Полный текст (329 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وكذلك إن أردت أن تمدحه أو تذمه فليس في قولك: (هو) معنى يمدح به، ولا معنى يذم به، فبطل الوصف به لذلك.
فإن قال قائل: فكيف جاز أن يبدل من المضمر وقد قلتم: إنه في نهاية البيان، فيقال: مررت به زيد؟ فالجواب عن هذا من وجوه، منها: أن البدل مع المبدل منه كالشيء الواحد فيستحيل فيه ما يستحيل في النعت، إنما يقدر تقدير جملة أخرى، ومنها: أنه [ليس] كل بدل تقصد به رفع إشكال يعرض في المبدل منه، بل من المبدل ما يراد به التأكيد، وإن كان ما قبله غنيًا عنه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى ٥٢ - ٥٣]، ألا ترى أنه لو لم يذكر (الصراط) الأول لم يشك أحد في أن الصراط المستقيم هو صراط الله؟ ، وقد نص سيبويه على أن من البدل ما الغرض فيه التأكيد، فإذا لم يلزم في كل بدل أن يكون رافعًا للإشكال لم يلزم ما سأل عنه هذا السائل.
стр. 177
ويزيد هذا عندك وضوحًا ما أجازه النحويون من إبدال المضمر من المضمر، كقولهم: (لقيته إياه)، فلو كان المراد بكل بدل رفع الإشكال لم يجز هذا؛ لأن الهاء في قولك: (لقيته) إن كانت مجهولة عند السامع فليس في ذكرك إياه ما يجعلها معرفة لديه.
ومن ذلك أن قول النحويين: إن المضمر امتنع وصفه؛ لأن في غاية البيان، ليس المراد به أن كل مضمر بهذه الصفة؛ لأنا نجد من المضمرات ما هو مجهول، كقولك: (وجدت في الدار رجلاً فجالسته)، فهذا الضمير ونحوه ليس بمعروف، وإنما سماه النحويون معرفة؛ لأن السامع يعلم أنه يعود إلى الرجل المذكور في أول الكلام دون غيره، فإذا كان كذلك ثبت أنهم إنما أرادوا بهذا التعليل أن بعض المضمرات لما كان في غاية البيان، فاستغنى عن النعت حمل سائر المضمرات عليه، ولهذا نظائر في صناعة النحو، ومع هذا فلو كان// كل ضمير في غاية البيان على ما توهمه المتوهم لوجدنا لقولهم: «مررت به زيد» وجهًا يصح فيه البدل، وذلك أن يجري ذكر (زيد) في
стр. 178
مجلس فيقول قائل: «مررت به»، فيضمره لما جرى من ذكره، ثم يتوقع أن يظن به أنه أراد غيره، فيذكر اسمه رفعًا للإشكال، وهذا وجه صحيح لا ينكره منكر.
ومما يؤيد بطلان هذا الاعتراض أيضًا- وإن كان بعض ما ذكرناه يكفي- أنه لا يصح إلا في بدل الشيء من الشيء وهما لعين واحدة، فأما بدل البعض من الكل، وبدل الاشتمال، وبدل الغلط، فلا يصح اعتراضه في شيء من ذلك.
ألا ترى أنك إذا قلت: ضربته وجهه، وجدت في (الهاء) من الاحتياج إلى البيان- وإن كانت معرفة عند المخاطب- مثل الذي تجد في الاسم الظاهر إذا قلت: ضربت زيدًا وجهه، وكذلك تجد قولك: (انتفعت به علمه) محتاجًا إلى البيان كاحتياج قولك: (انتفعت بزيد علمه).
وقد اختلف النحويون في ضمير المتكلم وضمير المخاطب: هل يجوز إبدال الظاهر منهما على إبدال الشيء من الشيء وهما لعين واحدة فيقال: (ضربتك زيدًا).
стр. 179
و (ضربتني أخاك)؟ فكان الأحفش يجيز ذلك ويحتج بقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا﴾ [الأنعام: ١٢]، وهذا خطأ عند النحويين؛ لأن ضمير المتكلم في نهاية البيان، وكذلك ضمير المخاطب فلا يصح فيه البدل، فإن احتج الأخفش بأن من البدل ما يراد منه التأكيد على ما قدمناه لم يصح ذلك في هذا الموضع؛ لأنه إذا أبدل الظاهر من ضمير المتكلم وضمير المخاطب فقد حل الظاهر محلهما، ولا تستعمل الأسماء الظاهرة في إخبار المتكلم عن نفسه ولا في الخطاب، ألا ترى أنك تقول عن نفسك: قمت، ولا يصح أن تقول للمخاطب: قام زيد وأنت تريد: (قمت)؛ لأنك توهم أنك تخبره عن غيره.
ولم يختلف النحويون في جواز البدل من ضمير المتكلم والمخاطب إذا كان بدل بعض من كل وبدل اشتمال، كقولك: ضربتني وجهي، وسلبتك ثوبك، وأنشد سيبويه:
(ذريني أن أمرك لن يطاعا ... وما ألفيتني حلمي مضاعا)
وأما سؤالك: هل يجوز أن يعطف على المضمر عطف بيان؟ فإن لم أر في// ذلك لأحد من النحويين قولاً، والقياس عندي ألا يجوز؛ لأنهم قد جعلوا عطف البيان بمنزلة النعت، فيجب أن يجري في الامتناع من الجواز مجراه.
стр. 180
وأما سؤالك: لمَ لمْ يجز أن توصف المعرفة بما هو أخص منها وأكثر تعريفًا، وجاز ذلك في النكرة؟ فإنما ذلك لأن الغرض في صفة المعرفة خلاف الغرض في صفة النكرة، فلاختلاف الغرضين اختلفت حالتا الصفتين.
أما الغرض في صفة المعرفة، فإنما هو إزالة الاشتراك العارض فيها أو المدح أو الذم، فلم يجز أن تكون أخص من موصوفها لثلاث علل: إحداها: أن المعرفة لا يعرض الشك لجميع المخاطبين بها، ولو كانت كذلك لم تسم معرفة، وإنما يعرض فيها الشك عند بعض من يخاطب بها فهي غنية عن الوصف في أكثر أحوالها، وأما الصفة فهي مجهولة عند كل من يسمعها حتى يذكر موصوفها الذي يخصصها، فلما كان موصوفها غنيًا في أكثر أحواله وهي مفتقرة إليه في جميع أحوالها، صار موصوفها أخص منها.
