Полный текст (329 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
ذلك لأنها لا ترفع، ولا يسند إليها حديث، واعتماد كل جملة مفيدة إنما هو على الاسم المرفوع الذي يسند إليه الحديث، أو ما هو في تأويل المرفوع، ولا تنعقد جملة مفيدة بشيء من المنصوبات والمجرورات حتى يكون فيها مرفوع أو ما هو في تأويل المرفوع، كقولنا: ما جاءني من أحد، وإن زيدًا قائم، فتأمل هذا الموضع فإنه يكشف عنك الحيرة في أمر الحال، وفيه لطف وغموض.
وأما القيام الذي وصف به الله- تعالى- نفسه في هذه الآية فليس يراد به المثول والانتصاب؛ لأن هذا من صفة الأجسام- تعالى الله عن ذلك- وإنما المراد بالقيام- ههنا- بالأمر: المحافظة عليه، يقال: فلان يقوم بأمر فلان، أي يعتني به ويهتبل شأنه، ومنه قوله : ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]، أي: متكفلون بأمورهن، ومعنيون بشؤونهن، ومنه قول الأعشى:
(يقوم على الرغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم)
هذا آخر ما عندي في القول في هذه الآية، ولله الحمد على ما سوغ من نعمه، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليمًا.
стр. 247
الرسالة السابعة عشرة: في تحقيق أقوال الحكماء: إن ترتيب الموجودات عن السبب الأول
стр. 248
// بسم الله الرحمن الرحيم
وهو حسبي
قال الفقيه ابن السيد البطليوسي رحمة الله عليه: سألتني- أبان الله لك الخفيات، وعصمك من الشبهات، وأمدك بنور من العقل، يجلو عن عين بصيرتك ظلم الجهل، حتى ترى بعين لبك مراتب المعقولات، كما رأيت بعين جسمك مراتب المحسوسات- عن معنى قول الحكماء: إن ترتب الموجودات على السبب الأول يحكي دائرة وهمية تبدأ من نقطة وترجع إليها ومرجعها في صورة الإنسان، وعن قولهم: إن الإنسان تبلغ ذاته بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته، وأن علمه أيضًا يحكي دائرة وهمية، وعن قولهم: إن في قوة العقل الجزئي أن يتصور في صورة العقل الكلي، وعن قولهم: إن العدد دوائر وهمية: دائرة الآحاد، ودائرة العشرات، ودائرة المئين، ودائرة الآلاف فما زاد، وعن قولهم: إن صفات الباري- تعالى- لا يصح أن يوصف بها إلا على طريق السلب، وعن قولهم: إن البارئ- تعالى- لا يعرف إلا نفسه، وما البرهان على بقاء النفس الناطقة بعد
стр. 249
الموت؟ وهي- أعزك الله- مطالب ضيقة المسالك، وكثيرًا ما تفضي بسالكها إلى المهالك، وسأقول فيها ما انتهي إليه علمي، وأحاط به فهمي، وبالله أعتصم من الخطأ والزلل، وإياه أسال التوفيق إلى الصواب في القول والعمل، [لا رب غيره].
الباب الأول
(في شرح قولهم: إن ترتب المجودات عن السبب الأول يحكي
دائرة وهمية مرجعها إلى مبدئها في صورة الإنسان)
أقول- وبالله أعتصم- مخبرًا عن مقاصدهم وأغراضهم، وإن كنت أستعمل- على جهة التقريب ألفاظًا غير ألفاظهم-: إن البارئ- تعالى- هو الذي يسمونه السبب الأول، ويسمونه العلة الأولى، ويسمونه علة العلل، لما كان هو الذي أفاض الموجودات، وأعطى كل موجود منها قسطه
стр. 250
من الوجود، ولما لم يجز في الحكمة أن تكون كلها في مرتبة واحدة، صار بعضها أرفع من بعض، وبعضها أحط من بعض، وصار وجود أقربها [مرتبة] منه وساطة لوجود// [أبعدها فلا يوجد أبعدها منه إلا بوجود أقربها منه وتوسطه، ولست أريد بذكر القرب والبعد إثبات مكان]؛ لأن الباري- [لا يوصف بالمكان وكذلك كل] معقول لا مادة له، وإنما أريد بذكر القرب و [البعد مراتبها في الـ] وجود، وأقرب ما يمثل به وجود الموجودات عنه- تعالى- وجود الأعداد عن الواحد، وإن كان الباري- تعالى- لا يجوز أن يشبه بشيء، وكذلك صفاته وأفعاله، ولكنه على جهة التقريب، فكما أن الثلاثة لا توجد عن الواحد ألا بتوسط [وجود] الاثنين، كذلك الأربعة لا توجد إلا بتوسط وجود الثلاثة والاثنين، ولا توجد الخمسة إلا بتوسط [وجود] الأربعة والثلاثة والاثنين، وكذلك سائر الأعداد، ولهذا صار وجود كل عدد علة لوجود ما بعده مع كون الواحد علة لوجود جميعها، إذا كان لا يصح وجود الأبعد إلا بوساطة وجود الأقرب، فكذلك يمثل بالتقريب وجود الموجودات عن الباري- تعالى- لا على الحقيقة، ومعلوم أن الشيء لا يشبه بغيره من جميع جهاته، وإنما يشبه به في بعض معانيه وصفاته، فلما كان وجود الموجودات عنه-
стр. 251
تعالى- على هذه الصفة، كان كمال كل موجود على قدر مرتبته منه في الوجود، فكان أكملها وجودًا أقلها نقصًا في الوجود، فكان أكملها في المرتبة الاثنين تمثيلاً وتقريبًا- كما قدمنا- من العدد في ذلك، ثم الثالث أنقص من الثاني، ثم الرابع أنقص من الثالث، وهكذا لم تزل الموجودات تنقص مرتبة مرتبة على قدر بعدها من المرتبة الأولى، حتى انتهت إلى أنقصها مرتبة الذي لا أنقص منه، إذ كانت مراتب الموجودات متناهية، وكان إثبات ما لا نهاية له بالفعل من المحال قطعًا، إنما يصح إثباته بالقوة والإمكان، ثم تنعكس الموجودات متصاعدة من أدناها مرتبة إلى أعلاها، إلى أن تنتهي إلى أكمل المراتب التي جعل لها بالطبع أن تبلغها، وتسلك في تصاعدها المسلك الذي سلكته في تسافلها، أعني ألا تصعد إلى المرتبة الثانية إلا بعد الأولى، ولا إلى الرابعة إلا بعد الثالثة، بيان ذلك أن البارئ- تعالى- له المرتبة الأولى من الوجود، وهو متوحد بوجوده، لا يشركه في وجوده شيء، كما لا
стр. 252
يشركه// في شيء من صفاته، وأول موجود أوجده وأبدعه- تعالى- الموجودات التي يسمونها الثواني، ويسمونها العقول المجردة عن المادة، وهي تسعة، على عدد الآحاد التسعة، ترتبت في الوجود عنه كمراتب الأعداد أول، وثان، وثالث، إلى التاسع الذي هو نهايتها، كما صار التاسع من العدد نهاية الآحاد.
