Полный текст (380 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
ضمير وهي الفاعلة]. والياء عند سيبويه ضمير وهي الفاعلة, وعند الأخفش حرف يدل على التأنيث, والفاعل عنده مضمر تقديره «تنفعين أنت». فهذا تفسير النيف المشار إلى ذكره لئلا يورد عليك مثله. وليس هو مذكورًا في جمله الستين الممثلة.
وكل هذه المضمرات مبنيات كما ذكرنا. وإنما كانت مبنياتٍ لشبهها بالحروف. وإنما أشبهت الحروف بافتقارها إلى غيرها من المظهرات واختلاف صيغها كالحروف.
وكلها معملولات. وإنما كانت معمولاتٍ لأنها لا تخلو من أن تكون فاعلاتٍ, أو مفعولاتٍ, أو مضافاتٍ, أو مبتدآتٍ. فإذا كانت مبتدآت, فالعامل فيها الابتداء, مثل: أنا زيد, ونحن الزيدون. وإذا كانت فاعلاتٍ فالعامل فيها أفعالها التي هي مسندة إليها, مثل: نفعت ونفعنا. كما تقول: نفع زيد, ونفع الزيدون. فكما أن «زيدًا والزيدين» مرفوعان بنفع, ومعمولان له, فكذلك «التاء» وأخواتها في «نفعت» مرفوعة
стр. 72
بنفع ومعمولة له. وكذلك في حال النصب إذا قلت: نفعني [الزيدون]. الياء معمولة لنفع, لأنها منصوبة في التقدير. وكذلك الياء في «عملي لي» معمولة للعمل وللجار, بحكم الإضافة, وهي في موضع جر بذلك.
فظهر لك أنها [كلها] معمولات, ولا يكن قط عاملات. لأنه ليس في المضمرات فعلية ولا معنى فعلٍ. فلذلك كانت كلها معمولات ولم تكن عاملات.
فإن قيل: فما تصنع بالمضمرات التي تكون فصلًا في باب كان وأخواتها, وفي باب ظننت وأخواتها إذا قلت: كان زيد هو العاقل, وظننت زيدًا هو العاقل, بالنصب. أهي ها هنا [أيضا] معمولة كما كانت في قولك إذا رفعت ما بعدها وقلت: كان زيد هو العاقل, وظننت زيدًا هو العاقل؟ .
стр. 73
فالجواب: أن هذا موضع مشكل, ولا يكاد يحققه إلا مثل الفارسي وأصحابه من المتأخرين, وسيبويه ﵀ من المتقدمين وأصحابه. فإنهم يقولون إنها لا موضع لها من الإعراب, لا رفع ولا نصب ولا جر. فإذا منعوا من ذلك بطل أن تكون معمولة لعامل من العوامل كلها, اللفظية والمعنوية, لأنها إنما دخلت للفصل لا غير. وهي زائدة كزيادة «ما» و «لا» اللذين هما حرفان يدخلان زائدين. ولذلك شبه سيبويه ﵀ هذه المضمرات إذا كن فصلًا بهذين الحرفين فألحقها بالحروف. وأطلق بعض المحققين لأجل ذلك على هذه الأسماء أنها حروف لما أجراها سيبوبه مجرى «ما» و «لا» اللذين هما حرفان زائدان. وهذا تصريح من صاحب الكتاب عليها بالحرفية, فوجب لذلك ألا تكون معمولات إذا كن فصلا. وما عداها مما ليس بفصل فمعمول بلا إشكال, على ما قدمناه.
وكل هذه المضمرات معارف. وإنما كانت كذلك لأنها لم تضمر
стр. 74
إلا وقد عرفت. وكلها إنما أتي بها للاختصار, لأنه لولاها لطال مع المظهر التكرار في كل موضع من أنواع الإخبار أو الاستخبار.
وهذا بين لا يحتاج معه إلى الإكثار. وبالله التوفيق.
стр. 75
/ فصل الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة
وهو القسم الثالث من أقسام الأسماء ... [١٩]
أما قولنا: «الأسماء التي لا ظاهرة ولا مضمرة هي أسماء الإشارة. وهي خمسة: ذا, وذان, وتا, وتان, وأولاء».
فإنه لما فرغ القسمان الأولان شرع في شرح القسم الثالث لأنه بين القسمين الأولين, فلم يجز أن يذكر إلا بعدهما.
والغرض بأسماء الإشارة التنبيه, على ما يأتي بيانه. فـ «ذا» إشارة إلى مذكر. و «تا» إشارة إلى مؤنث. و «ذان» إشارة إلى مذكرين في حال الرفع إذا قلت: نفعني ذان. فإن كان مفعولًا كان بالياء, مثل: نفعت ذين. و «تان» إشارة إلى مؤنثين في حال الرفع, مثل: نفعتني تان. وبالياء في حال النصب [والجر]. مثل: نفعت تين, [وانتفعت بتين] , و «أولاء» إشارة لجماعة المذكر والمؤنث مبني على الكسر مستعمل لهما.
стр. 76
وفي المؤنث لغات. يقال: تا وتي [وته] وذه وذي. فإذا وقفت سكنت الهاء.
وفي ذان وذين لغتان, تشديد النون وتخفيفها, فتخفيفها هو الأصل. وتشديدها كالعوض من المحذوف منها.
وتان فيها أيضًا لغتان, تشديد النون وتخفيفها على هذا الأصل. وقد قريء [بالأمرين جميعًا] (هذان) مخففًا ومشددًا, [وكذلك: هاتان] وفي أولاء لغتان, المد والقصر. فمن مده كسر همزته, ومن قصره كان بالألف ساكنةً.
وهن في جميع هذه اللغات مبنيات كالمضمرات. وعلة بنائها شبهها بالحروف. وقيل: لتضمنها معنى حرف إشارة لا ينطق به.
стр. 77
وأما قولنا: «فهذه من حيث وصفت ووصف بها, وصغرت, أشبهت الأسماء الظاهرة».
فإن مثال وصفك لما قولك: هذا الرجل قائم. فهذا مبتدأ, والرجل صفة, وقائم خبر الابتداء. ولا توصف أبدًا إلا بالأجناس أو ما تنزل منزلتها.
ومثال الصفة بها قولك: مررت بزيد هذا, ورأيت زيدًا هذا. وكذلك المؤنث هذه صفته.
ومثال تصغيرها أن تقول في تصغير «ذا»: ذيا. وفي تصغير «تا»: تيًا. وفي «ذان» و «تان»: ذيان وتيان. وفي «أولاء»: أوليا. فهذا تصغيره, وهو تصغير المبهمات.
ولما كان التصغير والوصف يدخلان عليها, والوصف للشيء والوصف به إنما هو من خواص الأسماء الظاهرة أشبهتها بهذه الأشياء.