ألا ترى أن (العاقل) و (الظريف) و (الكريم) ونحوها صفات عامة يوصف بها كل من وجد فيه عقل أو ظرف أو كرم، فإذا ذكر المخبر شيئًا منها لم يعلم السامع من المقصود بتلك الصفة؟ فإذا قال: زيد العاقل، أو عمرو الظريف، أو جعفر الكريم، صارت هذه الصفات مختصة بهؤلاء المذكورين دون غيرهم ممن يجوز أن يوصف بها.
ولم يوضع (زيد) ونحوه من الأعلام في أصل وضعه ليسمى به كل من هو على صورته، كما وضع (العاقل) ونحوه من الصفات ليوصف به كل من وجدت فيه تلك الصفة، فقد بان بهذا أن الموصوف أخص من الصفة، وأن الصفة أعم منه، أعني ما تقدم ذكره من المعارف.
والعلة الثانية: أن صفة المعرفة إنما المراد منها الزيادة في البيان، والزيادة جزء من
стр. 181
المزيد، فيلزم من ذلك أن يكون حظ المزيد فيه من البيان أكثر من حظ الزيادة.
والعلة الثالثة- وبها ينبغي أن تعلل الصفات التي يقصد بها المدح أو الذم: أن صفة المعرفة بعض ما يشتمل عليه الموصوف من الصفات.
ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني زيد العاقل، و (زيد) يشتمل على صفات كثيرة والعاقل واحدة منها// تخصصه إذا ذكرت كما يخصص (العاقل)، فكان حظ (زيد) من التخصيص لهذا الاعتبار أضعاف حظ (العاقل)، ولهذا قال سيبويه وغيره من البصريين: «إن العلم كأنه مجموع صفات كثيرة» يريدون بذلك أن (زيدً) و [نحوه] لو لم يكن اسم علم يخصه ثم احتاج المخبر إلى الإخبار عنه لاحتاج أن يقول: جاءني الرجل الطويل صاحب الثوب الأبيض ابن الرجل الفلاني الساكن في موضع كذا، فيذكر عشرين صفة ونحوها حتى يفهم السامع عنه، وربما لم يفهم السامع وعجز المخبر عن تعديد صفات المخبر عنه، فاختصر ذلك كله بأن سمي (زيدًا) أو (عمرًا) فناب هذا الاسم العلم في الإخبار عنه مناب تلك الصفات الكثيرة.
فإن عرض بعد ذلك شيء من الإشكال عند بعض المخاطبين زاد المخبر عنه صفة أو صفتين من صفاته التي اشتمل عليها فيكون ذلك أخف وأيسر من تعديد الصفات، فلهذه العلل الثلاث لزم أن يكون الموصوف إذا كان معرفة أخص من صفته.
فأما النكرة فالغرض في وصفها تقريبها من المعرفة، فلم تخل صفتها من أحد ثلاثة أشياء، إما أن تكون أعم منها، وإما أن تكون مساوية لها، وإما أن تكون أخص منها، فلو كانت صفتها أعم منها كان ذلك مبعدًا لها من المعرفة لا مقربًا، وهذا
стр. 182
نقض الغرض، وإن كانت صفتها مساوية لها في العموم عريت من الإفادة، وكان ترك الصفة وذكرها سواء، فلزم أن يكون أخص منها اضطرارًا.
ويبين هذا أنك لو قلت لصاحبك: اذهب فجئني برجل، لخرج وأتاك بأول رجل يجده، فإن قلت له: جئني برجل ظريف، لم يجئك بكل من يجده من الرجل، وتعذر وجوده عليه أشد من تعذر وجود الأول، فإن قلت له: جئني برجل ظريف عاقل، كان أشد تعذرًا وأقل لوجوده، ولهذا قال المتكلمون: «الزيادة في الحد نقصان من المحدود»، وفي هذا المعنى يقول بعض المحدثين:
(يسر الفتى بالحين يجلب راحة ... وأيامه تمضي كما انتثر العقد)
(وينقص منه كل وقت يزيده ... كما نقص المحدود حين نما الحد)
// قال أبو محمد- ﵀: فهذا ما عندي من الجواب عن سؤالك،
والحمد لله كثيرًا، وصلى الله على محمد بكرة وأصيلاً، وسلم تسليمًا.
كملت المسألة بحمد الله تعالى وعونه لا رب سواه ولا معبود إلا إياه.
стр. 183
الرسالة التاسعة: في تحقيق معنى بعض الأبيات
стр. 184
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي- ﵀:
سألتني- أراك الله سؤلك، ولقاك مأمولك- عن أبيات من الشعر ذكرت أن التنازع وقع هناك في إعرابها ومعانيها، وقد راجعتك بما عند فيها.
أما قول النابغة الذبياني:
(وأضحى ساطعًا بجبال حسمى ... دقاق الترب محتزم القتام)
وسؤالك عن معنى هذا البيت، ونصب (محتزم) أو رفعه فإن ابن الأعرابي فسره فقال: «معناه: وأضحى الغبار ساطعًا رقيقًا بحبال حسمى وهي التي اختزمت بالقتام، وأخرج (محتزمًا) قطعًا من (حسمي)، ورفع (الدقاق) بأضحى، و (حسمى) هو الذي احتزم به القتام»، وهذا نص جلي من كلام ابن الأعرابي على أن: محتزم القتام منصوب لا مرفوع.
وذكر الطوسي أن الأصمعي، وأبا عمرو رويا:
(وأضحى عاقلاً بجبال حسمى ... .................... )
стр. 185
فذكر أنهما خالفاه في صدر هذا البيت، ولم يذكر أنهما خالفاه في غير ذلك.
وهذا الذي قاله ابن الأعرابي من أن (محتزمًا) نصب على القطع من (حسمى) مذهب كوفي مشهور عنهم، ومعنى القطع عندهم أن أصل هذا وما أشبهه أن يكون صفة بالألف واللام، ثم تحذف الألف واللام منه فينصب، وتقدير البيت على هذا الرأي: وأضحى دقاق الترب ساطعًا بجبال حسمى المحتزم بالقتام، فكان (المحتزم) صفة لـ (حسمى)، ثم قطع الألف واللام ونصب، وهكذا قالوا في قول امرئ القيس:
( ............... ... وعالين قنوانًا من البسر أحمرا).
