← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18281

الفائق في أصول الفقه

الصفي الهندي

Полный текст (825 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وجب ذلك، أو في واحد - لا بعينه - وهو باطل. لعدم إمكان أدائه، لأن يؤدي معين. وأجيب: عن (أ) أنه يسقط بكل واحد منها، بطريق البدل، وكل واحد منها واجب كذلك، ثم هما لازمان عليكم، إذ الواجب عندكم: ما يختاره المكلف، فإذا أتى بالكل فقد اختاره. وأنه يستحق الثواب على فعل أمور, كل منها واجب على البدل، وكذا في العقاب. وقيل: يستحق الثواب على فعل أكثرها ثوابًا، والعقاب على ترك أدناها عقابًا. وعن (ب) أنه ينوي في كله أداء الواجب المخير. فرع حكم بيع قفيز من صبرة إذا بيع قفيز من صبرة، فالمبيع كل واحد من القفزان على البدل، وهو المعنى: من واحد لا بعينه، إن لم ينزل على الإشاعة. وكذا إذا طلق إحدى نسائه، أو أعتق أحد عبيده. لا يقال: المطلقة في علة الله - تعالى -، هي بعينها، لما تقدم، ولا أن كل واحدة منها مطلقة، وإنما يخرج عنه سوى المعينة للطلاق بالتعيين، لأن تعيين محل له لا يوجب نفيه عن آخر، ولأنه غير محتمل لكل واحدة. فروع المأمورات على الترتيب أو البدل قد يحرم الجمع بينها، كأكل المباح والميتة، وتزويج المرأة من كفأين، وقد يباح

стр. 107

كالوضوء، والتيمم، وستر العورة بثوبين، وقد يستحب، كما في الكفارتين. مسألة الواجب الموسع حكم التكليف بالفعل الزائد عن وقته تكليف الفعل الزائد عن وقته تكليف ما لا يطاق، إن لم يقصد منه إيجاب القضاء كمن زال عذره آخر الوقت. الفعل المساوي: والمساوي له لا نزاع فيه، كالصوم، ويسمى بـ (المعيار). والفعل الناقص عنه يسمى بالموسع. يجوز التأخير إلى أن يضيع الوقت ١ - واعترف به الجمهور، وجوزوا التأخير إلى أن يضيق، أو يغلب ظن فواته بعده، لكن بشرط العزم عند الأكثر منهم. ٢ - وقيل: مطلقًا. ٣ - وأنكره الباقون.

стр. 108

٤ - فقيل: يختص الوجوب بأوله، فإن أخره فقضاء. ٥ - وقيل: بآخره. فإن قدمه فنفل مانع وجوبه، أو يسقط عنده. ٦ - وقيل: ما قدمه موقوف. إن بقي على صفة التكليف فواجب. ٧ - وقيل: إن اتصل الأداء بجزء اختص وجوبه وإلا فآخره. أدلة الجمهور: لنا: أن الأمر يتناول جميع الوقت من غير تخصيص بجزء دون جزء. إذ الكلام مفروض فيه. فكان التعيين تحكمًا، ولأنه لو كان معينًا لكان التقديم غير صحيح، والتأخير عصيانا وقضاء، وكله خلاف إجماع السلف. فإن قلت: (أ) التحكم ممنوع، لأن العقل دلَّ عليه بواسطة أن الواجب يذم تركه، وتارك الموسع في أول الوقت لا يذم، فلا يكون واجبا فيه، بل في آخره، لأنه يذم تاركه فيه، وتعجيله كتعجيل الزكاة، أو هو نفل يسقط عنده. فإن قلت: النفل يجو تركه مطلقًا، وهذا لا يجوز إلا بشرط العزم. قلت: سيأتي بطلانه، سلمناه لكن يختص بأول الوقت لآيتي الاستباق والمسارعة.

стр. 109

(ب) جواز تأخيره عن لا إلى بدل - يقدح في وجوبه فيه - أو ببدل يقتضي سقوطه به. (ج) أنه متكرر وفاق، لكنه باطل، لأن المبدل غير متكرر. (د) أنه يقتضي تقييده بحالة العجز، كغيره من الإبدال. (هـ) النص لا إشعار له به فيجب نفيه. (و) لو أخره مع الذهول عنه لكان عاصيًا. وأجيب: عن (أ) أن الواجب: (ما يذم تاركه على بعض الوجوه) وهو حاصل فيه، وكون تاركه في آخر الوقت يذم، إنما يذم على تضييقه فيه، ولو أداه بنية التعجيل لما صحَّ. وعن (ب) أنه تعارض، خلاف الأصل، ولأن آية المسارعة، إنما تدل بطريق الاقتضاء، ولا عموم له، سلمناه، لكن الأمر فيهما ليس للوجوب للإجماع، ولعدم تخصيصات كثيرة. وعن (ج) بمنع أنه يقدح في الوجوب، وسنده ما سبق، سلمناه لكن لا نسلم فساد الثاني، وهذا لأنه إنما هو بدله في الوجوب الجزء المعين، لا مطلقًا، وقد سقط عنه فيه. وعن (د) أنه يدل على التقديم، وهو يتكرر. وعن (هـ) أنه ليس من الإبدال المرتبة حتى يلزم ما ذكرتم. وعن (و) أنه لا يلزم من عدمه الدلالة مطلقًا. وعن (ز) منع الملازمة، فإن الغافل لا يكلف.

стр. 110

والحق: أنه لا حاجة إلى العزم، فإن (الموسع) بالنسبة إلى أجزاء الزمان كالمخير في الخصال. فرع لو أخر الموسع حيث يجوز له ذلك فمات قبل فعله ١ - لم يلق الله عاصيًا، لأن جواز التأخير لا يجامع المعصية. ٢ - وقيل: يعصى، لأنه إنما يجوز له التأخير بشرط سلامة العاقبة كما في التعازير. ٣ - والأظهر: أنه يعصى فيما وقته العمر، دون الصلاة. فرع الأداء والإعادة العبادة: إن أديت في وقتها المحدود سميت (أداء)، فإن سبقه أداء بخلل سميت (إعادة). وقيل: يعتبر في الأداء أن لا يسبقه أداء يخلل، ولا يعتبر في الإعادة أن تكون في الوقت. تعريف القضاء وإن أديت خارج وقتها المعين نصًّا، سميت (قضاء)، وجبت أو لم تجب، ولا يصح عقلًا، أو شرعًا، أو يصح، لكنه سقط المانع من جهة الله تعالى، أو من جهته.