وأما قولنا: «ومن حيث بنيت, واحتلفت صيغها, ولم يفارقها تعريف الإشارة أشبهت المضمرات فصارت بينهما».
فإن تفسير ذلك, أن هذه الأسماء التي للإشارة مبنية كلها, كما أن المضمرات مبنية كلها. وأن أسماء الإشارة مختلفة الصيغ, شيء للمذكر, وشيء للمؤنث, وشيء لتثنية المرفوع, وشيء لتثنية المنصوب والمجرور. كما أن المضمرات
стр. 78
مختلفة الصيغ, شيء للمذكر, وشيء للمؤنث, وشيء للمرفوع, وشيء للمنصوب والمجرور. وأنها لم يفارقها [كلها] تعريف الإشارة, كما أن المضمرات [كذلك] لم يفارقها تعريف الإضمار وإيضاحها, وهو عودها على ما قبلها. وأسماء الإشارة تفسير بما بعدها. ألا تراك تقول: زيد هو الذي فعل كذا وكذا, فيأتي بيان المضمر قبله. وتقول: هذا الرجل الذي فعل كذا وكذا, فيأتي بيان اسم الإشارة بعده. فقد صار تعريفهما وإيضاحهما لا يفارقهما وإن اختلفت حقائقهما.
فثبت بهذا أن أسماء الإشارة مشبهة للأسماء الظاهرة من الوجوه الثلاثة المتقدمة. ومشبهة للأسماء المضمرة من الثلاثة الأوجه المذكورة, فصارت بينهما لذلك. فاعرفه, فإن في معرفة هذا فوائد كثيرة تحتاج إليها فيما بعد إن شاء الله تعالى. وأما قولنا: «وقد يكون مع الإشارة تنبيه مثل: هذا وهاتا. وقد يكون معها خطاب مثل: ذاك وتاك. وقد يكون معها الأمران جميعًا مثل: هاذاك وهاتاك».
стр. 79
فإن جملة الأمر أن أسماء الإشارة لا تنفك من أربعة أقسام. إما أن تستعمل مفردة ليس معها تنبيه ولا خطاب, كقولك: ذا زيد, وتا هند. فهذا أخصر ما يكون.
وإما أن يكون مع الإشارة تنبيه فقط مثل: هذا زيد, وهاتا هند. فـ «ها» حرف تتنبيه, و «ذا» اسم إشارة. وكذلك «هاتا» والبقية. وكل واحد منها حرف واسم.
وإما أن يكون مع الإشارة خطاب فقط مثل: ذاك وتاك. فـ «ذا» اشارة, والكاف [حرف] خطاب. إن كان لمذكر فتحتها, وإن كان لمؤنث كسرتها. تقول: كيف ذاك الرجل يا رجل, وكيف ذاك الرجل يا امرأة, إذا كنت تسأل امرأة [عن رجل]. فإن سألت رجلًا عن امرأة فتحت الكاف, فقلت: كيف [تاك أو] تلك المرأة يا رجل. فإن سألت امرأة عن امرأة كسرت الكاف فقلت: كيف تلك المرأة يا امرأة [وكيف تاك المرأة يا امرأة]. وعلى هذا فقس بقية الأمثلة. كلها إشارة وخطاب فقط. وإما أن يكون مع الإشارة تنبيه وخطاب جميعًا, فيكون التنبيه من أوله
стр. 80
والخطاب من آخره مثل: هاذاك وهاتاك. وهذا أبلغ ما يكون في استعمال [٢٠] هذه الأسماء, أن يجتمع فيها / الإشارة والتنبيه والخطاب.
فإن قيل لك: فأي شيء منها لا تجتمع فيه هذه الثلاثة؟ . فقل: إذا دخلت اللام في «ذاك» , وفي «تاك». لا يجوز «هاذالك» ولا «ها تالك». لأن «اللام» موضوعة للبعد, و «ها» موضوعة للقرب فلم تجمع بينهما.
فإن قيل [لك]: فما الفرق بين «ذا» و «ذاك» و «ذلك» في المعنى؟ فقل: «ذا» لأقرب الأقربين إليك. و «ذاك» لمن يليه. و «ذلك» لأبعد الثلاثة.
والكلام في السؤال: سؤال لمذكر عن مؤنث. ولمؤنث عن مذكر. ومذكرين عن مذكرين. ومؤنثين عن مؤنثين. ومؤنث عن مذكرين. ومذكر عن مؤنثين. ومذكرين عن مؤنث. وجماعة عن واحد. وواحد عن جماعة. وغير ذلك من المسائل التي يطول ذكرها. وتخرج منها
стр. 81
ست وثلاثون مسألة ينبغي أن تروض نفسك في الإجابة عنها. فإن هذا الفصل الغرض به معرفة ما هذا سبيله.
وأما قولنا: «وكلها مبنية, وكلها معمولة». فقد تقدم بيانه.
وأما قولنا: «وقد تكون هي عاملةً في الحال بخلاف المضمر, مثل: هذا زيد واقفًا, وهذه هند واقفة».
فإن تفسير هذه المسألة وأشباهها أن تقول: «هذا» مبتدأ, و «زيد» خبره, و «واقفًا» منتصب على الحال. والناصب له أحد شيئين: إما «ها» لما فيها من معنى التنبيه. وإما «ذا» لما فيها من معنى الإشارة, ك أنك قلت: أشرت إليه واقفًا, أو: نبعت عليه واقفًا. وكذلك قولك: هذه هند واقفةً. تفسيرها كتفسير ما قبلها, «هذه» مبتدأ, و «هند» خبر الابتداء, و «واقفة» منتصبة على الحال من هند. والعامل في الحال إما «ها» , كأنك قلت: نبهت عليها واقفةً, وإما «ذه» كأنك قلت: أشرت إليها واقفةً.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقدم «واقفعًا» و «واقفة» إلى جانب اسم الإشارة؟ . فقل: ذلك جائز, لأنه بعد العامل المعنوي.
فإن قيل: هل يجوز تقديمه على نفس «هذا» أو «هذه»؟ .
стр. 82
فقل: لا يجوز أن تقول: واقفًا هذا زيد. ولا: واقفةً هذه هند. لأن العامل إذا كان معنويًا لم تتقدم الحال عليه, بخلاف الفعل الصريح. لأنه يجوز أن تقول: واقفًا نبهت على زيد, وواقفًا أشرت إلى زيدٍ, ولا يجوز: واقفًا هذا زيد.
فإن قيل: فهل يجوز أن تقول: ها واقفًا ذا زيد, فتجعل الحال بين «ها» و «ذا»؟ .
فقل: إن اعتقدت أن العامل في الحال «ذا» لم يجز. وإن اعتقدت أن العامل في الحال «ها» جاز. وكذلك ها واقفةً ذه هندٌ, يجوز على وجه ولا يجوز على وجه آخر.
