Полный текст (329 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
(ولا خلوت الدهر من حاسد ... فإنما الفاضل من يحسد)
ولذلك قال بعض العرب «السيد من إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر عبناه». وكذلك تستعار ألفاظ المدح في موضع الذم فيكون ذلك أشد على المذموم من لفظ الذم بعينه؛ لأن في ذلك مع الذم نوعاً من الهزء، كقولهم للأحمق: يا عاقل، وللجاهل: يا عالم! وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم؛ فكذلك إذا استعيرت لفظة التقليل مكان التكثير [كان أبلغ في المدح والفخر؛ لأنه يصير المعنى ما ذكرناه من أن الشيء الذي يكثر منه يقل من غيره، فيكون] أبلغ من لفظ التكثير المحض ولو وقع ههنا. وكذلك يستعيرون (كم) في موضع التقليل على وجه الهزء ويقولون: كم بطل قتل زيد! وكم ضيف قرى! وهو لم يقتل بطلاً ولم يقر ضيفاً، فيكون أبلغ من قولهم: جبان، وهو بخيل. ويدل على أن هذا غرضهم في ذكر (رب) في هذا الموضع أنهم قد صرحوا به في مواضع كثيرة من أشعارهم، كقول سالم بن وابصة:
(وموقف مثل حد السيف قمت به ... أحمي الذمار وترميني به الحدق)
стр. 107
(فما زلقت وما أبليت فاحشة ... إذا الرجال على أمثالهم زلقوا)
ألا تراه يفتخر بأن هذا الموقف يكثر منه مع قلة وجوده من غيره؟ ومثله قول الآخر:
(يا رب ليلة هول قد سريت بها ... إذا تضجع عنها العاثر الوكل)
وكذلك قول العجاج:
(ومهمه هالك من تعرجا ... هائلة أهواله من أدلجا)
(إذا رداء ليله ترجرجا ... علوت أخشاه إذا ما أجبجا)
ونظير هذا [في] أن له نسبتين مختلفتين، نسبة كثرة إلى المفتخر ونسبة إلى [قلة] إلى من يعجز عنه فيأتي [تارة على نسبة الكثرة بلفظ الكثرة بلفظ (كم) و] تارة
стр. 108
على نسبة القلة بلفظ (رب) أنهم إذا سموا رجلاً بالعباس، والحارث، والحسن، ونحوه من هذه الصفات، فربما أقروا فيها الألف واللام مراعاة لمذهب الصفة التي انتقلت عنها وربما حذفوا الألف واللام مراعاة لمذهب العلم الذي صارت إليه فتكون [لها] نسبتان مختلفتان تأتي بإحداهما تارة وبالأخرى تارة. ونظير اجتماع الكثرة والقلة في هذا الباب لغرض من الأغراض، اجتماع اليقين والشك في نحو قولهم: (قد علمت: أزيد في الدار أم عمرو؟ ) وهذا كلام طريف على ظاهره؛ لأن الذي يدعي العلم لا يستفهم، والذي يستفهم لا يدعي العلم. وإنما تأويله أني علمت حقيقة ما يستفهم عنه غيري؛ فهذا وجه من وجوه التقليل في هذه الأشياء. وقد يدخلها معنى التقليل على وجه آخر، وهو أن القائل قد يقول: (رب عالم لقيت)، وهو قد لقي كثيراً من العلماء، ولكنه يقلل من لقيه تواضعاً ويكون أبلغ من التكثير؛ لأن الإنسان إذا حقر نفسه تواضعاً ثم امتحن فوجد أعظم مما يقول جل قدره، وإذا عظم نفسه وأنزلها فوق منزلتها، ثم امتحن فوجد دون ذلك هان على من كان يعظمه، فهذا وجه من التقليل الذي يستعمل في هذه المسألة التي معانيها معاني الكثرة. وقد يدخلها التقليل على معنى ثالث، وهو قول الرجل لصاحبه: لا
стр. 109
تعادني فربما ندمت. وهذا موضع ينبغي أن يكثر فيه الندامة وليس بموضع تقليل، وإنما تأويله أن الندامة على هذا لو كانت قليلة لوجب أن يتجنب ما يؤدي إليها، فكيف وهي كثيرة؟ فصار لفظ التقليل ههنا أبلغ من التصريح بلفظ التكثير. وعلى هذا تأول النحويون قول الله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر ٢: ١٥]. وعلى نحو هذا أيضا يتأول أيضاً قول امرئ القيس: ألا رب يوم لك منهن صالح. وقول أبي كبير الهذلي: رب هيضل لجب لقيت بهيضل. إن استعارة لفظة التقليل ههنا إشارة إلى أن قليل هذا فيه فخر لقائله فكيف كثيره؟ ! وأما قول أبي عطاء السندي في رثائه عمرو بن هبيرة الفزاري:
стр. 110
(فإن تمس مهجور الفناء فربما ... أقام به بعد الوفود وفود)
فقد يتناول على هذا المعنى، ويحتمل أن يريد أن مدة حياته التي كثرت عليه فيها الوفود كانت قليلة، فعلى نحو هذه التأويلات يتأول النحويون الذين أصلوا أن (رب) لتقليل هذه الأشياء التي ظاهرها التكثير. ومن قال: إنها في هذه المواضع للتكثير تلقى الكلام على ظاهره، ولم يدقق الكلام فيها هذا التدقيق، ولم يقسمها إلى الحقيقة والمجاز كما فعلنا نحن، والحمد لله كما هو أهله، [وصلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم].
