← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18278

شرح المقدمة المحسبة

ابن بابشاذ

Полный текст (380 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

والهمزة, ولا تعادل همزة الاستفهام, ولا تقتضي تعيينًا. وذلك قولهم: إنها لإبل أم شاء. تقديره: بل أهي شاء, كأنه أضرب عن الكلام الأول واستأنف الكلام عن الجملة الثانية. وجواب هذا «نعم» أو «لا». وكذلك إذا كانت «أو» مع همزة الاستفهام كان جوابها «نعم» أو «لا» من غير تعيين, كقول القائل: أزيد عندك أو عمرو, فتقول: «نعم» , أو «لا». لأنها [ها هنا] مقدرة بالأحدية لا بأي. كأنه قال: أحدهما عندك أو لا. وهذا لا يقتضي إلا «نعم» أو «لا». فالسؤال أولًا بالهمزة [وأو] , ثم السؤال ثانيًا بأم, لأن التعيين بعد الاستقرار. و«بل» معناها الإضراب عن الأول وإثبات الحكم للثاني. مثل: جاءني زيد بل عمرو. وما جاءني زيد بل عمرو. و«لكن» معناها الاستدراك بعد النفي في باب العطف. مثل: ما جاءني زيد لكن عمرو. وتكون حرف ابتداء, وقد ذكرت مع حروف الابتداء. و «لا» معناها إخراج الثاني مما دخل فيه الأول. ولا يعطف بها إلا بعد موجب, مثل: قام زيد لا عمرو. ولـ «لا» أقسام كثيرة, تكون عاطفة,

стр. 177

وقد ذكرت. وناهية فتجزم, مثل: لا تفعل. وجوابًا للقسم في مثل: والله لا تقوم فلانة. ومبنية مع النكرة العامة, مثل: لا رجل في الدار, ولا شك, ولا ريب, ولا إله إلا الله. وتكون بمعنى «لم» مثل: (فلا صدق ولا صلى) , أي لم يصدق ولم يصل. و«حتى» تكون عاطفة بشرطين. أن تعطف قليلًا على كثير, ومن جنسه. مثل: قام القوم حتى زيد, ورأيت القوم حتى زيدًا, ومررت بالقوم حتى زيد. وقد ذكرت مع أقسام حتى في موضعين متقدمين. والعلة الجامعة في تسمية هذه الحروف كلها حروف عطف ما ذكر في المقدمة من كونها مدخلة ما بعدها في إعراب ما قبلها وعاطفة له عليه. وسيأتيك من ذلك أصول آخر في فصل التوابع من هذه المقدمة إن شاء الله تعالى. *** وأما قولنا: «ومنها ستة للجواب, وهي: نعم, وبلى, وإي وجير في القسم, وأجل, وإن في أحد أقسامها». فإن هذه [الستة] كلها حروف معناها في غيرها. وفي «نعم» لغتان:

стр. 178

نعم ونعم. وقد قريء بهما جميعًا. ومعناها العدة والتصديق. فالعدة بعد الأوامر وشبهها, من نحو: افعل كذا وكذا, فتقول: نعم. والتصديق بعد الإخبار وغيره, يقول القائل: زيد قائم, فتقول: نعم, مصدقًا لكلام المخبر. وكذلك المستخبر إذا كان مخرجه مخرج المستعلم أو المقرر. ومعنى «بلى» الإيجاب بعد النفي والاستفهام. يقول القائل: أليس زيد قائمًا, فتقول: بلى. أي هو قائم. ولو قال في [هذه] المسألة: «نعم» لكان غير قائم. ومثله [قوله تعالى]: (ألست بربكم قالوا بلى) ولو كان ها هنا «نعم» لكان كفرًا معاذ الله, إنما أخرج الجواب إيجابًا وتقريرًا.

стр. 179

و «إي» معناها كمعنى «نعم» , وهي فصيحة جدًا ما لم تفسد بالزيادة العامية. وهي قولهم «إيوه». والفصاحة المجيء بها كمجيئها في القرآن الكريم (قل إي وربي إنه لحق). وهي كثيرة الاستعمال في القسم كالآية. وكذلك «جير لأفعلن» , بمعنى «نعم» في القسم أيضًا. لكن هذه تنوب عن المقسم به كثيرًا, وقلنا يستعمل معها المقسم به. و«أجل» فصيحة في كلام الرسول ﷺ , وهي جواب. و «إن» في أحد أقسامها تكون بمعنى «نعم» , كما قال: «إن وراكبها» ومثله قوله: [بكر العواذل في الصبو ... ج يلمنني وألومهنه] ويقلن شيب قد علا ... ك وقد كبرت, فقلت: إنه

стр. 180

ومثل [قوله تعالى]: (إن هذان لساحران) فيمن رفع في أحد الوجوه. وقد ذكرنا معنى إن في غير هذا الحد. *** وأما قولنا: «ومنها أربعة للتحضيض وهي: لولا وهلا ولوما وألا. إذا وليهن الفعل المستقبل كن تحضيضًا. وإذا وليهن الماضي كن توبيخًا». [٤٣] فإن هذه الأربعة مربكة من حرفين, ولهن هذان المعنيان. / وتختص

стр. 181

في هذين المعنيين بالأفعال. ومثال الماضي معهن: لولا فعل, وهلا فعل, ولوما فعل, وألا فعل, كل هذا توبيخ. ولو قال: لولا تفعل, وهلا تفعل, ولو ما تقوم, وألا تقوم, لكان تحضيضًا على الفعل لتفعله. والأول توبيخ على الفعل لم لم يفعله. *** وأما قولنا: «ومنها أربعة للمضارعة. وهي: الهمزة, والنون, والتاء, واةلياء». فإن هذه الحروف هي التي تكون في أول الفعل المستقبل. مثل: أقوم, ونقوم, وتقوم, ويقوم. وإنما سميت حروف مضارعة لأن بها ضارع الفعل الأسماء فأعرب كما أعربت الأسماء. والمضارعة المشابهة. وقد مضى ذكر ذلك. *** وأما قولنا: «ومنها أربعة للإعراب. وهي: الياء, والواو, والألف, والنون». فإن هذه الأربعة هي التي تكون في المعربات من آخرها. فالواو والياء والألف هي في الأسماء الستة وفي التثنية والجمع السالم. والنون علامة الرفع في الأفعال

