← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

وهو يلزم ترجيح كل منهما على الآخر من وجه، وذلك ظاهر. وما جمع به المصنف بين الحديثين ذكره غيره. لكن حكى الترمذي أن المراد بالذي يشهد ولا يستشهد: شاهد الزور. مسألة إذا تعارض نصان: وتساويا في القوة: بأن يكونا معًا معلومين أو مظنونين بحيث لا يغلب أحدهما الآخر، وتساويا في العموم: بأن يصدق كل منهما على ما صدق عليه الآخر.

стр. 1857

والمراد من المعارض أعم من الناسخ، ولهذا قسمه إليه وإلى غيره. فإذا تساويا فيما ذكر، وعلم المتأخر منهما بعينه، فهو ناسخ للمتقدم، سواء كانا معلومين أو مظنونين، وسواء كان من الكتاب أو السنة، أو أحدهما من الكتاب، والآخر من السنة، هذا إذا كان قابلًا للنسخ. فإن لم يكن قابلًا له، كصفات الله -تعالى- على ما مثل به، فيتساقطان، ويجب الرجوع إلى دليل آخر.

стр. 1858

وإن كان الدليلان خاصين فكالمتساويين في القوة والعموم. ولم يذكره المصنف: لأنه يعلم حكمه منه لمساواته له. وقال العراقي: إنما اقتصر على ذكر العموم (استغناء بذكر أحد الضدين عن الآخر، كما في قوله تعالى: ﴿سرابيل تقيكم الحر﴾ أي: والبرد). وإن جهل المتأخر فلم يعلم عينه، فالتساقط إن كانا معلومين، ويجب الرجوع إلى غيرهما؛ لأن كلا منهما يحتمل أنه المنسوخ احتمالًا على السواء، أو الترجيح إن كانا مظنونين فيعمل بالأقوى إن وجد، وإن تساويا تخير المجتهد وإن علم تقاربهما. قال في المحصول: إن كانا معلومين وأمكن التخيير فيهما، تعين القول به، فإنه إن تعذر الجمع لم يبق إلا التخيير.

стр. 1859

ولا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر بقوة الإسناد لما عرف أن المعلوم لا يقبل الترجيح، ولا أن يرجح بما يرجع بما يرجع إلى الحكم، لكون أحدهما للحظر، لأنه يقتضي طرح المعلوم بالكلية. وإن كانا مظنونين وجب الرجوع إلى الترجيح، فيعمل بالأقوى. وإن تساويا فالتخيير. وإن لم يتساويا في القوة والعموم. فالأول بأن كان أحدهما قطعيًا والآخر ظنيًا. والثاني: بأن يكون أحدهما أخص من الآخر مطلقًا، أو من وجه.

стр. 1860

وإليه أشار بقوله: "أو أخص مطلقًا عمل به، وإن تخصص من وجه طلب الترجيح يعني فيرجح القطعي إذا كان أحدهما، ويعمل به سواء كانا عامين أو خاصين، أو المقطوع به خاصًا والمظنون عامًا. فإن كانا بالعكس، فإنه يقدم الظني. وكذلك يرجح أحدهما إذا كان أخص مطلقًا، فيرجح الخاص على العام، ويعمل به جمعًا بين الدليلين، وسواء علم المتأخر منهما أم لا، وسواء كان الخاص مظنونًا، والعام مقطوعًا به أم لا، كما في المحصول. قال الإسنوي: وهذه الصورة- وهي ما إذا كان العام مقطوعًا

стр. 1861

والخاص مظنونًا- لا تؤخذ من كلام المصنف في هذه المسألة، لأن كلامه هذا، وإن اقتضى إدخالها، فكلامه في القسم الذي قبله يقتضي إخراجها لكنها تؤخذ من كلامه في التخصيص. ولعل المصنف إنما أهملها لذلك. نعم (إن عملنا) بالعام المقطوع به، ثم ورد الخاص بعد ذلك. فلا يؤخذ به إذا كان مظنونًا؛ لأن الأخذ به في هذه الحالة نسخ لا تخصيص كما سبق، ونسخ المقطوع بالمظنون لا يجوز انتهى. أما إذا كان بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، فيطلب الترجيح بينهما من جهة أخرى ليعمل بالراجح؛ لأن الخصوص يقتضي الرجحان. وقد ثبت هنا لكل واحد منهما خصوص من وجه بالنسبة إلى الآخر، فيكون لكل منهما رجحان على الآخر، فيصار إلى الترجيح.

