وربما كان معها زيادة أخرى نحو قولهم إمليس وأملود (١) وهاتان الهمزتان الزائدتان للقطع والوصل دخلتا على الأسماء والأفعال والحروف
فأما الف القطع فإنها دخلت على الأسماء الموضوعة أكثر من دخولها على الأسماء الجارية على الفعل إذ كانت لا توجد في اسم الفاعل وإنما توجد في ضرب واحد من المصادر وهو مصدر افعل مثل الإكرام والإحسان وأما الأفعال فإنها دخلت فيها إذا أراد المخبر أن يخبر عن نفسه وعم بذلك جميع أصناف الفعل ثلاثية ورباعية وما كان منه بزيادة أو متعريا من الزيادة (٢) ودخلت في الحروف في مثل إن الخفيفة التي تجزم وأن التي تنصب الفعل وغيرهما من الحروف
وأما همزة الوصل فدخلت على صنوف الكلام الثلاثة فأما الأسماء فكان دخولها في المصادر منها كثيرًا وذلك أنها لحقت ثلاثة أصناف من المصادر فالصنف الأول مصدر ما أصله ثلاثة وهو ثمانية أبنيةٍ إلا أنه مزيد
стр. 107
فيه وذلك انفعل وافتعل واستفعل وافعو على وافعول وافعنلى وافعل وافعال وتاسع ملحق وهو افعنلل وافعنلى ملحق أيضًا والصنف الثاني ما كان من بنات الأربعة وهو بما آن افعلل مثل اقشعر وافعنلل مثل احر نجم والصنف الثالث همزة وصل تلحق مصدر تفاعلت وتفعلت وتفعللت (١) وما زيدت فيه هذه التاء وبعدها حرف يصلح أن يدعم فيه فتقول تدحرج تدحرجا وتطير تطيرًا وتثاقل تثاقلاً فإذا ادغمت هذه التاء فييما بعدها لحقت همزة الوصل ضرورة وفي الكتاب الزيز قالوا اطيرنا بك وبمن معك وقوله اثاقلتم إلى
стр. 108
الأرض فإنما الأصل تطيرنا وتثاقلتم فإذا اردت أن تنطق بمصدر اطيرنا وبابه فلك فيه وجهان أحدهما أن تجيء به على لفظ التطير فتقول اطير إطيرًا واثاقل اثاقلاً وكذلك حكي عن العرب أنها تقول اطوفت بالبيت اطوفًا (١) واثاقلت اثاقلاً والآخر أن تنبيه على التفعال لأن من العرب من يقول:
تطيرت تطيارًا أو تفرق القوم تفر اقا وعلى هذا يروى بيت تأبط شرًا: (٢)
طيف ابنة الحر اذ كنا نواصلها
ثم اجتنبت بها بعد التفراق
وقال أبو زبيد الطائي: (٣)
فثار الزاجرون فزاد منهم … تقرابًا وصادفه ضبيس
فتقول على هذا في مصدر اطير واثاقل اطيار واثيقال وإن كان
стр. 109
اثاقلت ليس على وزن اطيرت ولكنهما يتساويان في المصادر ووزن اثيقال انفيعال (١) ووزن اطيار اتفعال وأما الافعال فإن ألف الوصل كثرت فيهن لأنها دخلت في الأمر بالثلاثية وفي أفعال هذه المصادر التي تقدم ذكرها وأما الحروف فإن الف الوصل لحقت لام التعريف لا غير فقالوا الرجل والأحمر وإذا تحرك ما بعد الف الوصل فسقوطها هو الوجه إلا أنهم قالوا إذا القوا حركة الهمزة على لام التعريف الحمر فاثبتوا لما كانت الحركة ليست أصلا وإنما هي منقولة من حرف إلى حرف وقد قال بعضهم لحمر فحذفوا الهمزتين همزة الوصل وهمزة القطع (٢) وعلى هذا تجمل قراءة أبي عمرو عادًا لولى إنما هي الأولى فلما حركت اللام بحركة
стр. 110
الهمزة سقطت همزة الوصل وقوله قالوا الآن جئت بالحق وما كان مثله يجوز فيه قالوا أن بإظهار الواو (١) وقالوا لأن بحذفها فمن البتها كانت حجته إنها حذفت لالتقاء الساكنين فلما تحرك الساكن الذي حذفت للقائه وجب أن تثبت ومن حذفها فحجته أن الكلام بقي على حاله من قبل نقل حركة الهمزة إلى اللام ومن هذا الباب بيت أنشده الرماني: (٢)
وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة … فبح لأن منها بالذي أنت بائح (٣)
وقرأ بعض الإعراب هياك نعبد فهذا أبدل الهاء من الهمزة كما قالوا أما والله وهما والله وهرقت الماء وأرقت (٤) وأنشد
стр. 111
الكسائي في كتابه في القرآن. (١)
وأتت صواحبها فقلن هذا الذي … منح المودة المودة غيرنا وجفانا
يريد أذا الذي فجعل همزة الاستفهام هاء وأحكام هياك في الاشتقاق والهمز مثل أحكام إياك لأن الهاء مبدلة من الهمزة إلا أن من قال في إيا هي افعل لزمه أن يقول إذا ابدل الهمزة وزنها هفعل لأن النحويين يمثلون حروف الزوائد على جهاتها فيقولون وزن عثمان فعلان فيزيدون الألف والنون لأنهما زائدتان في عثمان وهفعل بناء مستنكر وقد ادعى بعض الناس أن قولهم في صفة الكلب هبلع (٢) على وزن هفعل وأنه مشتق من البلع وليس يثبت مثل هذا
ولو زعم زاعم أن هياك بناء آخر وأن الهاء غير مبدلة من الهمزة لجاز أن يكون اشتقاقه من الهوى الذي هو هوى النفس ومن الهواء الذي هو
стр. 112
هواء الجو. لأن الفعل من ذلك هوي وهوى فإن بني منه فعلى أو فعلى فإنك تقول هيا وهيا ويجوز أن تكسر الهاء لجوار الياء كما كسرتها في قولك حي بالمكان أي حي فيه (١) ويجوز أن يكون قولهم هويت وهويت مأخوذًا من الهوة فيكون أصله من واوين إلا أنهم كرهوا اجتماعهما إذ كانوا لا يقولون هو وت وثقل عليهم في التثنية أن يقولوا هو وان فقلبوه إلى الياء ولس لقائل أن يقول هياك إذا كانت للمضمر من لفظ هو وهي (٢) لأن ذينك وضعا للمرفوعات وليس تشديد من شددهما
стр. 113
بحجة على هذا القول لأن من العرب من يقال هو وهي فيشدد قال طرفة (١)
وكاين ترى من يلمعى محظرب … وليس له عند العزائم جول
ومن مرثعن في الأمور مواكلٍ … وهو بسمل المعضلات نبيل (٢)
стр. 114
ويروى إذا اشتد الزمان نبيل وبعضهم ينشد بيت (١) طفيل بالتشديد
إذ هي احوى من الربعي حاجبه … والعين بالاثمد الحاري مكحول (٢)
والتخفيف في بيت طفيل أجود وأكثر
ومن ادعى أن اياك جائز أن تكون من وايت وجعلها فعلى مع ذلك فإنه يقول أصلها وئياك فجعلت الهمزة ياء وجعلت الواو المكسورة في أولها همزة لأن العرب يفعلون ذلك كثيرًا فيقولون وسادو إساد ووشاح
стр. 115
واشاح فزعم الجرمي (١) أنه مسموع وزعم المازني (٢) أنه مطرد ولا يفعلون ذلك في غير الواو الأولى لا يقولون في مساور مسائر وفي مخاوف مخائف ومن هذه اللغة قول الهذلي (٣):
стр. 116
فلا وأبيك لا ينجو نجائي … غداة لقيتهم بعض الرجال
هواء مثل بعلك مستميت … على ما في اعائك كالخيال
يريد وعائك فقلب فتكون الهاء في هياك بدلاً من الهمزة والهمزة بدلاً من الواو ومن زعم أنها فعلى من الو أى فإنه يحدث حادثين قبل تصيير الواو الأولى همزةً لأنه يخفف الهمزة في وؤيا ثم يكسر وزعم قطرب أن من العرب من يقول أياك فينفخ فإذا صحت هذه اللغة وجب أن يقال أن الأصل الكسر وأنهم فتحوا استثقالاً للكسرة مع الياء كما فعلوا ذلك في ليانٍ مصدر لويته بالدين ليانًا إذا مطلته (١) قال ذو الرمة.