стр. 182

الخمسة التي ثباتها فيها علامة الرفع, وسقوطها علامة الجزم والنصب. *** وأما قولنا: «ومنها أربعة تختص بالفعل من أوله. وهي: قد, ولو, والسين, وسوف». فإن «قد» معناها التقريب والتوقع مع الماضي, مثل: قد فعل. والتقليل مع المستقبل, مثل: قد يفعل. و«لو» معناها امتناع الشيء لامتناع غيره, مثل: لو جئتني جئتك. فالمجيء الثاني امتنع لامتناع المجيء الأول. ولو دخلت «لم» عليها وعلى جوابها لانقلب المعنى فيها, وكان معناها وجود الفعل لوجود غيره. كقولك: لو لم تجئني لم أجئك, فقد كان المجيئان [جميعًا]. ولو كانت «لم» مع الأول دون الثاني مثل: لو تجئني لجئتك, لكان الأول قد وقع والثاني لم يقع. وعكسه عكس هذا المعنى, كقولك: لو جئتني لم أجئك, فالأول لم يكن والثاني قد كان. فاعرف ذلك فإنه من ألطف شيء. و«السين» و «سوف» معناهما قد ذكر, وهو التنفيس وإخلاص الفعل للاستقبال. ومنه: (ولسوف يعطيك ربك فترضى). ولا يجوز دخول هذه اللام على السين وحدها. لو قلت: إن زيدًا لسيقوم, لم يجز, ويجوز: إن زيدًا لسوف يقوم, كالآية. لأن سوف بكونها ثلاثة أحرف قد خرجت إلى شبه الأسماء, فجاز أن تدخل عليها لام الابتداء.

стр. 183

قال الشيخ رحمه الله تعالى: فأما قولنا: «ومنها ثلاثة للاستفهام. وهي الهمزة وهل وأم. وما عداها مما يستفهم به فليس بحرف». فإن هذه الحروف الثلاثة إذا دخلت على الكلام غيرت المعنى دون اللفظ. لأن الاستفهام قد كان قبل دخولها خبرًا, فلما دخلت على الجملة صارت استفهامًا واستخبارًا. كقولك: زيد قائم, ثم تقول: أزيد قائم؟ , وهل قام زيد؟ , وأزيد قائم أم عمرو؟ . والحروف في تغيير الجمل وترك تغييرها على أربعة أقسام, حرف يغير المعنى دون اللفظ, وهي هذه. وحرف يغير اللفظ دون المعنى. وهي «إن» و «أن» , لأن معناهما التأكيد والتأكيد لا يغير معنى. وحرف يغير اللفظ والمعنى جميعًا, مثل: «ليت» و «لعل» و «كأن». تقول: زيد قائم, فإذا قلت كأن زيدًا قائم, تغير اللفظ كما ترى. وقد صار المعنى [مع كأن] تشبيهًا, ومع «ليت» تمنيًا, ومع «لعل» ترجيًا, فقد تغير اللفظ والمعنى. وحرف لا يغير لفظًا ولا معنى, وهي لام الابتداء, كقولك: زيد قائم, ولزيد قائم. وأما قولنا: «وما عداها مما يستفهم به فليس بحرف» فهو إشارة إلى [التسعة] الأسماء التي يستفهم بها. وقد شرحت في فصل الأسماء. ***

стр. 184

وأما قولنا: «ومنها ثلاثة للتأنيث. وهي: التاء, والألف المقصورة, والألف المقصورة, والألف الممدودة». فإن مثال التاء: قائمة وغرفة وامرأة وقمحة ونسابة وزنادقة ومهالبة وبرابرة. كل هذه تاءات للتأنيث, تتفق في الدلالة على التأنيث وتفترق في أشياء أخر ليس هذا موضع ذكرها. وكلها يوقف عليها بالهاء. والتأنيث إنما هو بالتاء لا بالهاء, خلاف ما يقول الكوفيون إن التأنيث بالهاء. لأنهم راعوا الصورة الثابتة في الخط. والبصريون راعوا الأصل, وهو الوصل الثابت في النطق تاء, والوصل هو الأصل, والنطق كذلك, ولا يعتبر بعوارض الوقف. ومثال الألف المقصورة في التأنيث: حبلى وجمادى وحبارى, ونحوه من التأنيث بالألف. والكوفيون يقولون [إن التأنيث] بالياء, مراعاة للخط لكونها ياء في الخط. والبصريون يقولون التأنيث بالألف, مراعاة للفظ على ما تقدم. ومثال الألف الممدودة حمراء وقفها وأنبياء. فالكوفيون يقولون [إن] التأنيث بالهمزة [مراعاة للفظ]. والبصريون يقولون [التأنيث] بالألف

стр. 185

الممدودة, لأنها التي كانت مقصورة فمدت لما وقع قبلها ألف المد. وأما قولنا: «ومنها حرفان للتنفيس, وهما السين وسوف». وقد ذكرناهما والفرق بينهما فلا معنى لاعادتهما. إلا أنك لو سميت / رجلًا [٤٤] بسوف لأعربت ولم تزد على الكلمة شيئًا سوى الإعراب, فتقول: جاءني سوف. ورأيت سوفًا, ومررت بسوفٍ. ولو سميت رجلًا بالسين من «سيقوم» لاحتجت إلى زيادتين تزيدهما على الكلمة, لأنه لا يكون اسم معرب على حرف واحد, فيجري فمجرى التسمية بالفاء [التي] للعطف, ولام الابتداء. فتقول: جاءني فاء ولاء وساء. لأن السين المستعملة من «سيقوم» ليست هي السين من «سوف» , لأن الحروف لا تصريف فيها, بل لكل حرف منها حكمه على ما تقتضيه الأصول. وهذا شيء عرض. *** وأما قولنا: «ومنها حرفان لتأكيد الفعل, وهما النونان الشديدة والخفيفة». فقد ذكرا في فصل الأفعال وحكمهما وحكم ما قبلهما. *** وأما قولنا: «ومنها حرف للتعريف. وهو اللام عند سيبويه, والألف واللام عند الخليل». فإن هذه مسألة خلاف عند سيبويه ﵀, يقول: إذا قلت: الرجل والغلام, فالتعريف إنما هو باللام وحدها, والهمزة إنما دخلت توصلًا إلى النطق

стр. 186

بالساكن. والحجة له في كون التعريف باللام وحدها [هو] أن اللام في مقابلة التنوين الذي هو في أصله للتنكير, فكما ثبت أن التنوين على حرف واحد وبه وقع التنكير, فكذلك التعريف بحرف واحد. والحجة للخليل ﵀ في [أن] التعريف بهما جميعًا [هو] أن حروف المعاني أكثرها يأتي على حرفين, مثل: هل وبل وأو وإن وأم, وغير ذلك مما يطول ذكره, فأجرى الألف واللام هذا المجرى, واعتقد أن الحكم لهما جميعًا. إذا كان ما هو [على] حروف واحد - مثل باء الجر ولامه وكاف التشبيه وغيرها - قليلاً ليس في كثرة ما هو على حرفين فتمسك بالأكثر. *** وأما قولنا: «ومنها حرف للتنكير مثل تنوين ما لا ينصرف والأسماء المبنيات».

