← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18278

شرح المقدمة المحسبة

ابن بابشاذ

Полный текст (380 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فإن هذا فصل مختصر مستوفى الاختصار, مجمل المعاني في الحروف الناصبة للفعل المستقبل [ومعانيها]. والأصل منها «أن» لأنها الدائرة الكثيرة الاستعمال ظاهرة ومقدرة. وهذه التسعة على ثلاثة أقسام. منها أربعة لا تنصب إلا بوجودها ظاهرة. وهي «أن» إذا لم يخلفها حرف, و «لن» و «إذن» و «كي». وخمسة تنصب [بأن] مقدرة وهي ما بعد «حتى» و «الفاء» و «الواو» و «أو» , و «اللام» في النفي. فإن هذه [الحروف] الخمسة لا تنصب بنفسها, وإنما تنصب بإضمار «أن» مقدرة بعدها. لأن كل حرف من هذه الحروف الخمسة - سوى / اللام - تدخل على الأسماء وعلى الأفعال. وليس عملها في الأسماء [٣٥] بأولى من عملها في الأفعال, ولا عملها في الأفعال بأولى من عملها في الأسماء. ولذلك كان حكم النصب لغيرها, وهي «أن» المقدرة بعدها. فإذا قلت: سرت حتى تسير, فتقديره: سرت حتى أن تسير. فتسير منصوب بأن, وأن تسير ي موضع جر بحتى, و «حتى» وما بعدها في موضع نصب بسرت. هذا هو التحقيق. وكذلك الحكم فيما بعد الفاء والواو وأو, أعنى بتقدير «أن». مثال الفاء: أتقوم فأقوم, أي فأن أقوم. فـ «أقوم» منصوب بأن, و «أن أقوم» في تأويل الاسم, وذلك الاسم محمول على تأويل المصدر, مصدر الفعل المتقدم.

стр. 142

وتلخيص الكلام: أيكون قيام منك وقيام مني. فالفاء وإن كانت جوابًا فأصلها العطف. وليس هذا المعنى كمعنى الرفع إذا قلت: أتقوم فأقوم. لأن الأول استفهام محض, والثاني خبر محض. ومثال الواو: لا تقم وأقوم, أي وأن أقوم, أي لا يجتمع قيام منك وقيام مني. وعلى هذا قولهم: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, بنصب الباء. لأن النهي يتناول الجمع بينهما, أي لا يكن منك أكل للسمك وشرب للبن معًا. ولو جزمت فقلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, لكان النهي يتناولهما جميعًا مفردين ومجتمعين. فمتى تناول أحدهما دون الآخر فقد عصى الناهي, وليس كذلك في المسألة الأولى, فمتى تناول أحدهما دون الآخر لم يكن عاصيًا. ولو رفع فقال: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, وجعل الواو واو حال, أي: وأنت تشرب اللبن, لكانت الجملة في موضع نصب على الحال. أي لا تأكل السمك شاربًا للبن, أي: لا تأكله على هذه الحال. [وهذا] بمنزلة من مضغ المطعوم وهو يشرب الماء. وهو خلاف المعنيين المتقدمين. فاعرف ذلك, فإنه يكشف [لك] المعاني, ويؤكد في نفسك

стр. 143

عظم قدر هذا العلم, وشدة الحاجة إلى معرفته على التحقيق, لما تحته من المعاني المدفونة. ومثال «أو»: لألزمنك أو تفضيني حقي. أي: أو أن تقضيني حقي, أي ليكونن لزوم مني أو قضاء حق فيرتفع اللزوم. ووجه آخر وهو أن يكون معنى الكلام معنى «إلى أن» فيكون غاية, أي: لألزمنك إلى أن تقضيني حقي. ومثال «اللام» ما أكرمتك لتكرمني, وما أردتك لتريدني. أي لأن تريدني. فالنصب أيضًا بإضمار أن. ولا يجوز إظهارها ولا استعمالها. كما لا يجوز مع الأربعة التي قبلها, لأن الحرف قد ناب في اللفظ عنها واستغني بذكره عن ذكرها. فإن كانت اللام في الموجب جاز أن تأتي بها وألا تأتي بها, فتقول: جئتك لتجيئني, وأردتك لتريدني, وإن شئت: لأن تريدني, أي: أردتك لإرادتك [إياي]. وهي لام الجر, ولام العلة. وأما معاني هذه الحروف فقد أشرت إليها. فمعنى «أن» الخفيفة كمعنى المصدر. وهي تصرف الكلام إلى وجهين وتنقله [نقلين, تنقله] إلى الاستقبال,

стр. 144

وتنقله إلى تأويل الاسم. فإذا قلت: أطمع أن تغفر لي, فتقديره أطمع في الغفران المرجو. ولن تخلو الأفعال الواقعة قبل «أن» من ثلاثة أقسام. إن كانت أفعال طمع وإشفاق كانت الناصبة للفعل [المستقبل]. وإن كانت أفعال علم ويقين كانت المخففة من الثقيلة, فلم تنصب الفعل المستقبل. وإن صح فيها الأمران جاز فيها الوجهان. مثال الأول: أطمع أن تغفر لي, وأرجو أن تهب لي, وأخاف أن تفوتني, وأشفق أن يتغير علي. ومثال الثاني: أعلم أن ستقوم, وأتحقق أن ستفلح, وأرى أن لا يخيب, كل هذه مخففة من المشددة التي تنصب الاسم وترفع الخبر. ومثال الثالث أفعال الحسبان والظن. لأن في الحسبان والظن ضربًا من العلم وضربا من الشك, فيجوز أن يقع بعدها الناصبة للأفعال والناصبة للأسماء, وهي المخففة من المشددة. وعلى ذلك يحمل قوله سبحانه: (وحسبوا ألا تكون فتنة). على القراءتين جميعا,

