Полный текст (329 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
ويجوز أيضًا أن يقال: كان أخوك زيدًا، والمراد: كان زيد أخاك، فيقع الإسناد في اللفظ إلى الأخ وهو في المعنى إلى زيد، والدليل على ذلك أن القراء قرؤوا: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [النمل: ٥٦] برفع (الجواب) ونصبه، فتارة يجعلون الجواب الاسم والقول الخبر، وتارة يجعلون القول هو الاسم والجواب الخبر، وليس يشك أحد في أن الغرض في كلتا القراءتين واحد، وأن الإخبار- في الحقيقة- إنما هو عن الجواب، وكذلك قوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ [الحشر: ١٧]، قرئ برفع (العاقبة) ونصبها، ولا فرق بين الأمرين عند أحد من البصريين والكوفيين، وكذلك قال الفرزدق:
(لقد شهدت قيس فما كان نصرها ... قتيبة إلا عضها بالأباهم)
ينشد برفع (النصر) ونصب (العض) وبرفع (العض) ونصب (النصر)، والفائدة في الأمرين جميعًا واحدة.
стр. 212
وكذلك قول الآخر:
(وقد علم الأقوام ما كان داؤها ... بثهلان إلا الخزي ممن يقودها)
ينشد برفع (الداء) ونصب (الخزي)، ونصب (الداء) ورفع (الخزي)، والفائدة فيها جميعًا واحدة، ونما تساوى ذلك؛ لأن المبتدأ هو الخبر، ومما يبين ذلك بيانًا واضحًا أن القائل إذا قال: شر الناس الفاسق، أو: الفاسق شر الناس، فقد أفادنا في كلا الحالين فائدة واحدة.
وكذلك إذا قال: (أبوك خير الناس) فائدته كفائدة قوله: (خير الناس أبوك)، لا يمكن أحدًا أن يجعل بينهما فرقًأ، ويشهد لذلك قول زهير:
(وإما أن يقولوا قد أبينا ... فشر مواطن الحسب الإباء)
стр. 213
فهذا البيت أشبه الأشياء ببيت كثير، وقد جعل زهير فيه (شرًا) هو المبتدأ، و (الإباء) هو الخبر، وإنما غرضه أن يخبر أن (الإباء) هو شر مواطن الحسب، ولا يجوز لزاعم أن يزعم أن (الإباء) هو المبتدأ، و (شر) خبره؛ لأن الفاء لا يجوز دخولها على خبر المبتدأ إلا أن يتضمن المبتدأ معنى الشرط، ألا ترى أنه لا يجوز: زيد فقائم؟ ، وكذلك من رواه: وشر مواطن- بالواو- لأن الواو لا تدخل على الأخبار، لا يجوز: زيد وقائم.
ومما يبين لك تساوي الأمرين عند النحويين باب الإخبار بـ «الذي» وبالألف واللام، فمن تأمل قول النحويين فيه رأى ما قلنا نصًا؛ لأن القائل إذا سأل فقال: أخبرني عن (زيد) من قولنا: قام زيد، فجوابه- عند النحويين أجمعين- أن يقال: الذي قام زيد، أو القائم زيد، ألا ترى أن المجيب قد جعل (زيدًا) خبرًا، وإنما
стр. 214
سأله السائل أن يخبر عنه، ولم يسأله أن يخبر به، فلو جاء الجواب على حد السؤال لقال: زيد الذي قام، وزيد القائم، وباب الإخبار كله مطرد على هذا، وإنما جاز ذلك- عندهم- لأن الفائدة في قولك زيد القائم كالفائدة في قولك: القائم زيد، ولولا أن الأمرين- عندهم- سواء لما جاز هذا.
ومن أطرف ما في الأمر أن جماعة من النحويين لا يجيزون تقديم خبر المبتدأ عليه إذا كان معرفة، فلا يجيزون أن يقال: أخوك زيد، والمراد//: زيد أخوك، واحتجوا بشيئين:
أحدهما: أن المعرفتين متكافئتان، ليست إحداهما أحق بأن يسند إليها من الأخرى، وليس ذلك بمنزلة المعرفة النكرة إذا اجتمعتا.
стр. 215
والحجة الأخرى: أنه يقع الإشكال فلا يعلم السامع أيهما المسند وأيهما المسند إليه، فلما عرض فيها الإشكال لم يجز التقديم والتأخير، وكان ذلك بمنزلة الفاعل والمفعول إذا وقع الإشكال فيهما لم يجز تقديم المفعول، كقولك: ضرب موسى عيسى، وهذا قوي جدًا غير أن النحويين كلهم لم يتفقوا عليه، فعلى مذهب هؤلاء لا يجوز أن يكون (شر النساء) خبرًا مقدمًا بوجه من الوجوه، فإن كان هؤلاء القوم يريدون صناعة النحو فهذا ما توجبه صناعة النحو، وإن كانوا يريدون صناعة المنطق فقد قال جميع أهل المنطق، لا أحفظ في ذلك خلافًا بينهم: إن في القضايا لمنطقية قضايا تنعكس فيصير موضوعها محمولاً، ومحمولها موضوعًا، والفائدة في كلتا الحالتين واحدة، وصدقها، وكيفيتها محفوظان عليها، قالوا: فإذا انعكست ولم يحفظ الصدق والكيفية سمي ذلك انقلاب القضية لا انعكاسها.
