← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأيضًا: لأنه لو وجب الشكر لوجب لفائدة واللازم باطل. أما الأولى: فلأنه لولا الفائدة لكان عبثًا، وهو قبيح فلا يجب عقلاً. وأما الثانية: فهي إما أن تكون لفائدة المشكور وهو منزه عنها لتعاليه عن الاحتياج إلى الفائدة، أو الفائدة للشاكر في الدنيا وأنه مشقة وتعب ناجز بلا حظ للنفس فيه، وما هو كذلك لا يكون له فائدة دنيوية. أو لفائدة في الآخرة ولا استقلال للعقل بها؛ لأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه.

стр. 282

قيل من جهة المعتزلة: انفصالاً عن هذا الالتزام بأن له فائدة للعبد في الدنيا، لأنه يدفع عنه ظن ضرر الآجل، أي: الآتي في الدنيا. وفي بعض الشروح أنه الأخروي، وفيه نظر لما تقدم من إبطال حصول فائدة في الآخرة؛ لأن أمور الآخرة من الغيب الذي لا مجال للعقل فيه فيأمن من احتمال العقاب لتركه. فإن العاقل يجوز أن خالقه طلب منه الشكر، فإن أتى به سلم من العقوبة، وإن تركه فلعله يعاقب، وهذا الاحتمال لازم الخطور على بال كل عاقل، فإنه إذا نشأ، ورأى ما هو عليه من النعم الجسام التي لا تحصى حينًا فحينا، علم أنه لا يمتنع كون المنعم بها قد ألزمه الشكر، فلو لم يشكره لعاقبه.

стр. 283

قلنا: قد يتضمنه، أي: قد يتضمن الشكر الضرر فيخاف العقاب على الشكر: لأنه تصرف في ملك الغير بدون إذنه، فإن ما يتصرف فيه العبد من نفسه وغيرها ملك لله تعالى، ولا نسلم أن الاحتمال الأول لازم الخطور على كل بال. وكالاستهزاء لحقارة الدنيا بالقياس إلى كبريائه، ويعني أن هذا الشكر كالاستهزاء بالمنعم وما مثله إلا كمثل فقير حضر ملكا عظيمًا يملك البلاد شرقًا وغربًا، يعم البلاد بالهبة والعطاء، فتصدق عليه بلقمة خبز، فجعل يذكرها في المجامع ويشكره عليها، فإنه يعد استهزاء منه بالملك، فكذا هنا، بل أعظم؛ لأن ما أنعم الله - تعالى - به على عباده بالنسبة إلى كبريائه وخزائن ملكه أقل من نسبة اللقمة إلى خزائن

стр. 284

الملك. لأن نسبة المتناهي إلى غير المتناهي أقل من المتناهي إلى غير المتناهي والاستهزاء بالله تعالى يخاف منه العقاب، فلا يقطع بذلك. ولأنه ربما لا يقع الشكر لائقًا بكبريائه وعظمته، لأن العبد قد لا يهتدي إلى الشكر اللائق قبل الشرع، فيأتي به على غير وجهٍ لائق وربما يكون خطأ فاحشًا وكفرًا عظيمًا، كما وقع لعبدة الأصنام. قيل: ينتقض هذا بالوجوب بالشرعي، فإن دليلكم يوجب أن لا يجب الشكر شرعًا بعين ما قلتم وأنتم لا تقولون به. قلنا: إيجاب الشرع لا يستدعي فائدة أي لا يجب أن يكون لفائدة

стр. 285

كإيجاب العقل (بل له بحكم) المالكية أن يحكم بأحكام وإن لم تكن فيها فائدة ولا منفعة، وهذا بخلاف حكم العقل فإنه يقتضي فائدة ألبتة. وهذا لا ينافي ما سيجيء للمصنف من أن الله تعالى شرع أحكامه لمصالح العباد تفضلاً وإحسانًا؛ لأن الكلام هنا في أن أفعال الله تعالى لا تكون معللة با لأغراض وهناك أن الله سبحانه - وتعالى - تفضل على عباده بما فيه مصلحتهم، ولا يلزم من وقوع شيء على وجه أن يكون ذلك علة له، فأين أحدهما من الآخر. (وهاتان المسألتان) اشتبهتا على كثير من الناس، وقد ذكرت في الشرح جوابين آخرين: أحدهما تبعت فيه بعض مشايخي وفيه نظر.

