← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

والأسرار: جمع سر، وهو الخفي عن الشيء. قال الجوهري: السر الذي يكتم. والمعضل: ما انغلق معناه ولا يفهم بسهولة. وفي الصحاح: المعضلات: الشدائد. (فمراد المصنف بالمعضلات: المسائل التي قوي إشكالها وبعدت عن الأفهام. والمراد بالبحث عن أستار أسرارها: البحث عن علل المسائل المشكلة وعن معانيها، فإن العلم إذا عرف بعلله، والمسائل إذا عرفت بمعانيها، كان أدعى للنفس إلى قبولها والانقياد إليها؛ لأن إشكالها حينئذ يزول، كذا قيل). وتشبيه المعاني الخفية تحت الألفاظ بالمخدرات خلف الأستار.

стр. 72

استعارة مصرحة. وإثبات الستر ترشيح. والضمير في مشكلاته ومعضلاته، قيل: عائد على الكشف لا على الملة؛ لأنها بيضاء نقية؛ ولأن الضمير مذكر. وقيل: عائد إلى الملة على تأويل الدين. وعطف على قوله: إن أولى قوله: وإن كتابنا هذا "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، الجامع بين المعقول والمشروع، والمتوسط بين الأصول والفروع، وهو أي المنهاج، وإن صغر حجمه كبر علمه

стр. 73

وكثرت فوائده وجلت عوائده. وأضاف الكتاب إلى ضمير المتكلم المعظم نفسه تعظيمًا للكتاب، وإظهارًا للنعمة قال تعالى: ﴾ وأما بنعمة ربك فحدث ﴿وفيه إشارة إلى عظم شأن هذا الكتاب. وتنشيط وترغيب للطالب على تحصيله. وفي تسميته بالمنهاج، وإضافته إلى الوصول، إيماء إلى كونه طريقًا واضحًا موصلاً إلى علم أصول الفقه (على ما يتبين). أن المنهاج والمنهج والنهج بنون مفتوحة وهاءٍ ساكنة: هو الطريق الواضح، كما قاله الجوهري. قال: وتقول نهجت الطريق على وزن ضربت إذا أوضحته وبينته. وحينئذ فتقول منه: أنا ناهج ومنهاج إذا أردت المبالغة.

стр. 74

فيجوز أن يكون تسمية الكتاب بالمنهاج مأخوذًا من المعنى الأول. قيل: فيكون شبه الكتاب بطريق واضح واسعٍ موصلٍ إلى المقصد بسهولة، فأطلق المشبه به وأراد المشبه فهو استعارة مصرحة. ويجوز أن يكون من الثاني وكلاهما حسن. وتقول أيضًا: نهجت بمعنى سلكت، وإرادة هذا المعنى بعيدة. وتكلم الناس في "هذا"، الواقعة صدر الكلام. فقيل: إنه وضع غير مشارٍ به ويشار به إذا وجد ما أريد من الإشارة، ورده الفارسي في التذكرة، واختار في الجواب: أن معناها التقريب، وتنزيله منزلة الحاضر.

стр. 75

فلما تأكد عزم المصنف على تصنيف المنهاج عامله معاملة الموجود، فأشار إليه، وذلك لغة العرب. قال الله تعالى: ﴾ هذا يوم الفصل ﴿. قال النووي: ومن المصنفين من يترك موضع الخطبة بياضًا فإذا فرغ ذكرها. فأشار إلى حاضر لتكون عبارته في الخطبة موافقة لما ذكر فيحتمل الأمران في كلام المصنف. وأصل الكتاب في اللغة الضم، فسمي كتابًا لضم حروفه ومسائله بعضها إلى بعض. والكتاب اسم للمكتوب مجازًا، وهو من باب تسمية المفعول باسم المصدر، وهو كثير. وهو في اصطلاح المصنفين: كالجنس المستقل الجامع لأبواب تلك الأبواب، أنواعه، وجمعه كتب بضم التاء وتسكن.