ومثال المنعكس من القضايا قولنا: لا إنسان واحد حجر، ثم نعكس فنقول: لا حجر واحد إنسان [فهذه قضية] قد انعكس موضوعها محمولاً ومحمولها موضوعًا
стр. 216
والفائدة في الأمرين جميعًا واحدة، ومن القضايا التي لا تنعكس قولنا كل إنسان حيوان]، فهذه قضية صادقة، إن صيرنا موضوعها محمولاً، ومحمولها موضوعًا، وقلنا: كل حيوان إنسان، عادت قضية كاذبة، فهذا يسمونه انقلابًا لا انعكاسًا.
وإنما ذكرنا هذا- وإن كان لا مدخل له في صناعة النحو- ليعرف هؤلاء القوم أن صناعة المنطق قد ناسبت صناعة النحو في هذا المعنى بعض المناسبة، ولم يكن غرض الصناعتين واحدًا، وبالله التوفيق.
تمت المسألة، والحمد لله حق حمده، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 217
الرسالة الثالثة عشرة: في تحقيق أن لفظ أمهات جمع ما هي ؟
стр. 218
//بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد بن السيد البطليوسي- ﵀ مجاوبًا لمن سأله عن لفظة (أمهات) جمع ما هي؟ فإن كانت جمع (أم) فلأي شيء دخلت الهاء فيها؟ وإن كان فيها لغة أخرى، فجمعت هذا الجمع فبينه؛ لأن متوهمًا توهم أن واحدتها (أمهة) مثل (حمرة) ودخلها التعليل، فهل ذلك صحيح أم لا؟ وهل يؤتى هذا الجمع في بني آدم والبهائم أو في أحدهما، وكذلك (أم)؟ وإن قيل: إن الهاء زائدة فلم زيدت؟ وهل لها أخت في اللغة أم لا؟ بينه لنا موفقًا مأجورًا إن شاء الله] [فقال- أعزه الله]: الذي ذهب إليه جمهور النحويين والعلماء بالتصريف منهم أن الهاء في (أمهات) زائدة، ووزنها عندهم (فعلهات) وأما الواحدة منها فالمشهور أن يقال: أم، وأمة، ولا يكاد يقال: أمهة، والغالب على (أمة) - بالتأنيث- أن تستعمل في الندء كقولهم: يا أمتي لا تفعلي، وتاء التأنيث فيه معاقبة ياء الإضافة لا تجتمع معها، وقد جاءت في الشعر مستعملة في غير النداء، أنشد الطوسي: [الطويل]
стр. 219
(تقيلتها من أمة لك طالما ... تنوزع في الأسواق عنها خمارها)
وقد حكى اللغويون (أمهة) - بالهاء- وأنشدوا:
( ............... ... أمهتي خندف وإلياس أبي)
ووزنها- عندهم- (فعلهة).
وذهب بعض النحويين إلى أن الهاء في (أمهات) و (أمهة) أصلية، وذكر ابن جني أنه مذهب أبي بكر بن السراج، ووزنها عندهم (فعلهة) بمنزلة (ترهة) و (أبهة)، ويقوي ذلك أن صاحب كتاب (العين) حكى (تأمهته أما ووزنه (تفعلته).
وجمهور النحويين مخالفون لهذا الرأي، ومعتقدون أن (أمًا) و (أمات) الأصل، وأن الهاء زيدت فرقًا بين من يعقل وما لا يعقل، فيقولون في من يعقل: (أمهات) وفيما لا يعقل: (أمات)، قال الله : ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وقال الراعي يصف إبلاً:
(كانت نجائب منذر ومحرق ... أماتهن وطرقهن محيلا)
стр. 220
هذا هو الأكثر في الاستعمال، وقد جاء عكس ذلك، قال ذو الرمة://
(سوى ما أصاب الذئب منه وسربة ... أطافت به من أمهات الجوازل)
يعني القطا، وقال جرير:
(لقد ولد الأخيطل أم سوء ... مقلدة من الأمات عارًا)
وليس في حكاية صاحب كتاب العين (تأمهت).
أما دليل على أن الهاء أصل فمن وجهين:
أحدهما: أن كتاب (العين) كتاب مطعون عليه، معيب عند كبراء البصريين لا يرونه حجة فيما ينفرد به، ولا يوجد في غيره؛ لأن فيه خطأ كثيرًا في التصريفي يخالف مذهب الخليل، ولو كان الكتاب تأليف الخليل- كما زعموا- لم يكن مخالفًا لما رواه سيبويه وغيره من أصحابه.