стр. 286

وأيضًا: فإن إيجاب الشرع، لفائدة في الدنيا والآخرة علمناها بإخبار الشارع وهذا لا يمكن في الوجوب؛ لأن العقل لا دخل له في الأمور الأخروية. ولما كان هذا في غاية الوضوح تنزل المصنف وسلمه، ثم أجاب بأنه وإن لم تكن فائدة فلا يلزم محال في الشرعي بخلاف العقلي. الفرع الثاني: الأفعال الاختيارية

стр. 287

قبل البعثة مباحة عند المعتزلة البصرية وبعض الفقهاء. محرمة عند المعتزلة البغدادية، وبعض الإمامية وابن أبي هريرة من

стр. 288

الشافعية. وتوقف الشيخ أبو الحسن الأشعري وأبو بكر الصيرفي الشافعي. وفسره الإمام (فخر الدين) الرازي أي فسر التوقف بعدم الحكم. والأولى أن يفسر بعدم العلم؛ لأن الحكم قديم عنده أي عند

стр. 289

الأشعري. ولا يتوقف تعلقه أي: الحكم على البعثة أي: عند الشيخ لتجويزه التكليف بالمحال. واعلم أن المعتزلة قسمت الأفعال الاختيارية إلى ما لا يقضي العقل فيها بحسن ولا قبح، وإلى ما يقضي. فالأول لهم فيها ثلاثة مذاهب: الأول: الحرمة وثبوت الحرج في حكم الشرع. وثانيها: الإباحة أي: الإذن وعدم الحرج.

стр. 290

وثالثها: التوقف وفسر تارة بعد الحكم. ورد بأنه قطع لا وقف، وتارة بعدم العلم بأن هناك حكمًا أم لا، أو أنه الحظر أو الإباحة. فإن قلت: كيف يتصور القول بالحظر أو الإباحة بالمعنى المذكور. مع انه لا شرع ولا حكم من العقل بحسن أو قبح. أجيب: بأن معناه أن الفعل الذي لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلًا، ولا يحكم فيه بخصوصه بحكم نفصيلي في فعلٍ فعل بحكم العقل فيها على الإجمال إنها محرمة عند الشارع وإن لم يظهر الشرع ولم يبعث النبي، أو مباحة. وأيضًا يجوز أن يجزم بأحدهما ولا يكون عالمًا بالحسن ولا بالقبح لا لنفسه، بل لأمر آخر مثل أن يجزم بالحرمة للاحتياط.

стр. 291

والثاني: ينقسم عندهم إلى الأقسام الخمسة المشهورة من: واجب، ومندوب، ومحرم، ومكروه، ومباح؛ لأنه لو اشتمل أحد طرفيه على مفسدة، فإما فعله فحرام، أو تركه فواجب، وإن لم يشتمل عليها، فإن اشتمل على مصلحة، فإما فعله فمندوب أو تركه فمكروه، وإن لم يشتمل عليها أيضًا فمباح. وأنت مع هذا الخبير بما في كلام المصنف في هذه المسألة من مناقشة. وقوله: «وفسره الإمام بعد الحكم» سهو وإن الذي فسره به الإمام هو ما اختاره بقوله: والأولى.

стр. 292

وإن سلم أن الإمام فسره بهذا، فلا اعتراض على الإمام، لأن الشيخ فرع هذا الكلام على تقدير حكم العقل، لا على مذهبه، فلا يعد على تقدير كونه حاكمًا أن لا يحكم فيما يستقل بإدراك جهة حسنة وقبحة إلى أن يرد الشرع. ولا يعترض أيضًا بأن هذا جزم لا توقف؛ لأن مراده بعدم الحكم المذكور من الحظر أو الإباحة، لا عدم الحكم مطلقًا، فالتوقف في غيرهما.

