← Язык

Язык · id 18275

رسائل في اللغة (رسائل ابن السيد البطليوسي)

ابن السيد البطليوسي

Полный текст (329 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الآحاد التسعة، فتزيد عليها تسعة وتسعين لتقوم بها طبيعة المئة، فيجتمع لديك تسع مائة وتسعة وتسعون، فإذا تجاوزت قوة الواحد السارية في الأعداد هذا العدد تكون الألف بما سرى إليه// من قوة الواحد وقوى الأعداد التي بينه وبينه، واستدار العدد استدارة وهمية فرجع إلى مرتبة الواحد فيكون ألف كواحد، وألفان كاثنين، وثلاثة آلاف كثلاثة إلى أن تصير تسعة آلا كتسعة، وتسمى هذه دوائر الآلاف، وهكذا أبدًا تنمي الأعداد بما يسري إليها من قوة الواحد بوساطة الأعداد التي قبلها، ويكون كل عدد سبق وجوده علة لما تأخر وجوده، فيكون لما بعدت مرتبته عن مرتبة الواحد علل كثيرة، كل واحد منها علة لوجوده، ويصير الواحد علة العلل وسبب الأسباب، وكلما كملت مراتب الآحاد التسعة استدار العدد إلى مرتبة الواحد فصارت منه دوائر وهمية، وعلى مقدار بعد ذلك العدد من الواحد يكون عظم دائرته وصغرها، فاعتبر ذلك تجده على ما قلناه. ولأهل الهند وغيرهم في هذه الدوائر العددية رموز وألغاز طوي عن الناس علمها، إذ

стр. 282

كانت أذهان الجمهور تنبو عن فصها وعقولهم تقصر عن علمها، ويرون أن في معرفة نشوء العدد من الواحد ونسبته إليه وانعطافه عليه، وكمال مراتب الأعداد التسعة عليه معرفة العالم وكيف وجد عن الباري- تعالى- قالوا: وليس يمكن الإنسان أن يعلم حدوث الموجودات وانبعاثها عن الباري- تعالى- بطريق أقرب من طريق العدد، وقد علم الباري- ﷻ أن العقلاء المستعدين بفطرتهم الشريفة لقبول الحكمة سيفكرون في حدوث الموجودات عنه، فلا يقدرون على تصور ذلك لأن الإنسان لا يمكنه أن يتصور حدوث شيء إلا من هيولى، وفي زمان، وفي مكان، وبحركة وآلات وأدوات ووجود الموجودات عن الباري- تعالى- ليس هكذا لأن [هذه] الأشياء كلها محدثة مبدعة، حدثت كلها معًا فجعل الباري- لمعرفة ذلك طريقًا أسهل من هذه الطريق، وهو الاعتبار بنشوء العدد عن الواحد، فكما أن الواحد علة لوجود العدد وليس من العدد، فكذلك البارئ- ﷻ علة لوجود العالم، وليس من العالم، وكما أن الواحد لو توهم ارتفاعه وعدمه لارتفعت الأعداد كلها، وعدمت، فكذلك الباري-

стр. 283

تعالى-// لو ارتفع وعدم لم يكن شيء موجودًا، وكما أن الأعداد كلها لو ارتفعت لم يوجب ارتفاعها عدم الواحد، كذلك الموجودات كلها لو ارتفعت لم يوجب ذلك ارتفاع البارئ- تعالى-، فثبت بهذا أن البارئ- غني عن العالم والعالم مفتقر إليه، وكما أن وجود الواحد وجود مطلق، أعني أنه لا يحتاج في وجوده إلى غيره، ووجود الأعداد كلها وجود مضاف، [أعني أنها غير مستقلة بأنفسها في وجودها] لأن وجودها مقتبس من وجوده، فائض عنه، وكما أن الأعداد كلها اكتسبت الوجود من الواحد من غير حركة ولا زمان ولا مكان، ولم يحتج الواحد في إيجادها إلى شيء آخر غير ذاته، فكذلك حدوث الموجودات عن الباري- تعالى- بغير حركة ولا زمان، وبغير مكان، وبغير أدوات، ومن غير أن يحتاج في إيجادها إلى شيء غيره، وكما أن الواحد لا يوصف بأنه تقدم الأعداد بالزمان، ولا يبطل ذلك بأن تكون الأعداد محدثة عنه، فكذلك لا يوصف الباري- بأنه تقدم العالم بالزمان، ولا يبطل ذلك أن يكون العالم محدثًا عنه لا يوصف، وكما أن الواحد لم يتغير عن الوحدانية بكثرة ما حدث من الأعداد عنه، ولم يوجب ذلك تكثرًا في ذاته ولا استحالة في جوهره، فكذلك حدوث العالم على

стр. 284

كثرته لم يوجب تغير الباري- تعالى- عن وحدانيته، ولا تكثرًا في ذاته- تعالى الله عن صفات النقص-، وكما أن الأعداد توجد عن الواحد بتوسط الآحاد التسعة وما يجتمع في العشرة من قواها، كذلك وجدت الموجودات عن الباري- تعالى- بوساطة الثواني التسعة وما اجتمع في الموجود العاشر من القوى السارية إليه من الثواني، وما فاض عليه من قوة الوحدانية بوساطتها. وكذلك إذا اعتبر المعتبر وفكر المفكر وجد كل شيء من الموجودات إنما حصل موجودًا بأن صارت له ذات يوجد بها، وانفصل عن غيره، وتلك الوحدة التي بها قد توحد، إنما سرت إليه من الباري- تعالى- بوساطة ما بينه وبينه من الموجودات، وتلك الوحدة هي هويته وصورته التي بها قوامه، وتميز عمن سواه، فمتى فارقته تلك// الوحدة عدم، فسريان الوحدة من الباري- تعالى- إلى الأشياء هو الذي كونها واقتضى وجودها على مراتبها، وصير بعضها عللاً لبعض، وهو- تعالى- علة وجود الجميع؛ ولذلك سموه علة العلل، والفاعل المطلق، والفاعل بالحقيقة لأن فعل غيره إنما هو فعل بالمجاز وبالإضافة، لأنه تقبل الفعل عما هو

стр. 285

أسبق منه وجودًا، ويؤدي به إلى ما بعده، فهو منفعل لما فوقه، وفاعل لما دونه، وهو منفعل بالحقيقة وفاعل بالمجاز والإضافة، فيكون مبدأ الفاعل من فاعل لا ينفعل كغيره البتة ومنتهاها إلى منفعل لا يفعل البتة، وما بينهما فاعل فيما دونه، منفعل لما فوقه، ولما ذكرناه في هذا الباب قالت الحكماء: إن الباري- تعالى- مع كل شيء، وإنما أرادوا بذلك وجود آثار صنعته في الموجودات وسريان الوحدة منه، التي بها تكونت المحدثات، ولم يريدوا بذلك أنه يحل الأمكنة، ويقع تحت الأزمنة، أو يلتبس بشيء من العالم، تقدس عن ذلك وعلا علوًا كبيرًا. وقد غلط قوم من الفلاسفة في هذا الموضع غلطًا فاحشًا فزعموا أن الباري- تعالى عن قولهم- صورة سيالة في العالم، ولهذا قال تالس: إن الله تعالى ناشب في الأشياء، وقال زينون: إن كرة العالم هو العالم تعالى، وأن المعلول هو العلة، وإنما حملهم على هذه الآراء الفاسدة ما رأوه من سريان الوحدة في الموجودات، وأن وجود كل شيء متعلق بوجود الباري تعالى، وسمعوا مع ذلك قول القدماء من الحكماء: إن الله- تعالى- مع كل شيء، فنتج لهم من ذلك هذا التوهم الخبيث، ولم