بأنه أراد: من البسر الأحمر، ثم قطع الألف واللام منه ونصب، وهذا ونحوه يسميه البصريون حالاً.
وفي// تحقيق مذهب الفريقين في هذا الكلام طول ليس هذا موضعه؛ لأنه يخرجنا عن غرضنا الذي نحن بصدده، و (ساطعًا) خبر (أضحى)، و (دقاق) اسمها، وإن جعلت (أضحى) ههنا تامة، لا خبر لها كان انتصاب (ساطع) على الحال من الدقاق.
وأما سؤالك عن (محتزم): هل يجوز رفعه فإني لا أعلم أحدًا رواه مرفوعًا، وإنما الرواية ما قدمته، ورفعه- مع ما فيه من عدم الرواية- بعيد جدًا، ومخرج للكلام إلى معنى غير المعنى الذي قصده الشاعر وفسره به الرواة؛ لأن الذي يرفعه لا يخلو من أحد
стр. 186
وجهين: إما أن يجعله صفة للدقاق، وإما أن يجعله بدلاً منه، وكلا الأمرين لا يصح؛ لأنه يصير المعنى إذا دقاق التراب احتزم بالقتام، وليس المراد هذا، وإنما المراد أن (حسمى) احتزم بالقتام واشتمل به لكثرة ما أحاط به منه، وهذا الذي فسره به الأصمعي وابن الأعرابي.
وفي انتصاب (محتزم) على الحال- في قول البصريين- سؤال من وجهين: أحدهما: أن يقال: كيف انتصب على الحال وهو مضاف إلى المعرفة؟ ، والثاني: أن المعروف في العربية أن العامل في الحال هو العامل في صاحبها، والعامل في (حسمى) الإضافة، ولا يصح لهذه الإضافة أن تعمل في (محتزم)؛ لأنه يصير المعنى أن الجبال إنما هي مضافة إلى (حسمى) في حال احتزامه بالقتام دون سائر أحواله، وهذا غير صحيح، ومن أجل هذا الإلزام عدل الكوفيون عن نصبه على الحال إلى نصبه بالقطع في ما أحسب.
وإنما ينبغي- على ما يقتضيه معنى البيت- أن يكون العامل في (محتزم) (ساطعًا)، أو (أضحى) في قول من جعلها تامة، وأما من جعلها ناقصة ففي ذلك نظر؛ لأن (كان) الناقصة وأخواتها- عند حذاق النحويين- لا تعمل في الفضلات.
فأما السؤال الأول فإن الجواب عنه أن يقال: إن إضافة (محتزم) إلى (القتام) إضافة غير صحيحة ينوي بها الانفصال، والمضاف إليه منصوب في المعنى، كما أن إضافة (وارد) إلى (الثمد) من قول النابغة:
( ....................... ... إلى حمام شراع وارد الثمد)
стр. 187
غير صحيحة، و (الثمد) منصوب في المعنى، فلذلك صار (محتزم) حالاً من (حسمى)، و (وارد) صفة لـ (حمام) حين لم تكن إضافته محضة.
وأما السؤال الثاني فسؤال عويص، وفي الجواب عنه غموض محتاج إلى تلخيص، والجواب عنه: أن العامل فيه (أضحى) أو (ساطعًا) - وإن// كان كل واحد منهما لم يعمل في حسمى لفظًا؛ لأنه عامل فيه معنى لأن الشاعر لو قال: وأضحى (حسمى) محتزم القتام، ساطعًا عليه دقاق الترب، أو قال: ساطعًا عليه دقاق الترب، أو قال: ساطعًا عليه دقاق الترب في حال احتزامه بالقتام لأدى ذلك المعنى بعينه، ونظيره من الأحوال المحمولة على المعاني قول النابغة الجعدي:
(كان حواميه مدبرًا ... خضبن وإن كان لم يخضب)
ألا ترى أن (مدبرًا) حال من الهاء، والعامل في الهاء الإضافة؟ ، ولا يصح لهذه الإضافة أن تعمل في (مدبر)؛ لأنه يصير المعنى أن حواميه ليست مضافة إليه إلا في حال إدبار، وهذا غير صحيح، وإنما العامل فيه معنى التشبيه؛ لأن التشبيه إذا عمل في (حواميه) فقد عمل [في الحال]، فكأنه قال: كأنه (مدبرًا) مخضوب الحوامي، ونحو هذا من الأخبار التي ليست بأحوال قوال الشاعر: [الطويل]
стр. 188
(لعلي إن مالت بي الريح ميلة ... على ابن أبي زبان أن يتندما)
فأخبر عن اسم (لعل) بقوله: (أن يتندم)، وليس فيه ضمير يعود إليه؛ لأن الضمير إنما يرجع إلى ابن أبي ربان، وجاز ذلك حملاً على المعنى؛ لأنه لو قال: لعل ابن أبي زبان أن يتندم إن مالت بي الريح ميلة عليه لأدى ذلك المعنى بعينه، ونحوه من الأحوال المحمولة على المعاني دون موضوع الألفاظ قول امرئ القيس:
(خرجت بها تمشي تجر وراءنا)
فقوله: (تمشي) في موضع الحال من الباء والهاء، كأنه قال: ماشيين.
وقد قال النحويون: إنه لا يعمل في الحال عاملان، وإذا صيرت (تمشي) حالاً من الباء والهاء أعملت فيه (خرج) وحرف الجر، فصار بمنزلة قولك: (خرج زيد ومررت بعمرو راكبين)، وهذا لا يجوز، وإنما جاز ذلك ههنا حملاً على المعنى؛ لأن الباء تنوب مناب همزة النقل فصار قوله: (خرجت بها) بمنزلة أخرجتها، وإذا صار معناه إلى هذا التقدير كان العامل واحدًا، وهذا كثير جدًا.
وأما قولك: إن الأعلم- ﵀ رواه مرفوعًا فلا أعلم من أين ادعيت ذلك عليه، ولم يصرح فيه برفع ولا نصب، وإنما قال قولاً ينحو نحو ما حكيناه عن ابن الأعرابي، وإن كان قوله: (وحسمى محتزم القتام) قد أوهمك أنه خبر مبتدأ مضمر فليس كذلك، إنما// جعلها جملة في موضع نصب على الحال كأنه قال: وأضحى دقاق الترب ساطعًا بجبال حسمى وحسمى محتزم القتام، أي وحسمى هذه حاله.