والوجه الثاني: أنه لو صح قولهم: تأمهت أما، لم يدل ذلك على أن الهاء أصلية؛ لأنا قد وجدنا العرب ربما صرفوا من الكلمة المزيد فيها فعلاً فحذفوا الزيادة، كقولهم في تصريف الفعل من الشمال: (شملت الريح)، وربما تركوا الزيادة في الفعل على حالها، كقولهم في تصريف الفعل من (القلنسوة): تقلنس الرجل، ومن (المسكين) تمسكن، فتركوا الميم والنون- وهما زائدتان-، فوزن (تقلنس) تفعنل ووزن
стр. 221
(تمسكن) تمفعل، فإن كان هذا معلومًا من مذاهبهم لم ينكر أن يكون (تأمهت) من هذا الباب، فتكون الهاء زائدة كزيادتها في (أمهة)، ويكون وزن (تأمهت) تفعلت، فإن قال قائل: ما ينكر من أن تكون (أمهة) هي الأصل ووزنها (فعلة) وتكون (أم) محذوفة منها، فيكون بمنزلة (شفة، وشية، وعضة) في أن الهاء محذوفة منها، وأصلها: (شفهة، وشيهة، وعضهة)؟ فالجواب: أن هذا يبطل من وجوه منها:
-أن هذا التوهم- لو كان صحيحًا- لكانت الميم من (أم) مخففة ولم تكن مشددة؛ لأن تشديد الميم يوجب أن يكون وزن (أم) (فعلاً) [ولام الفعل منها ميم]، ولام الفعل من (أمهة) على هذا الرأي هاء، ودل هذا على أن (أمًا) ليست محذوفة من (أمهة)، ويشهد بصحة ذلك قولهم: أم بينة الأمومة، وما كنت أمًا، ولقد أممت، فهذا كله يدل على أن الميم من (أم) مضاعفة كالميم في (سم) و (هم)
- ومنها: أن الحروف الزوائد التي الهاء أحدها إنما سماها النحويون حروف الزيادة ولم يسموها حروف الحذف، وإن كان منها ما يحذف في بعض المواضع؛ لأن الغالب عليها أن تزاد لا أن تحذف، فنسبت إلى الزيادة التي هي أغلب عليها، فإذا جاء منها حرف يحتمل الزيادة والحذف لزم أن يحكم بالزيادة التي هي الباب فيه حتى يقوم دليل على الحذف الذي هو أقل حاليه، هذا هو محض القياس وطريقه.
- ومنها: أن الذين تكلموا في الاشتقاق لا نعلم أحدًا منهم جعل (الأم) مشتقة من (أمه، يأمه)، وإنما قال بعضهم: إنها مشقة من (أم يؤم) إذا قصد، سميت
стр. 222
بذلك لأن ولدها يؤمها ويتبعها، وقال بعضهم: سميت أمًا لأنها أصل الولد، وأم كل شيء: أصله، كما قالوا لـ (مكة) أم القرى، وقالوا لفاتحة الكتاب أم الكتاب، وقالوا للوح المحفوظ الذي كتب الله- تعالى- فيه كل شيء أم الكتاب، ويقال: فلان أم القوم، وأبو القوم إذا كان مفزعًا لهم، وأصلاً يرجعون إليه، ويعتصمون به، قال ابن مقبل يمدح عثمان بن عفان- ﵁:
(وملجأ مهروئين يلفى به الحيا ... إذا صرحت كحل هو الأم والأب)
يقال: هرأه البرد إذا أضر به، وقد سمى الله- تعالى- النار أم الكفار لأنها مجمع الكفار ومقرهم، فقال: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٩] وقال العجاج:
(ما عندهم من الكتاب أم)
أي: أصل يرجعون إليه، فهذا كله يدل على أن أصل الكلمة عندهم (الأم) دون (الأمهة).
وأما قولك: هل لزيادة هذه الهاء نظير في كلام العرب؟ فإن الهاء المزيدة نوعان:
стр. 223
نوع متفق على زيادته، ونوع مختلف فيه، فمن المتفق عليه زيادة الهاء في الندبة، كقولهم: وازيداه، وفي الإنكار كقولهم: أزيدنيه، وفي الوقف كقوله- تعالى-: ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ﴾ [الحاقة ٢٨ - ٢٩]، وقول الراجز:
(ويقلن: شيب قد علاك .. وقد كبرت فقلت إنه)
أي: نعم,
ومن المواضع المختلف فيها قولهم: رجل هجرع للطويل، وهبلع للكثير المال، وامرأة هركولة للعظيمة الوركين، فإن الأخفش ذهب إلى أن هذه الهاءات زوائد، وجعل (الهجرع) مشتقًا من الجرع وهو// رمل مستطيل، وجعل (الهبلع)
стр. 224
مشتقًا من البلع، والهركولة التي تركل في مشيها.
والذي عليه أكثر الناس أن الهاء في هذه الألفاظ أصل، ويؤيد ذلك أن أبا العباس ثعلبًا حكى: «هذا أهجر من هذا، أي: أطول منه»، وأما قولهم: أهرقت الماء فإن الهاء فيه زائدة عند جمهور أهل التصريف، وزعموا أنها زيدت عوضًا من ذهاب عين الفعل؛ لأن الأصل: أريقت، وأروقت، على الخلاف في ذلك.
وزعم بعض ضعفاء النحويين أنها أصل، وحملهم على ذلك قولهم في معناه: هرقت، وكذلك قال ابن قتيبة في بعض كلامه؛ لأنه أدخل هذه الكلمة باب (فعلت وأفعلت)، وهذا غلط، وإنما الهاء في (هرقت) بدل من الهمزة في أرقت، ويدل على أن (أهرقت) ليس وزنه (أفعلت) كما قال هؤلاء الجاهلون بالتصريف قولهم في اسم الفاعل منه: مهريق- بالياء- وفي اسم الفاعل: مهراق- بالألف- ولو
стр. 225
كان (أهرقت): (أفعلت) لقالوا: مهرق ومهرق، كما يقال في أكرمت: مكرم ومكرم، ولم يكن للياء والألف فيها مدخل، فدل هذا على أن أصلها (مريق) و (مراق)، وهذا بين جدًا، قال العديل بن الفرخ العجلي:
(فكنت كمهريق الذي في سقائه ... لرقراق آل فوق رابية صلد)
وقال آخر:
(ما غناء الحذار والإشفاق ... وشابيب دمعك المهراق)
فهذا ما حضرني في جواب ما سألت عنه، والله الموفق للصواب بمنه، لا رب سواه، ولا معبود إلا إياه.
