← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18281

الفائق في أصول الفقه

الصفي الهندي

Полный текст (825 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الوجود، ولا شرطها إذ العلية دور معه، ولا سبب سواه، فيعلل به، فيكون العدم علة. واستدلوا - أيضًا - بأن ما وجب لو لم يختص بما يقتضيه: لزم الترجيح بلا مرجح. وأجيب: بمنعه، إذ ليس المرجح منحصرًا في صفة الفعل، ويمنع امتناع اللازم في حق المختار، وبأنه إن لم يجز لزم الجبر - كما سبق - وبطل التحسين والتقبيح العقلي، وإلا بطل الدليل. - وأيضًا - لو لم يثبت عقلًا، لحسن من الله خلق المعجزة على يد الكاذب، والكذب، لزم التباس النبي بالمتنبي، وأن لا يعتمد على إخباره، ولحسن منه الأمر بالكفر، والنهي عن الإيمان، ولكان الوجوب متوقفًا على السمع، فيلزم إفحام الأنبياء على ما يأتي. وأجيب: عن الملازمة الأولى: بأنه إن وجب تعليل خلق المعجزة للتصديق، لزم الخبر، وإلا: جاز، خلقه لا لغرض، أو لغرض غير التصديق، فيرد عليكم. وزيف: بأن توقيف فاعليته تعالى على المرجح لا يوجب الجبر على ما تقدم، بل جوابه: أن حسن الشيء لا يوجب وقوعه، بل قد يحرم بانتفائه. وعن الثانية: أنه وارد عليكم، لأن الكذب قد يحسن للمصلحة كما في إنقاذ الشيء والمتوعد ظلمًا، وبأنه صفة نقص ممتنع على الله تعالى. وعن الثالثة: بمنع امتناع اللازم. وعن الرابعة: بمنع لزومه على ما يأتي. و- أيضًا - العاقل يختار الصدق على الكذب عند تساويهما، في غير الصدق، والكذب، لحسنه.

стр. 142

وأجيب: بأنه كذلك، لكن بالمعنى المتنازع فيه. وأيضًا - ما لا يعلم قبل الشرع، لا يرد به الشرع. وأجيب: تصورًا لا تصديقًا بهما، بطل: ولم يجب شكر المنعم، ولا حكم قبل الشرع لكن زيف: مأخذهم فيهما بناء عليه. مسألة شكر المنعم: لا يجب عقلًا. خلافًا للمعتزلة، وبعض الحنفية. قيل: المراد منه: تجنب المستقبحات، وفعل المستحسنات العقليتين، ولا يبعد أن يراد منه ما يراد منه في الشرع. لنا: ﴿وما كُنَّا﴾ [الإسراء: آية ٥]. وأورد: بأنه لا يلزم من نفي التعذيب: نفي الوجوب، إذ ليس من لوازم تركه، سلمناه لكن ما نفي مطلقًا، بل إلى البعثة، فيقع بعدها، وإن استحق قبلها، سلمناه لكنه محمول على ما لا يعلم عقلًا. وأجيب: بأن صحة وقوعه من لوازمه، فلو صح، وفرض وقوعه لزم خلاف النص فلم يصح. وعن الثاني: بأنه خلاف ما فهم من الأمة، وظاهره، وبأنه حمل معنى غير مناسب، إذ