стр. 1862

ولا فرق بين أن يكونا قطعيين أو ظنيين، لكن في الظنيين يمكن الترجيح لقوة الإسناد، وبالحكم ككون أحدهما للحظر مثلًا. (وأما في القطعيين: فلا يمكن الترجيح لقوة الإسناد كما في المحصول. بل يرجح بالحكم، كالتحريم مثلًا) لأن التقديم بهذا الوجه طريقة الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما على الآخر بالاجتهاد اطراح الآخر. قال: بخلاف ما إذا تعارضا من كل وجه، أي: إذا علمنا تفاوتهما فإنه لا يجوز أن يرجح أحدهما على الآخر أصلًا. وحيث قلنا بالترجيح فلم يترجح أحدهما على الآخر فالحكم

стр. 1863

التخيير كما في المحصول. وقد جزم المصنف بذلك في الأقسام السابقة، واستفدنا من كلامه هنا أن الصحيح عنده في تعادل الأمارتين إنما هو التخيير فإنه لم يصحح هناك شيئًا. مسألة قد يرجح بكثرة الأدلة، فيرجح مقتضى دليل بكثرة الأدلة عليه دون مايقابله». وبه قال الجمهور، ومنهم مالك والشافعي (رضي الله تعالى

стр. 1864

عنهما) و «قد» في كلام المصنف للتحقيق. وقلنا: بالترجيح بكثرة الأدلة: لأن الظنين أقوى من ظنٍ واحد لكونه أقرب إلى القطع، والعمل بالأقوى أولى. ولا شك أن الدليلين يفيدان ظنين بخلاف الواحد. وقيل: لا ونسب للحنفية؛ لأنه لو كان كثرة الأدلة توجب الترجيح، لم يجب تقدم الخبر على الأقسية الكثيرة، لكنه يقدم الخبر على الأقيسة الكثيرة اتفاقًا. فدل على أن الأدلة الكثيرة لا توجب الرجحان.

стр. 1865

قلنا: تلك الأقسية إن اتحد أصلها، بأن علل الحكم بعلة واحدة فمتحدة، يعني أنها في الحقيقة قياس واحد. وحينئذ تقديم الخبر عليها ترجيحًا لدليل على دليل، وذلك جائز اتفاقًا. وإلا، أي: وإن لم تتحد أصول تلك الأقسية، بل علل الحكم فيها بعلل متعددة فممنوع قولكم: «أنه يقدم الخبر عليها إجماعًا ممنوع» بل تقدم الأقسية على الخبر. قال العراقي: تبع فيه الإمام، وفيه نظر. (قال: فالظاهر) تقديم خبر الواحد على الأقيسة، وإن تعددت أصولها ما لم تصل القطع، إذ لا يحصل منها يزيد على الظن الحاصل من خبر الواحد.

стр. 1866

الباب الثالث: في ترجيح الأخبار بعضها على بعض. وهي على وجوه سبعة: الأول: ما يتعلق بحال الراوي . فيرجح بكثرة الرواة على الأصح، بأن يكون رواة أحدهما أكثر

стр. 1867

عددًا من رواة الآخر؛ لأن العدد الأكثر أبعد خطأ من العدد الأقل، ولأن كل واحد يفيد طنًا وقلة الوسائط بين الراوي: وبين النبي ﷺ وهو علو الإسناد؛ لأن احتمال الخطأ فيه أقل، كذا في المحصول ثم قال: ولكنه مرجوح من وج÷ آخر، وهو كونه نادرًا. وفقه الراوي، سواء كانت الرواية باللفظ أو بالمعنى؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف غيره.