стр. 286

يفكروا في أن ذلك يقودهم إلى المحال؛ لأنه لو كان كذلك لكان الباري- تعالى محمولاً في غيره؛ لأن كل صورة مفتقرة إلى موضوع يحملها، ويلزم من ذلك أن يكون العالم قديمًا، وتبطل دلائل الحدوث، ويلزم أن يكون الباري- تعالى- واقعًا تحت الأزمنة محلاً في الأمكنة، في استحالة دائمة؛ لأن من شأن الهيولى أن يلبس الصورة تارة ويخلعها تارة، وأن يكون الباري- تعالى- شخصًا تارة وتارة نوعًا، وتارة جنسًا، وتارة فاعلاً، وتارة// منفعلاً وشبه هذا من المحال، ونعوذ به من الخذلان-، ومثل هؤلاء إنما يذكرون في سخفاء الفلاسفة لا في عقلائهم، وفي جهالهم لا في علمائهم، وقد أجمع العارفون بالله- أن الله- تعالى- مباين للعالم من جميع الجهات، لا [يشبهه شيء] ولا يشبه شيئًا، مباينة لا تقتضي تحيزًا في مكان وانفصالاً، وأنه موجود مع كل شيء وجودًا لا يقتضي ممازجة أو اتصالاً، بل صفته مباينة، وصفته صفة لا

стр. 287

تحيط بها العقول، وإنما يعلم ذلك مما يدل عليه الدليل من غير تصوير ولا تمثيل كسائر صفاته التي تثبت ولا تكيف، وقد رد أرسطاطاليس كل قول من هذه الأقوال وأنكره، وضلل قائله وكفره. فإن قال قائل: كيف أنكر هذه الأقوال وكفر من قالها، وهو قد قال في كتابه الموسوم بـ (ما بعد الطبيعة): «إن الباري- تعالى- علة العالم على معنى أنه فاعل له، وأنه غاية له، وأنه صورة له؟ »، فالجواب: أنه لم يرد ما توهمته، وكيف يصح أن ينكر شيئًا ويقول بمثله، وقد صرح بأن الباري- سبحانه- لا يوصف بالصورة الشخصية ولا الصورة النوعية، ولا بصفة بها نقص- تعالى الله عن ذلك- وأنه مباين للأشياء، غير موصوف بصفاتها؟ . فثبت بهذا أنه إنما وصفه بأنه صورة للعالم بمعنى لا يلحقه به نقص-[تعالى عن ذلك]- ولا شبه، [وأنه مباين للأشياء غير موصوف بصفاتها] كما يسمى حيًا، وعالمًا، وقادرًا، ونحو ذلك

стр. 288

على معان [لا توجب شبهًا ولا تقتضي نقصًا، وذلك على ثلاثة معان]: أحدها: أنه لما لم يكن وجود على الحقيقة إلا البارئ تعالى ومصنوعاته، ولم يكن له ضد ولا ند، وكان هو الموجود على الإطلاق، فوجود مصنوعاته مقتبس من وجوده، حتى إنه لو توهم ارتفاعه- تعالى- لارتفع كل موجود، وصار وجود العالم كلا وجود، إذ لم يكن له قوام بذاته، وصار كأنه موجود واحد، وصار كأنه صورة له إذ كان وجوده به كما يوجد تصور بصورته، وإن كان- تعالى- لا يوصف بالصورة. وقد قال أفلاطون نحو هذا في كتاب (طيماوس)؛ وذلك أنه قال: «ما الشيء الذي هو موجود الدهر وليس له تكون// البتة؟ وما الشيء الذي يتكون الدهر وليس له البتة وجود؟ فالأول: الأنواع والأجناس، والثاني: الأشخاص» فجعل الأشخاص التي هي موجودة عنده كأنها غير موجودة؛ لأنها في سيلان متصل واستحالة دائمة وأثبت الوجود لأنواعها وأجناسها، وإن كانت غير موجودة بالحواس عندنا لثباتها على حال واحدة لا تتغير عن طبعها، فهكذا جعل

стр. 289

(أرسططاليس) العالم حين كان لا قوام له بنفسه كأنه غير موجود، وجعل الوجود إنما هو البارئ- وحده، وجعله كالصورة التي لا يوجد المصور إلا بها تقريبًا لا حقيقة، حتى كان وجوده سببًا لوجودها، كما تكون الصورة سببًا لوجود مصورها، وتسمي الصوفية هذا الفناء في التوحيد، ويرونه أرفع مراتبه، فهذا أحد المعاني التي بها سمي الباري- تعالى- صورة للأشياء، والمعنى الثاني: أنه- تعالى- أفاض من وحدته على كل موجود ما صارت له به هوية يتصور بها، فكل موجود إنما يوجد بتلك الوحدة التي سرت منه إليه بصورته، والمعنى الثالث: أن الصورة هي غاية المصور وكماله؛ لأن الشيء إذا كان بالقوة فهو على كماله الأول، فإذا خرج إلى الفعل كان على كماله الآخر، وخروجه من القوة إلى الفعل إنما هو بالصورة، فلما كان الباري- تعالى- هو الذي أخرج العالم من القوة إلى الفعل، أعني من العدم إلى الوجود صار من هذا الوجه كأنه صورة للعالم وإن كان غير صورة على الحقيقة، وسترى كلامنا فيما بعد هذا بما يزيد هذا المعاني وضوحًا إن شاء الله تعالى.

стр. 290

الباب الخامس في شرح قولهم: لا يصح أن يوصف بها إلا على وجه السلب اعلم أن الصفات نوعان: نوع يوصف به الموصوف لإزالة اشتراك يكون بينه وبين موصوف آخر كقولك: «جاءني زيد»، والمخاطب يعرف رجلين كل واحد منهما يسمى بهذا الاسم، أو رجالاً كل واحد منهم له هذا الاسم// يحتاج المخبر أن يصفه بصفة يمتاز بها عند المخاطب ممن يشاركه في اسمه، والنوع الآخر: لا يراد به إزالة اشتراك، ولكن يراد به مدح الموصوف أو ذمه، والمخاطب غني عن أن يوصف له المذكور كقول القائل: رأيت ابنك النجيب، وليس لمن يخاطبه إلا ابن واحد، ونحو ذلك، وصفات الباري- ﷻ كلها من هذا [وهذا النوع] إنما هو صفات يمجده بها الواصفون ويثني عليه بها المثنون، ولما كان الباري- ﷻ بائنًا عن جميع الموجودات غير مشبه بشيء من المخلوقات، صار المثني