تريدين لياني وأنت ملية … وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا (٢)
ومن زعم بدعواه أن إيا إفعل لم يمكنه أن يجعل أيا بفتح الهمزة أفعل
стр. 117
لأنه توصل إلى الياء في الباب الأول الذي يكون الاشتقاق فيه من أوى أو من الآية بكسر الهمزة ومن بنى أفعل من أوى قال آوى ولو بناه من أبة لقال آيا لأنه يجعل الهمزه الأصلية ألفًا لاجتماع الهمزتين ومن قال إيا من وأى على ما تقدم من الترتيب لم يمكنه مثل ذلك في المفتوح لأنه لو بنى مثل أفعل من وأى قال أو أى فإن جعلت فتحة الهمزة في أيا أصلاً لها فللقائل أن يقول قد وجدناهم إذا بنوا فعلى اسمًا في التأنيث من ذوات الياء يقلبون في الغالب إلى الواو فيقولون الشروى وهو من شربت والتقوى وهو من تقيت (١) فإن كانت أيا فعلى من أويت وجب أن تقول أوى لأن الواو إنما انقلبت في النوع الأول لأجل الياء فالجواب في ذلك أنهم ربما استعملوا الأشياء على أصولها ليدلوا بذلك على حقيقة الاستعمال كما قالوا في اسم الرجل حيوة وضيون (٢) للهر وإنما القياس أن
стр. 118
يقولوا حية وضين ومن هذا الباب القصوى (١) ولو جاء على المطرد لقيل القصيا وقد قالته العرب على الوجهين ويجوز أن تكون أيا جاءت في أصل الوضع مجيء الصفات كما قالوا الريا لأنثى الريان وهو من رويت فالصفة في هذا مخالفة للاسم ويجوز أن تكون إيا بالكسر فعيلاً وترتيبه في الشرح على ما تقدم (٢)
стр. 119
القول في آية وغاية وثاية (١)
للنحويين في آية ثلاثة أقوال الأول قول الخليل وهو أن آية وزنها فعلة بتحريك العين وأصلها ايية فلما قلبت الياء ألفًا لانفتاح ما قبلها وحركتها في نفسها وجب أن تصح الياء التي هي في موضع اللام
فإن قيل فما يمنع أن تكون آية فعلةً أو فعلة لأنا إذا بنينا شيئًا على هذا الوزن لزمنا فيه القلب إذ كان الذي يوجبه حركة المنقلب وانفتاح ما قبله ولو بنينا مثل معدة من باع وقال لقلنا باعة وقالة (٢) وكذلك لو بنينا مثل لبؤة فالالفاظ الثلاثة تستوى في الانقلاب على حال الضم والفتح والكسر قيل لا يمتنع مثل ذلك ولكن الحمل على الأكثر هو القياس لأنا نجد فعلاً في ذوات الياء والواو كثيرًا ومع هذا فإن باب خشبة أشيع في الكلام من باب سبعة ومعدة (٣) ولم تنقلب الياء التي بعد الألف في آية همزة كما انقلبت الياء في سقاءٍ ووشاءٍ (٤) لأنه من سقيت ووشيت
стр. 120
إذ كانت العرب لا تجمع على الحرف الواحد علة العين واللام ولكن يقتصرون على علة أحد الحرفين
ولم يصرفوا الفعل من آية اعني فعل الثلاثة لأنهم لو نطقوا به صاروا إلى ما يستثقلون إذا كانوا لو بنوه مثل باع لزمهم أن يقولوا في الماضي آي فيجيئوا بآخر الفعل على هيئة لم تنطق بمثلها العرب ولو نطقوا بذلك لزمهم أن يردوا في المضارع الياء إلى أصلها كما ردوا في يبيع ويعيب وكانت تجتمع ياء آن في آخر الفعل المضارع ولا يجيز البصريون مثل ذلك وقد أجاز أهل الكوفة هو يحي ويعي في يحيى ويعيى (١) وأنشد الفراء: (٢)
стр. 121
وكأنها بين النساءً سبيكة … تمشي بسدة بيتها فتعي (١)
ولو بنوا من آيةٍ فعلاً للزمهم أن يسقطوا في الجزم أو يدغموا كما أدغموا في يفر ومن شأنهم أن يتبعوا الشيء نظيره ليتجانس الكلام كما قالوا قام يقوم قيامًا فهو قائم فأعلوا في الألفاظ الأربعة. فعلة قام كون الواو ألفًا وعلة يقوم سكون الواو وعلة قيام كون الواو ياءً وعلة قائم الهمز (٢) ولو بنوا من آية على فعل يفعل للحقهم في ذلك أشد مما فروا منه في باع يبيع لأنهم لم يبنوا في هذا الباب شيئًا على يفعل ولو رخمت رجلاً أو امرأةً اسمه آية لقلت فيمن قال يا حار يا آي فلم تقلب كم كنتً فاعلاً في شكايةٍ ودراية إذا سميت بهما لأن الألف التي قبل
стр. 122
الياء في آية معتلة ولأن هذه الألف من نفس الحرف والف شكايةٍ ودرايةٍ زائدة وليست منقلبةً عن شيءٍ (١) والقول الثاني في آية أن أصلها ايّة بالتشديد وأنهم فروا من المشدَّد إلى الألف كما فروا إلى الياء في دينار وجمعه يدل على أن أصله دنار ولولا ذلك لقالوا ديانير ولم يقولوا دنانير (٢) واستثقالهم للياء أكثر من استثقالهم لغيرها من الحروف والألف أخف حروف اللين وكان القلب هاهنا أولى منه ف قولهم حاري إذا نسبوا إلى الحيرة يقولون رجل حاري وإنما القياس حيري ففروا إلى الألف (٣).