стр. 1868

وعلمه بالعربية؛ لأن العالم بها يمكنه التحفظ على مواقع الزلل فكان الوثوق بروايته أكثر، كذا في المحصول. ثم قال: ويمكن أم يقال: هو مرجوح لأنه يعتمد على معرفته فلا يبالغ في الحفظ، والجاهل به يخاف فيبالغ في الحفظ. وأفضليته قال الإسنوي -في العربية أو الفقه، كما قاله الإمام فالخبر الذي يكون راويه أفقه، أو أنحى، مقدم على الآخر. لأن الوثوق بقول الأعلم أتم.

стр. 1869

ثم لا فرق (في الراجح بأحد هذه الأمور، بين أن يكون روى الحديث باللفظ لأو المعنى، والمرجوح بها) رواه باللفظ. وحسن الاعتقاد، أي: حسن اعتقاد الراوي، فيرجح على رواية المبتدعي إن لم تسقط بدعته عدالته. وكونه، أي: كون الراوي صاحب الواقعة المروية، فإنه أعرف بالحال من غيره. مثاله: حديث أبي داود عن ميمونة (رضي الله تعالى عنها): «تزوجني رسول الله ﷺ ونحن حلالان بسرف».

стр. 1870

مع أن خبر ابن عباس (رضي الله تعالى عنهما) المتفق عليه أنه تزوجها وهو محرم. ومثله: كونه مباشرًا للواقعة، فإنه أعرف بها من غيره. وكون الراوي جليس المحدثين؛ لأنه أعرف بطريق الرواية وشرائطها. وكذا جليس غير المحدثين من العلماء، قاله الإمام وغيره.

стр. 1871

بل لو اشترك الراويان في أصل المجالسة، ولكن كان أحدهما أكثر، فإنه يقدم كما في المحصول أيضًا، ولم يفرض المسألة إلا في ذلك. والاقتصار على مجالسة المحدثين، قاله صاحب التحصيل. وكونه مختبرًا أي: مزكى بالممارسة والاختبار، فإنه يقدم على من عرفت عدالته بالتزكية أو العمل؛ لأن المعاينة أقوى من الخبر. ثم يقدم إذا كان معدلًا بالعمل على روايته، يعني تثبت عدالته بعمل من روى عنه بما رواه عنه، بالخبر الذي يكون رواية معدلًا (بهذا الطريق، راجح على الذي يكون راويه معدلًا) بغيره. وعبر بقوله: «ثم» لتعلم أن التعديل بالاختيار مقدم على هذا الطريق ولم يبين ذلك الغير الذي تقدم عليه التعديل بالعمل.

стр. 1872

فإن أراد به التلفظ بالتزكية، ففيه نظر، فإن الآمدي وابن الحاجب وغيرهما جزموا بعكسه. فإن أراد به الرواية عنه، وهو الذي صرح به صاحب الحاصل ففيه نظر؛ لأن الرواية لا تكون تعديلًا إلا إذا شرط أن لا يروى إلا عن العدل، ومع التصريح بهذا الشرط لا تتقاعد الرواية عن التعديل باللفظ، فيأتي فيه ما تقدم بل أولى منه. وقال الإمام الرازي: إذا زكي الراوي، فإن عمل بخبره كانت روايته راجحة على ما إذا زكاه وروى خبره. ولك أن تجعل الباء في كلام المصنف، بمعنى المصاحبة، أي: معه لا مع العمل، فلا يخالف كلام أحد ممن تقدم.

стр. 1873

وأما التعديل بالحكم مع التعديل بالعمل، فقال الآمدي: الحكم أولى لأن الاحتياط فيه أبلغ. ويرجع بكثرة المزكين للراوي، ولذا قدم حديث بسرة في الانتفاض بمس الذكر، على حديث: طلق في نفيه.

