالوا: لا يعلل بالقاصرة لعدم الفائدة في التعليل بها، إذ الفائدة منحصرة في إثبات الحكم بها وهو منتف. وإلا فإما في الأصل أو الفرع. أما الأصل فالحكم فيه ثبت بغيرها من نص أو إجماع. وأما الفرع فالمفروض أنه لا فرع، وما لا فائدة فيه لا يجوز التعليل به شرعًا، ولا عقلا لكونه عبثًا قلنا: لا نسلم انحصار الفائدة في معرفة الحكم الأصل والفرع.

стр. 1712

فإن معرفة كونه -أي: الحكم الشرعي- واقعًا على وجه المصلحة، وفق الحكمة، لتكون النفوس إلى قبوله أميل. [وهذه] فائدة معتبرة، وله فوائد أخرى: منها: أنه إذا عرف قصورها عرف امتناع أن تلحق بتلك المنصوص عليه غيره. ومنها: أنها تقوي النص وتعضده، قاله القاضي أبو بكر. قال: وكذا كل دليلين اجتمعا في مسألة، فيكون الحكم ثابتًا بالنص والعلة معًا. ويحمل هذا على ما إذا كان النص ظاهرًا. فأما إذا كان قاطعًا فلا يقويه، صرح به في البرهان

стр. 1713

ومنها: أن المكلف يفعل ذلك لأجل تلك العلة، فيحصل له أجر ذلك الفعل للامتثان وأجر قصد الفعل لأجلها، فيفعل المأمور به لكونه أمرًا وللعلة، قال السبكي. قال العراقي: ومقتضى جواب المصنف تسليم أن حكم الأصل لا يمكن ثبوته بالعلة، وهو قول الحنفية. لكن نقل الإمام والآمدي وابن الحاجب عن أصحابنا ثبوته بها وهو دافع للدليل من أصله. ولنا: على جواز التعليل بالعلة القاصرة: أن صحة العلة ليست موقوفة على تعديتها إلى الفرع، وذلك أن التعدية- أي: تعدية

стр. 1714

العلة إلى الفرع- توقفت على صحة العلية في نفسها، فلو توقفت هي -أي: صحة العلية في نفسها -عليها- أي: على تعديتها إلى الفرع- لزم الدور. فإذا لم تتوقف صحتها في نفسها على تعديتها إلى الفرع صحت العلية في نفسها، سواء كانت متعدية أو قاصرة. وقد يقال: التعدية شرط العلية، بمعنى وجود الوصف فيغيره، ومشروط بها، يعني وجود الحكم به في غيره، فتوهم لزوم الدور غلط نشأ من اشتراك لفظ التعدية بين ثبوت الوصف في محل آخر، وبين ثبوت الحكم في محل آخر، والموقوف على العلية هو الثاني؛ والموقوف عليه هو الأول. واعلم أن الفرق بين العلة القاصرة، والتعليل بالمحل: أن القاصرة أعم من المحل، لأن المحل ما وضع له اللفظ كالبر والخبر.

стр. 1715

والقاصرة: وصف اشتمل عليه المحل لم يوضع له اللفظ كالنقدية. ويجوز التعليل بمجرد الاسم: اللقب الجامد. على المختار في جمع الجوامع تبعًا للشيخ أبي إسحاق الشيرازي كتعليل طهورية الماء بأنه ماء. وقيل: بالمنع، وبه قال الإمام الرازي، ونقل الاتفاق عليه. ويجوز التعليل بالاسم المشتق،

стр. 1716

وأما التعليل بالمشتق من الصفة، فقال ابن السمعاني: هو من علل الأشبه الصورية. فمن احتج بالشبه الصوري احتج به. والفرق بين المحل والاسم. قيل: إن المراد التعليل بالتسمية، نحو: حرمت الخمر لتسميتها خمراً، إذ التسمية لا تأثر لها بخلاف المعنى المستفاد من المحل بإشارة أو تنبيه. ويجوز أن تكون العلة مركبة، وقد وقع ذلك كالقتل العمد العدوان في القصاص كما مر.

стр. 1717

وقيل: لا يجوز، لأنه لو علل بالوصف المركب، لكان عدم كل واحد من أجزائه علة تامة لعدم عليته؛ لأن عدم كل واحد منها علة لارتفاع عليته، فإذا انتفى جزء واحد، تنتفي العلية الضرورية. ثم إذا انتفى جزء آخر، فإن لم تنتف عليته يلزم التخلف للمعلول عن علته التامة. أو يلزم تحصيل الحاصل إن انتفت، فثبت أن التعليل بالمركب يستلزم أحد الأمرين المحالين، وكل ما يستلزم المحال فهو محال. قلنا: العلة عدمية، فلا يلزم ذلك أي: العلية صفة عدمية، فإنها من النسب والإضافات التي هي أمور اعتبارية يعتبرها العقل، ولا وجود لها في الخارج، فلا تحتاج انتفاء العلية إلى علة حقيقة، كذا قرره البعض.

стр. 1718

وقرره بعضهم هكذا إذا كانت العلة عدمية كان نقيضها، أي: انتفاء العلية (وجوديًا لوجوب) كون أحد النقيضين وجوديًا، فلا يجوز أن يكون عدم كل جزء علة له، لأن الأمور العدمية لا تكون علة للأمر الوجودي، وحينئذ لا يلزم ما ذكرتم. قال العبري: وفيه نظر، يعني كعجل انتفاء العلية وجوديًا. وهو ظاهر في العدم، ولأن الدليل ينقلب، ولأن فيه مخالفة لمختار المنصف في تعليل الوجودي بالعدمي.

стр. 1719

والأحسن في الجواب: أنه لا يلزم من انتفاء صفة العلية بعدم الوصف، أن يكون عدم الوصف علة للانتفاء، مقتضية له بالاستقلال، بل يجوز أن يكون وجوده شرطًا للوجود. فإن الشيء كما يعدم لعدم العدم، فقد يعدم لعدم شرط الوجود، ولو سلم فهو كالبول بعد اللمس، واللمس بعد البول، وكما لا يلزم هناك تختلف، فكذا هنا، والوجه في تقريره أن الانتفاءات ليست علًلا عقلية ليلزم ما ذكرتم إنما هي أمارات وضيعة، ولا بعد في اجتماع عدة من المارات مرتبة تارة ضربة أخرى. ولا بد في تحقيق المقابل من رفع جميع الانتفاءات، وهو بتحقيق جميع الوصاف، فيجب تركب الأمارة في الطرف الآخر من أوصاف متعددة.

стр. 1720

وها هنا مسائل تتعلق بالعلة: الأولى يستدل بوجود العلة على وجود الحكم، كما يقال: وجد القتل العمد العدوان فيجب القصاص، لأن وجود العلة يستلزم وجود المعلول. ولا يستدل بعليتها- أي: بعلة العلة على وجود الحكم، كم يقال: علية القتل العمد العدوان لوجوب القصاص ثابت في القتل بالمثقل، فيجب فيه القصاص. لأنها، -أي: على الحكم- نسبة بين العلة والحكم، فهي تتوقف في وجودها عليه -أي: على الحكم- لأن النسبة متوقفة على
следующие страницы →