وأما قول زهير: [السريع]
стр. 189
(يحفظك ما وقى الأكارم من ... حوب تسب به ومن غدر).
فإن فيه روايتين ذكرهما الشنتمري: إحداهما (وقى الأكارم)، بنصب (الأكارم) وفتح الواو من (وقى) وتشديد القاف، والثانية (ما وقى الأكارم) برفع (الأكارم) وضم الواو من (وقى) وكسر الكاف وتخفيفها، وهذه الرواية الثاني هي التي أولع جمهور الناس بها، وكلا الروايتين جائزة، والأولى هي المختارة، ومن أجل ذلك لا أكاد أعرج على الثانية.
وإنما صارت الأولى هي المختارة لما فيها من مطابقة بعض الألفاظ لبعض، وألفاظ البيت- على الرواية الثانية- لا يطابق بعضها بعضًا، وفيها مجاز، وحمل على المعنى دون الألفاظ، وذلك معدوم في الرواية الأولى، ألا ترى أن معنى البيت وتقدير ألفاظه على الرواية الأولى: ويحفظك من الحوب والغدر ما حفظ الأكارم قبلك، فجاء بالفعلين معًا على صيغة فعل الفاعل، وكان يجب في الرواية الثانية أن يقول: وتوقى من الحوب والغدر وما وقي الأكارم، فيأتي بالفعلين على صيغة ما لم يسم فاعله لتتلاءم الألفاظ وتتشاكل، فلما جاء بالفعل الأول على صيغة فعل الفاعل، وبالثاني على صيغة فعل ما لم يسم فاعله فتنافرت الألفاظ، واحتاج البيت إلى تأويل يصرف ألفاظه إلى التلاؤم والتشاكل، ووجه الصيغة في ذلك أن يقال: ويقيك: تضمن المعنى أنه قد وقي ذلك، فدلت صيغة فعل الفاعل على ما تضمنه الكلام من صيغة فعل المفعول، كما أن القائل إذا قال: ضرب زيد عمرًا فقد تضمن معنى ضرب عمرو، وهذا عكس قراءة من قرأ: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦]؛ لأن المفعول
стр. 190
في هذه القراءة قد تضمن فعل الفاعل، وبيت زهير خلاف ذلك.
وأما قول زهير:
(وكانت تشتكي الأضغان منها ... لجون الخب واللجج الحرون)
فإن هذا البيت رواه السكري:
(وكانت تشتكى الأضغان .............. )
بضم التاء وفتح الكاف// ورفع (الأضغان) على صيغة ما لم يسم فاعله، وفسره تفسيرًا يدل على ذلك؛ لأنه قال: يقول أربابها يشكون الأضغان، فجعل الشكوى لأصحاب الخيل لا للخيل، ومعنى ذلك أن هذه الخيل كان فيها التواء على أصحابها لنشاطها؛ لأنها تذهب بهم حيث لا يريدون وتجمح، فلا يستطيعون على إمساكها إلا بجهد، ويتعذر عليهم إلجامها وركوبها، كما قال في قصيدته الأخرى:
(فبتنا عراة عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله).
стр. 191
(ونضربه حتى اطمأن قذاله ... ولم يطمئن قلبه وخصائله)
فلما كانت بهذه الصفة من النشاط صارت كأن في صدورها أضغانًا على أصحابها، فوصف زهير أنها كانت في أول أمرها على هذه الصفات، وأنهم لم يزالوا يركبونها لكل صارخ يستغيث، ويروضونها بكثرة الركض والركوب حتى أزالت أضغانها، ولانت عرائكها، وذهب ما فيها من الالتواء والإعراض.
وتقدير البيت على مذهب الكوفيين: كانت تشتكي أضغانها فأقام الألف واللام مقام الضمير على حد قولهم: مررت برجل حسن الوجه، أي: على معنى وجهه، وفي قوله تعالى: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوَابُ﴾ [ص: ٥٠] أن المعنى مفتحة أبوابها، فقسم ونوع فقال: اللجون الخب ومنها اللجج الحرون، فيرتفع (اللجون) بالابتداء، وخبره في قولها منها، واللجج مبتدأ [ثان] وخبره محذوف، أراد: ومنها اللجج الحرون، وعطف جملة على جملة، ولابد من تقدير (منها) مرة ثانية لأنه تقسيم وتنويع، فإن لم تضمر (منها) مرة ثانية كان التقسيم ناقصًا، ونظيره قول الله- عز
стр. 192
وجل-: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، تقديره: ومنها حصيد، فهو عطف جملة على جملة.
ونحوه قول الكميت:
(لنا راعيا سوء مضيعان منهما ... أبو جعدة العادي وعرفاء جيأل)
والتقدير: ومنها عرفاء جيأل.
وأما على أصول البصريين فله تقديران: أحدهما: أن يريد وكانت تشتكي الأضغان منها اللجون الخب، وحذفوا (منها)، قالوا في (مررت برجل حسن الوجه) إن معناه الوجه منه، وفي الآية المذكورة أن المعنى مفتحة لهم الأبواب منها، فحذف الضميرين من الموضعين لما في الكلام عليه من الدليل، وقوله: (منها اللجون) مبتدأ وخبر، كما قال الكوفيون لا خلاف// بينهم في ذلك، والتقدير الآخر: ألا تضمر (منها) ولكن تجعل (منها) المذكورة في البيت هي التي يعود منها الضمير فتكون (منها) على هذا متصلة بالأضغان، وتكون الجملة الأولى قد تمت في قوله: (منها) ويجعل (اللجون) وما بعده بدلاً من الأضغان، ولا يصح هذا البدل إلا على تقدير مضاف محذوف، كأنه قال: أضغان اللجون، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فيكون مثل قول امرئ القيس:
( .................. ... بناظرة من وحش وجرة مطفل)
стр. 193
في قول من جعل الناظرة ههنا (العين)؛ لأن تقديره على هذا القول بناظرة ناظرة مطفل، على إبدال (ناظرة) الثانية من ناظرة الأولى، فمن حذف (الناظرة) وأقام [المضاف إليه] مقامها، صار (مطفل) بدلاً من (ناظرة) لحلوله محل ما كان بدلاً منها، ومثله قول الآخر:
(نضر الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات)
في راوية من روى (طلحة) بالنصب؛ لأنه أبدلها من (أعظم)، ولا يصح ذلك على حذف مضاف، كأنه قال: أعظم طلحة، ثم حذف وإنما احتيج إلى هذه الصنعة لأن الكل لا يبدل من البعض، وإنما يبدل البعض من الكل، وكذلك احتيج في إبدال (اللجون) من (الأضغان) للصنعة المذكورة.