стр. 226
الرسالة الرابعة عشرة: في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾
стр. 227
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن محمد بن السيد- رحمة الله عليه- مجاوبًا على سؤال من سأله عن قول الله- تعالى وجل-: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، ما النكتة في الضمير الذي في (كَانَتَا اثْنَتَيْنِ) وهو ضمير التثنية، وليس في الآية إلا// واحد يقع عليه الضمير؟
ذهب الأخفش سعيد بن مسعدة إلى أن الضمير إنما يثنى- وإن كان لم يتقدم اسم شيء يعود عليه- حملاً على المعنى كأنه قال: فإن كان من ترك اثنين، فثنى الضمير على معنى (من)، وهذا كلام غير بين، وتلخيص تأويله أن يقال: إن الضمير في (كانتا) يعود على الكلالة، والكلالة: اسم مفرد يقع على الواحد، والاثنين، والجميع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، فيجوز في الضمير العائد عليها أن يفرد، ألا ترى أنك تقول من في الدار يحبانك، ومن في الدار يحبونك، ومن في الدار يحبك، ومن في الدار تحبانك، ومن في الدار يحببنك فتثني الضمير وتجمعه وتؤنثه حملاً على معنى (مَنْ)؟ ، ولك أن تذكر الضمير أبدًا وتفرده حملاً على لفظها، وكذلك القول في الكلالة؛ ولأجل
стр. 228
هذا الذي قلنا جاز أن يخبر عن الضمير بقوله: (اثنتين).
وقد أجمع النحويون على أنه لا يجوز: إن الزيدين كانا اثنين؛ لأن ما تقدم من تثنية الضمير وزيد قد أفاد أنهما اثنان، فصار الخبر لغوًا لا فائدة فيه، وسبيل الخبر أن تكون فيه فائدة ليست في الاسم المخبر عنه، وإنما حسن في الآية لما ذكرناه من أنه كلام حمل على المعنى، ولم يتقدم لنا شيء يعود الضمير من (كانَتَا) إليه، فصار بمنزلة قول القائل: انظر من في الدار، فإن كان واحدًا فدعه، وإن كانا اثنين وكانوا أكثر فأخرجهم منها، فيحسن هذا في الموضع من حيث كانت التثنية معنوية لا لفظية، ولم يمتنع كما يمتنع قولك: إن الزيدين كانا اثنين من حيث كان الضمير يعود إلى تثنية لفظية.
وقد قال أبو علي الفارسي: «إنما جاز ﴿فَإن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ [النساء: ١٧٦] من حيث كان يفيد العدد مجردًا من الصغر والكبر»، وهذا كلام غير واضح، وما قدمناه أوضح، ويدل على استجازتهم في الأمور المعنوية ما لا يستجيزونه في اللفظ قول الله- تعالى-: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١] فجعل اسم (كان) مفردًا حملاً على لفظها، وخبرها جمعًا حملاً على معناها.
ولو حمل الاسم والخبر معًا على معناها// لقال: إلا من كان هودًا أو نصارى صارت هذه الآية العزيزة بمنزلة قول القائل: لا يدخل الدار إلا من كان غافلين، وهذه مسألة لم يجزها ابن السراج وجماعة من النحويين، قالوا لا يجوز إلا أن يحمل الاسم والخبر معًا على اللفظ، فيقال: إلا من كان غافلاً، ويحملا معًا على المعنى فيقال: إلا من كانوا غافلين، وقد جاء في كتاب الله- تعالى- بخلاف ما قالوا، هذا ما حصرني من جواب مسألتك، وبالله التوفيق، تمت المسألة والحمد لله.
стр. 229
الرسالة الخامسة عشرة: في تحقيق قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]
стр. 230
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله وسلم
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي- ﵀:
سألت- أعلى الله قدرك، وحرس من النوائب طورك، ونور بالعلم صدرك- عن قول الله- : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ [النور: ٣٥] إلى آخر الآية، وذكرت أنك لم تر فيها للمفسرين قولاً يزيل الحيرة، ويكشف الغمة، وأئمتنا المتقدمون- ﵃ وإن كانوا لم يوضحوها كل الإيضاح، ولم يفصحوا عن معناها غاية الإفصاح، لقد نهجوا لنا السبيل إلى معرفة معناها، ونبهوا بيسير كلامهم على لطف غرضها وبعد مرماها، ونحن نقول فيها بحول الله قولاً يعرب عنها، ويشرح المبهم منها، فإن
стр. 231
المجسمة من أهل ملتنا قد اغتروا بظاهر قوله- : ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ فحملهم الجهل بحقيقة معناه على أن زعموا أن ربهم نور ونسوا قوله عز من قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]، وقد كذبهم الله- تعالى- في دعواهم هذه لقوله في عقب الآية: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]، فأخبرنا نصًا بأن جميع ما ذكره في الآية من النور، والمشكاة، والمصباح، والزجاجة، والشجرة والزيتونة أمثال مضروبة يعقلها عن الله- تعالى- من وفق لفهمها، وكشفت له الحجب عن مكنون// علمها، كما قال- تعالى-: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٣] وبحق ما قيل: لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف.