وأول هذه الثواني بالنسبة إلى البارئ- تعالى- في مرتبة الاثنين على وجه التقريب، وبالنسبة إلى الموجودات المبدعات في مرتبة الواحد؛ لأن البارئ- تعالى- بائن عن الموجودات غير موصوف بشيء من صفاتها، وكل واحد من هذه التسعة موجود عن الباري- تعالى- بتوسط وجود كل واحد من هذه التسعة، [ثم تلي مرتبة هذه الثواني التسعة] في الوجود مرتبة العقل الموكل بعالم العناصر، وهو الذي يسمونه العقل الفعال، وهو يوافق الموجودات الثواني التسعة في أنه عقل مجرد من
стр. 253
المادة مثلها، وإنما فصلوه منها وجعلوا لها مرتبة عاشرة على حدة لوجهين:
أحدهما: أن الثواني التسعة موكلة بالأفلاك التسعة، والعقل الفعال موكل بعالم العناصر، والوجه الثاني: أن هذا العقل الفعال تسري قوته في الأجرام الناطقة التي دون فلك القمر، كما يسري نور الشمس وعنه يحصل النطق في كل مكون مشعر لقبول القوة الناطقة، وكل ما تجوهر من الموجودات الطبيعية فهو به ملحق، وهذا المعنى ليس بموجود في الثواني.
وذكروا أن فيض العقول المجردة عن المادة انقطع عن العقل الفعال، وليس بعد مرتبته إلا مرتبة النفس الناطقة، وإنما وجب أن ينقطع فيض العقول المجردة عنده؛ لأنه اجتمعت فيه قوى العقول التسعة كلها فصار مبدأ لما دونه من الموجودات، كما اجتمعت قوى الآحاد التسعة من العدد في العشرة فصارت بذلك مبدأ لما بعدها من العشرات، ولذلك جعلوا هذا العقل المجرد عن المادة في مرتبة الاثنين، والثلاثين في مرتبة الثلاثة، حتى تصير التسعون في مرتبة التسعة، فينتهي وجود العشرات في التسعين وتصير المائة في مرتبة واحدة، وسنزيد هذا بيانًا عند ذكرنا دوائر الأعداد الوهمية،
стр. 254
إن شاء الله [تعالى].
// ثم تلي مرتبة العقل الفعال في الوجود مرتبة النفس، وهي موافقة للعقول المجردة من المادة في أنها ليست بجسم، كما أن تلك ليست أجسامًا، وهي مخالفة لها في أنها توجد مع الجسم وتقترن به فأكسبها ذلك كدرًا وظلمة، ولذلك صارت نفس الإنسان تجهل ذاتها ولا تراها حتى تستضيء بنور العقل، وهي في ذلك بمنزلة رجل حصل في ظلمة فهو لا يرى جسمه ولا غيره، فإذا أضاء له الجو وسرى في عينه نور الشمس رأى حينئذ جسده وما حوله من الجسمان كذلك النفس تمنعها ظلمة الجهل من رؤية ذاتها ورؤية الصور العقلية المجردة، فإذا أفاض عليها العقل نوره رأت ذاتها وغيرها من المعقولات، ولها مراتب كثيرة كما كان للعقول المجردة المذكورة مراتب، فمن الحكماء من رأى أن مراتبها اثنتا عشرة: تسع للأفلاك، وثلاث لما تحت فلك القمر، وهي: النفس النباتية، والنفس الحيوانية، والنفس الناطقة.
ومنهم من جعلها خمس عشرة مرتبة: تسع للأفلاك، وخمس لما دون فلك القمر،
стр. 255
وهي: النفس النباتية وهي أدناها مرتبة، وفوقها النفس الحيوانية، وفوقها النفس الناطقة، وفوقها النفس الفلسفية، وفوقها النفس النبوية، فهذه أربع عشرة مرتبة، والخامسة عشرة مرتبة النفس الكلية، ونحن نذكر خواص كل واحدة من هذه النفوس، وفصولها لتتبين صحة هذا التقسيم إذا فرغنا من هذا الباب، إن شاء الله [تعالى].
ونرجع إلى ما كنا فيه من مراتب الموجودات، فنقول: إن الذي يلي مرتبة النفس في الوجود مرتبة الصورة، ثم يلي مرتبة الصورة مرتبة الجوهر الحامل للصورة [وإنما جعلت مرتبة الصورة قبل مرتبة الجوهر الحامل للصورة] لوجهين: أحدهما أنا بدأنا من أعلى مراتب الموجودات منحدرين إلى أدناها، فكانت الصورة على هذا الترتيب قبل الجوهر الحامل لها، ولو بدأنا من أدنى مراتب الموجودات متصاعدين إلى أعلاها لكان الجوهر الحامل للصورة قبل الصورة في الرتبة،
стр. 256
وهذا الجوهر الحامل للصورة صنفان: أرفعهما: الجوهر الذي يحمل [صورة الأفلاك وما فيها، وأدناهما الجوهر الذي يحمل] الصورة التي كانت تحت فلك القمر، وهذا الجوهر الحامل للصورة هي الموجودات التي دون فلك القمر يسمونه// الهيولى.
وإنما فصل هذا الجوهر من الجوهر الحامل لصورة الأفلاك وما فيها من الكواكب- وإن كانا قد اتفقا في أن كل واحد منهما جوهر حامل للصور- لأن صور الأفلاك والكواكب ثابتة في موضوعاتها، وهذا الجوهر الآخر صورة غير ثابتة؛ لأنه يلبس الصورة تارة ويخلعها تارة، وهو مستحيل متغير بجملته وذلك إنما يتغير ويستحيل بالمكان وما فيه من اختلاف النسب.