стр. 76

والعلم: صفة توجب لمحلها تمييزًا لا يحتمل النقيض بوجه، وهذا يتناول التصور؛ إذ لا نقيض له، والتصديق اليقيني إذ له نقيض، ولا يحتمله، ويدخل فيه إدراك الحواس الخمس كالسمع والبصر. وزاد بعضهم: في الحد قيدًا آخر، فقال: تمييزًا لها في الأمور المعنوية، فأخرج إدراك الحواس؛ لأن تمييزها في الأمور العينية الخارجية حيث رأى أنها ليست علمًا.

стр. 77

وقيل: العلم إدراك المعلوم على ما هو به. (فقوله: منهاج الوصول، يريد أن من قرأه أو فهمه وصل إلى علم الأصول). ويجوز في قوله: "الجامع" الرفع صفة لمنهاج، أو خبر بعد خبر والجر صفة لعلم الأصول، أي جمع كتاب المنهاج أو علم أصول الفقه مسائل أصوليه، عقلية، ومسائل فروعية، أي نقلية. وقوله: "المتوسط بين الأصول والفروع"، عطف على قوله: "الجامع". يعني أنه متوسط بين الأصل المسمى بعلم الكلام وبين الفروع المسمى بعلم الفقه، فهو متوسط بين المعقول والمشروع؛

стр. 78

لأن له حظا من الجانبين، تارة يأخذ من هذا وتارة يأخذ من ذاك. والمعقول أصله: اسم للعقل كالميسور اسم لليسر وهو من جملة المصادر الواردة على مثال اسم المفعول. وأصل الشرع: قال الرماني: العلم الظاهر، ومنه شرائع الإسلام وهو من الطريق: الشارع أي البارز الظاهر النير. قال الجوهري: والشريعة ما شرع الله تعالى لعباده من الدين. وسيجيء تفسير الأصول والفروع إن شاء الله تعالى. (وقيل: والمراد بالمعقول، ما أدلته قطعية كالدالة على الوحدانية وثبوت الرسالة.

стр. 79

والمراد بالمشروع ما أدلته ظنية، وهو الأحكام الشرعية. وفي الأدلة الشرعية ما هو قطعي أيضًا. لكن بانضمام الدليل العقلي إليه باعتبار النظر في مقدماته كالنظر في حال المعجزة). وقوله: "إن صغر" بغير واو، شرط - جزاؤه "كبر" والجملة الشرطية خبر هو. وفي أكثر النسخ بالواو فتكون الشرطية معترضة بين المبتدأ والخبر للتأكيد فلا تطلب الجزاء. وقيل: الواو عطف على مقدر تقديره: إن لم يصغر حجمه وإن صغر حجمه كثر علمه، ففيه مبالغة في كثرة علمه، كذا قيل. والظاهر قراءة "كبر" بالباء الموحدة لتقابل صغر، ولئلا يتكرر مع

стр. 80

ما بعده. قال في الصحاح: وكبر بالضم يكبر، أي عظم [يعظم]. قال: والصغر ضد الكبر. فكأن المصنف -رحمه الله تعالى- - أشار إلى أن كبر معناه: متضمن لكثرة مسائله العظيمة. ويوضحه قوله: وكثرت فوائده إلى آخره، والله أعلم. والفوائد جمع فائدة، قال الجوهري: وهي ما استفدت من علم أو مال. وقال الحلواني: الفائدة ما يستفاد من اللفظ، والفوائد بمعناه. قال: والأحسن أن الفوائد ما يستفاد بالعقل؛ لأن الأصل عدم الترادف.

стр. 81

ولهذا قال: كثرت فوائده؛ لأن الفوائد اللفظية يفهمها كل أحد. وقال: جلت عوائده؛ لن ما يستفاد بالعقل قليل ولكنه عظيم شريف لا يفهمه كل أحد. وقال الجوهري: العائدة: العطف والمنفعة، يقال: هذا الشيء أعود عليك من كذا أي أنفع. وقال ابن دريد: العائدة: المعروف والصلة. فعلى ما قالاه يكون معنى كلام المصنف في هذا الكتاب عطف للطالب ومنفعة ومعروف وصلة لإيضاحه وعذوبة لفظه وتحرير مسائله. فقد عظمت عوائده على طالبيه. وقال بعضهم: الفوائد هي القواعد: التي تترتب عليها الفوائد الكثيرة الفروعية. والعوائد: المسائل الدقيقة والمباحث اللطيفة، فكأنها لغاية دقتها ولطفها تجب المعاودة إليها مرة أخرى.