стр. 187

فإن التنوين نون ساكنة تخرج من الخيشوم بلا كلفة, بدليل أن الممسك إذا أمسك أنفه لم يخرج للنون مخرج بل تحبس, وإنما الحركة التي تراها بعدها في مثل: (أحدن الله) إنما هي حركة التقاء الساكنين, وإلا فهي في الأصل ساكنة. ولذلك تبدل ألفًا في النصب من «رأيت زيدًا» ونحوه. وقد ذكر أقسام التنوين وأحكامه فيما تقدم. [فافهم ذلك وفقك الله تعالى]. *** قال الشيخ: وأما قولنا: «ومنها حرف للنسب, وهي الياء المشددة». فإن الياء المشددة التي للنسب إذا دخلت على الكلمة الجامدة جعلتها في حكم المشتق, وحملت الاسم الضمير, وجعلته صفة بعد أن لم يكن كذلك, ونقلت الإعراب الذي كان قبلها إليها, وقلبت الألفات واوات. ولها آثار كثيرة في النسب. فلذلك تقول: هذا رجل زيدي وعلوي وفتوي وحنفي, وشبهه. فتجد ما ذكرته لك. وكل هذه الياءات حروف وليست بأسماء عند البصريين, خلافًا لما يقول بعض الكوفيين من أنها أسماء. ويحتجون بقول بعض العرب: «رأيت التميمي عدي» جر «عدي» على البدل من الياء. قالوا: فدل [ذلك] على

стр. 188

كونها أسماء, لأنه لا يبدل الاسم إلا من الاسم. وهذا غلط في التأويل عند البصريين. بل الياء في «رأيت التيميمي» حرف نسب لا موضع له من الإعراب, وجر «عدي» إنما هو على حذف مضاف مراد, كأنه قال: «رأيت التيمي تيم عدي» , فعدي مجرور بالإضافة, لا [على] ما قالوا من البدل. فاعرف ذلك. إن شاء الله تعالى. *** فصل قال الشيخ رحمه الله تعالى: [وأما قولنا: ] «وأما الحروف التي تعمل على صفة ولا تعمل على أخرى فهي تسعة. سبعة للنداء وهي: «يا» و «أيا» و «هيا» و «أي» و «آ» و «الهمزة» و «وا». فهذه إذا وليها المفرد المعرفة أو المقصود كان مضمومًا, مثل: يا زيد, ويا رجل, إذا أقبلت [٤٥] عليه. وإذا وليها المضاف, أو الاسم الطويل, أو النكرة التي ليست مقصودة / كان منصوبًا, مثل: يا عبد الله, ويا طالعًا جبلًا, ويا رفيقًا بالعباد. ويا رجلًا, ويا غلامًا, إذا لم تعين شخصاً بعينه». وإنما جعلنا هذه الحروف خارجة عما تقدم لهذا الاختلاف الواقع بعدها. ولأن حرف النداء فيها ناب مناب الفعل. فإذا قلت: يا عبد الله, فكأنك قلت:

стр. 189

أنادي عبد الله, فنابت «يا» عن الفعل. والدليل على نبيابته عن الفعل جواز إمالة حرف النداء. والحروف لا تمال. وقد قالوا يا عبد الله [ممال] , ويا زيد. فلولا النيابة عن الفعل لما جازت الإمالة. ولأنه قد وقع بعدها المنصوب والمجرور بحرف جر كما يقع بعد الفعل. فالمنصوب قولك: يا عبد الله. والمجرور قولك: يا لزيدٍ, كما تقول: ناديت عبد الله, وصحت لزيدٍ. فدل ذلك كله على نيابة حرف النداء عن الأفعال. وهذه الحروف تختلف معانيها. فـ «أيا» و «هيا» و «أي» و «آ» لنداء البعيد والمستثقل في نومه. والهمزة لنداء القريب والذي بين يديك. و «وا» لنداء المندوب. و «يا» هي أم الباب تستعمل للقريب والبعيد, وفي الاستغاثة والندبة وغير ذلك, لأنها قاعدة الباب وعليها المدار. وأحكام ما بعدها قد ذكرت. فكل مفرد علم صحيح يكون مضمومًا في النداء, مثل: (يوسف أعرض عن هذا). وكل مضاف أو طويل يكون منصوبًا على ما مثلنا. وكل نكرة مفردة فهي على ضربين. إن كانت مقصودة بالإقبال عليها كانت مضمومة, كالعلم المفرد, مثل: يا رجل, ويا غلام. وإن كانت غير مقصودة كانت منصوبة, مثل: يا رجلًا أقبل, ويا غلامًا, فمن أجابك فقد أتى على غرضك, لأنك لم تقصد شخصًا بعينه.

стр. 190

وأما قولنا: «ومنها [ما وهي] حرف يرفع الاسم وينصب الخبر في النفي عند أهل الحجاز, ما دام خبرها متأخرًا بعد اسمها, لم يتقدم هو ولا معموله, ولم تدخل «إلا» ولا «إن» المخففة. وذلك قولك: ما زيد قائمًا, و «ما هذا بشرًا). وترفع في لغة تميم على كل حال». فإن الحجة لبني تميم في رفع جميع هذه المسائل وشبهها أن «ما» حرف نفي يدخل على الجملة من المبتدأ والخبر, والجملة من الفعل والفاعل. وهي كحروف الاستفهام الداخلة على الجملتين. فكما أن حروف الاستفهام لا تعمل شيئًا فكذلك «ما» عند بني تميم. والحجة لأهل الحجاز في إعمالها أنها عندهم مشبهة بـ «ليس» التي ترفع الاسم وتنصب الخبر. والشبه الذي بينهما من وجوه, أنهما جميعًا للنفي. وأنهما جميعًا داخلان على مبتدأ وخبر. وأنهما لنفي الحال. فلذلك نصب خبر «ما» بما كما نصب خبر «ليس» بليس. ولما كانت «ليس» فعلًا عملت على كل الوجوه بقوة الفعلية. ولما كانت «ما» حرفًا ضعفت عن العمل على كل حال, فبطل عملها إذا تقدم الخبر, مثل: «ما قائم زيد». وبطل إذا تقدم معمول الخبر مثل: «ما طعامك زيد آكل». «طعامك» مفعول «آكل» لما تقدم بطل نصب «آكل» وبطل عملها. وكلك إذا دخلت «إلا» , مثل:

стр. 191

«ما زيد إلا قائم» , قال الله تعالى (ما هذا إلا بشر مثلكم) وبطل إذا دخلت «إن» مثل: «ما إن زيد قائم». لأن إن كفت «ما» عن عملها كما كانت «ما» تكف «إن» عن عملها. *** وأما قولنا: «ومنها «لا». وهي تنصب النكرة ما دامت [النكرة] تليها, وما دام النفي مستغرقًا الجنس مثل: لا إله إلا الله. فإن وقع فصل بطل النصب, مثل: (لا فيها غول) ونحوه». فإن جملة الأمر في «لا» أنها على ضربين. تارة يكون النفي بها نفي استغراق. والأخرى لا يكون نفي استغراق بل نفي اختصاص. فمتى كان النفي نفي استغراق, وهو ما كان جوابًا لحرف مستغرق مثل أن يقول القائل: هل من أحد في الدار, فتقول: [أنت]: لا أحد في الدار, بمعنى لا من أحد [في الدار]. وكذلك: هل من رجل, فتقول: لا رجل, بمعنى لا من رجل, فبنيت النكرة هنا مع «لا» لتضمنها معنى حرف الاستغراق. والبناء يقتضي أن يكون مجاورًا للمبني لا فاصل بينهما, ويقتضي أن يكون مفردًا لا مضافًا. فإذا وقع فصل بين «لا» والنكرة بطل البناء, ووجب أن تقول: لا فيها رجل, ولا فيها أحد. وكذلك إذا كان مضافًا كان معربًا لا مبنيًا, مثل: لا غلام

стр. 192

رجل [في الدار] ولا صاحب امرأةٍ فيها, لأن المضاف غير مبني في الغالب. وإنما حملت «لا» في عمل النصب على «إن» التي للإيجاب لأن العرب تحمل الأشياء على أضدادها كما تحملها على نظائرها, فقلت لا غلام رجل في الدار, ولا رجل في الدار. كما تقول: إن الرجل في الدار. فـ «لا» في العمل مثل «إن» , وإنما تخالفها في أشياء أخر. فـ «لا» تعمل في النكرة لا غير, و «إن» تعمل في المعرفة والنكرة, و «لا» تبنى مع النكرة [و «إن» لا تبنى مع النكرة]. و «إن» لا يحسن حذف خبرها, و «لا» يحسن حذف [٤٦] خبرها, نحو: / لا بأس, ولا خوف. وإن يجوز العطف على موضعها بعد الخبر ولا يجوز قبل الخبر, و «لا» يجوز العطف على موضعها قبل الخبر وبعد الخبر, مثاله: لا رجل وامرأة في الدار, ولا رجل في الدار وامرأة, ولا يجوز أن تقول: إن الرجل والمرأة في الدار, إنما تقول: إن الرجل في الدار والمرأة, إذا أردت الحمل على الموضع. فأما نصبهما جميعًا فلا إشكال في ذلك. فهذه كلها فروق بين «إن» و «لا» في العمل. والفرق بين «لا» إذا بنيت مع ما بعدها من النكرة وبينها إذا لم تبن قد ذكر, أعني الاستغراق وترك الاستغراق. ومثالها في الاستغراق: لا حول ولا قوة إلا بالله, نفيت كل حول وكل قوة على جهة العموم أن يكون لأحد استجلاب

стр. 193

لهما أو دفع لحلولهما إلا بالله جل وعز الذي هو فاعل كل شيء تعالى علوًا كبيرًا. وخبر «لا حول» محذوف لدلالة الثاني عليه, التقدير لا حول إلا بالله ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم] والخبر على التحقيق فيهما [جميعًا] محذوف كأنه قال: «لا حول لمخلوق إلا بالله ولا قوة لمخلوق إلا بالله». والجار والمجرور المقدر هو الخبر المتعلق بالاستقرار المقدر على الأصل [المقرر,] لأن إلا إنما دخلت للاستثناء, والاستثناء إنما هو من مستثنى, وذلك المستثنى هو الخبر المحذوف على التحقيق. وبالله التوفيق.

стр. 194

شرح المقدمة المحسبة الجزء الثاني

стр. 195

شرح المقدمة المحسبة لطاهر بن أحمد بن باشاذ المتوفى سنة ٤٦٩ هـ ــ الجزء الثاني تحقيق خالد عبد الكريم

стр. 196

الطبعة الأولى ١٩٧٧

стр. 197

الفصل الرابع: فصل الرفع قال الشيخ [أبو الحسن] ﵀: أما قولنا: «الرفع ما جلبه عامل الرفع لفظًا كان أو تقديرًا». فإن المراد باللفظ ما كان من إعراب الأسماء الصحيحة, مثل: فلس والفلس وأفلس وشبهه, وأحمد ومسلمات. والمراد بالتقدير ما كان معتلًا كالقاضي والعمى ونحوه, فجمعنا الأمرين. لأن الرفع بالحركة يظهر في الصحيح لخفته, ويقدر في المعتل لثقله. وقلنا: «ما جلبه عامل الرفع» احترازًا مما لم يجلبه عامل من المبنيات, مثل: «قيل» و «بعد» و «نحن» وشبهه, لأن الرفع في المعرب إنما يكون بعامل والعامل جلبه. فأما قولنا: «وجملة علامات الرفع أربع: الضمة والواو والألف والنون». فإن الأصل من هذه الأربع الضمة, لأن الضمة حركة, وأصل الإعراب أن يكون بالحركات. وقولنا: «فالضمة أبدًا تكون في نوعين, في الأسماء السالمة, والأفعال [المضارعة] السالمة. مثل قولك: زيد يفعل, ونحوه». احترازًا من الأسماء المعتلة كالقاضي والغازي, والأفعال المعتلة كيقضي ويرمي.

стр. 198

وقولنا: «والواو تكون في سبعة أسماء». لأن الستة منها مفردة معتلة مضافة, وهي: أخوه وأبوه وحموه وفوه وهنوه وذو مال. والسابع هو جمع السلامة, كله في حال الرفع, نحو: المسلمون والصالحون والزيدون [والعمرون] ونحوه. [وقولنا]: «والألف تكون في تثنية الأسماء خاصة على جميع صفاتها, مثل قولك أخواه وأبواه والمسلمان والهندان والقاضيان والفتيان والحبليان والحمراوان». وإنما جعل مرفوع االتثنية بالألف دون الواو لما ذكر في فصل الأسماء المعربة العشرة. [وقولنا]: «والنون في تثنية فاعل الفعل وجمعه والواحدة المؤنثة, مثل: تفعلان ويفعلون وتفعلين». وإنما قلنا في تثنية فاعل الفعل وجمعه ليدخل في ذلك الغائب والمخاطب نحو تفعلان ويفعلان وتفعلون ويفعلون. ولا يصح أن تقول «في تثنية الفعل وجمعه» لأن الأفعال لا تثنى ولا تجمع. وهذه