стр. 111
الرسالة الرابعة: في قوله تعالى: ﴿الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾
стр. 112
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على النبي الكريم وآله وسلم
مسألة أخرى: كتب إلى الفقيه النحوي أبي محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي، رحمة الله: ما تقول _يرحمك الله_ في قوله الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ
стр. 113
لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ [الكهف ٤٣: ١٨ - ٤٤] هل يجوز الوقف على (الولاية) على قراءة من قرأ: (لله الحق) برفع القاف، أم لا؟ وتبيين المانع منه وما موضع (هنالك) من الإعراب؟ وبأي شيء يتعلق؟ وكذلك قوله: (لله) وقد علم أن كل مجرور لا بد له من التعلق إما بظاهر فعل وإما بفعل مضمر، بين لنا ذلك [بياناً شافياً]، يعظم لك أجرك، [ويجزل ذخرك، الجواب ... ]؟ فقال _رحمة الله_: لا أحفظ عن أحد من السلف أنه أجاز الوقف على (الولاية)؛ لأنهم رأوها متعلقة بما بعدها، محتاجة إليه، ألا ترى أن المعنى: هنالك ولاية الله الحق لعبده؟ فهي مفتقرة إلى ذكر الله _تعالى_ لأن الولاية تكون لله
стр. 114
ولغير الله، والوقف على الموصوف دون صفته قبيح. وقد تأملت الوقف على (الولاية) فرأيته يستحيل من وجه لا يستحيل من وجه. أما من وقف على قوله: (هنالك) [فالوقف على الولاية في هذا الوجه لا يجوز البتة. وأما من وقف على قوله: (منتصراً) وجعل ما بعده مستأنفاً] فالوقف على هذا غير ممتنع، وإن كان غير مختار، وينبغي أن يجعل من الوقف الذي يسميه القراء حسناً وصالحاً، وإن لم يكن تاماً ولا كافياً. وهذا النوع من الوقف
стр. 115
أجازه بعض القراء، ومعناه عندهم أن يوقف على الكلمة _وإن كان لا يصح أن يبتدأ بما بعدها_ كالوقف على الموصوف دون الصفة، والمؤكد دون التأكيد، ولهذا استحب جماعة من القراء الوقف عند رؤوس الآيات، وإن كانت الآية متعلقة بما بعدها، ووقفوا على قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح ١٠: ٧١] وهو كلام ناقص؛ لأن قوله: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح ١١: ٧١] جواب لقوله: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح ١٠: ٧١] فيكون الوقف على (الولاية) من هذا النوع. ولصاحب هذا الرأي أن يقول: إن الموصوف إنما يقبح الوقف عليه دون صفته، إذا كان محتاجاً إليها في البيان، وإن كان قائما بنفسه غير مفتقر إلى الصفة جاز السكوت عليه، وليست (الولاية) مفتقرة إلى أن توصف بأنها حق؛ لأن ولاية الله تعالى حق وصفت بالحق أم لم توصف. ولو كانت الولاية _ههنا_ مفتقرة إلى وصفها بالحق لما جاز خفص (الحق)، وممكن أن يجعل لله تفسيراً، كأنه لما قال: هنالك الولاية، قال قائل: لمن؟ فقال المجيب: لله، وهذا كله توجيه لمذهب من أجاز الوقف على الولاية ظهر لي من غير أن أراه لمن تقدم.
стр. 116
وأما إعراب الآية؛ فإن (الولاية) ترتفع بالابتداء على مذهب سيبويه، وبالاستقرار على مذهب الأخفش، فإذا كانت مبتدأ كان الخبر (هنالك)، وإن شئت كان (لله). فإن اعتقدت أن (هنالك) هو الخبر، كان موضعه رفعاً، وإن كان ظرفاً لتضمنه الخبر المرفوع والعامل فيه الاستقرار، ويكون (لله) في موضع نصب على الحال، والعامل في هذه الحال ما تضمنته الولاية من معنى الفعل، و (هنالك) بما تضمنه من معنى الاستقرار. وإن قلت: (لله) هو الخبر، كان موضع المجرور (رفعاً) لتضمنه الخبر المرفوع، وكان (هنالك) منصوب الموضع على الظرف المتضمن لمعنى الحال، كما تقول: رأيت زيداً خلفك، وخلفك _وإن كان ظرفاً_ متضمن معنى الحال، والعامل في الحال ما تضمنه قوله: (لله) من الاستقرار، ومن رفع (الولاية) بالاستقرار، وهو مذهب الأخفش، فلا موضع لـ (هنالك) عن الإعراب؛ لأنه ناب مناب الفعل الذي
стр. 117
يرتفع به فاعله، ويكون (لله) في موضع نصب على الحال أيضاً. ومن أجاز الوقف على (هنالك) فالعامل فيه قوله: (منتصراً)، وهو مذهب غير مختار؛ ولأبي عمرو الداني في هذا الموضع كلام مشكل؛ لأنه ذكر في كتاب (المكتفي في معرفة الوقف) قول من جعل العامل في (هنالك) (منتصراً)، ثم قال: «والأوجه أن يكون (هنالك) مبتدأ». وهذا كلام يوهم من سمعه أنه مبتدأ مسند إليه ما بعده، وذلك غير صحيح، وإنما أراد أنه كلام مستأنف منقطع مما قبله. فإن قال قائل: فإذا جاز أن يكون (لله) في موضع نصب على الحال جاز الوقف على الولاية؛ لأن (الحال) فضلة يجوز السكوت دونها [ففي هذا _لعمري] حجة يتعلق بها صاحب هذا القول. ولكن ليس معنى قول النحويين: إن الحال فضلة، أنها مستغنى عنها في كل موضع، ألا ترى أن من الأحوال ما
стр. 118
يسد مسد الخبر الذي لا بد منه في نحو: ضربي زيداً قائماً. وكذلك [نجد] من الفضلات ما لا يسوغ سقوطه من الكلام، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤: ١١٢]، و (له) لا تستغني الآية عنه، وإن لم يكن خبراً ولا جزاءاً منه. إنما أراد النحويون بقولهم: إن الحال فضلة؛ أنها لا ينعقد بها وحدها خبر مفيد مستقل بنفسه، وإنما تنعقد فائدة بغيرها دونها أو بها مقترنة مع غيرها. أما أن تكون هي وحدها خبرا يستقل به كلام فلا، وفي هذا الموضع نظر أكثر من هذا، ليس هذا موضعه، ولله الحمد. وكملت المسألة والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الطبيبين. ومما أنشده الفقيه النحوي ابن محمد البطليوسي لنفسه:
стр. 119
(قالت: أرى ليل الشباب بدت ... للشيب فيه أنجم زهر)
(فأجبتها لا تكثري عجباً ... من شيبة لم يحنها كبر)
(لكن طويت من الهموم لظى ... أضحى لها في عارضي شرر)
стр. 120
الرسالة الخامسة: في تحقيق المثال المشهور: ضرب زيد عمراً
стр. 121
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم
قال الفقيه الأستاذ المحدث، أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي: سألت _سددك الله إلى الغرض الأقصد، وحملك على السنن الأحمد عن قولنا: ضرب زيد عمراً وقلت: ما العامل في زيد؟ وما العامل في زيد؟ وما العامل في عمرو؟ وهل عاملها واحد؟ أم العامل في الآخر؟ وما هذا الكلام؟ أحقيقة أم مجاز؟ فإن كان حقيقة فكيف هو؟ وإن كان مجازاً فمن كم وجهاً دخله المجاز؟ أمن وجه واحد أم من أكثر من ذلك؟ وقلت: ما معنى قولنا: زيد فاعل بـ «ضرب»، وعمرو مفعول به؟ فإن كنتم تريدون أن للفعل تأثيرا في الفاعل فكيف يصح ذلك والأمر في الحقيقة بعكس ما زعمتوه؛ لأن الفاعل هو الموجد للفعل والمحدث له. وإن كان لا تأثير للفعل في فاعله فبأي شيء ارتفع الفاعل؟ وقلت: أتزعمون أن زيداً يرتفع باختراعه الضرب وإحداثه إياه أم بإسناد الفعل إليه؟ وكيف ترتيب هذه المسألة وما أشبهها على رأي البصريين والكوفيين؟ وما الأحكام التي يختص بها (زيد) دون (عمرو)؟ وقد أجبتك _أرشدك الله_ إلى ما سألتني عنه، وجلوت الحقيقة منه، واستوفيت فيها من القول ما رجوت أن يوافق مرادك، ويطابق اعتقادك، وما العون إلا بالله _عز وجل_.
