Полный текст (329 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
(المقيل) ههنا لا يخلو من أن يكون مكانًا، أو زمانًا، أو مصدرًا، فإن كان مكانًا، أو زمانًا لم يصح أن يرتفع به (نحسه)؛ لأن أسماء الأمكنة والأزمنة لا تعمل شيئًا، وإنما تعمل المصادر، وإن جعلت (المقيل) مصدرًا فسد المعنى، وأوجبت أن النحس ثابت حاضر فيه، والشاعر إنما أراد أنه لا نحس فيه.
(فصل)
وأما السؤال الخامس، وهو قولك: ما الأحكام التي يختص بها (زيد) دون (عمرو) في هذه المسألة؟ فالجواب عنه: أن كل فاعل في هذه المسألة وغيرها يختص بعشرة أحكام دون المفعول، فمنها: أن يلي الفعل، ومنها أن لا يتقدم عليها، ومنها أن يستتر في الفعل إذا تقدم ذكره، ومنها أن يسكن آخر الفعل الماضي إذا كان مضمرًا، نحو: ضربت، وقتلت، ومنها: أن يكون واحدًا ولا يكون أكثر من واحد إلا على سبيل الاشتراك.
أما الأسماء المختلفة الألفاظ فيكون اشتراكها بحروف العطف، وأما الأسماء المتفقة الألفاظ فيكون اشتراكها بالتثنية والجمع سواء كان الجمع مسلمًا أو مكسرًا، فالمسلم نحو قولك: جاء الزيدون، والمكسر نحو: جاء الرجال، ولا يجوز أن تقول جاء زيد عمرو، فتجعل للفعل فاعلين فصاعدًا على وجه الاشتراك، كما تجعل للفعل مفعولين وثلاثة وأكثر من ذلك على غير وجه الاشتراك، نحو قولك: علمت زيدًا عمرًا أخاك ونحو ذلك، ومنها أن الفعل مفتقر إلى الفاعل لا يخلو من المفعول ولا يفتقر إليه، ومنها أن الفاعل قد يفرق بين الفعل وإعرابه؛ وذلك في الأفعال المضارعة إذا قلت: يقومان، وتقومان، ألا ترى أن النون هي إعراب الفعل وقد وقعت بين الضمير
стр. 142
الرسالة السادسة: في قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ]
стр. 143
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد- ﵀:
سألت عن الضميرين من قوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢]، وقلت على من يعودان؟ وفي عودتهما وجهان أحدهما: أنهما يعودان على يوسف، ﷺ ، وكذلك روي عن مجاهد، والحسن البصري، والمعنى عندهما: فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر ربه تعالى، ويرغب إليه، حتى قال للناجي من الفئتين: اذكرني عند ربك، فعاقبه الله- تعالى- بأن لبث في السجن بضع سنين، ومما يحتج به لهذا القول ما رواه إسماعيل بن إبراهيم عنه، قال نبي الله- ﷺ : «لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما لبث». والوجه
стр. 144
الآخر أنهما يعودان على الذي ظن أنه ناج من الفئتين، فيكون المعنى أن يوسف قال للفتي الذي ظن أنه ناج: ذكر الملك بأمري، ويعني بالرب- على هذا- الملك، وهذا القول أصح القولين، لقوله- بعد ذلك-: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥]، أي بعد حين.
وقرأ ابن عباس: (بعد أمه)، بالهاء وفتح الهمزة والميم وتخفيفهما، ومعناه: بعد نسيان، فهذا يدل على أن يوسف- ﷺ // سأل الناجي من الفئتين أن يذكر ربه بأمره، فنسي تذكيره بأمره، ثم تذكر بعد ذلك، وإن لم يكن التأويل على هذا فلا وجه لذكر تذكر الفتى بعد النسيان، والذكر على هذا التأويل يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى التذكير، أو الإذكار، كما توضع المصادر بعضها مكان بعض في نحو قوله: ﴿وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]، فوضع النبات موضع الإنبات، وقال: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٦] بوضعه [متاعًا] موضع التمتيع، والثاني: أن يكون مصدر ذكرته ذكرًا، ويكون التقدير: فأنساه الشيطان ذكره عند ربه، فأضاف الذكر إلى الرب، وهو في
стр. 145
الحقيقة مضاف إلى ضمير يوسف [﵇]، وجاز ذلك لما بينهما من الملابسة والاتصال، ونظيره قول الله- : ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم: ١٤] ولا مقام لله- تعالى- ولا هو من صفاته، وإنما المقام للعبد بين يديه، وإنما المعنى: مقامه عندي، أو بين- يدي، فأضاف المقام إلى شيء والمراد غيره، ومثله قول زهير:
(وفارقتك برهن لا فكاك له ... يوم الوداع فأمسى رهنها غلقا)
هكذا رواه السكري، فأضاف الرهن إليها، وإنما هو لعاشقها والمراد فأمسى رهنك عندها، ومثله ما أنشده الأخفش:
(فلست مسلمًا مادمت حيًا ... على زيد بتسليم الأمير)
وقال: أراد بتسليمي على الأمير، فإن قلت: كيف تصنع بقول النبي- ﷺ : «لولا كلمة يوسف ما لبث [في السجن ما لبث]»، وأن مقامه في
стр. 146
السجن بضع سنين إنما كان معاقبة له حين نسي ذكر ربه، ولم يفزع إلى ذكر الله- تعالى- على ما قاله مجاهد والحسن؟ فالجواب: أن عودة الضميرين على الناجي من الفئتين لا يمنع من أن يكون لبثه في السجن ما لبث عقابًا من الله- تعالى- ويكون الله- لم يلهم الفتى الناجي لذكر ربه قصته إلا بعد تلك المدة].