стр. 145

من نصب جعلها الناصبة [للفعل] , وكتبها متصلة, ومن رفع جعلها المخففة من الثقيلة, وكتبها منفصلة. لأن التقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة. حذف الاسم, وخففت «أن» , ودخلت «لا» عوضًا مما لحق «أن» , فاجتمعت مع نون «أن» فأدغمت فيها لفظًا وفصلت في الخط تقديرًا. والناصبة للأفعال ليست مخففة من المشددة بل أصلها أن. والمخففة من المشددة التي يرتفع الفعل بعدها أصلها أن, على ما بيناه. ولأن المخففة قسمان آخران. أحدهما أن تكون بمعنى أي, وهي التي بمعنى التفسير, كقوله سبحانه: (وانطلق الملأ منهم أن امشوا) بمعنى أي امشوا, فهذه لا تعمل شيئًا. ومثله: أمرتك أن قم, [بمعنى] أي قم. والقسم الآخر أن تكون زائدة, مثل: (فلما أن جاء البشير) / أي فلما جاء البشير. وهذه [٣٦] أيضًا لا تعمل شيئًا. فهذه أربعة أقسام. وأما «لن» فقسم واحد. وفيها قولان. أحدهما أنها مفردة. والآخر قول الخليل [﵀] أنها مركبة. أصلها «لا أن» فحذفت الألف والهمزة تخفيفًا, فبقيت «لن». والصحيح قول سيبويه أنها مفردة لجواز تقديم معمول فعلها عليها, مثل: زيدًا لن أضرب. فلو كان أصلها «لا أن» لم يجز التقديم

стр. 146

لأن «أن» لا يتقدم عليها ما في صلتها. ومعناها في القولين نفي [الفعل] المستقبل. وأما «إذن» ففيها أيضًا قولان, أحدهما لسيبويه [﵀] أنها مفردة كلن. والآخر للخليل [﵀] أنها مركبة أصلها: «إذ أن» ألقيت حركة الهمزة على الذال وحذفت [الهمزة] فصارت إذن. ومعناها في القولين جميعًا الجواب والجزاء. ولا تعمل في القولين جميعًا إلا بالشرائط المذكورة, وهي ثلاث. أن لا يعتمد ما بعدها على ما قبلها. ومثال الاعتماد قولك: زيد إذن يقوم, ترفعها ها هنا لأن ما بعد إذن خبر لمبتدأ فقد اعتمد عليه. وكذلك: إني إذن أقوم, وإن الزيدين إذن يقومان. والثاني فعل الحال. ومثال فعل

стр. 147

الحال الذي لا تعمل فيه «إذن» أن يحدثك إنسان بحديث فتقول له في الحال: إذن أظنك صادقًا, وإذن أكذبك, لأن فعل الحال يشبه الأسماء, فلا تعمل فيه النواصب والجوازم شيئًا. والثالث العطف, ومثاله أن تقول: زيد يقوم وإذن تقعد, فهذا لك فيه وجهان: النصب لوقوع إذن قبله في أول جملة, والرفع بالعطف على الفعل الأول وإلغاء إذن. فاعرف ذلك, وقس عليه إن شاء الله تعالى. وأما «كي» فقسم واحد. ومعناها الغرض [وهي] عاملة على كل حال مثل: قمت كي تقوما يا زيدان, وكي تقوما يا زيدون. و«حتى» لها في النصب معنيان. أحدهما كمعنى «كي» , وهو إذا كان ما بعدها مسببًا لما قبلها, مثل: قمت حتى تقوم, [أي: كي تقوم] , وصمت حتى يغفر الله لي, أي كي يغفر الله لي. وإذا لم يكن ما بعدها مسببًا لما قبلها كانت بمعنى «إلى أن» , مثل [قولك]: سرت حتى تطلع الشمس, بمعنى إلى أن تطلع الشمس. وليست بمعنى «كي» ها هنا لأن الشمس تطلع

стр. 148

سواء سار سائر أو لم يسر. فهذان معنيان للنصب أبدًا. وللرفع معنيان أحدهما: أن يكون الفعل في تأويل الماضي أو في تأويل فعل الحال. فمثال الذي بمعنى الماضي قولك: سرت حتى أدخلها, بالرفع, أي سرت فدخلتها. فليست حتى ها هنا عاملة وإنما هي حرف من حروف الابتداء وكذلك إذا أردت الحال, كأنك قلت: سرت حتى أنا الآن أدخلها. وعلى هذا يقرءون: (وزلزلوا حتى يقول الرسول) , رفعًا ونصبًا. والفاء إنما تنصب إذا كانت جوابًا لأحد الأشياء الثمانية. الاستفهام. ومثاله أيقوم فأقوم. والأمر, ومثاله: قم فأقوم. والنهي, ومثاله: لا تقم فأقوم. [والجحد, ومثاله: ما قمت فأقوم. والعرض, ومثاله: ألا تقوم

стр. 149

فأقوم]. والتمني, ومثاله: ليتك تقوم فأقوم. والتحضيض ومثاله: هلا قمت فأقوم. والدعاء, ومثاله: رزقك الله العافية فتصح. فقس على ذلك [تصب] إن شاء الله تعالى. و«الواو» و «أو» و «اللام» في الايجاب والنفي. وقد ذكرت أمثلتها والصفة المخصوصة قد شرحتها. *** وأما قولنا: «ومنها ثمانية عشر حرفًا تجر الاسم وتوصل معنى الفعل إليه, وهي: من, وإلى, وفي, واللام في أحد أقسامها, وكاف التشبيه, ومذ ومنذ بمعنى الزمان الحاضر, وحتى بمعنى إلى, وواو القسم وتاؤه. وحاشا في الاستثناء, وخلا وعدا في أحد الوجهين. كلها تدخل على المعرفة وعلى النكرة سوى رب. وكلها تكون آخر الكلام وأوله إلا رب. وكلها تدخل على الظاهر وعلى المضمر إلا رب, وكاف التشبيه, ومذ ومنذ, وحتى في أحد أقسامها, وواو القسم وتاءه, وواو رب وفاءها. وكل ما وقع منها خبرًا لمبتدأ, أو صفة لموصوف, أو صلة لموصول, أو حالًا لذي حال, فإنه يتعلق

стр. 150

أبدًا بمحذوف. وما عدا ذلك فإن الحرف يتعلق بموجود أو ما هو في حكم الموجود». فإن الأصل في دخول حروف الجر إنما هي لإيصال معاني الأفعال إلى الأسماء. مثل: خرجت من الدار, وجئت إلى السوق. فـ «من» أوصلت معنى الخروج إلى الاسم. و «إلى» أوصلت معنى المجيء إلى السوق. ولـ «من» أربعة معان. ابتداء الغاية مع المكان, مثل: خرجت من الدار. والتبعيض, مثل: أكت من الرغيف, أي بعضه. والتبيين في الصفات مثل: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) أي «اجتنبوا الرجس الذي هو وثن». وزائدة مع النكرة في غير موجب, مثل: ما جاءني من أحدٍ. ومثل قوله سبحانه: (ما لكم من إله غيره). ومعنى «إلى» انتهاء الغاية. ومعنى «في» الوعاء. ومعنى «اللام» الملك والاستحقاق. [٣٧] / ومعنى «الباء» الإلصاق.