стр. 123
قال امرؤ القيس:
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا … إلى كل حاري جديد مشطب (١)
وهذا القول في آية قول الفراء وقد حكاه سيبويه عن قوم من النحويين لم يسمهم ولا شك أن الفراء تبعهم في ذلك. والقول الثالث في آية قول ينسب إلى الكسائي وهو أن آية أصلها فاعلة فإذا صح ذلك فلابد من حذفٍ ولا يكون المحذوف إلا أحد حرفين الهمزة أو الياء فإذا قيل ان المحذوف همزه فأصلها آئية فحذفوا الهمزة وكان حذفها هاهنا أقيس منه في قولهم هو شاك السلاح ومكان هار (٢). وقد حكى الخليل أن العرب قالت سؤته سوايةً والأصل سوائيةً فحذفوا الهمزة لما فيها من الكلفة (٣)
стр. 124
وقد قالوا ناس وأصلها أناس فحذفوا الهمزة وحذفها في آية إذا كانت فاعلة أقيس لأنها وقعت بعد الألف والألف مجانسة للهمزة وقبل تلك الألف همزة وبعد الهمزة المحذوفة ياء فكان الطرح كالواجب في هذا الموضع وإذا قيل بهذا القول وجب أن تكون جارية على فعل أميت كأنه في وزن باع من آية فقيل آيت تئي (١) فهي آتية مثل آمت تئيم فهي آئمة فاعتلت الألف في الماضي كما اعتلت في آم وباع فهمزت في اسم الفاعل لما التقى ساكنان وهما ألف فاعل والألف التي كانت معتلةً بالقلب في الماضي ولم يكونوا ليردوها إلى أصلها وقد أعلوها في الفعل لأنهم يرغبون أن تكون الأفعال وأسماء الفاعلين مستويةً في العلة أو في الصحة فإذا صح أنهم حذفوا في شاك وبابه كان الحذف هاهنا ألزم وأحسن
وإذا قيل أن المحذوف ياء فالعلة في ذلك أنهم كرهوا اجتماع الحرفين المثلين اللذين يكره اجتماع مثلهما إذ كانا ليسا كالدالين في رادّ وبابه (٢) لأن الياء والواو لهما مزية في الإلقاء إذا كانتا مستثقلتين ولم يجئ في كلامهم مثل حايية بالإظهار ولا مثل حاي بالإدغام وقد كثر ذلك في غير الياء واستعملوا تضعيفها في الماضي دون المستقبل فقالوا حيَّ وعيَّ ولم يستعملوا مثل ذلك في الواو ولم يأت عنهم قو وأن كان من القوة ولاحو إذا نطقوا
стр. 125
بالفعل من الحوة وكل ذلك لثقل الواو عليهم
فإذا جمعت آية على قول الخليل على مثل آكمٍ جمع أكمٍ وأكٌم جمع أكمةٍ (١) قلت في الرفع والخفض هذه آي يا فتى وعجبت من آي قرأهنَّ فلان ولو نصبت لقلت سمعت آييًا فاتعظت غير أن هذا شيء لم ينطق بمثله إلا أنَّه على باب أظبٍ (٢) وأنت قائل في الصب رأيت أظبيًا ولا يمكنك أن تدغم إذا نصبت في قولك رأيت آييًا لأنك تصير بالاسم إلى ما يستثقلون ولكنك تخفي أن شئت (٣) ومن أدغم يحي ويعي على رأي الفراء كان الإدغام في رأيه أيسر منه في رأي الخليل لأنه لا يرى الإدغام في قولك رأيت محييًا ومعييًا (٤) ولكنه يرى الإخفاء والإظهار والمخفى عنده في وزن المظهر وكذلك عند غيره من أصحابه ألا ترى أن سيبويه أنشد هذا البيت على الإخفاء.