وليس في حديث النبي- ﷺ ما يمنع من هذا، ولا فيه بيان أن الشيطان أنسى يوسف دون أن يكون أنسى الفتى الناجين، وإنما أراد- صلى الله عليه- بقوله: «لولا كلمة يوسف» قوله للفتى: اذكرني عند ربك، فذكر أن العقاب أصابه من أجل هذه الكلمة، وليس في حديثه ما يقطع بأن// الشيطان أنسى يوسف دون أن يكون أنسى الفتى، فهذا ما عندي من الجواب عما سألت عنه، والله الموفق للصواب برحمته، كملت المسألة، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على نبيه الكريم وعبده.
стр. 147
الرسالة السابعة: في تحقيق الدواء المعروف بـ «حب الملوك»
стр. 148
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد- ﵀ ونضر وجهه-:
سألتني- أدام الله عزتك، وحرس من النوائب حوزتك- عن قول الناس لهذا الحب المشهور: حب الملوك، وذكرت أن بعض أهل الأدب نازعك فيه، وأبى إلا فتح الميم، وزعم أن ضمها خطأ؛ لأن هذا الحب لا يختص بالملوك دون غيرهم من الناس، فلا معنى لإضافتهم إليهم، وما الخطأ- أعزك الله- إلا ما قال؛ لأنه قد جمع بين الغلط في الاشتقاق، والغلط في الإعراب معًا.
أما الخطأ في الاشتقاق فإنه إذا فتح الميم كان اسم مفعول من لاك الشيء يلوكه، سمي بذلك لأنه يلاك، وهذا غير صحيح؛ لأن اللوك إنما يستعمل فيما يمضغ ويدار في الفم مرة بعد مرة، وليست هذه الصفة موجودة في هذا الحب، وكذلك قال صاحب كتاب (العين): اللوك: مضع الشيء الصلب، وإدارته في الفم، وأنشد:
(ولوكهم جزل الحصى بشفاههم ... كأن على أكتافهم علقًا صخرًا)
стр. 149
وقال أبو العباس المبرد في (الكامل): «يروى أن أحيحة بن الجلاح الأنصاري- وكان يبخل- إذا هبت الصبا طلع من أطمه، فنظر إلى ناحية هبوبها، ثم يقول: هبي هبوبك قد أعددت لك ثلاثمئة وستين صاعًا من عجوة، أدفع إلى الوليد منها خمس تمرات، فيرد علي منها ثلاثًا؛ أي لصلابتها بعد جهد ما تلوك منها اثنتين».
وحكى ابن القوطية في (الأفعال): لاك الشيء لوكًا مضغه وفيه صلابة، وقال ذو الرمة//:
(كأن على أنيابها كل سدفة ... صياح البوازي من صريف اللوائك)
وصف إبلاً تحك بعض أنيابها ببعض فتصر، أي: تصوت، وشبه صوت أنيابها إذا لاكت بعضها ببعض بصياح البزاة.
وقال أبو تمام الطائي في الخيل:
стр. 150
(في مقام تلوكها الحرب فيه ... وهي مفقودة تلوك الشكيما)
والشكيمة: الحديدة التي تدخل في فم الفرس من اللجام، فهذا كله يبين لك أنه لا وجه لوصف الحب بأنه يلاك.
وأما الخطأ من جهة الإعراب فلأنه إذا فتح الميم صار (الملوك) صفة من الصفات فلزم أن يقول: الحب الملوك، فإذا قال: حب الملوك أضاف الموصوف إلى صفته، فإن قال: قد حكي عن العرب أشياء أضيفت فيها الموصوفات إلى صفاتها، نحو قولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، فما الذي يمنع أن يجعل من هذا الباب؟ قيل له: يمنع من ذلك شيئان: أحدهما: أن هذا الباب موقوف على السماع لا يجوز القياس عليه؛ فلو صحت عندنا رواية، أو ورد سماع، بفتح الميم لجعلناه من هذا النوع، فإذا عدمنا السماع حملناه على ما يستعمل الجمهور، ولم نعدل عنه إلى شيء فاسد في القياس؛ لأن إضافة الموصوف إلى صفته خطأ.