стр. 1874

وبحثهم أي: يرجح بكثرة بحث المزكين عن أحوال الناس. وكذا زيادة عدالتهم والوثوق بهم، قاله ابن الحاجب. وعلمهم، أي: يرجح بكثرة علم المزكين. قال الإسنوي: يعني بالعلوم الشرعية، كما اقتضاه كلام المحصول، لكون الثقة بقولهم أكثر، لا بأحوال الراوي، كما قاله الشارحون فإنه تقدم ما يدل عليه. وقال العبري: قال الخنجي: المراد بالعلم هنا: الاطلاع على أحوال الراوي، والحق أنه يحمل على الأعم من ذلك. وحفظه، أي: ويرجح بحفظ الراوي، وتحته صورتان:

стр. 1875

أحدهما: أن يكون اعتماد الراوي على حفظه للفظ الحديث، فيقدم على من اعتماده على كتابة للاختلاف في جواز الاعتماد على الكتاب من غير حفظ. الثانية: أن أحدهما أكثر حفظًا، أي: أقل نسيانًا فروايته راجحة على نسيانه أكثر وزيادة ضبطه. والضبط: هو شدة الاعتناء بالحديث والاهتمام بأمره. فيقدم خبر الائد ضبطًا، ولو كان زيادة الضبط ﵊ بأن يكون أكثر حرصًا على مراعاة كلماته وحروفه.

стр. 1876

فلو كان أحدهما أكثر ضبطًا، لكنه أكثر نسيانًا، والآخر بالعكس، ولكن لا يمنع خبره، فالأقرب التعارض، كما في المحصول. قال الإسنوي: وهو يدل على تفسير الضبط بما تقدم، لا بعدم النسيان كما قاله الشارحون. ودوام عقله، فإنه يرجح على من اختلط عقل راويه في بعض الأوقات، بشرط أن لا يعلم، هل رواه في حال سلامة عقله أم لا؟ كما في المحصول. والمصنف أطلق تبعًا للحاصل والتحصيل. وصوبه العراقي (لأنه نظر في كلام المحصول. قال): إذا اشتبه ما رواه في حال السلامة بما رواه في حال

стр. 1877

الاختلاط رد حديثه، كما صرح به ابن الصلاح، وغيره من أئمة الحديث فلا يصح ترجيح غيره عليه. وشهرته، فإنه ترجح شهرة الراوي بالصفات الحسنة كالورع والفطنة والعلم؛ لأن الشهرة بالمنصب وغيره مانعة من الكذب ومن التدليس عليه، وكذا شهرة عدالته. وشهرة نسبه، فإنه يرجح بها أيضًا، وبه قال الآمدي وابن الحاجب. لأن من ليس مشهور النسب قد يشاركه ضعيف في الاسم، واحترازه عما يوجب مقتضى منزلته المشهورة أكثر. ويقدم معروف النسب على مجهوله، قاله في المحصول. وعدم التباس اسمه باسم غيره من الضعفاء، وصعب التمييز -كما في المحصول فإن روايته راجحة على من التبس اسمه باسم غيره من

стр. 1878

الضعفاء. قال: وكذلك صاحب الاسمين مرجوح، بالنسبة إلى الاسم الواحد، ويمكن دخوله في كلام المصنف. وتأخر إسلامه؛ لأن تأخر إسلام الراوي دليل على تأخر روايته، والمصنف تابع في ذلك الشيخ أبا إسحاق في شرح اللمع وصاحب الحاصل. وعكسه ابن الحاجب تبعًا للآمدي لزيادة أصالته في الإسلام.

стр. 1879

وحكى ابن السمعاني عن الحنفية أنه لا يرجح بالتأخير. قال ابن السمعاني: وما قلناه أولى؛ لأن سماع المتأخر تحقق تأخره، وسماع المتقدم يحتمل التقدم والتأخر، فمحق التأخر أولى، ومتأخر الصحبة كمتأخر الإسلام. وفي الشرح هنا التقديم بأمور: منها: إذا كان سماعه شفاهًا ليس من وراء حجاب. وكونه من رءوس الصحابة، أي: رؤسائهم لقربه من مجلس النبي ﷺ وشدة ديانتهم. ورجح في جمع الجوامع التقديم بالذكورة.

