← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18274

تيسير الوصول إلى منهاج الأصول

ابن إمام الكاملية

Полный текст (2 009 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

أو لقرينة في النفي، هو معطوف على قوله: في الإثبات، أي يفيد العموم بقرينة في النفي كالنكرة في سياقه، أي سياق النفي، والمراد النكرة المعنوية ليدخل المطلق. وليس المراد النكرة الصناعية القابلة للمعرفة سواء باشرها النفي نحو: ما أحد قائم. أو باشر عاملها نحو ما قام أحد. وسواء كان النافي "ما" أو "لم" أو غيرهما. ثم إن كانت النكرة صادقة على القليل والكثير "كشيء" أو ملازمة للنفي نحو "أحد" أو داخلاً عليها من نحو: ما من رجل، أو واقعة بعد "لا" العاملة عمل إن، وهي لا التي لنفي الجنس.

стр. 807

فواضح كونها للعموم، وما عدا ذلك نحو: لا رجل قائمًا، وما في الدار رجل. فالأصح: أنها ظاهرة في العموم لا نصًا. واستثنى صاحب التلقيحات سلب الحكم عن العموم، كقولنا ما كل عدد زوجًا. فإن هذا ليس من باب عموم السلب، أي: ليس حكمًا بالسلب على كل فرد، وإلا لم يكن فيه زوج، وذلك باطل.

стр. 808

بل المقصود إبطال قول من قال: كل عدد زوج، وذلك سلب الحكم عن العموم. وقوله: أو عرفًا، عطف على لغة، مثل قوله تعالى: ﴾ حرمت عليكم أمهاتكم ﴿. فإن أهل العرف حولوا هذا التحريم، وهو تحريم العين إلى تحريم أنواع الاستمتاعات؛ لأن الاستمتاع يفهم عرفًا إذا قيل: "حرمت عليك هذه المرأة" دون تحريم العين، أو الخدمة. أو يفيد العموم عقلاً، وهو عطف على عرفًا، كترتيب الحكم

стр. 809

على الوصف المناسب، نحو: حرمت الخمر للإسكار، فإن ترتيبه عليه يشعر بالعلية، والعقل يحكم؛ لأنه كلما وجدت العلة، وجد المعلول، وكلما انتفت انتفى. وأما في الغلة فإنه لم يدل على هذا العموم. أما في المفهوم فواضح، وأما في المنطوق فلما مر أن تعليق الشيء بالوصف لا يدل على التكرار من جهة اللفظ. ومعيار العموم جواز الاستثناء. أي: يعرف العموم به، فإنه أي الاستثناء يخرج ما يجب اندراجه

стр. 810

لولاه، أي: لولا الاستثناء. فلزم من ذلك دخول جميع الأفراد في المستثنى منه. وإلا أي: لو لم يجب دخوله فيه لجاز أن يستثنى من الجمع المنكر، لكن الاستثناء منه لا يجوز باتفاق النحاة. قالوا: إلا أن يكون المستثنى منه مختصًا، نحو: جاء رجال كانوا في دارك إلا زيدًا منهم. فإن قلت: لو كان الاستثناء معيارًا للعموم، لكان أسماء العدد عامًا لجواز الاستثناء منها، وليس كذلك. أجيب: بأن جواز الاستثناء معيار العموم إذا كان استثناء بعض ما يصلح اللفظ له عن بعض أفراده والعدد ليس كذلك، فإن بعض العشرة لا تصلح العشرة له.