وإذا كان لا يصح البدل على ظاهر الكلام فهذا في رواية من روى: تشتكى- على ما لم يسم فاعله- ورواه قوم: تشتكي الأضغان بالنصب وفتح التاء من (تشتكي) وكسر الكاف)، فالشكوى- على هذه الرواية- للخيل لا لأصحابها، فيكون الكلام قد تم في قوله: «وكانت تشتكي الأضغان»، ثم ابتدأ منها فقال: منها كذا، ومنها كذا، على نحو ما ذكرناه من التنويع والتقسيم.
стр. 194
فإن قيل: كيف وصف الخيل بأنها تشتكي أضغانًا؟ وما هذه الأضغان التي تشتكيها؟ فإن ذلك يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون أراد بالأضغان ما فيها من الحران، واللجاج، والعسر، والأمور التي ذكرنها؛ لأن الصفات المذمومة تجري مجرى الأمراض والأدواء والعيوب، ألا ترى أن العرب يقولون للمتكبر الذي لا يلتفت عجبًا وزهوًا: (أصيد)؟ وإنما الأصيد في الحقيقة البعير الذي لا يقدر أن يثني عنقه، ولا يلتفت لداء يصيبه، فأجروا الزهو، والتكبر مجرى الداء.
وكذلك قول الشاعر:
(//ما برح التيم يعتزون وزر .. ق الخط تشفي السقيم من سقمه)
أنه أراد [أن] الرماح تزيل نخوة المتكبر وإعجابه بنفسه، فهذا وجه، والمعنى الآخر: أن أصحاب هذه الخيل كانوا يصرفونها، ويعتبون عليها لما فيها من العسرة والأدواء، وكأنهم مضطغنون عليها، وهي مضطغنة عليهم، فلم تزل الحروب تروضها حتى ذهب عسرها والتواؤها، وصارت إلى ما يوافق أصحابها، وصار أصحابها إلى ما يوافقها، فذهبت أضغانها عليهم، وأضغانهم عليهم.
قال أبو محمد- ﵀: فهذا ما حضرني من القول في جواب ما سألت عنه، ولله الحمد على جزيل نعمه، وصل الله على محمد وآله.
стр. 195
الرسالة العاشرة: في تحقيق بعض الأمثال والأبيات
стр. 196
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا
قال الشيخ الجليل أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي- ﵀: سألتني- أبقاك الله- عن قولهم في الأمثال: دهدرين سعد القين، وعن قولهم: وهو يضرب أخماسًا لأسداس، وعن قول عارق الطائي:
(أبو عدني والرمل بيني وبينه ... تأمل رويدًا ما أمامة من هند)
فأما قولهم: دهدرين سعد القين فقد اختلفت الرواة في حقيقة لفظه، وحقيقة معناه، وحقيقة إعرابه، كثر فيه التخليط، فرواه قوم: دهدرين سعد القين، هذه رواية الأصمعي، وكان يقول: لا أدري ما أصله، وروي عنه برفع (سعد) و (القين)، وبرفع (سعد) وإضافته إلى (القين)، ودهدرين متصل غير منفصل، ورواه قوم د هـ منفصلاً من درين.
وكان أبو زياد الكلابي يقول: ده دريه- بالهاء- و (ده) منفصل من (دريه)،
стр. 197
كذا رواه أبو عبيد القاسم عنه، ورواه ابن الأعرابي: دهدر بن سعد، ورواه أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتاب الأمثال: دهدرين وسعد القين، وفسره فقال: تركوا تنوين (سعد) استخفافًا، ونصبوا (دهدرين) على إضمار فعل ينصبه، // وهذا تفسير يحتاج إلى تفسير آخر، وذكر أن بعضهم رواه: دهدرين سعد القين، بحذف التنوين، وخفض (سعد) وترك تنوينه.
ورواه يعقوب في كتاب (الأمثال): دهدرين ساعد القين، وقال: يريد سعد القين، ذكر ذلك الأصمعي عن خلف الأحمر أنه سمع أعرابيًا يرويه كذلك.
وقال أبو زيد الأنصاري: «يقال للرجل يهزأ منه: دهدرين وطرطبين»، ودهدرين، ودهدري، فهذا جميع ما وقع إلينا الاختلاف في حقيقة لفظه.
فأما القول في حقيقة معناه وحقيقة إعرابه فإني لم أر فيه لأحد قولاً شافيًا يسرد عنه ويخبر بالجلية منه، وأنا أتكلم في معناه بما يقتضيه، وأبين ما لم أجد لهم بيانًا فيه، إن شاء الله.
стр. 198
أما من روى (دهدرين) سعد القين فالوجه فيه أن يكون (دهدرين) كلمة واحدة؛ لأن أبا عبيدة معمر بن المثنى قد صرح فيه بأنها تثنية؛ لأن أهل اللغة قد حكوا أنه يقال للباطل: (دهدرين)، بالراء، و (دهدن) بالنون، وأنشدوا:
(لأجعلن لابنة عثم فنا ... حتى يكون مهرها دهدنا)
وإعرابه- على هذا- أنه اسم للفعل بمنزلة (هيهات) و (سرعان)، كذلك حكى ابن جني عن الفارسي، ومعناه: بطل سعد القين، فـ (سعد): فاعل بـ (دهدرين) مرتفع به، كما كان يرتفع بالفعل الذي ناب عنه، وهو مضاف إلى القين، والمراد بالسعد: السعادة، هذا على رواية من خفض (القين)، ومعناه أن (القين) كان من عاداته أن ينزل في الحي فيشيع أنه متحفز للحرب، غير مقيم، ليبادر إليه بالعمل، فكان له في كذبه سعادة، فلما علم بكذبه بطل سعده، ولم ينتفع بكذبه، ولذلك قالوا: إذا سمعت بسرى القين فإنه مصبح، ومن رفع (القين) جعله صفة لـ (سعد)، وجعل (سعدًا) اسم رجل قين، وقدر في الكلام مضافًا محذوفًا، كأنه قال: بطل كذب سعد القين، أو قول سعد القين، وكان يجب على هذا أن ينون (سعدًا) ولكنه حذف التنوين استخفافًا لالتقاء الساكنين، كما قرأ بعض القراء: (قل هو الله أحد
стр. 199
الله)، وكما أنشد سيبويه:
.................. ... ولا ذكر الله إلا قليلاً)
ويجوز في رواية من رفع (سعدًا) و (القين) أن يكون المعنى: اكذب كذبتين يا سعد القين، فيكون (دهدرين) اسمًا وقع موقع// المصدر، كما وقعت (الحافرة) في قوله:
(أحافرة على صلع وشيب ... معاذ الله من سفع وعار)
موقع الرجوع الذي هو مصدر صحيح، كأنه قال: أأرجع إلى الصبا رجوعًا بعدما شبت وصلعت؟ ويرتفع (سعد) على أنه منادى مفرد، و (القين) صفته.