[وهذه الهيولى عندهم أحط الموجودات وأنقصها مرتبة، ومنها تبدأ الموجودات] الطبيعية بالترقي صاعدة نحو أعلى مراتبها، بعكس حالها حين انحدرت إلى أدنى مراتبها، وإنما يكون ذلك كدوران الأفلاك حولها وإيابها
стр. 257
للصور التي كانت فيها بالقوة، ثم تخرج بدوران الأفلاك إلى الفعل كما شاء بارئها لا إله إلا هو، فأول صورة لبستها الهيولى صور الأركان الأربعة التي هي الأرض، والماء، والهواء، والنار، فكان ذلك أول كمال لحقها، ثم لبست صور المعادن بوساطة صور الأركان، ثم صور النبات بوساطة صور المعادن وصور الأركان، ثم صور الحيوان غير الناطق بوساطة صور النبات وصور المعادن وصور الأركان، ثم صور الإنسان الذي هو حيوان ناطق بتوسط صور الحيوان غير الناطق النبات وصور المعادن وصور الأركان، فكانت صورة الإنسان أكمل الصور الطبيعية، ولا مرتبة بعدها إلا أن يتجوهر الإنسان بالمعارف فيلحق بمرتبة المعقولات المجردة من الهيولى والمادة الشبيهة بالهيولى، أعني موضوع صور الأفلاك وما فيها، فإذا حصل بالتجوهر في مرتبة المعقولات حصل في المرتبة التي منها انحطت النفس الناطقة إلى الإيهام، وهي مرتبة العقل الفعال فصارت الموجودات لهذا الاعتبار كدائرة استدارت حتى التقى طرفاها وصار الإنسان آخر الدائرة الذي يرجع على أولها.
إلا أن الإنسان عندهم لا يلحق عند تجوهره بأول الثواني الذي هو أعلاها مرتبة، وإنما أقصى كماله أن يلحق بالمرتبة العاشرة، وهي مرتبة العقل الفعال.
стр. 258
وهذا مذهب أرسططاليس، وأفلاطون، وسقراط، وغيرهم من مشاهير الفلاسفة وزعمائهم القائلين بالتوحيد، وأما فلاسفة المجوس فزعموا أن العقول المفارقة// للمادة يترقى بعضها إلى مرتبة بعض حتى يصير أعلاها في مرتبة البارئ- تعالى الله عما يقول الجاهلون علوًا كبيرًاـ وهذا القول كفر محض عند أرسططاليس وجميع من ذكرناه؛ لأنه يوجب استحالة البارئ تعالى عن قولهم.
فإن قال قائل: فكيف صار كافرًا؟ وإنما الحق بمرتبة العقل الفعال على رأي أرسطو، وهي المرتبة العاشرة، وإنما كان حكمه- إذا كان كالدائرة- أن يرجع إلى الثاني الذي هو أول موجود بدأ منه الفيض؟
стр. 259
فالجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن العقل الفعال هو في المرتبة العاشرة عندهم، وهو آخر المعقولات المفارقة عند انحدار الوجود، وهو أولها عند تصاعد الأشياء، فإذا بلغ العقل الإنساني تلك المرتبة كان بمنزلة رجوع أخر طرفي الدائرة على الآخر.
والوجه الثاني: أن العقل الإنساني ليس مبدؤه من الثواني- عندهم- إنما مبدؤه من العقل الفعال فإذا عاد إليه كان بمنزلة الدائرة.
وقد وجب علينا أن نصل بهذا الباب ذكر خواص النفوس الخمس التي قدمنا ذكرها ليتبين الفرق بينها إذ كانت الخاصة قد تقوم مقام الفصل الجوهري فيما يتعذر تحديده.
خواص النفس النباتية وتسمى الشهوانية:
خواص هذه النفس: النزاع إلى الغذاء وطلبه، والالتذاذ بوجوده إذا وجدته، والاستضرار بفقده إذا فقدته، واستدعاء الموافق من الأغذية، ودفع المخالف، وحفظ الشيء بشخصه ونوعه.
أما حفظ شخصه فإنه يكون بالغذاء، وأما حفظ نوعه فبالتوليد، ويسمى هذا الحفظ التقويم الطبيعي ولها الهياكل غير اللحمية، والأعضاء المتشابهة [الأجزاء] ولها سبع قوى جاذبة، وممسكة، وهاضمة، ومغذية، ودافعة، ومنمية، ومصورة
стр. 260
ولها من الشعور والإحساس: تمييز الجهات الست، وإرسال العروق نحو المواضع الندية، وتوجيه الفروع والأغصان نحو المواضع المتسعة، والانحراف عن المواضع الضيقة.
(خواص النفس الحيوانية وتسمى العصبية):
خواص هذه النفس: شهوة النكاح، وشهوة الانتقام، وشهوة الرئاسة// والغلبة، ولها الهياكل اللحمية والدموية، وقد يوجد من هياكلها ما لا دم له، ولها الأعضاء الآلية والحركة الإرادية الاختيارية، ولها الحواس الخمس، ومنها ما ينقصه بعض الحواس، ولها اللذة والألم، ويوجد لبعضها التخيل والوهم.
(خواص النفس الإنسانية وهي الناطقة)
خواص هذه النفس الروية، والفكر ومحبة العلم والمعرفة، ولها الهياكل المنتصبة، والعمل باليدين.
(خواص النفس الحكمية الفلسفية)
خواص هذه النفس محبة العلوم النظرية التي لا يراد منها أكثر من الوقوف على
стр. 261
حقائقها فقط، والحرص على معرفة أسباب الأشياء وعللها، والاستدلال بظواهر الأمور على بواطنها، ومعرفة مراتب الموجودات في الوجود، وكيف انبعثت عن البارئ- ؟ وكيف انبعث بعضها من بعض بما سوى فيها من وحدانية الله- تعالى- التي حصلت لكل موجود ذات ينفصل بها من ذات موجود آخر؟ وبها يكون وجود الصور في الهيولى وفي الموضوع الشبيه بالهيولى، وهو الجوهر الحامل لصور الأفلاك والكواكب، وهل العالم قديم أو محدث؟ وما الفرق بين الأزلي والمحدث؟
وما الفرق بين الأزلي المطلق والأزلي المضاف؟ وما الفرق بين المبدع والمكون؟ ، وكيف صار المبدع واسطة بين الأزلي والمكون؟ وهل خالق العالم واحد أو أكثر من واحد؟ وإقامة البراهين على أنه لا يصح أن يكون إلا واحدًا لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، وما الحكمة في وجود الأشياء على ما هي عليه؟ وما المكون منها وما المبدع؟ وما الفرق بين الفاعل على الحقيقة والفاعل على المجاز والفاعل [على] المطلق، [وما الحكمة] في دوران الأفلاك حركة مستديرة غير مستقيمة؟ وما الواجب وما الممكن وما الممتنع؟ وكيف صار ما فوق الأربعة الأركان من حيز الواجب وما تحت الأركان من حيز الممكن؟ وما الموجودات التي أوتيت كمالها في
стр. 262
جواهرها وأفعالها [وما الموجودات التي لم تؤت كمالها لا في جواهرها ولا في أفعالها] فهما طرفان؟ ، وما الموجودات التي أوتيت كمالها من جواهرها ولم تؤت كمالها في أفعالها// فصارت متوسطة بين الطرفين؟ ولم سكن الصنف الأول فلم تكن به حركة وتحرك الصنفان الآخران؟ وما الحكمة في وجود النواميس والنبوات في عالم الكون والفساد؟ وما الفرق بين النبوة والسحر والكهانة والفلسفة؟ وكيف تفيض قوة الوحي على الأنبياء؟ وما الفرق بين الإنسان الذي يوحى إليه والذي لا يوحى إليه؟
ولم صار الإنسان مأمورًا منهيًا دون غيره؟ ولم سمي العالم إنسانًا كبيرًا؟ وما السياسة؟ وكم أنواعها؟ .