стр. 151

ومعنى رب وواوها وفائها التقليل, مثل قول الشاعر: فحور قد لهوت بهن عينٍ ... نواعم في المروط وفي الرياط أي رب حورٍ. ومثل قوله: وبلد عاميةٍ أعماؤه [كأن لون أرضه سماؤه] ونحوه. ومعنى «عن» المجاوزة. ومعنى «على» الاستعلاء. وأقسامها ثلاثة. الاسمية إذا دخلت عليها من مثل: جئت من عليه. والفعلية إذا تصرفت, مثل: (ولعلا بعضهم على

стр. 152

بعض). والحرفية, وهي التي توصل معنى الفعل إلى الاسم, مثل: جلست على الأرض, وعلوت على الدابة, [ونحوها]. ومعنى الكاف التشبيه. ومعنى مذ ومنذ ابتداء الغاية في الزمان. فمتى جر بهما فهما للزمان الحاضر, مثل: ما رأيته مذ الليلة, ومنذر اليوم, أى في هذا الوقت. وإذا ارتفع ما بعدهما كان معناهما للزمان الماضي, وكانتا اسمين. مثل: ما رأيته مذ يومان, ومنذ ليلتان. ومعنى «حتى» الجارة كمعنى إلى, وهو الغاية. لأن لحتى أربعة أقسام. جاره [للأسماء] وهي هذه, ومثالها (سلام هي حتى مطلع الفجر). وناصبة للفعل, وقد مضى تفسيرها على معنيين. وحرف من حروف الابتداء, وهي التي يقع بعدها المبتدأ والخبر, والفعل مرفوعًا. مثل: قام القوم حتى زيد قائم, [وضربت القوم حتى ضربت زيدًا] , ونحوه. وعاطفة, وهي التي يكون

стр. 153

ما بعدها على حد إعراب ما قبلها, مثل: قدم الحاج حتى المشاة. [ورأيت الحاج حتى المشاة] [ومررت بالحاج حتى المشاة]. ومعنى واو القسم كمعنى تاء القسم وباء القسم, من قولك: تالله لأفعلن, ووالله لأفعلن, وبالله لأفعلن. إلا أن التاء تختص باسم الله تعالى وحده, والواو لكل مظهر, والباء لكل مظهر ومضمر. ومعنى حاشا وخلا وعدا كمعنى إلا في الاستثناء. إلا أن حاشا عند سيبويه جارة, وعند المبرد ناصبة لاعتقاده فيها الفعلية. فيقول أبو العباس: كذب الناس حاشا زيدًا, ويقول سيبويه: حاشا زيدٍ, لأنها عنده حرف. وخلا وعدا فيهما وجهان الجر والنصب. إن اعتقدت الفعلية نصبت وقلت: قام القوم خلا أخاك, وعدا أباك. وإن اعتقدت الحرفية جررت, وقلت: خلا أخيك, وعدا أبيك. وإن دخلت «ما» نصبت على كل حال لأنها مع «ما» فعل لا غير, فتقول: قام القوم ما خلا زيدًا. وكل هذه الحروف تدخل على المعرفة وعلى النكرة سوى «رب». لأن «رب» معناها التقليل. والتقليل يتصور في النكرات الشائعات ولا يتصور في غيرها. فلذلك تقول: رب طعامٍ أكلته, ولا تقول: رب الطعام, ونحوه.

стр. 154

وكلها تكون آخر الكلام وأوله إلا «رب». لأن [رب] معناها التقليل. وتقليل الشيء يقارب نفيه. والنفي له صدر الكلام. ومن ثم قال الشاعر: ربما أوفيت في علمٍ ... ترفعن ثوبي شمالات فأدخل النون الخفيفة في قوله «ترفعن» لما كان التقليل يقارب النفي. فلذلك تقول: رب طعام أكلته [نفعني]. ولا يجوز: نفعني رب طعامٍ أكلته, لأن «رب» لها صدر الكلام. والباقي يجوز فيه التقديم والتأخير, مثل: خرجت من الدار, ومن الدار خرجت. وجئت إلى الدار, وإلى الدار جئت. لأن الجار والمجرور مفعول, والمفعول يجوز تأخيره وتقديمه إذا كان فعله متصرفًا لا مانع يمنع من تقديمه. وكلها تدخل على الظاهر والمضمر إلا الستة المذكورة. وهي: رب, لأن رب لا تدخل إلا على نكرة, فلا يصح أن يقع بعدها المضمر لأنه معرفة. فلا يجوز: ربك, ولا ربه, ولا: ربي, وأنت تعني مذكورًا جرى ذكره. فأما قولهم: ربه رجلًا, [وربه امرأةً] , فهذا ضمير مجهول فسر بنكرة

стр. 155

بعده, فلا يقاس عليه المضمرات التي تقدمت ظواهرها. وإنما يقاس على هذا أمثاله من قولك: ربه رجلًا, وربه امرأةً, ونحوه. والكاف استغني عن وقوع المضمر بعدها بـ «مثل» فتقول: أنت مثله, ومثلي, وهو مثلك. ولا يجوز شيء من ذلك مع الكاف. وكذلك «منذ» و «مذ». لا يجوز: مذه, ولا منذه. استغني عن ذلك بالأمد إذا قلت: أمده يومان. وكذلك «حتى» استغني عنها بـ «إلى». فلا يجوز: حتاه, ولا حتاك, ولا: حتاي. وواو القسم بدل من ياء القسم, فاقتصر بها على الظاهر دون المضمر. وإذا اقتصر في الواو فأحرى أن يقتصر في تاء القسم. و«واو رب» و «فاء رب» جارية مجرى «رب» لا يجوز استعمالها مع المضمر. وكل ما وقع من حروف الجر خبرًا لمبتدأ, أو صفة لموصوف, أو صلة لموصول, أو حالًا لذي حال, فإنه يتعلق [أبدا] بمحذوف. مثال الخبر: زيد من الكرام, تقديره: زيد كائن من الكرام, أو مستقر من الكرام. ومثال الصفة: هذا رجل من الكرام. ومثال الصلة: هذا الذي من الكرام. ومثال الحال: هذا زيد من الكرام, أي كائنًا من الكرام, أو مستقرًا من الكرام.