стр. 811

قيل: لو وجب أن تناول المستثنى منه المستثنى، لامتنع الاستثناء لكونه نقضًا؛ لأن المتكلم دل بأول كلامه على أن المستثنى داخل فيه، ودل بالاستثناء على عدم دخوله. قلنا: منقوض بالاستثناء من العدد، فلو كان الاستثناء عن لفظ العام مع وجوب تناوله للمستثنى نقضًا، لكان الاستثناء عن العدد نقضًا، لوجوب التناول في العدد، لكونه نصًا في وجوب اندراج جميع الآحاد فيه، لكنه ليس بنقض، وإلا لم يوجد في كلام الله تعالى، وقد وجد فيه. وتحقيقه كما قال الأكثرون: إن المراد بعشرة ونحوها في قوله: على عشرة إلا ثلاثة، إنما هو سبعة، وإلا ثلاثة، قرينة لإرادة السبعة من العشرة، إرادة الجزء باسم الكل كما في التخصيص بغيره حيث

стр. 812

يقول: ﴾ اقتلوا المشركين ﴿والمراد الحربيون بدليل يخرج الذمي. وقال القاضي أبو بكر: المجموع، وهو عشرة إلا ثلاثة بإزاء سبعة كأنه وضع له اسمان مفرد وهو سبعة، ومركب وهو عشرة إلا ثلاثة". وقيل: المراد بعشرة في هذا التركيب هو معنى عشرة باعتبار أفراده لم يعتبر فهو يتناول السبعة والثلاثة معًا، ثم أخرجت عنه الثلاثة بقوله: إلا ثلاثة، فدل "إلا" على الإخراج، وثلاثة على العدد المسمى بها حتى بقي سبعة. ثم أسند إليه فلم يسند إلا إلى سبعة، فلا ثم إلا إثبات ولا نفي أصلاً فلم يتناقض.

стр. 813

قال ابن الحاجب: وهذا هو الصحيح. وله زيادة تحقيق في الأصل يتعين نظرها. وأيضًا عطف على، ومعيار العموم، فيكون دليلاً ثانيًا على أن هذه الصيغ للعموم، فإن الأول: دليل على ذلك، وهو استدلال الصحابة ﵃ بعموم ذلك، أي: استدلوا بعموم الصيغ في الوقائع من غير إنكار عليهم، وشاع وذاع فيكون إجماعًا. فمنها استدلالهم بعموم الجنس المحلى بأل مثل قوله تعالى: ﴾ الزانية والزاني فاجلدوا ﴿.

стр. 814

ومنها استدلال فاطمة على أبي بكر ﵄ (في الإرث بقوله تعالى: ﴾ يوصيكم الله في أولادكم ﴿ولم ينكر عليها أبو بكر) ولا أحد من الصحابة بل عدل أبو بكر إلى تخصيصه بالحديث الآتي، فيكون إجماعًا منهم على أن الجمع المضاف، وإن كان جمع فإنه عام. وقيل: الاستدلال إنما هو بقرينة العقل وهو واضح في الأصل. ومنها: استدلال عمر ﵁ بقوله - صلى الله عليه

стр. 815

وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" متفق عليه. وذلك لما هم أبو بكر ﵁ بقتال مانعي الزكاة، فاحتج عليه بعموم اسم الجنس المحلى بالألف واللام، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، ولا أبو بكر ﵃، لأنهم ما قالوا: إن اللفظ ما يفيده، بل استدل أبو بكر - ﵁ - بالاستثناء المذكور في الحديث، وهو قوله ﵇: "إلا بحقه" أي: بحق هذا القول الذي هو كلمة الشهادة.

стр. 816

وهنا تدقيق وفوائد تتعلق بالحديث في الأصل. ومنها: احتجاج أبي بكر ﵁ بما روي عنه ﷺ أنه قال: "الأئمة من قريش" رواه النسائي مرفوعًا، وفيه بكير بن وهب.

стр. 817

قال الذهبي: تبعًا ليحيي القطان: لا يعرف حاله، لكن وثقه ابن حبان: وله طرق يقوي بعضه بعضًا، وقرره الصحابة، ولولا أن الصيغة للعموم لما كان فيه حجة في الصورة الجزئية. ومنها: استدلال أبي بكر ﵁ على منع فاطمة ﵂ من إرثه ﷺ بقوله ﷺ : "نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة"

стр. 818

وهذا الحديث معزو إلى الترمذي في غير جامعه، وروى النسائي في سننه الكبرى: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" رواه الترمذي وقال حسن غريب. والنبي اسم جنس يعم كل الأنبياء، وغير ذلك مما لا يحصى كثيره شائعًا من غير نكير.