والثاني: أنا- إن جعلناه من هذا الباب على ما أراده هذا المخالف لنا- لزمنا أن نجعل (الملوك) صفة لموصوف محذوف، وتقديره: حب الطعام الملوك، ونحو ذلك؛ لئلا تلزمنا إضافة الموصوف إلى صفته كما قال النحويون في قولهم: صلاة الأولى، ومسجد الجامع، أن تقديره: صلاة الساعة الأولى من زوال الشمس، ومسجد اليوم الجامع، وإذا قدرنا هذا التقدير لزمنا أن نطالب بالعلة التي لها أضيف هذا الحب إلى
стр. 151
الطعام الملوك دون غيره من أنواع [الحبوب]، ولزم هذا المخالف من تخصيصه هذا الحب بالإضافة إلى طعام الملوك دون سائر الحبوب، مثل الذي ألزمنا في إضافته إلى الملوك دون سائر الناس، فقد فر من شيء ووقع في مثله مع ارتكاب القياس الفاسد، ومخالفة السماع، ولزمه مع هذا كله أن يقال: ما وجه إضافته إلى الطعام الملوك، وليس هذا الحب مما يلاك.
فإن قال قائل: فما الوجه// في إضافته إلى الملوك دون غيرهم وليس مختصًا بهم؟ فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن هذا السؤال لا يلزم؛ لأن العرب تسمي الشيء باسم مشتق من معنى موجود فيه ولا يسمى غيره بذلك الاسم، وإن وجد فيه ذلك المعنى؛ لأن ذلك يؤدي إلى أن تصير الأشياء الكثيرة شيئًا واحدًا فيرتفع البيان، ألا تراهم قد سموا بعض النجوم (سماكًا) لسموكه، وهو ارتفاعه، سمو بعضها (دبرانًا)؛ لأنه يدبر الثريا، ولا يلزم من ذلك أن يقال لكل شيء دبر شيئًا (دبران)، وهذا كثير جدًا يقف عليه من صرف اهتباله إليه.
والوجه الثاني: أنه غير ممتنع أن يكون بعض الملوك- فيما مضى من الزمان- مولعًا بهذا الحب، مؤثرًا له على غيره، فنسب إلى الملوك من أجله، ولزمه هذا الاسم وعرف به، كما قيل في (شقائق النعمان)، فنسبت إلى النعمان بن المنذر [اللخمي]،
стр. 152
لأنه رأى منها روضة فأعجبته فجعلها حمى لا يقرب، فعرف به إلى يومنا هذا وقد يسمى الشيء باسم ما لعلة توجب ذلك في بعض الأوقات، ثم ترتفع العلة ويبقى الاسم، كما قالوا في (رمضان): إنه سمي بذلك لشدة الرمضاء فيه، وأن جمادى سمي بذلك لجمود الماء فيه، وأن (المحرم) سمي بذلك لتحريم القتال فيه، ثم ارتفعت الأسباب التي وقعت التسمية من أجلها، وبقيت الأسماء، وهذا كثير، فقد تبين لك بما أوردناه ضعف قول هذا المخالف للجمهور، وأنه اختار ما ليس بمختار ولا مشهور، وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كملت المسألة، والحمد لله رب الحمد والنعم.
стр. 153
الرسالة الثامنة: رسالة في الفرق بين النعت والبدل وعطف البيان
стр. 154
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم
جواب الفقيه الأستاذ أبي محمد بن السيد البطليوسي- ﵀ على سؤال من سأل عن الفرق بين النعت وعطف البيان والبدل// وتمييز كل واحد منهم من صاحبه بخواصه اللازمة له، ولِمَ لمْ يجز في النعت أن توصف النكرة بالمعرفة ولا المعرفة بالنكرة، وجاز ذلك في البدل؟ وهل هو جائز في عطف البيان أم لا؟ ولِمَ لمْ
стр. 155
يجز أيضًا وصف المضمر وجاز البدل منه؟ وهل يجوز أن يُعطف على المضمر عطف بيان أم لا؟ ولِمَ لمْ يجز في المعارف أن توصف المعرفة بما هو أخص منها وأكثر تعريفًا، وجاز ذلك في نعت النكرة، نحو: مررت برجل كاتب [بين لنا- يرحمك الله- وجه الحقيقة فما سألتك عنه تبيين من بلغ في العلم مبلغك، يُعظم الله أجرك، ويُجْزِل عليه ذخرك، فأجاب: وقفت على سؤالك- وفقنا الله وإياك لما يُرضيه، وجعلنا ممن يتحرى الصواب فيما يقوله ويأتيه. وقد أجبتك على كل فصل بما رأيت أنه يوافق مرادك ويطابق اعتقادك. وستقف من جوابي هذا على أشياء لا تجدها في كتب أصحاب هذه الصناعة، وإن كنت إنما سلكت على منهجهم، واهتديت بأمثلتهم، وأنا أحمد الله على ما منح من آلائه، وأسأله العون على شكر ما خول من نعمائه، لا رب غيره.
أما سؤالك عن الفرق بين النعت وعطف البيان والبدل، وتمييز كل واحد منهم من صاحبيه، فإن هذه التوابع الثلاثة يمتاز كل واحد منها من صاحبيه بفضول تخصه، وهي مع ذلك مشتركة في أشياء تعملها، وأنا أذكر ما تنفصل به وما تشترك فيه، وبالله أستعين.
