← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18278

شرح المقدمة المحسبة

ابن بابشاذ

Полный текст (380 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

في النيف والستين مثالًا. والغرض بها الاختصار. وكل هذه من جملة [خواص] الاسم. [٢٦] / وكونه مخبرًا عنه مثل قولك: زيدٌ قائمٌ, لأنه إنما يخبر عن الأسماء. وكونه فاعلًا مثل: نفعني زيد. وكونه مفعولًا مثل: نفعني زيدًا. وكونه معرفًا بالألف واللام, مثل: الرجل [والغلام] وبقية التعريفات الخمسة. وكونه منكرًا, مثل: أحد وعريب, وكتيع ورجل وفرس, ونحوه. وكونه منعوتًا, مثل: رجل ظريف وكاتب, وشبهه. وكل هذه علامات معنوية. وقد ظهر لك أن معنى كل واحد منها لا يصح إلا في الاسم. فقد انقضى الفصل الأول من المقدمة, وهو فصل الاسم.

стр. 107

الفصل الثاني: وهو فصل الفعل وأما قولنا: «الفعل ما دل على حدث وزمان محصل, مثل فعل ويفعل وسيفل. وإنما لقب هذا النوع فعلًا لأنه لفظ توزن به جميع الأفعال, ويعبر عنها به, قال الله سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)». فإن هذا حد الفعل المتصرف, لا يخرج فعل من الأفعال عنه. لأن الأفعال إنما دخلت الكلام لتدل على الزمان والحدث دلالة إفادة, وهي بخلاف الأسماء التي تدل دلالة إشارة. ودلالة الأسماء دلالة واحدة, وهي ذات المسمى. ودلالة الأفعال دلالتان, دلالة الزمان ودلالة الحدث. فدلالة الزمان من نفس الصيغة, ودلالة الحدث من نفس اللفظ. وإنما لقب فعلًا ليفرق بينه وبين المصدر الذي هو الحدث, وهو اسم الفعل. لأن المصدر يأتي على أوزان كثيرة مقيس وغير مقيس. والأفعال تأتي على أوزان محصورة مقيسة, قد جملت في فصل الفعل. وكلها يجمعها لفظ «فعل» , لأن «فعل» فعل ثلاثي. [والثلاثي] هو أصل الرباعي وما زاد. ولذلك قلت لك إنه لفظ توزن به جميع الأفعال ويعبر به عنها, كما قال سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) , أي وهم يسألون عما يفعلون. فقد دخل

стр. 108

تحت «يفعل» و «يفعلون» كل فعل يدل على حدث من سائر الأحداث كلها على اختلاف أنواعها. وأما قولنا: «وقسمة الأفعال ثلاثة: ماضٍ, ومستقبل ولا ماض ولا مستقبل, وهو الحال». فإن الدليل على كونها ثلاثة السماع والقياس. فالسماع قوله تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك). والقياس أنا وجدنا في كلامهم حرفًا لنفي المستقبل مثل «لا» و «لن» , وحرفًا لنفي الماضي مثل «لما» و «لم» , وحرفًا لنفي الحال مثل «ما». فدل على أن الأفعال ثلاثة, كما أن الحروف الدالة على ذلك ثلاثة. فهذا يرد قول من قال إن الأفعال قسمان: ماض ومستقبل, لاعتقاده أن فعل الحال لا يثبت. وليس عدم ثباته مما يوجب رفعه بالجملة, لأنه هو الأصل الذي نشأ عنه الماضي, وتبقى عنه المستقبل فكيف يكون الأصل مطرحًا. وأما قولنا: «أما الماضي فهو ما كان مبنيًا على الفتح من غير عارض عرض له. وجملته عشرون مثالًا, مثل: كتب, وعلم وظرف. ومثل: قرطس وأعلم وعلم, وناظر. ومثل: تقرطس, وتعلم, وتناظر. ومثل: انطلق واقتدر واحمر, واحمار, واستخرج, واغدودن, واجلوذ, واسحنكك واحرنبي, واحرنجم. والعشرون هو [فعل] ما لم يسم فاعله في جميع ذلك, يضم أوله ويكسر ما قبل آخره, سوى المضاعف لامه والمعتل العين».

стр. 109

فإن هذه جملة مختصرة في أوزان الأفعال. والذي مثل بها كلها ماض, لأن الماضي ما كان مبنيًا على الفتح, وكلها مبنية على الفتح من غير عارض عرض لها. وإنما بنيت في الأصل لاستحقاقها البناء. لأن الأفعال تدل على المعاني المختلفة بصيغ مختلفة, فأغنى اختلاف صيغها عن إعرابها. وبنيت على حركة لمضارعتها [الفعل] المستقبل من حيث كانت [تقع] خبرًا, وصفة, [وصلة] , وحالًا, وشرطًا وجزاء, كما تقع الأفعال المستقبلة. مثل: [قولك]: زيد كتب, وهذا رجل كتب, وهذا الذي كتب, وهذا زيد كتب, وإن كتب كتبت. كما تقول: زيد يكتب, وهذا رجل يكتب, وهذا الذي يكتب, وهذا زيد يكتب, وإن يكتب أكتب. وأعطي الفتحة في جميع هذه الأوزان كلها للخفة. وجميع هذه الأوزان لا تخلو من أن تكون ثلاثية, أو رباعية بزيادة, أو غير زيادة, أو خماسية بزيادة, أو سداسية بزيادة. ولا زيادة لهم على ذلك, لأنه ليس لهم فعل سباعي.

стр. 110

فالثلاثي هو الأصل, وله ثلاثة أوزان. ولذلك بديء بها. وهي: كتب بوزن فعل. وعلم بوزن فعل. وظرف بوزن فعل. والرباعية هي الثانية, ولذلك ثني بها. فالأصل منها قرطس, حروفها كلها أصول كدحرج وسرهف, بوزن فعلل. وأعلم وعلم وناظر رباعية كلها بزيادة. فأعلم بوزن أفعل وعلم بوزن فعل, إحدى العينين زائدة. وناظر بوزن فاعل, الألف زائدة. [٢٧] والخماسي بزيادة واحدة [مثل] تقرطس بوزن تفعلل. وتعلم بوزن تفعل. وتناظر [بزيادتين] بوزن تفاعل. وهذه خماسية بزيادة وزيادتين ليس إحداهما ألف وصل. وانطلق واقتدر واحمر خماسية بزيادتين احداهما ألف وصل. فانطلق بوزن انفعل, واقتدر بوزن افتعل, واحمر بوزن افعل. واحمار سداسي بثلاث زوائد بوزن افعال. واستخرج سداسي بثلاث زوائد بوزن استفعل. والباقي سداسية بزوائدها فاغدودن بوزن افعوعل. واجلوذ بوزن افعول. واسحنكك بوزن افعنلل, ملحق باحرنجم, واحرنبى بوزن افعنلى ملحق به أيضًا. والعشرون هو جميع هذه الأفعال إذا بنيت لما لم يسم فاعله, ضم أولها