وإنما معنى قول الله- تعالى-: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] الله هادي السماوات والأرض، فشبه الهدى بالنور، كما شبه الكفر بالظلمات في قوله: ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] واختلفوا في الضمير من قوله: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥] على من يعود؟ فذهب قوم إلى أنه يعود على الله [تعالى]، وذهب
стр. 232
آخرون على أنه يعود على النبي ﷺ ، وقال آخرون: بل يعود على المؤمن، واحتجوا بقراءة أبي بن كعب: ﴿مثل نور المؤمن] وأحسن هذه الأقوال أن يكون عائدًا على الله- تعالى- لتقدم ذكره في الآية، ولم يتقدم للنبي ﷺ ولا للمؤمن ذكر فيعود الضمير إليه، وأحسب أن الذين جعلوا الضمير عائدًا على النبي ﷺ أو على المؤمن إنما كرهوا عودته على الله- تعالى- لئلا يشبهوا نور الله الذي لا يحد لعظمته وجلاله بنور المصباح في صغره وقلته، وليس الأمر على ما توهموا؛ لأن المعنى مثل نوره الذي يضعه في قلب المؤمن كمثل المصباح في المشكاة، والمشكاة الكوة بلسان الحبشة، فشبه الهدى بالنور لأنه يزيل ظلمة الجهل كما يزيل النور ظلمة الليل، وشبه قلب المؤمن بالزجاجة، وصدره بالمشكاة؛ لأن الوعظ والتذكير يقويان الإيمان والهدى في قلوب المؤمنين فيصيران مادة للهدى، كما يكون الزيت مادة للمصباح، وشبه النبي ﷺ بالزيتونة لأن الهدى انبعث من قلبه كانبعاث الزيت من الزيتونة، وجعل الزيتونة لا شرقية ولا غربية؛ لأن مبعثه ﷺ كان بمكة، وهي بين المشرق والمغرب، فهذا تمثيل خرج على أحسن وجوه التمثيل، وتشبيه جرى على أبرع مجارى التشبيه، بخلاف ما توهمته المجسمة، نعوذ بالله من عدم التوفيق.
وقوله- عز من قائل-: ﴿وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] كلام خرج مخرج مجاري
стр. 233
كلام العرب الذي تستعمله في ألفاظها، وتقدي الكلام: مثل نوره كمصباح في مشكاة؛ لأن النور لم يشبه بالمشكاة، إنما شبه// بالمصباح فوقع التشبيه على المشكاة في اللفظ، وهو واقع على المصباح في المعنى، وهذا نحو مما حكاه سيبويه من قول العرب: «ما رأيت كاليوم رجلاً»، والمعنى: ما رأيت كرجل أراه اليوم رجلاً، فأوقعوا التشبيه على اليوم في اللفظ، والمراد به الرجل في المعنى، وتحقيق تقديره: ما رأيت كرجل اليوم، فحذف المضاف إليه مقامه، ومثله قول النابغة:
(تحيد من أستن سوء أسافله ... مشي الإماء الغوادي تحمل الحزما)
فأوقع التشبيه على (مشي الإماء) والمراد به الإماء أنفسها.
وقوله- تعالى-: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [النور: ٣٥]، قال الفارسي: «من دهن شجرة»، فحذف المضاف، قال: و (زيتونة) عطف بيان على الشجرة، وقال غيره:
стр. 234
زيتونة بدل من الشجرة، وقوله تعالى: ﴿لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: ٣٥] صفتان منفيتان، كقوله: مررت برجل لا قائم ولا قاعد.
وقال المفسرون: إنما جعلها لا شرقية ولا غربية؛ لأنه أنعم لها وأحسن لنباتها، تقول العرب: «لا خير في شجرة في مقناه» وهي المكان الذي لا تصيبه الشمس، «لا خير في مضحاة» وهي المكان الذي لا يصيبه الظل، وإنما صلاح النبت بأن تصيبه الشمس تارة، ويصيبه الظل تارة.
وقال الفارسي: (قوله: لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ) أي: هي شرقية غربية، كان نسبتها إلى كل واحد من الشرق والغرب مثل نسبتها إلى الآخر، لا يغلب عليها أحدهما، وإذا كان كذلك كان أشد لاعتدال زيتها، وبحسب اعتداله يكون صفاؤه وإشراق المصباح إذا أسرج به.
وقوله: (يَكَادُ زيتُها يُضِيءُ) أي يكاد يضيء دون أن يسرج به مصباح من شدة صفائه، والوقف عند قوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ﴾ يعني نور المصباح على نور الزجاجة والدهن.
стр. 235
وقوله- : ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ شبه الزجاجة بالكوكب لشدة ضفائها وبياضها، وإنما وصفها بهذه الصفة لأنه شبه بها قلب المؤمن الذي قد ملأه نور الهدى فأشرق وأنار، وهذا نظير الحديث [المأثور]: «الإيمان يبدأ في القلب لمظة [بيضاء] أي لمعة بيضاء، فكلما ازداد العبد من العمل والطاعة ازدادت تلك اللمظة، وإذا غلبت على القلب فذلك الذي لا تضره فتنة، وإن
стр. 236
الكفر يبدأ في القلب طمسة، فكلما اقترف// العبد من المعصية ازدادت تلك اللمظة، فإذا غلبت على القلب فذلك المطبوع على قلبه [الذي] لا تنفع فيه موعظة، ولا يهتدي أبدًأ» نعوذ بالله من ذلك، هذا آخر ما عندي من القول في هذه الآية، وأنا أشكر الله على ما وفق إليه وألهم، وصلى الله على نبينا محمد وعلي آله وسلم وشرف وكرم.