стр. 156
أما النعت والبدل فإنهما ينفصلان من سبعة أوجه: أحدها: أن النعت سبيله أن يكون بالصفات المشتقة من الأفعال، أو ما هو في حكم المشتق، جارية كانت الصفات على أفعالها أو غير جارية، والبدل حكمه أن يكون بالأسماء الجامدة والمصادر.
والثاني: أن النعت يجري على المنعوت في تعريفه وتنكيره، والبدل لا يلزم فيه ذلك [و] الثالث: أن النعت جزء من المنعوت؛ أعني أنه صفة من جملة صفاته التي
стр. 157
يوصف بها، والبدل ليس بجزء في كل موضع، بل قد يكون جزءًا منه، كقولك: (ضرب زيد رأسه)، وقد يكون هو إياه، كقولك: (جاءني أخوك زيد)، وقد يكون حدثًا من أحداثه، كقولك: (أعجبني زيد حسنه) وقد يكون اسمًا مصاحبًا له صحبة عرضية، يمكن زوالها وانفصالها منه كقوله: (سلب زيد ثوبه).
والرابع: أن البدل// يجري مجرى جملة أخرى ذهبت بها الجملة الأولى، وتقدر فيه إعادة العامل، والنعت لا يجري مجرى جملة أخرى، ولا تقدر معه [إعادة] العامل ولكن هو الأول بعينه، ومن جملته.
والدليل على أن البدل يجري مجرى جملة أخرى [ظهور العامل معه في نحو قوله- : ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف ٧: ٧٥]، وفي نحو قول الشاعر:
стр. 158
(ألا بكر الناعي بخير بني أسد ... بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد)
والخامس: أن النعت يكون بما هو من المنعوت وبما هو من سببه، كقولك: (مررت برجل قائم)، فتصفه بصفة هي له، و (مررت برجل قائم أبوه) فتصفه بصفة هي لسببه، ولا يبدل من الاسم إلا ما هو هو، أو جزء منه، أو مصاحب له، ولا يبدل منه ما هو لسببه، ألا ترى أنك تقول: (ضُرِبَ زيد رأسه)، ولا يجوز: (ضُرِبَ زيد رأس أبيه)؟ .
والسادس: أن البدل قد يكون منه ما يجري مجرى الغلط، ولا يكون ذلك في النعت.
والسابع: أن النعت قد يكون منه ما يراد به المدح، أو الذم، أو الترحم، ولا يكون
стр. 159
ذلك في البدل.
فهذه سبعة فصول ينفصل بها النعت من البدل.
وأما النعت وعطف البيان، فإنهما ينفصلان من ثلاثة أوجه: أحدها: أن النعت يكون بالصفات- كما قدمنا- وعطف البيان يكون بالأسماء الجوامد كالبدل.
стр. 160
والثاني: أن النعت يكون بالمعارف والنكرات، وعطف البيان لا يكون إلا بالمعارف.
والثالث: أن النعت يكون بما هو للمنعوت، وبما هو من سببه- كما قدمنا- وعطف البيان هو المعطوف عليه بعينه.
وأما البدل وعطف البيان فينفصلان من أربعة أوجه: أحدها: أن البدل قد يكون هو المبدل منه بعينه، وقد يكون جزءًا منه، وقد يكون اسمًا مصاحبًا له، وقد يكون حدثًا من أحداثه، كما قدمنا، وعطف البيان هو المعطوف عليه أبدًا.
стр. 161
والثاني: أن البدل يكون بالمعارف والنكرات [والأسماء الظاهرة والأسماء المضمرة]، وعطف البيان لا يكون إلا بالأسماء المعارف الظاهرة.
والثالث: أن البدل- كما قلنا- يقدر معه إعادة العامل، وكأنه من جملة أخرى، وعطف البيان لا يُقدر فيه ذلك، بل هو في هذا الوجه كالنعت.
стр. 162
والرابع: أن البدل يجيء منه ما يراد به الغلط، وعطف البيان لا غلط// فيه، فهذه وجوه الانفصال بين هذه التوابع الثلاثة.
أما وجوه الاشتراك، فإنها كلها تشترك في أن الغرض فيها البيان، والزيادة في الإيضاح، وفي أنها جارية على الأسماء التي قبلها في إعرابها، وفي العربية مواضع تشترك فيه الثلاثة كلها، وفيها مواضع يشترك فيها بعضها، فمن المواضع التي تشترك فيها كلها قولك: (رأيت زيدًا أبا عمرو)، فإن (أبا عمرو) ههنا يصلح أن يقال فيه: إنه نعت، ويصلح أن يقال فيه: إنه بدل، ويصلح أن يقال فيه: إنه عطف بيان.
وأما المواضع التي يشترك فيها النعت وعطف البيان [فنحو]، قولك: بعثت إلك بالثوب الخز، وبالباب الساج.
وأما المواضع التي يشترك فيها البدل وعطف البيان، فنحو قولك: (رأيت أبا عمرو زيدًا)، ومن هذه المواضع ما يشترك فيه التوكيد وعطف البيان وهو الموضع الذي
стр. 163
يكرر فيه الاسم كقولك (رأيت زيدًا زيدًا)، و (لقيت عمرًا عمرًا).