стр. 156

حذفت هذا العامل وأقمت هذا الجار والمجرور مقامه, ونقلت الضمير الذي كان مضمرًا في العامل إلى [هذا] المعمول. وما عدا هذه المواضع الأربعة فإن حرف الجر يتعلق بموجود, أو ما هو في [٣٨] حكم الموجود. فالموجود مثل: مررت بزيدٍ. / والذي هو في حكم الموجود مثل: بسم الله الرحمن الرحيم. فهذا في حكم الموجود في الكلام, ألا تراك تركت ذكره لأنه مستقر في الأفهام. ومتى قدرت «ابتدائي بسم الله الرحمن الرحيم» كان من القسم الأول الذي عامله محذوف, لأن الابتداء المقدر مبتدأ, و «بسم الله» جار ومجرور في موضع الخبر للمبتدأ. فهو يتعلق بمحذوف آخر, تقديره: ابتدائي كائن, أو الابتداء كائن بسم الله الرحمن الرحيم. فبسم الله على هذا في موضع رفع, وعلى التقدير الأول في موضع نصب. والجملة في هذا التقدير مركبة من مبتدأ وخبر, وفي التقدير الأول مركبة من فعل وفاعل. فاعرف ذلك وقس عليه, فإنه من أدق ما تحتاج إلى معرفته. وهو للعربية أكشف شيء للمعاني. *** وأما قولنا: «ومنها خمسة تجزم الفعل المستقبل, وهي: لم, ولما, ولام الأمر, ولا في النهي, وإن في المجازاة - مع ما حمل عليها من الأسماء

стр. 157

والظروف. والذي حمل عليها من الأسماء: من, وما, وأي, ومهما. ومن الظروف: أين, ومتى, وأيان, وأنى, وحيثما, وإذ ما في أحد القولين, و «إذا» في الشعر, وكيفما عند الكوفيين. كل هذه تجزم فعلين مستقبلين. والاستفهام والأمر والنهي والعرض والتمني والتحضيض والدعاء تجزم فعلًا واحدًا, إذا لم يكن معه فاء فإن كان معه الفاء كان منصوبًا مع [هذه] المعاني السبعة, ومرفوعًا مع الشرط. فإن هذا [الفصل] هو الفصل الرابع من الحروف العوامل وهي الجوازم. وإنما جزمت لما اختصت بالدخول على الأفعال, ومن شأن الحرف إذا اختص ولم يتنزل منزلة الجزء من الكلمة أن يعمل. فـ «لم» يجزم فعلًا واحدًا. ومعناه نفي الماضي. مثل: لم يقم فلان لفظه لفظ المستقبل ومعناه الماضي. ألا ترى إلى حسن «أمس» معه, مثل: لم يقم أمس. ولا يجوز: لم يقم غدًا. ومعنى «لما» كمعنى «لم» في النفي. إلا أنها نفي فعل معه «قد» , و «لم» نفي فعل ليس معه قد. يقول القائل: قد قام زيد, فتقول: لما يقم, فإن قال: قام [زيد] , قلت: لم يقم.

стр. 158

ولها ثلاثة معان, أحدها ما ذكرناه, وهو كونها بمعنى «لم» في نفي الماضي المقدر بقد. الثاني: أن تكون اسمًا, وهو إذا كانت ظرفًا يقع بعدها الفعل الماضي ويعمل فيها جوابها. ومثالها: لما جئتني جئتك, أي حين جئتني جئتك, فهي ظرف منصوب بجئتك الأخير لا بالأول, لأن الأول مضاف إليه, والمضاف لا يعمل فيه المضاف إليه. والثالث: أن تكون بمعنى إلا, تقول العرب: أقسمت عليك لما فعلت, بمعنى إلا فعلت, وهي ها هنا حرف. وقد يكتفى بها في الجواب, أعني الجازمة, تقول العرب: فعلك [ذلك] ولما, أي فعلت [ذلك] ولما تفعل, فيحذفون المجزوم وهو مراد على طريق الاتساع. فاعرف ذلك. ومعنى لام الأمر للغائب, مثل: ليقم فلان, ولا يكون إلا مع فعل الغائب في الغالب. لأنه إذا كان للمخاطب كان مبنيًا, ولم تدخل عليه لام, مثل: «قم» و «اذهب» فأما قراءة من قرأ (فبذلك فلتفرحوا) , بالتاء. فإنه استعمل الأصل المتروك. لأن الأصل في المواجهة أن يكون بلا حرف مضارعة, وأن يقال: فبذلك فافرحوا, لأن المواجهة أغنت عن تاء المخاطبة. ومثله في الشذوذ: «لتأخذوا مصافكم» , وأصله «خذوا مصافكم» , ولكنه جاء

стр. 159

على الأصل [المتروك] زيادة في تأكيد المخاطبة والمواجهة. فقد صار فعل الأمر على ضربين, إن كان باللام كان معربًا, وسمي مجزومًا. وإن كان بغير لام ولا حرف مضارعة كان مبنيًا, وسمي موقوفًا. ومعنى «لا» في النهي يتناول المخاطب والغائب. مثل: لا تفعل يا زيد, ولا يفعل زيد. [لأنه] ليس له غير هذه الصيغة الواحدة. وهو معرب مجزوم أبدًا, إلا أن يكون معه نون تأكيد فيكون مبنيًا, على ما قدمنا شرحه. «وإن» في المجازاة تجزم فعلين. وهذان الفعلان إن كانا مستقبلين كانا مجزومين, وظهر الجزم فيهما مثل: إن تقم أقم. وإن كانا ماضيين كانا مبنيين على حالهما, وكان الجزم فيهما مقدرًا, مثل: إن قمت قمت. وإن كان الأول ماضيًا والثاني مستقبلًا فعلى هذا الحكم, مثل: إن قام أقم, الأول مبني والثاني معرب. ولا يجوز عكس هذا الوجه. لا يكون الأول مستقبلًا والثاني ماضيًا, لا يجوز: إن تقم قمت.