стр. 82

وقوله: "جمعته" استئناف، كأنه قيل: لم جمعت وضممت مسائل هذا الفن. فقال: جمعت مسائل هذا الكتاب رجاء، أي لرجائي أن يكون سببًا لرشاد المستفيدين. فرجاء: مفعول له علة لقوله: جمعته. قال صاحب المحكم: الرشد والرشد والرشاد نقيض الغي. وقال الهروي: إن معنى الثلاثة الهدى والاستقامة. وأرشده إلى أمر هداه، أي جمعت مسائل هذا الكتاب رجاء كونه هداية إلى المقاصد والمطالب لمن هو بصدد استفادة أصول الفقه، وقد حقق الله - تعالى - رجاءه بمنه وكرمه ولم يرد بالسبب حقيقته. وعطف قوله: "ونجاتي يوم الدين" على قوله: "لرشاد"، أي جمعته

стр. 83

"لرجائي" أن يكون سببًا لنجاتي أي: خلاصي يوم القيامة، وهو يوم الجزاء، ووسيلة إلى الله تعالى ونفع الآخرة لا للدنيا لحقارتها. والله تعالى حقيق بتحقيق رجاء الراجين استئناف أو حال. ورجاء ممدود وأكثر ما يستعمل في الطمع أي: أنا رجوت من الله تعالى هذا المطلوب. والحال أنه تعالى واسع جوده وعميم كرمه لائق به، وجدير له أن يحصل مرجوي ومرجو جميع المرتجين منه (ويعطيهم سؤالهم)، تقول هو حقيق بهذا الأمر أي جدير به، يعني أنه متصف بالقدرة عليه، فإنه الكريم الذي لا يخيب سائله، والجواد الذي لا يمنع المحتاجين نائله. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: "أنا

стр. 84

عند ظن عبدي بي". زاد ابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع: "فيظن بي ما شاء". وظني فيه تعالى أن يعاملني وأحبائي بما يليق بكرمه ورحمته تعالى. ووصله الله تعالى بحقيق لم ترد من جهة الشرع، فينبني على أن الأسماء توقيفية أم لا؟

стр. 85

ومذهب الشيخ: الأول كذا قيل. وروي أن بعض أهل البصرة رأى في المنام أنه سأل المصنف - رحمه الله تعالى - بعد وفاته كيف وجدت سكرات الموت؟ قال: ما وجدته، فإني كنت متأملاً في مسألة فوجدت نفسي في الجنة. هذا رجائي يا أرحم الراحمين.

стр. 86

أصول الفقه مفرداته: الأصول، والفقه، (ولابد في معرفة المركب من معرفة مفرداته من حيث يصح تركيبها. وأصول الفقه مركب إضافي دال على معنى، فلابد من معرفة مفرداته، أعنى هذين اللفظين) (الدالين على معنى) من حيث تصح الإضافة بينهما. والأصل في اللغة: ما يبنى عليه الشيء.

стр. 87

ويقال في الاصطلاح: للراجح وللمستصحب وللقاعدة الكلية وللدليل (وللصورة المقيس عليها) والفقه سيجيء تعريفه. فأصول الفقه: أدلة العلم من حيث هي أدلته، ونقل هذا المركب

стр. 88

الإضافي الذي معناه أدلة الفقه من حيث هي أدلته، وجعل في العرف علمًا للعلم بالقواعد المذكورة، في قوله: معرفة دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد. فقوله: معرفة: جنس، والمراد بها الاعتقاد الجازم المطابق، أو الملكة التي هي مبدأ تفاصيل القواعد الثلاث. والقواعد هي: القضايا الكلية التي تنطبق على جزئياتها عند تعرف أحكامها.

стр. 89

وأدلة الفقه جمع مضاف، فيعم الأدلة المتفق عليها والمختلف فيها، فخرج معرفة غير الأدلة كالفقه، وأدلة غير الفقه كأدلة الكلام، ومعرفة بعض أدلة الفقه، فإنه جزء من أصول الفقه لا أصول الفقه. والمراد من معرفة الأدلة أن يعلم أن الكتاب والسنة والإجماع والقياس أدلة يحتج بها وأن الأمر مثلاً للوجوب.