стр. 199

الأمثلة الخمسة من الفعل أفعال معربة لا حرف إعراب فيها, لأن النون في جميعها إنما هي علامة الرفع وليست بحرف إعراب. لأن حرف الإعراب في الصحيح لا يزول بالعامل, وهذه النون تزول بالعامل. فدل على أنها علامة إعراب, وليست بحرف إعراب وكذلك ما قبلها. وأما الياء في تفعلين, والواو في تفعلون, والألف في تفعلان فليس واحد منها حرف إعراب. لأن هذه الأشياء [كلها] فاعلات, والفاعل لا يكون حرف إعراب للفعل, بل هو اسم له حكمه. وليس ما قبل هذه الأسماء من الحروف المجاورة لها بحرف إعراب, لأن ذلك الحرف قد اشتغل بحركات هذه الضمائر. فالفتحة في لام «تفعلان» للألف, والضمة في لام «تفعلون» للواو, والكسرة في [لام] تفعلين للياء. فثبت بهذا التعليل أن هذه / الكلم [٤٧] أفعال معربات لا حرف إعراب فيها. فهذا مذهب المحققين, فاعرفه. فإذا قيل لك: ما الفرق بين الألف في قولك «القائمان» وفي قولك «يقومان» , والواو في قولك «القائمون» [وفي قولك] «يقومون»؟ . فقل: الألف في [قولك] «القائمان» والو في [قولك] «القائمون» حرف, وهي في [قولك] «يقومان» و «يقومون» اسم. فإن قيل: هذه دعوى.

стр. 200

فقل: قد قام الدليل على كون الألف والواو في الأسماء حروفًا, وهو انقلابها في الجر والنصب إلى الياء, لأن التغيير إنما هو للحركات والحروف. وليست كذلك الألف والواو في «تفعلان وتفعلون» لأنها ضمائر. وأنفس الأسماء لا تنقلب. *** وأما قولنا: «وجملة المرفوعات التي تكون فيها إحدى هذه العلامات سبعة, وهي: المبتدأ, والخبر, والفاعل, واسم ما لم يسم فاعلا, واسم «كان وأخواتها» , وخبر «إن وأخواتها» , والفعل المستقبل إذا لم يكن معه ناصب ولا جازم». فإنه لما حصرت علامات الرفع, وهي أربع, حصرت أيضًا جملة المرفوعات بأنها سبع. فواحد من هذه السبعة فعل, وهو الأخير. وستة أسماء, وهي الستة الأول. لأن المبتدأ في الغالب لا يكون إلا اسمًا, وكذلك الخبر إذا كان مفردًا, وكذلك الفاعل, وكذلك اسم ما لم يسم فاعله في الغالب, وكذلك اسم كان وأخواتها وخبر إن وأخواتها. ولما كانت [هذه] الستة متآخية رتبت هذا الترتيب.

стр. 201

فالمبتدأ وخبره أخوان, ومثالهما: الله ربنا, ومحمد نبينا, وإنما كانا أخوين لأن كل واحد منهما هو الآخر [في المعنى] , وعاملهما معنوى. والفاعل واسم ما لم يسم فاعله أخوان, لأن الاسم في كل واحد منها يرتفع باسناد الفعل إليه, المقدم عليه, مثل: ضرب زيد عمرًا, وضرب عمرو. فضرب فعل ماض, وزيد مرفوع بإسناد الفعل إليه, وكذلك ضرب عمرو. واسم كان مع أخواتها وخبر إن مع أخواتها أخوان, لأن المنصوب في كل واحد منهما هو المرفوع [في الآخر] إذا قلت: كان زيد قائمًا, وإن زيدًا قائم, ونحوه. وإنما كان هذان الضربان مشبهين بالفاعل الحقيقي لأن «كان وأخواتها» ليست بأفعال حقيقية, وإنما هي أفعال موضوعة للزمان مجردة من معنى الحدث. و«إن وأخواتها» حروف فلذلك كان مرفوعها مشبهًا بغيره لا حقيقيًا في نفسه. فقد صار الرفع الحقيقي للأربعة الأول, أعني المبتدأ, والخبر, والفاعل, واسم ما لم يسم فاعله. والأصل من هذه الأربعة إنما هو المبتدأ والفاعل, لأن الخبر محمول على المبتدأ, واسم ما لم يسم فاعله قام مقام الفاعل. فقد صار أصل الرفع لشيئين, المبتدأ وما حمل عليه, والفاعل وما أقيم مقامه. فوجب حينئذ معرفة الفرق بين

стр. 202

عامل المبتدأ وعامل الفاعل. فعامل المبتدأ معنوي, وعامل الفاعل لفظي. فإذا قلت: الله ربنا. فاسم الله مبتدأ مرفوع بالابتداء, وهذا الابتداء الذي نشير إليه معنوي, وهذا المعنوي هو كون [هذا]. الاسم على هذه الصفة مبتدأ به, مخبرًا عنه بغيره, مجردًا من العوامل اللفظية. لأنه لو دخل عليه عامل لفظي من باب كان وأخواتها وظننت وأخواتها [وإن وأخواتها] لارتفع حكم الاسم [عن] أن يكون مبتدأ, وصار معمولًا لذلك الفعل اللفظي والحرف اللفظي. وسترى هذا في فصل العوامل إن شاء الله تعالى. وإنما القصد ها هنا حصر المرفوعات, وهي لا تخلو من هذه الأقسام السبعة. وأما قولنا: «والفعل المستقبل يرتفع بالمعنى, وهو وقوعه موقع الاسم وذلك إذا لم يكن معه ناصب ولا جازم. مثاله: هو يفعل ويصنع, [ونحوه]». فجملته أن المعرب من الكلام صنفان: الأسماء المتمكنة, والأفعال المضارعة. فالأسماء المتمكنة هي الأقسام العشرة المذكورة في أول المقدمة, كلها يجوز استعمالها في هذه المرفوعات الستة فيحصل لك من الأصل ستون مسألة, عشر في المبتدأ, وعشر في الخبر, وعشر في الفاعل, وعشر في اسم ما لم يسم فاعله, وعشر في اسم كان, وعشر في خبر إن. فإن خالفت تفرع ذلك وخرجت إلى ما لا يحصى كثرة لكن هذا تنبيه على استعمال المسائل, مثل: فلس جيد