стр. 122
(فصل)
أما ارتفاع (زيد) من قولنا: ضرب زيد عمراً؛ فلا خلاف بين البصريين والكوفيين فيما علمته أنه بالفعل نفسه، وأما انتصاب (عمرو)؛ ففيه أربعة أقوال: أما سيبويه وأصحابه؛ فذهبوا إلى أن الناصب له الفعل نفسه، وأما هشام الكوفي فذهب إلى أن الناصب له الفاعل نفسه، وأما الفراء فذهب إلى أن العامل فيه مجموع الفعل والفاعل، وأنه لا يصح أن بنتصب بأحدهما دون الآخر. وذهب [خلف] الأحمر ومن رأى رأيه [إلى] أن الناصب له المعنى.
стр. 123
والذي يعتمد عليه من هذه الأقوال الأربعة هو قول سيبويه، وسائر الأقوال إما راجع إليه، وإما ساقط فلا يعرج عليه. فمما يدل على أن الناصب له هو الفعل اتفاق النحويين على تسمية (عمرو) في هذه المسألة ونظيرتها مفعولاً به؛ ذلك أن فعل زيد الضرب وقع به؛ لأن (عمراً) ليس بمفعول لـ (زيد) على الحقيقة. وإنما المفعول على الحقيقة (الضرب) ولأجل هذا سمي حدثاً؛ لأن الفاعل أحداثه، ولأجل هذا سمي الضرب مفعولاً مطلقاً. فإذا كان (عمرو) إنما صار مفعولاً بمباشرة فعل زيد إياه ووقوعه به صح أن فعل (زيد) هو الناصب له، لا زيد. وأما قول هشام: إن الفاعل الذي هو [زيد هو] العامل في (عمرو) دون الفعل؛ فإنما قال ذلك من قبل أن الاعتماد إنما هو الفاعل لأنه الموجد للضرب والمحدث له، فلما كان كذلك صار الضرب وعمرو معاً مفعولين لـ (زيد)، إلا أن الضرب مفعول لـ (زيد) لا واسطة بينه وبينه، وعمرو مفعول لـ (زيد) بواسطة الضرب. وهذا الذي اعتقده هشام. وإن كان صحيحاً من طريق المعنى، فإنه لا يوجد أن يكون (زيد) هو الناصب لـ (عمرو) على مقاييس النحويين، بل هو خارج عن قوانينهم غير مستمر على أصولهم، وهو منتقض عليه من وجوه: أحدهما: أن النحويين لا يريدون بقولهم: (فاعل) في صناعة النحو الفاعل الحقيقي، وإنما الفاعل عندهم ما أسند إليه الحديث قبله، وحدث به عنه، سواء كان مخترعاً للفعل أو غير مخترع، ألا تراهم يقولون: مات زيد، ومرض عمرو، ولم
стр. 124
يفعلا شيئاً في الحقيقة فيرفعونهما ويسمونهما فاعلين، كما يقال: أمات الله زيداً، وأمرض الله عمراً. ووجه ثان: وهو أن النحويين متفقون على أن أصل العمل إنما هو للأفعال والحروف، وأن الأسماء لاحظ لها في العمل. وإنما يعمل من الأسماء ما ضارع الفعل الذي في أوله إحدى الزوائد في قول جمهور النحويين، وأما كان بمنزلة الفعل الماضي في قول الكسائي وحده، والمصادر المقدرة بـ (أن) والفعل، والصفات المشبهة بأسماء الفاعلين والمفعولين، وأسماء الأفعال، نحو: نزال، وتراك، وشتان، وهيهات. وأما الأسماء الجامدة التي لا معنى للفعل فيها، خاصة الأعلام منها، نحو (زيد) و (عمرو) فلا تعمل شيئاً عند أحد// من النحويين. وقد رأى قوم من النحويين أن الاسم لا يعمل شيئاً في غيره وإن كان مشتقاً من الفعل، جارياً عليه، وزعموا أن (زيداً) في قولنا (هذا ضارب زيداً غداً) إنما ينتصب بفعل مضمر دل عليه (ضارب). وزعم قوم أن (ضارباً) ونحوه من أسماء الفاعلين إذا انتصب ما بعده؛ فإنما هو فعل لا اسم، وإنما يكون اسماً عندهم إذا أضفته إلى ما بعده فقلت: هذا ضارب زيد. وقولنا في الأسماء الجوامد: إنها لا تعمل، إنما نريد بذلك أنها لا تنصب مفعولاً به ولا مفعولاً فيه. فأما الرفع فقد جاء في بعضها كقولهم: مررت برجل ٍ
стр. 125
مئة إبله، وخز ثوبه. وقد جاء منها ما يعمل في التمييز، نحو: خمسة عشر درهماً، وهذا إنما جاء في غير الأعلام؛ لأنها ضارعت الصفات بما فيها من التنكير والعموم. فأما الأعلام فلم يأت منه شي يرفع ولا ينصب، ولو كان ما توهمه هشام صحيحاً لجاز لجميع الأسماء أن يعمل إذا كان فاعلاً من طريق المعنى، وذلك غير جائزٍ باتفاق. وهذا الذي ذكرناه مما يدل على أن الأشياء عند النحويين ليست على موضعها عند أهل النظر من المتكلمين، وأن لكل صناعة سبيلاً يجب ألا يتعداها من أراد تعلم تلك الصناعة، وإلا فسدت عليه المعاني بإدخاله في تلك الصناعة ما ليس منها. ألا ترى أن النحويين قد جعلوا في هذا الذي ذكرناه الأفعال أصلاً والأسماء فرعاً محمولاً عليه، وذلك بعكس ما عليه الأمر في الحقيقة. وقد رد أبو علي الفسوي قول هشام بأن قال: «الدليل على أن انتصاب (عمرو) من قولنا: (ضرب زيد عمراً) بالفعل أن المفعول يختلف في تصرفه بحسب الفعل؛ فإذا كان الفعل متصرفاً تصرف المفعول، وإذا لم يكن الفعل متصرفاً لم يتصرف المفعول. فلو كان انتصابه بالفاعل _كما قال هشام_ لم يختلف بحسب اختلاف الفعل، وكان يكون في جميع المواضع على وجه واحد». قال أبو علي: «ولو كان العامل فيه الفاعل لوجب أن يعمل فيه غير مسند إليه الفعل [وقد كان العامل فيه] قال أبو علي: «فإن قال هشام إنما يعمل فيه إذا كان بهذا الوصف، قيل له: فأجز أن تنصب بالابتداء، نحو: زيد ذاهب عمراً؛ لأنه مثل الفاعل في أنه يحدث عنه، // [فإذا لم يجز انتصابه بالمبتدأ مع أنه يحدث عنه] كما يحدث عن الفاعل دل على أنه لا يجوز انتصابه بالفاعل.