إني بما قد كلفتني عشيرتي … من الذب عن أعراضها لحقيق (٥)
стр. 126
يخفي الباء في الميم في قوله بما ولا تكون الباء عنده إلا متحركةً لأن سكونها كسر في رأيه ورأي غيره وكذلك قول الراجز: (١)
وغير سفعٍ مثلٍ يحامم
أنشده سيبويه على الإخفاء وهذا لا يجوز إلا أن تكون الميم المخفاة متحركة وإذا جمعت آيًا على ثمل أزمان وأجمال قلت آياء فقلبت الياء الآخرة همزة كما فعلت في سقاء وقضاء ولو صغرت على رأي الخليل لجاز لك أن تقول إيية وأيية كما تقول ثدي وثديٌّ (٢) ولو صغرت على القول الآخر وهو مذهب من يرى أن أصلها إية بالتشديد لقلت كما قلت في القول الأول لأنه يرجع إلى مثل حاله فأما من زعم أنها فاعلة في الأصل فيلزمه أن يقول في تصغيرها أوية لأن الألف عنده الف فاعلة وليست منقلبةً عن ياءٍ وإنما هي كألف ضارب وطالب وهذه الألف تصير واوًا في التصغير والجمع فتقول طويلب وغويلب وإذا سميت رجلاً
стр. 127
طالبًا قلت في جمعه طوالب ولو أن الاشتقاق والفعل دلا على أن آيةً من ذوات الياءين لجاز أن يدعى فيها أنها من أوى كأنها علامة يأوي إليها الضال فتكون الفها منقلبةً من الواو وتصح الياء لأجل علة العين ولو صغرت على هذا الرأي لقيل أوية لأنها ترد إلى الأصل كما ترد الساحة إليه (١)
وغاية (٢) استدلَّ على أنها من ياءين بقولهم غييت غايةً وهي نحو الراية وقالوا غيابة للسحابة (٣) ولولا ذلك لجاز أن تقول في غاية إذا عني بها الراية إنها من ذوات الواو مأخوذة من قولهم تغاوى القوم إذا اجتمعوا (٤) كأنهم يريدون الاجتماع إلى الراية المنصوبة
ورواية (٥) يذكرها النحويون في هذا الباب وقد همزها بعض العرب وإذا همزت فهي من رأيت وليست من باب آيةٍ لأنها حينئذ فعلة بسكون العين ولم يجتمع فيها ما اجتمع في آية من حروف العلة
стр. 128
فإن قيل فقولهم للشجرة آءة وجمعها آء من قول زهير: (١)
له بالسي تنوم وآء (٢)
هل يجوز أن يكون مشتقًا من أصل آية وقلبت الياء الآخرة همزة أو من اويت فقلبت الواو الفًا واجتمعت في الحرف علتان قيل لا يجوز ذلك عند أهل القياس على أن شذوذ الحرف الواحد أو الحرفين لا ينبغي أن يمنع منه مانع بحالٍ لأن الأشياء قد تخرج عن القياس والأقيس في آء أن يكون مبنيًا من همزتين بينهما حرف عليل فيكون من باب غاغةٍ وطاطٍ (٣) وهو مما لم ينطقوا منه بالفعل لأنهم كرهوا أن يقولوا آء يؤؤ
стр. 129
مثل عاع يعوع وإذا اجتمعت الواو والياء في صدر الكلمة كرهوا أن يصرفوا منها الفعل وذلك مثل يوم (١) وويح وويل وويس وويب والوين وهو العنب الأسود ويقال الزبيب لم يبنوا من هذا كله فعلاً لأنهم لو فعلوا ذلك لم يكن لهم بد من الأعلال فيقولون وآل يويل وواس يويس
стр. 130
ويام ييوم ولعلهم كرهوا ذلك لأجل الياء التي تلحق في المضارع ثم جعلوا حروف المضارعة تابعةً للياء كما جعلوها تابعةً لها في باب يعد ويزن ولم يفعلوا بالهمزة مثل ذلك ولكن أجروها مجرى الحروف الصحاح فقالوا آن الأمر يئين وآمت المرأة تئيم وآب الغائب يؤوب وكرهوا مثل ذلك في الآء لأنه أثقل من هذه الأشياء إذ كان طرفاه همزتين ولو صرفوا منه الفعل لوجب أن يقولوا في الأمر أوء فلم يكن لهم بد من تخفيف الهمزة فيجعلونها واوًا لانضمام ما قبلها فيصيرون إذا خاطبوا الواحد بالأمر كأنهم خاطبوا الجماعة إذا امروهم من وأي أي وعد لأنك تقول للواحد إو وعدًا حسنًا كما تقول ق زيدًا وللاثنين إيا وللجميع أوا فكلما كثرت الحروف التي جرت عادتها بالإبدال والعلة كانوا في تركها أرغب ويحكم على آءٍ أنه من ذوات الواو لأنها الغالبة على هذا الباب وإذا جهل أصل شيء من ذلك فعليها يحمل (١) فتقول في تصغير آءة أؤيئة ولو جمعنا آءً على