стр. 237
الرسالة السادسة عشرة: في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]
стр. 238
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
صلى الله على محمد النبي الكريم وآله
قال الفقيه الأستاذ أبو محمد- ﵀:
سألت- سددنا الله وإياك إلى الصواب، ووفقنا إلى فهم ما تضمنه محكم الكتاب- عن قوله تعالى-: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالمَلاَئِكَةُ وَأُولُو العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَ هُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨]، وقلت بأي شيء انتصب (قائمًا)؟ وما العامل فيه؟ وأين خبر التبرئة من هذه الآية؟ وذكرت أن بعض المنتحلين لصناعة النحو أنكر قولنا: إن قائمًا- ههنا- منصوب على الحال، وزعم أنه كفر من قائله.
وإنما ذكر ذلك- فيما يرى- لأن الحال- فيما ذكر النحويون- منتقلة وفضلة في الكلام، والقيام بالقسط صفة لله- تعالى- لم يزل موصوفًا بها ولا يزال، ولا يصح فيها الانتقال، ونحن نربأ بأنفسنا أن نكون ممن يجهل ما يوصف به الله تعالى مما لا يجوز أن يغيب عنا هذا المقدار من علم اللسان، وإنما أوتي هذا المعترض من قلة بصره بهذه الصناعة، وسوء فهمه لباب الحال، وقد أجبتك عن ذلك فيما فيه كفاية وإقناع، وبالله أستعين وعليه أتوكل.
أما خبر التبرئة في هذه الآية فمحذوف، تقديره عند البصريين: لا إله في الوجود
стр. 239
إلا هو، [أو لا إله موجود إلا هو] ونحو ذلك من التقدير، وخبر التبرئة قد يحذف إذا كان في الكلام دليل عليه، كقولهم: (لا بأس) ويريدون: لا بأس عليك، كقول عبد يغوث الحارثي:
(فيا راكبًا إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران ألا تلاقيا)
أراد أن لا تلاقي لنا.
وقوله: (هو) بدل من موضع (لا) وما عملت فيه؛ لأن التبرئة// وما تعمل فيه في موضع رفع على الابتداء وهي في ذلك بمنزلة (إن) وما تعمل فيه، فإن قيل:
стр. 240
فما الذي يمنع من أن يكون (هو) خبر التبرئة فلا يحتاج إلى تكلف هذا الإضمار؟ فالجواب أن ذلك خطأ من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن (لا) هذه لا تعمل إلا في النكرات، فإن جعلت (هو) خبرها أعملتها في المعرفة، وذلك لا يجوز.
والثاني: أن ما بعد (لا) موجب، و (لا) لا تعمل في الموجب، وإنما تعمل في المنفي.
والثالث: أنك إن جعلت (هو) خبر التبرئة كنت قد جعلت الاسم نكرة والخبر معرفة، وهذا عكس ما توجبه صناعة النحو؛ لأن الحكم في العربية إذا اجتمعت معرفة ونكرة أن تكون المعرفة هي الاسم، والنكرة هي الخبر، فلذلك جعل النحويون الخبر في نحو هذا محذوفًا، وأما قوله تعالى: ﴿قَائِماً بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] فإنه لا
стр. 241
يخلو من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون منصوبًا على المد والتعظيم، وإما أن يكون منصوبًا على الحال، وإما أن يكون منصوبًا على النعت لـ (إله) المنصوب بالتبرئة.
فأما نصبه على المدح والتعظيم فواضح يغني وضوحه عن القول فيه، وأما نصبه على الصفة لـ (إله) فإن ذلك خطأ؛ لأن المراد بالنفي ههنا العموم والاستغراق، فإذا جعلت (قائمًا) صفة لـ (إله) صار التقدير: لا إله قائمًا بالقسط إلا هو، فرجع النفي خصوصًا، وزال ما فيه من العموم، وجاز أن يكون ثمة إله آخر غير قائم بالقسط، كما أنك إذا قلت: لا رجل ظريفًا في الدار إلا زيد، فإنما نفيت الرجال الظرفاء خاصة، وجاز أن يكون هناك رجل آخر غير ظريف، وهذا كفر صريح، نعوذ بالله منه.
стр. 242
وأما نصبه على الحال فلا يخلو من أحد أربعة أوجه: إما أن يكون حالاً من اسم الله تعالى، وإما أن يكون حالاً من المضمر في خبر التبرئة المقدر.
فإن جعلته حالاً من اسم (الله) تعالى فالعامل فيه (شهد) تقدير: شهد الله في حال قيامه بالقسط أنه لا إله إلا هو، وشهدت الملائكة وأولوا العلم، وليس هذا قبيحًا من أجل أنك قد ذكرت أسماء كثيرة وجئت بالحال من بعضها دون بعض، قال ابن جني: «ألا ترى أنك لو قلت جاء زيد راكبًا وعمرو وخالد، فجعلت الحال من// بعضهم دون بعض لجاز باتفاق»، وإذا جعلت (قائمًا) حالاً من (هو) فالعامل في الحال معنى النفي؛ لأن الأحوال تعمل فيها المعاني كما تعمل في الظروف، فيكون التقدير: شهد الله الربوبية ليست إلا له في حال قيامه بالقسط، فهذان الوجهان صحيحان.
فأما كونه حالاً من الضمير المنصوب بـ (أن)، ومن الضمير الذي في خبر التبرئة المحذوف فكلاهما خطأ لا يجوز، أما امتناعه من أن يكون حالاً من الضمير المنصوب وما بعدها من اسمها وخبرها صلة لها، فإن جعلت (قائمًا) حالاً من اسمها كان داخلاً في الصلة فتكون قد فرقت بين الصلة والموصول بما ليس من الصلة، وذلك مستحيل.