стр. 203

خير من فلس رديء, والفلس الجيد خير من الرديء, وأحمد رجل جيد, والمسلمات مؤمنات, والقاضي عادل, والفتى نشيط, والحبلى مثقلة, وأخوك فلان, والزيدان قائمان, والزيدون قائمون. كل هذا مبتدأ وخبر. وكذلك إذا استعملتها أخبارًا, / وكذلك إذا استعملتها فاعلات, وكذلك إذا استعملتها في [٤٨] بقية الأبواب الستة استعملتها على [حد] ما يوجبه حكم كل باب منها. فإذا صح لك ذلك في باب الأسماء المظهرة انتقلت إلى الأسماء المضمرة واستعملتها في هذه الستة على [حد] ما مثلنا في فصل المظهرة. ثم إذا فرغت من المضمرات انتقلت إلى أسماء الإشارة, ثم إلى الأسماء الموصولة. فإما الاستفهامية فلا مدخل لها في باب الفاعل, ولا في باب ما لم يسم فاعله, ولا في باب كان وأخواتها, ولا في باب إن وأخواتها. وإنما تقع أسماء الاستفهام في باب المبتدأ, لأن المبتدأ أول, وأسماء الاستفهام لها صدر الكلام, مثل: من عندك. وتقع خبرًا مثل: أين زيد, لأن الخبر قد يتقدم على المبتدأ. وقد تجمع المسائل الكثيرة في مسألة واحدة فيكون الكل مبتدأ, مثل: زيد والرجل وأحمد والمسلمات والقاضي, وكذلك البقية, ثم تقول: عندي, فتأتي بالخبر. وتقول: هذا زيد والرجل وأحمد والمسلمات والقاضي, وتسوق الباب إن شئت, فتكون خبر المبتدأ, الذي هو «هذا». وكذلك في باب الفاعل, وبقية الأبواب. وإنما أشير إلى مثل هذا لتتدرب في المسائل.

стр. 204

فهذه أحكام في الأسماء المعربة [المتمكنة] وغير المتمكنة. وأما الفعل المستقبل فرفعه من جهة واحدة, وهو وقوعه موقع الاسم. وهو إذا لم يكن معه ناصب ولا جازم. فإذا قلت: «هو يفعل» , فـ «هو» اسم مضمر مبتدأ مرفوع الموضع, و «يفعل» فعل مستقبل مرفوع, لأنه لا ناصب معه ولا جازم, وموضعه موضع رفع خبر المبتدأ. ولو وقع صفة لكان كذلك مثل: هو رجل يفعل, فيفعل مرفوع, وموضعه موضع رفع صفة لرجل. وإذا وقع خبرًا لكان فهو كذلك, مثل: كان زيد يفعل, إلا أن موضع «يفعل» نصب في التقدير لكونه خبرًا لكان. وكذلك إذا وقع في باب «إن» كان على حاله, وموضعه رفع لأن خبر «إن» مرفوع, مثل: إن زيدًا يفعل. ولو دخله الناصب لنصبت وقلت: إن زيدًا لن يفعل, واعتقدت أن موضع الجملة - التي هي خبر - رفع, والتقدير إن زيدًا غير فاعل. وكذلك مع الجزم [مثل]: إن زيدًا لم يخرج, موضع الجملة رفع, فلا يختلف الحكم في الأصول المقدرة من جميع ما ذكرات. *** وأما قولنا: «فهذه جملة المرفوعات, وما عداها فمبني على الضم, وليس بمرفوع. وذلك ثلاثة أنواع. نوع من الأسماء المناداة, وهو كل اسم مفرد

стр. 205

معرفة أو مخصوص, مثل: يا زيد, ويا رجل. وقوع من الظروف والغايات, وهو كل ما قطع عن الإضافة, مثل قبل وبعد. ونوع من المضمرات, وهو تاء ضمير المتكلم» , مثل: فعلت, «ونون ضمير الجماعة». مثل: نحن, «وكاف خطاب الاثنين والجماعة والتاء منهما» , نحو قولك: أنتما وأنتم وأنتن ورأيتكما ورأيتكم ورأيتكن. فإن الغرض في ذكر هذه الأسماء إعلامك الفرق بين آلات الإعراب وآلات البناء. فآلات الإعراب تسمى رفعًا ونصبًا وجرًا وجزمًا. وآلات البناء لم تحدث بعامل فسميت بتسمية لغوية يفهمها المخاطب من أول وهلة بلا كلفة, إذ الضم بضم الشفتين, والفتح بفتحهما مع كونه من الحلق, والكسر بإضجاع اللسان في وسط الفم, والسكون هو سلب الحركات. فلذلك سمي جميع ما في هذا الفصل «ضمًا» لا «رفعًا» , للعلة المذكورة. فهذه التسمية في المبني لغوية, وفي المعرب صناعية. [وأما قولنا]: «فأما شد ومد وما أشبههما من الأفعال فإنما حركته

стр. 206

حركة إتباع لا حركة بناء». فإن حركة البناء ما لزمت طريقة واحدة ولم تفارق, وهذه يجوز فيها الضم على الاتباع, والفتح على التخفيف, والكسر على أصل التقاء الساكنين. مثل شد وشد وشد. فلذلك سميت في حال الضم ضمة إتباع. وليس في الأفعال شيء بني على الضم بناء لازمًا, وإنما جاء الضم لازمًا في الأسماء وفي حرف واحد وهو «منذ» في من جر بها. والأسماء [مثل]: قيل وبعد إذا قطعا عن الإضافة, كقوله سبحانه (لله الأمر من قبل ومن بعد). أصله لله الأمر من قبل الأشياء ومن بعد الأشياء, فقطع قبل وبعد عن [هذه] الإضافة, وضمنا معناها فأشبها الحرف فبنينا بناء الحرف, وأعطيا الحركة لأن لهما أصلًا في التمكن, وخصا بالضمة لأنها حركة لا تكون للظرف إعرابًا فلم تلتبس بحركة الإعراب. وأما الضمة في المنادي مثل: يا زيد ويا رجل, فإنها ضمة بناء تشبه حركة الإعراب. فكونها حركة بناء لوقوعها موقع حروف للخطاب من جهة لزومها لكل اسم مفرد علم أو منزل منزلته. فكون ذلك مطردًا اطرادًا شائعًا أشبه [٤٩] الفاعل في اطراده في بابه /, فأشبهت لذلك حركة الإعراب. ولذلك جاز