стр. 160

وجميع ما حمل على «إن» في المجازاة فإنه جار هذا المجرى, أعني في الفعلية. والذي حمل عليها من الأسماء أربعة: «ما» «ومن» و «أي» و «مهما». فـ «من» شرط فيمن يعقل, مثل: من يقم أقم معه. و«ما» شرط فيما لا يعقل, مثل: ما تأكل آكل. و«أي» شرط في بعض من كل, مثل: أي إنسان يقم أقم معه, وأي طعام تأكله آكله. «مهما» شرط في جميع الأفعال, كبيرها وصغيرها. فإذا قال القائل: [٣٩] / مهما تصنع أصنع, فمعناه لا أصغر عن كبير فعلك ولا أكبر عن صغيره. وفيها خلاف, منهم من يجعلها اسمًا واحدًا مبنيًا. ومنهم من يجعلها مركبة من شيئين, أصلها «ما ما تفعل أفعل». فأبدل من الألف الأولى هاء, لأن الألف والهاء من مخرج واحد. ومنهم من يقول: [هي] «مه» اسم للفعل وزيدت عليها «ما» وجوزي بها. والصحيح أنها اسم. والدليل على اسميتها عود الضمير إليها من [نحو] قوله سبحانه: (مهما تأتنا به من آية) فالهاء في «يه» عائدة على «مهما» , والعوائد إنما تعود على الأسماء.

стр. 161

والظروف التي يجازى بها أربعة [أيضًا]: أين وأنى ومتى وحيثما. فـ «أين» شرط في الأمكنة, مثل: أين تقم أقم. و «أنى» شرط في جهة, مثل: أنى تكن أكن. و «متى» شرط في الزمان, مثل: متى تصنع أصنع. و «حيثما» شرط مبهم في المكان, مثل: حينما تكن أكن. إلا أن «حيث» لا يجازى بها إلا مع «ما» لتكون قاطعة لها عن إضافتها. لأنها من ظروف المكان التي ألزمت الإضافة, وليست أين وأنى ومتى بمضافات, بل هي مفردات, فلذلك جوزي بها بـ «ما» وبغير «ما» , مثل: أين تكن أكن, وأينما تكن أكن, و [قال الله تعالى]: (أينما تكونوا يأت بكم الله جميعًا) , [و (أينما تكونوا يدرككم الموت)]. وإذ ما في قول سيبويه ﵀ حرف. وفي قول غيره ظرف. وحجة سيبويه أنها لما ركبت مع «ما» وأخرجت عن معناها الذي كان لما مضى من الزمان, وصارت لما يستقبل من الزمان, جرت مجرى إن في الحرفية, فتقول: إذ ما تقم أقم, كما تقول: إن تقم أقم. وهي عند غيره ظرف منصوب بالفعل الأخير المجزوم بها. فأما «إذا» فلا خلاف أنها ظرف على بابها. لأنها لم يتنقل معناها, لأنها موضوعة للزمان المستقبل, فلم يدخل عليها ما يخرجها عن أصلها. إلا أنه

стр. 162

لا يجزم بها إلا في الشعر إذا كان معها «ما». وأما «كيفما» فإنها يجزم بها عند الكوفيين دون البصريين. يقول الكوفيون: كيفما تصنع أصنع. والبصريون يرفعون ذلك. وكيف عند سيبويه اسم, وعند الأخفش ظرف. والدليل على مذهب سيبويه أنها اسم أنك [تبدل] منها الاسم فتقول: كيف زيد أصالح أم سقيم. ولو كانت ظرفًا لأبدلت منها الظرف كما تبدل من «أين» و «متى» , وفي عدم ذلك دليل على صحة مذهب سيبويه في الاسمية. وحجة الأخفش في الظرفية أنها تتقدر بالجار والمجرور. وهو أنك

стр. 163

إذا قلت كيف زيد, فمعناها عنده «على أي حال هو». والحروف للظروف. وليس في ذلك دليل, لأن حروف الجر قد تقدر فيما لا إشكال في اسميته ولا يخرجه ذلك إلى الظرفية. ألا ترى أن كل مضاف ومضاف إليه لا يخلو من أن يكون مقدرًا باللام أو بمن, مثل: غلام زيدٍ, تقديره: غلام لزيدٍ, وثوب خز, تقديره: ثوبٌ من خز, ونحوه. وهذا شيء عرض فذكر. ثم نعود إلى ما نحن بصدده وهو أن هذه الأشياء كلها تجزم فعلين مستقبلين لفظًا ومعنى, وفي الماضي تقديرًا, على ما قدمنا. فإن أوقعت موقع هذا لأشياء أحد سبعة أشياء - وهي الاستفهام والأمر والنهي والعرض والتمني والتحضيض والدعاء - جزمت فعلًا واحدًا إذا لم يكن معك [فاء] فمثال الاستفهام: أتقوم أقم, ومثال الأمر: قم أقم. وكذلك الباقي. لأن هذه الجمل نابت عن أفعال شرطية, كأنه قال: أتقوم إن تقم أقم.

стр. 164

فإن دخلت الفاء بطل الجزم, ورفعت أو نصبت. مثال النصب: أتقوم فأقوم, لأن الجواب بالفاء يكون منصوبًا على ما أصلناه في الحروف الناصبة للفعل. ولو كانت الفاء مع الشرط المحض لكان ما بعد الفاء مرفوعًا, مثل: إن تقم فأقوم. فهذا مرفوع, لأن ما بعد الفاء مبتدأ مقدر, كأنه قال: فأنا أقوم, والفاء دخلت لتعلق الجواب بالشرط. وكذلك تفعل بالفاء في باقي كل ما يشرط به. فاعرف ذلك فان هذه جملة كافية في هذه المقدمة, [إن شاء الله تعالى]. *** فصل وأما قولنا: «وأما الحروف التي ليست بعاملة فنيف وأربعون حرفًا. منها خمسة عشر حرفًا للابتداء, وهي إنما. وأنما, وكأنما, ولكنما, وليتما, ولعلما, وأما بمعنى التفصيل, وأما [خفيفة] بمعنى الاستفتاح, ولولا بمعنى الامتناع, وحتى في أحد أقسامها, وألا بمعنى التنبيه, ولام الابتداء, وواو الحال, وإن الخفيفة في أحد أقسامها, ولكن الخفيفة. وإنما سميت بذلك لكثرة وقوع المبتدأ بعدها».