وأما من روى (ده درين) بفصل (ده) عن (درين)، فقالوا: معنى (ده) بالغ في
стр. 200
الدهاء والكذب، و (درين) من در الشيء، يدر، إذا تتابع فأرادوا بتثنيته المبالغة في الدر، كقولهم: لبيك وسعديك ودواليك، فإعرابه على هذا القول أن (ده) أمر، و (درين) منصوب على المصدر المحمول على المعنى، وسعد اسم رجل، وهو منادى مفرد، و (القين) في هذا القول مرفوع على الصفة له كأنه قال: بالغ مبالغتين في الكذب يا سعد القين، ويجوز في هذا القول نصب (القين) على أن يكون صفة على الموضع، كما تقول: يا زيد الطويل والطويل، ويجب أن يكون (ده) على هذا الرأي مقلوبًا؛ لأن الدهاء معتل اللام، و (ده) لا يكون إلا معتل العين، فلا يستقيم أن يكون منه إلا على القلب.
وأما من رواه (دهدريه) - بالهاء- فيكون معناه إذا فصل (ده) من (دريه) بالغ في الكذب مبالغتيه يا سعد القين، أي المبالغتين المعروفتين للكذب، فالهاء في (دريه) عائدة على الكذب، وإن لم يتقدم له ذكر؛ لأن (ده) قد دل عليه، كما قالوا: (من كذب كان شرًا له) وتكون هذه التثنية يراد بها الجمع والترديد، ولا يراد بها حقيقة التثنية، كما قالوا: (لبيك)، ومن رواه متصلاً كان اسمًا للفعل على ما تقدم.
وأما من روى (دهدري سعد القين) فحذف النون من (دهدرين) وخفض (سعدًا) و (القين)، فليس على هذه الرواية اسمًا للفعل؛ لأن أسماء الأفعال لا تضاف كما لا تضاف الأفعال، وإنما هو مصدر مثنى أضيف إلى (سعد) والعامل فيه مضمر، كأنه قال: اكذب كذبتي سعد القين، و (سعد) اسم رجل، و (القين) صفة له، وحذف التنوين من (سعد) لالتقاء الساكنين على ما ذكرناه فيما تقدم.
وأما رواية ابن الأعرابي (دهدر بن سعد) فالأظهر في هذه الرواية أن يكون (دهدر) اسم رجل معروف بالكذب، فإذا كذب رجل شبه به، فقيل: (دهدر بن
стр. 201
سعد)، أي: هذا دهدر// بن سعد، أي: هذا مثله، ومنزل منزلته، كما قالوا: أبو يوسف أبو حنيفة، وإنما قلت هذا لأن ابن الأعرابي رواه برفع ابن، ويجوز على هذه الرواية أن يكون (الدهدر) الكذب بعينه، ووصفوه بالبنوة مبالغة، كما قالوا: الضلال بن فهلل، والضلال بن ثهلل، كأنهم أرادوا بذكر البنوة أنه معروف بالكذب والباطل، أو كأنه كذب تولد من كذب، كما قالوا للخبز: جابر بن حبة، لتولده من الحب.
وأما رواية أبي عبيدة معمر بن المثنى (دهدرين وسعد القين) بعطف (سعد) على (دهدرين) ونصب (سعد) و (القين) فإن أبا عبيدة قال: تركوا تنوين (سعد) استخفافًا، ونصبوا (دهدرين) على إضمار فعل، ولم يمثل الفعل الناصب له، والوجه في هذه الرواية أن يكون (دهدرين) اسم رجل كذاب سمي بالتثنية، كرجل سمي (زيدين) أو (عمرين)، وكأنهم فعلوا ذلك قصدًا إلى المبالغة في وصفه بالكذب؛ لأن (الدهدر): الكذب، كما سمو (الضبع) حضاجر، مبالغة في وصفها بعظم البطن؛ لأن حضاجر جمع حضجر وهو العظيم البطن، و (سعد) أيضًا اسم رجل قين كذاب، و (القين) صفة لـ (سعد)، وحذفوا التنوين من (سعد) لالتقاء الساكنين كما مضى.
وأما قوله: إنه انتصب بفعل مضمر، فالوجه فيه أن الرجل إذا كذب فقال: ما معه دهدرين وسعد القين، فكأنه قال لمن حضر: عاينوا دهدرين وسعد القين، فإنهما حضرا بحضور هذا الكذاب، فهذا ما عندي في هذا المثل.
وأما قولهم في الرجل الذي يستعمل المكر والخديعة: (هو يضرب أخماسًا لأسداس)
стр. 202
ففيه قولان: قال ابن الأعرابي: «كان شيخ في إبل ومعه أولاده الرجال، قد طالت غربتهم عن أهلهم، فقال لهم ذات يوم: ارعوا إبلكم ربعًا فرعوها ربعًا نحو طريق أهلهم، فقالوا: لو رعيناها خمسًا فزادوا يومًا قبل أهاليهم، فقال: ارعوها خمسًا، فقالوا له: لو رعيناها سدسًا، ففطن الشيخ فقال: ما أنتم إلا ضرب أخماس لأسداس، ما همتكم وشأنكم رعيها، وإنما همتكم أهلكم، فضرب مثلاً للذي يراوغ صاحبه ويريه أنه يطيعه، وأنه معه، وهو في أمر آخر»، وقال غير ابن الأعرابي: أصله أن الرجل كان إذا أراد سفرًا بعيدًا عن أهله عود إبله أن تشرب خمسًا ثم سدسًا، لتعتاد الصبر عن الماء في السفر، فضرب ذلك مثلاً// للمكر والخديعة؛ لأن الماكر ينقل صاحبه من حال إلى حال لأمر ينضوي عليه كما تنقل الإبل من خمس إلى سدس لأمر يراد بها، ومعنى (يضرب) هنا يجعل ويصير، كما قال- الله : ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ ﴿آل عمران: ١١٢]، وقال تعالى: ﴿لا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، واللام في قولهم (لأسداس) لام العلة والسبب كأن المعنى أنه يعود الإبل الأخماس ليدرجها [بذلك] إلى الأسداس.