وأما المواضع التي ينفرد بها البدل، والمواضع التي ينفرد بها النعت، فلا حاجة لنا إلى ذكرها [لشهرتها]، وأما المواضع التي ينفرد بها عطف البيان، ومن أجلها احتيج إليه في صناعة النحو، فنذكرها لغرابتها عند النحويين، وهي ثلاثة مواضع:
أحدها: باب النداء، والآخر: باب المبهمات، والثالث: باب اسم الفاعل، أما باب النداء فهو قولك: (يا حارثًا زيدًا)، ومنه قول رؤبة:
(إني- وأسطار سطرن سطرًا ... لقائل يا نصر نصرًا نصرًا)
стр. 164
فمن نصب جعلهما معًا عطف بيان على موضع (نصر) الأول، ومن رفع (نصرًا) الثاني ونونه جعله عطف بيان على اللفظ، وجعل (نصرًا) الثالث عطف بيان على الموضع، هذا رأي سيبويه والأصمعي وأبي عبيدة، وفي هذا البيت قولان آخران ليس هذا موضع ذكرهما، ومن هذا الباب قول الآخر:
(فيا أخوينا عبد شمس ونوفلاً ... أعيذكما بالله لا تحدثا حربًا)
وقد روي: "عبد الله شمس ونوفل" [بالرفع] على إضمار مبتدأ.
стр. 165
وأما باب المبهمات فنحو قولهم: (مررت بهذا الرجل)، و (لقيت هذا الغلام)، والنحويون يتسامحون في هذا ويسمونه نعتًا، وإنما هو في الحقيقة عطف بيان.
وأما باب اسم// الفاعل، فنحو قولك (هذا الضارب الرجل زيد) بخفض (زيد) على عطف البيان، ولا يصلح أن يكون بدلاً؛ لأن البدل يحل محل المبدل منه، ولو قلت: (هذا الضارب زيد) لم يجز؛ لأن ما فيه الألف واللام لا يضاف إلى ما ليس فيه ألف ولام، وأنشد سيبويه للمرار الأسدي:
(أنا ابن التارك البكري بشر ... عليه الطير ترقبه وقوعًا)
стр. 166
وقد رده أبو العباس المبرد من رأى رأيه على سيبويه، وقالوا: لا يصح إلا على النصب، والخفض خطأ، وتوهموا أن سيبويه أجازه على جهة البدل، وإنما أجازه سيبويه على عطف البيان الذي ذكرناه، فلا يلزمه ما اعترضوا به، فهذه هي المواضع التي يختص بها عطف البيان دون سائر التوابع، وأكثر ما يُستعمل عطف البيان في رد الأعلام على الكنى، ورد الكنى على الأعلام، كقولك: (رأيت أبا بكر زيدًا) و (رأيت زيدًا أبا بكر)، وسمي عطف البيان؛ لأنك عطفت على الأول فبينته؛ لأن معنى العطف الرجوع إلى الشيء بعد الزوال عنه، والفرق الذي بينه وبين العطف الذي بالحروف، أنك في عطف البيان تعطف الشيء على نفسه، وفي
стр. 167
عطف الحروف تعطف الشيء على غيره.
فإن قال قائل: فإذا كان معنى العطف هو الرجوع، فكيف سمي اشتراك الاسم الثاني مع الأول بالواو، وغيرها من أخواتها عطفًا؟ فالجواب: أن حرف الاشتراك في نحو: (قام زيد وعمرو) ينوب مناب العامل، والأصل: (قام زيد وقام عمرو)، وينفرد كل واحد منهما بقيام يختص به؛ لأنه لا يصح وقوع فعل واحد من فاعلين، غير أنهم قصدوا الاختصار، فحذفوا العامل الثاني اجتزاء بالأول، وجعلوا (عمرًا) شريكًا لـ (زيد) في الفعل الأول نفسه ليفهم السامع أن لكل واحد منهما فعلاً يخصه، فكأنهم عطفوا على الأول فجعلوا له شريكًا في الفعل، بعد أن كانوا قد خصوه به وأفردوه، كما عطفوا عليه في الوجه الأول، فبينوه وأوضحوه، وهذا هو الفرق بين العطفين.
فإن قال قائل: هذا المعنى موجود في النعت والبدل، فهلا سميتموه عطف بيان؟ فالجواب عن هذا من وجهين: أحدهما: أن الشيء إذا سمي باسم مشتق من معنى موجود فليس يلزم أن// يسمى كل من وجد فيه ذلك المعنى بذلك الاسم في اللغة العربية، ألا تراهم سموا النجم (سماكًا) لسموكه وارتفاعه ولا يلزم
стр. 168
من ذلك أن يسمى كل مرتفع سماكًا؟
وكذلك سموا (الدبران)؛ لأنه يدبر (الثريا)، ولم يلزم من ذلك أن يُسمى كل من يدبر شيئًا (دبرانًا)، وهذا كثير تغني عنه شهرته عن القول فيه.