стр. 165

فإن العلة في كون هذه الحروف غير عاملة هو ما عرض فيها من كف أو اشتراك على ما يأتي تفصيله. فالكف نحو الستة الناصبة للاسم الرافعة للخبر. وهي إن وأخواتها لما دخلت عليها «ما» كفتها عن العمل, ولما كفتها عن العمل ارتفع الاسم الذي كان منصوبًا بعدها, فصار ارتفاعه بالابتداء فقلت: إنما زيد قائم, وعملت أنما زيد قائم, وكأنما زيد قائم. وكذلك / باقيها. [٤٠] وقد يجوز أن يعتقد أن «ما» زائدة لا كافة. وإذا اعتقدت ذلك بقيت هذه الحروف على حالها فقلت: كأنما أخاك قائم, ولكنما أخاك قائم, وليتما أخاك قائم, ولعلما أخاك قائم. وهو في هذه الأربعة [المتأخرة]- أعني النصب وزيادة «ما» - أحسن منه في «إنما» و «أنما». لأن هذه [الحروف] قد غيرت معنى الابتداء فقوى التصلب فيها. ومعانيها كلها كمعانيها إذا لم يكن فيها «ما» , إلا أنها بـ «ما» أقوى تأكيدا, وأقوى للمعنى الذي تختص به. ومعنى «أما» لتفصيل ما أجمله المدعي. ومثالها: أما زيد فقائم, فزيد مبتدأ, وقائم الخبر, والفاء دخلت لما في «أما» من معنى المجازاة.

стр. 166

لأن أصلها: مهما يكن من شيء فزيد قائم, فنابت «اما» مناب فعل الشرط واسمه, وتقدم الاسم المبتدأ الذي كان بعد الفاء فصار قبل الفاء, بينها وبين «أما» , لئلا يجمع بين حرفين. وبقي الخبر مرفوعًا على حاله بعد الفاء. ولهذا لا يفصل بين «أما» وجوابها مجملة تامة إنما يفصل بمفرد, إما مبتدأ, وإما ظرف, وإما مفعول به. وإما بجملة ناقصة تقوم مقام المفرد. مثال المبتدأ قد ذكر. ومثال الظرف: أما في الدار فزيد, وأما في السوق فعمرو. ومثال المفعول به: أما زيدًا فضربت, وأما عمرًا فتركت. ومثال الجملة الناقصة: أما إن كان كذا وكذا فسيكون كذا, والجملة الشرطية ناقصة لافتقارها إلى جواب, فجاز أن يفصل بها بين «أما» وجوابها. قال الله سبحانه: (فأما إن كان من المقربين, فروح وريحان وجنة نعيم, وأما إن كان من أصحاب اليمين, فسلام لك من أصحاب اليمين). هكذا رتبة الثلاثة, وفي الكلام بخلاف هذا. فالفاء جواب «أما» , وقد سد جواب «أما» بطول الكلام مسد جواب الشرط, إذ كان معك شيئان محتاجان إلى جواب. فاعرف ذلك.

стр. 167

ومعنى «أما» الخفيفة الاستفتاح. ومثالها: أما زيد قائم. وتكون بمعنى «حقًا» فتفتح «أن» بعدها, فتقول: أما أن هقائم, بمعنى: حقا أنه قائم. فلا تكون ها هنا حرف ابتداء, ولكنها في تأويل الاسم. وإذا كانت في تأويل الاسم فذلك الاسم مقدر تقدير الظرف, وتقدير ذلك [الظرف] «أفي حق أنك منطلق» , فتكون «أنك منطلق» في موضع رفع بالظرف, على قول الأخفش. وبالابتداء عند سيبويه في هذا الموضع خاصة. فاعرفه. ومعنى «لولا» امتناع الشيء لوجود غيره. ومثالها: لولا زيد لأكرمتك. فـ «لولا» حرف ابتداء, معناه ما ذكرنا. و «زيد» مبتدأ. وخبر المبتدأ محذوف أبدًا بعد «لولا» لا يظهر بحال, تقديره «لولا زيد موجود» , ونحوه. وإنما حذف للطول وسد طول الكلام بجواب «لولا» مسده. وليس جواب «لولا» بخبر عن المبتدأ, ومن قال ذلك فهو مخطيء, لتعريه من العائد. فإذا كانت «لولا» بمعنى «هلا» لم تكن حرف ابتداء, وكانت حرف تحضيض تليها الأفعال, مثل (لولا أنزل عليك ملك) , أي «هلا أنزل عليه ملك» , ومثل: [تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى] , لولا الكمي المقنعا

стр. 168

أي «لولا تعدون الكمي المقنعا» ومعنى «حتى» قد ذكر في حروف الجر, وأقسامها الأربعة التي أحدها كونها حرف ابتداء. ومثاله [قول الشاعر]: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعله ألقاها

стр. 169

وهي ها هنا حرف ابتداء إذا رفعت «النعل» , ويكون «ألقاها» في موضع رفع بكونه خبرًا للنعفل, أي «حتى نعله ملقاة». ومن نصب [النعل] أو جر فليست حرف ابتداءز ومعنى «ألا» التنبيه, ومثالها: ألا زيد قائم, [وألا إن زيدًا قائم] , كقوله [تعالى]: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون). ومعنى لام الابتداء التأكيد. ومثالها: لزيد قائم, ولأنت أحب إلي من عمرو. وقال الله سبحانه (وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون). وقال تعالى: (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون). كل هذه لام ابتداء. بخلاف قوله [تعالى]: (لهم ما يشاءون فيها) , و (لهم جنات النعيم). فهذه لام الجر, فتحت لكونها مع المضمر, وهي تتعلق بمحذوف لكونها خبر ابتداء. وليست كذلك اللام الأولى. لأنها لام ابتداء وهذه لام جر. والضمير في الأولى مرفوع في التقدير. والضمير في الثانية مجرور في التقدير. وواو الحال معناها الحال, ومثالها: جاء زيد ويده على رأسه, وأقبل