فهذه الأمور كلها من خاصة النفس الفلسفية على جهة التصور، وبعضها على جهة التصديق من غير تصور ولكن ليست كل نفس تتعاطى الفلسفة يتهيأ لها أن تعرف ذلك كله، ولكن تعرف بعضه، وإنما تتهيأ معرفة هذه الأمور على كمالها للنفس التي اتفق لها في فطرتها [وكونها إن فطرت وفيها] استعداد لقبول ذلك، وكانت هاجرة للذات مميتة للشهوات، زاهدة في الدينار والدرهم، محبة للخير وأهله، مبغضة للشر وأهله، مرتبطة بالنواميس، مكتسبة للفضائل مطرحة للرذائل، قد اجتمع لها العلم والعمل،
فهذا هو الفيلسوف الحق عند ارسطو وأفلاطون وزعماء الفلاسفة، ومن لم يكن عندهم بهذه الصفة فليس بفيلسوف،
стр. 263
ولذلك قال أرسطو: ليس الغرض أن نعلم فقط، وإنما الغرض أن نعلم ونعمل ونكون أخيارًا فضلاء مرتبطين بالنواميس، وقال: اقتلوا من لا دين له، وقال أفلاطون: من أراد قراءة الفلسفة فليطهر أخلاقه من الرذائل؛ فإنه لا يتعلم الفلسفة الطاهرة من كان نجسًا، كما لا يمكن أحدًا أن يرى وجهه في ماء كدر، ومرآة صدئة.
(خواص النفس النبوية)
خواص هذه النفس الشريفة تلقي الوحي والإلهام، والاتصال بالعقل الفعال، وتقويم سائر النفوس المنحرفة عن الحق، وتشديد الإنسان حتى يفعل ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي من أجل ما ينبغي في الوقت الذي ينبغي، وإكمال الفطر الناقصة بوضع السنن والوعظ والتذكير والترغيب والترهيب، والإخبار بالأشياء التي ليست في قوى النفس// الفلسفية أن تعلمها؛ لأن النفس الفلسفية إنما تتعاطى النظر في الكليات خاصة، ولذلك قال أفلاطون: «نحن عاجزون عن فهم ما جاءت به الشرائع، وإنما نعلم من ذلك قليلاً، ونجهل كثيرًا ولذلك كان أرسطو يأمرنا بالتسليم لما
стр. 264
جاءت به الشرائع، ويأمرنا بتأديب من تعرض لتعليل أوامرها ونواهيها، وتعاطي الخوض فيها» وهذه النفس أشرف النفوس التي في عالم الأركان وأعلاها، وهي السائسة المدبرة لسائر النفوس، ولا يتفق أن توجد هذه النفس الشريفة إلا في ذوي الفطر الكاملة، وهذه النفس لا تحتاج إلى اكتساب المعارف والعلوم بالمقاييس والمقدمات، كما تحتاج النفس الفلسفية؛ لأن المقاييس العلمية إنما هي قوانين وضعها ذوو الفطر الكاملة، تسديدًا وتقويمًا لذوي الفطر الناقصة، فإذا اتفق للإنسان في أصل مولده أن يعطى فطرة كاملة استغنى عن تلك المقاييس ووجد الأمور العقلية كأنها مصورة في نفسه.
وكما أنا نجد في الفطر الإنسانية فطرًا في نهاية النقص قريبة من فطر البهائم، كذلك لا محالة أن نجد فيها فطرًا في نهاية الكمال قريبة من فطر الملائكة، فتكون هذه الفطرة لا تحتاج [إلى تقويم بالمقاييس العلمية كما لا تحتاج الملائكة] بل يكفيها أقل إشارة وأيسر عبارة، ويكون الله- ﵎ قد أكمل هذه الفطر في أصل خلقتها لتسوس العالم بوساطتها، وهذا يوجب أن تكون النبوة إلهامًا غير اكتساب.
(خواص النفس الكلية)
مرتبة هذه النفس الكلية عند من أثبتها من الفلاسفة تحت أفق العقل الفعال،
стр. 265
فالعقل محيط بها من جميع جهاتها، وهي محيطة بكرة الأفلاك، ولها- كما زعموا- دائرتان وخط مستقيم، فالدائرة الأولى متصلة بالفلك المحيط وهو طرفها الأعلى، والدائرة الثانية هي الطرف الأدنى، ومكانها مركز الأرض، وهذا تقريب؛ لأن الجواهر المعقولة لا توصف بالأمكنة ولا الجهات الست.
وزعموا أن بين طرفها الأعلى وطرفها الأدنى خطًا يصل بين الدائرتين يسمونه: سلم المعراج، وبه يتصل الوحي بالأنفس// الجزئية الطاهرة، وتنزل الملائكة وتصعد الأرواح الزاكية إلى العالم الأعلى ولهم فيها كلام طويل اقتصرنا منه على هذه الجملة؛ لأن غرضنا في هذا الكتاب غير ذلك.
الباب الثاني:
في شرح قولهم: إن علم الإنسان يحكي دائرة وهمية
وأن ذاته تبلغ بعد مماته إلى حيث يبلغ علمه في حياته
قد تأملت- أرشدنا الله وإياك إلى صواب القول والعمل، وعصمنا من الخطأ والزلل- هذا الذي قالوه، واعتبرت ما ذكروه، فوجدته يحتمل تأويلين: أحدهما:
стр. 266
أن الإنسان يفتح نظره بشيء لا مادة له، وينتهي نظره إلى شيء لا مادة له، فيكون مرجع علمه ونظره إلى مثل مبدئه، كما أن مبدأ صورة الإنسان من شيء لا مادة له وغايته أن يعود شيئًا لا مادة له ولست أعني مبدأ صورة جسمه التي هي شكل هيولاه؛ لأن هذه مبدؤها المادة، وإنما أعني مبدأ صورته الناطقة التي صار بها الإنسان إنسانًا، وانفصل عن الحيوان الذي لا نطق له؛ لأن هذه الصورة مبدؤها من العقل [الفعال] ومرجعها إليه، وشرح هذه الجملة: أن مبدأ علم الإنسان الأعداد التي لا يحتاج في تفهمها إلى مادة، ثم يترقى منها إلى النظر في الأعظام التي يحتاج في تفهمها إلى المادة،
стр. 267
غير أن [ما] يحتاج إليه في بعضها من المادة أقل مما يحتاج إليه في بعض؛ لأن مبدأ الأعظام النقطة التي هي مبدأ الخط ولا بعد لها، ثم الخط الذي هو مبدأ السطح، ثم السطح الذي هو مبدأ الجسم، وهذه يحتاج في تفهمها إلى مادة يسيرة، فإذا انتهى إلى النظر في الجسم استغرق في المادة وحصل بنظره في العلم الطبيعي، ثم يبدأ ينسلخ من المادة قليلاً قليلاً على تدرج، كما ترقى إليها قليلاً قليلاً عند نظره في النقطة، والخط، والسطح فلا يزال كذلك حتى يفارق المادة قليلاً، وذلك أنه إذا نظر في العناصر والمعادن فإنما ينظر في أجسام محضة ليس فيها مبدأ غير الطبيعة فإذا صار إلى النظر في النبات وجد فيه مبدأ من مبادئ النفس.