стр. 819

وتجويز كون العموم في هذه الأشياء يحتمل أن يكون لقرينة لا تنافي الظهور مع أن الأصل عدمها.

стр. 820

الثالثة

стр. 821

الجمع المنكر إذا لم يكن مضافًا نحو: رجال لا يقتضي العموم. لأنه يحتمل كل أنواع العدد، بدليل صحة تقسيمه إليه، وتفسير الإقرار به وإطلاقه عليه ووصفه به. كرجالٍ ثلاثة وعشرة. ومورد التقسيم، وهو الجمع، أعم من أقسامه، فيكون الجمع أعم وكل فرد أخص. ومن جملة أقسامه: الجمع المستغرق، والأعم لا يدل على الأخص ولا يستلزمه فلا يدل عليه، بخصوصه فلا يحمل عليه. وقوله: في كل أنواع العدد، أي من الثلاثة فصاعدًا وإلا فيرد

стр. 822

الاثنان. وقال الجبائي: الجمع المنكر حقيقة في كل أنواع العدد بدليل صحة حمله لغة على كل عدد، بطريق الحقيقة، فيحمل على جميع حقائقه، لأنه أولى. قلنا: لا، أي: ليس حقيقة في كل أنواع العدد، بل حقيقة في القدر المشترك. بيانه: أنك إن أردت الاشتراك اللفظي فممنوع، ولا يلزم

стр. 823

من إطلاقه على كل نوع أن يكون حقيقة فيه بخصوصه حتى يكون مشتركًا لفظيًا. وإن أردت أنه مشترك اشتراكًا معنويًا فمسلم، لكن لا يدل على النوع المستغرق، لكونه أعم منه. فلا دلالة له على خصوص أصلاً، كما، قدمته. الرابعة نفي المساواة في قوله تعالى: ﴾ لا يستوى أصحاب النار وأصحاب

стр. 824

الجنة ﴿يحتمل نفي الاستواء من كل وجه، ومن بعضه، فهو مشترك، بدليل صحة تقسيمه إليهما، فلا يبقى الاستواء من كل وجه؛ لأن الأعم لا يستلزم الأخص، (و) لأن الأعم لا إشعار له بالأخص بوجه من الوجوه، فلا يلزم من نفيه نفيه. وهذا الدليل ضعيف؛ لأن الأعم لا يدل على الأخص في طرف الإثبات، لا في طرف النفي، فإن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص ضرورة.

стр. 825

فإن الإنسان ينتفي بانتفاء الحيوان قطعًا، ولولا ذلك لجاء مثله في كل نفي فلا يصح أبدًا؛ إذ يقال في: لا رجل، أعم من الرجل، بصفة العموم، فلا يشعر به. وهو خلاف ما ثبت بالدليل. وما اختاره المصنف من أن نفي المساواة لا يقتضي العموم، تابع فيه الإمام الرازي. ومذهب الشافعي ﵁ أنه يقتضي العموم أي: يدل على عدم جميع وجوه المساواة. وصححه ابن برهان، والآمدي وابن الحاجب.

стр. 826

فلا يقتل مسلم بكافر ولو ذميًا، وهنا نفائس في الأصل. وقوله: لا آكل عام في المأكول فيحمل على التخصيص، كما لو قيل: لا آكل أكلاً. وفرق أبو حنيفة ﵀ بأن أكلاً: يدل على التوحيد وهو ضعيف: فإنه للتوكيد فيستوى فيه الواحد والجمع.