стр. 170

وهو يضحك. وفي كتاب الله سبحانه: (يغشى طائفةً منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) , فالطائفة الثانية مبتدأ و «قد أهمتهم أنفسهم» الخبر, والجملة في موقع نصب على الحال, والواو واو الحال. وسيبويه ﵀ يقدرها بإذ, ليعلمك أن الحال معمولة لما قبلها, كما أن «إذ» ظرف معمول لما قبله. فاعرفه فإنها نكتة [حسنة]. وجملته أن الحال تكون بالمفرد وبالجملة. فإذا [٤١] كانت / بالمفرد كانت منصوبة. وإذا كانت بالجملة كان الإعراب مقدرًا بالنصب. كما أن خبر الابتداء يكون مفردًا ويكون جملة, وكما أن صفات النكرات تكون مفردة وتكون جملة. لكن الواو لا تكون في الصفات, ولا تكون في خبر المبتدأ. وإنما تكون في الحال رابطة, وخاصة إذا عدم العائد, مثل: جاء زيد والناس يصلون, لم يجز, لأنه لا رابطة, ولا عائد, ولا ما يقوم مقام العائد. فاعرف ذلك, فإن تحته كثيرًا من الفوائد. و«إن» الخفيفة في أحد أقسامها, ومثالها: إن زيد لقائم. فهذه المخففة من الشديدة, ولما خففت بطل عملها, ولما بطل عملها ارتفع ما بعدها بالابتداء [والخبر] , ودخلت اللام للفرق بينها وبين النافية. قال الله سبحانه (إن كل نفس لما عليها حافظ) , (وإن كل لما جميع لدينا محضرون). فـ «إن» حرف ابتداء, لابتداء الكلام بعدها, واللام دخلت للفرق المذكور. لأن «إن»

стр. 171

الخفيفة تنقسم على أربعة أقسام. تكون شرطًا, وقد ذكرت في باب الشرط وتكون مخففة من الثقيلة, وقد ذكرت هنا. وتكون نافية فلا يكون معها لام, كقولك: إن زيد قائم, بمعنى: ما زيد قائم, قال الله : (ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه). فإن نافية, أي في الذي لم نمكنكم فيه, أو: في الذي ما مكناكم فيه. والرابعة تكون زائدة, مثل قولك: ما إن زيد قائم, وكقول الشاعر: وما إن طبنا جبن ولكن ... منايانا ودولة آخرينا أي ما طبنا جبن. و«لكن» الخفيفة, مثالها: لكن زيد قائم, و (لكن الله يشهد بما أنزل

стр. 172

إليك) فاسم الله مبتدأ, و «يشهد» الخبر. وكان أصلها [لكن] مشددة تنصب, كما قال الله تعالى: (ولكن الله يفعل ما يريد) , فإذا خففت بطل النصب لارتفاع المشابهة بينها وبين الفعل. فإذا ارتفعت صارت حرف ابتداء, وإذا صارت حرف ابتداء ارتفع ما بعدها بالابتداء والخبر. فلذلك سميت هذه الحروف الخمسة عشر المشروحة حروف ابتداء لوقوع المبتدأ بعدها. وبالله التوفيق. *** [قال الشيخ ﵀]: وأما قولنا: «ومنها عشرة للعطف وهي: الواو, والفاء, وثم, وأو. وإما - مكسورة مكررة, وأم, وبل, ولكن بعد النفي, ولا بعد الإيجاب, وحتى في أحد أقسامها. سميت بذلك لأنها تدخل ما بعدها في إعراب ما قبلها وتعطفه عليه». فإن معنى «الواو» الجمع بين الشيئين, وليس فيها دليل على الأول منهما, مثالها: قام زيد وعمرو, ورأيت زيدًا وعمرًا, ومررت بزيدٍ وعمروٍ. وللواو ستة أقسام. هذا أحدها, أعني العطف, وهي الجامعة العاطفة. والثاني: أن تكون جامعة غير عاطفة, وهي التي تكون بمعنى «مع» , تنصب ما بعدها من الأسماء. ومثالها: استوى الماء والخشبة, وجاء البرد والطيالسة, أي مع الطيالسة. الثالث أن تكون قسمًا فتجر المقسم به, نحو: والله لأفعلن. الرابع: أن تكون واو حال, مثاله: جاء زيد وهوي ضحك, وقد ذكرت. الخامس أن تكون

стр. 173

ناصبةً للفعل المستقبل باضمار «أن» بعدها, مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, وقد ذكر. السادس: أن تكون بمعنى رب فتجر [المظهر] , مثل: وبلدٍ عامةٍ أعماؤه ... كأن لون أرضه سماؤه وقد ذكر. وأما «الفاء» فمعناها العطف بلا مهلة. ولها ثلاثة أقسام. أحدها: أن تكون متبعة عاطفة, مثل: جاء زيد فعمرو, ورأيت زيدًا فعمرًا, ومررت بزيد فعمرو. والثاني: أن تكون متبعة غير عاطفة. وذلك في الشرط والجزاء. مثل: إن تفعل خيرًا فالله تعالى يعلمه. الثالث: أن تكون زائدة عند الأخفش بين المبتدأ وخبره, مثل: زيد فمنطلق, أي زيد منطلق, وينشد: وقائلةٍ خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا

стр. 174

أي «خولان انكح فتاتهم». و«ثم» معناها العطف بمهلة, مثل: جاءني زيد ثم عمرو. وليس لها غير معنى واحد. و«إما» المكسورة المكررة في العطف لها أربعة معان, الشك, والتخيير, والإباحة, والإبهام, فالشك في الخبر, مثل: جاءني إما زيد وإما عمرو. والتخيير في الأوامر فيما أصله الحظر, مثل: خذ إما دينارًا وإما درهمًا. والإباحة فيما ليس أصله الحظر, مثل: تعلم إما فقهًا وإما نحوًا. والإبهام فيما يقصد به غرض من الأغراض, مثل قول القائل [لمخاطبه]: جاءني إما زيد وإما عمرو, وهو يعلم من جاء منهما, وإنما أبهم على سامعه [لضرب من المصلحة]. فهذه أربعة أقسام لإما التي تأتي بها في العطف مكسورة مكررة. فأما التي لا تكون مكررة بل هي مكسورة فهي التي تقع في الشرط. وهي مركبة من «إن» و «ما» , مثل: (فإما ترين من البشر أحدًا فقولي ... ) , و (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي ... ) , و (فإما تثقفنهم في