وتسمى هذه النفس النباتية، فيكون قد ابتدأ بالانسلاخ من المادة قليلاً قليلاً// فإذا صار إلى النظر في الحيوان غير الناطق وجد أمر النفس فيه أقوى،
стр. 268
وتسمى هذه النفس [النفس] الحيوانية، فيكون قد انسلخ من المادة أكثر، فإذا صار إلى النظر في الحيوان الناطق وجد فيه أمر النفس أقوى، ووجد فيه مبدأ آخر غير النفس الحيوانية، وهو الاستعداد لقبول الأمور المعقولات، ثم يشرع بالنظر في أمور النفس فيصير متوسطًا بين الأمور العقلية المجردة من المادة وبين الأمور الجسمانية ذوات المواد، فإذا أمعن [في النظر] في أمر النفس [الناطقة] لاحت إليه المبادئ العقلية التي ليست بمادة، فيكون قد انسلخ من المادة كلها، وحصل في أول مراتب العلم الإلهي، ثم يشرع بالنظر في الأمور العقلية المفارقة للمادة، فأول معقول يصادفه باعتباره عند صعوده العقل الفعال، فإذا أكمل النظر فيه وعلم مرتبته من المعقولات المفارقة، وأنه في المرتبة العاشرة صعد بالاعتبار إلى النظر في التاسع، ثم إلى الثامن، ثم إلى السابع، ثم إلى السادس، حتى يصير بفكره إلى المعقول الأول الذي هو في مرتبة الواحد، فيجده بداية الموجودات
стр. 269
الذي أفاد كل شيء الوجود، وكل موجود مفتقر إليه، مقتبس الوجود منه، فيكون قد انسلخ من النظر في الثواني التسعة والعقل الفعال. وهذه هي التي تسمى بالملائكة المقربين والكروبيين، فيكون قد انتهى باعتباره وفكره إلى الباري- تعالى- فيشرع حينئذ بالنظر في صفاته، وما يجوز أن يوصف به وما لا يجوز، وكيف انبعثت الموجودات عنه؟ وعلى أية جهة يصح أن يقال: إنه فاعلها وعلتها حتى لا يلحقه نقص؟ وكيف دبر عالم الأفلاك بتوسط الثواني والعقل الفعال في دوران الأفلاك حول الأركان الأربعة فيقع في العلم السياسي والنواميس، ولا يزال ينحدر حتى يرجع إلى الأشخاص المحسوسة التي منها بدأ بالنظر عند صعوده بالاعتبار.
فشبهت الحكماء رتبة هذا النظر والاعتبار بالدائرة؛ لأنه ينظر في الموجودات عند انحداره غير النظر الذي ينظر فيها في حين صعوده، كما يبدأ خط الدائرة من نقطة، ثم يعود إليها// على غير الجهة التي ذهب منها. ويسمى النظر الأول:
стр. 270
الإنساني، والنظر الثاني: الإلهي، ويسمون النظر الأول: الطريق إلى الله- تعالى- فكما أن مبدأ الإنسان من معقول ومنتهاه إلى معقول، وهو فيما بين الطرفين محسوس فكذلك علمه يبدأ من معقول وينتهي إلى معقول بينهما العلم المحسوس، فيكون منتهى علم الإنسان هو منتهى ذاته، فيصل إلى عالم العقل في حياته الأولى بعلمه ونظره وفي حياته الثانية بذاته وجوهره، فهذا هو المراد بقول من قال: إن ذات الإنسان تصل بعد مماته إلى حيث وصل علمه في حياته، إلا أنه لا يتجاوز مرتبة العقل الفعال، وهي المرتبة العاشرة من مرتبة السبب الأول.
وقال بعضهم: إن غايته أن يلحق بمرتبة النفس الكلية، ومرتبتها دون مرتبة العقل الفعال- كما ذكرنا فيما تقدم- فهذا ما ظهر إلي في شرح كلامهم الذي سألت عنه و [ثبت] ههنا وجه آخر، وهو أن كل موجود يوصف بالنطق فإن تجوهره لا يكمل إلا بأن يعقل السبب الأول الذي منه انبثقت الموجودات، إلا أن كل موجود تبعد مرتبته من مرتبته لا يمكن أن يعقله حتى يعقل ما بينه وبينه من الموجودات السابقة له بالمرتبة، فالموجود الثاني الذي هو أقرب الموجودات إليه بالمرتبة لا يحتاج في تكميل جوهره إلى واسطة، وأما الموجود الثالث فإنه لا يعقل
стр. 271
الأول إلا بتوسط الثاني، فكذلك الموجود الرابع لا يمكن أن يعقله إلا بتوسط الثاني والثالث، وكذلك ما بعد ذلك، ولا يحتاج موجود من هذه الموجودات غير الناطقة في كمال تجوهره إلى أن يعقل ما دونه في مرتبته إلا الإنسان وحده، فإنه يحتاج في كمال تجوهره إلى أن يعقل ما فوقه وما دونه، ولذلك احتاج في كمال تجوهره إلى أن يعقل جميع الموجودات، والعلة في ذلك أن مرتبته من الوجود الفائض من السبب الأول- تعالى- آخر المراتب؛ لأنه إنما يكون بعد تقدم الحيوان غير الناطق، والنبات، والمعادن، والأركان، والهيولى، فصارت هذه الأشياء أسبق منه [بالمرتبة إلى الوجود]- وإن كان هو أفضل منها- لأن النفس الناطقة// صورة في النفس الحيوانية، والنفس الحيوانية صورة في النفس النباتية، والنفس النباتية صورة في المعادن، والمعادن صورة في الأركان الأربعة، والأركان الأربعة صورة في الهيولى، فلما كانت هذه الأشياء كلها قبله في رتبة الوجود وكان لا سبيل له إلى أن يعقل السبب الأول حتى يعقل ما بينه وبين الموجودات، احتاج إلى أن يعقل ما دونه كما احتاج إلى أن يعقل ما فوقه، ولما كانت الموجودات الفائضة من السبب [الأول] شكلها شكل دائرة آخرها الإنسان- كما ذكرنا في الباب الأول- احتاج الإنسان إذا سلك
стр. 272
على رتبة وجوده أن يعكس الدائرة عند الاعتبار فينحط من مرتبته في الوجود إلى مرتبة الحيوان غير الناطق التي هي أدنى المراتب إليه، ثم إلى النبات، ثم إلى المعادن، ثم إلى الأركان، ثم إلى الهيولى، فإذا بلغ إلى الهيولى كان قد وصل إلى أحط المراتب في الموجودات فيبدأ بالصعود منها نحو المبدأ الأعلى، فيكون إلى الصورة أو صعوده، ثم إلى النفس، ثم إلى العقل الفعال، ثم إلى الثواني التسعة [التي تسمى الملائكة المقربين] ثم إلى الباري- تعالى-، غير أنه إذ وصل إلى مرتبة العقل الفعال وقف [ولم يحتج في كمالها إلى أن يتخطى العقل الفعال]؛ لأن قوته الناطقة منه بدأت وإليه تعود، وإنما يحتاج إلى معرفة ما فوق العقل لتكمل ذاته وجوهره، لا لتكمل دائرة علمه ونظره.