стр. 111

حكم ما لا يوجد فيه السبب وما لا يوجد فيه السبب لا يسمى (قضاء) كالصبي والمجنون وفاقًا. وقيل: إنما سمى به، لأنه وجب تركه، فعلى هذا إطلاقه فيما تقدم مجازًا، إذ لا وجوب مع جواز الترك. حكم ما تعين وقته بالاجتهاد وبمطلق الأمر: وما تعين وقته بالاجتهاد كالزكاة على رأينا، والواجب بمطلق الأمر على الفور عند من يقول به. (حكم الواجب الموسع إذا تضيق بسبب غلبة الظن بعدم البقاء) (والموسع) إذا تضيق بسبب غلبة الظن بعدم البقاء، لمرض، أو كبر لو أخبره عنه فهو (أداء) على الأظهر، إذ هو في وقته، والتعيين لظنه ولما ظهر خطؤه زال حكمه. وقال القاضي: (قضاء) لأنه يعصى وفاقًا، فهو كما لو أخره عن المعين نصًّا. ورد: بأنه يعصى لو أخره عن أول وقته، من غير عزم عنده ولا قضاء، ولأنه لو أخر مع ظن انقضاء الوقت بتأخيره - عصى ولا قضاء، وفورية الزكاة إنما هي للمصلحة، وفواتها لا يوجب القضاء بل العصيان.

стр. 112

مسألة الفرض على الكفاية ما لو أتى به البعض وسقط عن الباقين، وذلك فيما يحصل به الغرض، ولو بفعل البعض. قيل: هو فرض على الجميع. وهو فرض على الجميع، لأنهم يأثمون بالترك، وقالوا: لا عهد بسقوط الفرض بفعل الغير. وقيل: يتعلق بطائفة مبهمة. قلنا: استبعاد، ولا يمكن فرضه على بعض مبهم، لعدم تأثيمه، فإن قلت: ﴿فلولا نفر﴾ [التوبة: آية ١٢٢] ظاهر في الوجوب عليه. قلت: محمول على الإسقاط، جمعًا بين الدليلين. والتكليف في فرض الكفاية منوط بالظن. والتكليف فيه منوط بالظن، فإن ظن قيام غيره به سقط عنه، وإن أدَّى ذلك إلى أن لا يقوم به أحد، وإلا: تعيَّن عليه. وإطلاق الواجب عليه، وعلى المعين بالتواطؤ، لأنه

стр. 113

يشملها حده، فإن قيل: بالاشتراك اللفظي، لاختلافهما. قلنا: بالعوارض. مسألة ما لا يتم الواجب إلا به واجب ١ - إن كان مقدورًا، وإيجابه مطلقًا. ٢ - وقيل: لا. ٣ - الواقفية: إن كان سببًا. إمام الحرمين: إن كان شرطًا شرعيًا: لا وجودية، كصوم جزء من الليل، إذ قد لا يخطر بالبال، ولأنه لا تجب نيته. أدلة الأول: - واحتج الأول: (أ) بأنه أوجب على كل حال، فلو لم يقتض إيجابه لزم تكليف ما لا يطاق. ومنع ذلك، لأنه إنما يلزم لو أوجب عند عدمه، لا عند عدم وجوبه، سلمناه لكنه يقتضى أن لا يجوز التكليف به إلا: عند وجوبه، وحينئذ - لا يجب لامتناع تحصيل الحاصل، سلمناه لكنه لا زم عليه، إذ من أحواله حالة العدم. والأولى: أن يقال: الإيجاب المطلق لو يفيد بحال وجود ما يتوقف عليه لزم التخصيص، ويقتضي وجوبه إجماعًا. فإن قلت: التخصيص، وإن كان خلاف الظاهر، فإيجابه أيضًا كذلك، فلم كان هذا أولى؟ قلت: بمنع أنه خلاف الظاهر، إذ هو عبارة عن: نفي ما يثبته اللفظ، وإثبات ما

стр. 114

ينفيه، نعم: هو خلاف الأصل، لكنه أولى من خلاف الظاهر. (ب) السيد إذا أمر عبده بسقيه، وكان الماء على مسافة، فإنه يذم لو تركه، وإن لم يقطعها. واستدل: بأن الأمة مجمعة على إطلاق القول بوجوب تحصيل ما أوجبه الشارع، وهو بتعاطي ما يمكن به إتيانه. فإن قيل: وجب التحصيل بما لا يكون واجبًا، كان متناقضًا. وهو ضعيف: إذ إجماعهم عليه مطلقًا ممنوع، وغيره لا يفيد. واستدل: بأنه لو لم يجب الشرط لم يكن شرطًا، وهو كذلك، لأن معناه: أنه لا يوجد بدونه، لا أنه لا يجب بدون وجوبه. أدلة النافي واحتج النافي: (أ) بأن إيجابه زيادة على النص، وهو نسخ، فلا يثبت بدليل العقل. (ب) لو وجب لأثيب، وعوقب على فعله وتركه، وليس كذلك. (ج) ولكان مقدرًا كغيره. (د) ولزم تعقل الموجب له. (هـ) ولامتنع التصريح بغيره. (و) لوجبت نيته. (ز) ولصح قول الكعبي: في نفي المباح. وأجيب: عن (أ) بمنع أنه نسخ.

стр. 115

وعن (ب) بمنع انتفاء اللازم. وعن (ج) أنه خال عن الجامع، سلمناه لكنه طردي، سلمناه لكن لا نسلم انتفاء اللازم، فإنه مقدر - عندنا- بما ينطلق عليه الاسم في الشرط الوجودي. وعن (د) بمنع الملازمة، فإن ذلك لازم في الواجب بالذات، سلمنا ذلك من حيث الجملة، لكنه حاصل، لا من حيث التفصيل. وعن (هـ) بمنع انتفاء اللازم، سلمناه لكنه محمول على أنه ليس بواجب بالذات. وعن (و) بمنع الملازمة، وسنده ظاهر. وعن (ز) فيه كلام يعرف في تلك المسألة. فرع ما لا يتم الواجب إلا به: أ- إن تقدمه سبب أو شرط: إن تقدمه - ويلزم وجوده وجوده - فسبب، وإلا: فشرط، وجودي. إن كان وجوده أقرب المجاورة، كصوم جزء من الليلة المتقدمة. وإلا فشرط: أمكن تحصيله، أولا، من كل المكلفين، أو من بعضهم، استقل العقل بمعرفته، أو لا. وإن لم يتقدمه لضرورة أو لاشتباه. وإن لم يتقدمه: فإما وجوبه لضرورة الوجود مع وجوب تأخيره، كصوم جزء من الليلة، أو لا مع وجوبه كغسل جزء من الرأس والعضد. أقسام ما لا يتم الواجب إلا به في جانب الفعل وإما لاشتباه الواجب به، كوجوب صلاة نسيت من صلاتين. أقسام ما لا يتم الواجب إلا به في جانب الترك

стр. 116

وأما في الترك، فعلى أضرب: (أ) أن ما يجب تركه اختلط بغيره، كالماء المتغير بالنجاسة فيجب تركه. (ب) أن لا يتغير، وفيه اختلاف. (ج) أن يشتبه كالماء، أو الثوب النجس بغيره, وفيه ايضًا اختلاف. (د) أن يختلط من يحرم نكاحه كأمه بأجنبيات، فإن حصرن في العادة. حرم الكل، وإلا: فلا. (هـ) أن تختلط منكوحته بها وجب الكف عنها، لكونها أجنبية، وللاشتباه، وقيل: الحرام هي الأجنبية دونها، وهو جمع بين المتنافيين. وكذا لو طلق معينة ثم نسيها، أو غير معينة: فيحتمل حلهما إذ الطلاق معين فيستدعي محلًّا معينًا، والموجود قبله ما له صلاحيته عند البيان، ويحتمل حرمتها، تغليبًا للحرمة، وعليه الأكثر، ولا يقال: إن ما يعنيه هي المطلقة في علم الله تعالى، لما تقدم. فرع الزيادة على أقل ما ينطلق عليه الاسم فيما لا يتقدَّر بمعيَّن - ليس بواجب، لجواز تركه. وقيل: الكل واجب. إذ ليس البعض أولى من البعض، وعدم اتصاف الكل به، باطل وفاقًا، فتعين الأوَّل. وأجيب: بمنعه، فإن ما ينطلق عليه الاسم أولى لذم تاركه.