стр. 207

أن يحمل النعت على لفظها [وأن يحمل على موضعها] , بخلاف غيرها من حركات البناء الموغلة في البناء, ألا تراك تقول: يا زيد العاقل, بالرفع - إن شئت - حملًا على اللفظ, والعاقل, بالنصب, حملًا على الموضع. ولا يجوز مثل هذا في «يا هؤلاء الظرفاء» , بالجر حملًا على كسرة الهمزة من «هؤلاء» , لأن هذه حركة لا تشبه حركات الإعراب. فاعرف الفرق بين حركة الإعراب الخالصة وبين حركة البناء الخالصة, وبين حركة البناء المشبهة بحركة الإعراب وبين حركة الإعراب المشبهة بحركة البناء. فالأول: زيد, والرجل, وأحمد, والمسلمات ونحوه. كل هذه حركات إعراب خالصة, يحمل التابع على لفظها, ويعطى أحكام الإعراب الصحيح الخالص. والثاني مثل: هؤلاء, وأمس, ونزال, وتراك, وأحد عشر إلى تسعة عشر, ونحوهن. وقبل, وبعد, ونحن, وفعلت وصنعت. كل هذه حركات بناء خالصة لا يجوز حمل التابع على لفظها. والثالث مثل حركة المنادى المضموم, من نحو: يا زيد, ويا عمرو, ويا رجل. فهذه حركة بناء تشبه حركة الإعراب, فلذلك جاز حمل النعت بالمفرد على لفظها, مثل: يا زيد العاقل. والرابع مثل فتحة ما لا ينصرف في حال الجر, وكسرة [التاء مع] جمع المؤنث في حال النصب, من قولك: مررت بأحمد, فهذه حركة إعراب تشبه حركة البناء, ولأجل هذا لم يحمل النعت على لفظها, لا تقول: مررت بأحمد الظريف, حملًا على الفتحة, وإنما تجر فتقول: [مررت] بأحمد الظريف. وكذلك:

стр. 208

رأيت المسلمات الصوالح, ولا تقول «الصوالح» , حملًا على كسرة التاء, لأنها كسرة إعراب تشبه حركة البناء, فلم يحمل النعت عليها, كما لا يحمل النعت على حركة البناء الخالصة, تقول: هؤلاء النساء المطلقات, فالنساء نعت لهؤلاء على الموضع دون اللفظ لما ذكرت لك. فهذه فائدة, معرفة حركات الإعراب الخالصة وغير الخالصة, وحركات البناء الخالصة وغير الخالصة. ***

стр. 209

الفصل الخامس: فصل النصب قال الشيخ ﵀: أما قولنا: «النصب ما جلبه عامل النصب». فإنه على حد ما ذكرناه في فصل الرفع وبيناه من الفرق بين آلة الإعراب وآلة البناء. «وعلاماته كلها خمس» , على ما ذكر, «الفتحة والألف والياء والكسرة وحذف النون والأصل منها الفتحة». وإنما كانت أصلًا من حيث أنها حركة غير محمولة على غيرها إذا قلت: «رأيت زيدًا وعمرًا». وليس كذلك الكسرة التي في هذا الباب من قولك: «رأيت الهندات» لأنها محمولة على غيرها. فعلمت أن الفتحة وحدها هي الأصل في هذا الباب, كما كانت الضمة هي الأصل في علامات الرفع. «وهذه الفتحة تكون في الأسماء والأفعال, السالمة والمعتلة, سوى المعتل بالألف». فإن المعتل بالألف مثل: موسى وعيسى والفتى والمولى [ونحوه] لا يظهر في لفظه فتحة نصب, لأن الألف لا تتحرك بحال, إذ تحريكها يؤدي إلى قلبها, وقلبها يؤدي إلى تحريك أصلها, وتحريك أصلها يؤدي إلى الثقل. فلذلك اجتنب تحريكها, فوجب أن تكون ساكنة أبدًا, منصرفة كانت أو غير منصرفة, منفردة كانت أو مضافة. فالمفرد كقولك: رأيت مولى والمولى, والمضاف مثل: رأيت مولاه ومولات ومولاي, فتحة النصب في جميعة مقدرة. وليست هذه الفتحة في «مولاي» فتحة نصب, وإنما هي فتحة بناء على ياء النفس. لأن المضمرات مبنيات وحركاتها حركات بناء. فان أضفت هذا المعتل إلى ظاهر, فلا يخلو [من] أن يكون أوله ساكنًا, أو ليس أوله ساكنًا.

стр. 210

فإن كان أوله ساكنًا مثل: الرجل والغلام وابن واسم, فإنها تنحذف في اللفظ لالتقاء الساكنين, وتثبت في الخط. مثل: مولى الرجل, ومولى ابنك. ولا يجوز إثباتها بحال في اللفظ, لأنك تجمع بين ساكنين وهذا لا يجوز. وهذا شيء عرض حسب ما أردت وفقك الله للصواب. «والألف تكون في الستة الأسماء المعتلة المضافة». مثل: رأيت أباه وأخاه, وباقيها. فإن صغرتها ذهبت الألف وعاد النصب إلى الفتحة, فتقول: رأيت [٥٠] أخيه وأبيه. وكذلك الباقي. لأن لام / الكلمة قد رجعت في التصغير, فخرجت من الاعتلال ولحقت بإعراب الصحيح. «والياء تكون في التثنية والجمع [المذكر] السالم». مثل: رأيت الزيدين والزيدين, علامة النصب الياء. وكذلك إذا أضفت, مثل: رأيت زيديه وزيديه, لأن النون سقطت للإضافة, فبقيت الياء علامة النصب. وإن أضفت إلى نفسك قلت: رأيت زيدي العاقلين وزيدي العاقلين, فعلامة النصب الياء الأولى المدغمة في ياء النفس. لأن الياء الأولى هي ياء الإعراب الساكنة, والثانية هي ياء الإضافة. ووقع الفرق بين المثنى والمجموع بانفتاح ما قبل ياء التثنية وانكسار ما قبل ياء الجمع. ولو نسبت إلى «زيد» لقلت: رأيت الزيدي, وكانت علامة النصب الفتحة, لأن حرف الإعراب الآن هو ياء النسب المشددة. وكل مشدد فنصبه بالفتح, كما أن رفعه بالضم وجره بالكسر.