стр. 243
والعلة الثانية: أنك إن جعلته حالاً من اسم (أن) لزم أن تعمل (أن) في الحال، و (أن) لا تعمل في الأحوال شيئًا ولا في الظروف، فإن قلت: قد قال النابغة:
( .................... ... كأنه خارجًا من جنب صفحته)
فنصب على الحال من اسم (كأن) وجعل العامل فيها ما في (كأن) من معنى التشبيه، فهلا أجزت مثل ذلك في (أن)؟ فالجواب: أن ذلك إنما يجوز- عند البصريين- في (كأن) و (ليت) و (لعل) خاصة؛ لأن هذه الأحرف الثلاثة أبطلت معنى الابتداء مما يدخل عليه، وأحدثت في الكلام معنى التمني، والترجي، والتشبيه، فأشبهت الأفعال.
فإن قيل: فـ (أن) المفتوحة تدخل على الجملة فيصير بها إلى تأويل المصدر، ألا ترى أنك تقول: بلغني أنك قائم، فيكون معناه: بلغني قيامك، فهلا أعملت في الحال ما فيها من تأويل المصدر؟ فالجواب: أن ذلك خطأ؛ لأن المصدر الذي تقدر به (أن) المفتوحة إنما ينسبك منها ومن صلتها التي هي اسمها وخبرها، فإذا جعلت (قائمًا) حالاً من اسم (كأن) داخلاً في صلتها فيلزمك من ذلك أنك تعمل الاسم في نفسه، وذلك محال، فلهذا الذي ذكرناه استحال أن ينتصب (قائمًا) على الحال من اسم (أن).
وأما امتناعه من أن يكون حالاً من الضمير المقدر في خبر التبرئة المحذوف فمن أجل أن المراد بالنفي العموم والاستغراق على ما قدمنا، فإذا جعلته حالاًَ من المضمر الذي في الخبر المحذوف صار التقدير: لا إله موجود في حال قيامه بالقسط إلا هو، فيصير النفي واقعًا على الآلهة القائمين بالقسط// وعلى غيرهم ويوهم هذا الكلام أن
стр. 244
[الله] غير قائم بالقسط [كما أنك] إذا قلت: [لا رجل] موجود سخيًا إلا زيد قائمًا [فإنما نفيت] الرجال الأسخياء خاصة [دون غيرهم] وهذا كفر، نعوذ بالله من مثله، فصح بجميع ما قدمناه أن قائمًا لا يصح أن يكون حالاً إلا من اسم الله تعالى، أو من ضميره، والحال منتقلة وفضلة في الكلام، وهذه الصفة لم يزل الله تعالى موصوفًا بها ولا يزال، فالجواب: أنه ليس كل حال منتقلة، ولا فضلة في الكلام كما زعم هذا الزاعم، بل من الأحوال ما لا يصح انتقاله، ولا يجوز أن يكون فضلة، ألا ترى أن النحويين قد أطلقوا الحال على أشياء من القرآن غيره لا يصح فيها الانتقال؟ كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ [البقرة: ٩١]، ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ [الأنعام: ١٥٣] والحق لا يفارق التصديق، وصراط الله- تعالى- لا تفارقه الاستقامة.
وقالوا في قوله تعالى: ﴿نَعْبُد إلَهك وَإِلَه آبَاءَك إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق إلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]، حال، وقالوا في قول الله- تعالى-: ﴿الم* اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ* نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: ١ - ٣]، إنها جملة في موضع الحال من (الله) - تعالى- كأنه قال: الله الحي القيوم نزل عليك الكتاب متوحدًا في الربوبية، وأجازوا أيضًا أن يكون في موضع الحال من الضمير في (نزل)، وكذلك قول
стр. 245
العرب: «هذا زيد منطلقًا» و «أكثر شربي السويق ملتوتًا»، ونحو ذلك مما يكثر إذا تتبعناه.
فإن قال قائل: فكيف يصح أن تسمى هذه الأشياء أحوالاً وهي غير منتقلة، والكلام محتاج إليها؟ فالجواب عن ذلك من وجوه كلها مقنع:
أحدها: أن الحال شبيهة بالصفة، والصفة ضربنا: ضرب يحتاج إليه الموصوف، ولابد له منه وذلك إذا التبس بغيره، وضرب لا يحتاج إليه وإنما يذكر للمدح أو للذم أو للترحم، فوجب أن يكون الحال كذلك.
ومنها: أن الشيء إذا وجد فيه بعض خواص نوعه ولم يوجد فيه بعضها لم يخرجه من نوعه نقصان ما نقص منها، ألا ترى أن الاسم له خواص تخصه مثل التنوين، ودخول الألف واللام عليه، والنعت، والتصغير، والنداء، ولا يلزم أن توجد هذه الخواص كلها في جميع الأسماء، ولكن حيثما وجدت كلها أو بعضها// حكم له بأنه اسم، وكذلك الأحوال في هذه المواضع فيها أكثر خواص الحال، وشروطها موجودة، فلا يخرجها عن حكم الحال نقصان ما نقصها منها، كما لا يخرج (من) و (ما) ونحوهما عن حكم الأسماء نقصان ما نقصها من خواص الأسماء.