وأما قول عارق الطائي:
стр. 203
( ....................... ... تأمل رويدًا ما أمامة من هند)
فإن صاعدًا اللغوي ذكر أن (هندًا) مئتان من الإبل، و (أمامة) ثلاثمئة، ولا أحفظ هذا عن غيره، وذكر أبو عمر المطرز أنهما جبلان، والله الموفق والمرشد لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
стр. 204
الرسالة الحادية عشر: في تحقيق بعض الأبيات
стр. 205
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد- ﵀:
سألت- أيدك الله- عن قول الشاعر:
(ولا ثوب البقاء بثوب عز ... فيطوى عن أخي الخنع اليراع)
بعد قوله:
(فصبرًا في مجال الموت صبرًا ... فما نيل الخلود بمستطاع)
[فقال- أعزه الله] تأويله: أنه أمر نفسه بالإقدام، ونهاها عن الإحجام، فقال [لها]: لا تستوحشي من قصر عمر الشجاع وطول عمر الجبان، فترغبي في الجبن حسدًا للجبان على طول بقائه، فإن البقاء ليس بثوب عز فيعطاه الجبان، ويحرمه الشجاع، ولكنه ثوب ذلة وصغار لما يلحق الجبان من الخزي في فراره والعار، فلذلك يعطاه الجبان، ويحرمه الشجاع، والعرب تصف الشجاع بقصر
стр. 206
العمر، والجبان بطول العمر، وذلك كثير في الشعر القديم والمحدث، قال السموأل [ابن عادياء]:
(يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول)
وقال أبو تمام:
(فيم الشماتة إعلانًا بأسد وغى ... أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع)
وقد ذكر أبو الطيب أن البقاء على غير الاختيار ليس مما يرغب [فيه] فقال:
(وما الحياة ونفسي بعد ما علمت ... أن الحياة كما لا تشتهى طبع)
وقال الديمرتي:
يقال: الناس قد استووا في الممات، غنيهم وعديمهم وقويهم وضعيفهم// لا يزداد واحد منهم ساعة في أجله، وليس البقاء والعمر كالعز الذي لا يدركه الشجاع والقوي، ولا يدركه الجبان ولا الضعيف، [والحمد لله كثيرًا كما هو أهله].
كملت المسألة.
стр. 207
الرسالة الثانية عشرة: في بيان مسألة وقع النزاع فيها بين المصنف وابن الصائغ
стр. 208
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد وآله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد البطليوسي- ﵀: جمعني مجلس مع رجل من أهل الأدب، يعرف بابن الصائغ، فنازعني في مسألة من مسائل النحو، ثم دبت الأيام ودرجت الليالي وأنا لا أعيرها فكري، ولا أخطرها على بالي، ثم اتصل بي أن قومًا يتعصبون له ويقرظونه يعتقدون أني أنا المخطئ فيها دونه، فرأيت أن أذكر ما جرى بيننا فيها من الكلام، وأزيد ما لم أذكره وقت المنازعة والخصام، ليعلم المزجى البضاعة في هذه الصناعة، وبالله التوفيق.
كان مبتدأ الأمر أن هذا الرجل المذكور قال لي: إن قومًا من نحويي (سرقسطة) - حرسها الله- اختلفوا في قول كثير:
(وأنت التي حببت كل قصيرة ... إلي، وما تدري بذاك القصائر)
стр. 209
(عنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... فصار الخطأ، شر النساء البحاتر)
فقال بعضهم: (البحاتر) مبتدأ، و (شر النساء): خبر، وأنكرت أنها هذا القول، وقلت: لا يجوز إلا أن يكون (البحاتر) هو المبتدأ و (شر النساء) الخبر، فقلت له: الذي قلت- أعزك الله- هو الوجه المختار، وما قاله النحوي الذي حكيت عنه جائز، غير ممتنع، فقال: وكيف يصح ما قال؟ وهل غرض الشاعر إلا أن يخبر أن (البحاتر) شر النساء؟ ، وجعل يكثر من الموضوع والمحمول، ويورد الألفاظ المنطقية التي يستعملها أهل البرهان، فقلت له: أنت- أعزك الله- تريد أن تدخل صناعة المنطق في صناعة النحو، وصناعة النحو تستعمل فيها مجازات ومسامحات لا يستعملها أهل المنطق، وقد قال أهل الفلسفة: يجب أن تحمل كل صناعة على القوانين لمتعارفة بين أهلها، وكانوا يرون أن إدخال بعض الصناعات في بعض إنما// يكون من جهل المتكلم، أو عن قصد منه للمغالطة واستراحة بالانتقال من صناعة إلى أخرى إذا ضاقت عليه طرق الكلام.
وصناعة النحو قد تكون فيها الألفاظ مطابقة للمعاني، وقد تكون مخالفة لها إذا فهم السامع المراد فيقع الإسناد في اللفظ إلى شيء، وهو في المعنى مسند إلى شيء آخر، إذا علم المخاطب غرض المتكلم، وكانت الفائدة في كلا الحالين واحدة، فيجيز النحويون في صناعتهم: (أعطي درهم زيدًا) ويرون أن فائدته كفائدة قولهم:
стр. 210
أعطي زيد درهمًا فيسندون الإعطاء إلى الدرهم في اللفظ، وهو مسند في المعنى إلى زيد، وكذلك يجيزون: ضرب بزيد الضرب، وخرج بزيد اليوم، وولد لزيد ستون عامًا، وقد علم أن الضرب لا يضرب، واليوم لا يخرج، وأن الستين عامًا لا تولد، فهذه الألفاظ [كلها] غير مطابقة للمعاني؛ لأن الإسناد وقع فيها إلى شيء آخر، اتكالاً على فهم السامع، وليس هذا بضرورة شاعر بل هو كلام العرب الفصيح المتعارف بينهما في محاوراتهما، وهذا أشهر عند النحويين من أن يحتاج فيه إلى بيان.