стр. 1880

وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: إنه لا يرجح بالذكورة. وقال ابن السمعاني في القواطع: إنه ظاهر المذهب، ولم يذكر الأول إلا احتمالًا. وقال الكيا الطبري: لم يقل أحد إن رواية الرجال مرجحة على رواية النساء. وقيل: تقدم المرأة إذا كان المروي في أحكام النساء. وقدم في جمع الجوامع: بالحرية. وقال ابن السمعاني: والحرية لا تأثير لها في قوة الظن. وكونه غير مدلس تقدم روايته على المدلس المقبول. وكونه في الصحيحين مقدم على ما هو في أحدهما، وما كان

стр. 1881

على شرطهما. الوجه الثاني من الوجوه السبعة: الترجيح بوقت الرواية. فيرجح الخبر الذي يكون الراوي له، لا يروي الأحاديث إلا في وقت البلوغ على خبر الراوي في الصبا وفي البلوغ، بأن روى ذلك الحديث مرتين، مرة في بلوغه ومرة في صباه؛ لأن الراوي في هاتين الحالتين، يكون متحملًا في وقت الصبا بالضرورة، والاعتماد على ضبط البالغ أكثر. ويرجح الخبر الذي يكون المتحمل له وقت البلوغ فقط، على المتحمل له في حال الصبا، والبلوغ، لجواز أن تكون روايته بواسطة تحمله

стр. 1882

الواقع في حال الصبا، دون الواقع في حال البلوغ. وإلى الوقتين أشار بقوله: «أو فيه أيضًا» أي: في البلوغ منضمًا إلى ما ذكرنا وهو الصبا. هكذا شرحه بعضهم. قال الإسنوي: وهو بعيد في المعنى، ولا يكاد يوجد التصريح به لأحد ويكون فيه تكرار. وشرحه بعضهم هكذا: فيرجح الخبر الذي يكون راوية، لا يروى الأحاديث إلا في وقت البلوغ، على خبر الذي لم يروها إلا في صباه. أو روى بعضها في صباه وبعضها في بلوغه، لاحتمال أن يكون هذا الخبر من مروياته في حال الصغر، ولم يعلم سماعه بذلك، وكذا يرجح خبر الذي لم يتحمل رواية الأحاديث إلا في زمان بلوغه، على

стр. 1883

من لم يتحمل إلا في زمان صباه، أو تحمل بعضها في صباه، وبعضها في بلوغه لاحتمال كون هذا الخبر من الذي تحمله في حال الصغر. قال الأسنوي: وهو الأقرب إلى كلام الإمام، وهو صحيح. وقال العراقي: قول الإسنوي وغيره، أن رواية من لم يرو إلا بعد البلوغ، مقدمة على رواية من لم يرو إلا في زمن الصبا غير مستقيم؛ لأن الرواية زمن الصبا غير مقبولة، فكيف يرجح غيرها عليها، والترجيح فرع القبول. نعم هذا في التحمل صحيح؛ لأن التحمل زمن الصبا مقبول، ولهذا اقتصر المصنف في الترجيح (بوقت الرواية على أمر واحد) وذكر في الترجيح بوقت التحمل أمرين: أحدهما: حيث قال: «التحمل في الصبا أو فيه أيضًا» أي: في زمن البلوغ مع زمن الصبا.

стр. 1884

قال: ومحل الترجيح المذكور مع الاحتمال، أما من يتعين أن الراوي أو المتحمل قبل البلوغ أو بعده، إنما روى هذا أو تحمله بعد البلوغ، فلا ترجيح لمن لم (يتحمل ولم) يرو إلا بعد البلوغ عليه، لانتفاء العلة التي ذكرها لمرجوحيته، وهي احتمال أن هذا فيما رواه أو تحمله قبل البلوغ، هذا مفهوم من تعليلهم. قال: وهو واضح ولم أر من صرح به. قال: وقوله: «أوفيه» صوابه «أو وفيه» بزيادة «الواو»؛ لأن المقصود ترجيح المتحمل بوقت البلوغ فقط، على المتحمل وقت الصبا فقط. وعلى المتحمل وقت الصبا والبلوغ، وعلى حذف، «الواو» يبقى ظاهره. ترجيح المتحمل وقت البلوغ على المتحمل وقت البلوغ، وهو فاسد. وإنما ذكر الترجيح بوقت التحمل مع كون الترجمة ليس فيها