ومنها: أن النحويين لم يريدوا بقولهم: إن الحال فضلة في الكلام أن الحال مستغنى عنها في كل موضع على ما يتوهمه من لا دراية له بهذه الصناعة، وإنما معنى ذلك أنها تأتي على وجهين: إما أن يكون اعتماد الكلام على سواها والفائدة منعقدة بغيرها، وإما أن تقترن بكلام آخر تقع الفائدة بهما معًا، ولا تقع الفائدة بها مجردة، وإنما كان
стр. 246
ذلك لأنها لا ترفع، ولا يسند إليها حديث، واعتماد كل جملة مفيدة إنما هو على الاسم المرفوع الذي يسند إليه الحديث، أو ما هو في تأويل المرفوع، ولا تنعقد جملة مفيدة بشيء من المنصوبات والمجرورات حتى يكون فيها مرفوع أو ما هو في تأويل المرفوع، كقولنا: ما جاءني من أحد، وإن زيدًا قائم، فتأمل هذا الموضع فإنه يكشف عنك الحيرة في أمر الحال، وفيه لطف وغموض.
وأما القيام الذي وصف به الله- تعالى- نفسه في هذه الآية فليس يراد به المثول والانتصاب؛ لأن هذا من صفة الأجسام- تعالى الله عن ذلك- وإنما المراد بالقيام- ههنا- بالأمر: المحافظة عليه، يقال: فلان يقوم بأمر فلان، أي يعتني به ويهتبل شأنه، ومنه قوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: متكفلون بأمورهن، ومعنيون بشؤونهن، ومنه قول الأعشى:
(يقوم على الرغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم)
هذا آخر ما عندي في القول في هذه الآية، ولله الحمد على ما سوغ من نعمه، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا.
стр. 247
الرسالة السابعة عشرة: في تحقيق أقوال الحكماء: إن ترتيب الموجودات عن السبب الأول
стр. 248
// بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
قال الفقيه ابن السيد البطليوسي رحمة الله عليه: سألتني- أبان الله لك الخفيات، وعصمك من الشبهات، وأمدك بنور من العقل، يجلو عن عين بصيرتك ظلم الجهل، حتى ترى بعين لبك مراتب المعقولات، كما رأيت بعين جسمك مراتب المحسوسات- عن معنى قول الحكماء: إن ترتب الموجودات على السبب الأول يحكي دائرة وهمية تبدأ من نقطة وترجع إليها ومرجعها في صورة الإنسان، وعن قولهم: إن الإنسان تبلغ ذاته بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته، وأن علمه أيضًا يحكي دائرة وهمية، وعن قولهم: إن في قوة العقل الجزئي أن يتصور في صورة العقل الكلي، وعن قولهم: إن العدد دوائر وهمية: دائرة الآحاد، ودائرة العشرات، ودائرة المئين، ودائرة الآلاف فما زاد، وعن قولهم: إن صفات الباري- تعالى- لا يصح أن يوصف بها إلا على طريق السلب، وعن قولهم: إن البارئ- تعالى- لا يعرف إلا نفسه، وما البرهان على بقاء النفس الناطقة بعد
стр. 249
الموت؟ وهي- أعزك الله- مطالب ضيقة المسالك، وكثيرًا ما تفضي بسالكها إلى المهالك، وسأقول فيها ما انتهي إليه علمي، وأحاط به فهمي، وبالله أعتصم من الخطأ والزلل، وإياه أسال التوفيق إلى الصواب في القول والعمل، [لا رب غيره].
الباب الأول
(في شرح قولهم: إن ترتب المجودات عن السبب الأول يحكي
دائرة وهمية مرجعها إلى مبدئها في صورة الإنسان)
أقول- وبالله أعتصم- مخبرًا عن مقاصدهم وأغراضهم، وإن كنت أستعمل- على جهة التقريب ألفاظًا غير ألفاظهم-: إن البارئ- تعالى- هو الذي يسمونه السبب الأول، ويسمونه العلة الأولى، ويسمونه علة العلل، لما كان هو الذي أفاض الموجودات، وأعطى كل موجود منها قسطه
стр. 250
من الوجود، ولما لم يجز في الحكمة أن تكون كلها في مرتبة واحدة، صار بعضها أرفع من بعض، وبعضها أحط من بعض، وصار وجود أقربها [مرتبة] منه وساطة لوجود// [أبعدها فلا يوجد أبعدها منه إلا بوجود أقربها منه وتوسطه، ولست أريد بذكر القرب والبعد إثبات مكان]؛ لأن الباري- [لا يوصف بالمكان وكذلك كل] معقول لا مادة له، وإنما أريد بذكر القرب و [البعد مراتبها في الـ] وجود، وأقرب ما يمثل به وجود الموجودات عنه- تعالى- وجود الأعداد عن الواحد، وإن كان الباري- تعالى- لا يجوز أن يشبه بشيء، وكذلك صفاته وأفعاله، ولكنه على جهة التقريب، فكما أن الثلاثة لا توجد عن الواحد ألا بتوسط [وجود] الاثنين، كذلك الأربعة لا توجد إلا بتوسط وجود الثلاثة والاثنين، ولا توجد الخمسة إلا بتوسط [وجود] الأربعة والثلاثة والاثنين، وكذلك سائر الأعداد، ولهذا صار وجود كل عدد علة لوجود ما بعده مع كون الواحد علة لوجود جميعها، إذا كان لا يصح وجود الأبعد إلا بوساطة وجود الأقرب، فكذلك يمثل بالتقريب وجود الموجودات عن الباري- تعالى- لا على الحقيقة، ومعلوم أن الشيء لا يشبه بغيره من جميع جهاته، وإنما يشبه به في بعض معانيه وصفاته، فلما كان وجود الموجودات عنه-
следующие страницы →