ونحن نكمل هذا الباب بأن ندير دائرة نمثل بها ما ذكرناه، ونقسمها تسعة أقسام على مراتب الآحاد التسعة، ونجهل مبدأها العقل الفعال، ونتلوه بما
стр. 273
يتصل بمرتبته في الوجود، ثم ما يلي ذلك منحدرًا أو صاعدًا حتى ينعطف آخر الموجودات عليه، ولا نذكر في هذه الدائرة شيئًا مما فوق العقل الفعال، ليتبين لمن رآها أن الإنسان مرجعه إلى العقل الفعال، وهذه صورة الدائرة
الدائرة
стр. 274
(الباب الثالث)
(في شرح قولهم إن في قدرة العقل الجزئي أن يتصور بصورة العقل الكلي)
هذا- أوضح الله لك الخفيات، وأعانك على فهم أسرار الموجودات- فرع لطيف تحته معنى شريف، ومرادهم بهذا أن الإنسان مهيأ بفطرته// إذا فاض عليه نور العقل فخرجت قوته الناطقة إلى الفعل لأن يتصور جميع الموجودات، فيتحصل في عقله الجزئي الصور التي في العقل الكلي؛ وذلك أن الباري- تعالى- لما أبدع العقل الكلي أفاض عليه صورة الأشياء التي شاء إيجادها دفعة أيضًا بلا زمان ولا حركة، وأفاضها العقل الكلي على النفس الكلية دفعة أيضًا بلا زمان، ووساطته حركة الفلك إذ لم تكن في قوة الهيولى أن تقبلها كلها دفعة، وإنما تقبلها على المعاقبة وخلق الله- ﵎ الإنسان آخر المخلوقات، وجمع في خلقته جميع ما في العالم فصار، مختصرًا منه؛ ولذلك سمي العالم الأصغر.
وقيل: إنه مختصر من اللوح المحفوظ، وجعله حدًا بين عالم الحس وعالم العقل،
стр. 275
فهو آخر الموجودات الطبيعية، وأول الموجودات العقلية، وهو معرض لأن يعلو فيلحق بالعالم الأعلى أو يسفل فيلحق بالعالم الأدنى، وقد قلت في ذلك:
(أنت وسطى ما بين ضدين يا إن ... سان ركبت صورة في هيولى)
(إن عصيت [الهوى] علوت علوًا ... أو أطعت الهوى سفلت سفولا)
فمن أجل أنه جمع في خلقه جميع ما في العالم الأكبر صار مهيأ بفطرته الفاضلة مستعدًا بقوته العاقلة؛ لأن يتصور جميع ما في العالم الأكبر، وبيان ذلك أن مدركات الإنسان صنفان: محسوسات، ومعقولات، فالأشخاص هن محسوساته، وأنواعها وأجناسها ومبادئه هن معقولات، وله إدراكان، إدراك بالحس للأشياء المحسوسة، وإدراك بالعقل للأشياء المعقولات، لأن كل شيء إنما يدرك بشكله، فإدراكه المحسوسات يسمى كماله الأول وحياته الأولى، وإدراكه المعقولات يسمى كماله الثاني وحياته الأخرى، فإذا كان العالم كله صنفين: محسوس
стр. 276
ومعقول، وكان كمال تجوهر الإنسان بإدراكهما معًا، وكان مهيأ بفطرته لذلك صار الإنسان إذا أدرك المحسوسات والمعقولات قد تصور بصورة العالم الأكبر، فالإنسان- إذن- يستحق أن يسمى عالمًا صغيرًا من جهتين:
إحداهما: خلقة لا عمل له فيها، والثانية: اكتساب يكتسبه، إلا أن سعادته إنما هي بالاكتساب وحصول العقل المستفاد.
وأما// الخلقة فإنما هي هيئة واستعداد جعل معرضًا بهما لنيل السعادة، إن فهم ذاته وعلم مرتبته من العالم، أي مرتبة [تحصيل؟ هي نجا وسعد، وإن جهل ذاته ولم يعرف أي مرتبة] كونه آخر الموجودات هلك وطال شقاؤه، ولذلك قال النبي ﷺ : «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا»، وقال: «أعلمكم بنفسه أعلمكم بربه»، وقال لعلي- ﵁: «تعرف إلى الله [تعالى] بعقلك إذا تعرف الناس إليه بأعمالهم»، ولهذا الذي قدمناه صار العالم خمسة أصناف من الوجود سوى وجوده في علم البارئ تعالى: وجود في العقل الفعال، ووجود في النفس الكلية، ووجود في الهيولى، ووجود في قوة الإنسان المتخيلة، ووجود في قوته الناطقة، إذا حصل له العقل المستفاد، فيصير بهذا الاعتبار كالدائرة التي تبدأ من نقطة وتعود إليها؛ لأن مبدأه أن يكون صورة مجردة في العقل، ونهايته أن يصير صورة مجردة في العقل، وعند ذلك يتصور العقل الجزئي بصورة العقل الكلي، ويصير الإنسان موضوعًا بصورة العالم، يحمل صورة في ذاته، كما تحمل الهيولى الصورة.
стр. 277
فالإنسان- إذا اعتبر به المعتبر- أغرب المخلوقات صنعة، وأكثرها أعجوبة، ولهذا قالت الحكماء: «إن العرض في وجوده كمال الحكمة؛ لأنه انتظم بفطرته طرفي العالم، وصار واسطة بينهما، وكمال الطرفين بالواسطة التي تنتظمهما»، أرادوا بذلك أن الباري- ﷻ لما خلق جوهرًا معقولاً وجوهرًا محسوسًا، كان كمال الخلقة في أن خلق جوهرًا ثالثًا يصل بين الجوهرين، وينظم الطبيعتين، فصار الإنسان حدًا بين عالم العقل وعالم الحس، وصار من جهة صورته الطبيعية في أعلى مراتب الصور [الطبيعية، ومن جهة صورته العقلية في أدنى مراتب الصور] العقليات.