стр. 291

عليه مقصرًا في ثنائه وإن اجتهد، غير بالغ ما يستوجبه، وإن عظم ومجد. وبيان ذلك أن المدح ثلاثة أنواع: إفراط، واقتصاد، وتقصي، فالإفراط أن يرفع المادح الممدوح إلى مرتبة أرفع من مرتبته ومنزلة أعلى من منزلته، والاقتصاد: ألا يتجاوز به مرتبته ولا يتخطى منزلته، والتقصير: أن يحطه عن مرتبته، ولا يوفيه حق منزلته، فالوجهان الأولان: محال في وصف الباري- تعالى- لأنه لا يمكن المادح أن يمدحه بما يستحقه ويستوجبه؛ لأن مرتبته مجهولة الكنه، لا تحيط بها العقول، وليس فوق مرتبته مرتبة أعلى منها فيرفع إلها؛ لأنه نهاية الأشياء وغايتها، فليس في مدح المادح له إفراط ولا اقتصاد، وكل مادح مقصر في مدحه، غير واصف له بالواجب من حقه لأن يصفه بصفات المعقول منها معان مخالفة لما هو عليه، فإذا قال: إنه حي، وإنه عالم، وإنه سميع، وإنه بصير، فإنما يصفه بصفات إن حملت على تعلقه بجزء منها لم يلق به- وأوجبت شبهه بالمخلوقات، تعالى عن ذلك، فلهذه العلة افترق الناس في وصفه- ﷻ -

стр. 292

فرقتين، فقالت فرقة: لا نثبت له صفة على طريق الإيجاب؛ لأن ذلك يوجب شبهه بخلقه، ولكن نسلب عند أضداد هذه الصفات، فلا نقول عنه: عالم، ولكن نقول: ليس بجاهل، ولا نقول: هو قادر، ولكن [نقول]: ليس بعاجز، ولا نقول: هو موجود، لكن [نقول]: ليس بمعدوم. وقالت فرقة ثانية: نوجب له الصفات// ونتبعها حرف السلب لنزيل ما توهم فيه من التشبيه بالمخلوقين، فنقول: هو حي لا كالأحياء، وعالم لا كالعلماء، وموجود لا كالموجودات، قالوا: وإذا قلنا: هو حي، وموجود، وعالم، وقادر، ولم نذكر حرف السلب، فإنما نترك ذلك اختصارًا، ولابد أن يكون مضمنًا في الصفة، وإن لم يكن مضمنًا فيها لم تصح. فإن قال قائل: من أين كرهت الفرقة الأولى إيجاب الصفة وأبو أن يصفوه إلا على وجه السلب، وقد علمنا أن قول القائل: زيد ليس بجاهل، يفيد ما يفيده قولنا: زيد عالم؟ فالجواب: أن القول المنفي لا يوجب حكمًا غير حكم النفي، وليس يحصل منه

стр. 293

تشبيه، ولا تمثيل يقع بهما قياس كما يحصل من الإيجاب، ألا ترى أنك إذا قلت: زيد غير قائم، وعمرو غير قائم، فقد نفيت عنهما جميعًا القيام ولم توجب لهما اجتماعًا في معنى آخر؛ لأنه قد يجوز أن يكون أحدهما قاعدًا والآخر نائمًا ومضطجعًا، وكلاهما غير قائم، وكذلك أنا إذا نفينا عن نفسين البياض لم نوجب لهما اجتماعًا في لون آخر من حمرة، أو صفرة، أو سواد، أو غير ذلك، وكذلك لو شهد شاهدان عند حاكم بأن زيدًا لم يبع ضيعته من عمرو، لم يكن ذلك موجبًا أن عمرًا لا يملكها؛ لأن للملك وجوهًا كثيرة غير البيع، فليس في شهادتهما أكثر من نفي البيع، وهذا أمر متفق عليه في الأضداد التي بينها وسائط، فأما الأضداد التي ليس بينها وسائط، ففيها خلاف فقوم يرون أن القائل إذا قال: في الدار رجلان أحدهما ليس بحي، فقد أوجب أن الآخر حي، وقوم يرون أنه لم يوجب أكثر من موت الذي نفى عنه الحياة فقط، وكذلك إذا قال: أحدهما حي، فقد أوجب الموت للآخر عند من رأى الرأي الأول، وليس فيه إيجاب موت الآخر على رأي من رأى الرأي الثاني، ولا حاجة بنا إلى ذكر ما احتج به كل واحد من الفريقين في هذا الموضع؛ لأن ذلك ليس مما قصدناه، وإنما قصدنا ههنا شرح معنى قولهم: إن صفات الباري، ﷻ ، لا تصح حتى يقرن بها حرف السلب//.

стр. 294

باب ذكر الشبهة التي اغتر بها من زعم أن صفات الله [تعالى عن قولهم] محدثة، جل عن ذلك: اعلم- عصمنا الله- وإياك من الضلالة، وأرانا سبل العالم والجهالة: الذي دعا هؤلاء القوم إلى هذا الاعتقاد الخبيث أنهم رأوا أن إثبات الصفات لا يصح إلا على وجهين: أحدهما: العقل والنظر، والآخر: السمع والبصر، ولا طريق إلى إثباتها إلا من هذين الوجهين [بوجود المحدثات]، وإنما يصح كل واحد من هذين الوجهين لوجود المحدثات، فلما كان البارئ- تعالى- في القدم قبل حدوث الأشياء منفردًا بالوجود، ولم يكن هناك موجود يستدل عليه بآثاره ومصنوعاته، ويخاطبه هو- تعالى- بمشروعاته، لم يكن حينئذ موصوفًا بصفة القدم كالمخاطبين والمعتبرين، فلما أحدث الموجودات وقع حينئذ الاستدلال به ومخاطبته للبشر بأنه حي، وبأنه عالم، وبأنه قادر، ونحو

стр. 295

ذلك، يوصف حينئذ بالصفات، ووصف نفسه هو بها، فصارت الصفات محدثة بحدوث الموجودات. ومن لا يقر بالنبوات ولا يعترف بأن الله بعث بشرًا، فالصفات على رأيه أمور أحدثها المخلقون، ثم استدلوا عليه بآثار مصنوعاته، واشتقوا له من أفعاله، وما تقرر في نفوسهم من معرفة صفات وصفوه بها، فيقال لمن قال، هذا القول الفاسد: هذا الذي قلتموه [من معرفة أنه صفات وصفوه بها]، لا يبطل أن يكون موصوفًا بالصفات النفسانية في الأزل، فيكون عالمًا، قادرًا، موجودًا، وإن لم يكن هناك مخلوق يستدل أو يخاطب، وليس من جهة الشرط في الصفات النفسانية إلا تثبت لموصوفها حتى يوجد من يصفه بها المخاطب بصحتها، وإنما حدث العلم للعلماء من الخلق باعتبارهم بمخاطبة الله تعالى إياهم، بعد أن كانوا جهالاً بالصفات