стр. 117

مسألة (الحكم فيما إذا نسخ الوجوب) إذا نسخ الوجوب بقي الجواز، بمعنى: لا حرج في فعله، ولا في تركه، واختاره الإمام. وقيل: لا، بل يرجع إلى ما قبل الوجوب، واختاره الغزالي. قيل: مأخذه: أن الجواز داخل في الواجب، أم لا، وهو نزاع في معناه، ولا يتصور فيه نزاع بعد تحقيق معناه، فإنه إن عنى به، رفع الحرج عن، وعن الترك كان غير داخل فيه، بل هو مناف له قطعًا، فلا ينبني عليه الخلاف. ما احتج به الأول: أن ما يقتضي الوجوب يقتضي رفع الحرج عن الفعل، لأنه جزؤه، والنسخ لا يعارضه، لجواز أن يكون برفع المنع من الترك، فإذا ضم إلى الأول حصل الجواز المشترك بين الندب والمباح. ونقض بالندب، إذ يقتضيه. ما احتج به الآخر أن نسخه بجواز الترك، وبوجوبه، ولا ترجيح، فيجب الرجوع إلى ما قبله. وبأن الفصلة علة لحصة النوع من الجنس، فجواز الوجوب غير جواز المباح، ويزول بزوال علته، فلم يبق الجواز بعد نسخه.

стр. 118

وأجيب: عن الأوّل: بمنع أنه لا ترجيح، وسنده ظاهر. وعن الثاني: بمنع أن الفصل علة، سلمناه لكن في الحقيقة لا في الاعتبارية. مسألة ليس بواجب ما يجوز تركه مطلقا لأنه ينافيه وأكثر الفقهاء: ١ - على أن الصوم واجب على المريض، والمسافر، والحائض. ٢ - وقيل: يجب على المسافر دونهما. ٣ - وقيل: يجب عليه لصوم أحد الشهرين على البدل. (أ) لقوله تعالى: ﴿فمن شهد﴾ [البقرة: آية ١٨٥]. (ب) ولنية القضاء. (ج) ولأنه لا يزيد عليه، ولا ينقص فهو بدله. مناقشة الأدلة إجمالًا وتفصيلًا وأجيب: (إجمالًا): بأنه استدلال في مقابلة الضوررة. وتفصيلًا: بأن (أ): مخصوص، صير إليه جمعًا بين الدليلين. وعن (ب): أن القضاء يعتمد على سبب الوجوب، لا على الوجوب. وعن (ج): أنه بدل ما وجد سبب وجوبه، لا ما وجب، ولا فرق بين المريض والمسافر، إلا: أن المانع منه، لأن سببه اختياري، دون المريض، لكن ذلك لا يوجب

стр. 119

الإيجاب. ومنع الفقهاء: أن جواز الترك لمانع ينافيه، بل منافيه ما هو لعدم المقتضى المانع، وهو غيره، لأنه لا يجامع المقتضى، وهو يجامعه. فصل في المحظور تعريفه لغة وشرعًا - وهو الممنوع - وفي الشرع: (ما يذم فاعله شرعًا، من حيث هو فعل) وتقييده بـ (بعض الوجوه) يحتاج إليه من قال: بوقوع التحريم على التخيير. وأسماؤه: المغتصبة، وهو: (فعل ما نهى الله عنه). وعند المعتزلة: (فعل ما كرهه الله). وأصله: (خلق الأعمال) وإرادة الكائنات. والمحرم، والذنب، والمزجور عنه، والمتوعد عليه، والقبيح، والمنهي عنه.

стр. 120

مسألة أطبقوا على أن الواحد بالشخص لا يكون حرامًا وواجبًا من جهة واحدة إلا: عند من يجوز تكليف المحال لذاته وإنما اختلف في الواحد بالنوع، بمعنى: أن بعض أفراده واجب وبعضه حرام، كالسجود. فجوزه الجماهير. (أدلتهم): لتغاير محل الوجوب، والتحريم بالشخصية ولوقوعه. فإن السجود لله واجب، وللصنم حرام. قال الله تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله﴾ [فصلت: آية ٣٧]. وهو نواع واحد، والوقوع دليل الجواز وزيادة. دليل منع أبي هاشم له ومنعه أبو هاشم. بناء على أصله، وهو أن النوع الواحد لا يختلف في الحسن والقبح فالسجود لله تعالى لما كان واجبًا استحال أن يكون السجود للصنم - من حيث إنه سجود - حرامًا وإلا: لزم اجتماع الوجوب، والتحريم في واحد، فالمحرم، إنما هو قصد تعظيم الصنم.

стр. 121

[تزييفه] وهو مزيف: فإن السجود له، سجود مقيد بقصد تعظيمه، وإيجابه يقتضي إيجاب أصل السجود. والمحرم: إنما هو سجود مقيد بقصد تعظيم الصنم، وهو غيره وتحريمه لا يقتضي تحريم أصل السجود، فلا يلزم منه اجتماع النفي والإثبات بوجه ما ألبته، فصحَّ اجتماعهما في النوع الواحد. قال إمام الحرمين: إنه يقتضي خروج الأفعال على أن تكون قربًا، وفيه نظر. اختلافهم في الواحد بالشخص إذ كان له اعتباران وفي الواحد بالشخص إذا كان له اعتباران كالصلاة في الدار المغصوبة فجوزه الأكثرون. ومنعه الجبائيان، والقاضي - منا، والإمام أحمد، والظاهرية، والزيدية وهو رواية عن الإمام مالك.