стр. 293

وقوله: لا يتوقف إلى آخره جواب عن سؤال تقديره: إن تعلق الحكم بالأفعال الاختيارية حادث، فيجوز أن يكون المراد بعدم الحكم قبل البعثة عدم التعلق كما مر. والجواب: أن التعلق لا يتوقف على البعثة أيضًا عند الأشعري لجواز التعلق قبل الشرع، وإن لم يعلم المكلف إذ غاية ما يلزم منه أنه تكليف بالمحال، وهو جائز على رأيه. وقد نظر؛ لأنه لا يلزم من تجويز التكليف بالمحال أن يكون التعلق سابقًا على البعثة، وقد قام الدليل على أن هذه الصورة لم تقع، وهو ما سبق من قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا﴾ الآية احتج الأولون: بأنها أي الأفعال: الاختيارية، كأكل

стр. 294

الفواكه اللذيذة، والمراتب البية، والملابس السنية، والمناكح الشهية انتفاع خال عن أمارة المفسدة؛ إذ الغرض أنه كذلك، وعن مضرة المالك؛ لأن مالكها هو الله -تعالى- وهو لا يتضرر بشيء، فتباح كالاستظلال بجدار الغير، والاقتباس من ناره بغير إذنه، حيث تحقق الانتفاع الخالي عن أمارة المفسدة؛ إذ هو المفروض. فاندفع قولهم: التعبير بالاستضاءة أولى، فالإباحة دائرة مع هذه الأوصاف وجودًا وعدمًا، فكانت علة، لأن الدوران يفيد العلية، وهي موجودة في مسألتنا فكانت مباحة. وقوله: «عن أمارة المفسدة» ولم يقل: عن المفسدة لأن العبرة في

стр. 295

القبح إنما هو بالمفسدة المستندة إلى الأمارة، فأما المفسدة الخالية عن الأمارة فلا اعتبار بها، ألا تراهم يلومون من يجلس تحت حائط مائل وإن سلم دون السليمة وإن وقعت عليه. وأيضًا المآكل اللذيذة خلقت لغرضنا لامتناع العبث أي لو لم تخلق لغرض كان عبثًا خاليًا عن الحكمة وأنه نقص وهو على الله محال. وذلك الغرض لا جائز أن يرجع إلى الله تعالى لتعاليه واستغنائه عنه، فثبت أنها مخلوقة لغرضنا. وليس ذلك الغرض للإضرار اتفاقًا فهو للنفع. وهو إما التلذذ، أو الاغتذاء، أو الاجتناب مع الميل إليها، أو الاستدلال بها، وتشهى طعومها على وجود الصانع

стр. 296

وكمال قدرته تعالى. ولا يحصل جميع ذلك إلا بالتناول، أما الاغتذاء والتلذذ فواضح. وأما الاجتناب مع الميل فكذلك، وإلا لم يكن ميل. وأما الاستدلال: فلأنه موقوف على معرفتها، ومعرفة المذوقات موقوف على التناول وتحصيل الغرض مطلوب، وهو وإن لم يكن واجبًا فلا أقل أن يكون مباحًا. وأجيب عن الأول: بمنع حكم الأصل وهو إباحة الاستظلال دون إذن مالكه؛ لكونه من الأفعال الاختيارية فهو من صور النزاع وإباحته إنما ثبتت بالشرع. وبأن علية الأوصاف أيضًا ممنوعة.