стр. 296

وأما الصفات نفسها فثابته له- تعالى- لا يبطلها جهل من جهلها، كما لا يثبتها علم من علمها، ويدل على صحة قولنا وبطلان قولهم: أن الكاتب لا يبطل كتابته عدم المكتوب، وكذلك الباني لا يبطل صفته بالبنيان عدم// المبني، ولا يلزم إذا علمنا الشيء أن يكون المعلوم والعلم معًا بالزمان، ولكن العالم قد يعلم الشيء الموجود في وقت علمه، وقد يعلمه بعد مضيه، ويعلم أنه سيكون في الوقت الذي يجب أن يكون فيه. ومن الدليل على فساد ما قالوه أن من صفاته- ما لا يتعلق بالذات [وما لا يتعلق بالشيءٍ]، كقولنا: إنه شيء وإنه موجود وإنه حي، فيجب على هذا الرأي الفاسد أن يكون الباري- تعالى- كان في الأزل قبل خلقه للأشياء غير شيء، وغير موجود وغير حي، وهذا يوجب أنه كان معدومًا، ويلزمهم إن كانت الصفات محدثة مع الأشياء أن يخبرونا من أحدثها له، فإن كان هو الذي أحدثها لنفسه فكيف يجعل نفسه موجودًا من معدوم؟ وشيئًا من ليس بشيء؟ وحيًا من ليس بحي؟ وحقًا من ليس بحق؟ وإن كان غيره أحدثها له لم يخل ذلك الغير أن يكون إلهًا آخر غيره، أو يكون البشر هم الذين أحدثوها له، فإن كان

стр. 297

أحدثها له إله آخر فهو أحق بالعبادة منه، وإن كان أحدثها البشر فكيف يحدثونها له وهو الذي أحدثهم؟ وإن جاز للمعدوم أن يحدث موجودًا فكما الذي ينكر من أن يكون العالم هو الذي أحدث نفسه؟ وكيف يحدث غيره من هو محتاج إلى أن يحدث نفسه؟ وكيف يصح أن يوصف بالأزل من ذاته وصفاته محدثات؟ فإن قال قائل: «فإذا أثبتم له- تعالى- الصفات فهل يقولون: إنها راجعة إلى الذات بنفسها أم إلى معان غير الذات؟ »، ففي هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ترجع إلى معان غير الذات، وهو قول المجسمة، وهذا كفر بحت، نعوذ بالله منهم؛ لأنهم جعلوا الباري- تعالى- حاملاً ومحمولاً وجوهرًا تتعلق به الصفات والأعراض- تعالى الله عن قولهم-. والوجه الثاني: أنها- على اختلافها- ترجع إلى الذات لا إلى معنى غيرها زائد عليها بأنه عالم وأنه علم، وأنه حياة ذات واحدة لا تغاير فيها، وكذلك سائر صفات الذات، وهذا قول كبراء الفلاسفة وزعمائهم، وإليه ذهب الشافعي،

стр. 298

وداود، وجماعة من علماء// المسلمين. وقال قوم: «لا نقول إنها هو ولا إنها غيره»، فاعترض عليهم من قال: «إنها غير زائدة على الذات بأن قالوا: ليس يعقل شيئان ليس أحدهما الآخر ولا هو غيره»، فاعترض عليهم أصحاب هذا القول، وقالوا: من أين استحال إثبات شيئين ليس أحدهما هو الآخر ولا هو غيره؟ فإن قلتم: لأن هذا خلاف المعهود قلنا لكم: فكيف جاز لكم أن يكون العالم هو العلم، والحياة هو الحي، والقادر هو القدرة، وهذا كله خلاف المعهود؟ فإن جاز هذا جاز لنا إثبات شيئين لا يقال: إن أحدهما هو الآخر ولا هو غيره، وإن كان خلاف المعهود؟ قالوا: ونسألكم: هل يجب إذا قام الدليل على صحة شيء إثبات شيء حتى يكون له نظير من المعهود أم لا؟ فإن أوجبتم أنه لا يصح إثبات شيء حتى يكون له نظير من المعهود لزمكم أن يبطل قولكم: إن العلم هو العالم، والحياة هو الحي على ما قدمناه، ولزمكم ألا تثبتوا شيئًا ليس في زمان ولا مكان، ولا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء؛ لأنه كله خلاف المعهود، وإن وجب أن يثبت الشيء إن دل عليه الدليل من غير أن يوجد له نظير

стр. 299

صح قولنا: إن صفات الباري- تعالى وجل- لا يقال: إنها هو ولا يقال: إنها غيره، كما صح وصفه بأشياء يخالف جميعها المعهود، قالوا: إن قال قائل: فمن أين صححتم قولكم وأبطلتم قول خصومكم من المعتزلة: إن الله عالم بلا علم، قادر بلا قدرة، ونحو ذلك، وقد استوى قولكم وقولهم في أنه خلاف المعهود؟ فالجواب: إنا إنما قلنا: إن قولنا هو الصحيح؛ لأن قولنا مبني على أصل صحيح يجوز أن يوصف الله- تعالى- به، وقولهم مبني على أصل فاسد، وهو أن صفات الله تعالى محدثة، وهو أمر يبطله الشرع والعقل، وأيضًا فإن نصوص الشرع تصحح قولنا وتبطل قولهم، فإن الله- تعالى- قد أثبت لنفسه علمًا في نص القرآن، وتواترت الأخبار عن النبي- ﷺ بأن له قدرة وإرادة ونحو ذلك، مما لا تقدر المعتزلة على دفعه، وإنما في قولنا شبهة عرضت وقفنا عندها؛ فإذا صح الأصل لم تزل الشبهة تعرض في الـ[تفريع، وأما قولهم ففاسد الأصل والتفريع معًا]. // وأما صفات الأفعال كخالق، ورازق، فالقول فيها: إن الباري- تعالى- لم يزل موصوفًا بها؛ لأنه يستحيل أن يكون الباري- تعالى- في الأزل غير خالق وغير رازق، ثم صار كذلك، وإنما المحدثات الخلق والزرق والمخلوق والمرزوق، فإن قيل: هذا يوجب

стр. 300

عليكم تقدم العالم، وأنه لم يزل موجودًا معه، قلنا: لا يوجب ذلك؛ لأن الصفات في اللغة يوصف بها من فعل فيما مضى، ومن يفعل في الحال، ومن هو مريد أن يفعل في المستقبل، فيقال: إنه ضارب عمرو أمس وضارب عمرًا الآن، وضارب عمرًا غدًا، وهذا أشهر في اللغة العربية من أن يحتاج إلى شاهد. الباب السادس في شرح قولهم: إن الباري- تعالى- لا يعلم إلا نفسه هذا القول- عصمنا الله وإياك من الزلل- قد أوهم كثيرًا من الناس أنهم أرادوا به غير عالم بغيره، واستعظم قوم منهم أن يصفوه بهذه الصفة، فزعموا أنه عالم بالكليات غير عالم بالجزئيات، وزعم آخرون أنه عالم بعلم الكليات والجزئيات بعلم كلي، وهذا القول الثالث أقرب أقوالهم إلى الحق، وإن كان فيه موضع للتعقب. وأما القولان الآخران فقد اجتمع فيهما الخطأ الفاحش والجهل بصفات الباري-