فإن قيل: فلم جاز الحال مع أسماء الإشارة ولم يجز مع المضمرات؟ . فقل: لأن الأسماء المضمرة ليس فيها معنى فعلٍ بحال, بل هي خالصة الأسمية, مجردة من معنى الفعلية. فلذلك لا يجوز: هو زيد واقفًا, ويجوز: هذا زيدٌ واقفًا. فعلى هذا فقس جميع أسماء الإشارة, وجميع الأسماء المضمرة. ولا يجوز: أنتما الزيدان قائمين, ويجوز: هذان الزيدان قائمين. ولا يجوز: أنتم الزيدون قائمين وقيامًا, ويجوز: هؤلاء الزيدون قائمين وقيامًا. فقس على ذلك.
стр. 83
فإن رفعت الكل جاز مع المضمر ومع اسم الإشارة, لأنه ليس هناك حال, فتقول: هذا زيد واقف, وهو زيد واقف. «هذا» مبتدأ, و «زيد» خبره, و «واقف» مرتفع من أربعة أوجه. أحدها: أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف, كأنك قلت: هذا زيد هذا واقف. الثاني: أن يكون «هذا» مبتدأ, و «زيد» بدلًا من «هذا» , و «واقف» الخبر. الثالث: أن يكون «هذا» مبتدأ, و «زيد» الخبر, و «واقف» بدلًا من زيد. الرابع: أن يكون «هذا» مبتدأ, و «زيد» خبره. و «واقف» خبر بعد خبر, أخبرت بالاسمية وبالوقوف. وكذلك إذا قلت مع المضمر: هو زيد واقف, يفسر هذا التفسير المذكور. فاعرفه وقس عليه [تصب] إن شاء الله تعالى.
وأما قولنا: «وكلها معارف».
فقد تقدم شرحها, وأن تعريفها بالإشارة.
وقد اختلف الناس هل هي أعرف من الأعلام أو الأعلام أعرف منها. فمذهب جمهور النحويين أن الأعلام مثل زيدٍ وعمروٍ أعرف من أسماء الإشارة, لأن تعريف العلمية لا يفارقها, معدومة كانت أو موجودة, وتعريف الإشارة يفارقها عند العدم. ومذهب أبي بكر بن السراج أن أسماء الإشارة أعرف
стр. 84
من الأعلام لأنها تتعرف بشيئين, بالعين والقلب, والأعلام تتعرف بالقلب [لا غير]. وما تعرف من وجهين أعرف عنده مما تعرف من وجه واحد.
والأولى القول الأول لأنه لو اجتمع على [أسماء] الإشارة ما عسى أن يجتمع من التعريفات لكان ذلك لا يزيد فيها على تعريف العلمية, لأن العلم له مجموع الصفات, وأسماء الإشارة قد تكون للأعلام صفاتٍ, ولا تكون الأعلام لأسماء الإشارة صفاتٍ. فقد صارت أسماء الإشارة تابعة للأعلام, فوجب أن تكون الأعلام أعرف منها. وبالله التوفيق.
[٢١] وأما قولنا/: «وجملة المعارف خمسة: المضمرات, والأعلام, وأسماء الإشارة, وما عرف بالألف واللام, وما أضيف إلى واحد منها».
стр. 85
فإنه لما ذكرنا أن أسماء الإشارة معارف جملنا جملة المعارف لتعرفها, وهي الخمسة المذكورة. وقدمت المضمرات لأنها أعرف المعارف. وثني بالأعلام لأنها أعرف من أسماء الإشارة عند النحويين إلا أبا بكر [بن السراج] , وقد ذكر. وثلث بأسماء لأنها أعرف [عند النحويين] مما فيه الألف واللام. لأن أسماء الإشارة تنعت بما فيه الألف واللام, ولا ينعت ما فيه الألف واللام بأسماء الإشارة, لا تقول: «جاءني الرجل هذا» , وأنت تريد النعت. فإن أردت البدل جاز, لأنه قد يبدل الأعرف من الأنكر مما هو دونه في التعريف, ولا ينعت بالأعرف ما هو دونه في التعريف. وربع بما تعريفه بالألف واللام لأنه أعرف مما أضيف إلى ما فيه الألف واللام. «فالرجل» أعرف من «غلام الرجل». لأن تعريف «الرجل» تعريف الإفراد, وتعريف «الغلام» تعريف الإضافة, فالتعريف سار إليه من اسم آخر [غيره] , وليس كذلك «الرجل».
وكذلك ما أضيف إلى المضمر أعرف مما أضيف إلى العلم, «فغلامك»
стр. 86
أعرف من «غلام زيد». وكذا «غلام زيد» أعرف من «غلام هذا». وكذلك «غلام هذا» أعرف من «غلام الرجل». فقس على هذا فإن له فوائد [كثيرة] تظهر في باب النعت وغيره.
وأما قولنا: «وفي الأسماء أسماء مشكلة, مثل أسماء الاستفهام التسعة, وهي: من وما وكم وكيف وأين وأنى ومتى وأيان وأي. كلها أسماء لأنها معمولة, وتدخل على أكثرها حروف الجر. ومعانيها تتفسر بأجوبتها. وكلها مبني سوى «أي».
فإن هذه جملة مختصرة في معرفة أسماء الاستفهام. وإنما كانت مشكلة لما عرض فيها من البناء, وامتناعها من الألف واللام ومن التنوين ومن الإضافة. وهذه خواص الأسماء وعلاماتها. فإذا لم توجد في اسم صار مشكلًا, ألا ترى أنك لا تقول: المن, ولا: من, ولا: منك. وكذلك باقي التسعة سوى أي المعربة, فإن إعرابها مكنها. فالتنوين تارة يدخلها إذا قلت: أي جاءك. والإضافة تارة تدخلها إذا قلت: أيهم جاءك.
فإن قيل: فما الدليل على كونها أسماء؟
فقل: دخول حروف الجر على أكثرها مقل: من من, و «فيم أنت من
стр. 87
ذاكرها). وإلى كم تغيب, وانظر إلى كيف تصنع, حكاها قطرب, ومن أين, [ومن أي] , وإلى متى, ومن أنى, ومن أيان. ودليل آخر, وهو إبدال الاسم الصريح منها تقول: من جاءك أزيد أم عمرو. فزيد وعمرو بدل من «من» , ولا يبدل الاسم إلا من الاسم. وكذلك: ما أكلت أخبزًا أم لحمًا. فخبزًا ولحمًا بدل من «ما». وكذلك: كم مالك أعشرون [درهمًا] أم ثلاثون. فعشرون وثلاثون بدل من «كم». وكذلك: أين زيد أفي الدار أم في السوق. فالدار والسوق بدل من «أين». وكذلك: متى الخروج اليوم أم غدًا. وكذلك: أي الناس صاحبك أزيد أم عمرو. فزيد وعمرو بدل من «أي». فهذا أحسن ما استدل به على كون هذه الأسماء أسماء.