стр. 827

اعلم أنه إذا حلف على الأكل وتلفظ بشيء معين، كقوله مثلاً: والله لا آكل التمر، أو لم يتلفظ به لكن أتى بالمصدر ونوى به شيئًا معينًا، كقوله: والله لا آكل آكلاً، فلا خلاف بين الشافعي وأبي حنيفة ﵄ أنه لا يحنث بغيره. فإن لم يتلفظ بالمأكول ولم يأت بالمصدر، ولكنه خصصه بنيته، كما إذا نوى التمر بقوله: والله لا أكلت، أو إن أكلت فعبدي حر. ففي تخصيص الحنث به مذهبان منشؤهما أن هذا الكلام هل هو عام أم لا؟ فعلم أن صورة المسألة المختلف فيها: أن يكون فعلاً متعديًا لم يقيد بشيء، كما ذكره إمام الحرمين، والغزالي والآمدي وغيرهم.

стр. 828

وأن يكون واقعًا بعد النفي أو الشرط، كما صوره ابن الحاجب وغيره. وهذه الأمور مأخوذة من تمثيل المصنف. فمذهب أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - أنه ليس بعام، فلا يقبل التخصيص لأنه فرع العموم. ومذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أنه عام لأنه نكرة في سياق النفي، أو الشرط فيعم. ولأن لا آكل، يدل على نفي حقيقة الأكل الذي تضمنه الفعل، أعني المصدر، فلو لم ينتف بالنسبة إلى بعض المأكولات لم تكن حقيقة منتفية، ولا معنى للعموم إلا ذلك، وإذا ثبت أنه عام فيقبل التخصيص.

стр. 829

واستدل المصنف على أن لا آكل عام، بالقياس على لا آكل أكلاً. فإن أبا حنيفة - رضي الله تعالى عنه - سلم أنه قابل للتخصيص بالنية كما مر. فكذلك لا آكل إذ المصدر موجود فيه أيضًا. وفرق أبو حنيفة رضي الله (عنه) بينهما بأن أكلاً مصدر يدل على التوحيد، فيكون كالنكرة في سياق النفي، فيفيد العموم. ويقبل التخصيص ببعض المأكولات بخلاف لا آكل بدون أكلاً، فهو لنفي الحقيقة، وتخصيصه تفسير له بما لا يحتمله. قال المصنف: وهو - أي: الفرق - ضعيف. فإنا لا نسلم أن أكلاً للتوحيد، بل هو للتأكيد باتفاق النحاة. والمصدر المؤكد يطلق على الواحد والجمع ولا يفيد فائدة زائدة على فائدة المؤكد، فلا فرق بين الأول والثاني.

стр. 830

ولو سلمنا أن لا أكل ليس بعام، لكنه مطلق والمطلق يصح تقييده اتفاقًا وهنا فوائد نفيسة في الأصل. * * *

стр. 831

الفصل الثاني: في الخصوص وهو الانفراد، وفيه مسائل: الأولى التخصيص إخراج بعض ما يتناوله اللفظ. فقوله: إخراج كالجنس.

стр. 832

وقوله: بعض، احتراز عن نسخ الكل. وقوله: ما يتناوله اللفظ، دخل فيه العام وغيره كالاستثناء من العدد، فسيأتي أنه من المخصصات. وكذا بدل البعض كما صرح به ابن الحاجب نحو: أكرم الناس قريشًا. وأخرج بما يتناوله اللفظ: الاستثناء المنقطع، وعما ليس بلفظ كالمفهوم والعلة. وأورد عليه أن ما أخرج باللفظ لم يتناوله. وأجيب بأن المراد ما يتناوله الخطاب بتقدير عدم المخصص كقولهم: خصص العام، وهذا عام مخصوص.