стр. 1885

الترجيح بوقت الرواية، استطرادًا من الترجيح بوقت الرواية، إلى الترجيح بوقت التحمل؛ لأن الرواية ناشئة عن التحمل. وعبارة جمع الجوامع: ومتحملًا بعد التكليف، أي: يرجح على المتحمل قبل التكليف، وعلى المتحمل في الحالتين. الوجه الثالث من الوجوه السبعة: الترجيح بكيفية الرواية فيرجح الخبر المتفق على رفعه إلى النبي ﷺ على الخبر الذي اختلف في رفعه إليه، أو هو موقوف على الصحابي. ويرجح الخبر المحكي بسبب نزوله، على الذي لم يذكر معه ذلك. لأن ذكر الراوي لسبب النزول يدل على اهتمامه بمعرفة ذلك الحكم، وهذا إذا كانا خاصين.

стр. 1886

فإن كانا عامين -قال الإسنوي-: فالأمر بالعكس، كما نقله الإمام هنا ونص عليه الشافعي (رضي الله تعالى عنه). قال ابن الحاجب: إلا إذا تعارضا في صاحب السبب فإنه أولى؛ لأن ترك الجواب مع الحاجة مما يقتضي تأخير البيان عن وقت الحاجة. ولو أبدل المصنف النزول بالورود، لكان صريحًا في تناول الأخبار. ويرجح الخبر المحكي بلفظه ﷺ على الخبر المروي بالمعنى. وكذا على خبر المحتمل الرواية بالمعنى لبعده عن الخطأ والتبديل، ولكونه مجمعًا على قبوله.

стр. 1887

ويرجح ما (أي الذي) لم ينكره راوي الأصل، وهو من إضافة الأعم إلى الأخص كمسجد الجامع. وهي زيادة لا يتبادر الذهن إليها، ولو زاد (ألـ) «في» «راوي» أو حذفه كان أصوب. والمعنى: أن الخبر الذي لم ينكره الراوي الأصل (لرواية الفرع) وهو شيخه، مقدم على ما أنكره شيخ راويه، بأن قال: ما رويته لأن الظن الحاصل من الأول أقوى، كذا شرحه بعضهم. وقال العراقي: المراد ترجيح ما لم ينكره الراوي على ما تردد فيه، أما ما أنكره فإنه غير مقبول وإنكاره مسموع منه، فلا ترجيح بينه وبين غيره.

стр. 1888

الوجه الرابع من الوجوه السبعة: الترجيح بوقت وروده. أي: بوقت ورود الخبر. وهي ستة أقسام ذكرها الإمام الرازي وضعفها. فترجح الأخبار المدنيات على المكيات. قال الإسنوي: والمصطلح عليه بين أهل العلم أن المكي: ما ورد قبل الهجرة سواء كان في مكة أم في غيرها. والمدني: هو ما ورد بعدها، سواء كان في المدينة أم في مكة أم في غيرهما. قال: وهذا الاصطلاح ليس هو المراد هنا؛ لأنه لو كان كذلك لكان المدني ناسخًا للمكي بلا نزاع. وأيضًا فلأن تقديم المنسوخ على الناسخ، ليس من باب الترجيح،

стр. 1889

كما نص عليه الإمام، بل المراد أن الخبر الوارد في المدينة مقدم على الوارد في مكة، سواء علمنا أنه ورد في مكة قبل الهجرة أو لم نعلم الحال. قال الإمام: لأن الغالب في المكيات، ورودها قبل الهجرة والوارد منها بعد الهجرة قليل، والقليل ملحق بالكثير، فيحصل الظن بأن هذا الحديث الوارد في مكة إنما ورد قبل الهجرة، فيجب تقديم المدني عليه لكونه متأخرًا. ويرجح الخبر المشعر بعلو شأن الرسول ﷺ لأن ظهور أمره كان في آخر عمره ﷺ فدل على التأخير.