ودليل ثالث وهو أنها كلها تصلح أن تكون مفعولة. إذا قلت: «من رأيت». فموضع «من» نصب بـ «رأيت» وهو مفعول مقدم, و «ما
стр. 88
أكلت» فموضع «ما» نصب بـ «أكلت» , وهو أيضًا مفعول مقدم. وكذلك الباقي على هذه الصفة.
فإن أدخلت على هذه الأفعال مضمرات ترجع إلى هذه الأسماء, كانت الأسماء في موضع رفع بالابتداء وكان جوابها مرفوعًا, كقولك: من رأيته. لأن «من» مبتدأ, وقد اشتغل الفعل عنها بضميرها, والجملة التي هي «رأيته» في موضع رفع لكونها خبرًا لمن, كأنك قلت: من مرئي. فالجواب بالرفع لا غير, فتقول: زيد. فإذا لم تأت بالهاء كان الجواب منصوبًا, لأن الاسم المتقدم منصوب, مفعول مقدم, فجوابه منصوب.
وكذلك تجري الباقي على هذا المجرى إلا ما كان منها ظرفًا مثل «متى» و «أين» فإنه لا يكون جوابها مرفوعًا لأن الظروف لا يبتدأ بها كالابتداء بمن وكم.
فإن قيل: كيف تتفسر معاني هذه الأسماء بأجوبتها؟ . قيل: لأن «من» سؤال عن من يعقل, و «ما» سؤال عن ما لا يقعل, و «كم» سؤال عن عدد, و «كيف» سؤال عن حال, و «أين» سؤال عن مكان, و «أنى» سؤال عن جهة, و «متى» سؤال عن زمان, و «أيان» مثل «متى» إلا أنها مستعملة في
стр. 89
الأمور المعظمة, وأي سؤال عن بعض من كل. فيجب أن يكون جواب كل واحدة من هذه التسعة بحسب معناها, فيكون الجواب مفسرًا للمعنى, ومفسرًا للإعراب. لأنها إن كانت مرفوعة الموضع كان جوابها مرفوعًا, وإن كانت منصوبة الموضع كان جوابها منصوبًا, وإن كانت مجرورة الموضع كان جوابها مجرورًا, كقولك: بمن مررت, فتقول: زيدٍ, وإن شئت [قلت]: بزيدٍ.
/ وكل ما وجدت من هذه الأسماء التسعة مبنيًا على السكون ففيه سؤال واحد, [٢٢] وهو: لم بني؟ .
فتقول: لتضمنه معنى الحرف, وذلك الحرف هو ألف الاستفهام. وذلك يكون في «من» و «ما» و «كم» و «متى» و «أنى» , لأن هذه الأسماء مبنية على السكون.
وكل ما كان منها مبنيًا على حركة ففيه ثلاثة أسولة, لم بني؟ , ولم بني على حركة؟ , ولم بني على حركة دون حركة؟ , مثل «أين» و «كيف» و «أيان» [فتقول]: بنيت لتضمنها معنى الحرف.
стр. 90
وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين. وخصت بالفتحة دون غيرها طلبًا للخفة. فقس على ذلك كل اسم بني على حركة وسل فيه عن هذه الأسولة حتى تعرفها.
فإن قيل: وما الحاجة إلى المجيء بهذه الأسماء التسعة, وألا استغني بهمزة الاستفهام عنها؟ .
قيل: أتي بها لغرض عظيم وهو الاختصار والخوف من الإطالة والإكثار. ألا ترى أنك لو قلت في «من زيد»: أزيد فلان, لجاز أن يقال لك «لا» , ثم تسأل ثانيةً وثالثةً ورابعةً, فتكون أبدًا كذلك. فإذا قلت: من زيد, اقتضى الجواب من أول وهلة وسقطت الإطالة والكلفة. وكذلك البقية.
***
وأما قولنا: «ومثل الأسماء الموصولة التسعة, وهي: «الذي» و «التي» , وتثنيتهما وجمعهما. و «من» و «ما» بمعناهما و «أي» و «الألف واللام» بمعناهما. و «ذو» في لغة طييء. و «ذا» إذا كان معها «ما». و «الألى» بمعنى الذين. كل ذلك إذا كان بمعنى «الذي» كان موصولًا. وكلها مبني سوى «أي». وكلها لا تتم إلا بصلة وعائد. وجملة صلاتها أربعة أشياء: مبتدأ وخبر, وفعل وفاعل, وشرط وجزاء, وظرف. واسم الفاعل مع
стр. 91
الألف واللام, وكذلك اسم المفعول».
فإن هذه جملة مختصرة في معرفة الأسماء الموصولة. وإنما كانت مشكلة لبنائها أيضًا وشبهها بالحروف. والدليل على اسميتها جواز الإخبار عنها, وجواز كونها فاعلة ومفعولة, ودخول حرف الجر عليها.
وإنما سميت موصولة لأنها وصلت بما بعدها, لأنها لا تستقل بنفسها, وهي محتاجة إلى صلاتها كاحتياج الحروف إلى غيرها.
وإنما بنيت لشبهها بالحروف, وشبهها بالحروف إنما هو من حيث احتاجب إلى صلة وعائد كما احتاجت الحروف إلى غيرها.
ومثل صلتها بالمبتدأ والخبر: هذا الذي أبوه منطلق. ومثالها بالفعل والفاعل: هذا الذي انطلق أبوه. ومثالها بالشرط والجزاء: هذا الذي إن انطلق أبوه انطلق أخوه. ومثالها بالظرف: هذا الذي عندك, أو: في دارك. فهذا الظرف وسائر الظروف إذا وقعت صلات للموصولات فإنها تتعلق بفعل مقدر أبدًا, تقديره «هذا الذي استقر عندك» ثم حذفت «استقر» و «ثبت» وما اشبهه وأنبت منابه الظرف المنصوب به, بعد أن نقلت الضمير الذي كان في الفعل مستترًا, وهو ضمير الفاعل, فاعترفت الآن أنه مستتر
стр. 92
في الظرف, وصار [الفاعل] مرفوعًا بالظرف بعد أن كان مرفوعًا بالفعل.
هذا كلام المحققين فاعتمد عليه.