стр. 90

ودلائل جمع دليل كما جمعوا وصيدًا على وصائد، وسليلاً على سلائل، حكاه أبو حيان في الارتشاف. ويجوز أن يكون جمع دلالة، كرسائل ورسالة. والمشهور أن جمع دليل هو أدلة، والدليل فعيل بمعنى فاعل من الدلالة وهي أعم من الإرشاد والهداية. وهو في اصطلاح الأصوليين: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري. وقوله إجمالاً: أي معرفة الأدلة من حيث الإجمال ككون

стр. 91

الإجماع: حجة. وقوله: وكيفية: عطف على دلائل أي ومعرفة كيفية استفادة الفقه من تلك الدلائل، أي استنباط الأحكام الشرعية منها، وذلك يرجع إلى معرفة شرائط الاستدلال كتقديم النص على الظاهر، فلابد من معرفة تعارض الأدلة، ومعرفة الذي به الترجيح.

стр. 92

وجعل من أصول الفقه، لأن المقصود من معرفة أدلة الفقه استنباط الأحكام، وهو متوقف على الترجيح بعد التعارض إذ هي ظنية، والمطلوب قابل للتعارض محتاج إلى الترجيح. وقوله: وحال المستفيد: عطف على دلائل، أي ومعرفة حال المستفيد، وهو طالب حكم الله تعالى فيدخل المجتهد والمقلد إذ المجتهد يستفيد الأحكام من الأدلة، والمقلد منه. وأشار بذلك إلى شرائط الاجتهاد وشرائط التقليد (كذا قيل). وكان من أصول الفقه؛ لأن الأدلة الظنية ليس بينها وبين مدلولها ربط عقلي لجواز عدم دلالته عليه فاحتيج إلى رابط وهو

стр. 93

الاجتهاد. فائدة: كل علم له موضوع ومسائل. فموضوعه هو ما يبحث في ذلك العلم عن الأحوال العارضة له: ومسائله هي تلك الأحوال، فموضوع أصول الفقه هو الأدلة؛ لأنه يبحث فيه عن الأحوال العارضة لها من حيث دلالتها على الأحكام. ومسائله: هي معرفة الأدلة باعتبار ما يعرض لها. وهذا الأخير هو الواقع في الحد، لا الأول.

стр. 94

قال العراقي ما حاصله: أن حمل المستفيد في كلام المصنف على المجتهد والمقلد ضعيف، فإن الفقه ليس موقوفًا على التقليد، ولا يسمى علم المقلد فقهًا، فليست معرفته من أصول الفقه، نعم، إذا علم المجتهد علم أن سواه مقلد، فمعرفته ليست مقصودة بل تحصل تبعًا. (وأورد عليه: أن حده غير مانع لدخول التصور تحته. وأورد أيضًا: أن تعبيره بالمعرفة يقتضي فقدان أصول الفقه عند فقدان العارف به، وليس كذلك.

стр. 95

وأجيب عن الثاني بالتزامه، فقد جعل النبي ﷺ ذهاب العلماء ذهابًا للعلم. وأيضًا: الفقه كما يتفرع عن دليله، يتفرع عن العلم بدليله). والفقه لغة: الفهم. واصطلاحًا: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها

стр. 96

التفصيلية. فقوله: العلم جنس، وخرج بالأحكام العلم بالذوات والصفات والأفعال؛ لأن الأحكام هي القضايا، والنسب التامة.