стр. 301

جل جلاله- وسوء التأول لكلام القدماء من الفلاسفة، ويجب علينا أولاً أن نبين معنى قول الفلاسفة المتقدمين: إن الباري- تعالى- لا يعلم إلا نفسه، وأنهم لم يريدوا بذلك أنه جاهل بغيره، ونورد من كلامهم ما يدل على براءتهم مما توهمه هؤلاء عليهم، ثم نناقضهم بعد ذلك فيما احتجوا به وبالله التوفيق. (فصل) أما قولهم: إن الباري- تعالى- لا يعلم إلا نفسه فيحتمل أربعة معان يقرب بعضها من بعض: أجدها أن الوجود نوعان: وجود مطلق ووجود مضاف، فالوجود المطلق هو الذي لا يفتقر إلى موجد، ولا هو معلول لعلة هي أقدم منه، والوجود المضاف هو الذي يفتقر إلى موجد يكون علة له، فالوجود المطلق// هو الوجود الذي يوصف به الباري- ﷻ لأنه الموجود المطلق الذي لا علة لوجوده، والوجود المضاف: هو الذي يوصف به سواه من الموجودات؛ لأن وجود كل موجود مقتبس من وجوده، وتابع له، ومتعلق به، حتى إنه لو توهم ارتفاع وجوده- تعالى- لارتفع وجود كل شيء، لأجل هذا شبهوا وجود الأشياء عنه بوجود نور الشمس

стр. 302

عن الشمس؛ لأن الشمس إذا ذهبت ذهب نورها، ولم يريدوا بهذا الكلام تشبيهه بالشمس على الحقيقة؛ لأن الباري- تعالى عن أن يكون له نظير-، وإنما أرادوا بهذا تمثيل افتقار الموجودات إلى وجوده على جهة التقريب من الأفهام، كما قالوا أيضًا: إن وجود الموجودات عنه كوجود الكلام من المتكلم، [لا كـ] وجود الدار من البناء- تعالى-، فلما كان الباري- تعالى هو [المـ] وجود الصحيح الوجود، كان وجود غيره لاحقًا بوجوده وتابعًا له، ولم يكن في الوجود إلا هو في مصنوعاته صار الوجود من هذه الجهة كأنه موجود واحد، والمعلوم كأنه معلوم واحد، وصار إذا علم نفسه فقد علم كل وجود تابع لوجوده. والمعنى الثاني: أن المعقول تتميم للعاقل وتتميم للجوهر، ولولا ذلك ما احتاج إلى أن يعقل غيره، وليس في [كثرة] معقولات العاقل دليل على فضله، بل فيها دلالة على شدة نقصه على قدر كمال الشيء في جوهره

стр. 303

تقل معقولاته، وعلى قدر نقصه تكثر معقولاته، ولأجل هذا صار النقص لازمًا لكل موجود دون الباري- تعالى-[لأنها كلها لا تنال الفضيلة والكمال إلا بعقلها الباري- ﷻ فأقربها] [منه] أكملها وأقلها نقصًا، لأنه لا يحتاج في كمال جوهره إلى أكثر من عقله العلة الأولى، وكلما انحطت مراتب الموجودات كثر نقصها واحتاج كل واحد منها في كمال جوهره إلى أن يعقل كل موجود قبله مع عقله العلة الأولى، ولا يمكنه عقل العلة حتى يعقل الوسائط التي بينه وبينها، فلما كان الباري- تعالى- هو نهاية الكمال كان غنيًا عن أن يعقل غيره، // وإذا كان عقل نفسه فقد عقل سواه. والمعنى الثالث: قد ذكرناه في باب شرح قولهم: إن الأعداد دوائر وهمية عند شرح قول أرسطو: إن الباري- تعالى- علة الأشياء على أنه فاعل لها، وعلى أنه غاية لها، وعلى أنه صورة لها، وذكرنا أنه لم يرد الصورة التي هي شكل وتخطيط، ولا الصورة التي هي النوع؛ لأنه لا يوصف بالصورة، وقلنا: إن معنى ذلك أن وجود غيره لما كان مقتبسًا من وجوده صار من هذه الجهة كأنه صورة للموجودات إذ كانت إنما توجد بوجوده كما يوجد المصور بصورته، وصار وجوده كالجنس الذي يجمع الأنواع والأشخاص، وإن كان الباري تعالى يتنزه عن أن يوصف بجنس أو نوع أو شخص

стр. 304

ولكنه تمثيل وتقريب لا حقيقة، فيصير المعلوم أيضا من هذه الجهة أيضًا واحدًا. والمعنى الرابع: أن الإنسان لا يعلم الأشياء بذاته وجوهره، ولو علمها بذلك لكانت ذاته عالمة أبدًا، ولم يحتج إلى اكتساب العلم، وإنما يعلم الأشياء بأمور زائدة على ذاته يتخذها آلات يتوصل بها إلى نيل معقولاته وهي الحواس الخمس، والمعقولات الأول التي يجدها مركوزة في نفسه ولا يدري من أين حصلت له، فهذين الصنفين من الآلات يتوصل إلى اكتساب المعارف التي يتجوهر بها ويحصل له عقل مستفاد، والباري- تعالى- لا يوصف بأنه يعلم الأشياء بهذه الصفة- جل عن ذلك- وإذا استحال أن يعلم الأشياء على هذا السبيل صح أن علمه ذاتي ليس باكتساب، وإذا استحال أن يوصف بأن علمه شيء زائد على ذاته كانت ذاته هي العلم بعينه، وإذا لم يصح أن يوصف بأنه مفتقر إلى غيره بل كل شيء مفتقر إليه صح أن العالم والعلم والمعلوم منه شيء واحد، بخلاف ما نعقله من أنفسنا، وإذا ثبت هذا بالدلائل التي يظهر إليها صار إذا علم نفسه فقد علم كل شيء. (فصل) ومما يدل على اعتقاد كبراء الفلاسفة وجلتهم أن الباري- تعالى- عالم//

стр. 305

بكل شيء، لا يغيب عنه مقدار الذرة وما هو ألطف منها، وأنه عالم بضمائر النفوس ووساوس الصدور، مع قولهم إنه لا يعرف إلا نفسه، قولهم إن الباري- تعالى- موجود مع كل شيء يريدون أن الوحدة السارية منه- تعالى- بها حصل لكل موجود ذات ينفصل بها عن ذات أخرى وبها يهوي كل منهو فكيف يتوهم على من يعتقد هذا أن يقول: إن الباري- تعالى- يجهل شيئًا أو يغيب عنه شيء؟ وهذا إثبات الشيء ونقيضه معًا. ومن ذلك قولهم: إن الباري- تعالى- عقل متجرد عن المادة بخلاف ما يوصف من أنه عقل إذا كان لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، إذا كان عندهم عقلاً متجردًا من المادة لم يخف عنه شيء؛ لأن المانع لنا من إدراك الأشياء إنما هو المادة. ومن ذلك قولهم: إن العاقل والعقل والمعقول منه شيء واحد، وكذلك العالم والعلم والمعلوم شيء واحد، فذاته- عندهم- عقل وعلم، فكيف يتوهم على من ذاته عقل وعلم أنه يغيب عنه شيء. ومن ذلك قولهم: إن الغرض في العلم القرب من الله- تعالى- في الصفات، وقولهم في حد الفلسفة: «إن معناها التشبه بالله- تعالى-» بمقدار طاقة الإنسان، فصح بهذا أنه- تعالى- العالم على الإطلاق وأن علمه هو العلم على الإطلاق. ومن ذلك قول أفلاطون في كتاب (طيماوس) حين تكلم في العوالم العالية