стр. 122

قال القاضي: إن صح الإجماع على أن لا قضاء، قلنا: سقط عندها، لا بها، جمعا بين الدليلين، وإلا: وهو الأصح - وجب القضاء. وغيره: بوجوبه مطلقًا. أدلة القائلين: جواز الصلاة في الأرض المغصوبة للأولين. أنه لا اتحاد بين متعلقهما، فجاز كغيره. ولأن العبد إذا أمر بالخياطة، ونهى عن دخول الدار، فإذا أتى بهما فهو متمثل، وعاص للجهتين. وللإجماع عليه، إذا لم يأمروا الظلمة بقضاء ما أدوا في الدور المغصوبة، مع كثرة الوقوع. ومنع الإجماع، لمخالفة مالك وأحمد، ولو كان ممن سبقهما لما خالفا. أدلة القائلين بعدم صحة الصلاة في الدار المغصوبة وأجيب: بأنه يمنع من التمسك به على الخصم. وأيضا: نحو: ﴿أقيموا الصلاة﴾ [البقرة: آيات ٤٣، ٨٣، ١١٠، الأنعام: آية ٧٢]، والتخصيص خلاف الأصل، ولأنه إن جاز الأمر بكلي، والنهي عن جزئي منه، جاز هذا، وإلا لوقع التعارض، ولأن الأصل عدمه، وإلا: لما جاز النهي عن فعل ما ضرورة أنه فرض من مطلقه المأمور به، في ضمن جريانه. ولأنه لو لم يصح لما ثبت صلاة مكروهة، وصيام مكروه، لتضاد الأحكام. فإن قلت: إنه لأمر منفك. قلت: نعم، لكن عن الماهية، لا عن الشخصية، وهذا - أيضًا - كذلك.

стр. 123

وللآخرين: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد". وأجيب: بأنه دور، لتوقف دلالته على أنها ليست من الدين، من حيث إنها صلاة، وإن كان كذلك من حيث الغصب. ولأن أحد الاعتبارين: إن كان عين الآخر، أو ملازم - لزم المحال وإلا: جاز وفاقًا. وأجيب: بأنه غيره، وغير ملازم له نوعًا، وإن لازمه شخصًا بعد وقوعه، وبالنقض بالخياطة مع الملازمة الشخصية، الحاصلة بعد الوقوع. وبأنه يقتضي كون الكون الواحد محرمًا، وواجبًا. وأجيب: باعتبار الجهتين، إذ الجزء مطلقة، لا هذا وهذا، وإن كان جزء هذه الصلاة، لكنه للمقارنة، ومثل هذا الجزء لا يجب، وإلا لوجب جميع السننن والهيئات، التي فعل الواجب معها. وبأنه لو صحت لصح صوم يوم النحر، للجهتين. وأجيب: بأن صوم يوم النحر غير منفك عن النهي. وعورض بمثله. وبأن مقتضى الدليل: فسادهما، لكن ترك للإجماع، ولا إجماع في الصوم، وهو مبني على صحته، وفيه ما تقدم.

стр. 124

وجوابه: أن النهي عن الصوم فيه لمعنى مختص به، وليس النهي عن الصلاة فيها كذلك. فرع (حكم الصلاة في الثوب المغصوب والحرير) القائلون بعدم صحتها في الصلاة في الثوب المغصوب والحرير، والتوضؤ والتيمم بالماء والتراب المغصوبين، والحج على الجمل المغصوب. ١ - فمنهم من زعم: المنع. ٢ - ومنهم من خصه: بما إذا كان المنهي عنه جزءًا، أو لازمًا. واعلم أنه إن أخذ مقيدًا فالكل كذلك، وإلا فلا شيء منه كذلك. فرع آخر الذين جوزوا أن يكون الواحد واجبًا ومحرمًا باعتبارين، إنما جوزوا ذلك إذا أمكن إتيان الواجب بدونه، كـ (الصلاة في الدار المغصوبة). فأما إذا لم يمكن ذلك فلا، إلا: إذا جوزوا ما لا يطاق، فعلى هذا: من توسط أرضًا مغصوبة ثم تاب، وتوجه للخروج، فخروجه واجب لا تحريم فيه، وإن كان فيه اعتباران: التفريغ والشغل، لأنه لا يمكن إتيانه بدونه.

стр. 125

وقال أبو هاشم: خروجه ولبثه حرام، بناء على أصله: وهو أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه قبيح لذاته، وهو نوع واحد، فلا يختلف في الحسن والقبح. لكنه ناقَضَ أصلًا آخر؛ وهو: عدم جواز تكليف ما لا يطاق. وقيل: بتعصيته بحكم الاستصحاب. وهو بعيد، لأنه مأمور بالخروج فكيف يستحصب معه التعصية. تنبيه: لا يجوز أن يكون الواحد بالشخص واجبًا مكروهًا، أو مباحًا، أو مندوبًا باعتبار واحد، ويجوز باعتبارين ينفك أحدهما عن الآخر كما في المحرم، إذ يمتنع اجتماع الشيء مع منافي أحد جزئيه، كما يمتنع ذلك مع منافيه. مسألة تحريم شيء من الأشياء: لا يقتضي تحريم الكل، بل المحرم واحد لا بعينه، ويتعين بكله عنه، إذا فعل غيره، كما في الوجب وقالت المعتزلة: كلها محرم. ونقل بعضهم أن النزاع - هنا - في المعنى، وإن لم يكن فيه في الوجوب، إذ يجب

стр. 126

عندهم الكف عن الجميع، ولا يجب فعل الجميع في الوجوب. وفيه نظر: إذ القياس التسوية، إذ التحريم كما يتبع القبح الخاص، فكذا الوجوب يتبع الحسن الخاص، فإن وجب الكف عن الجميع للاستواء في المعنى الموجب للتحريم - فليجب فعل الجميع في الواجب كذلك. لنا: القياس على الوجوب، بجامع دفع الضرر. لهم: ﴿ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا﴾. وجوابه: أن ذلك لأن (أو) بمعنى الواو، لا نزاع فيه، سلمناه لكنه لمنفصل. فصل في المباح تعريف المباح لغة: - وهي من الإباحة، وهي: الإظهار، ومنه: باحة الدار لساحتها، ولظهورها، وأبحت له كذا أي: أذنت. تعريفات المباح شرعًا: - وأما في الشارع: ١ - فقيل: (هو ما خيّر فيه بين فعل وتركه). وجه قصور هذا التعريف: وهو غير مانع، لدخول الواجب المخيّر فيه. التعريف الثاني للمباح: ٢ - وقيل: (ما استوى جانباه في عدم الثواب والعقاب). قصور هذا التعريف: وهو - أيضًا - كذلك، لدخول فعل الله تعالى فيه، والصبي والمجنون. التعريف الثالث للمباح: ٣ - وقيل: (ما أعلم فاعله، أو دلَّ على أنه لا ضرر عليه في فعله، ولا في تركه، ولا نفع له في الآخرة). - وما أورد عليه فقد زيفناه في النهاية.