ومما يبين هذا أن النحويين قد قالوا: إذا اجتمعت معرفتان فأيهما شئت الاسم، وأيهما شئت الخبر، فتقول: كان زيد أخاك، وكان أخوك زيدًا، فإن قال قائل: الفائدة فيهما مختلفة؛ لأنه إذا قال: كان زيد أخاك أفادنا بالأخوة، وإذا قال: (كان أخوك زيدًا أفادنا أنه زيد)، // فالجواب أن هذا جائز صحيح لا ينازع فيه منازع،
стр. 211
ويجوز أيضًا أن يقال: كان أخوك زيدًا، والمراد: كان زيد أخاك، فيقع الإسناد في اللفظ إلى الأخ وهو في المعنى إلى زيد، والدليل على ذلك أن القراء قرؤوا: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [النمل: ٥٦] برفع (الجواب) ونصبه، فتارة يجعلون الجواب الاسم والقول الخبر، وتارة يجعلون القول هو الاسم والجواب الخبر، وليس يشك أحد في أن الغرض في كلتا القراءتين واحد، وأن الإخبار- في الحقيقة- إنما هو عن الجواب، وكذلك قوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ [الحشر: ١٧]، قرئ برفع (العاقبة) ونصبها، ولا فرق بين الأمرين عند أحد من البصريين والكوفيين، وكذلك قال الفرزدق:
(لقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم)
ينشد برفع (النصر) ونصب (العض) وبرفع (العض) ونصب (النصر)، والفائدة في الأمرين جميعًا واحدة.
стр. 212
وكذلك قول الآخر:
(وقد علم الأقوام ما كان داؤها ... بثهلان إلا الخزي ممن يقودها)
ينشد برفع (الداء) ونصب (الخزي)، ونصب (الداء) ورفع (الخزي)، والفائدة فيها جميعًا واحدة، ونما تساوى ذلك؛ لأن المبتدأ هو الخبر، ومما يبين ذلك بيانًا واضحًا أن القائل إذا قال: شر الناس الفاسق، أو: الفاسق شر الناس، فقد أفادنا في كلا الحالين فائدة واحدة.
وكذلك إذا قال: (أبوك خير الناس) فائدته كفائدة قوله: (خير الناس أبوك)، لا يمكن أحدًا أن يجعل بينهما فرقًأ، ويشهد لذلك قول زهير:
(وإما أن يقولوا قد أبينا ... فشر مواطن الحسب الإباء)
стр. 213
فهذا البيت أشبه الأشياء ببيت كثير، وقد جعل زهير فيه (شرًا) هو المبتدأ، و (الإباء) هو الخبر، وإنما غرضه أن يخبر أن (الإباء) هو شر مواطن الحسب، ولا يجوز لزاعم أن يزعم أن (الإباء) هو المبتدأ، و (شر) خبره؛ لأن الفاء لا يجوز دخولها على خبر المبتدأ إلا أن يتضمن المبتدأ معنى الشرط، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد فقائم؟ ، وكذلك من رواه: وشر مواطن- بالواو- لأن الواو لا تدخل على الأخبار، لا يجوز: زيد وقائم.
ومما يبين لك تساوي الأمرين عند النحويين باب الإخبار بـ «الذي» وبالألف واللام، فمن تأمل قول النحويين فيه رأى ما قلنا نصًا؛ لأن القائل إذا سأل فقال: أخبرني عن (زيد) من قولنا: قام زيد، فجوابه- عند النحويين أجمعين- أن يقال: الذي قام زيد، أو القائم زيد، ألا ترى أن المجيب قد جعل (زيدًا) خبرًا، وإنما
стр. 214
سأله السائل أن يخبر عنه، ولم يسأله أن يخبر به، فلو جاء الجواب على حد السؤال لقال: زيد الذي قام، وزيد القائم، وباب الإخبار كله مطرد على هذا، وإنما جاز ذلك- عندهم- لأن الفائدة في قولك زيد القائم كالفائدة في قولك: القائم زيد، ولولا أن الأمرين- عندهم- سواء لما جاز هذا.
ومن أطرف ما في الأمر أن جماعة من النحويين لا يجيزون تقديم خبر المبتدأ عليه إذا كان معرفة، فلا يجيزون أن يقال: أخوك زيد، والمراد//: زيد أخوك، واحتجوا بشيئين:
أحدهما: أن المعرفتين متكافئتان، ليست إحداهما أحق بأن يسند إليها من الأخرى، وليس ذلك بمنزلة المعرفة النكرة إذا اجتمعتا.
стр. 215
والحجة الأخرى: أنه يقع الإشكال فلا يعلم السامع أيهما المسند وأيهما المسند إليه، فلما عرض فيها الإشكال لم يجز التقديم والتأخير، وكان ذلك بمنزلة الفاعل والمفعول إذا وقع الإشكال فيهما لم يجز تقديم المفعول، كقولك: ضرب موسى عيسى، وهذا قوي جدًا غير أن النحويين كلهم لم يتفقوا عليه، فعلى مذهب هؤلاء لا يجوز أن يكون (شر النساء) خبرًا مقدمًا بوجه من الوجوه، فإن كان هؤلاء القوم يريدون صناعة النحو فهذا ما توجبه صناعة النحو، وإن كانوا يريدون صناعة المنطق فقد قال جميع أهل المنطق، لا أحفظ في ذلك خلافًا بينهم: إن في القضايا لمنطقية قضايا تنعكس فيصير موضوعها محمولاً، ومحمولها موضوعًا، والفائدة في كلتا الحالتين واحدة، وصدقها، وكيفيتها محفوظان عليها، قالوا: فإذا انعكست ولم يحفظ الصدق والكيفية سمي ذلك انقلاب القضية لا انعكاسها.
ومثال المنعكس من القضايا قولنا: لا إنسان واحد حجر، ثم نعكس فنقول: لا حجر واحد إنسان [فهذه قضية] قد انعكس موضوعها محمولاً ومحمولها موضوعًا
следующие страницы →