стр. 126
(فصل)
وأما قول الفراء: إن العامل في (عمرو) من قولنا: ضرب زيد عمراً مجموع الفعل والفاعل معاً، فإنما قال ذلك فيما نرى _والله أعلم_ لأنه تأمل الفعل والفاعل فوجد كل واحد منهما مفتقراً إلى صاحبه، فالفعل مفتقر إلى فاعله؛ لأنه هو الذي أوجده وأحدثه، والفاعل مفتقر إلى فعله؛ لأنه به يصبح تأثيره في المفعول. ولو لم يكن للفاعل فعل لم يصح له تأثيره، ولا صح أن يسمى فاعلاً. وجد الحال على ما وصفناه جعل العامل في المفعول مجموعهما، إذ كان لا يصح نصب المفعول إلا باقترانهما. ونظير هذا من آراء البصريين رأي من رأى منهم أن الابتداء والمبتدأ جميعاً يرفعان الخبر حين كان الخبر لا يصح إلا بتقدمهما جميعاً، وهذا الذي قاله الفراء راجع عندنا إلى قول سيبويه. ألا ترى أن سيبويه لا ينكر أن الفعل والفاعل كل واحد منهما مفتقر إلى صاحبه، وإن كان يعتقد مع ذلك أن الفعل وحده هو العامل في المفعول؟ قال أبو علي القسوي: «ومما يفسد قول الفراء إجازة النحويين: (ضرب زيداً عمرو) فيقدمون المفعول على الفاعل. فلو كان العامل في عمرو مجموع الفعل والفاعل لم يجز ذلك؛ لأنك كنت تعمل العامل قبل أن يتم. ويدل على فساده أيضاً أن الفاعل والفعل جملة والجملة معنى، فلو كانت الجملة هي العاملة لم يجز: زيداً ضرب عمرو؛ لأن العامل المعنوي لا يتقدم معموله عليه، إلا أن يكون ظرفاً، فصح أن الناصب له الفعل، كما قال سيبويه.
стр. 127
(فصل)
وأما قول الأحمر ومن رأى رأيه: إن (عمراً) من قولنا: (ضرب زيد عمراً) ينتصب بالمعنى؛ فإنه أضعف الأقوال وأوهاها؛ لأن المعاني لا تنصب عندنا، إنما ترفع المعاني وذلك في موضعين من الكلام، أحدهما: الابتداء، والآخر: الفعل المضارع. وقد تنصب المعاني المفعول فيه على وجه آخر غير الوجه الأول، وهي الظروف والأحوال. وأما المفعول به؛ فلا يجوز ذلك عند البصريين. قال أبو علي: «ويبين فساد قول الأحمر أن الفاعل يرتفع إذا أسندت// الفعل إليه حدث المعنى في الحقيقة أو لم يحدث. ألا ترى أنك تقول: قام زيد في حال الصدق والكذب. وكذلك تقول: لم يقم زيد فيرتفع وإن كان لم يفعل في المعنى شيئاً. وتقول: لم يضرب زيد عمراً، فتنصب عمراً وإن كان زيد لم يفعل به في المعنى شيئاً، فبطل ما قاله وصح قول سيبويه». هذا قول الفسوي. وقول الأحمر عندي ينحو نحو قول هشام وقد تقدم ذكره، وغرض كل واحد منهما قريب من غرض الآخر.
(فصل)
[وأما] سؤالك الثاني: وهو قولك: إذا قلنا: ضرب زيد عمراً، فهل هذا الكلام حقيقة أم مجاز؟ فأقول: إنه مجاز لا حقيقة، وإن المجاز يدخله من خمسة أوجه لا من وجه واحد؛ فمنها: أن (زيداً) يجوز أن يباشر ضرب عمرو بنفسه، ويجوز أن يأمر غيره بضربه فينسب الضرب إليه؛ لأنه أمر به، وإن كان غيره هو الذي تولاه دونه. كما يقال: ضرب السلطان فلاناً ألف سوط، أي: أمر بضربه، وقطع السلطان يد فلان؛ أي أمر بذلك من المجاز لا يختص المسألة وحدها، بل هو جائز في كل فعل حدث به عن الفاعل، ولأجل هذا احتيج إلى وضع التوكيد في الكلام، تقول: كتب
стр. 128
زيد، فيجوز أن يباشر الكتابة بيده، ويجوز أن يكتب عنه بأمره. فإذا أردت رفع المجاز قلت: كتب زيد بنفسه، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ﴾ [النحل ٢٦: ١٦] وليس هنالك إتيان في الحقيقة؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالانتقال، لأن الانتقال للمحدثات، جل عن قول الجاهلين، وإنما معناه: فعل في البنيان فعلاً فهو إتيان فعل لا إتيان ذات. ومما يرفع به المجاز عندنا المصادر إذا أكدت بها الأفعال، كقولنا: ضربت ضرباً، وقتلت قتلا؛ ولأجل ما ذكرناه استدل أهل السنة _رحمهم الله_على أن تكليم الله لموسى_ عليه السلام_ حقيقة لا مجاز بقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء ١٦٤: ٤] فإن قال قائل من المعتزلة المخالفين لنا في هذا: قد جاء في الشعر ما ينقض عليكم هذه الدعوى، وهو قول الشاعر:
(بكى الخز من روح وأنكر جاره ... وعجبت عجيجاً من جذام المطاف)
الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الشاعر قصد المبالغة// في الهجو فجعل عجيج المطارف كالحقيقة لذلك، كما يقول القائل: زيد كالحمار، فيقول له الآخر: هو الحمار بعينه، وقد علم أنه ليس الحمار بعينه في الحقيقة، ولكنه جعله إياه مبالغة. وكذلك يقولون: هند القمر، وزيد الأسد، فيسقطون الحرف الدال على المماثلة والمشابهة ويجعلون الأول الثاني مبالغة، فهذا أحد الجوابين.