стр. 111

وكسر ما قبل آخرها. مثل: كتب, وقرطس به, وتقرطس به, ومثل انطلق به, ومثل استخرج به. وكذلك الباقي. ومعنى قولنا «سوى المضاعف لامه والمعتل العين» أن المضاعف لا يكسر ما قبل آخره في هذه الأمثلة المجردة من الضمير المتصل بها. مثل: «قد شد زيد» , أصله «شدد» ولكن الكسرة ذهبت لأجل الإدغام. وكذلك «قد احمر به» , أصله «احمرر» , فزالت الكسرة لأجل الإدغام, والمعتل العين لا تظهر فيه الكسرة أيضًا مثل: بيع المتاع, أصله «بيع المتاع» , فنقلت الكسرة من العين إلى الفاء [للثقل] بعد حذف الضمة من النباء. فهذا معنى قولنا: «سوى المضاعف لامه والمعتل العين». [قال الشيخ ﵀]: وأما قولنا: «وجميع ذلك آخره مفتوح لا يجوز تسكينه في حال الوصل إلا مع ضمير المتكلم والمخاطب ونون جماعة النساء. ولا يجوز ضمه إلا مع واو الجمع, سوى المعتل بالألف. ولا يجوز كسره بحال, إلا إذا تصلت به تاء التأنيث ولقيها ساكن, فإن تلك التاء تكسر. ولا يجوز أن تدخله نون بحال, من نحو: ضربونه». فإن هذه جملة مختصرة في أحكام أواخر الفعل الماضي. فآخره أبدًا مفتوح للعلة التي ذكرنا وهي الخفة. وإنما يكون مفتوحًا إذا كان صحيحًا. فإن كان معتلًا بالألف كان ساكنًا, مثل: دعا وغزا ورمى وجرى. وجميع هذه الأوزان لا تتحرك, لأن الألف لا تتحرك, لأنها لو حركت لعادت إلى أصلها, ولو

стр. 112

عادت إلى أصلها لثقلت, فلذلك قلبت ألفًا وبقيت ساكنة. وما عدا ذلك من الصحيح والمعتل بالياء فلا يكون إلا مفتوحًا, مثل: عمي وشجي وكتب وعلم, للعلة المذكورة. فإن اتصل بجميع ذلك تاء المتكلم وأخواته, وضمير المخاطب وأخواته, ونون جماعة النساء, لم يكن إلا مسكن الآخر, صحيحًا كان أو معتلًا. مثال الصحيح: كتبت وعلمت, ومثال المعتل: دعوت وسعيت وقضيت. وقد مضت العلة في وجوب السكون فيما تقدم - لما سألت ذكرها - وهي لئلا يجمع بين أربع متحركات لوازم. إذ كان الضمير لازمًا وحركته لازمة فخفف بتسكين ما قبله. فإن لم يكن شيء من هذه الضمائر كان مفتوحًا, ولا يجوز ضمه إلا مع واو الجمع مثل: كتبوا وعلموا, لأن الواو تطالب أن يكون ما قبلها من جنسها فلذلك انضم. فإذا زالت الواو وعدت إلى الواحد عادت الفتحة. [قال الشيخ ﵀] ومعنى قولنا: «سوى المعتل بالألف» أن المعتل بالألف لا يضم ما قبل الواو فيه بل يكون ما قبلها مفتوحًا, مثل: دعوا ورموا, بقيت الفتحة لتدل على الألف المحذوفة, فوزنه في اللفظ «فعوا» , وهو في الأصل «فعلوا» مثل دعووا, ولكنه أصل لا يستعمل للثقل.

стр. 113

ولا يجوز كسر الفعل الماضي بحال. فإن دخلت عليه ياء المتكلم - التي من شأنها أن يكون ما قبلها مكسورًا - ألحقت نون الوقاية ليسلم الفعل من الكسر, فرقًا بينه وبين الاسم, فقلت: كتبني وعلمني, وكذلك الباقي. وإن اتصل بالفعل الماضي تاء التأنيث وبعدها همزة وصل, فإنك تكسرها لالتقاء الساكنين, فتقول: كتبت المرأة. فهذه كسرة عارضة لا يعتد بها, ولذلك لا يعتد بها القاريء في إشمام ولا روم في مثل: (قالت امرأة العزيز) (ولقد استهزيء) لا على من كسر ولا على من ضم, لأن الحركتين عارضتان. فالكسرة لالتقاء الساكنين, والضمة للإتباع في (ولقد استهزيء) , اتبعت [الدال] ضمة التاء من (استهزيء). وعلى هذا (قل ادعوا) , و (قل انظروا). ولا يجوز أن تدخله نون بحال من نحو: ضربونه. لأن النون إنما هي في الأفعال المستقبلة المعربة عوض من الضمة التي كانت في الواحد. والماضي لا معرب ولا مرفوع, فدخول النون فيه من أقبح اللحن وأسقطه. كما أن كسر الفعل الماضي في قولهم: «من كلمك يا هند» و «خاطبك» من أقبح اللحن أيضًا, لأن الفعل الماضي مبني على الفتح. وكما أن ضم الفعل الماضي في قول العامة «من ضربه» و «من كلمه» من أقبح اللحن [أيضا] للعلة

стр. 114

[٢٨ [المذكورة. وكما أن / التسكين في الوصل من أقبح اللحن أيضًا في نحو «من ضرب زيدًا» , لأن الفعل الماضي مبني على الفتح لا يجوز تسكينه في [حال] الوصل. وإنما يسكن إذا عرض ما ذكرناه, أو عرض الوقف, وما عداه فلحن. فاعرف ذلك فإنه أصل عظيم, والعامة يتهافتون في اللحن فيه. وفقك الله للصواب. *** وأما قولنا: «وأما الفعل المستقبل والحال فهما سواء في اللفظ. وهو ما كان أولهما همزة متكلم, أو نون جماعة أو واحد معظم, أو تاء مخاطب أو مؤنث, أو ياء غائب مثل: أنا أفعل, نحن نفعل, أنت تفعل, هى تفعل, هو يفعل. وهذه حروف المضارعة. وحرف المضارعة من كل فعل ثلاثي, أو خماسي بالزيادة, أو سداسي بالزيادة, مفتوح أبدًا, ومن كل فعل رباعي مضموم أبدًا, إلا إذا بني جميع ذلك لما لم يسم فاعله فكله يضم. وحرف الإعراب منه مرفوع أبدا ما لم يكن معه ناصب ولا جازم ولا نون تأكيد ولا نون جماعة نساء, وسيأتي ذكر ذلك إن شاء الله تعالى».

стр. 115

فإن هذه جملة مختصرة خاصة في معرفة إعراب الفعل المستقبل, وأحكامه من أوله وآخره. ولا إشكال في كونها على لفظ واحد, لأن الأصل هو فعل الحال. يصلح اللفظ إذا قلت «هو يكتب» , و «يحسب» أن يكون في الحال وأن يكون في ثاني الحال. والحقيقة هي الحال, لأنها [هي] الكائنة أولًا. وهي تدل بمجردها على حقيقتها, ولا تدل على الاستقبال إلا بقرينة من السين أو سوف. وهذان الفعلان لا يخلوان من أن يكون في أولهما أحد الأربعة الأشياء المذكورة, الهمزة والنون والتاء والياء, على ما فصل. وبهذه الحروف صار هذا الفعل مضارعًا للاسم, لأنه صلح لمعنيين, وسيأتي بيانه [إن شاء الله تعالى]. ولما كانت حروف المضارعة تكون مفتوحة في موضع, ومضمومة في موضع, والخطأ فيهما كثير, وجب ذكر الأصل. فكل فعل ثلاثي مثل: كتب وعلم وظرف, ونحوه, فحرف المضارعة من مستقبله مفتوح, همزة كان أو نونًا أو تاء أو ياء. مثل: أكتب ونكتب وتكتب ويكتب. وكذلك الحكم من كل [فعل] خماسي, مثل: يتقرطس, ويتناظر ونحوه.