والجواب الثاني: أن النعت، والبدل، وعطف البيان، أغراضها مختلفة، فجعل لكل واحد منها اسم يدل على الغرض المراد منه، فالغرض في النعت تخصيص النكرة، وإزالة الاشتراك الذي يعرض في المعرفة، أو المدح
стр. 169
أو الذم، وهذا المعنى إنما يكون بذكر صفة من صفات الاسم داخلة فيه أو خارجة عنه، فكان النعت أليق الأسماء بهذا المعنى؛ لأن العرب تقول: نعت الشيء أنعته نعتًا، إذا ميزته ببعض صفاته، قال الراجز:
(ومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين)
(جبتهما بالنعت لا بالنعتين)
أي: وصفا لي مرة واحدة فلم أحتج إلى أن يوصفا لي مرة ثانية.
وقال الراعي:
(وأرض إذا أمست تشابه بيدها ... على نعت نعات أتى الليل دونها)
وأما البدل فله ثلاثة أغراض، أما بدل الشيء من الشيء وهما لمعنى واحد، فالغرض منه إعلام المخاطب بمجموع الاسمين احتياطًا في البيان، فإن فهم المراد بأحدهما كان
стр. 170
الآخر تأكيدًا في البيان، وإن لم يفهم بأحدهما فهم بالآخر.
وأما بدل الاشتمال، فالغرض فيه ذكر بعض ما يشتمل عليه الكلام الأول إيضاحًا للمراد، كقولك: سُلب زيد، فيحتمل أن يقع السلب بثوبه وبغيره من أسبابه، ثم تقول ثوبه أو نعله، تبيينًا لما تريد، وهذه الوجوه الثلاثة يقدر فيها ارتفاع الأول وحلول الثاني محله، فكان البدل [أليق] الأسماء به ليبين عن معناه؛ لأن العرب تقول: أبدلت الشيء من الشيء إذا// عوضته منه، وتقول: خذ هذا بدلاً من هذا، أي: عوضًا.
وأما بدل البعض من الكل، فإن الغرض فيه تخصيص ما يجوز أن يكون عامًا لأنك إذا قلت: لقيت القوم جاز أن تريد جميعهم، وجاز أن تريد بعضهم، فإذا قلت: أكثرهم أو بعضهم، أزلت العموم وحققت الخصوص.
وأما قولك: لمَ جاز أن تبدل النكرة من المعرفة، والمعرفة من النكرة، ولم يجز مثل ذلك في النعت؟ فإنما امتنع ذلك من النعت لعلتين: إحداهما: أن المنعوت في أكثر مواضعه لا يبين إلا بالنعت.
стр. 171
فلما كان كذلك صار هو والنعت كالشيء الواحد، ولا يصلح أن يكون شيء واحد معرفة نكرة في حال واحدة من جهة واحدة.
والعلة الثانية أن المعرفة لما كانت خاصة أشبهت المفرد، والنكرة لما كانت عامة أشبهت الجمع، فمن حيث لم يجز أن ينعت جمع بمفرد، ولا مفرد بجمع، لم يجز أن تنعت معرفة بنكرة، ولا نكرة بمعرفة، والبدل ليس مع المبدل كالشيء الواحد، وإنما يقدر تقدير جملة ثانية، والدليل على ذلك جواز إعادة العامل معه فيما قدمنا ذكره، فلم يستحل فيه من أجل ما استحال في النعت.
وأما سؤالك: هل يجوز في عطف البيان ما جاز في البدل من حمل المعرفة على النكرة، وحمل النكرة على المعرفة؟ فقد أعلمتك فيما تقدم من كلامي أن
стр. 172
عطف البيان إنما يستعمل في المعارف الجامدة الظاهرة خاصة عند جمهور النحويين، على أن قومًا من النحويين قد سموا رد الأجناس المنكورات على الأسماء في نحو قولك: مررت بثوب خز وباب ساج، عطف بيان.
ورأيت أبا علي الفارسي قد قال في قوله تعالى: ﴿زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور ٢٤: ٣٣٥]: إن (زيتونة) عطف بيان، وهذا غلط منه، والدليل على أنه غلط منه شيئان أحدهما: أن الفارسي نص في الإيضاح على أن عطف البيان إنما يكون في الأسماء المعارف الجامدة، وهذا يناقض ما قاله في (زيتونة).
والثاني: أن الغرض في عطف البيان تبيين الاسم الذي يجري عليه وإيضاحه، لذلك سموه النحويون عطف بيان، والنكرة لا يصح أن يبين بها غيرها؛ لأنه لا يبين مجهول بمجهول، إنما يبين المجهول بالمعروف.
فإن قال قائل: فقد وجدناكم تبينون المجهول بالمجهول في قولكم: «مررت برجل
стр. 173
ظريف»، ووجدناكم تبينون المعروف بالمجهول في قولكم: (مررت [بزيد] // رجل صالح)، وهذا عكس القياس، فالجواب أن (ظريفًا) من قولك: (مررت برجل ظريف) لم يعرف رجلاً حتى يصير بحيث توضع عليه اليد، وإنما أفادته الصفة نوعًا من التخصيص، والدليل على ذلك أن من جهل رجلاً يعرفه وأخبر أنه ظريف لم يفده ذلك معرفة رجل بعينه، فقد سقط هذا الاعتراض.