فإذا جاءتك حال منصوبة بعد هذا الظرف فسئلت عنها فقيل لك: من صاحب الحال؟ . فقل: ذلك المضمر الذي في الظرف. فإذا قيل لك: فما العامل في الحال؟ فقل: الظرف نفسه النائب عن [ذلك] الفعل, مثال ذلك: زيد الذي في الدار ضاحكًا. فـ «زيد» مبتدأ, و «الذي بصلته» خبر المبتدأ في موضع رفع بحق الخير, و «ضاحكًا» منتصب على الحال من المضمر الذي في الظرف, والناصب للحال نفس الظرف النائب عن الفعل. وعلى هذا تقيس «التي» والتثنية والجمع وسائر الموصولات التسعة, سوى «الألف واللام» فإنها لا توصل بجملة من هذه الجمل الأربع. وإنما توصل بمفرد, وذلك المفرد هو اسم الفاعل أو اسم المفعول.
مثال اسم الفاعل: هذا الضارب [زيدًا] , أي الذي ضرب [زيدًا]. ومثال اسم المفعول: هذا المضروب, أي الذي ضرب. فالضارب والمضروب مفردان لا جملتان, وفيهما عائدان مقدران يرجعان إلى الألف واللام, لأن الألف واللام في معنى الاسم وهو «الذي» , فاحتاجا إلى عائد كاحتياج «الذي».
و«الألف واللام» مبنية كبناء جميع الموصولات. وصلة الألف واللام معربة, من حيث لم تكن جملة كانت معربة. وباقي الموصولات
стр. 93
مبنيات. وجملها كلها محكيات. فلذلك يستوي مرفوعها ومنصوبها ومجرورها في التقدير, من نحو: جاءني الذي أبوه منطلق, ورأيت الذي أبوه منطلق, ومررت بالذي أبوه منطلق. فـ «الذي» على صورة واحدة لأنه مبني, والجملة على صورة واحدة لأنها محكية. وكذلك الباقي جارٍ هذا المجرى. فأما «أي» إذا كانت موصولة بجملة من هذه الجمل الأربع كانت معربة, لأنها في نفسها متمكنة بإضافتها, فبقيت على ما تستحق من إعرابها. تقول: / جاءني أيهم أبوه منطلق, بالرفع, ورأيت أيهم أبوه منطلق, [بالنصب] , [٢٣] ومررت بأيهم أبوه منطلق, [بالجر]. فـ «أي» معربة متغيرة, والجملة بعدها [جملة] محكية.
فإن وصلت بمفرد لا جملة مثل: جاءني أيهم أفضل, كانت عند سيبويه مبنية على الضم لا تتغير في رفع ولا نصب ولا جر, لأنها مشبهة بـ «قيل» و «بعد» في حذف مبينها. وعليه قوله عند سيبويه (ثم لننزعن من كل شيعةٍ أيهم أشد على الرحمن عتيًا) , وتقديره «الذي
стр. 94
هو أشد على الرحمن عتيًا». فـ «أيهم» بصلتها في موضع المفعول للنزع, ولم تنصب لكونها مبنيةً عنده. فعلى هذا تقول: مر بأيهم أفضل. وعليه قول الشاعر:
* فسلم على أيهم أفضل *
فهذه جملة كافية في معنى الموصولات والصلات. و «من» من بينها مختصة بمن يعقل. و «ما» لما لا يعقل. والباقي تصلح لما لا يعقل ولمن يعقل. فصل كلا [منها] بما يقتضيه معناها من ذلك.
ومما يحتاج إليه في معرفة عوائدها. أنه إذا كان ضمير مجرور لم يحذف, مثل: الذي مررت به فلان, ونحوه. وإذا كان ضمير مرفوع لم يجز حذفه مثل: الذي هو زيد فلان. إلا أن يطول الكلام فإنه يجوز أن يحذف وهو مراد,
стр. 95
مثل: ما أنا بالذي قائل لك سوءًا, أي: ما أنا بالذي هو قائل [لك سوءًا] , لأن «قائلًا» هو خبر الابتداء المحذوف العائد على «الذي». وإذا كان ضمير منصوب, كنت مخيرًا إن شئت أثبته, وإن شئت حذفته, كقولك: الذي ضربته فلان, والذي ضربت فلان. لأن ضمير المنصوب فضلة في الكلام فاستثقل اجتماع أربعة أشياء, الموصول والفعل والفاعل والمفعول, فاختصر فحذف المفعول لأنه فضلة في الكلام. وقد جاء الأمران في كتاب الله [قال الله سبحانه] (أهذا الذي بعث الله رسولًا) , أي [الذي] بعثه الله. وقال تعالى: (الذي يتخبطه الشيطان من المس) , فأثبت الهاء. وقد قرئ بالأمرين [جميعًا] (وما عملته أيديهم) , بإثبات الهاء, وحذفها على هذا الأصل المقرر. فاعرف ذلك, وقس عليه [تصب] إن شاء الله.
***
وأما قولنا: «ومثل الظروف المبنية [وهي] إذ, وإذا, وأمس, والآن, وقط. كلها أسماء لأنها مفعول فيها».
стр. 96
فإن هذه الظروف أسماء مشكلة أيضًا لبنائها من حيث أشبهت الحروف. فـ «إذ» و «إذا» بنيا لاحتياجهما إلى غيرهما من الإضافة إلى ما بعدهما. و «إذ» ظرف لما مضى من الزمان. تضاف تارة إلى جملة من فعل وفاعل, وتارة [إلى جملة] من مبتدأ وخبر. مثال الأول: جئتك إذ قام زيد, ومثال الثاني: جئتك إذ زيد منطلق. فموضع الجملة منها جر بالإضافة, إذ الغالب على الظروف الإضافة من نحو: جئتك وقت الهاجرة, ووقت الصبح. فتلخيص «جئتك إذ قام زيد» , أي وقت قيام زيد, و «جئتك إذ زيد منطلق» , أي وقت انطلاق زيد. فالجملة بعد «إذ» مؤداة على حالها لأنها محكية, و «إذ» في موضع نصب على الظرف, ولا يتبين فيها ذلك لأنها مبنية.
والناصب للظرف لا يصح أن يكون الفعل الذي بعده لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف بلا خلاف فيه [بينهم].
وكذلك «إذا» وهي ظرف لما يأتي من الزمان بخلاف «إذ». وتضاف إلى الجملة بعدها من نحو: أجيئك إذا احمر البسر, وإذا قدم فلان, ونحوه.
وإذا وقع بعدها اسم مرفوع فليس رفعه عندنا بالابتداء, وإنما رفعه بإضمار فعل مثل: (إذا السماء انشقت) [السماء] , مرتفعة بإضمار فعل تقديره: إذا انشقت السماء انشقت. والفعل الثاني مفسر للأول. وإنما امتنع الرفع بالابتداء عند سيبويه وأصحابه لأن «إذا» فيها معنى الشرط, والشرط يطلب الفعل,
стр. 97
ولذلك كان مرفوعًا بتقدير فعل لا بالابتداء. خلافًا للأخفش فإنه قد أجاز رفعه بالابتداء, والصحيح ما ذكرته للعلة المذكورة.