стр. 833

ولا شك أن المخصص ليس بعام، لكن المراد به كونه عامًا لولا تخصيصه. ولما كان النسخ شبيهًا بالتخصيص، لكونه مخرجًا لبعض الأزمان، قال: والفرق بينه وبين النسخ: أنه أي التخصيص يكون في البعض، أي: بعض الأفراد والنسخ عن الكل. وفيه نظر: لأن إخراج البعض بعد العمل نسخ لا تخصيص، وفي بعض النسخ: والنسخ قد يكون عن الكل بزيادة "قد" وعلى هذا فلا إيراد.

стр. 834

والأحسن في الفرق: أن النسخ بحسب الأزمان والتخصيص بحسب الأشخاص. والمخصص - بفتح الصاد - العام المخرج عنه، والمخصص - بكسر الصاد - هو المخرج - بكسر الراء. وهذا أي المخرج حقيقة، إرادة اللافظ لأنه لما جاز أن يريد الخطاب خاصًا وعامًا لم يترجح أحدهما على الآخر إلا بالإرادة. ويقال: المخصص للدال عليها، أي على الإرادة مجازًا. والدال يحتمل أن يكون صفة للشيء الدال على الإرادة، وهو دليل التخصيص لفظيًا كان أو عقليًا أو حسيًا، تسمية للدليل باسم المدلول. ويحتمل أن يكون صفة للشخص، أي الشخص الدال على الإرادة، وهو المريد نفسه، أو المجتهد أو المقلد تسمية للمحل باسم الحال.

стр. 835

وقال بعضهم: يقال بالمجاز على الدلالة على تلك الإرادة. فائدة: العام المخصوص: هو الذي أريد عمومه وشموله لجميع الأفراد، من جهة تناول اللفظ لها، لا من جهة الحكم. والعام الذي أريد به الخصوص لم يرد شموله لجميع الأفراد لا من جهة التناول ولا من جهة الحكم بل كلي استعمل في جزئي. ولهذا كان مجازًا قطعًا، لنقل اللفظ عن موضوعه الأصلي،

стр. 836

بخلاف العام المخصوص، فإن فيه خلافًا سيجيء. وفرق بينهما أيضًا: بأن قرينة العام المخصوص لفظية، وقرينة الذي أريد به الخصوص عقلية. وأيضًا قرينة المخصوص: قد تنفك عنه، وقرينة الذي أريد به الخصوص لا تنفك عنه. * * *

стр. 837

الثانية الشيء القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدد؛ لأن التخصيص إخراج البعض، والأمر الواحد لا يتصور فيه ذلك. وأورد: أسماء الأعداد، والجمع المنكر. وأجيب: بأن مدلول أسماء العدد واحد لا متعدد، فإن المتعدد في المعدود لا في اسم العدد، والجمع المنكر يقبل التخصيص إذا كان معه قرينة لفظية أو معنوية، ولا يلزم من قبوله التخصيص وقوع التخصيص حال تنكيره، وتجرده عن قرائن العموم. وأورد القرافي على إطلاق المصنف: أن الواحد يندرج فيه الواحد بالشخص وهو يصح إخراج بعض أجزائه لصحة قولك: رأيت زيدًا، وتريد بعضه.

стр. 838

ثم إن المتعدد قد يكون لفظًا، كقوله تعالى: ﴾ اقتلوا المشركين ﴿. أو يكون معنى، وهو ثلاثة. الأول: العلة وجوز تخصيصها على ما سيجيء - إن شاء الله تعالى - في القياس كما في العرايا فإن الشارع نهى عن بيع الرطب

стр. 839

بالتمر، وعلله بالنقصان إذا جف، وهذه العلة موجودة في العرايا، مع أن الشارع جوزه. الثاني: مفهوم الموافقة، فيخصص بشرط بقاء الملفوظ، كقوله تعالى: ﴾ فلا تقل لها لهما أف ﴿فإنه يدل بمنطوقه على تحريم التأفيف، وبمفهومه على تحريم الضرب، وسائر أنواع الأذى. وخص عنه مثل (جواز حبس) الوالد في دين الولد؛ فإنه جائز