стр. 127

مسألة المباح من الشرع وقيل: لا. والنزاع لفظي، لأنه إن عنى به ما تقدم فهو حكم شرعي، وإن عنى به: ما انتفى عن فعله وتركه الحرج، أو عنى بالحكم الشرعي: ما يخالف حكم العقل الذي كان ثابتًا قبله، فليس كذلك، لتحققه قبل الشرع. وهو ليس من التكليف، لأنه لا طلب فيه ولا كلفة. خلافًا للأستاذ، لأنه كلف باعتقاد إباحته. والنزاع لفظي. وهو حسن إن عني به ما لا حرج في فعله، وإن عني به ما يثاب فاعله فلا، وإن عني به ما يلائم غرض فاعله فبعضه حسن. وهو ليس بمأمور به عند الأكثرين. وقيل: هو كذلك. وهو مبني على الأمر حقيقة في ماذا؟

стр. 128

مسألة أنكر الكعبي المباح، وخالف فيه عصا المسلمين. ويحتمل وجهين: - أحدهما: وهو ظاهر ما نقل عنه - أنه ليس فعل من أفعال المكلفين بمباح أصلًا، وهو ظاهر الفساد، غني عن الإفساد. وثانيهما: - وهو ما أشعر به دليله - وهو أن كل ما هو مباح باعتبار ذاته، فإنه واجب باعتبار أنه يترك به الحرام. وهذا قريب، إذ ليس فيه مخالفة الإجماع صريحًا، لإمكان حمله على ذات الفعل، وبه أوّل جمعًا بين الأدلة، إذ به يترك الحرام فيجب غايته: أنه لم يتعين لذلك، فيجب على التخيير. وهو: وإن اقتضى وجوب المحرم من حيث إنه يترك به محرم آخر - لكنه قد يلتزمه. ويتعذر: بأنه لا امتناع في أن يحكم بمتنافين باعتبارين كما تقدم. ولا خلاص عنه إلا بأن ما لا يتم الواجب إلا به فليس بواجب مطلقًا، أو في جانب الترك، والفرق عسر، وإن لم يكن على رأي من يقول: إن متعلقه هو نفس أن لا يفعل.

стр. 129

فصل في المندوب تعريف المندوب لغة: وهو من الندب، وهو الدعاء إلى أمر. تعريف المندوب شرعًا: وفي اشرع: عبارة (عما يكون فعله راجحًا على تركه في نظره) وتركه جائز مطلقًا. وأسماؤه: ١ - (النفل)، أي الزيادة على الواجبة. ٢ - (والتطوع) أي: الانقياد في قربة بلا حتم. ٣ - والمرغب فيه. ٤ - والمستحب. ٥ - (والإحسان) إذا كان نفعًا للغير قصدًا. ٦ - و (السنة) لأنها تذكر في مقابلة الواجب. والأصح: أنها أعم منه أو أخص. وهي: (ما علم وجوبه، أو نبدبته بأمره ﵇، أو إدامة فعله). إذ يقال: الختان من السنة، وما علم ندبته بقوله، أو إدامة فعله ﵊ لأنها مأخوذة من الإدامة.

стр. 130

مسألة المندوب المأمور به، عند القاضي، والغزالي، وأبي هاشم، وأنكره الباقون. والحق: أنه إن قيل: الأمر حقيقة في الندب، أو في المشترك بينه وبين الوجوب، فالمندوب مأمور به، وإلا: فلا، وقد أشعر كلام بعضهم بخلاف فيه - حينئذ - ولا وجه له. ومن توقف في أنه للوجوب، أو للندب، أو لهما بالاشتراك اللفظي، أو المعنوي، كالغزالي: لا يحسن منه الجزم بكون المندوب مأمورًا به. مسألة المندوب حسن، لا يعرف فيه الخلاف. والأصح: أنه من التكليف. خلافًا لإمام الحرمين.

стр. 131

إذ معناه طلب ما فيه الكلفة، وهو حاصل في المندوب، وقد يكون أشق من الواجب، وليست المشقة منحصرة في الممنوع عن نقيضه حتى يلزم أن لا يكون منه. لأنه لو لم يكن، لم يكن المكروه منه إجماعًا، وفيه خروج أكثر الأحكام منه. ولأن المكلف فيه بين مشتقين: مشقة العمل، ومشقة حرمان الثواب. وفيه نظر، إذ ليست تلك المشقة في نفس الفعل والترك. للمنكر: أنه خير فيه فلم يكن فيه كالمباح، وكونه راجح الفعل لتعلق الثواب به لا يقتضي كونه منه، لأنه سبب اليسر، لا الكلفة. وأجيب: بعدم اتحاد الجامع، إذ التخيير غير التخيير، والسهولة للثواب لا يقدح فيه، وإلا: لقدح في كون الواجب منه، لجزالة عوضه، لا سيما الذي لا كلفة فيه. مسألة المندوب لا يلزم بالشروع، إلا: في الحج، خلافًا للحنفية. لنا: "الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر"، ولأنه لو نوى كذلك لصح، للنص، وفيه نظر، إذ يمنع صحة الشروع به، لأنه على مضادته، ولا

стр. 132

يقاس عليه الحج، لأنه على خلاف القياس. فصل في المكروه التعريف اللغوي للمكروه: وهو من الكراهة والكراهية، وهي ضد الإرادة. والتعريف الشرعي للمكروه: ويطلق في الشرع: (على ما جاز فعله، وترجح تركه شرعًا). وهو منهي عنه إن لم يكن النهي للتحريم فقط، وعلى المحظور، وترك الأولى، وإن لم يرد النهي عن تركه فاستعماله فيه منكر، وهو من التكليف على الأصح، كالمندوب. وهو قبيح، إن لم يختص القبح بالمحرم. تقسيم آخر معنى صحة العبادة وإجزائها: - أ- موافقة الشرع عند المتكلمين. ب- وعند الفقهاء: إسقاط القضاء. فصلاة من ظن أنه متطهر: - - صحيحة مجزئة عند المتكلمين دونهم. - وصلاة من صلى خلف خنثى، ثم تبين خلافه، وقلنا: لا يجب عليه القضاء - على عكسه. ويختص الإجزاء: بالعبادة التي يمكن وقوعها، بحيث يترتب عليها أثرها، وأن لا يترتب، لا كمعرفة الله، ورد الوديعة. وقيل: يختص بالواجب منها، إذ لا يقال في المندوبات: إنها مجزئة وفيه نظر. واستدل على فساد قول الفقهاء: بأن القضاء يجب بأمر جديد، على ما نبينه، فحينئذ لا قضاء وإجزاء. - وبأن سقوط القضاء معلل بالإجزاء، والعلة غير المعلول، وبأنه يسقط بالموت، مع عدم الإجزاء، بأن يأتي الفعل بدون شرطة والكل ساقط إذا فسر بالفعل الذي يسقط القضاء، وإنما يرد على ظاهر قول الفقهاء.