وفي كتب بني إسرائيل أن الإنسان خلق على التخوم بين الطبيعة المائية والطبيعة التي ليست بمائية، ويدل أيضًا على أنه واسطة بطبعه أنه من قسم الممكن، والممكن بطبيعته واسطة بين الواجب والممتنع، وقد قلت في ذلك على سبيل الوعظ:
(تتيه وقد أيقنت أنك ممكن ... فكيف لو استيقنت أنك واجب)
(وهل لك عن عدن إذا مت أو لظى ... محيص ترجي أو عن الله حاجب)
стр. 278
ومعنى كون الإنسان من الممكن أنه صورة من الصور التي موضوعها الهيولى، وبالهيولى قامت طبيعة الممكن؛ لأنها تلبس الصورة تارة، وتخلعها تارة، وتكون فيها الصور تارة بالقوة وتارة بالفعل، ولولا الهيولى لبطلت طبيعة الممكن، ولم يوجد للأشياء إلا عنصران: واجب وممتنع.
الباب الرابع
في شرح قولهم: إن العدد دوائر وهمية
اعلم أن الواحد أصل العدد ومبدؤه، وهو غاية لوجود العدد وليس بعدد، وكل عدد منسوب إليه، ومنعطف عليه انعطاف آخر الدائرة على أولها، وللأعداد إليه نسبتان: إحداهما: نسبة تضعيف وتكثير، والثانية: نسبة تجزئة وتقليل، فأما نسبة التكثير فقولنا: واحد، واثنان، وثلاثة، وأربعة، وخمسة، فما زاد، وأما نسبة التقليل فهي نسبة الكسور، كقولك: نصف، وربع، وخمس، وثلث، ونحو ذلك.
والنصف أول مراتب التجزئة والتقليل، كما أن الاثنين أول مراتب التضعيف والتكثير، وهو يذهب في كلتا الجهتين إلى غير نهاية، غير أن [التكثير يبتدئ بأقل الكمية ويذهب في تزيد إلى غير نهاية و] التقليل يبتدئ من أقل الكمية وهو النصف، ويذهب في التجزئ إلى غير نهاية، فإذا اعتبرت بفكرك الأعداد كلها والواحد وجدتها ناشئة منه وراجعة إليه.
أما نشوؤها منه فإن قوة الواحد تسري إلى الأعداد فتصوغها بواسطة وبغير
стр. 279
واسطة، والعدد الذي يتولد منه بغير واسطة هو الاثنان، وأما الثلاثة فلا توجد من الواحد إلا بتوسط الاثنين، وكذلك الأربعة لا توجد منه إلا بتوسط الثلاثة والاثنين، وكذلك الخمسة لا توجد إلا بتوسط الأربعة والثلاثة والاثنين، وهكذا كل عدد لا يوجد من الواحد إلا بتوسط ما بينه [وبين ذاك] من الأعداد فيكون العدد الذي بينهما هو الذي يؤدي إليه قوة الوحدانية، فيصير موجودًا بها، يسري إليه من تلك القوة، فالاثنان يؤديان قوة الواحد إلى الثلاثة، والاثنان والثلاثة يؤديان قوته إلى الأربعة، والاثنان والثلاثة والأربعة تؤدي قوته إلى// الخمسة، وهكذا ما زاد بالغًا ما بلغ، فهذه كيفية نشوء العدد وتولده من الواحد، وأما كيفية انعطافه عليه كانعطاف أحد طرفي الدائرة على الطرف الآخر فإن ذلك لا يكون إلا بعد تولد الأعداد منه، واستيفائها مراتب الآحاد التسعة التي عليها تدور مراتب الأعداد، وليست للعدد بعد التسعة مرتبة، ولكن كلما بلغ عدد إلى مرتبة التسعة انعطف إلى مرتبة الواحد، فصار دائرة وهمية.
بيان ذلك: أن الواحد نشأ منه الاثنان، وتؤدي الاثنان قوته إلى الثلاثة، [فيكون الثلاثة من الواحد بواسطة الاثنين وكلاهما علة لوجود الثلاثة] غير أن
стр. 280
الاثنين علة قريبة والواحد على بعيدة، ثم تؤدي الثلاثة ما سرى إليها من قوة الاثنين وقوة الواحد إلى الأربعة، فتكون الأربعة من الواجد بواسطة الثلاثة والاثنين، فيكون لوجود الأربعة ثلاث علل، ثم يستمر الأمر كذلك إلى أن تكون التسعة بما يسري إليها من قوة الواحد بوساطة الثمانية، ومنتهى مراتب العدد التسع عند وجود التسعة، فإذا تجاوزت قوة الواحد التسعة كونت العشرة بتجاوز قوة الواحد إليها مع قوة التسعة، واستدار العدد دوائر وهمية إلى مرتبة الواحد لكمال المراتب، فكانت عشرة كواحد، وعشرون كاثنين، وثلاثون كثلاثة إلى أن يكون تسعون كتسعة، وتسمى هذه دوائر العشرات، ثم تزيد على التسعين تسعة لتقوم طبيعة العشرة التي بها يصح وجود المئة، فيصير العدد تسعة وتسعين، فإذا تجاوزت قوة الواحد السارية في الأعداد التسعة والتسعين قامت طبيعة المئة بما انتهى إليها من قوة الواحد، وقوى التسعة والتسعين واستدار العدد استدارة وهمية إلى مرتبة الواحد فتكون مئة كواحد، ومئتان كاثينين، وثلاث مئة كثلاثة، وأربع مئة كأربعة إلى أن تصير تسع مئة كتسعة، وتسمى هذه دوائر المئين، فإذا بلغ العدد تسع مئة كملت مراتب
стр. 281
الآحاد التسعة، فتزيد عليها تسعة وتسعين لتقوم بها طبيعة المئة، فيجتمع لديك تسع مائة وتسعة وتسعون، فإذا تجاوزت قوة الواحد السارية في الأعداد هذا العدد تكون الألف بما سرى إليه// من قوة الواحد وقوى الأعداد التي بينه وبينه، واستدار العدد استدارة وهمية فرجع إلى مرتبة الواحد فيكون ألف كواحد، وألفان كاثنين، وثلاثة آلاف كثلاثة إلى أن تصير تسعة آلا كتسعة، وتسمى هذه دوائر الآلاف، وهكذا أبدًا تنمي الأعداد بما يسري إليها من قوة الواحد بوساطة الأعداد التي قبلها، ويكون كل عدد سبق وجوده علة لما تأخر وجوده، فيكون لما بعدت مرتبته عن مرتبة الواحد علل كثيرة، كل واحد منها علة لوجوده، ويصير الواحد علة العلل وسبب الأسباب، وكلما كملت مراتب الآحاد التسعة استدار العدد إلى مرتبة الواحد فصارت منه دوائر وهمية، وعلى مقدار بعد ذلك العدد من الواحد يكون عظم دائرته وصغرها، فاعتبر ذلك تجده على ما قلناه.