стр. 1890

كذا أطلقه المصنف تبعًا للحاصل. وفي المحصول الأولى أن يفصل، فيقال: إن دل أحدهما على العلو والآخر على الضعف، قدم الدال على العلو. وأما إذا لم يدل الآخر لا على القوة ولا على الضعف، فمن أين يقدم الأول عليه؟ وأجيب: بأنه إن كان التأخير سببًا للرجحان فالدال على العلو معلوم التأخير، أو مظنونة، بخلاف ما لم يدل على شيء. ويرجح الخبر المتضمن للتخفيف على المتضمن للتغليظ؛ لأنه أظهر تأخرًا فإن النبي ﷺ كان يغلظ في ابتداء أمره زجرًا لهم عن العادات الجاهلية، ثم مال إلى التخفيف، كذا في الحاصل وتبعه المصنف.

стр. 1891

قال الإسنوي: وإطلاق هذه الدعوى مع ما سيأتي من كون المحرم مقدمًا على المبيح لا يستقيم. وقد جزم الآمدي بتقديم الدال على التشديد، قال: لأن احتمال تأخره؛ أظهر لا لأن الغالب منه ﵊ أنه ما كان يشدد إلا بحسب علو شأنه، ولهذا أوجب العبادات شيئًا فشيئًا، (وحرم المحرمات شيئًا فشيئًا)، وتبعه ابن الحاجب. والإمام الرازي ذكر هذا الحكم في حادثة كان ﵊ يغلظ فيها زجرًا للعرب عن عاداتها، ثم خفف فيها نوع تخفيف. ولا يلزم منه العدول إلى التخفيف مطلقًا، كما ظنه

стр. 1892

صاحب الحاصل والمصنف. وحينئذ فليس بين الإمام والآمدي، اختلاف. قال العراقي: والحق أن المتضمن للتغليظ يقدم على المتضمن للتخفيف. ويرجح الخبر المطلق من غير تاريخ على خبر متقدم التاريخ؛ لأن المطلق أشبه بالمتأخر. وقيل بالعكس. ويرجح الخبر المؤرخ بتاريخ مضيق، أي: واردًا في آخر عمره ﵊ على الخبر المطلق؛ لأنه أظهر تأخرًا.

стр. 1893

ويرجح خبر المتحمل في الإسلام، على الخبر الذي لا يعلم هل تحمل في حال الإسلام أو في حال الكفر. الوجه الخامس من الوجوه السبعة: الترجيح باللفظ فيرجح الخبر الفصيح اللفظ على الركيك، للاختلاف في قبول الركيك وإن كان الحق قبوله، لاحتمال رواية راويه له بالمعنى. ولا يرجح الأفصح على الفصيح في الأصح؛ لأنه ﷺ كان يتكلم (بالأمرين ويقدم) الوارد بلغة قريش.

стр. 1894

ويرجح الخبر الخاص على الخبر العام. ويرجح غير المخصص الباقي (على عمومه على العام المخصص) للاختلاف في حجيته. واختار في جمع الجوامع تبعًا للصفي الهندي (عكسه، لأنه الغالب ويقدم ما) قل تخصيصه أيضًا. ويرجح اللفظ المستعمل بلفظ الحقيقة على المستعمل بطريق (المجاز، لأن دلالة الحقيقة) أظهر، وهذا إذا لم يغلب المجاز كما تقدم. ويرجح المجاز الأشبه بها، أي: بالحقيقة على (مجاز غيره، وإذا

стр. 1895

تعذر) الحمل على الحقيقة، فالشرعية من الحقائق مرجحة على غيرها، لأنه ﵊ بعث لبيان الشرعيات. فالظاهر من حاله ﷺ أنه يخاطب بها، ثم بعد الحقيقة الشرعية ترجح الحقيقة العرفية لاشتهارها، وبيان معناها. ويرجح الخبر المستغني عن الإضمار على الخبر المفتقر إليه، لأن الإضمار على خلاف الأصل. والإضمار: وإن كان داخلًا في تعريف المجاز لكنه نوع برأسه.
следующие страницы →