стр. 116

وكذلك من كل ما زاد على الخمسة, مثل: يستخرج. ولا يضم حرف المضارعة إلا في الرباعي كيفما اختلفت أوزانه من نحو: يقرطس, ويعلم, ويناظر. لا يختلف الباب في شيء من ذلك بوجه, إلا أن يبنى الجميع لما لم يسم فاعله فإنه يكون في حرف المضارعة ضمة ما لم يسم فاعله, مثل: يكتب ويستخرج ونحوه. وحرف الإعراب من الفعل المضارع أبدًا مرفوع ارتفاعًا مطردًا, إلا أن يكون معه ناصب فينتصب لا غير, أو جازم فيجزم لا غير. مثال ذلك: هو يكتب, ولن يكتب, ولم يكتب. فتسكين المرفوع إذا لم يكن معه ما يوجب السكون لحن, مثل: هو يضربه ويكلمه. وكذلك كسره لا يجوز بحال كما تقول العامة, من نحو: هو يضربك يا هند ويخاطبك. وكذلك لا يجوز حذف النون التي هي علامة الرفع إذا لم يكن [معه] ناصب ولا جازم. لا يجوز: هم يضربوه, ويأخذوه, ولا: هم يضربوا, ولا: هم يأكلوا, ويشربوا. كله لحن لأنه لا عامل معه تسقط لأجله النون. فإذا جاء العامل جاز, مثل: لن يضربوه, ولم يضربوه. وهو مع «لن» منصوب, ومع «لم» مجزوم. والفعل المستقبل معرب أبدًا لما ذكرناه في الرفع والنصب والجزم. إلا أن يكون معه نون تأكيد, أو نون جماعة نساء, فإنه يكون مبنيًا مع نون التأكيد على الفتح للمذكر, مثل: هل تذهبن يا زيد. وعلى الكسر مع المؤنث,

стр. 117

مثل: هل تذهبن يا هند. وعلى الضم مع جماعة المذكرين, مثل: هل تضربن يا رجال. وعلى السكون مع نون جماعة النساء, مثل: هل تضربنان يا نساء. وكذلك هو مبني مع هذه النون وإن لم تدخل نون التأكيد مثل: هن يضربن, ولن يضربن, ولم يضربن. أفلا ترى العامل كيف اختلف على هذا ولم يتغير لأنه مبني. وعلى هذا قوله سبحانه, (إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح). فالنون في «يعفون» نون جماعة النساء, وهي فاعلة فلذلك لم تحذف وإن كان معها «أن» الناصبة. ولو عدمت النون لنصبت كما نصبت في قوله: (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح). *** وأما قولنا: «والأفعال كلها تتصرف على خمسة أوجه إلا خمسة أفعال فإنها لا تتصرف. والتصرف يكون بالماضي, والحاضر, والمستقبل, والأمر والنهي, مثل: حضر يحضر سيحضر احضر لا تحضر. إلا إنه يحدث في الأمر ألف وصل أو قطع - إذا كان ما بعد حرف المضارعة ساكنًا - في الغالب, فتأتي بالهمزة توصلًا إلى النطق بالساكن / وهي أبدًا من كل فعل رباعي قطع [٢٩] تثبت في اللفظ وفي الخط وتكون مفتوحة أبدًا. ومن كل فعل ثلاثي أو خماسي أو سداسي وصل تسقط - إذا وصلت - من اللفظ دون الخط. وتكون مكسورة إذا كان ما قبل الآخر مكسورًا أو مفتوحًا, مثل: اضرب اعلم. وتكون مضمومة إذا كان ما قبل الآخر مضمومًا [ضمًا لازمًا] مثل قولك: اقتل اخرج. وفعل الأمر الصحيح اللام مبني آخره على الوقف أبدًا مثل: احضر, ما لم يكن

стр. 118

معه نون تأكيد شديدة أو خفيفة فإنه يكون مفتوحًا مع المذكر مثل: احضرن يا زيد, ومكسورًا مع المؤنث مثل: احضرن يا هند, ومضمومًا مع جماعة الرجال مثل: احضرن يا رجال, ومفتوحًا مع فعل الاثنين لهما مثل: احضران يا زيدان ويا هندان, ومسكنًا مع جماعة النساء, وتدخل بين النونات [الثلاث] ألف الفصل مثل: احضرنان يا نساء. وكل موضع دخلت فيه النون الشديدة تدخل فيه [النون] الخفيفة أيضًا, إلا مع فعل الاثنين وفعل جماعة النساء, فإن الخفيفة لا تدخلها بحال. وكل حكم لزم الشديدة فإنه يلزم الخفيفة, إلا في حال الوقف. فإن الخفيفة تبدل ألفًا إذا كان ما قبلها مفتوحًا, وإذا لقيها ساكن فإنها تحذف. وهذا أصل مستمر في كل فعل أمر أو نهي أو استفهام أو قسم». فإن هذه جملة مختصرة في أحكام أواخر الفعل المضارع وما تصرف منه, لا يستغنى عنها لكثرة دورها, واختلاف اللفظ بها, ووقوع الغلط واللبس فيها. وقد انشرح بعضها في غضون بعض ما تقدم, وبقيت مواضع متفرقة تحتاج إلى علمها. فالعلة في تصريف الأفعال على خمسة أوجه إرادة الدلالة على المعااني المقصودة, لأن الأفعال أمثلة أتي بها للدلالة على الأزمنة المختلفة. ولولا ذلك لأغنت المصادر عنها, لأن المصادر تدل على الحدث. ولكن إرادة الدلالة على

стр. 119

الزمان الماضي, والزمان الحاضر, والزمان المستقبل, والأمر, والنهي, أوجب تصرف الأفعال هذا التصرف. وكل واحد من هذه الخمسة فإنه مع ضمير الغائب والمخاطب لا يخلو من خمس مسائل, كيف يستعمل مع المذكر, ومع المؤنث, ومع الاثنين منهما, ومع جماعة المذكر, ومع جماعة المؤنث. مثل: حضر, وحضرت, وحضرا, وحضروا, وحضرن. ويحضر, وتحضر, ويحضران, وتحضران, ويحضرون, ويحضرن. واحضر, واحضري, واحضرا, واحضروا, واحضرن, ولا تحضر, ولا تحضري, ولا تحضرا, ولا تحضروا, ولا تحضرن. لا يخلو فعل من جميع [هذه] الأفعال المتصرفة من استعماله على هذه الوجوه المختلفة. وقد تقدم في أول المقدمة في فصل المضمرات من حد «نفعت» وأخواتها و «نفعني» وأخواتها ما فيه مع هذا بيان كاف. وجميع هذا كله إنما يكون في الفعل المتصرف. وكل الأفعال متصرفة, إلا ما أخرج عن بابه وألزم طريقة واحدة, فإنه منع التصرف, وذلك فعل التعجب, ومثاله: ما أحسن زيدًا. ونعم, وبئس, ومثالهما: نعم