стр. 131
مثال أبواب لقلنا آوآء ولو جمعناه على مثل أنور لقلنا آوء يا فتى فصححنا الواو كما صححناها في أنورٍ وادورٍ ومن كان من لغته أن يهمز هذه الواو فيقول أدؤر وأقوس فإنه لا يجوز له أن يهمز في آوءٍ لأنه يجمع بين همزتين ولكنه أن أراد ذلك خفف الهمزة الثانية فجعلها واوًا ثم قبلها إلى الياء كما فعل في باب أدل (١) وهذا ينتقض لأن الضمة التي أوجبت الهمزة للواو تحول إلى الكسرة ولو جمعت آءعلى مثل نيران لقلت إيان فإن خففت الهمزة الثانية قلت إوان فرددت الياء إلى أصلها ولو جمعت أيا على فعلان لقلت إيان فأما شاء فألفه منقلبة من واو وهمزته مبدلة من الهاء (٢)
стр. 132
يدلك على ذلك قولهم شويهة في التصغير وشياه في الجمع وليس قولهم شوي في معنى شاءٍ بدليل على أن الهمزة في شاءٍ منقلبة من ياءٍ لأنهم قد يخففون الشيء تخفيفًا لازمًا كما فعلوا ذلك في برية ونبي وكأن العرب مجمعة على ترك الهمز في الشويّ. قال الراجز:
أن بني يربوع أرباب الشوي … قوم يلبون السويق بالمني
من يشرب المني يحبل بصبى (١)
стр. 133
فكان الشويَّ أصله الهمز لأنه في معنى الشاء كما أن المعيز في معنى المعز والضئين في معنى الضأن والشويُّ موافق فعيلاً من شويت لأنا نقول شويت اللحم فهو مشوي وشوي والقياس أن يجعل شوي من لفظ الشاء لا من لفظ شويت لأنه إذا جعل من لفظ الشاء كان مخصوصًا
стр. 134
بالتسمية ولو جعل من شويت لشركه في ذلك جميع المشويات لأنه قد يشوى لحم الجزور ولحم الضائنة (١) ولحم الماعز ويدخل في ذلك الحيتان وغيرها من الطير وجميع مايؤ كل من أصناف الحيوان فإذا قيل أن شاءً من لفظ شاة وأن الهمزة فيه منقلبةً من الهاء فيجوز أن قال اشتقاق شاهٍ من الشوه وهو من الأضداد يكون في معنى القبح وفي معنى الحسن فأما القبح فهو الظاهر في كلامهم يقولون شوه الله خلقه وشاه وجهه وأما كونه في معنى الحسن فقولهم فرس شوهاء أي حسنة وكذلك فسروا قول أبي دواد: (٢)
فهي شوهاء كالجوالق فوها … مستجاف يضل فيه الشكيم
وقيل الشوهاء الواسعة الفم ويقال للذي يصيب بالعين اشوه ومن قال فيي تصغير شاه شويهة وجعل شاءً كالجمع لشاة فإنه يجب أن تقول في التصغير شوية لأن شاة عنده فعلة من اه يشوه فحذفت الهاء الأصلية وأعلت الواو ومن زعم أن شاءً همزته ليست مبدلة من هاء وأنها أصل في
стр. 135
الباب فإنه يقول في التصغير شوي إذا ذهب به مذهب قوم (١) فإن ذهب به مذهب إبل وخيل قال شوية وإذا كان على مذهب شاة لم يجز أن يحمل في التصغير إلا على باب نخل وبقر وذلك أن ما كان بينه وبين واحده الهاء من المجموع جاز فيه التذكير والتأنيث فإذا صغر وجب أن يلزم فيه التذكير ليقع الفرق بين تصغير الواحد والجمع فمن قال هذه نخل حسنة قال في التصغير نخيل ليفرق بين تصغيره وتصغير نخلة
وأما طاية وهي السطح فهي من باب آية في أن لامها صحت لأجل علة العين وكأنها من طويت فانقلبت الواو ألفًا قال الشاعر:
стр. 136
كأن المحال الغر في حجراتها … عذارى على طايات مصر تطلع (١)