стр. 133

ومعنى الصحة في العقود: ترتب آثارها عليها، والبطلان والفساد يقابلانها فيهما. وخصت الحنفية الباطل: بما لا ينعقد بأصله كبيع الحر. والفاسد: بما لا ينعقد بوصفه كالربا. وأورد: أنه إن أريد به الكل لم ينعكس، أو البعض معينًا فباطل، للإجماع، وللجهالة، إذ ليس في اللفظ والمعنى ما يعينه، أو غير معين: لم يضطرد، لدخول الكتابة الفاسدة، والوكالة والقراض الفاسدين. وأجيب: بالكل، ويعكس إذ المراد منه الكل، إلا: ما فقد شرطه أو وجد مانعه، بحيث إنه لو وجد أو زال لوجد. وقيل: (الصحيح) ما استجمع أركانه وشروطه، و (الفاسد): عكسه. وهو متناول للعبادة والمعاملة، لكن لا ينبئ عن محل الخلاف بين الفقهاء والمتكلمين، لأنه متناول لما في نفس الأمر، أو في الاعتقاد. وقيل: هو ما أذن في الانتفاع بالمعقود عليه. وزيف: بالبيع في زمن الخيار، وفيه نظر، وببعض العقود الفاسدة. تقسيم للوضعي وهو بالسببية، والشرطية، والمانعية، وغيرها، فإذا رتب حكم على وصف، ففيه

стр. 134

حكمان: السببية، ونفس الحكم. وأريد بكونه سببًا: أن الحكم متعلق به، أو أنه معروف له، أو موجب له لا لذاته، ولا لصفة ذاتية، بل بجعل الشارع إياه موجبًا وهو اختيار الغزالي. وأورد: بأنه إن أريد به المؤثر فباطل، إذ الحادث لا يؤثر في القديم. ولأن حقيقته إن بقيت بعد الجعل كما قبله لم يؤثر كما قبله وإلا: فالمعدوم لا يؤثر. ولأن الصادر بعد الجعل: إما الحكم، فلم يكن الوصف مؤثرًا، أو موجبه وهو قول المعتزلة، وسنبطله، أو غيرهما فلم يكن له، تعلق بالحكم. وأجيب: بأن المعنى من جعله موجبًا: أنه قال الله في الأزل: جعلت الوصف الفلاني موجبًا لكذا، وأنه لا يقتضي تأثير الحادث في القديم، وهذا لأن السببية من جملة الأحكام الشرعية، فيرجع إلى الخطاب. وبأنه يؤثر لطريان المؤثرية مع بقاء الحقيقة، والمؤثرية غير داخلة في الماهية، حتى يمتنع ذلك، وبأن ما حصل بعد الجعل يؤثر، لا المعدوم ويمنع أن ذلك من قولهم، فإن الصفة عندهم: حقيقة ذاتية، موجبة بالذات، وما هو يجعل الشارع عكسه، سلمناه لكن الصادر منه هو المؤثرية، ولها تعلق بالحكم. والسبب: ما يضاف إليه الحكم، وهو: إما متكرر يتكرر الحكم بتكرره، كالدلوك للصلاة ورؤية هلال رمضان للصوم، وكالنصاب للزكاة بتكرره - مع اتحاد النصاب لكن لا يضاف إليه. أو لا يتكرر الحكم بتكرره، كوجوب معرفة الله تعالى. عند تكرر الأدلة الدالة على

стр. 135

وجوده وتوحيده، وكوجوب الحج عند تكرر الاستطاعة، على رأي من يجعلها سببًا. أو لا يتكرر السبب كالبيت، عند من يجعله سببًا له وهو الأظهر، لأنه يضاف إليه، فيمتنع التكرر. ثم السبب إنما هو سبب في الفرع دون الأصل، وإلا: لزم الدور، وسببية السبب: إن كانت حكمًا شرعيًا فليست من آخر، دفعًا للدور والتسلسل بل للنص، أو غيره. والمانع إما مانع الحكم: وهو كل وصف وجودي يقتضي نقيض الحكم كالأبوة في القصاص. أو مانع السبب: كالدين في الزكاة. وشرط السبب: ما كان عدمه يخل بحكمة السبب، كالقدرة على التسليم. وشرط الحكم: ما كان عدمه يخل بحكمة الحكم، كالطهارة. تقسيم آخر العزيمة: (ما جاز فعله أو تركه بلا مانع منه). والرخصة: ما هو كذلك، مع قيام ما يمنع منه. وقيل: (ما لزم العباد بإيجابه تعالى). وهما: غير جامعين، لخروج الترك، وغير الواجب. وقيل: الرخصة (ما أبيح مع كونه حرامًا)، أو (ما رخص فيه مع كونه حرامًا). وهو مزيف، للتناقض. وقيل: ما غير عن الوضع الأصلي في حق المعذور - لعارض - إلى سهولة، وهو كذلك، غير مانع، إذ يدخل فيه نحو قوله تعالى: ﴿الآن حفف الله عنكم﴾ [الأنفال: آية ٦٦].

стр. 136

وشكك في الرخصة: - بأن المرخص غن كان راجحًا على المحرم كان عزيمة، وإلا: كل حكم ثبت براجح رخصة. أو مساويًا: فإن قيل: فيه بالتساقط فلا رخصة، وإلا: لكان كل ما ثبت بالبراءة الأصلية رخصة، وإلا: فإما التوقف إلى ظهور المرجح، وهو عزيمة، لا رخصة. أو التخيير: وهو ليس برخصة، وإلا: أكل الميتة حالة الاضطرار ليس رخصة لعدم التخيير. أو مرجوحًا: و- حينئذ - يلزم العمل بالمرجوح، ومخالفة الراجح. ثم قال: وهو في غاية الإشكال، وإن كان الأشبه بالرخصة: إنما هو هذا القسم، لما فيه من اليسر بالعمل بالمرجوح، ومخالفة الراجح. وسقوطه بيّن إذ لا يلزم من كون كل المرخص راجحًا: أن يكون كل راجح مرخصًا، إذ الموجبة الكلية لا تنعكس كلية، لصدق العام على كل الخاص، من غير عكس، بل جزئه، ونحن نقول به. ثم دليل أن المرخص راجح: هو أنه خاص بالنسبة إلى النص الدال على الحكم الأول - ضرورة - أنه واقع على وجه خاص. والاستقراء يحققه، والخاص راجح على غيره. وبه عرف فساد القسم الثاني. ثم قد يعمل بالمرجوح مع الاحتمال الراجح، كما في إسلام اللقيط، وحريته، حيث يكون الغلبة للكفار والعبيد. ثم التيسير: إنما هو من العمل بمقتضى العذر، لا بمقتضى المرجوح. ثم حصر الرخصة في العمل بمقتضى المرجوح باطل، إذ قد يقطع أن بقاء الإنسان راجح على أكل الميتة. والرخصة: قد تكون واجبة، وندبًا، ومساوية، وراجحة الترك. وإطلاق الرخصة على ما حطّ عنا من الأغلال: مجاز.