стр. 120

الرجل زيد, وبئس الرجل زيد. وعسى, ومثالها: عسى زيد أن يفعل وليس, ومثالها: ليس زيد فاعلًا. فإن هذه [الأفعال] لا يستعمل لها مضارع ولا أمر ولا نهي ولا شيء مما ذكر من التصرف في الفعلية. والعلة في ذلك أنها جعلت أنفس المعاني ودالة عليها فسلبت التصرف إيذانًا بالمعاني المختصة بها. وستراها في فصولها من هذه المقدمة إن شاء الله. والعلة في حدوث ألف الوصل والقطع في الأمر من جميع ما ذكرنا, أن ما بعد حرف المضارعة ساكن في الغالب, وإذا كان ساكنًا - وقد حذفت حروف المضارعة - وجب أن يدخل شيء يوصل به إلى النطق بالساكن, لأنه لا يمكن الابتداء بساكن, فاجتلبت له الهمزة الساكنة لأن الحركة لا يقدم عليها إلا بدليل. ولما اجتلبت ساكنةً حركت لالتقاء الساكنين. ولما حركت لالتقاء الساكنين كسرت تارة وضمت أخرى. فكسرت إذا كان الثالث مكسورًا أو مفتوحًا, لأن الفتح أخو الكسر. وضمت إذا كان الثالث مضمومًا ضمًا لازمًا, للاتباع. وإنما قلنا «ضمًا لازمًا» احترازًا من الضم العارض فإنه لا يراعى بل يكسر, مثل قولك في الأمر من المشي: امشوا, ومن الجري: اجروا, فقد كسرت والثالث مضموم لأن الضمة عارضة على الشين, وأصلها امشيوا, بكسر الشين. وإنما حذفت ضمة الياء للاستثقال فبقيت [الياء] ساكنة, والتقى ساكنان - الياء والواو - فحذفت الياء لالتقاء الساكنين, وضم ما قبل الواو لتصح الواو. وهي عارضة وليست بأصل في العين. ومن هاهنا

стр. 121

/ لم يختلفوا في كسرة النون من قوله تعالى (أن امشوا واصبروا) , كما [٣٠] اختلفوا في قوله: (أن اقتلوا أنفسكم) بكسر النون وضمها, لكونها عارضة في «امشوا» وغير عارضة في «اقتلوا». ومعنى قولنا: «في الغالب» احترازًا من ثلاثة أفعال, وهي: يأخذ ويأكل ويأمر, إذا أمرت منها. فإن هذه كان قياسها أن يؤتى بألف الوصل فيها كما أتى بها في غيرها, وأن يقال: «أؤكل» , «أؤخذ» , «أؤمر». ولكن ترك ذلك لاجتماع همزتين في الأصل, فحذفت الهمزة التي كانت فاء ساكنة. ولما حذفت لم يحتج إلى ألف الوصل, لأن الذي بعد الهمزة المحذوفة متحرك فأتي به من غير همزة وصل معه, فقيل: «خذ» , «كل» , «مر». قال تعالى: (خذوا ما آتيناكم بقوة) , وقال تعالى: (خذ من أموالهم صدقة) , وقال [تعالى] (كلوا مما في الأرض حلالًا طيبًا). فأما «مر» فإن الذي جاء في التنزيل: (وأمر أهلك بالصلاة) , فإن واو العطف أغنت عن همزة الوصل فلم تحذف الفاء, ولو جاء على حد «خذ» و «كل» لجاز. فإن قيل: فأين تسقط همزة الوصل أبدًا ولا يكون لها حكم في الثبات؟ . قيل: تسقط أبدًا في الوصل لأن الوصل يغني عنها ويوصل إلى الساكن

стр. 122

الذي لأجله جيء بها. فلذلك إذا تقدمتها همزة الاستفهام انحذفت, مضمومة كانت أو مكسورة, في اسم كانت أو في فعل. مثال الاسم: أبنك أحب إليك أم أبوك, أسمك زيد أم عمرو, ولا يجوز المد في هذا, لأن همزة الاستفهام قد أزال فتحها اللبس بين الاستفهام والخبر, فإذا كانت خبرًا كانت همزة الوصل مكسورة في حال الابتداء, وهو قول: اسمك فلان. فإن كانت همزة الوصل مفتوحة, وهي التي تكون مع الألف واللام من نحو: الرجل والغلام, فإن هذه إذا دخلت معها ألف الاستفهام مددت ولم تحذفها فقلت: ءآلرجل عندك, لأنك لو حذفتها لالتبس الخبر بالاستخبار. قال الله سبحانه: (ءآلله أذن لكم) , (ءآلذكرين حرم أم الأنثيين). فقس على ذلك [موفقًا إن شاء الله تعالى]. قال الشيخ ﵀: ومعنى قولنا «وكل حكم لزم الشديدة فإنه يلزم الخفيفة, إلا في حال الوقف فإنها تبدل ألفًا إذا كان ما قبلها مفتوحًا, فإذا لقيها ساكن فإنها تحذف» أن الحكم في الشديدة والخفيفة حكم واحد. وهو أن الفعل المضارع معهما مبني على ما ذكر, من الفتح مع المذكر, والكسر

стр. 123

مع المؤنث, والضم مع جماعة الرجال, لا يختلف حكمهما في شيء من ذلك. وإنما يختلفان في أشياء أخر غير ذلك. منها أن التأكيد بالشديدة آكد من التأكيد بالخفيفة. فالتأكيد بالنون الشديدة بمنزلة التأكيد باسمين في قولك: قام القوم كلهم أجمعون. والتأكيد بالنون الخفيفة بمنزلة التأكيد باسم واحد من قولك: قام القوم كلهم. ومنها أن تأكيد الخفيفة لا يقع في تثنية ولا مع نون جماعة النساء, لئلا يجمع بين ساكنين. لأن ألف التثنية ساكنة والنون ساكنة, وكذلك [ألف الفصل بعد] نون جماعة النساء ساكنة, ولا يجوز كسرها لالتقاء الساكنين, لأن نون التأكيد الخفيفة لا تحرك بحال خلافًا للتنوين الذي في الأسماء. وهذا أحد الفروق بين النون الخفيفة المؤكدة وبين التنوين في الأسماء. فإما قراءة ابن عامر: (فاستقيما ولا تتبعان) - بتخفيف النون وكسرها - فليست النون نون تأكيد ولا «لا» حرف نهي, وإنما النون نون إعراب وعلامة

стр. 124

رفع و «لا» حرف نفي, والجملة في موضع نصب, وانتصابها على الحال, لأن الواو التي قبلها واو حال, فكأنه قال: فاستقيما وانتما غير متبعين [سبيل الذين لا يعلمون] , أي استقيما في هذه الحال. فموضع هذه الجملة نصب [على الحال]. وإن شئت قدرتها: فاستقيما غير متبعين. فهذا التقدير تقدير المفردات, والأول تقدير الجمل, لأن واو الحال مقدرة بالجمل, وتلك الجمل في موضع نصب على الحال. تقول: جاء فلان وما له عقل, أي [جاء] غير عاقلٍ, أو: جاء لا عاقلًا. ومنها أن نون التأكيد الخفيفة لا تثبت في الوقف كما لا يثبت التنوين في الأسماء في الوقف, وإنما تثبت في الوصل كما يثبت التنوين [في الأسماء] في الوصل, فتقول: اضربن يا زيد, واضربن يا هند, واضربن يا رجال. فإذا وقفت ذهبت النون من جميع ذلك فقلت للمذكر: اضربا, بالألف. والألف بدل من النون الخفيفة مثل التنوين في النصب إذا قلت: اضرب زيدًا. ومع المؤنث: اضربي, تذهب النون وتعود الياء التي كانت للمؤنث, لأنها إنما انحذفت لالتقاء الساكنين. وفي الجماعة: اضربوا, تعود الواو لأن حذفها إنما كان لالتقاء الساكنين. فإن كان الفعل مرفوعًا عادت النون التي كانت للإعراب. [٣١] وهذا من عجائب الأشياء إعراب يزول وصلًا / ويثبت وقفًا. وذلك قولك [في الوصل]: هل تضربن يا هند, فإذا وقفت قلت: هل تضربين. فهذه النون التي في الوقف هي النون التي كانت في الأصل علامة الإعراب