стр. 143

البعثة لا تناسب وقوع العذاب بعدها بسبب استحقاق قبلها. وعن الثالث: أنه تخصيص، خلاف الأصل. و- أيضًا - قوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين﴾ [النساء: آية ١٦٥]، ولأن وجوبه لا لفائدة ممتنع، لأنه عبث، ويحل معناه، فكذا الفائدة لله تعالى، لتنزهه عنها, وللعبد، لأنها: - إما جلب نفع: وهو غير واجب عقلًا، فوسيلته أولى، ولأن أداء الواجب لا يقتضي غيره، ولأن توسطه عبث، لإمكان نفعه في جميع المنافع بدونه. أو دفع ضرر عاجل؛ لأنه ضرر عاجل، فلا يزال به، أو آجل، والله تعالى لا يضره تركه، ولا يسره فعله، فلا يقطع به، بل يحتمل العقاب على فعله: - لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه بلا ضرورة. ومكافأة للمولى على نعمه. وشكر لنعمه، هي بالنسبة إلى خزانة الله تعالى أقل من كسرة بالنسبة إلى خزانة ملك. ولأنه قد لا يليق به تعالى. واستدلوا بوجه آخر: وهو أنه لا يجب لفائدة آجلة، لأنه لا طريق إلى معرفتها إلا: بأخبار الشارع، ولا العاجلة، لأنه مشقة، ولا حظ للنفس في. فإن قلت الثلاث الأوّل ممنوعة، إذ المنافع تختلف في الوجوب، فإن عنى به الزائد على الضروري منعنا الحصر، وأداء الواجب يقتضي الثواب، وهو غيره، وتلك المنفعة قد تكون نفس الشكر، لأن وجوب الشيء قد يكون لنفسه، وإلا: لزم التسلسل، و - حينئذ - يمتنع حصولها بدونه. وكذا الرابع:

стр. 144

إذ العاجل قد يدفع عاجليا فوقه، وضرر خوف العقاب لدفعه، والعقاب: على تركه ربما يترجح على ضرر فعله، وضرر خوف العقاب عليه. وكذا الخامس: فإنه، وإن لم يقطع به لكنه يظن أو يحتمل فيجب لدفعه، والعقاب: وإن احتمل على الفعل لما ذكرتم، لكنه احتمال مرجوح إذ الشاكر أحسن حالًا من تاركه. وأما الطريقة الثانية: فضعيفة، لأنا نمنع أنه لا طريق إلى معرفة الفائدة الآجلة إلا: بأخبار الشارع، إذ العقل يقضي بحصول الثواب على ما يوجبه في الجملة، وإن لم ندركه مفصلًا، وكونه مشقة لا حظ للنفس فيه لا يقتضي عدم وجوبها لفائدة عاجلة، لما سبق، ثم إنه ينفي وجوبه شرعًا، وهو في مقابلة ما علم بالبديهة. وأجيب: عن الأول: بأن تاركه لا يذم وفاقًا، والضروري - وإن وجب تحصيله لكنه غير متوقف على الشكر، فلا يجب له. والثاني: منقدح، لا جواب له. وعن الثالث: أن علة الشيء غيره، والتسلسل مندفع، لوجوب الانتهاء إلى الحكم المطلوبة لذاتها، وإلا: لزم التسلسل. وعن الرابع: الأصل أنه لا يزال بمثله، إلا: إذا ثبت أن المزال فوقه، وهو ممنوع. وعن الخامس: منع، ورجحانه على احتمال العقاب على فعله بالنسبة إلى الله تعالى. وضعف الطريقة الثانية حق. وعن النقص: بمنعه، وأنه غير آت بعينة في نفس الوجوب الشرعي يعرف بأدنى تأمل، سلمناه لكن المدعى أن التقبيح العقلي ينفي الوجوب العقلي، وإن نفى معه الشرعي. وعن الأخير: بمنعه، سلمناه لكن بالنسبة إلى من يسرّه الشرك، ويسوؤه الكفران، لا مطلقًا.

стр. 145

وعورض: بأنه طريق آمن، فاقتضى العقل وجوب سلوكه. وأجيب: بمنعه، لما سبق، سلمناه لكن إذا لم يكن فيه مشقة، أما مطلقًا فممنوع. وبأنه لو لم يجب عقلًا، لما وجب النظر كذلك وفاقًا، وفيه إفحام الأنبياء ﵈، إذ يقول: لا أنظر ما لم يجب، ولا يجب إلا: بنظري. وأجيب: بأنه لازم عليكم، لأن وجوبه نظري - أيضًا - عندكم، لتوقفه على وجوب معرفة الله تعالى، وأنه طريق إليها، وأنه متعين لذلك، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهي نظرية، فيقول: ذلك. وأورد: بأنه غير لازم، لإمكان معرفة وجوبه قبل دعوى النبوة بخلاف ما إذا كان شرعيًّا. وأجيب: بأنه قادح في الإفهام عمومًا، لا في أصله، فيعود المحظور بالنسبة إلى البعض الآخر. وبمنع أنه لا يجب إلا: بالنظر، فإن وجوب الشيء لا يتوقف على العلم به، وإلا: لزم الدور، بل التمكن منه، وهو حاصل، وهو عناد لا إفحام، كما لو قيل: اتق الأسد وارءك، فيقول: مثله، فإنه يعد عنادًا. والأصح: أن المسألة كأصلها. وقيل: ظنية.