وأما قولنا: (مررت بزيد رجل صالح)، فليس غرض المخبر أن يعرف (زيدًا) عند من يجهله، فيلزم هذا الاعتراض.
والدليل على ذلك أن من جهل (زيدًا) وخبر بأنه رجل صالح لم يكن في ذلك ما يعرفه به، فثبت بهذا أن القائل: (مررت بزيد رجل صالح) ليس غرضه تعريف (زيد) وإنما غرضه أن يثني على زيد بأنه رجل صالح، أو يكون المخاطب قد علم (زيدًا) ولم يعلم أنه رجل صالح، أو علم رجلاً صالحًا ولم يعلم بأنه (زيد)، فأفاده المخبر بذلك.
стр. 174
وأما سؤالك عن وصف المضمر فإن المضمر لا يوسف ولا يوصف به، أما امتناعه من أن يوصف فلثلاث علل: إحداها: أن المضمر لا يضمر إلا بعد أن يعرفه المخاطب، فلما كان كذلك استغنى عن النعت.
والعلة الثانية أن المنعوت لما كان لا يبين في أكثر المواضع إلا بالنعت، صار مع نعته كالشيء الواحد، فكما لا يجوز أن يكون الشيء مظهرًا مضمرًا في حال واحدة، فكذلك لا يجوز أن يكون الموصوف مضمرًا وصفته اسمًا ظاهرًا يدل على صحة هذا أن العرب يقولون: (مررت به هو)، و (قمت أنا) فيؤكدون المضمر بالمضمر لما كان مشاكلاً له.
стр. 175
والعلة الثالثة: أن المضمر أشبه حروف المعاني؛ لأنه لا يُعقل حتى يتقدم ما يعود عليه، فضارع الحرف الذي معناه في غيره، فلم يجز أن يوصف كما لا توصف الحروف.
فإن قلت: فيلزمك على هذا ألا تصف شيئًا من المبينات لأنها كلها مضارعة للحروف، فالجواب: أن المضمر أشد المبينات شبهًا بالحروف، فلشدة توغله في شبهها لم يكن حكمه حكم غيره، والدليل على شدة توغله في شبه الحروف أنك تجد من الضمائر ما هو على حرف واحد، ولا تجد ذلك في غيرهما، وتجد المضمر قد يتعدى من الاسمية في بعض المواضع ويصير حرفًا محضًا، نحو (التاء) في (أنت)، والكاف في (ذلك) وفي قولهم: (النجاءك) ونحو ذلك، وأما// امتناع المضمر من أن يوصف به؛ فلأن النعت لا يخلو من أن يراد به رفع الإشكال، أو المدح، أو الذم، والمضمر لا يصح فيه شيء من ذلك، ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني زيد، فأشكل على المخاطب والتبس بغيره، فليس في قولك: (هو) ما يجعله معروفًا عنده.
стр. 176
وكذلك إن أردت أن تمدحه أو تذمه فليس في قولك: (هو) معنى يمدح به، ولا معنى يذم به، فبطل الوصف به لذلك.
فإن قال قائل: فكيف جاز أن يبدل من المضمر وقد قلتم: إنه في نهاية البيان، فيقال: مررت به زيد؟ فالجواب عن هذا من وجوه، منها: أن البدل مع المبدل منه كالشيء الواحد فيستحيل فيه ما يستحيل في النعت، إنما يقدر تقدير جملة أخرى، ومنها: أنه [ليس] كل بدل تقصد به رفع إشكال يعرض في المبدل منه، بل من المبدل ما يراد به التأكيد، وإن كان ما قبله غنيًا عنه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى ٥٢ - ٥٣]، ألا ترى أنه لو لم يذكر (الصراط) الأول لم يشك أحد في أن الصراط المستقيم هو صراط الله؟ ، وقد نص سيبويه على أن من البدل ما الغرض فيه التأكيد، فإذا لم يلزم في كل بدل أن يكون رافعًا للإشكال لم يلزم ما سأل عنه هذا السائل.
стр. 177
ويزيد هذا عندك وضوحًا ما أجازه النحويون من إبدال المضمر من المضمر، كقولهم: (لقيته إياه)، فلو كان المراد بكل بدل رفع الإشكال لم يجز هذا؛ لأن الهاء في قولك: (لقيته) إن كانت مجهولة عند السامع فليس في ذكرك إياه ما يجعلها معرفة لديه.
ومن ذلك أن قول النحويين: إن المضمر امتنع وصفه؛ لأن في غاية البيان، ليس المراد به أن كل مضمر بهذه الصفة؛ لأنا نجد من المضمرات ما هو مجهول، كقولك: (وجدت في الدار رجلاً فجالسته)، فهذا الضمير ونحوه ليس بمعروف، وإنما سماه النحويون معرفة؛ لأن السامع يعلم أنه يعود إلى الرجل المذكور في أول الكلام دون غيره، فإذا كان كذلك ثبت أنهم إنما أرادوا بهذا التعليل أن بعض المضمرات لما كان في غاية البيان، فاستغنى عن النعت حمل سائر المضمرات عليه، ولهذا نظائر في صناعة النحو، ومع هذا فلو كان// كل ضمير في غاية البيان على ما توهمه المتوهم لوجدنا لقولهم: «مررت به زيد» وجهًا يصح فيه البدل، وذلك أن يجري ذكر (زيد) في
стр. 178
مجلس فيقول قائل: «مررت به»، فيضمره لما جرى من ذكره، ثم يتوقع أن يظن به أنه أراد غيره، فيذكر اسمه رفعًا للإشكال، وهذا وجه صحيح لا ينكره منكر.