стр. 840

على ما صححه الغزالي وجماعة منهم المصنف (في الغاية القصوى). فأما إذا أخرج الملفوظ به، وهو التأفيف في مثالنا، فإنه لا يكون تخصيصًا بل نسخًا للمفهوم، وهو معنى قوله بعد ذلك: الأصل يستلزم نسخ الفحوى وبالعكس. فإن قلت: حكمه هنا بأن إخراج الفحوى تخصيص لا نسخ للمنطوق معارض لما حكيناه عنه في النسخ. أجيب: بأنه إن كان الإخراج لمعارض راجح كردة الأب المقتضية لقتله، ومطله المقتضي لحبسه، كان تخصيصًا لا ناسخًا للمنطوق. لأنه لا ينافي ما دل عليه من الحرمة وهذا هو المراد هنا. وإن لم يكن، بل ورد ابتداء كان ناسخًا لمنافاته إياه. وهذا هو المراد هناك. قال العراقي: وأقول السؤال من أصله غير وارد، ولم يتكلم المصنف في إخراج جميع الفحوى، وإنما كلامه في إخراج بعضها، وهو حقيقة

стр. 841

التخصيص، ولا يلزم من تخصيص الفحوى وهو إخراج بعض أفرادها نسخ الأصل، فإن حصل نسخ في الفحوى بأن أخرج جميع أفرادها عن الحكم كان نسخًا للأصل وهو الذي تكلم فيه المصنف هناك. الثالث: مفهوم المخالفة، فيخصص بدليل راجح على المفهوم؛ لأنه إن كان مساويًا كان ترجيحًا من غير مرجح، وإن كان مرجوحًا كان العمل به ممتنعًا. وهذا الشرط أهمله الإمام وهو الحق، لأن المخصص لا يشترط فيه الرجحان كما سيجيء؛ لأن فيه جمعًا بين الدليلين وذلك كتخصيص مفهوم قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا". رواه أبو داود

стр. 842

والترمذي وابن ماجة وغيرهم. وصححه الحفاظ بالراكد. ويعني أن مفهوم: "إذا بلغ الماء قلتين" يدل على أنه يحمل الخبث إذا لم يبلغهما. وهذا المفهوم قد أخرج منه الجاري فلا ينجس إلا بالتغيير لقوله ﷺ : "الماء طهور لا ينجسه شيء". رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

стр. 843

فدل بمنطوقه على عدم التنجيس. والمنطوق أرجح من المفهوم. واختيار المصنف هذا تابع فيه الغزالي وغيره وهو قول قديم للشافعي ﵁. والصحيح عدم الفرق بين الراكد والجاري؛ لأن عموم الحديث الثاني، مخصوص بمفهوم الأول. قيل: التخصيص لا يجوز، لأنه في الأوامر يوهم البداء، بفتح الباء الموحدة والمد ودال مهملة - وهو ظهور المصلحة بعد خفائها.

стр. 844

أو يوهم الكذب إن كان خبرًا، وهما على الله تعالى ممتنعان. قلنا: يندفع بالمخصص، أي بالإرادة، أو بالدليل الدال على الإرادة، وذلك أنا إذا علمنا أن اللفظ في الأصل يحتمل التخصيص، فقيام الدليل على وقوعه مبين للمراد، وإنما يلزم البداء الكذب أن لو كان المخرج مرادًا. واعلم أن كلام الإمام الرازي وأتباعه، وابن الحاجب يقتضي أن الخلاف في الأمر والخبر. قال الإسنوي: وليس كذلك بل في الخبر خاصة.

стр. 845

كما صرح به الآمدي، وهو مقتضى كلام "المعتمد" والشيخ أبي إسحاق وغيرهم. الثالثة يجوز التخصيص ما بقي من المخرج منه عدد غير محصور. وما هنا مصدرية، تقديره يجوز التخصيص مدة بقاء عدد غير محصور من المخرج عنه.
следующие страницы →