فثبت بهذا كله أن الجملة بعد «إذا» - سواء كانت فعلًا وفاعلًا أو مبتدأ وخبرًا على الخلاف - في موضع جر بالإضافة, و «إذا» في موضع نصب على الظرف. والناصب له جواب «إذا» لا الفعل الواقع بعد «إذا» كالعلة في «إذ».
و«أمس» بني لتضمنه معنى ألف ولام لتعريف العهد. لأن المراد به الأمس [المعهود] الذي يلي يومك. وبني على حركة لالتقاء الساكنين [وهما] الميم والسين. وخص بالكسر على أصل التقاء الساكنين, لأنها حركة لا لبس فيها بالمعرب مع عدم الإضافة والألف واللام.
و«الآن» مبني لتضمنه معنى ألف ولام غير الموجودة. لأن الموجودة زائدة. و «الآن» معرفة باللام المقدرة لتعريف الوقت الذي أنت فيه, لأنها حد ما بين الزمانين, الماضي والمستقبل. وقال قوم: بنيت لأنها فعل ماض في
стр. 98
الأصل, من «آن يئين» , إذا حان. وقال آخرون: إنها خالفت أسماء [٢٤] الإشارة بتعريفها من غير جهة / التعريف فبنيت. والصحيح هو الأول.
وبنيت على حركة لالتقاء الساكنين, الألف والنون. وأعطيت الفتحة طلبًا للخفة.
و«قط» مبنية لقطعها عن الإضافة كقطع «قبل» و «بعد» , وحركت لالتقاء الساكنين. وضمت كضم «قبل» و «بعد» لأن الضم حركة لا تكون للظرف إعرابًا, وهو ظرف.
وكل هذه الخمسة محكوم عليها بالاسمية لأنها مفعول فيها. وكل مفعول فيه فهو اسم. وإنما سميت مفعولًا فيها لأنها ظروف زمان. والظروف ما فعل فيه الفعل, زمانًا كان أو مكانًا.
***
وأما قولنا: «ومثل أسماء الأفعال . مثل: صه وصه [ومه ومه] وإيه وإيه, وأف, وأف, وأف, وأف, وأف, وأفا. كل هذه لغات فيها. وتخفف فيقال: أف. وتمال فيقال أفي. ولا يقال ما عدا ذلك. وكلها أسماء لأنها في موضع المفعول, ويدخلها تنوين التنكير».
فإن هذه جملة مختصرة في أسماء الأفعال. والدليل على كون هذه الأشياء أسماء دخول تنوين التنكير عليها [في] مثل: صه وصهٍ, وإيه وإيه [وأف
стр. 99
وأف] , بمنزلة سيبويه, وسيبويه آخر, وعمرويه, وعمرويه آخر. وأنها في موضع المفعول لأن «صه» وقعت موقع «سكوتًا» , أي أسكت سكوتًا. والمصادر مفعولات, وكل مفعول فهو اسم. وكذلك الباقي.
فإن قيل [لك]: فلم أتي بها في الكلام؟ . فقل: للاختصار والإيجاز. لأنك تستعملها للواحد والاثنين والجمع [والمذكر] والمؤنث بلفظ واحد, فتقول: صه يا زيد, صه يا زيدان, صه يا زيدون. صه يا هند, صه يا هندان, صه يا هندات, بخلاف «اسكت» في جميع ذلك.
وكذلك الباقي.
فإن قيل: فما الفرق بين معنى «صه» و «صه»؟ . فقل: صه اسم للفعل معرفة. و «صهٍ» اسم للفعل نكرة. فكأنك قلت في الأول: اسكت السكوت المعروف منك, وفي الثاني: اسكت سكوتًا ما.
وكذلك الباقي يفسر هذا التفسير.
وكل ما رأيته مبنيًا على السكون كصه ومه فعلى الأصل, وما بني على حركة كإيه وأف ولغاتها فلالقتاء الساكنين. [فمن كسر فعلي أصل التقاء الساكنين] , ومن فتح فلطلب الخفة, ومن ضم فللاتباع. ومن خفف فقال «أف» فلاستثقال التضعيف, ومن قال «أفي» - وأمال - فلأن الألف رابعة, وهي اسم, فجاز إمالتها كحبلى وغيرها.
стр. 100
فإن قيل: فما معاني هذه الأسماء المذكورة؟ . قيل: معنى «صه» اسكت. ومعنى «مه» اكفف. ومعنى «إيه» زدني من الحديث, فإن نونت فقلت «إيهٍ» فمعناه زدني زيادةً ما. ومعنى «أف» في جميع لغاتها التضجر. وكلها أسماء للعلتين المذكورتين وغيرهما.
***
وأما قولنا: «وجملة التنوين خمسة: تنوين تمكين مثل زيدٍ وعمروٍ. وتنوين تنكير مثل سيبويه وسيبويه آخر, وصه وصهٍ. وتنوين عوض مثل يومئذ [وحينئذ] وساعتئذٍ. وتنوين ترنم مثل:
* يا صاح, ما هاج الدموع الذرفاً *
و: * من طلل كالأتحمى انجها *
و: * يا أبتا علك أو عساكا *
стр. 101
وتنوين مقابلة [في المؤنث] بإزاء نون في المذكر مثل عرفات ومسلمات». فإنه لما ذكر التنوين في فصل أسماء الأفعال سيق معه جملة ما يأتي عليه التنوين. ولما كانت التنوين لا يخلو في الكلام من هذه الأقسام الخمسة عددت على ما بينت.
فأكثرها وأوسعها تنوين التمكين. لأن التنوين - كما قال سيبويه ﵀ دخل الكلام علامة للأمكن عندهم والأخف عليهم, وهو الواحد النكرة, كرجل وفرس وزيد وعمرو. لأن الأعلام في أصلها نكرات, وإنما تعرفت بالنقل والوضع على من وضعت عليه من المسمين. وهذا التنوين الذي هو تنوين التمكين هو الذي يعتقب عليه في النكرات أبدًا شيئان: الألف واللام من أول الاسم, أو الإضافة من آخر الاسم, فلا يوجد التنوين مع واحد منهما من نحو: رجلٍ, والرجل, ورجلك.
والمعارف من الأسماء التي لا تنصرف مثل أحمد وإبراهيم وجميع الأسماء الستة, إذا نكرت دخلها التنوين, ولحقت بتنوين التمكين, لأن الاسم قد زال عنه بزوال إحدى علتيه شبه الفعل, فعاد إلى الأصل في الاسمية. وكان تنوينه تنوين تمكين.