فلو صغرت طاية لقلت طوية وثاية إذا أردت مراوح (٢) الابل وهي عازبة فإنها من هذا الباب ويجب أن يكون اشتقاقها من ثويت بالموضع إذا أقمت إلا أن ثبت أنها من ذوات الياء ولو جمعت طايةً على طاي وثاية على ثاي ثم جمعته على أفعل مثل أزمن وآكم لقلت في الرفع والخفض هذه اطو ومررت بأطو وهذه اثو ومررت بأثو فإذا نصبت قلت رأيت أطويًا وأثويًا (٣) إلا أن تثبت أنها من ذوات الياء فتجريها مجرى آية وقد مر ذكرها وقد زعم قوم أن شاء شاذ فهذا يدل على جمعهم بين العلتين فأما الماء المشروب فهو مثل شاء إذا قلنا أن همزته من الهاء (٤) وليس البدل عندهم كالعلة ولولا ذلك لم يجمعوا بين بدل اللام وعلة العين وحروف
стр. 137
المعجم (١) التي هي باء وتاء وثاء إنما هي أصوات محكية في الأصل فإذا
стр. 138
عربت فإنما نقلت من باب إلأى باب وإنما قالوا باء فنطقوا بلفظ الحرف ثم قووه بألف ليمكن النطق به ثم مدوا ارادة للبيان فلما اجتمعت الفان همزت الأخرى منهما فهذه الحروف ما دامت في بابها جارية مجرى الأصوات التي هي على هذا الوزن مثل غاق وواق ونحو ذلك فإذا أخرجتهن إلى باب الأسماء أجريت الألف مجرى المنقلبة كما أنك إذا أخرجت ترخيم حارث في قول من قال يا حار إلى باب الأسماء أجريت الفه مجرى الف باب ونار والراء اسم شجر يجري في التصغير مجرى غيره فيحكم على الفه بأنها واو في الأصل حتى يثبت السماع بغير ذلك ويحكم على همزته أنها أصلية ليست بالمنقلبة (١)
وإذا نسبوا إلى آيةٍ فإنهم يجيزون ثلاثة أوجه (٢) آئي بالهمزة وآوي بقلب
стр. 139
الياء واوًا وآيي على الأصل فبعضهم يرى أن الهمز هو الوجه وبعضهم يختار الياء لأنهم قد كثر في كلامهم مثل هذا إذ كانوا يقولون رجل عيي وحيى وهذا مكان مجي فيه وأمر معيي به وأما قلبهم إلى الواو فلا جل الياآت والهمز فروا إليه لاجتماع الحروف التي جرت عادتها بأن تعتل ولقائل أن يقول الأصل آيي بلا امتراء فالهمزة هل حدثت عن الياء أم عن الواو فيقال له كل ذلك يجوز فإن شئت قلت قلبوا الياء واوًا ثم همزوا الواو لأنها مكسورة كما قالوا في وشاح إشاح وكان هذا الزم لأن بعد الواو ياءين ألا ترى أن همزة بعدها ياء مشددة قد جاءت في كلامهم صدرًا للكلمة فقالوا إياك وإيل (١) للذي في الجبل وليس في كلامهم واو مكسورة بعدها ياء مشددة في صدر كلمة البتة وقد جاءوا بالهمزة المفتوحة وبعدها الياء المشددة في مواضع كثيرة ولم يفعلوا ذلك في الواو ألا تراهم
стр. 140
قالوا للرجل أيم وللمرأة ايم (١) وقالوا أي القوم معك ورجل ايد وايده الله (٢) وليس في كلامهم مثل ويل ولا وير وأما قلبهم الياء إلى الهمزة فكما (٣) قلبوها في قولهم يدي وادي وهو (٤) العيش الواسع ويلنجوج وألبحوج (٥) والياء إذا كانت متحركة بالكسر وقبلها ما يسكت عليه فهي جارية مجرى ما يبتدأ به في بعض الجهات ولا ريب في أنهم آثروا الابتداء بالهمزة على الابتداء بالياء ألا ترى أن افعل في الأسماء أكثر من يفعل فباب أحمر وأصفر لا يقاس به في الكثرة باب يرمع ويلمع واليرمع حجارة رقاق تنفت باليد واليلمع البرق والسراب وقالوا إصبع وأبلم ولم يقولوا يرمع وقد حكي يعفر (٦) على الاتباع وقال بعض أهل اللغة
стр. 141
ليس في كلامهم اسم أوله ياء مكسورة إلا قولهم اليسار لليد هكذا قال ابن دريد (١) وغيره يقول يسار بالفتح (٢) فإذا كان ذلك على ما تعرفه العامة فقد فقدت ياء مكسورة في أول الأسماء إلا أن يجيء في مصدر فاعلت فإنهم يضطرون إلى ذلك إذا قالوا ياسرت الرجل يسارًا وقد استغنوا بالمياسرة وكذلك قالوا يا منت أي أتيت اليمن ولعلهم يجتنبون اليمان في المصدر ويفرون منه إلى الميامنة (٣) ويدلك على أن الكسرة عندهم مع الهمزة أيسر منها مع الياء أنهم يقولون إعلم وإستعين وإخال فيكسرون