стр. 125

للرفع. وإنما زالت لأجل نون التأكيد, [فلما زالت نون التأكيد] في في الوقف, وعادت الياء عادت نون الإعراب وسكنتها لأنك لا تقف على متحرك. وكذلك تفعل [أيضًا] مع جماعة المذكر, تقول: هل تضربن يا رجال. وإذا وقفت قلت: هل تضربون. فعادت الواو والنون لما ذكرنا. ومنها أن نون التأكيد الخفيفة إذا لقيها ساكن من كلمة بعدها حذفت, بخلاف التنوين. لأن التنوين يحرك لالتقاء الساكنين. مثل: (قل هو الله أحدن الله الصمد) , وهذه تحذف. تقول: اضرب الرجل. كان أصله اضربن رجلًا, فلما دخلت الألف واللام في «الرجل» التقى ساكنان, فحذفتها لالتقاء الساكنين. بخلاف التنوين, لأن التنوين أمكن وأقوى في الأسماء فثبت وحرك. والنون الخفيفة دون ذلك, فلذلك حذفت ولم تحرك. ولما حذفت بقيت الحركة التي قبلها على ما هي عليه لتدل على المحذوف. وأما اختصاص هاتين النونين بفعل الأمر والنهي والاستفهام والقسم, فلأن الأصل في دخولهما أن يكون على فعل غير واجب, فلا يجوز إدخالهما

стр. 126

في الكلام الخبري, لا يجوز «زيد يقومن» , ولا «يقومن». وأكثر استعمالهما فيما ذكرناه من هذه المواضع فلذلك لم يجز أن أن تتعدياها. وأما قولنا: «وجملة خواص الأفعال لا تخلو أيضًا من أربعة أقسام. إما أن تكون من أوله, مثل: قد والسين وسوف. وإما من آخره, مثل اتصال الضمير به على حد فعلا وفعلوا وفعلن. وإما من جملته, مثل كونه أمرًا, أو نهيًا, أو متصرفًا. وإما من معناه, مثل كونه خبرًا ولا يخبر عنه». فإن الغرض بهذا التفصيل حصر خواص الأفعال, كالغرض في حصر خواص الأسماء. فأجملت ها هنا خواص الأفعال, كما أجمل فيما تقدم خواص الأسماء من الجهات الأربع. فالأولية مثل «قد» , ومعناها مع الماضي التوقع والتقريب, مثل: قد قام. ومع المستقبل التقليل, مثل: قد يقوم. و«السين» و «سوف» , ومعناهما التنفيس في الأزمان, إلا أن زمان «سوف» أنفس في الاتساع من [زمان] «السين» , كقولك: سيقوم, وسوف يقوم. ويلحق بالخواص الأولية الجوازم كلها, مثل «لم» و «لما» و «لام الأمر» و «لا» في النهي, و «إن» في المجازاة. ويلحق بها أيضًا «لو» لأنها مختصة بالأفعال.

стр. 127

والآخرية مثل اتصال الضمير به على حد: فعلا وفعلوا وفعلن, مثل: ضربا, وضربوا, وضربن, ويضربان, وتضربون [وتضربين]. ولذلك حكمنا على «ليس» بالفعلية لأنك تقول: ليسا وليسوا ولسن. وكذلك حكمنا على «عسى» بالفعلية, لقولك: عسى [وعسيا] وعسوا وعسين. ويلحق بذلك تاء التأنيث التي تكون [تاء] في الوصل والوقف, مثل ضربت هند, وهند ضربت. ولذلك حكمنا على «نعم» و «بئس» بالفعلية, لأنك تقول: نعمت المرأة [هند] , وبئست المرأة [هند]. ويلحق به بناؤه على الفتح من غير عارض عرض له. ولذلك حكمنا على فعل التعجب من مثل: «ما أحسن زيدًا» بالفعلية, وبغير ذلك. بدخول نون الواقية [فيه] , مثل: ما أحسنني, وما أصنعني. وهذه النون لا تكون إلا في الأفعال خاصة وما شبه بالأفعال, فلذلك كانت من خواص الأفعال. والتي من جملته من الأمر والنهي والتصرف ظاهر. يجمعه التصرف بالماضي والحاضر والمستقبل والأمر والنهي. مثل: فعل, يفعل, سيفعل, افعل, لا تفعل. فهذا تصرف [في] جملة الكلمة, وتلعب بها من جميع جهاتها. ولا يكون ذلك إلا في الأفعال دون غيرها. فأما أسماء الفاعلين من نحون: الآكل والشارب, والمفعولين من نحو: المأكول والمشروب,

стр. 128

وأسماء الحدث من نحو: الأكل والشرب, وأسماء الأفعال من نحو: أكال وشراب ونزال وتراك, وأسماء الزمان والمكان من نحو: المأكل والمشرب, لمكان الأكل والشرب وزمانيهما, فإن جميع ذلك على اختلاف أنواعه أسماء, لصحة علامة الإسمية فيها. فكان الأفعال كلها خمسة, والأسماء المشتقة منها خمسة. والأفعال التي لا تنصرف خمسة مع ما حمل عليها. فاحفظ ذلك فإنك تحيط بمشيئة الله تعالى معه بجميع الأفعال حتى لا يشكل عليك منها شيء, ولا من الأسماء, ولا يكون ما عدا ذلك حروفًا على ما يأتي تعديده في فصل الحروف. والتي في معناه مثل كونه خيرًا ولا يخبر عنه. فالأفعال الخبرية هي التي تحتمل الصدق والكذب من نحو: فلان سافر, وما سفر فلان, وفلان فعل كيت وكيت وما فعل كيت وكيت. فأما الأوامر والنواهي من نحو: افعل, ولا تفعل, فليست بأخبار لأنها ليست محتملة صدقًا ولا كذبًا. وكذلك الاستخبار [٣٢] من نحو [قولك]: أقام فلان أملم يقم؟ . / فاعرف ذلك وقس عليه [تصب] إن شاء الله.

стр. 129

الفصل الثالث: فصل الحرف أما قولنا: «الحرف ما أبان عن معنى في غيره, ولم يكن أحد جزأي الجملة, خلافًا للاسم والفعل. من نحو «من» و «إلى» وشبهه». فإن القصد بهذه الزيادة الاحتراز من الذي [والتي] , وسائر الأسماء الموصولات, فإنها أسماء لا تفيد إلا بصلاتها, كالحروف التي لا تفيد معنى إلا في غيرها, لكنها تكون تارة مبتدأ, وتارة خبر ابتداء, وتارة فاعلة [وتارة مفعولة]. وليس لشيء من الحروف مثل ذلك. مثال الفاعل: جاءني الذي عندك, ومثال المبتدأ: الذي عندك جاءني, ومثال الخبر: هو الذي عندك, [ومثال المفعول: رأيت الذي عندك]. وأما قولنا: «وإنما لقب هذا النوع حرفًا لأنه أخذ من حرف الشيء, وهو طرفه. من حيث كان معناه في غيره, فصار كأنه طرف له». فإن هذا كلام بين في تفسير الاشتقاق كتفسير اشتقاق الاسم «لم سمي اسمًا» , واشتقاق الفعل «لم سمي فعلًا».