стр. 137

تقسيم آخر (للحكم من حيث الحسن والقبح) والفعل: إن نهى عنه فهو القبيح، وإلا: فهو الحسن فتناول فعله تعالى، وغير المكلف، لا المأذون فيه، فيخرجه عنه. وقيل: ما مدح فاعله شرعًا، والقبيح: ما ذم، فلم يكن فعل غير المكلف، والمباح والمكروه منهما. وقيل: هو ما يصح من فاعله أن علم أنه غير ممنوع عنه شرعًا. فتناول فعله تعالى: وغير المحرم، دون فعل غير المكلف، إذ الصحة لا تنافي الوجوب. والقبح عند المعتزلة: (هو ما ليس للمتمكن منه، والعلم بحاله: أن يفعله ويتبعه، أنه يستحق الذم فاعله. و: (أنه على صفة يؤثر في استحقاق الذم). والحسن: ما يقابله. وهو للمنع العقلي، لا الحسي والشرعي، ولا للعجز، والنفرة الطبيعية، والمشترك بينهم. وقوله: (يستحق) هو معنى قوله: (المؤثر يستحق الأثر)، لا العكس، ولا بمعنى: يحسن للدور. و(الذم): ما ينبئ عن اتضاع حال الغير. ثم هما عقليان، بمعنى: ملائمة الطبع، ومنافرته، وصفة النقص والكمال. وبمعنى ترتب الذم عاجلًا، والعقاب آجلًا: شرعي

стр. 138

عندنا خلافًا للمعتزلة، وبعض فقهاء الخنفية. والكرامية، والخوارج، والتناسخية. والبراهمة، والثنوية، ثم اختلفوا. فالأوائل: من غير صفة، والأكثر: بصفة، وقيل: بصفة في القبيح فقط. واتفقوا على أن: منه ما يعلم ضرورة، كحسن الصدق النافع، والكذب الضار، ونظرًا: كحسن الصدق الضار، أو قبحه، أو قبح الكذب النافع، أو حسنه، فإنه يختلف باختلاف المضرة والنفع. ومنه ما يُعلم بواسطة الشرع: كقبح صوم يوم العيد إذ لولاه لما عرف. لنا: أن فعل المكلف اضطراري، إن لم يتمكن من تركه، أو تمكن منه لكنه يجب لمرجح

стр. 139

من غير، وإلا: فاتفاقي، إذ التسلسل محال، وهما لا يقبحان عقلًا إجماعًا. وزيف: بأن وجوبه به لا ينافي إمكانه، وقدرته عليه، وإلا: لزم نفي قدرة الله تعالى، ولا يفرق بأن مرجح فاعليته تعالى منه، لأن الكلام في فاعليته لذلك المرجح، كما في الأول، فيلزم التسلسل في أفعاله تعالى، أو الاعتراف بالمنع المذكور. وهو ضعيف: لأنا لا ندعي منافاته، لإمكانه، بل لقدرته بمعنى: التمكن من الفعل والترك، ولا يلزم منه نفي قدرة الله تعالى للفرق المذكور، وذلك المرجح قديم غني عن الفاعل، فلا يلزم التسلسل. وأورد: بأنه يقتضي أن لا يوصف بحسن وقبح. وسقوطه بيّن، ومنعه بمنع الثانية، إذ فعل العبد اضطراري بالمعنى المذكور، عند أبي الحسن، واتفاقي بالمعنى المذكور عند أكثرهم، مع أنهم قائلون: بحسنه وقبحه عقلًا. - وأيضًا -: لو كان ذاتيًا لما اختلف، وقد يقبح الصدق ويجب الكذب، ولكان المؤثر فيهما هما، لأن لازم الماهية معلولها، لكنه باطل، لأن مجموع الحروف لا وجود له، والآحاد ظاهر الفساد. ونقض: باتصافه بالصدق والكذب. ولأن الكذب ليس مقتضيًا له لنفس اللفظ، وإلا: لكان غيره كذلك، ولا لعدم المطابقة، ولا لمجموعهما، وإلا: لكان العدم علة، أو جزء علة، ولا لأمر لازم له، لأن الكلام فيه كالكلام في الأوّل، ولا لمفارق وإلا: لم يكن لازمًا له، فلم يكن مقتضيًا له. وأورد عليه: بأن القبح عدمي فيعلل به. وأجيب: بأن العلية ثبوتية، لكونها نقيض اللا علية، فلم يجز أن تكون العلة عدمية. ولأنه يقتضي تعليل أفعاله تعالى. وسيأتي في القياس بطلانه. ولأن حسن الفعل زائد على مفهومه، وإلا: لتعقّله من تعقله، وهو وجودي، لكونه يقتضي الأحسن المحمول على العدم، والفعل عرض فيلزم قيام العرض بالعرض، وهو ممتنع ولا ينقض باتصافه شرعًا،

стр. 140

لأن الحسن الشرعي أمر اعتباري، فلا يلزم ذلك. اعترض: بإجزائه في الممتنع، وبأن الاستدلال بصورة النفي على الوجود دور، وبمنع امتناع اللازم. ونقضه: بوجود الأعراض، وبكون الحركة بطيئة، أو سريعة. ولأنه لو كان ذاتيًا، لاجتمع النقيضان في صدق من قال: لأكذبن غدًا، وكذبه. ولا يجاب عنه: بأنه باعتبارين، لأن الذاتي لا يختلف بالاعتبارات. ولأنه لو كان ذاتيًا للفعل، أو لصفته: لم يكن الباري مختارًا في الحكم، إذ الحكم بالمرجوح ممتنع عقلًا. وأجيب: بالتزامه، إذ كلهم مطبقون على امتناع صدور ذلك منه، لكن لعدم القدرة عند النظام، ولعدم الداعي عند غيره. وادعوا: العلم الضروري بحسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب الضار، والكفران، وأنه غير مستفاد من الشرائع، لحصوله لمنكريها. ولا يعارض: بأنه لو كان كذلك، لما كان مختلفًا فيه - لأنه لا اختلاف فيه، بل في المأخذ، ولا يبعد الالتباس فيه كما في المتواتر، وأن المقتضى له هو كونه كذلك بالدوران. وأجيب: بمنعه بالمعنى المتنازع فيه، والدوران غير مفيد للقطع، والظن لا يفيد. إذ المسألة علمية. ثم المفهوم من الظلم: أنه إضرار غير مستحق، والعدم لا يكون علة وجزء علة

стр. 141

الوجود، ولا شرطها إذ العلية دور معه، ولا سبب سواه، فيعلل به، فيكون العدم علة. واستدلوا - أيضًا - بأن ما وجب لو لم يختص بما يقتضيه: لزم الترجيح بلا مرجح. وأجيب: بمنعه، إذ ليس المرجح منحصرًا في صفة الفعل، ويمنع امتناع اللازم في حق المختار، وبأنه إن لم يجز لزم الجبر - كما سبق - وبطل التحسين والتقبيح العقلي، وإلا بطل الدليل. - وأيضًا - لو لم يثبت عقلًا، لحسن من الله خلق المعجزة على يد الكاذب، والكذب، لزم التباس النبي بالمتنبي، وأن لا يعتمد على إخباره، ولحسن منه الأمر بالكفر، والنهي عن الإيمان، ولكان الوجوب متوقفًا على السمع، فيلزم إفحام الأنبياء على ما يأتي. وأجيب: عن الملازمة الأولى: بأنه إن وجب تعليل خلق المعجزة للتصديق، لزم الخبر، وإلا: جاز، خلقه لا لغرض، أو لغرض غير التصديق، فيرد عليكم. وزيف: بأن توقيف فاعليته تعالى على المرجح لا يوجب الجبر على ما تقدم، بل جوابه: أن حسن الشيء لا يوجب وقوعه، بل قد يحرم بانتفائه. وعن الثانية: أنه وارد عليكم، لأن الكذب قد يحسن للمصلحة كما في إنقاذ الشيء والمتوعد ظلمًا، وبأنه صفة نقص ممتنع على الله تعالى. وعن الثالثة: بمنع امتناع اللازم. وعن الرابعة: بمنع لزومه على ما يأتي. و- أيضًا - العاقل يختار الصدق على الكذب عند تساويهما، في غير الصدق، والكذب، لحسنه.