ويلي ذلك تنوين التنكير في المبنيات المعارف إذا نكرت مثل سيبويه
стр. 102
وسيبويه آخر, وعمرويه وعمرويه آخر, وخالويه وخالويه آخر. كل هذه أسماء وأصوات بنيت بناء الاسم مع الصوت, وحركت لالتقاء الساكنين, وكسرت على أصل التقاء الساكنين. فإذا نونت تنوين التنكير فالاسم مبني على حالة لا معرب كصه ومه, وقد ذكر [ذلك].
ويلي ذلك تنوين العوض في مثل يومئذ وساعنئذٍ [وحينئذ]. وإنما سمي [٢٥] هذا التنوين عوضًا لأنه عوض من جملة كان الظرف مضافًا إليها/, الذي هو «إذ» , لأنه قد تقدم أن «إذ» تضاف إلى الجملة فحذفت تلك الجملة وعوض منها التنوين اختصارًا, فلذلك سمي التنوين عوض, كقوله سبحانه: (إذا زلزلت الأرض زلزالها. وأخرجت الأرض أثقالها. وقال الإنسان ما لها. يومئذ تحدث أخبارها). فالأصل «يوم إذ تزلزل الأرض [زلزالها] , وتخرج [الأرض] أثقالها, ويقول الإنسان ما لها» , حذفت هذه الجمل الثلاث, وناب منابها التنوين. فاجمع ساكنان, الذال من «إذ» والتنوين, فكسرت الذال لالتقاء الساكنين. وهذا من الاختصار العجيب فاعرفه وقس عليه.
ويلي ذلك تنوين الترنم. وهذا النوع يستعمل في الشعر والقوافي لمد الصوت عند الحداء. فيدخل على الاسم وإن كان فيه ألف ولام كـ «الذرفا» , وعلى الفعل كقوله, «أنهجاً» , وعلى المضمر, كقوله: «أو عساكًا» , لأنه ليس
стр. 103
بشيء من التنوين المتقدم, وإنما دخل لمعنى الترنم وتحسين الصوت, فهو مما يختص بشيء دون شيء.
ويلي ذلك تنوين المقابلة, وهو يكون في جمع المؤنث السالم, إذا سمي به, [من] نحو امرأة سميتها بـ «مسلمات» , ففيها التعريف والتأنيث, فكان يجب ألا تنون لاجتماع علتين. ولكن التنوين بإزاء النون التي تكون في المذكرين, من [نحو] قولك: المسلمون [والصالحون] فسمي هذا التنوين تنوين مقابلة فخرج عن الأقسام المتقدمة. يدل على ذلك قوله (فإذا أفضتم من عرفات) , فعرفات معرفة مؤنث وقد دخله التنوين مع اجتماع علتين, فليس لذلك علة غير ما ذكر من الحكاية والمقابلة. فاعرف ذلك وقس عليه [تصب] إن شاء الله [تعالى]. وبالله التوفيق.
وأما قولنا: «وجملة الأمر أن خواض الأسماء كلها لا تخلو من أربعة أقسام. إما من أوله, مثل حروف الجر, وحروف النداء, ولام التعريف. وإما من آخره, مثل: تنوين التمكين والتنكير, والتثنية والجمع المنقلبين, وتاء التأنيث المنقلبة في الوقف هاء, وألفي التأنيث المقصورة والممدودة, وياءي النسب. وإما من جملته, مثل التصغير والتكسير والإضمار. وإما من معناه, مثل كونه مخبرًا عنه [وبه] , وفاعلًا, ومفعولًا, ومعرفًا, ومنكرًا, ومنعوتًا».
стр. 104
فإن هذه جملة مختصرة أيضًا في خواص الأسماء, حاصرة لجميعها إذ كانت مقاديرها وأحوالها لا تخلو من أربعة أقسام. وإنما كنت مختصة بالأسماء دون غيرها لأن لكل واحد منها معنى لا يصح إلا في الاسم.
فحروف الجر معناها إيصال معاني الأفعال إلى الأسماء, مثل: بزيدٍ مررت وعلى زيدٍ نزلت. فـ «على» أوصلت معنى النزول إلى زيد ونحوه.
وحروف النداء معناها التصويت بالمنادى. فإن كان المنادى مفردًا علمًا كان مضمومًا, مثل: يا زيد. وإن كان مضافًا كان منصوبًا مثل: يا عبد الله. وإن كان نكرة نظر. فإن كان مقصودًا مفردًا ضم, مثل: يا رجل, وإن كان غير مقصود نصب مثل: يا رجلًا.
ولام التعريف [معناها] تعريف عهد أو تعريف جنس أو تعريف حضور. وكل ذلك من أوائل الأسماء لأن معناها يقتضي ذلك.
ومعنى التنوين قد ذكر.
ومعنى التثنية ضم شيء إلى [شيء] مثله, كقولك: الزيدان والزيدين. ومعنى الجمع ضم شيء إلى أكثر منه, كقولك: الزيدون والزيدين.
ومعنى تاء التأنيث المبدلة في الوقف هاء الفرق بين المذكر والمؤنث في الأسماء نحو قائمة وقاعدة وامرأة وغرفة وقمحة وفرازنة ونحوه. وليست كذلك في الفعل لأنها تكون تاء في الوصل والوقف, مثل: قامت عند, وهند قامت.
стр. 105
ومعنى ألفي التأنيث المقصورة والممدودة كمعنى [تاء] التأنيث, إلا أن هاتين العلامتين ألزم للمؤنث, مثل: سكرى وغضبى ونحوه من المقصور, وحمراء وصفراء ونحوه من الممدود, فرقًا بين المذكر والمؤنث [من] نحو أحمر وسكران.
ومعنى ياء النصب الإضافة إلى أب, أو بلد, أو قبيلة, أو غير ذلك مما يخرج الاسم إلى معنى الصفة. مثل: كوفي ومصري وحسني وحسيني وقيسي وطلحي. فجميع هذه العلامات من آخر الاسم.
ومعنى التصغير تحقير كبير, أو تقليل كثير, أو تقريب بعيد, مثل: السقف فويقنا. وحميد, ورجيل. وهذا تصغير الثلاثي. والرباعي [تصغيره] مثل: دريهم [بوزن] فعيلل. وفعيليل للخماسي مثل: دنينير.
والتكسير هو جمع الكلمة مختلفة النظام. لأن جمع التكسير هو ما تغير في جماعته نظم الواحد, مثل: زيود, في تكسير زيد, وأزر, في تكسير إزار, وأسد في تكسير أسد.
والإضمار هو الكناية عن الأسماء وقد تقدم ذكرها [وتفسيرها] وأمثلتها
стр. 106
في النيف والستين مثالًا. والغرض بها الاختصار.
وكل هذه من جملة [خواص] الاسم.
[٢٦] / وكونه مخبرًا عنه مثل قولك: زيدٌ قائمٌ, لأنه إنما يخبر عن الأسماء.