стр. 211

«والكسرة تكون في جمع المؤنث السالم». مثل رأيت الهندات, وأكرمت الزينبات. علامة النصب كسرة التاء, وهي محمولة على حركة الجر, وهي فرع, على ما قلناه. ولا تزول هذه التاء في إضافة ولا غيرها. «وحذف النون يكون في تثنية فاعل الفعل وجمعه والواحدة المؤنثة». مثل: لن تفعلا, ولن تفعلوا, ولن تفعلي. علامة النصب حذف النون. وكذلك إذا دخلت المضمرات التي هي مفعولات, مثل: لن يضرباك, ولن يضربوك, ولن يضرباه, ولن يضربوه, ولن تضربيه. كله منصوب, وعلامة نصبه حذف النون. فإن كان المفعول ضمير المتكلم دخلت نون الوقاية. فقلت: لن تضرباني, ولن تضربوني, ولن تضربيني. علامة النصب حذف النون الأولى. أصله «تضربيني» , فالأولى علامة الرفع ذهبت لأجل الناصب, والثانية نون الوقاية التي تقع عليها كسرة الياء. ولا يجوز حذف هذه النون بغير ناصب, لو قلت: أنت تضربينني, لم يجز. وكذا: هما يضرباني, لأنك حذفت النون التي هي علامة الرفع, ولا يجوز حذف علامة الرفع بغير عامل. فأما قراءة من قرأ: (أتحاجوني) , بتخفيف النون, فإن المحذوف هي النون الثانية. ولا يجوز أن تكون المحذوفة [هي النون] الأولى, لأن [النون] الأولى

стр. 212

علامة الرفع لا تزول إلا بعامل, أو ما يوجب زوالها. *** وأما قولنا: «وجملة المنصوبات التي تكون فيها إحدى هذه العلامات المذكورة أحد عشر». فإنه لما حصر فيما تقدم علامات الرفع والمرفوعات حصر في هذا الفصل أيضًا علامات النصب والمنصوبات. فعلامات النصب خمس, وقد ذكرت, والمنصوبات في أنفسها أحد عشر: «المفعول المطلق, والمفعول به, والمفعول فيه, والمفعول له, والمفعول معه, والحال, والتمييز, والاستثناء, وخبر كان وأخواتها, واسم إن وأخواتها والفعل المستقبل إذا كان معه ناصب. فالخمسة الأول هي الحقيقية, والستة التي بعدها مشبهة بالمفعول الحقيقي». [وإنما كانت الأول حقيقية] لأن في الفعل على كل واحد منها دلالةً قوية, فهي تدل على المفعول المطلق بلفظه, مثل: ضربت ضربًا. وعلى المفعول به بمعناه واقتضائه له, مثل: ضربت زيدًا. وعلى المفعول فيه - وهو ظرف الزمان والمكان - بمحله, إذ لا يفعل فعل إلا في زمان أو مكان مثل: فعلت كذا وكذا في وقت كذا وكذا في مكان كذا وكذا. وتدل على المفعول له بعلته إذ لا يفعل الفاعل فعلًا إلا لعلة - ما لم يكن ساهيًا أو مجنونًا -, مثل: جئتك ابتغاء الخير, ونحوه. والمفعول معه يدل على ما يصاحبه بحكم القرينة والصحبة, مثل:

стр. 213

استوى الماء والخشبة. فلما كانت هذه الخمسة يدل عليها الفعل دلالة قوية كانت هي المفعولة الحقيقة, والستة التي بعدها مشبهة بالمفعول على ما يأتي بيانه, [إن شاء الله تعالى]. *** قال الشيخ ﵀: فالأول يذكر للبيان عن تأكيد الفعل أو عدد مراته أو بيان نوعه. فالتأكيد مثل: ضربت ضربًا, وأكلت أكلًا. وعدد المرات [مثل]: أكلت أكلةً وضربت ضربةً. وبيان النوع مثل: ضربت ضربًا شديدًا. فشديدًا نعت وبيان للضرب الذي / هو مصدر. وجميع هذه [٥١] الأقسام منصوبة بالفعل المذكور انتصاب المفعول المطلق . وإنما سمي مفعولًا مطلقًا لأن الفعل أطلق عليه من غير تقييد بحرف, لا في اللفظ ولا في المعنى, ولا في اللفظ ظاهر ولا في المعنى مقدر. لأنه لو قيل [لك]: من فعل الضرب؟ . لقلت: فعله فلان, بخلاف المفعول به وما عداه من المفعولات, لأنه يقال فيما عداه «بمن فعل الضرب»؟ , فتأتي بالياء, و «في أي زمانٍ

стр. 214

فعل الفعل»؟ , فتأتي بفي, و «في أي مكان فعل الفعل»؟ , فتأتي بفي. و «لأي أمر فعل [الفعل]» , فتأتي باللام, «ومع أي شيء فعل [الفعل» , فتأتي بمع]. فتجد هذه المعاني كلها مقيدة بحرف, خلاف المصدر الذي أطلق الفعل عليه بنفسه, فلذلك سمي مفعولًا مطلقًا. *** والثاني هو المفعول به يذكر للبيان عن من وقع به الفعل. ولما كان الفعل يقع على واحد, ويقع على اثنين مختلفين, ويقع على اثنين متفقين, ويقع على ثلاثة مختلفين ومتفقين, ويقع على شيء بواسطة, وعلى شيء بلا واسطة, احتجنا إلى أن نمثل في هذه المقدمة من كل بمثال لتقيس عليها سائر المثل. فمثال ما يتعدى إلى واحد «ضربت زيدًا» , لأن «ضربت» يقتضي مضروبًا فنصبته. وكذلك جميع أفعال الحواس الخمس, وهي نظرت وشممت وذقت ولمست وسمعت, لأن النظر يقتضي منظورًا والشم يقتضي مشمومًا,

стр. 215

والذوق يقتضي مذوقًا واللمس يقتضي ملموسًا, والسمع يقتضي مسموعًا. فنصبت جميع ذلك فقلت: نظرت الشخص, وشممت الطيب, وذقت الطعام, ولمست الثوب, وسمعت الصوت وتفصيلات هذه العمومات تجري مجراها, فقس عليها نظائرها. وكذلك ما كان في معاني هذه الأفعال, وإن لم تكن بلفظها فإنها تجري في التعدي مجراها. ومثال ما يتعدى إلى اثنين مختلفين: «أعطيت زيدًا درهمًا» , و «كسون عبد الله ثوبًا» , ونحوه مما ليس المفعول الأول هو الثاني, ولا الثاني هو الأول. والأول فاعل بالثاني في المعنى, لأنك أعطيت زيدًا الدرهم فأخذه منك. وكذلك كوته ثوبًا, لأنك الكاسي وهو المكسو. فكل ما كان من هذا النوع جاز أن تأتي بالمفعولين جميعًا, [تقول: أعطيت زيدًا درهمًا] , وهو غاية البيان في مثلهما, وأن لا تأتي بهما [جميعًا] , وهو غاية الإبهام في مثلهما, فتقول: أعطيت, وجاز أن تقتصر على أحدهما, وهو التوسط في البيان, مثل: أعطيت زيدًا, ولا تذكر ما أعطيته, وأعطيت درهمًا, ولا تذكر من أعطيته. وأكثر ما تترك هذه الأشياء اختصارًا, وإلا فالكلام موضوع للبيان, ومن هما يختلف المفسرون في تفسير الجملة الواحدة اختلافًا كثيرًا عند حذف مفعولاتها ومعمولاتها التي تقتضيها فيفسر كل منهم بما يوضحه له الدليل الشرعي أو العقلي.
следующие страницы →