стр. 97

والمراد بالشرعية: المأخوذة من الشرع المبعوث به النبي ﷺ وقوله العملية: أي المتعلقة بكيفية عمل قلبي أو غيره. كالعلم بأن الوتر مندوب. فخرج بالشرعية: العقلية، وبالعملية: العلمية أي الاعتقادية

стр. 98

كالعلم بأن الله تعالى واحد، واللغوية، والحسابية. والألف واللام في الأحكام يجوز أن تكون للجنس ولا يدخل المقلد لأن المراد بالعلم بالأحكام ما يقابل الظن. وبالأدلة التفصيلية: الأمارات التي تفيد الظن

стр. 99

وأن العمل بموجب الظن واجب قطعًا على المجتهد دون المقلد، لا بمعنى أن الفقه عبارة عن العلم (بموجب العلم) بل بمعنى أنه يجب عليه الجزم بوجوب ما دلت الأمارة على وجوبه، وحرمة ما دلت الأمارة على حرمته. وهكذا فالمجتهد هو الذي يفضي به ظنه الحاصل من الأمارة إلى العلم بالأحكام بهذا المعنى، بخلاف المقلد فإن ظنه لا يصير وسيلة إلى العلم. وفي هذا إشارة إلى جواب القاضي أبي بكر الآتي: ويجوز أن تكون للاستغراق ولا يخرج بعض المجتهدين، إذا لم يحط

стр. 100

بالكل؛ إذ المراد بالعلم بالجميع: التهيؤ له وهو أن يكون عنده ما يكفيه في استعلام الجميع من المآخذ والأسباب والشروط فيرجع إليه ويحكم، وعدم العلم في الحالة الراهنة لا ينافيه لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة، أو لعدم التمكن من الاجتهاد في الحال. وإطلاق العلم على مثل هذا شائع في العرف، وهذا ما يقال: إن العلم عبارة عن ملكة يقتدر بها على إدراكات جزئية. وقوله: المكتسب: صفة للعلم، وأخرج به علم الله تعالى والنبي وجبريل ﵉.

стр. 101

وقوله التفصيلية: خرج به العلم بذلك المكتسب للجدل من المقتضى والنافي المثبت بهما، ما يأخذه من الفقه ليحفظه عن إبطال خصمه، وكذا علم المقلد. وتعبير المصنف في تعريف الأصول بالمعرفة، وفي الفقه بالعلم، كأنه حاول به التنبيه على أن المراد بالمعرفة والعلم واحد لا كما اصطلح عليه البعض من التفرقة بينهما.

стр. 102

قال الجوهري: علمت الشيء أعلمه علمًا: عرفته. قال العراقي: وقد وقع إطلاق المعرفة على الله تعالى في كلام النبي ﷺ وأقوال الصحابة، وكلام أهل اللغة، ثم بسطه. ثم أورد المصنف على حد الفقه إشكالاً فقال: وقيل: الفقه من باب الظنون؛ لأنه مستفاد من الأدلة السمعية

стр. 103

فيكون مظنونًا؛ لأن الأدلة السمعية كيفما كانت لا تفيد إلا الظن. وما كان مقطوعًا منها فمن ضروريات الدين فليس بفقه، فالفقه إذًا مظنون فلا يصح أن يقال: الفقه العلم بالأحكام بل الظن. قلنا جوابًا عن هذا الإشكال: لا نسلم كون الفقه ظنيًا بل هو قطعي؛ لأن المجتهد إذا ظن الحكم حصل له مقدمة قطعية، مثلاً:

стр. 104

إذا غلب على ظنه انتقاض الوضوء بالمس حصل له مقدمة قطعية، وهي: انتقاض الوضوء مظنون، وأشار إليها بقوله: إذا ظن، ولنا مقدمة أخرى قطعية، وهي كل مظنون يجب عليه العمل به. وأشار إليها بقوله: وجب عليه الفتوى والعمل به، فينتج انتقاض الوضوء يجب عليه العمل به، وهذه النتيجة قطعية؛ لأن المقدمتين قطعيتان. الأولى وجدانية والثانية للدليل القاطع على وجوب إتباع الظن. فالحكم مقطوع به.