стр. 129
والجواب الثاني: أن هذا البيت لو لم نجد له تأويلاً لم نعتد به حجة؛ لأن الشاعر يجوز له على وجه الضرورة ما لا يجوز في الكلام.
(فصل)
وأما المجاز الثاني الذي في قولنا: ضرب زيد عمراً؛ فهو أن (ضرب) لفظة موضوعة في اللغة ليعبر بها عن نوع الضرب كله، ألا ترى أنك تقول: ضرب زيد، وضرب الزيدان، وضرب الزيدون فيعبر بها عن النوع كله؟ ! ومعلوم أن زيداً لم يوقع بعمرو نوع الضرب كله، وإنما أوقع به جزءاً منه، فبان بهذا أنه عموم وضع موضع خصوص، وهذا النوع من المجاز أيضاً مطرد في جميع الأفعال. ألا ترى أنك تقول: أكلت خبزاً، أو شربت ماء، وقد علم أنك لم تفعل جميع الأكل ولا جميع الشرب. ويبين ذلك قول الشاعر:
(لعمري لقد أحببتك الحب كله ..... )
فأتى بالتوكيد ليرفع المجاز الذي وقع في الحب. وكذلك قول الآخر:
(وقد يجمع الله الشتيتين بعدما ... يظنان كل الظن ألا تلاقيا)
стр. 130
(فصل)
وأما المجاز الثالث في قولنا: ضرب زيد عمراً؛ فهو أن الضرب لم يقع بجميع أجزاء عمرو، وإنما وقع ببعضه فنسب الفعل إلى جملته. ويدلك على ذلك تأكيدهم إياه بما يرفع المجاز عنه، وهو ما حكاه سيبويه من قولهم: ضرب زيد ظهره وبطنه، وضرب زيد الظهر والبطن. وهذا النوع الثالث من المجاز أيضاً مستمر في جميع المفعولات، فإن الفعل إذا وقع عليها جاز أن يستوعب جميعها، وجاز أن يختص بعضها. ألا ترى أنك تقول: أكلت الخبز وشربت الماء وقد علم أنك لم تستوعب كل نوع الخبز بالأكل ولا جميع نوع الماء بالشرب. وقد يقع مثل هذا في ظروف// تقول: صمت اليوم، وخرجت اليوم، فتجعل (اليوم) ظرفاً للصيام والخروج، والصيام قد استوعب جميع ساعات اليوم، والخروج لم يستوعبها؛ لأنه إنما وقع في بعض النهار.
(فصل)
وأما المجاز الرابع في قولنا: ضرب زيد عمراً، فقولنا: إن زيداً فاعلٌ بـ (ضرب)، ولسنا نريد بالفاعل في صناعة النحو أن يكون محدثاً للفعل ومخترعاً له كما ذكرنا فيما تقدم، وإنما نريد أن الفعل يسند إليه ويحدث به عنه سواء أخترعه أو لم يخترعه، فلذلك نقول: مات زيد، ومرض عمرو، ولم يقم أخوك.
(فصل)
وأما المجاز الخامس؛ فقولنا: إن عمراً مفعول لـ (زيد) وليس بمفعول له في الحقيقة؛ لأن (زيداً) لم يفعل (عمراً) ولا أحدثه، وإنما فعل فعلاً أوقعه به، ولذلك سمي مفعولاً به ولم يسم مفعولاً على الإطلاق، فهذا ما في المسألة من المجاز الذي سألت عنه، وفيها أيضاً ما يشبه هذا وإن لم يكن مثله، ونحن نذكره في الفصل الذي يلي هذا، إن شاء الله.
стр. 131
(فصل)
وأما سؤالك الثالث وهو قولك: إذا قلت: ضرب زيد عمراً، فهل لـ (ضرب) تأثير في (زيد) أم ليس له فيه تأثير؟ فإن قلت: له فيه تأثير؛ فهذا عكس ما عليه الأمر في الحقيقة؛ لأن الفاعل هو المحدث للفعل. وإن قلت: إن (ضرب) لا تأثير له في (زيد) فبأي شيء ارتفع؟ فإن هذا سؤال من لا دربة له بأغراض النحويين ومقاصدهم؛ وذلك أن غرض النحويين في قولهم: زيد فاعل بالضرب، إنما يريدون أنه فاعل بإحداثه لهذا النوع من الفعل، وبإسناده إليه حسب اختلافهم في السبب الذي به يرتفع الفاعل من إسناد الحديث إليه أو اختراعه للفعل على ما تقدم من قولنا، كما يرتفع المبتدأ بإسنادك الحديث إليه، ولا يريدون أن للفعل تأثيراً في فاعله في الحقيقة، وإنما يؤثر الفعل في اللفظ الذي يعبر به عن الفاعل لا في المعنى الواقع تحته. وكذلك جميع صناعة النحو إنما تفيد المتعلم لها حكم الألفاظ التي يعبر بها عن المعاني لا حكم المعاني في أنفسها. ألا ترى أنك تقول: مات زيد، فيكون (زيد) فاعلاً من طريق اللفظ، وإن كان مفعولاً من طريق المعنى؟ // وكذلك تقول: ذكرت زيداً، ومررت به، فتؤثر العوامل في لفظ (زيد) بالنصب والخفض، والمعنى الواقع تحته لا تأثير للعوامل فيه. كذلك تقول: سبح زيد ربه، وعظم عمرو خالفه، وتقول في إعرابه: زيد وعمرو فاعلان، وربه وخالقه مفعولان، عكس ما على المعنى، فصح بهذا كله أن الإعراب حكم لفظي لا معنوي. وقد تجد المعاني أيضاً مطابقة الألفاظ التي يعبر بها عنها، ألا ترى أنا نقول: قام زيد، فيكون المعنى الواقع تحت هذه اللفظة فاعلاً كما أن اللفظة التي عبر بها عنه كذلك.