стр. 306

فذكر فضلها ثم قال: «وهذا ليس لنا في عالمنا هذا، بل لو عسى أنا في العوالم العالية إذا نحن تهذبنا فجزنا الأفلاك السبعة وحركاتها بتطلعنا، وجزنا عالم النفس بتهذيبنا حتى نحل في عالم العقل الذي لا تخفى عليه خافية، ولا تحوزه صورة، وليس فيه زمان ولا مكان ولا حركة ولا كيفية ولا هيولى، بل الأشياء فيه حقائق مجردة مكشوفة، ليس فيه قوة بل الصورة فيه ثابتة راجعة على نفسها وغيرها لما فيه من مطالعة الباري لها». وقال في موضع آخر: «وهو ينفي عن نفسه أن يتوهم عليه القول بأزلية العالم وإنما نريد// بقولنا إن العالم لم يزل أن العوالم قد كانت مصورات عند الباري- متمثلات بالقوة قبل كونها، وذلك أن الباري- تعالى- لم يزل متطلعًا إليها ناظرًا، إلى ذاته عارفًا بوحدانيته، فترداده على ذاته بالمعرفة هو عالم العقل المطابق له فيه الصور محضة»، وهذا الكلام- وإن كان فيه ما يحتاج إلى التعقب- فقد صح منه أن مذهبه أن الباري- ﷻ عالم بالأشياء قبل كونها بخلاف ما يتوهم عليه. ومما يدل على ذلك أيضًا من مذهبه قوله في النواميس: «ما من شيء أعون على صلاح أمر كل واحد من الناس وأمر جماعتهم من أن يعلموا ويعتقدوا ثلاثة

стр. 307

آراء ولا أضر من أن يجهلوها ويعتقدوا خلافها: أحدها: أن يعلموا أن للأشياء صانعًا، والثاني: أن يعلموا أنه لا يغفل شيئًا ولا يفوته شيء، بل كل الأشياء تحت علمه وتحت عنايته وتدبيره، والثالث: لا يرضيه ولا يقبل من أحد أن يخطئ خطيئه يتعمدها على أن يقيم بإزائها قربانًا إليه فيغفر له، بل إنما يقبل قربانه إذا عمل عملاً صالحًا»، ثم قال: «وهذه معان إنما معدنها وموضع تعلمها من علم الأمور الإلهية، وهو يسمى باليونانية (ناولينا). ومما يدل على ذلك من مذاهبهم اعتقادهم وتصريحهم بأن العالم إنسان كبير، كما أن الإنسان عالم صغير، فكما أن المحسوسات تصل إلى النفس الجزئية بتوسط الحواس الجسمانية بلا زمان فتنطبع صورها في العقل الجزئي الهيولاني فكذلك في العالم الذي هو الإنسان الكبير أشياء هي بمنزلة الحواس للنفس الكلية التي هي نفس الإنسان الأكبر، يتصل بها من قبلها أحوال العالم بلا زمان، وإذا اتصلت بالنفس الكلية اتصلت بالعقل الكلي كاتصالها بالعقل الجزئي، وإذا اتصلت بالعقل الكلي اتصلت بالباري- جل وتعالى- لأن العقل الكلي لا واسطة بينه وبين الله- تعالى فهذه جمل من كلامهم تدل من تأملها على براءتهم من سوء تأويل من نسب إليهم القول بأن الباري لا يعلم الأشياء ولا يعلم إلا نفسه. (فصل) وقد احتج من زعم أن الله- تعالى- لا يعلم الأشياء [بأن قال: «إنما

стр. 308

استحال] أن يوصف بأنه يعلم// الأشياء؛ لأن العلم بالأشياء يحتاج فيه إلى إدراك الحواس وتقديم المقدمات التي بها يتوصل إلى معرفة الكليات من الجزئيات، وفيه كمال العالم، ويحتاج فيه إلى تصور وتخيل، والباري -سبحانه- جل عن أن يوصف بأنه يتصور شيئًا أو يتخيله، أو أنه ذو حواس يتوصل بها إلى معرفة شيء أو يحتاج إلى مقدمات، وأن غيره يفيده كمالاً في ذاته، بل هو مفيد الكمال لكل كامل على مقدار مرتبته، وهو غني عن غيره، وغيره مفتقر إليه، ففي وصفنا له بأنه يعلم غيره نقص له لا كمال». جوابنا عن هذا هو أن نقول لهم: هل تزعمون أن الباري- تعالى- يشبه البشر في ذاته وصفاته، أم هو مخالف لهم؟ فإن زعموا أنه مشبه لهم بالذات والصفات أو في بعض ذلك لزم أن يلحقه من النقص ما يلحق البشر، وأن يلزمه من الحدوث ما يلزم سائر الأشياء، وإن قالوا إنه مخالف للبشر لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، قلنا لهم: من أين قستم علمه على علمكم وأوجبتم أنه إن كان عالمًا لزم أن يعلم باستنباط ومقدمات، واحتاج إلى حواس؟ وما تنكرون من أن يكون يعلم الأشياء بنوع آخر من العلم لا يكيف ولا يشبه علم البشر، وما الذي تبطلون به؟ هذا فإن قالوا: لا يعقل علم إلا بهذه الطرق لزمهم تشبيه الباري- تعالى- بمخلوقاته، وقلنا لهم: من أين زعمتم أنه عالم وأنه علم وأنه معلوم شيء واحد لا تغاير فيه؟ وكذلك أنه عاقل وأنه عقل وأنه معقول شيء واحد من صفاته، وهذا أمر غير معقول فيما نعهده من

стр. 309

أنفسنا؟ ويقال لهم كذلك: لا نعقل موجودًا إلا أن يكون جوهرا حاملاً للأعراض أو عرضًا محمولاً في جوهر فاحكموا على الباري- تعالى وجل- أنه جوهر من جنس الجواهر المعقولة ولا فرق. ويقال لمن زعم منهم أنه يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات: من أين فرقتم بين الأمرين؟ فإن قالوا لأن الجزيئات تدخل تحت الزمان وتتغير بتغيره، ويحتاج في معرفتها إلى الحواس الخمس، والكليات التي هي الأنواع والأجناس لا تدخل تحت الزمان ولا تتغير بتغيره، ولا يحتاج في معرفتها// إلى الحواس الخمس. وجوابنا عن هذا أن نقول: ألستم تعلمون أن الإنسان إنما يعلم الكليات بمشاهدة الجزئيات الواقعة تحت الزمان والاستدلال عليها بالمقدمات الغريزيات؟ فهل تزعمون أن الله- تعالى- يدرك الكليات بهذا السبيل؟ فإن قالوا نعم شبهوه بالبشر، وقلنا لهم: إذا جاز عندكم أن يشبه البشر في علم الكليات فما الذي يمنعه أن يشبههم في علم الجزيئات؟ وإن قالوا لا يجوز أن يعلم الكليات على نحو ما يعلمها البشر وإنما يعملها بنوع آخر من العلم لا يكيف ولا يشبه علم البشر، قلنا: فما المانع أن يعلم الجزيئات بهذا العلم ولا فرق. وعمدة هذا الباب وغيره من الكلام في صفات الله- تعالى- أن تجعل أصلك أن الباري- سبحانه- لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، وتجتهد في أن تعلم هذه الجملة