وكونه فاعلًا مثل: نفعني زيد.
وكونه مفعولًا مثل: نفعني زيدًا.
وكونه معرفًا بالألف واللام, مثل: الرجل [والغلام] وبقية التعريفات الخمسة.
وكونه منكرًا, مثل: أحد وعريب, وكتيع ورجل وفرس, ونحوه.
وكونه منعوتًا, مثل: رجل ظريف وكاتب, وشبهه.
وكل هذه علامات معنوية. وقد ظهر لك أن معنى كل واحد منها لا يصح إلا في الاسم.
فقد انقضى الفصل الأول من المقدمة, وهو فصل الاسم.
стр. 107
الفصل الثاني: وهو فصل الفعل
وأما قولنا: «الفعل ما دل على حدث وزمان محصل, مثل فعل ويفعل وسيفل. وإنما لقب هذا النوع فعلًا لأنه لفظ توزن به جميع الأفعال, ويعبر عنها به, قال الله سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)».
فإن هذا حد الفعل المتصرف, لا يخرج فعل من الأفعال عنه. لأن الأفعال إنما دخلت الكلام لتدل على الزمان والحدث دلالة إفادة, وهي بخلاف الأسماء التي تدل دلالة إشارة. ودلالة الأسماء دلالة واحدة, وهي ذات المسمى. ودلالة الأفعال دلالتان, دلالة الزمان ودلالة الحدث. فدلالة الزمان من نفس الصيغة, ودلالة الحدث من نفس اللفظ.
وإنما لقب فعلًا ليفرق بينه وبين المصدر الذي هو الحدث, وهو اسم الفعل. لأن المصدر يأتي على أوزان كثيرة مقيس وغير مقيس. والأفعال تأتي على أوزان محصورة مقيسة, قد جملت في فصل الفعل. وكلها يجمعها لفظ «فعل» , لأن «فعل» فعل ثلاثي. [والثلاثي] هو أصل الرباعي وما زاد. ولذلك قلت لك إنه لفظ توزن به جميع الأفعال ويعبر به عنها, كما قال سبحانه: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) , أي وهم يسألون عما يفعلون. فقد دخل
стр. 108
تحت «يفعل» و «يفعلون» كل فعل يدل على حدث من سائر الأحداث كلها على اختلاف أنواعها.
وأما قولنا: «وقسمة الأفعال ثلاثة: ماضٍ, ومستقبل ولا ماض ولا مستقبل, وهو الحال».
فإن الدليل على كونها ثلاثة السماع والقياس. فالسماع قوله تعالى: (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك). والقياس أنا وجدنا في كلامهم حرفًا لنفي المستقبل مثل «لا» و «لن» , وحرفًا لنفي الماضي مثل «لما» و «لم» , وحرفًا لنفي الحال مثل «ما». فدل على أن الأفعال ثلاثة, كما أن الحروف الدالة على ذلك ثلاثة. فهذا يرد قول من قال إن الأفعال قسمان: ماض ومستقبل, لاعتقاده أن فعل الحال لا يثبت. وليس عدم ثباته مما يوجب رفعه بالجملة, لأنه هو الأصل الذي نشأ عنه الماضي, وتبقى عنه المستقبل فكيف يكون الأصل مطرحًا.
وأما قولنا: «أما الماضي فهو ما كان مبنيًا على الفتح من غير عارض عرض له. وجملته عشرون مثالًا, مثل: كتب, وعلم وظرف. ومثل: قرطس وأعلم وعلم, وناظر. ومثل: تقرطس, وتعلم, وتناظر. ومثل: انطلق واقتدر واحمر, واحمار, واستخرج, واغدودن, واجلوذ, واسحنكك واحرنبي, واحرنجم. والعشرون هو [فعل] ما لم يسم فاعله في جميع ذلك, يضم أوله ويكسر ما قبل آخره, سوى المضاعف لامه والمعتل العين».
стр. 109
فإن هذه جملة مختصرة في أوزان الأفعال. والذي مثل بها كلها ماض, لأن الماضي ما كان مبنيًا على الفتح, وكلها مبنية على الفتح من غير عارض عرض لها. وإنما بنيت في الأصل لاستحقاقها البناء. لأن الأفعال تدل على المعاني المختلفة بصيغ مختلفة, فأغنى اختلاف صيغها عن إعرابها. وبنيت على حركة لمضارعتها [الفعل] المستقبل من حيث كانت [تقع] خبرًا, وصفة, [وصلة] , وحالًا, وشرطًا وجزاء, كما تقع الأفعال المستقبلة. مثل: [قولك]: زيد كتب, وهذا رجل كتب, وهذا الذي كتب, وهذا زيد كتب, وإن كتب كتبت. كما تقول: زيد يكتب, وهذا رجل يكتب, وهذا الذي يكتب, وهذا زيد يكتب, وإن يكتب أكتب. وأعطي الفتحة في جميع هذه الأوزان كلها للخفة.
وجميع هذه الأوزان لا تخلو من أن تكون ثلاثية, أو رباعية بزيادة, أو غير زيادة, أو خماسية بزيادة, أو سداسية بزيادة. ولا زيادة لهم على ذلك, لأنه ليس لهم فعل سباعي.
стр. 110
فالثلاثي هو الأصل, وله ثلاثة أوزان. ولذلك بديء بها. وهي: كتب بوزن فعل. وعلم بوزن فعل. وظرف بوزن فعل.
والرباعية هي الثانية, ولذلك ثني بها. فالأصل منها قرطس, حروفها كلها أصول كدحرج وسرهف, بوزن فعلل. وأعلم وعلم وناظر رباعية كلها بزيادة. فأعلم بوزن أفعل وعلم بوزن فعل, إحدى العينين زائدة. وناظر بوزن فاعل, الألف زائدة.
[٢٧] والخماسي بزيادة واحدة [مثل] تقرطس بوزن تفعلل. وتعلم بوزن تفعل. وتناظر [بزيادتين] بوزن تفاعل. وهذه خماسية بزيادة وزيادتين ليس إحداهما ألف وصل. وانطلق واقتدر واحمر خماسية بزيادتين احداهما ألف وصل. فانطلق بوزن انفعل, واقتدر بوزن افتعل, واحمر بوزن افعل. واحمار سداسي بثلاث زوائد بوزن افعال. واستخرج سداسي بثلاث زوائد بوزن استفعل. والباقي سداسية بزوائدها فاغدودن بوزن افعوعل. واجلوذ بوزن افعول. واسحنكك بوزن افعنلل, ملحق باحرنجم, واحرنبى بوزن افعنلى ملحق به أيضًا.
والعشرون هو جميع هذه الأفعال إذا بنيت لما لم يسم فاعله, ضم أولها
следующие страницы →