стр. 130

وأما قولنا: «وقسمنه ثلاثة: حروف عاملة, وحروف غير عاملة, وحروف تعمل على صفة ولا تعمل على [صفة] أخرى». فإن هذه قسمة الحروف التي تسبب بها إلى حصرها كما تسبب في معرفة قسمة الأفعال والأسماء إلى حصرها. وأما قولنا: «وأما الحروف العاملة فثمانية وثلاثون حرفًا». فإنه نظر إلى جميع الحروف العاملة. ولما كان عملها لا ينفك من أقسام أربعة: نصب الأسماء, وجر الأسماء, ونصب الأفعال, وجزم الأفعال, حصر ذلك بالعد, فإن الحروف العاملة مشكلة جدًا. ونبدأ بالأولى فالأولى منها على الترتيب. فلذلك قلنا: «منها ستة تنصب الاسم وترفع الخبر ما لم يكن معها «ما» , وذلك إن وأنوكأن ولكن ولبيت ولعل, مثل: إن فلانًا فاعل, وإنما فلان فاعل. وكلها تعمل عملًا واحدًا. وكلها إذا دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفع الاسمان بعدها, مثل: إنه زيد قائم. وكلها إذا دخلت عليه «ما» كفتها. وكل ما جاز أن يكون صلة للذي وأخواتها جاز أن يكون خبرًا لها. وكلها لا يجوز أن تتقدم أخبارها على أسمائها إلى إذا كان الخبر ظرفًا, أو جارًا ومجرورًا. وكلها لا تدخل اللام في خبرها إلا في «إن» وحدها. وكلها لا يعطف على

стр. 131

موضعها بالرفع إلا في «إن» و «أن». فإن جميع هذه الأحكام الثمانية المجملة لا غنى بك عن معرفتها لكثرة دورها وانتشارها. فالعلة أولًا في إعمال هذه الحروف أنها مشبهة للأفعال من جهة لفظها ومعناها. فلفظها بناؤها على الفتح, واتصال الضمير بها. وأنها شابهت الأفعال لاتصال نون الوقاية بها نحو: إنني. ومعناها التأكيد والتشبيه والاستدراك والتمني والترجي. فأعطيت بهذا القدر من الشبه حكمًا من العمل, وهو نصب الاسم ورفع الخبر, فلذلك قلنا: «إن فلانًا فاعل» , بنصب الأول ورفع الثاني. فإن دخلت «ما» كفت [إن] عن العمل لأنها ليست بمستحقة للعمل إلا بحكم الشبه, فإذا دخل عليها مانع نقلها إلى حال الابتداء. فصارت هذه الحروف حينئذ حروف ابتداء, وارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر, فقلت: إنما فلان فاعل, و (إنما الله إله واحد).

стр. 132

والعلة في [كونها] كلها تعمل عملًا واحدًا أنها كالأفعال التي يعمل كل جنس منها عملًا واحدًا, فما اقتضى معناه أن يتعدى إلى واحد تعدى إليه, وما اقتضى معناه أن يتعدى إلى اثنين تعدى إليهما, على ما تراه فيما بعد. فلذلك لم يختلف جنس العمل. وجعل المنصوب مقدمًا على المرفوع لأنها شبهت من الأفعال بما تقدم مفعوله على فاعله. والعلة في أنها إذا دخل عليها ضمير الشأن والقصة ارتفع الاسمان بعدها في مثل: إنه زيد قائم, [هو] أن ضمير الشأن والقصة لا يفسر أبدًا إلا بجملة, والجملة محكية مؤداة على ما هي عليه, فصارت في الظاهر كأنها لم تعمل شيئًا, وهي في التقدير عاملة. لأنك إذا قلت: إنه زيد قائم, فالهاء في موضع نصب, وليست براجعة على مذكور [قبلها] , وإنما هي مفسرة بما بعدها, وذلك الذي بعدها هو الجملة المذكورة, تالية [مبينة] لها, فلا تحتاج من هذه الجملة إلى عائد لكونه إياها, إذ الهاء هي قولك «زيد قائم». والعلة في كون أخبارها مقسمة تقسمة الصلة أن الصلة لا توصل إلا بجملة خبرية محتملة الصدق والكذب. والجمل الخبرية لا تنفك من أربعة أقسام: مبتدأ وخبر, ومثاله: إن زيدًا أبوه منطلق. وفعل وفاعل, ومثاله: إن زيدًا انطلق أبوه. وشرط وجزاء, ومثاله: إن زيدًا إن انطلق أبوه انطلق

стр. 133

أخوه. وظرف, ومثاله: إن زيدًا عندك. وهذا الظرف يقدر تارة بالجملة وتارة بالمفرد. والأجود إذا وقع خبرًا أو صفة أو حالًا أن يقدر بالمفرد, لأنه أخصر من الجملة. / وإذا وقع صلة فلا يقدر إلا بالجملة, لأن «الذي» وأخواتها [٣٣] لا تقدر صلاتها إلا بجملة. فاعرف ذلك. والعلة في امتناع تقديم أخبارها على أسمائها في جميع المذكور, سوى الظرف والجار والمجرور, هو أن هذه الحروف إنما عملت بحكم الشبه ولم يبلغ من قوتها أن يكون حكمها حكم «كان وأخواتها» التي هي أفعال. لأنها لما تصرفت في أنفسها تصرفت في أخبارها بالتقديم لها على أسمائها, وعليها في أنفسها. وليس كذلك «إن» وأخواتها, لأنه لا يجوز أن يتقدم شيء بحال عليها في أنفسها. فأما على أسمائها فلا يجوز إلا في الظرف والجار والمجرور. مثال الظرف: إن عندك زيدًا. ومثال الجار والمجرور: إن في الدار زيدًا, و (إن فيها قومًا جبارين). وإنما جاز هذا خاصة في الظرف والجار والمجرور لاتساعهم في الظروف وما نزل منزلتها. ألا تراهم قد فصلوا بالظرف بين المضاف والمضاف إليه في مثل قولهم: * لله در اليوم من لامها *

стр. 134

فـ «من لامها» في موضع جر بالإضافة إلى «در» , وقد فصل بينهما باليوم. فهذه الحروف أولى بأن يفصل بينها وبين أسمائها بالظروف, لأن هذه الظروف وإن تعقلت بالاستقرار المحذوف فإن ذلك المحذوف لا يقدر إلا أخيرًا, فإذا قلت: إن عندك زيدًا, فتقديره: إن عندك زيدًا مستقر. لأن تقديره أولًا قبل الظرف, أو بعد الظرف بينه وبين الاسم, يؤديك إلى تقديم خبر «إن» على اسمها بغير الظرف, وهذا غير جائز. ولذلك قدر أخيرًا. وكذلك يقدر في مثل: (إن فيها قومًا جبارين) , أي: إن فيها قومًا جبارين مقيمون, لأن جبارين من نعت القوم, وهو من تمام الاسم, وليس بحال لأن الحال لا يحسن من النكرة. والعلة في امتناع اللام من الدخول في خبر هذه الحروف سوى «إن» المكسورة [هو أن ما سوى إن المكسورة] مثل: ليت ولعل وكأن ولكن قد غيرن معنى الابتداء. واللام في الأصل هي لام الابتداء فلم يجز دخولها مع هذه الحروف المغيرة المعنى. لا يجوز: ليت زيدًا لقائم, ولا: لعله لقائم, ولا: كأنه لقائم, ونحوه. وإنما يجوز هذا مع «إن» وحدها. وجوازه مع «إن» في ثلاثة مواضع, مع الخبر في مثل: إن زيدًا لقائم, ومع الاسم إذا تأخر بعد الخبر مثل: إن في الدار لزيدًا, ومع الفضلة إذا كانت قبل الخبر مثل: إن زيدًا لطعامك آكل. والذي لا يجوز ثلاثة أيضًا. لا يجوز الجمع بين إن واللام, لا تقول:

стр. 135

إن لزيدًا قائم, ولا: إن لفي الدار زيدًا, ولا: إن زيدًا آكل لطعامك. لأنك في هذه الأخيرة قد أدخلتها على فضلة بعد الخبر. وفي الأولين [قد] جمعت بين حرفين مؤكدين. والعلة في أنه لا يعطف على موضعها بالرفع إلا في إن المكسورة [وحدها] بلا خلاف, و «أن» المفتوحة بخلاف, أن ما عدا «إن وأن» حرف قد غير معنى الابتداء. فقد بطل حكم الحمل على موضع الابتداء. ولا خلاف في الحمل على موضع «إن» المكسورة, لأنها لمجرد التأكيد من غير تعلق بعامل يعمل فيها يغير معناها. وأما «أن» المفتوحة ففيها قولان: أحدهما مذهب الفارسي وأمثاله من المحققين. أنه لا يجوز العطف على موضع «أن» المفتوحة, لأن أن المفتوحة لا تكون مفتوحة إلا بعامل, وذلك العامل لا يخلو من أن يكون رافعًا أو ناصبًا أو جارًا. فالرافع مثل: أعجبني أنك منطلق, أي أعجبني انطلاقك, والناصب مثل: كرهت أنك منطلق, أي كرهت انطلاقك, والجار [مثل]: عجبت من أنك منطلق, أي عجبت من انطلاقك. أفلا ترى أنها في هذه الأحوال الثلاثة قد ارتفع عنها معنى الابتداء, إذ المبتدأ لا يكون فاعلًا, ولا مفعولًا, ولا

стр. 136

مجرورًا بعامل يتعلق بفعل يدخله في جملته ويخرجه عن حد الابتداء وحكمه. ولأجل ذلك اتفق الكل على أنه لا يجوز الابتداء بأن المفتوحة, لأنه لابد لها من عامل لفظي, ولا يعمل فيها الابتداء بحال. وإذا امتنع [من] أن يبتدأ بها لهذه العلة [المذكورة] ولما تقدم ذكره, فقد ظهر أنه قد ارتفع عنها معنى الابتداء. وإذا ارتفع [معنى الابتداء] لم يبق لها موضع ابتداء. [وإذا لم يبق لها موضع ابتداء] فعلى أي شيء يحمل العطف قبل دخولها. ومن جوز الحمل على موضعها تعلق بنفس ظاهرها, وأجراها مجرى «إن» في كونهما حرفين مؤكدين لفظيين. وليس اتفاق اللفظ مما يوجب اتفاق المعنى, لأن في كلامهم أشياء كثيرة متفقة اللفظ مختلفة المعنى, في الأسماء والأفعال والحروف والحركات. مع أنه أيضا ما اتفقا من كل وجه. لأن «إن» محركة همزتها بالكسر بالأصل, و «أن» محركة همزتها بالفتح. وأن «إن» المكسورة [٣٤] عاملة غير معمولة, و «أن» المفتوحة عاملة / ومعمول فيها. وأن «إن» المكسورة مقدرة تقدير الجمل, و «أن» المفتوحة مقدرة تقدير المفرد. ولأن

стр. 137

المواضع التي تقع فيها «إن» ليست المواضع التي تقها فيها «أن». حتى [أنه] إذا اتفق أن يقعا في مسألة واحدة كان المعنى مختلفًا, مثل: خرجت فإذا إنه عبد, وإذا أنه عبد. وإذا ثبت بهذه الوجوه كلها معرفة المخالفة فأي موضع يبقى لها من الابتداء حتى يعطف عليه. لأن أحكامها في جميع وجوهها أحكام المفرد, والمفرد لا مدخل له في المبتدأ. وأحكام المكسورة أحكام الجملة, [لأنك] تسقطها فتبقى جملة تامة. وهذا أوضح من أن يزاد عليه ما لا يحتاج إليه. فأما إيرادهم الآية في قوله (أن الله بريء من المشركين ورسوله) فإنه إذا حسن الظن بمن جوزه فإنما هو محمول على الرواية بكسر «إن» ,

стр. 138

وهي تروى عن الحسن البصري, وهارون عن أبي عمرو. وليس هناك داع يدعو إلى الحمل على موضوع «أن» في الآية, لأن في الكلام مندوحة عنه وهو العطف على المضمر في «بريء». لأنه قد سد طول الكلام بالجار والمجرور مسد التأكيد, بقوله «من المشركين» , وطول الكلام يسد كثيرًا مسد التأكيد مثل: (ما أشركنا ولا آباؤنا) فلا إشكال في عطف الآباء على المضمر المرفوع من «أشركنا» , ولا تأكيد هناك ولا فصل ولا شيء أكثر من طول الكلام بقوله «ولا» , مع أن الطول بعد الواو, وإنما المراعى أن يكون الطول قبل حرف العطف, مثل: (فأجمعوا أمركم وشركاؤكم). على من رفع الشركاء,

стр. 139

لأنه يرفعه بالعطف على الواو في «فأجمعوا» , وقد سد «أمركم» المنصوب مسد التأكيد للطول به. وأما أن يكون «الرسول» مرفوعًا بالابتداء, والخبر محذوف, فمنهج مسلوك ونظيره كثير في القرآن. وإنما امتنع أن يكون محمولًا على موضع «أن» لأن «أن» في الآية لا تخلو من أن تكون مبتدأ, أو خبر مبتدأ, أو مفعولة. فكونها مبتدأة لا يجوز أن المفتوحة لا يبتدأ بها [بإجماع]. وكونها خبر مبتدأ, لا تخلو من أن تكون خبر مبتدأ محذوف, أو خبر «أذان». فكونها خبرًا لأذان ممتنع, لأن أذانا نكرة, وأن المفتوحة باسمها وخبرها مقدرة تقدير المعرفة. والتلخيص «أذان براءة الله ورسوله من المشركين». وكونه خبر مبتدأ محذوف دعوى تحتاج إلى [إقامة] دليل, وتكلف تقدير محذوف, فلم يعتد به. فلم يبق إلا أن يكون معمولًا لأذان على تقدير جاز, كأنه قال: «وأذان بأن الله» , وإذا كان معمولًا للجار, فالجار والمجرور في موضع نصب بأذان. وإذا كان في موضع نصب بأذان فقد صار في موضع المفرد الذي هو مفعول به. وإذا صار في موضع المفرد الذي هو مفعول به بطل حكم الابتداء. وإذا بطل حكم الابتداء بطل أن يكون «الرسول» محمولًا على ذلك. وهذا واضح.

стр. 140

وإنما وسع الكلام في هذه المسألة حسب ما سألت أيها الأخ - وفقك الله - وحكيت من جريانها بحيث جرت ووقع التنازع فيها على الصفة التي انتهت. ولكل اجتهاده. والله الموفق للإجابة [والسلامة] ومجزل الخير لمن تولى في مثله حسن النيابة. وبالله التوفيق. *** وأما قولنا: «ومنها تسعة أحرف تنصب الفعل المستقبل. وهي: «أن» الخفيفة المصدرية إذا كان قبلها فعل طمع واشفاق. و «لن» على كل حال, ومعناها نفي المستقبل. و «إذن» ,ومعناها الجواب والجزاء, إذا لم يعتمد ما بعدها على ما قبلها, ولم يكن معها حرف عطف, ولم يكن الفعل فعل الحال. و «كي» على كل حال, ومعناها الغرض, و «حتى» إذا كانت بمعنى «كي» , أو «إلى أن» و «الفاء» إذا كانت جوابًا لاستفهام, أو أمر, أو نهي, أو جحد, أو عرض, أو تمن, أو تحضيض, أو دعاء. و «الواو» إذا كانت جوابًا بمعنى الجمع. و «أو» إذا كانت بمعنى «إلا أن». «واللام» في الموجب وغيره. كل هذه إذا كانت على هذه الصفة المخصوصة نصبت الفعل المستقبل من نحو: أريد أن تفعل, وليفعل, [ولن يفعل].