стр. 146

مسألة لا حكم قبل الشرع مطلقًا واختلفت القدرية فيما لا يقضي العقل فيه بحسن وقبح بخصوصيته: فمعتزلة البصرة، وبعض الفقهاء - منا - ومن الحنفية: على الإباحة. ومعتزلة بغداد، وبعض الإمامية، وابن أبي هريرة - منَّا - على الحظر. ومنهم من توقف عن الحكم وعدمه، ولو قدر فعن أنواعه. وقيل: بالإباحة بطريق التبيين بأدلة شرعية. أدلة القائلين بأنه لا حكم قبل ورود الشرع لنا: ما سبق. وبأنه عبارة عن الخطاب، ولا خطاب قبل الشرع فلا حكم.

стр. 147

للمبيح: أنه انتفاع خال عن أمارة المفسدة، لا يضر المالك، فيباح كالاستظلال بحائط الغير، ونحوه، وعليته بالدوران، واحتمال المفسدة بدون الأمارة لا يضر، إذ لا يترتب عليها حكم. وجوابه: منع أن الدوران يفيد العلية، سلمناه لكن لا يفيد قطعها، والمسألة علمية، سلمناه لكنها شرعية، لأنها مستنبطة من الحكم الشرعي. - وأيضًا - خلق الله تعالى الطعوم، مع إمكان أن لا يخلقها لمنفعة العبد وإلا: لزم العبث، أو عود النفع إليه تعالى، أو خلاف الإجماع، وهو بإدراكها، أو باستحقاق الثواب على اجتنابها، لكون تناولها يفيد مفسدة، أو الاستدلال بها الموقوفين على إدراكها، فالإدراك مطلوب. وأجيب: بمنع الإمكان، ثم بمنع امتناع العبث، ثم بمنع الحصر، ثم بمنع لزوم الإدراك حالة التكليف، ثم بالنقض بالطعوم المهلكة. ودفع: بأنه يمكن الانتفاع بالمؤذي مع ما يصلحه. وأجيب: بمنع إمكان ذلك في الكل. - وأيضًا - لو لم تكن مباحة لكانت محظورة، فلو فرضنا ضدين لكلف بالمحال. وأجيب: بمنع الملازمة، ثم بإمكان الخلو عن الضدين، فلو فرضنا كالحركة والسكون، فبمنع مثلهما فيما نحن فيه، ثم بمنع امتناع اللازم، كما في لبث وخروج من توسط أرضًا مغصوبة - على رأي بعضهم - وأما على رأينا فهو ظاهر. و- أيضًا - إذ ملك جواد بحرًا لا ينزف، وأحب مملوكة فطرة، فإنه يقبح منه المنع، فكذا في حقه تعالى، بل أولى.