стр. 142
مع الهمزة كما يكسرون مع التاء والنون (١) وقد قرأت بذلك القراء يحيى ابن وثاب وغيره ويروى أنه قرأ فأمتعه قليلاً ثم اضطره بكسر الهمزة من اضطره (٢) وكذلك يفعل في غيرها من حروف المضارعة فقرأ يوم
стр. 143
تبيضُّ وجوه (١) وتسودُّ وجوه ولا تركنوا إلى (٢) الذين ظلموا فتمسكم النار وهذه لغة للعرب فيما كان على فعل يفعل وما جوز الأربعة نحو أسود واقشعر وإذا صاروا إلى الياء فروا إلى الفتح فلم يقولوا يعلم كذلك يقول سيبويه وقد حكاها الفراء عن قوم من العرب وأن صحت فهي شاذة وليس هذا من باب ينحل (٣) وقرأ أصحاب القراءة التي مر ذكرها أن تكونوا تيلمون (٤) فإنهم يألمون كما تيلمون فكسروا مع التاء ولم يكسروا مع الياء فهذا يبين حال آية في النسب والحمد لله وهذه الأسماء التي ظهرت فيها الياء وهي على مثل آية تجري في النسب مجراها هـ
القول في اسم وحقيقة الحذف منه (٥)
وكان أصل الأسماء أن تجيء غير محذوفات وإما يستدل على حذفها بالاشتقاق والتصغير والجمع والعلل الجارية عليها في أنحاء العربية فكأن
стр. 144
قائلاً في الأصل قيل له ما فرس أو ما رجل فقال اسم فوقع للسامع أن الهمزة من الأصل لأنه سمع جرسًا على مثل إذن وابط وادل (١) والإدل اللبن الحامض فقال السامع هذه همزة أصلية فيجب أن يكون اشتقاقها من اسم ياسم فرجع إلى أصل الكلام وما روت الثقات منه فلم يجد فيه ذلك فقال يجب إذ فقدت هذه اللفظة أن يجعل اسم من وسم يسم كأنه وسم ثم قلبت الواو همزة كما قالوا ولدة وإلدة (٢) ووطاء وإطاء فاستقر في نفسه ذلك ثم سمع الفصحاء تقول سمعت اسمك وهذا اسم زيد ويستمر على ذلك ولا يجريه مجرى إذن وازل وهو الكذب لأنها لو أجرته مجرى ذلك لنطقت بالهمزة في إدراج الكلام فقال السامع يجب أن يكون هذا لما كثر آثروا فيه الخفة ثم سمعهم يقولون في التصغير هذا سميك وسمي أخيك فانتقض عليه ما اعتقد لأن الأمر لو كان كما توهم لوجب أن يقولوا أسيم كما يقولون في أشاح أشيح فيثبتون الهمزة وزاده ريبًا فيما ظن جمعهم أياه على أسماء فعلم أن ما ذهب إليه باطل ونظر فإذا العائد في التصغير لا يخلو من أن يكون واوًا أو ياء وأن السين سكنت في أول النطق فنطقوا بالهمزة قبلها ليكون وصلة إليها واسقطوا عند الغناء واعتبر كلام العرب فرآهم يقولون سموت سموًا وإذا أرادوا أن يخبروا أنهم
стр. 145
جعلوا للرجل اسمًا قالوا سميته ورآهم لم يستعملوا السمى فحكم على أن الذاهب من اسم واو وأنهم وضعوا هذه الكلمة وهو يريدون بها ظهور أمر الإنسان وعلوه وأن يعرفوا به غيره لأن من لا يعرف له اسم فهو خامل مجهول وقالوا اسم وسم في المسموع فدل ذلك على أنهم بنوه تارة على فعل وتارة على فعل وقد انشدوا أبياتًا لوجهين (١) منها قول الراجز:
والله سماك سمًا مباركًا … آثر الله به إيثار كا (٢)
وقال آخر:
وعامنا أعجبنا مقدمه … يكنى أبا السمح وقرضاب سمه (٣)
وأما قول الآخر:
فدع عنك ذكر اللهو واعمد بمدحة … لخير معد كلها حيث ما انتمى (٤)
لأجودها كفًا وأكرمها أبا … وأحسنها وجهًا وأرفعها سما
فزعم قوم من أهل اللغة أن السما (٥) … بعد الصيت والأجود أن يكون سم