стр. 141

فإن هذا فصل مختصر مستوفى الاختصار, مجمل المعاني في الحروف الناصبة للفعل المستقبل [ومعانيها]. والأصل منها «أن» لأنها الدائرة الكثيرة الاستعمال ظاهرة ومقدرة. وهذه التسعة على ثلاثة أقسام. منها أربعة لا تنصب إلا بوجودها ظاهرة. وهي «أن» إذا لم يخلفها حرف, و «لن» و «إذن» و «كي». وخمسة تنصب [بأن] مقدرة وهي ما بعد «حتى» و «الفاء» و «الواو» و «أو» , و «اللام» في النفي. فإن هذه [الحروف] الخمسة لا تنصب بنفسها, وإنما تنصب بإضمار «أن» مقدرة بعدها. لأن كل حرف من هذه الحروف الخمسة - سوى / اللام - تدخل على الأسماء وعلى الأفعال. وليس عملها في الأسماء [٣٥] بأولى من عملها في الأفعال, ولا عملها في الأفعال بأولى من عملها في الأسماء. ولذلك كان حكم النصب لغيرها, وهي «أن» المقدرة بعدها. فإذا قلت: سرت حتى تسير, فتقديره: سرت حتى أن تسير. فتسير منصوب بأن, وأن تسير ي موضع جر بحتى, و «حتى» وما بعدها في موضع نصب بسرت. هذا هو التحقيق. وكذلك الحكم فيما بعد الفاء والواو وأو, أعنى بتقدير «أن». مثال الفاء: أتقوم فأقوم, أي فأن أقوم. فـ «أقوم» منصوب بأن, و «أن أقوم» في تأويل الاسم, وذلك الاسم محمول على تأويل المصدر, مصدر الفعل المتقدم.

стр. 142

وتلخيص الكلام: أيكون قيام منك وقيام مني. فالفاء وإن كانت جوابًا فأصلها العطف. وليس هذا المعنى كمعنى الرفع إذا قلت: أتقوم فأقوم. لأن الأول استفهام محض, والثاني خبر محض. ومثال الواو: لا تقم وأقوم, أي وأن أقوم, أي لا يجتمع قيام منك وقيام مني. وعلى هذا قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, بنصب الباء. لأن النهي يتناول الجمع بينهما, أي لا يكن منك أكل للسمك وشرب للبن معًا. ولو جزمت فقلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, لكان النهي يتناولهما جميعًا مفردين ومجتمعين. فمتى تناول أحدهما دون الآخر فقد عصى الناهي, وليس كذلك في المسألة الأولى, فمتى تناول أحدهما دون الآخر لم يكن عاصيًا. ولو رفع فقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, وجعل الواو واو حال, أي: وأنت تشرب اللبن, لكانت الجملة في موضع نصب على الحال. أي لا تأكل السمك شاربًا للبن, أي: لا تأكله على هذه الحال. [وهذا] بمنزلة من مضغ المطعوم وهو يشرب الماء. وهو خلاف المعنيين المتقدمين. فاعرف ذلك, فإنه يكشف [لك] المعاني, ويؤكد في نفسك

стр. 143

عظم قدر هذا العلم, وشدة الحاجة إلى معرفته على التحقيق, لما تحته من المعاني المدفونة. ومثال «أو»: لألزمنك أو تفضيني حقي. أي: أو أن تقضيني حقي, أي ليكونن لزوم مني أو قضاء حق فيرتفع اللزوم. ووجه آخر وهو أن يكون معنى الكلام معنى «إلى أن» فيكون غاية, أي: لألزمنك إلى أن تقضيني حقي. ومثال «اللام» ما أكرمتك لتكرمني, وما أردتك لتريدني. أي لأن تريدني. فالنصب أيضًا بإضمار أن. ولا يجوز إظهارها ولا استعمالها. كما لا يجوز مع الأربعة التي قبلها, لأن الحرف قد ناب في اللفظ عنها واستغني بذكره عن ذكرها. فإن كانت اللام في الموجب جاز أن تأتي بها وألا تأتي بها, فتقول: جئتك لتجيئني, وأردتك لتريدني, وإن شئت: لأن تريدني, أي: أردتك لإرادتك [إياي]. وهي لام الجر, ولام العلة. وأما معاني هذه الحروف فقد أشرت إليها. فمعنى «أن» الخفيفة كمعنى المصدر. وهي تصرف الكلام إلى وجهين وتنقله [نقلين, تنقله] إلى الاستقبال,

стр. 144

وتنقله إلى تأويل الاسم. فإذا قلت: أطمع أن تغفر لي, فتقديره أطمع في الغفران المرجو. ولن تخلو الأفعال الواقعة قبل «أن» من ثلاثة أقسام. إن كانت أفعال طمع وإشفاق كانت الناصبة للفعل [المستقبل]. وإن كانت أفعال علم ويقين كانت المخففة من الثقيلة, فلم تنصب الفعل المستقبل. وإن صح فيها الأمران جاز فيها الوجهان. مثال الأول: أطمع أن تغفر لي, وأرجو أن تهب لي, وأخاف أن تفوتني, وأشفق أن يتغير علي. ومثال الثاني: أعلم أن ستقوم, وأتحقق أن ستفلح, وأرى أن لا يخيب, كل هذه مخففة من المشددة التي تنصب الاسم وترفع الخبر. ومثال الثالث أفعال الحسبان والظن. لأن في الحسبان والظن ضربًا من العلم وضربا من الشك, فيجوز أن يقع بعدها الناصبة للأفعال والناصبة للأسماء, وهي المخففة من المشددة. وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه: (وحسبوا ألا تكون فتنة). على القراءتين جميعا,

стр. 145

من نصب جعلها الناصبة [للفعل] , وكتبها متصلة, ومن رفع جعلها المخففة من الثقيلة, وكتبها منفصلة. لأن التقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة. حذف الاسم, وخففت «أن» , ودخلت «لا» عوضًا مما لحق «أن» , فاجتمعت مع نون «أن» فأدغمت فيها لفظًا وفصلت في الخط تقديرًا. والناصبة للأفعال ليست مخففة من المشددة بل أصلها أن. والمخففة من المشددة التي يرتفع الفعل بعدها أصلها أن, على ما بيناه. ولأن المخففة قسمان آخران. أحدهما أن تكون بمعنى أي, وهي التي بمعنى التفسير, كقوله سبحانه: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) بمعنى أي امشوا, فهذه لا تعمل شيئًا. ومثله: أمرتك أن قم, [بمعنى] أي قم. والقسم الآخر أن تكون زائدة, مثل: (فلما أن جاء البشير) / أي فلما جاء البشير. وهذه [٣٦] أيضًا لا تعمل شيئًا. فهذه أربعة أقسام. وأما «لن» فقسم واحد. وفيها قولان. أحدهما أنها مفردة. والآخر قول الخليل [﵀] أنها مركبة. أصلها «لا أن» فحذفت الألف والهمزة تخفيفًا, فبقيت «لن». والصحيح قول سيبويه أنها مفردة لجواز تقديم معمول فعلها عليها, مثل: زيدًا لن أضرب. فلو كان أصلها «لا أن» لم يجز التقديم
следующие страницы →