стр. 297

يعني أنا وإن سلمنا إباحة الاستظلال، لكن لا نسلم أن العلة لإباحة هذه الأوصاف التي ذكرتم، وهو الانتفاع الخالي عن أمارة المفسدة إلى آخره والقياس إنما يصح عند اشتراكهما في العلة. فإن قالوا وجدنا الإباحة دائرة مع هذه الأصاف وجودًا وعدمًا فكانت هي العلة. قلنا: دلالة الدوران على كون الوصف علة للشيء الذي دار

стр. 298

معه دلالة ضعيفة، وإليه أشار بقوله: «والدوران ضعيف» إذ لا يفيد القطع بل الظن -على رأي المصنف- والمطلب قطعي ولا يضرنا ادعاءهم أن الدوران يفيد القطع؛ لأنه لو كان ضروريًا لما اختلف فيه وأدلتهم النظرية تقبل الطعن. وأجيب عن الثاني: أن أفعاله -تعالى- لا تعلل بالغرض، لأنه إن كانت العلة قديمة لزم قدم الفعل، وإن كانت حادثة لزم أن يكون لها علة ويتسلسل، فلا نسلم أنه خلقها لغرض ولا يلزم العبث؛ إذ له أن يفعل ما يشاء كما مر. وإن سلم فالحصر في هذه الأشياء الأربعة (التي ذكرتموها)

стр. 299

ممنوع ولما لا يجوز أن يكون الغرض يعود إلينا، ولا يتوقف على التناول كالتنزه بمشاهدة ألوانها، أو الاستنشاق بروائحها، أو الاستدلال على معرفة الصانع باختلاف ألوانها وأشكالها الغريبة، أو يشتهيها فيصير عنها فيثاب عليه، فلا يلزم من عدم الإباحة عبث. وقال الآخرون: الأفعال الاختيارية تصرف في ملك الغير بغير إذن المالك وهو الله ٠ تعالى- فيحرم كما في الشاهد أي: المخلوق فإنه يحرم التصرف في ملكه بغير إذنه.

стр. 300

ورد: بأن الشاهد يتضرر به، أي: بالتصرف (في ملكه) لضيق ملكه دون الغائب عن أبصارنا، وهو الله تعالى لتنزهه وتعاليه عن التضرر ولسعة ملكه. تنبيه: فيه جواب وسؤال أورده القائلون بالإباحة والحرمة على القائلين بالتوقف فقالوا: هذه الأفعال إن كان ممنوعًا عنها فتكون محرمة وإلا فتكون مباحة، ولا واسطة بينهما. فأجاب: بأن عدم الحرمة لا يوجب الإباحة؛ لأن عدم المنع أعم من الإذن فالمباح ما أذن في فعله وتركه، وعدم المنع أعم من الإذن،

стр. 301

فإن فعل غير المكلف، غير ممنوع، ولا يسمى مباحًا، والأعم لا يستلزم الأخص، فعدم الحرمة لا يستلزم الإباحة الشرعية، وفيه نظر ذكرته في الشرح مع زيادة تحقيق.

стр. 302

الفصل الثاني: في المحكوم عليه وفيه مسائل: الأولى: المعدوم يجوز الحكم عليه،

стр. 303

والمراد به أن المعدوم الذي علم الله تعالى أنه يوجد بشرائط التكليف توجه عليه حكم في الأل، حكم بما يفهمه ويفعله فيما لا يزال. فالتعلق عقلي لا تنجيزي وذلك جائز غير محال.

стр. 304

كما أنا مأمورون بحكم الرسول ﷺ مع أن ذلك الأمر كان حال عدمنا. قيل اعتراضًا على هذا الدليل: الرسول ﷺ أخبر أن من سيولد من الكلفين فالله تعالى سيأمره، فالرسول حينئذ مخبر لا آمر. قلنا: أمر الله تعالى في الأزل، معناه أن فلانًا إذا وجد

стр. 305

بشرط التكليف فهو مأمور بكذا. قال العراقي: هذا يدل على أن المراد بالأمر هنا الإخبار، فإطلاق الأمر عليه مجاز. وقد أبطل في المحصول كون الأمر معناه الإخبار في أوائل الأوامر والنواهي، واستشكله هنا. وما نقله المصنف جزم به صاحب (الحاصل ونقله في) المحصول

стр. 306

عن بعض الأصحاب قيل اعتراضًا على هذا الجواب: الأمر في الأزل، سواء كان بمعنى الإخبار، أو بمعنى الإنشاء، ولا سامع ينقل، ولا مأمور يمتثل عبث وسفه، وهو غير جائز على الحكيم. فإن من يجلس في دار ويأمر بأوامر مختلفة ويخبر بأخبار متعددة من غير حضور أحد عد عابثًا سفيهًا، بخلاف أمر الرسول ﷺ فإنه وجد (هناك حينئذ) من سمع عنه وبلغ إلينا بالنقل.