ولأهل الهند وغيرهم في هذه الدوائر العددية رموز وألغاز طوي عن الناس علمها، إذ
стр. 282
كانت أذهان الجمهور تنبو عن فصها وعقولهم تقصر عن علمها، ويرون أن في معرفة نشوء العدد من الواحد ونسبته إليه وانعطافه عليه، وكمال مراتب الأعداد التسعة عليه معرفة العالم وكيف وجد عن الباري- تعالى- قالوا: وليس يمكن الإنسان أن يعلم حدوث الموجودات وانبعاثها عن الباري- تعالى- بطريق أقرب من طريق العدد، وقد علم الباري- ﷻ أن العقلاء المستعدين بفطرتهم الشريفة لقبول الحكمة سيفكرون في حدوث الموجودات عنه، فلا يقدرون على تصور ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يتصور حدوث شيء إلا من هيولى، وفي زمان، وفي مكان، وبحركة وآلات وأدوات ووجود الموجودات عن الباري- تعالى- ليس هكذا لأن [هذه] الأشياء كلها محدثة مبدعة، حدثت كلها معًا فجعل الباري- لمعرفة ذلك طريقًا أسهل من هذه الطريق، وهو الاعتبار بنشوء العدد عن الواحد، فكما أن الواحد علة لوجود العدد وليس من العدد، فكذلك البارئ- ﷻ علة لوجود العالم، وليس من العالم، وكما أن الواحد لو توهم ارتفاعه وعدمه لارتفعت الأعداد كلها، وعدمت، فكذلك الباري-
стр. 283
تعالى-// لو ارتفع وعدم لم يكن شيء موجودًا، وكما أن الأعداد كلها لو ارتفعت لم يوجب ارتفاعها عدم الواحد، كذلك الموجودات كلها لو ارتفعت لم يوجب ذلك ارتفاع البارئ- تعالى-، فثبت بهذا أن البارئ- غني عن العالم والعالم مفتقر إليه، وكما أن وجود الواحد وجود مطلق، أعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره، ووجود الأعداد كلها وجود مضاف، [أعني أنها غير مستقلة بأنفسها في وجودها] لأن وجودها مقتبس من وجوده، فائض عنه، وكما أن الأعداد كلها اكتسبت الوجود من الواحد من غير حركة ولا زمان ولا مكان، ولم يحتج الواحد في إيجادها إلى شيء آخر غير ذاته، فكذلك حدوث الموجودات عن الباري- تعالى- بغير حركة ولا زمان، وبغير مكان، وبغير أدوات، ومن غير أن يحتاج في إيجادها إلى شيء غيره، وكما أن الواحد لا يوصف بأنه تقدم الأعداد بالزمان، ولا يبطل ذلك بأن تكون الأعداد محدثة عنه، فكذلك لا يوصف الباري- بأنه تقدم العالم بالزمان، ولا يبطل ذلك أن يكون العالم محدثًا عنه لا يوصف، وكما أن الواحد لم يتغير عن الوحدانية بكثرة ما حدث من الأعداد عنه، ولم يوجب ذلك تكثرًا في ذاته ولا استحالة في جوهره، فكذلك حدوث العالم على
стр. 284
كثرته لم يوجب تغير الباري- تعالى- عن وحدانيته، ولا تكثرًا في ذاته- تعالى الله عن صفات النقص-، وكما أن الأعداد توجد عن الواحد بتوسط الآحاد التسعة وما يجتمع في العشرة من قواها، كذلك وجدت الموجودات عن الباري- تعالى- بوساطة الثواني التسعة وما اجتمع في الموجود العاشر من القوى السارية إليه من الثواني، وما فاض عليه من قوة الوحدانية بوساطتها.
وكذلك إذا اعتبر المعتبر وفكر المفكر وجد كل شيء من الموجودات إنما حصل موجودًا بأن صارت له ذات يوجد بها، وانفصل عن غيره، وتلك الوحدة التي بها قد توحد، إنما سرت إليه من الباري- تعالى- بوساطة ما بينه وبينه من الموجودات، وتلك الوحدة هي هويته وصورته التي بها قوامه، وتميز عمن سواه، فمتى فارقته تلك// الوحدة عدم، فسريان الوحدة من الباري- تعالى- إلى الأشياء هو الذي كونها واقتضى وجودها على مراتبها، وصير بعضها عللاً لبعض، وهو- تعالى- علة وجود الجميع؛ ولذلك سموه علة العلل، والفاعل المطلق، والفاعل بالحقيقة لأن فعل غيره إنما هو فعل بالمجاز وبالإضافة، لأنه تقبل الفعل عما هو
стр. 285
أسبق منه وجودًا، ويؤدي به إلى ما بعده، فهو منفعل لما فوقه، وفاعل لما دونه، وهو منفعل بالحقيقة وفاعل بالمجاز والإضافة، فيكون مبدأ الفاعل من فاعل لا ينفعل كغيره البتة ومنتهاها إلى منفعل لا يفعل البتة، وما بينهما فاعل فيما دونه، منفعل لما فوقه، ولما ذكرناه في هذا الباب قالت الحكماء: إن الباري- تعالى- مع كل شيء، وإنما أرادوا بذلك وجود آثار صنعته في الموجودات وسريان الوحدة منه، التي بها تكونت المحدثات، ولم يريدوا بذلك أنه يحل الأمكنة، ويقع تحت الأزمنة، أو يلتبس بشيء من العالم، تقدس عن ذلك وعلا علوًا كبيرًا.
وقد غلط قوم من الفلاسفة في هذا الموضع غلطًا فاحشًا فزعموا أن الباري- تعالى عن قولهم- صورة سيالة في العالم، ولهذا قال تالس: إن الله تعالى ناشب في الأشياء، وقال زينون: إن كرة العالم هو العالم تعالى، وأن المعلول هو العلة، وإنما حملهم على هذه الآراء الفاسدة ما رأوه من سريان الوحدة في الموجودات، وأن وجود كل شيء متعلق بوجود الباري تعالى، وسمعوا مع ذلك قول القدماء من الحكماء: إن الله- تعالى- مع كل شيء، فنتج لهم من ذلك هذا التوهم الخبيث، ولم
следующие страницы →