стр. 132
وتقول: ضربت زيداً فيكون المعنى في نفسه الذي هو مفعول به قد وصل إليه التأثير من المعنى الذي هو فاعل، كما وصل تأثير أحدهما إلى الآخر من طريق اللفظ المعبر به عنهما. وليس هذا قادحاً فيما قدمنا؛ لأن غرضنا من ذلك كله أن نعلم حكم الألفاظ وكيف نوقعها على المعاني ونعبر بها عنها. وقد يؤثر الفاعل في نفسه، وإن كان قصده التأثير في غيره؛ فإن (زيداً) ربما ضرب عمراً فألمت يده، وربما أراد أن يرميه بسهم فعاد سهمه عليه فقلته، وقد يؤثر المفعول في الفاعل في وقت تأثير الفاعل فيه. وليس مراد النحويين في هذه المسألة شيئاً من هذين الوجهين الأخيرين، وإنما مرادهم ما قدمناه، وإنما ذكرنا هذا ليتم القول في هذا المعنى لا لنجيز جميع هذه الوجوه في المسألة التي سأل عنها، فاعلم ذلك.
(فصل)
وأما سؤالك عن الفاعل من قولنا: ضرب زيد عمراً، أيرتفع باختراعه للفعل أم بإسناد الحديث إليه؟ فكلا القولين قد قاله النحويون. والصحيح عندنا القول الثاني، وهو أن الفاعل إنما يرفعه إسناد الحديث إليه على نحو ما يرتفع المبتدأ؛ فإنهما في الارتفاع بإسنادك الحديث إليهما سواء، إن كانا يفترقا في أن عامل المبتدأ معنوي وعامل الفعل لفظي، وأن حديث الفاعل المسند إليه متقدم عليه، وغير ذلك مما ينفصلان به، وهذا رأي أبي علي الفسوي ونظيره ممن تعقب كلام النحويين وحرره. ومما يدل على ذلك قولنا: مات زيد ومرض عمرو، ولم يقم أخوك، وتسمية كل واحد من هذه الأسماء فاعلاً في صناعة النحو، ولم يفعل واحد منهم شيئاً في الحقيقة. ويدلك على ذلك حذفك الفاعل وإقامتك المفعول// مقامه في قولك: ضرب
стр. 133
عمرو. فلو كان الفاعل إنما يرفعه إحداثه للفعل واختراعه لم يجز ذلك كله على رأي أبي علي. والكلام فيه يطول إذا ذكرنا حجج من قال بالقول الأول ونقضناها عليهم فنحن نتركه؛ لأن في ما ذكرناه كفاية في هذا الموضع، إن شاء الله.
(فصل)
وأما السؤال الرابع، وهو قولك: كيف يترتب الكلام في هذه المسألة؟ فإن هذه المسألة لها ثلاث مراتب؛ فأحسنها أن تقول: ضرب زيد عمراً، فتقدم الفعل، ثم الفاعل، ثم المفعول. والرتبة الثانية أن تقول: ضرب عمراً زيدٌ، فتقدم الفعل على الفاعل ثم المفعول. والرتبة الثالثة أن تقدم المفعول على الفعل والفاعل معاً فتقول: عمراً ضرب زيد، وهي أضعف المراتب الثلاث. وإنما كان تقديم الفعل أولاً؛ لأنك بنيت الكلام عليه، وكان تقديم الفاعل على المفعول أولاً؛ لأنه المعتمد عليه في إسناد الحديث إليه؛ ولأن الفعل لا يستغنى عن فاعل وقد يستغنى عن المفعول. وأيضاً فإن الفاعل قد يستتر في الفعل فلا يظهر نحو قولهم: زيد قام، ويتغير له آخر الفعل في قولك: قمت وضربت، ولا يتغير آخر الفعل للمفعول في قولك: ضربك وقتلك. وقد يقع حشواً في الفعل في قولك: يضربان، ويضربون، فلما كان كذلك قبح أن يفرق بين الفعل والفاعل بالمفعول أو غيره؛ لأنهما قد حلا محل الشيء الواحد. وقد جاء الفصل بين الفعل والفاعل مع ذلك في الكلام الفصيح، فمنه ما لا يجوز إلا الفصل لعلل توجب ذلك، كقولك: ضرب زيداً غلامه، وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة ١٢٤: ٢]. فالفاعل _ههنا_ لا يجوز فيه إلا التأخير؛ لأنه قد اتصل به ضمير يعود إلى المفعول، فإن قدمت الفاعل هنا على ما تقتضيه الرتبة كنت قد قدمت المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز إلا في الشعر كقوله:
стр. 134
(جزى ربه عني عدي بن حاتم ... جزاء الكلاب العاويات وقد فعل)
وقد ذهب قوم من النحويين إلى أن (الهاء) في (ربه) تعود على الجزاء؛ أي جزى رب الجزاء، ودل (جزاء) عليه، كما تقول: «من كذب كان شراً له»، فتضمر الكذب لدلالة (كذب) عليه. وعلى هذا تقول: ضربته زيداً، تريد: ضربت الضرب زيداً، فلا// ضرورة البيت على هذا التأويل. وقد يفرق بين الفعل والفاعل بما فيه تأكيد الكلام؛ كقولك: قام _والله_ زيد. وعلى ذلك ما أنشده ابن جني من قول الشاعر:
(وقد أدركتني _والحوادث جمة_ ... أسنة قوم لا ضعاف ولا عزل)
وقد يفصل بينهما بما لا تأكيد فيه وذلك كله مجاز واتساع. وإنما صار قولك: عمراً ضرب زيد أضعف الرتب الثلاث؛ لأنك قدمت (المفعول) على (الفعل) الذي بني عليه الكلام، وعلى الفاعل الذي حكمه التقديم لفظاً، كما أنه متقدم معنى. ويدلك على ضعفه جواز الرفع فيه بالابتداء إذا تقدم، وإن كان لا ضمير في الخبر يعود عليه، وامتناع ذلك فيه إذا تأخر نحو ما أنشده سيبويه من قول أبي