стр. 105

وقد اختلف في الدليل القاطع. فقيل: هو الإجماع على أن كل مجتهد يجب عليه العمل والإفتاء بما ظنه. قيل: وفيه نظر: فإن الإجماع ظني. وقيل: هو الدليل العقلي، لأن الظن هو الطرف الراجح من الاحتمالات فالطرف المقابل له مرجوح، والعمل بهما، يلزم منه اجتماع النقيضين، وتركهما بالعكس، والعمل بالمرجوح خلاف العقل، فتعين العمل بالراجح. وهو الظن. وفيه نظر: فإنه إنما يجب العمل به، أو بنقيضه، إذا ثبت بدليل قاطع أن كل فعل يجب أن يتعلق به حكم شرعي. وليس كذلك، فيجوز أن يكون عدم وجوبه بسبب عدم الحكم الشرعي، فيبقى الفعل على البراءة الأصلية كحاله قبل الاجتهاد، وكحاله

стр. 106

عند الشك. وأجيب عنه: بأنه لابد من دليل قاطع على إتباع الظن دفعًا للتسلسل أو إثبات الظن بنفسه. وذلك القاطع إما إجماع وحده، وإما مع قرائن تحف به. وقد مر (تحقيق جواب الشبهة). وقوله: "والظن في طريقه" أشار إلى أن الظن، وإن كان واقعًا في المقدمتين فإنه قد وقع التصريح به في محمول الصغرى، وموضوع الكبرى، فلا يضر في قطعيتهما؛ لأن المعتبر في كون المقدمة قطعية أو ظنية إنما هو النسبة الحاصلة فيها سواء كان الطرفان قطعيين أو ظنيين، أو أحدهما وقد تقدم أن النسبتين قطعيتان.

стр. 107

(وأورد على الحد أيضًا: أنه غير مانع لدخول التصور تحته؛ لأن العلم ينقسم إلى تصور وتصديق، ولم يأت بعد ذلك بما يخرجه والفقه تصديق لا تصور. وأجيب: بأن التصور خرج بقوله: "بالأحكام" فإن الحكم هو النسبة الخبرية. قيل: وإن أراد المصنف بالحكم هنا: إنشاء الأمر والنهي والتخيير كما هو الموافق لتعريفه له بالخطاب. وهذا قد يتعلق به العلم على وجه التصور، فيخرج التصور بقوله: "المكتسب من أدلتها التفصيلية" فإن التصور مكتسب من التعريفات لا من الأدلة. وأورد أيضًا: أن الحكم يطلق على النسبة الخبرية، وعلى إنشاء الأمر

стр. 108

ونحوه، ووقوع المشترك في التعريف ممتنع. وأجيب بجوازه إذا دلت قرينة على المراد، كما صرح به الغزالي في مقدمة المستصفى. والقرينة هنا موجودة، فإن العلم متعد إلى مفعولين ولا يجوز دخول الباء على مفعوله إلا إذا تضمن نسبة بنفي أو إثبات، فلما دخلت الباء مع لفظ "العلم" الذي ظاهره التعدي إلى مفعولين مع لفظ "الحكم" الذي هو ظاهر في النسبة كان ذلك قرينة في أن المراد بالأحكام ثبوتها لا تصورها. وأورد أيضًا: أن لفظ الفقه بهذا التعريف لا يتناول إلا علم المجتهد. فمقتضاه:

стр. 109

أنه إذا وقف على الفقهاء يختص به المجتهدون، وليس كذلك. وأجيب: بأن هذا اصطلاح خاص فلا يلتفت إليه في الألفاظ فإن المرجع فيها إلى اللغة والعرف العام. وإلى هذا أشار المتولى بقوله: إنه "يرجع فيه إلى العادة".

стр. 110

ونظر في جواب المصنف عن شبهة القاضي فإن النزاع في أن الحكم الغالب على ظن المجتهد هل هو مقطوع به، ولم يقم الدليل عليه، وإنما أقامه على القطع بوجوب العمل بالحكم المظنون، ولا يلزم منه إذًا قطع بالحكم، فإن سلم فلا يدل على أنه معلوم؛ إذ العلم أخص من القطع، إذ المقلد قاطع وليس بعالم. وقد يقال: إذا كان وجوب العمل بدليل قاطع، فإنه يلزم منه العلم، كما مر) ودليله أي دليل الفقه المتفق عليه بين الأئمة الأربعة الكتاب والسنة والإجماع والقياس. والمختلف فيه الاستصحاب والاستحسان والأخذ بالأقل وغيره مما سيجيء إن شاء الله تعالى. والمقصود من هذه الأدلة استنباط الأحكام الخمسة ليتمكن من
следующие страницы →