стр. 310

بالبراهين الواضحة، فإذا تقررت في نفسك سقطت عنك هذه الوساوس كلها؛ لأن الذين غلطوا في هذه المعاني إنما عرض لهم الغلط لأنهم يقيسون الله- تعالى- بالبشر، ويشبهون صفاته بصفاتهم. وقد أثبتت شريعتنا الحنيفية التي شرفنا الله- تعالى- بها أن الله عالم بكبير الأشياء وصغيرها، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، وهذه صفات الكمال التي تليق بالله- تعالى- لا ما زعمه هؤلاء المبطلون، وقد ذكرنا من كلام الفلاسفة المتقدمين ما يطابق هذا الذي ورد به شرعنا وقد قلت في ذلك: (يا واصفًا ربه بجهل ... لم تقدر الله حق قدره) (كيف يفوت الإله علم ... بسر مخلوقه وجهره؟ ) (وهو محيط بكل شيء ... وكلها كائن بأمره)

стр. 311

الباب السابع (في إقامة البراهين على أن النفس الناطقة حية بعد مفارقة الجسد) النفوس ثلاثة: نباتية، وحيوانية، وناطقة، فأما النفس النباتية والنفس الحيوانية فلا نعلم خلافًا في عدمها بعد الجسم، وإنما وقع الخلاف في النفس// الناطقة، وهي العاقلة المميزة، فزعم قوم أنها تعدم عند فراقها الجسم كعدم النباتية والحيوانية، وقال قوم: إنها باقية حية لا عدم لها، وهو مذهب سقراط، وأرسطو، وأفلاطون، وسائر زعماء الفلاسفة، وعلى ذلك تدل الشرائع كلها، وأنا أذكر جملة من البراهين الفلسفية على بقائها؛ لأن الشرعية لا تليق بهذا الموضع وبالله التوفيق. برهان أول: ميل الإنسان إلى الشهوات الطبيعية، وانغماره في اللذات الجسدية يمنعه من تصور الحقائق وقبول المعارف، ويكسب ذهنه بلادة، وإقلاله من ذلك يفيد ذهنه حدة، ويعينه على قبول المعارف وتصور الحقائق، فدل ذلك على أن المادة الطبيعية آفة النفس الناطقة، وأنها كلما انسلخت منها كانت أكثر تمييزًا وأصح معرفة، وينتج من هذه المقدمات أن تكون عند الموت أصح تمييزًا وأبصر للحقائق، لانسلاخها من جميع المادة، ولا يكون التمييز والتصور إلا لحي، فالنفس إذًا حية بعد موت الجسم، وقد وافق هذا البرهان الفلسفي من نصوص شرعنا قول الله- تعالى-: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وقول نبينا- ﵇: «الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا».

стр. 312

برهان ثان: كل موجود بالفعل من الأشياء الطبيعية، فقد كان موجودًا بالقوة، وكل ما كان موجودًا بالقوة ثم وجد بالفعل فمخرجه إلى الوجود شيء آخر هو موجود بالفعل؛ كالماء الذي هو بارد بالقوة ويخرجه إلى الحرارة بالفعل النار التي هي حارة بالفعل، وهذا اضطرار إذ لا يصح أن يوجد الشيء نفسه، ولا يصح أيضًا أن يخرجه من الوجود بالقرة إلى الوجود بالفعل ما هو موجود بالقوة، لأنهما قد تساويا في العدم، وكل واحد منهما مفتقر إلى موجود، وإذا استحال الأمران صح أن مخرج الشيء من القوة إلى الفعل لا يكون إلا غيره، إلا موجود بالفعل، وإذا ثبت هذا قلنا: إن بعض الأجسام حي بالقوة [لم يصر حيًا بالفعل فمخرجه إلى الحياة] // جوهر آخر غيره حي بالفعل، والجسم أيضًا إنما يصير حيًا بمقارنة النفس له، فالنفس إذًا حية بالفعل، ومن هو حي بالفعل لا يعدم الحياة، فالنفس- إذًا- لا تعدم الحياة. برهان ثالث: نفوسنا الناطقة إنما تفتقر إلى الحواس الجسدية مادامت عارية من الصور العقلية، فإذا حصلت فيها صورة من الصور العقلية لم تحتج إلى استعمال الحاسة التي كانت تتوصل بها إليها، فدل ذلك على أن للنفس استقلالاً بذاتها تستغني به عن الجسم، وأن أعضاء الجسم إنما هي آلات تلتقط بها معارفها، فأنتج من ذلك أن النفس الناطقة إذا تجوهرت بالمعارف، وحصل لها العقل المستفاد، لم تحتج إلى التعلق بالجسم.

стр. 313

برهان رابع: نفوسنا تجد الأشياء الهيولانية مصورة في ذاتها عند مغيب الأشياء المصورة عن حواسنا، وكذلك نرى الأشياء في حال نومنا، وما تراه نفوسنا من ذلك في حالتي اليقظة والنوم إنما هي صورة مجردة من هيولاتها، فثبت بذلك أن الصور لها وجودان: وجود في الهيولى، ووجود خلق من الهيولى، ولولا ذلك لم يستنكر وجود الإنسان بعد الموت صورة مجردة من الهيولى، ولم يمنع من ذلك مانع. برهان خامس: تجد الإنسان بالمشاهدة يبدأ طفلاً لا يعلم شيئًا، ثم لا يزال كلما نشأ يترقى في المعارف وتكثر المعقولات في نفسه، حتى يصير فيلسوفًا حكيمًا، فلا يخلو ما يستفيد من التمييز والمعرفة أن يكون من قبل جسمه فقط، أو من قبل نفسه فقط، أو من قبلهما معًا، فإن كان من قبل جسمه فيجب أن يكون الإنسان كلما ضخم جسمه وكثرت مادته كان أقعد بقبول المعارف، وكلما ضؤل وقلت مادته كان أبعد عن قبول المعارف، ونحن نجد الأمر بعكس ذلك؛ لأنا نرى من به السلال والذبول ينقص جسمه كل يوم، وذهنه باق على كماله إلى أن تفارقه النفس، فبطل بهذا الدليل [أن يكون ذلك من قبل جسمه، وبنحو هذا الدليل يبطل أن] يكون من قبل نفسه// وجسمه معًا، فإذن ما يستفيده الإنسان من