стр. 135
النجم العجلي:
(قد أصبحت أم الخيار تدعي ... علي ذنباً كله لم أصنع)
فرفع (كله) بالابتداء من غير دعته إلى ذلك، ولو نصبه لم ينكسر الشعر، وكان النصب الوجه؛ لأن الفعل الذي بعده لا ضمير فيه يشغله عم العمل في كل، ومثله كثير. وقد حكي عن الكوفيين أنهم قالوا: الرتبة أن يقال: زيد ضرب عمراً، وهذا ليس بصحيح؛ لأنك إذا قدمت (زيداً) صار مبتدأ، وإنما كلامنا عن الفاعل، فإذا أردت الابتداء فللكلام أيضاً ثلاث مراتب، أحسنها أن تقول: زيد ضرب عمراً، كما قالوا يلي ذلك أن تقول: زيد عمراً ضرب. وبعد ذلك أن تقول: عمراً زيد ضرب، وهذه المرتبة أضعف المراتب الثلاث من وجهين: أحدهما: أنك إذا أخرت (زيداً) وحكمه التقديم؛ لأن الكلام مبني عليه، وهو فاعل في المعنى، وإن كان مبتدأ في اللفظ فحكمه أن يتقدم على المفعول، كما يتقدم الفاعل. والوجه الثاني: أن عمراً من صلة الخبر وتمامه؛ فإذا قدمته على المبتدأ وأخرت الفعل كان بعض الخبر مقدماً وبعضه مؤخراً، وهو مع هذا جائز، يدلك على جوازه، ما أنشده الفارسي من قول الشماخ: [الوافر]
стр. 136
(كلا يومي طوالة وصل أروى ... ظنون إن مطرح الظنون)
فقدم (كلا) وهو صلة (ظنون) الذي هو خبر المبتدأ، فصار المبتدأ// الذي هو (الوصل) متوسطاً بين جزأي خبره. فإن قلت: من أين فر أبو علي من أن يكون ظرفاً للوصل دون أن يكون ظرفاً لـ (ظنون)، فلا يحتاج إلى ما ذكره من كون المبتدأ متوسطاً بين جزأي خبره، وذلك ممكن فيه شائع؟ فالجواب أن الوصل مصدر في مثل هذا يقدر بـ (أن) الخفيفة والفعل، فلو جعل (كلا) ظرفاً للوصل كان قد قدم الصلة على الموصول، وذلك خطأ. وأيضاً فإن الشاعر لم يرد أن الوصل وقع في كلا اليومين، وإنما وقعت فيهما الظنة، فقد صح بما ذكرناه ما قاله الكوفيون، إنما يكون ترتيب هذه المسألة إذا كان (زيد) مبتدأ لا فاعلاً، لأن الفاعل لا يتقدم على فعله. على أن الكوفيين قد أجازوا تقديم الفاعل في الشعر، وأنشدوا:
(ما للجمال مشيها وئيداً)
وقالوا: التقدير: وئيداً مشيها، وذلك خطأ عند البصريين. وزعم بعضهم أن (وئيداً) حال تسد مسد خبر المبتدأ، وشبهه بقولهم: ضربي زيداً قائماً، وهو أيضاً غير صحيح؛ لأنه ليس مثله. وقيل: وئيداً حال من المشي والخبر محذوف كأنه قال: مشيها وئيداً واقع، أو كائن، وهذا أقرب إلى الجواز. ومن خفض (مشيها) جعله بدلاً من (الجمال)، ومن نصبه فعلى المصدر، وإنما
стр. 137
فسرناه على مذاهب الكوفيين. ومما تأوله الكوفيون على تقديم الفاعل للضرورة على فعله قول علقمة:
(فظل لنا يوم لذيذ بنعمة ... فقل في مقيل نحسه متغيب)
(تأوله الكوفيون على معنى في مقيل ٍ متغيب ٍنحسه ..... )
زمن النحويين من يقول: أراد (ياء) النسبة فخففها كما قال النابغة:
( .... وبذاك خبرنا الغراب الأسودي)
أراد الأسودي؛ وذلك أن الصفات تزاد فيها ياء النسبة مبالغة في الوصف، فيقال: أحمر وأحمري، ورجل ضياط وضياطي، وأنشد ابن جني:
(قد علقت أحمر ضياطا)
وقد يزيدونها في أسماء الفاعلين، وإن لم تكن صفات، كقول العجاج:
(والدهر بالإنسان دواري)
أي: دوار.
стр. 138
وذهب بعضهم في بيت علقمة إلى أنه أراد نحسه متغيب عني، ثم حذف حرف الجر كحذفهم إياه في قوله:
(أمرتك الخير)
و:
(أستغفر الله ذنباً)
فلما حذف (عن) ذهبت نون// الوقاية التي تزداد في (مني) و (عني)، و (ضربني)، ونحو ذلك فبقيت ياء الضمير مفردةً فانكسر من أجلها الاسم كما تقول: هذا ثوبي وجاء غلامي. وإلى نحو هذا ذهب أبو إسحاق، ولكنه لم يوضحه هذا الإيضاح. وزعم قوم: أن النحس مرتفع بـ (المقيل) على حد قولك: مررت بقائم غلامه ظريف، وهذا يحكي عن علي بن سلمان الأخفش، وهذا القول خطأ؛ لأن
стр. 139
(المقيل) ههنا لا يخلو من أن يكون مكاناً، أو زماناً، أو مصدراً، فإن كان مكاناً، أو زماناً لم يصح أن يرتفع به (نحسه)؛ لأن أسماء الأمكنة والأزمنة لا تعمل شيئاً، وإنما تعمل المصادر. وإن جعلت (المقيل) مصدراً فسد المعنى، وأوجبت أن النحس ثابت حاضر فيه، والشاعر إنما أراد أنه لا نحس فيه.