стр. 175

الحرب فشرد بهم من خلفهم). أصله إن / تثقفنهم. فـ «إن» هي [٤٢] حرف الشرط, و «ما» زائدة للتأكيد, ولذلك دخلت النون الشديدة في فعل الشرط, ولا يجوز دخولها بغير «ما». و«أو» لها في العطف [أيضًا] أربعة معانٍ كمعاني إما في جميع ما ذكرنا. مثل: جاءني زيدٌ أو عمرو, [ورأيت زيدًا أو عمرًا, ومررت بزيدٍ أو عمروٍ] وخذ دينارًا أو درهمًا, وتعلم فقهًا أو نحوًا. إلا أن الفرق بينهما أن الكلام مع «إما» مبني على الشك وغيره من أول وهلة, ومع «أو» مبني على اليقين ثم يأتي الشك وغيره بعد أن بني الكلام على اليقين, فيسري من آخر الكلام إلى أوله فيعود معناه كمعنى «إما». و«أم» معناها الاستفهام وهي في العطف على ضربين, متصلة ومنقطعة. فالمتصلة هي المعادلة لألف الاستفهام في العطف, المقدرة بأي, المقتضية للتعيين. كقولك: أزيد عندك أم عمرو, وتقدير: أيهما عندك. وجوابك أن تعين أحد الاسمين. والمنقطعة هي التي تكون بين جملتين, وتقدر ببل

стр. 176

والهمزة, ولا تعادل همزة الاستفهام, ولا تقتضي تعيينًا. وذلك قولهم: إنها لإبل أم شاء. تقديره: بل أهي شاء, كأنه أضرب عن الكلام الأول واستأنف الكلام عن الجملة الثانية. وجواب هذا «نعم» أو «لا». وكذلك إذا كانت «أو» مع همزة الاستفهام كان جوابها «نعم» أو «لا» من غير تعيين, كقول القائل: أزيد عندك أو عمرو, فتقول: «نعم» , أو «لا». لأنها [ها هنا] مقدرة بالأحدية لا بأي. كأنه قال: أحدهما عندك أو لا. وهذا لا يقتضي إلا «نعم» أو «لا». فالسؤال أولًا بالهمزة [وأو] , ثم السؤال ثانيًا بأم, لأن التعيين بعد الاستقرار. و«بل» معناها الإضراب عن الأول وإثبات الحكم للثاني. مثل: جاءني زيد بل عمرو. وما جاءني زيد بل عمرو. و«لكن» معناها الاستدراك بعد النفي في باب العطف. مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو. وتكون حرف ابتداء, وقد ذكرت مع حروف الابتداء. و «لا» معناها إخراج الثاني مما دخل فيه الأول. ولا يعطف بها إلا بعد موجب, مثل: قام زيد لا عمرو. ولـ «لا» أقسام كثيرة, تكون عاطفة,

стр. 177

وقد ذكرت. وناهية فتجزم, مثل: لا تفعل. وجوابًا للقسم في مثل: والله لا تقوم فلانة. ومبنية مع النكرة العامة, مثل: لا رجل في الدار, ولا شك, ولا ريب, ولا إله إلا الله. وتكون بمعنى «لم» مثل: (فلا صدق ولا صلى) , أي لم يصدق ولم يصل. و«حتى» تكون عاطفة بشرطين. أن تعطف قليلًا على كثير, ومن جنسه. مثل: قام القوم حتى زيد, ورأيت القوم حتى زيدًا, ومررت بالقوم حتى زيد. وقد ذكرت مع أقسام حتى في موضعين متقدمين. والعلة الجامعة في تسمية هذه الحروف كلها حروف عطف ما ذكر في المقدمة من كونها مدخلة ما بعدها في إعراب ما قبلها وعاطفة له عليه. وسيأتيك من ذلك أصول آخر في فصل التوابع من هذه المقدمة إن شاء الله تعالى. *** وأما قولنا: «ومنها ستة للجواب, وهي: نعم, وبلى, وإي وجير في القسم, وأجل, وإن في أحد أقسامها». فإن هذه [الستة] كلها حروف معناها في غيرها. وفي «نعم» لغتان:

стр. 178

نعم ونعم. وقد قريء بهما جميعًا. ومعناها العدة والتصديق. فالعدة بعد الأوامر وشبهها, من نحو: افعل كذا وكذا, فتقول: نعم. والتصديق بعد الإخبار وغيره, يقول القائل: زيد قائم, فتقول: نعم, مصدقًا لكلام المخبر. وكذلك المستخبر إذا كان مخرجه مخرج المستعلم أو المقرر. ومعنى «بلى» الإيجاب بعد النفي والاستفهام. يقول القائل: أليس زيد قائمًا, فتقول: بلى. أي هو قائم. ولو قال في [هذه] المسألة: «نعم» لكان غير قائم. ومثله [قوله تعالى]: (ألست بربكم قالوا بلى) ولو كان ها هنا «نعم» لكان كفرًا معاذ الله, إنما أخرج الجواب إيجابًا وتقريرًا.

стр. 179

و «إي» معناها كمعنى «نعم» , وهي فصيحة جدًا ما لم تفسد بالزيادة العامية. وهي قولهم «إيوه». والفصاحة المجيء بها كمجيئها في القرآن الكريم (قل إي وربي إنه لحق). وهي كثيرة الاستعمال في القسم كالآية. وكذلك «جير لأفعلن» , بمعنى «نعم» في القسم أيضًا. لكن هذه تنوب عن المقسم به كثيرًا, وقلنا يستعمل معها المقسم به. و«أجل» فصيحة في كلام الرسول ﷺ , وهي جواب. و «إن» في أحد أقسامها تكون بمعنى «نعم» , كما قال: «إن وراكبها» ومثله قوله: [بكر العواذل في الصبو ... ج يلمنني وألومهنه] ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت, فقلت: إنه

стр. 180

ومثل [قوله تعالى]: (إن هذان لساحران) فيمن رفع في أحد الوجوه. وقد ذكرنا معنى إن في غير هذا الحد. *** وأما قولنا: «ومنها أربعة للتحضيض وهي: لولا وهلا ولوما وألا. إذا وليهن الفعل المستقبل كن تحضيضًا. وإذا وليهن الماضي كن توبيخًا». [٤٣] فإن هذه الأربعة مربكة من حرفين, ولهن هذان المعنيان. / وتختص
следующие страницы →