стр. 314

التمييز والمعارف [إنما هو من النفس فقط، ولاحظ في ذلك للجسم أكثر من أنه آلة لها بمنزلة الآلات للصناعة، ولا يصح وجود التمييز والمعارف] من موات، وإنما يصح وجودهما من حي فالنفس إذن حية بالطبع؛ لأن في طبيعتها قبول العلوم والمعارف، والجسم موات بالطبع، إذ ليس في طبعه قبول شيء من ذلك فبان بالبرهان أن الإنسان مركب من جوهرين: أحدهما: حي بالطبع وهو النفس والآخر موات بالطبع وهو الجسم، وأنهما لما افترقا عرض لكل واحد منهما عرض من قبل صاحبه، [فعرض للجسم الحياة التي هي الحس من قبل النفس، وعرض للنفس الموت الذي يراد به الجهل من قبل الجسم]. فالنفس- إذًا- حية بالطبع ميتة بالعرض، والجسم ميت بالطبع حي بالعرض، فإذا انفصل كل واحد منهما من صاحبه خلص للجسم الموت المحض الذي هو طبعه، وفارقته الحياة العرضية التي كان استفادها من النفس، وخلص للنفس الحياة المحضة التي هي طبعها، وفارقها الموت العرضي الذي كان عرضًا لها من قبل استغراقها في الجسم. برهان سادس: النفس الناطقة تناقض النفس الحيوانية؛ لأنها ترغب في كسب الفضائل واطراح الرذائل، وتزهد في اللذات الجسدية وترغب في اللذات العقلية، والنفس الحيوانية بضد ذلك، ولذلك سميت بهيمية، فإن كان لا بقاء للنفس الناطقة بعد فراق الجسد ولا لها حياة أخرى تجني فيها ثمرة ما تسعى فيه وتحض عليه، فالنفس الحيوانية [إذًا أشرف من الناطقة، وما تأمر به النفس الحيوانية] من

стр. 315

استغراقها في الشهوات هو الصواب والعقل، وما تأمر به النفس الناطقة هو الخطأ والجهل، وهذا قلب للمعقول وعكس لما تقتضيه الحكمة. برهان سابع: كل شيء مركب من بسائط فإنه ينحل إلى بسائط، والإنسان مركب من سببين: روحاني وجسماني، ونحن نرى الإنسان إذا مات لحق جسمه بجسماني مثله، فكذلك روحانيته يجب أن تلحق بروحاني مثلها، وقد صح- بما قدمناه في البراهين السالفة- أن ذلك الروحاني هو الذي يفيد جسمه الحياة، وأنه حي بالفعل، فهو- إذن- حي بعد مفارقة الجسم لا يعدم الحياة. برهان ثامن:// معنى الحياة الجسدية عند مقارنة النفس للجسم واستعمالها إياه، ومعنى الموت: مفارقة النفس إياه وتركها استعماله. وقال من زعم أن النفس هالكة بهلاك الجسم: «معنى الحياة أن تكون النفس ذات حس، ومعنى الموت أن تعدم الحس»، فنسألهم عن الحس الموجود للنفس طول مقاربتها للجسم، هل هو ذاتي لها أو عرضي فيها؟ فإن كان ذاتيًا لها بطل أن تعدم الحس بعد مفارقتها للجسم، وإن كان عرضيًا فيها فلا يخلو من أن تكون استفادته من الجسم أو من جوهر آخر مصاحب له، فإن كان الجسم هو الذي يفيدها الحس وجب ألا يعدم الجسم الحس إذا فارقته النفس، وهذا خلاف ما نشاهد

стр. 316

من حالها وحال جسمها، وإن كانت النفس إنما تستفيد الحس من جوهر آخر روحاني متصل بها وجب أن نسألهم عن ذلك الجوهر الآخر: هل هو حساس بذاته أم بجوهر آخر أيضًا؟ ويستمر ذلك إلى ما لا نهاية له، وما لا نهاية له بالعقل محال، فثبت أن النفس حساسة بذاتها وجوهرها، وما كان حساسًا بذاته وجوهره بطل أن يعدم الحياة فالنفس- إذن- حية بعد فراق الجسم، وقد استدل الحكماء على بقاء النفس الناطقة بأدلة كثيرة غير هذه، وفيما ذكرناه منها مقنع، وبالله التوفيق، كملت المسألة الفلسفية والحمد لله كثيرًا.

стр. 317

الرسالة الثامنة عشرة: في تحقيق تصحيح عطف جملة التصليه على جملة الحمد له

стр. 318

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ صلى الله على النبي محمد وكرم وآله وسلم قال الفقيه الأستاذ أبو محمد عبد الله بن السيد البطليوسي- ﵀: سألتني- قرر الله لديك الحق ومكنه، وجعلك من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه- عن قول الكتاب في صدور كتبهم: بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على محمد، وذكرت أن قومًا من نحويي زماننا [هذا] ينكرون عطف الصلاة على البسملة فكنت أخبرت بذلك قديمًا// فحسبت أنهم إنما يتعلقون في إنكاره [في] أنه أمر لم ترد فيه سنة مأثورة، وأنه شيء أحدثه الكتاب، حتى أخبرني مخبرون أنه فاسد عندهم في الإعراب، وليسوا ينكرونه من أجل أنه [شيء] محدث عند الكتاب، وأخبروني أن الصواب- عندهم- إسقاط الواو، ورأيت ذلك أيضًا في رسائل بعضهم، ورأيت بعضهم يكتب في صدور كتبه: بسم الله الرحمن الرحيم، والصلوت على نبيه الكريم، وقد تأملت

стр. 319

الأمر الذي حملهم على إنكاره فلم أجد شيئًا يمكن أن يتعلقوا به إلا أمرين: أحدهما: أن المعطوف حكمه أن يكون موافقًا للمعطوف عليه وهاتان جملتان قد اختلفتا، فتوهموا من أجل اختلافهما أنه لا يصح عطف إحداهما على الأخرى. والثاني: أن قولنا: «بسم الله الرحمن الرحيم» جملة خبرية، وقولنا: وصلى الله على محمد جملة معناها الدعاء، فلما اختلفتا فكانت الأولى إخبارًا وكانت الثانية دعاء، وكان من شأن واو العطف أن تشرك الثاني مع الأول لفظًا ومعنى لم يصح عندهم عطف هاتين الجملتين بعضهما على بعض لاختلافهما لفظًا ومعنى، فإن كانت العلة التي حملتهم على إنكار ذلك اختلاف إعراب الجملتين فإن ذلك غير صحيح، بل هو دليل على قلة نظر قائله؛ لأن تشاكل الإعراب في العطف إنما يراعى في الأسماء المفردة المعربة خاصة، وأما عطف الجمل على الجمل فإنه نوعان: أحدهما: أن تكون الجملتان متشاكلتين في الإعراب، كقولنا: إن زيدًا قائم وعمرًا خارج، وكان زيد قائمًا وعمرو خارجًا، فتعطف الاسم على الاسم والخبر على الخبر، والنوع الثاني لا يراعى فيه التشاكل في الإعراب، كقولنا: قام زيد ومحمدًا أكرمته، ومررت بعبد الله وأما خالد فلم ألقه، وفي هذا أبواب قد نص عليها سيبويه وجميع البصريين والكوفيين، لا أعلم بينهم خلافًا في ذلك، وذلك كثير في القرآن

стр. 320

والكلام منثوره والمنظوم، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وكقول خرنق: (النازلين [بكل معترك ... والطيبين معاقد الأرز] // وقد ذكر ذلك في الموضوعات المختصرات في النحو، كـ (الجمل و [الكافي] لابن النحاس وغيرهما. وإن كانوا أنكروا ذلك من أجل أن قولنا: بسم الله الرحمن الرحيم جملة خبرية، وقولنا: صلى الله على محمد جملة معناها الدعاء، فاستحال عندهم عطف الدعاء على الخبر، لا سيما ومن خاصة الواو أن تعطف ما بعدها على ما قبلها لفظًا ومعنى،
следующие страницы →