ومما يؤيد بطلان هذا الاعتراض أيضًا- وإن كان بعض ما ذكرناه يكفي- أنه لا يصح إلا في بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فأما بدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط، فلا يصح اعتراضه في شيء من ذلك.
ألا ترى أنك إذا قلت: ضربته وجهه، وجدت في (الهاء) من الاحتياج إلى البيان- وإن كانت معرفة عند المخاطب- مثل الذي تجد في الاسم الظاهر إذا قلت: ضربت زيدًا وجهه، وكذلك تجد قولك: (انتفعت به علمه) محتاجًا إلى البيان كاحتياج قولك: (انتفعت بزيد علمه).
وقد اختلف النحويون في ضمير المتكلم وضمير المخاطب: هل يجوز إبدال الظاهر منهما على إبدال الشيء من الشيء وهما لعين واحدة فيقال: (ضربتك زيدًا).
стр. 179
و (ضربتني أخاك)؟ فكان الأحفش يجيز ذلك ويحتج بقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ [الأنعام: ١٢]، وهذا خطأ عند النحويين؛ لأن ضمير المتكلم في نهاية البيان، وكذلك ضمير المخاطب فلا يصح فيه البدل، فإن احتج الأخفش بأن من البدل ما يراد منه التأكيد على ما قدمناه لم يصح ذلك في هذا الموضع؛ لأنه إذا أبدل الظاهر من ضمير المتكلم وضمير المخاطب فقد حل الظاهر محلهما، ولا تستعمل الأسماء الظاهرة في إخبار المتكلم عن نفسه ولا في الخطاب، ألا ترى أنك تقول عن نفسك: قمت، ولا يصح أن تقول للمخاطب: قام زيد وأنت تريد: (قمت)؛ لأنك توهم أنك تخبره عن غيره.
ولم يختلف النحويون في جواز البدل من ضمير المتكلم والمخاطب إذا كان بدل بعض من كل وبدل اشتمال، كقولك: ضربتني وجهي، وسلبتك ثوبك، وأنشد سيبويه:
(ذريني أن أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا)
وأما سؤالك: هل يجوز أن يعطف على المضمر عطف بيان؟ فإن لم أر في// ذلك لأحد من النحويين قولاً، والقياس عندي ألا يجوز؛ لأنهم قد جعلوا عطف البيان بمنزلة النعت، فيجب أن يجري في الامتناع من الجواز مجراه.
стр. 180
وأما سؤالك: لمَ لمْ يجز أن توصف المعرفة بما هو أخص منها وأكثر تعريفًا، وجاز ذلك في النكرة؟ فإنما ذلك لأن الغرض في صفة المعرفة خلاف الغرض في صفة النكرة، فلاختلاف الغرضين اختلفت حالتا الصفتين.
أما الغرض في صفة المعرفة، فإنما هو إزالة الاشتراك العارض فيها أو المدح أو الذم، فلم يجز أن تكون أخص من موصوفها لثلاث علل: إحداها: أن المعرفة لا يعرض الشك لجميع المخاطبين بها، ولو كانت كذلك لم تسم معرفة، وإنما يعرض فيها الشك عند بعض من يخاطب بها فهي غنية عن الوصف في أكثر أحوالها، وأما الصفة فهي مجهولة عند كل من يسمعها حتى يذكر موصوفها الذي يخصصها، فلما كان موصوفها غنيًا في أكثر أحواله وهي مفتقرة إليه في جميع أحوالها، صار موصوفها أخص منها.
ألا ترى أن (العاقل) و (الظريف) و (الكريم) ونحوها صفات عامة يوصف بها كل من وجد فيه عقل أو ظرف أو كرم، فإذا ذكر المخبر شيئًا منها لم يعلم السامع من المقصود بتلك الصفة؟ فإذا قال: زيد العاقل، أو عمرو الظريف، أو جعفر الكريم، صارت هذه الصفات مختصة بهؤلاء المذكورين دون غيرهم ممن يجوز أن يوصف بها.
ولم يوضع (زيد) ونحوه من الأعلام في أصل وضعه ليسمى به كل من هو على صورته، كما وضع (العاقل) ونحوه من الصفات ليوصف به كل من وجدت فيه تلك الصفة، فقد بان بهذا أن الموصوف أخص من الصفة، وأن الصفة أعم منه، أعني ما تقدم ذكره من المعارف.
والعلة الثانية: أن صفة المعرفة إنما المراد منها الزيادة في البيان، والزيادة جزء من
следующие страницы →