стр. 142

وأجيب: بأنه كذلك، لكن بالمعنى المتنازع فيه. وأيضًا - ما لا يعلم قبل الشرع، لا يرد به الشرع. وأجيب: تصورًا لا تصديقًا بهما، بطل: ولم يجب شكر المنعم، ولا حكم قبل الشرع لكن زيف: مأخذهم فيهما بناء عليه. مسألة شكر المنعم: لا يجب عقلًا. خلافًا للمعتزلة، وبعض الحنفية. قيل: المراد منه: تجنب المستقبحات، وفعل المستحسنات العقليتين، ولا يبعد أن يراد منه ما يراد منه في الشرع. لنا: ﴿وما كُنَّا﴾ [الإسراء: آية ٥]. وأورد: بأنه لا يلزم من نفي التعذيب: نفي الوجوب، إذ ليس من لوازم تركه، سلمناه لكن ما نفي مطلقًا، بل إلى البعثة، فيقع بعدها، وإن استحق قبلها، سلمناه لكنه محمول على ما لا يعلم عقلًا. وأجيب: بأن صحة وقوعه من لوازمه، فلو صح، وفرض وقوعه لزم خلاف النص فلم يصح. وعن الثاني: بأنه خلاف ما فهم من الأمة، وظاهره، وبأنه حمل معنى غير مناسب، إذ

стр. 143

البعثة لا تناسب وقوع العذاب بعدها بسبب استحقاق قبلها. وعن الثالث: أنه تخصيص، خلاف الأصل. و- أيضًا - قوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين﴾ [النساء: آية ١٦٥]، ولأن وجوبه لا لفائدة ممتنع، لأنه عبث، ويحل معناه، فكذا الفائدة لله تعالى، لتنزهه عنها, وللعبد، لأنها: - إما جلب نفع: وهو غير واجب عقلًا، فوسيلته أولى، ولأن أداء الواجب لا يقتضي غيره، ولأن توسطه عبث، لإمكان نفعه في جميع المنافع بدونه. أو دفع ضرر عاجل؛ لأنه ضرر عاجل، فلا يزال به، أو آجل، والله تعالى لا يضره تركه، ولا يسره فعله، فلا يقطع به، بل يحتمل العقاب على فعله: - لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه بلا ضرورة. ومكافأة للمولى على نعمه. وشكر لنعمه، هي بالنسبة إلى خزانة الله تعالى أقل من كسرة بالنسبة إلى خزانة ملك. ولأنه قد لا يليق به تعالى. واستدلوا بوجه آخر: وهو أنه لا يجب لفائدة آجلة، لأنه لا طريق إلى معرفتها إلا: بأخبار الشارع، ولا العاجلة، لأنه مشقة، ولا حظ للنفس في. فإن قلت الثلاث الأوّل ممنوعة، إذ المنافع تختلف في الوجوب، فإن عنى به الزائد على الضروري منعنا الحصر، وأداء الواجب يقتضي الثواب، وهو غيره، وتلك المنفعة قد تكون نفس الشكر، لأن وجوب الشيء قد يكون لنفسه، وإلا: لزم التسلسل، و - حينئذ - يمتنع حصولها بدونه. وكذا الرابع:

стр. 144

إذ العاجل قد يدفع عاجليا فوقه، وضرر خوف العقاب لدفعه، والعقاب: على تركه ربما يترجح على ضرر فعله، وضرر خوف العقاب عليه. وكذا الخامس: فإنه، وإن لم يقطع به لكنه يظن أو يحتمل فيجب لدفعه، والعقاب: وإن احتمل على الفعل لما ذكرتم، لكنه احتمال مرجوح إذ الشاكر أحسن حالًا من تاركه. وأما الطريقة الثانية: فضعيفة، لأنا نمنع أنه لا طريق إلى معرفة الفائدة الآجلة إلا: بأخبار الشارع، إذ العقل يقضي بحصول الثواب على ما يوجبه في الجملة، وإن لم ندركه مفصلًا، وكونه مشقة لا حظ للنفس فيه لا يقتضي عدم وجوبها لفائدة عاجلة، لما سبق، ثم إنه ينفي وجوبه شرعًا، وهو في مقابلة ما علم بالبديهة. وأجيب: عن الأول: بأن تاركه لا يذم وفاقًا، والضروري - وإن وجب تحصيله لكنه غير متوقف على الشكر، فلا يجب له. والثاني: منقدح، لا جواب له. وعن الثالث: أن علة الشيء غيره، والتسلسل مندفع، لوجوب الانتهاء إلى الحكم المطلوبة لذاتها، وإلا: لزم التسلسل. وعن الرابع: الأصل أنه لا يزال بمثله، إلا: إذا ثبت أن المزال فوقه، وهو ممنوع. وعن الخامس: منع، ورجحانه على احتمال العقاب على فعله بالنسبة إلى الله تعالى. وضعف الطريقة الثانية حق. وعن النقص: بمنعه، وأنه غير آت بعينة في نفس الوجوب الشرعي يعرف بأدنى تأمل، سلمناه لكن المدعى أن التقبيح العقلي ينفي الوجوب العقلي، وإن نفى معه الشرعي. وعن الأخير: بمنعه، سلمناه لكن بالنسبة إلى من يسرّه الشرك، ويسوؤه الكفران، لا مطلقًا.

стр. 145

وعورض: بأنه طريق آمن، فاقتضى العقل وجوب سلوكه. وأجيب: بمنعه، لما سبق، سلمناه لكن إذا لم يكن فيه مشقة، أما مطلقًا فممنوع. وبأنه لو لم يجب عقلًا، لما وجب النظر كذلك وفاقًا، وفيه إفحام الأنبياء ﵈، إذ يقول: لا أنظر ما لم يجب، ولا يجب إلا: بنظري. وأجيب: بأنه لازم عليكم، لأن وجوبه نظري - أيضًا - عندكم، لتوقفه على وجوب معرفة الله تعالى، وأنه طريق إليها، وأنه متعين لذلك، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهي نظرية، فيقول: ذلك. وأورد: بأنه غير لازم، لإمكان معرفة وجوبه قبل دعوى النبوة بخلاف ما إذا كان شرعيًّا. وأجيب: بأنه قادح في الإفهام عمومًا، لا في أصله، فيعود المحظور بالنسبة إلى البعض الآخر. وبمنع أنه لا يجب إلا: بالنظر، فإن وجوب الشيء لا يتوقف على العلم به، وإلا: لزم الدور، بل التمكن منه، وهو حاصل، وهو عناد لا إفحام، كما لو قيل: اتق الأسد وارءك، فيقول: مثله، فإنه يعد عنادًا. والأصح: أن المسألة كأصلها. وقيل: ظنية.
следующие страницы →