(فصل)
وأما السؤال الخامس، وهو قولك: ما الأحكام التي يختص بها (زيد) دون (عمرو) في هذه المسألة؟ فالجواب عنه: أن كل فاعل في هذه المسألة وغيرها يختص بعشرة أحكام دون المفعول، فمنها: أن يلي الفعل، ومنها أن لا يتقدم عليه، ومنها أن يستتر في الفعل إذا تقدم ذكره. ومنها أن يسكن آخر الفعل الماضي إذا كان مضمراً، نحو: ضربت، وقتلت. ومنها: أن يكون واحداً ولا يكون أكثر من واحد إلا على سبيل الاشتراك. أما الأسماء المختلفة الألفاظ فيكون اشتراكها بحروف العطف، وأما الأسماء المتفقة الألفاظ فيكون اشتراكها بالتثنية والجمع سواء كان الجمع مسلماً أو مكسراً. فالمسلم نحو قولك: جاء الزيدون، والمكسر نحو: جاء الرجال. ولا يجوز أن تقول جاء زيد عمرو، فتجعل للفعل فاعلين فصاعداً على وجه الاشتراك، كما تجعل للفعل مفعولين وثلاثة وأكثر من ذلك على غير وجه الاشتراك، نحو قولك: علمت زيداً عمراً أخاك ونحو ذلك. ومنها أن الفعل مفتقر إلى الفاعل لا يخلو من المفعول ولا يفتقر إليه. ومنها أن الفاعل قد يفرق بين الفعل وإعرابه؛ وذلك في الأفعال المضارعة إذا قلت: يقومان، وتقومان، ألا ترى أن النون هي إعراب الفعل وقد وقعت بين الضمير
стр. 140
الذي هو فاعل. ومنها// أن الفعل يقترن بالفاعل وحده فيقوم منهما كلام مفيد، نحو: قام زيد، ولا يكون كلام مفيد من فعل ومفعول حتى يكون هناك فاعل ظاهر أو مضمر. زمنها أن العطف لا يحسن عليه إذا كان مضمراً حتى يؤكد في نحو: قمت أنت وزيد، وخرجت أنا وعمرو. ومنها أن التعجب إنما يكون من الفاعل ولا يكون من المفعول به، ألا ترى أن فعل التعجب إنما يكون من الفاعل ولا يكون من المفعول؟ ألا ترى أن فعل التعجب منقول بالهمزة ولا ينقل الفعل إلا عن الفاعل، نحو: قام زيد، وأقمته، وخرج عمرو، وأخرجته؟ قال أبو محمد _رحمة الله_: فهذا ما عندي من الجواب عما سألت عنه، والحمد لله على ما من به وأنعم، وصلى الله على محمد وآله وسلم وشرف وكرم. [تمت المسألة والحمد لله على ذلك كثيراً].
стр. 141
(المقيل) ههنا لا يخلو من أن يكون مكانًا، أو زمانًا، أو مصدرًا، فإن كان مكانًا، أو زمانًا لم يصح أن يرتفع به (نحسه)؛ لأن أسماء الأمكنة والأزمنة لا تعمل شيئًا، وإنما تعمل المصادر، وإن جعلت (المقيل) مصدرًا فسد المعنى، وأوجبت أن النحس ثابت حاضر فيه، والشاعر إنما أراد أنه لا نحس فيه.
(فصل)
وأما السؤال الخامس، وهو قولك: ما الأحكام التي يختص بها (زيد) دون (عمرو) في هذه المسألة؟ فالجواب عنه: أن كل فاعل في هذه المسألة وغيرها يختص بعشرة أحكام دون المفعول، فمنها: أن يلي الفعل، ومنها أن لا يتقدم عليها، ومنها أن يستتر في الفعل إذا تقدم ذكره، ومنها أن يسكن آخر الفعل الماضي إذا كان مضمرًا، نحو: ضربت، وقتلت، ومنها: أن يكون واحدًا ولا يكون أكثر من واحد إلا على سبيل الاشتراك.
أما الأسماء المختلفة الألفاظ فيكون اشتراكها بحروف العطف، وأما الأسماء المتفقة الألفاظ فيكون اشتراكها بالتثنية والجمع سواء كان الجمع مسلمًا أو مكسرًا، فالمسلم نحو قولك: جاء الزيدون، والمكسر نحو: جاء الرجال، ولا يجوز أن تقول جاء زيد عمرو، فتجعل للفعل فاعلين فصاعدًا على وجه الاشتراك، كما تجعل للفعل مفعولين وثلاثة وأكثر من ذلك على غير وجه الاشتراك، نحو قولك: علمت زيدًا عمرًا أخاك ونحو ذلك، ومنها أن الفعل مفتقر إلى الفاعل لا يخلو من المفعول ولا يفتقر إليه، ومنها أن الفاعل قد يفرق بين الفعل وإعرابه؛ وذلك في الأفعال المضارعة إذا قلت: يقومان، وتقومان، ألا ترى أن النون هي إعراب الفعل وقد وقعت بين الضمير
стр. 142
الرسالة السادسة: في قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ]
стр. 143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد- ﵀:
سألت عن الضميرين من قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقلت على من يعودان؟ وفي عودتهما وجهان أحدهما: أنهما يعودان على يوسف، ﷺ ، وكذلك روي عن مجاهد، والحسن البصري، والمعنى عندهما: فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر ربه تعالى، ويرغب إليه، حتى قال للناجي من الفئتين: اذكرني عند ربك، فعاقبه الله- تعالى- بأن لبث في السجن بضع سنين، ومما يحتج به لهذا القول ما رواه إسماعيل بن إبراهيم عنه، قال نبي الله- ﷺ : «لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما لبث». والوجه
стр. 144
الآخر أنهما يعودان على الذي ظن أنه ناج من الفئتين، فيكون المعنى أن يوسف قال للفتي الذي ظن أنه ناج: ذكر الملك بأمري، ويعني بالرب- على هذا- الملك، وهذا القول أصح القولين، لقوله- بعد ذلك-: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي بعد حين.
وقرأ ابن عباس: (بعد أمه)، بالهاء وفتح الهمزة والميم وتخفيفهما، ومعناه: بعد نسيان، فهذا يدل على أن يوسف- ﷺ // سأل الناجي من الفئتين أن يذكر ربه بأمره، فنسي تذكيره بأمره، ثم تذكر بعد ذلك، وإن لم يكن التأويل على هذا فلا وجه لذكر تذكر الفتى بعد النسيان، والذكر على هذا التأويل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى التذكير، أو الإذكار، كما توضع المصادر بعضها مكان بعض في نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، فوضع النبات موضع الإنبات، وقال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] بوضعه [متاعًا] موضع التمتيع، والثاني: أن يكون مصدر ذكرته ذكرًا، ويكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره عند ربه، فأضاف الذكر إلى الرب، وهو في
стр. 145
الحقيقة مضاف إلى ضمير يوسف [﵇]، وجاز ذلك لما بينهما من الملابسة والاتصال، ونظيره قول الله- : ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] ولا مقام لله- تعالى- ولا هو من صفاته، وإنما المقام للعبد بين يديه، وإنما المعنى: مقامه عندي، أو بين- يدي، فأضاف المقام إلى شيء والمراد غيره، ومثله قول زهير:
(وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا)
هكذا رواه السكري، فأضاف الرهن إليها، وإنما هو لعاشقها والمراد فأمسى رهنك عندها، ومثله ما أنشده الأخفش:
(فلست مسلمًا مادمت حيًا ... على زيد بتسليم الأمير)
وقال: أراد بتسليمي على الأمير، فإن قلت: كيف تصنع بقول النبي- ﷺ : «لولا كلمة يوسف ما لبث [في السجن ما لبث]»، وأن مقامه في
следующие страницы →