стр. 148

وأجيب: بأنه قياس الغائب على الشاهد، ثم بمنع لزوم الإباحة، لعدم المنع، ثم بالفرق. إذ قد يقبح منا ما لم يقبح منه تعالى. - وأيضًا - خلق الله تعالى الشفع، وخلق فينا الشهوة له، والقدرة على الانتفاع به مع العلم بنفعه وأنه لا يتضرر، وهو قرينة الإذن. وأجيب: بمنعه إذ يجوز أن يكون الابتلاء للصبر، ثم إنه معارض بأنه ملك غيره، وهو دليل عدم جواز التصرف. للحظر: بأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، فحرم كما في الشاهد. وأجيب: بأنه سمعي، ثم بأنه يتضرر، أو في مظنته. ولا يزيف: بأنه لو كان كذلك، لما جاز وأذن، لأنه مشروط به، ثم بمنع عدم الإذن من جهة العقل، وبأنه قياس الغائب على الشاهد. واحتجا على فساد الثالث: بأن التصرف إن كان ممنوعًا عنه فحظر، وإلا: فبماح. وأجيب: بمنع لزوم الإباحة، على تقدير عدم المنع. واحتجوا على فساد قولنا: لا حكم بأنه حكم، فكان متناقضا. وأجيب: بأنه لا تناقض بين نفي الخاص، وإثبات العام. للمبيح بطريق التبيين: قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا﴾ [البقرة: آية ٢٩]. واللام للاختصاص بجهة النفع. وقوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾ [الأعراف: آية ٣٢].

стр. 149

وبأنه تعالى خلقنا للعبادة، للنص، ومن ضرورته الإذن في الانتفاع بما تقوم به البنية، ولازم المطلوب مطلوب. وأجيب: بمنع لزوم الإذن منه، وسنده ظاهر، ولو سلم فمن وقت القول. وعن المقول: أنه لا يلزم من خلقه للعبادة وجوبها، وطلبها منهم، لتوقفه على الإيجاب والطلب، و - حينئذ - لا يعلم أن بقاءهم قبل الطلب، هل هو مطلوب أم لا؟ فلا تعلم مطلوبية لازمة. خاتمة: معرفة أصول الفقه واجبة، لتوقف معرفة الله تعالى، التي هي واجبة إجماعًا - عليه، إذ السؤال لا يتسلسل، وليس هو فرض عين، لما نبين من جواز الاستفتاء، فهو فرض كفاية. الأمر الأمر: حقيقة القول المخصوص، ومعناه: كالكلام. وقيل: في الفعل أيضًا. البصري: في الشيء والصفة، والشأن، والطريق. لنا: النافي للاشتراك، وتكثيره، والتواطؤ خلاف الإجماع إذ هو حقيقة في غيرها، لخصوصه إجماعًا، ولا يقدح فيه الخلاف الحاجث، وسبقه إلى الفهم، فإنه ينفي اشتراكه وتواطؤه.

стр. 150

وبأنه لو كان حقيقة في الفعل لاطرد، وعدم اطراده، في كل قول: إنما هو لأنه ليس حقيقة في الفعل لاطراد، وعدم اطراده في كل قول: إنما هو لأنه ليس حقيقة في مطلقه، بخلاف الفعل، وإلا لبين. والاستدلال: بصحة نفي الأمر، ولوازمه عنه، وبأنه لا يشتق للفاعل والمفعول: آمر ومأمور ضعيف. للفقهاء: أطلق عليه، فيكون حقيقة فيه. وأجيب: بمنعهما، إذ ليس ذلك لخصوصه، والاستعمال مع لزوم الاشتراك ليس دليلًا عليهما. وبأنه لو كان مجازًا فيه لتحقق جهة من جهاته. وأجيب: بمنع لزوم المجاز عند انتفاء الحقيقة، ثم بمنع نفي اللازم، فإن إطلاق اسم الدليل على المدلول من جهاته. وبأنه: بمعنى الفعل يجمع على أمور، والاشتقاق دليل الحقيقة. وأجيب: بمنع الأوّل، إذ قيل: هما لفظان بمعنى، ثم بمنع الثانية، وأسند بالحمر للبلد. لمن قال بالتواطؤ: هما مشتركان في عام، فيجعل اللفظ له دفعًا للمحذورين.