стр. 307

قلنا: هذا مبني على القبح العقلي وهو باطل، ومع هذا أي مع تسليمنا القول بالقبح العقلي فلا سفه في مسألتنا. وذلك لأنه ليس المراد بالأمر أن يكون في الأزل لفظ هو أمر ونهي، بل المراد به معنى قديم قائم بذات الله تعالى وهو اقتضاء الطاعة من العباد، وأن العباد إذا وجدوا يصيرون مطالبين بذلك الطلب، وهذا لا سفه فيه، كما لا سفه في أن يكون في النفس طلب التعلم من ابن سيولد. الثانية:

стр. 308

لا يجوز تكليف الغافل، وهو من لا يفهم الخطاب، كالساهي والنائم والمجنون، من أحال تكليف المحال. ومفهومه أن بعض المجوزين يجوزون تكليف الغافل. (وهم الأقل) وأكثرهم على أنه (لا يجوز) وإنما قلنا: أن هذا مفهومه لأنه الواقع، ولأنه (أي

стр. 309

الاختلاف) صحيح من جهة المعنى. وقوله: من أحال تكليف المحال -بغير باء- يحتمل أنه لا فرق عنده بينه وبين ما بالباء. أو يرى الفرق -كما قيل به- وهو أن تكليف المحال: الخلل فيه في المأمور. والتكليف بالمحال الخلل فيه في المأمور به، وكلام المصنف مستقيم على الأول.

стр. 310

واعلم أن فهم المكلف للتكليف شرط لصحة التكليف عند المحققين. وذلك بأن يفهم (المخاطب الخطاب قدر ما يتوقف عليه الامتثال لا بأن يصدق) بأنه مكلف ويعلم أنه مكلف، وإلا لزم الدور وعدم تكليف الكفار، فعلى هذا لا حاجة إلى استثناء التكليف بالمعرفة على ما سيجئ، لأن التكليف بالمعرفة ليس من تكليف الغافل في شيء لأن معناه: أن لا يفهم التكليف، والخطاب. وهذا قد فهمه، إن لم يصدق به، ولم يعلم أنه مكلف.

стр. 311

فلا يكلف الغافل؛ لأن الفعل امتثالاً يعني أن الإتيان بالفعل على قصد الطاعة والامتثال لأمر الله تعالى، يعتمد العلم بالأمر وكذا الفعل المأتي به. لأن الامتثال: هو أن يقصد إيقاع الفعل المأمور به على سبيل الطاعة. ويلزم من ذلك علمه بتوجه الأمر نحوه، وبالفعل. ولا يتصور هذا من الغافل إذ لا شعور له بالأمر ولا بالفعل، فيكون تكليفه محالاً. فإن قيل: الفعل المجرد عن قصد الامتثال قد يصدر من الغافل اتفاقًا،

стр. 312

وحينئذ إذا علم الله - تعالى - وقوع الفعل من شخص فلا استحالة في تكليفه به. وقوله: ولا يكفي مجرد الفعل، جواب عن هذا السؤال المقدر في كلامه، أي: لا يكفي مجرد وقوع الفعل من غير قصد إلى إيقاعه في سقوط التكليف لقوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات" متفق عليه. أي: إنما تصح الأعمال بالنيات، فكل عمل لم يقترن بالنية لا اعتبار له.

стр. 313

وليس اعتبار طلاق السكران وقتله وإتلاقه من قبيل التكليف، بل من قبيل ربط الأحكام بأسبابها، كاعتبار قتل الطفل وإتلافه فإنه سبب لوجوب الضمان والدية من ماله على وليه وهو غير مكلف به قطعًا، بل كربط وجوب الصوم بشهود الشهر. ونوقض بوجوب المعرفة فإن التكليف بها واقع مع أنه تكليف للغافل؛ إذ لو كان المكلف عارفًا بالآمر الذي هو الله تعالى لم يكلف مرة أخرى، وإلا لزم تحصيل الحاصل.

стр. 314

وأجيب: بأنه مستثنى عن هذه القاعدة، وهو أنه لا يجوز تكليف الغافل إلا في هذه الصورة. ولما استشعر المصنف ضعف هذه المناقضة وجوابها كما حققته لك في أول المقالة بناه وقال: ونوقض وأجيب. الثالثة: الإكراه الملجئ: وهو الذي لا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، كالملقى من شاهق (يمنع التكليف بالملجأ إليه أو بنقيضه أو

стр. 315

بهما) لزوال القدرة عنه، لأن الملجأ إليه واجب الوقوع، ونقيضه ممتنع الوقوع، (ولا قدرة على واحد من الواجب والممتنع. وليس هذا كوجوب الفعل عند الداعية) والشروع فيه مع بقاء التكليف؛ لأنه وإن كان واجب الصدور ونقيضه ممتنع إلا أن أصل القدرة باق معهما، بخلاف الإكراه الملجئ، فإنه يرفع أصل القدرة فاقترقا. قال القاضي أبو بكر في مختصر التقريب: هذا الإكراه أي الملجئ لا يسمى إكراهًا عند المحققين؛ لأن الإكراه لا يتحقق إلا مع تصور اقتدار

стр. 316

وأفهم كلامه: أن الإكراه غير الملجئ، وهو الذي لا يصل للأول لا يمنع التكليف، كما لو قيل له: إن لم تقتل هذا وإلا قتلتك، وعلم أنه إن لم يفعل وإلا قتله. فالمكره: لا مندوحة له عما أكره عليه إلا بالصبر على ما أكره به. ونقل عن الأشاعرة: (لأن الفعل ممكن والفاعل متمكن وله اختيار).

стр. 317

قال العراقي: وأما الفقهاء فقالوا: لا يباح بالإكراه القتل ولا الزنا في حق الرجل بالاتفاق، كما نقله الرافعي في الجنايات.

стр. 318

والمرأة اختلف كلام الرافعي فيها: والظاهر فيها الإباحة. قالوا: وتباح السرقة، وشرب الخمر، والإفطار، وإتلاف مال الغير والخروج من الصلاة والتلفظ بالكفر.

стр. 319

الرابعة: التكليف يتوجه ويتعلق بالمكلف عند المباشرة للفعل والشروع فيه، والموجود قبل ذلك ليس أمرًا، بل هو إعلام له بأنه في الزمان الثاني سيصير مأمورًا، كما نقله في المحصول عن أصحابنا، أي: الأشاعرة. واستشكل: لأنه يؤدي إلى سلب التكاليف، فإن المكلف يقول: لا أفعل حتى أكلف ولا أكلف حتى أفعل.

стр. 320

وأجيب: بأنه قبل المباشرة متلبس بالترك، فتوجه إليه التكليف بترك الترك، وهو فعل؛ فإنه كف النفس عن الفعل، فقد باشر الترك، فتوجه إليه التكليف بترك الترك حالة مباشرته للترك وذلك الفعل، وصار اللوم والذم قبل المباشرة على التلبس بالكف عن الفعل المنهي ذلك الكف عنه. لأن الأمر بالشيء يفيد النهي عن تركه. ذكره بنحوه إمام الحرمين في تكليف ما لا يطاق. وقال: الذهاب إلى أن التكليف عند الفعل مذهب لا يرتضيه لنفسه عاقل. وقال هو وغيره: الأشعري لم ينص على جواز التكليف بما لا
следующие страницы →