стр. 151

وأجيب: بأنه ليس في ذلك في كل ما يمكن أن يقال ذلك فيه، وإلا: لزم نفي الاشتراك والتجوز، بل فيما يمكن ذلك، وهو حيث يوافقه الدليل ولا يخالفه، وبأن ذلك العام حاصل في جميع أنواع القول. وللبصري: تردد الذهن عند سماعه بين الكل. وجوابه: منعه، بل السابق إليه القول. مسألة حد الأمر "بالقول المقتضي طاعة المأمور، بفعل المأمور به". وهو دور، لتوقف معرفتها عليه. وأجيب عن الطاعة: بأنها بالمعنى اللغوي. وقيل: "طلب الفعل على وجه بعد فاعله مطيعًا". وهو دور، أو غير مانع، لدخول قوله: أطلب منك كذا. والإشارة - تحته. وقيل: "اقتضاء فعل، غير كف، على جهة الاستعلاء". وقيل: طلب الفعل على وجه الاستعلاء. ونقض بما تقدم، إذ الإشارة قد تكون استعلاء. وزيف: باتْرُكْ، فإنه أمر، وإن كان كفًّا. وقيل: خبر عن الثواب على الفعل، وقيل: عن استحقاق الثواب عليه، فرارًا عن الخلف في خبره تعالى.

стр. 152

وزيف: بأن الخبر يحتمل التصديق والتكذيب بخلاف الأمر، وبأنهما غير مانعين، لدخول المندوب، وقوله: من فعل كذا فله الثواب، أو استحق الثواب - تحته. وقال كثير من المعتزلة: "هو قول القائل لمن دونه: افعل، أو ما يقوم مقامه في الدلالة على طلب الفعل". فلا يرد التهديد، ونحوه، إذ لا طلب، ودفعه. بمنع اتحاد الصيغة فيما: مكابرة. ولا ما إذا صدر عن نائم، أو ساه، أو حاك، لأن نمنع صدقه عليه. وزيف: بما إذا صدر من الأدنى، والأعلى، استعلاء وشفاعة. وقال بعضهم: هو صيغة أفعل، لتجردها عن القرائن الصارفة عن الأمر. وهو تعريف الشيء بنفسه، ولأنه ليس أولى من عكسه، ولو حذف القيدين: نقض بالتهديد، أو الأخير - لزعمه أنها فيما ليس بأمر - ليست مجردة عنها: لزم أن لا تكون أمرًا، مع قرائن الوجوب. وقيل: "هو صيغة أفعل، بشرط إرادات ثلاث: إرادة أحداث الصيغة، والدلالة بها على الأمر والامتثال". وهو، متناقض، إذ يقتضي أن يكون الأمر: الصيغة، ومدلولها. والأصح: أنه اللفظ الدال على طلب الفعل بالوضع على وجه الاستعلاء. وإخراج: "أطلب منك الفعل"، "أو طلبت منه" - بقولنا: "بالوضع أولى" من قوله: "بالإنشاء"، لأنه لو قصد به الإنشاء: لزم أن يكون أمرًا، والطلب أولى، للتفرقة الضرورية بين طلب الفعل والترك، وبينهما وبين مفهوم الخبر، ويعلم ضرورة: أن ما يصلح لأحدهما جوابًا، لا يصلح للآخر، وهو غير الصيغة، لاختلافها دونه.

стр. 153

مسألة الأمر غير الإرادة، وغير مشروط بها خلافًا للقدرية. إذ المعاتب من السلطان على ضرب عبده - إذا أمره، لتمهيد عذره بتمرده، فإنه لا يريده، لاستحالة إرادة العقل مضرة نفسه. واعترض عليه: بمنع وجود الأمر، وإن تصور بصورته، وبأنه يقتضي أن يكون عين الطلب. وأجيب: بأن التمهيد بالأمر لا يغيره، وبمنع امتناع طلب مضرة نفسه، إذ هو غير مستلزم للوقوع، بخلاف الإرادة. و-أيضًا- يصح إثبات الإرادة مع نفي الأمر، وبالعكس. ولأن الله تعالى أمر من علم أنه يموت على الكفر بالإيمان إجماعًا، وهو منه محال، فهو غير مراد وفاقًا، ولأن معناه: أنه مخصص حدوثه بوقت دون وقت، وبوجه دون وجه، وهو غير معقول في المحال. فإن قلت: معنى أنه أمره به: أنه أعلم إرادة عقابه في الآخرة، ثم لا نسلم أنه محال، وأنه يلزم من وقوعه انقلاب العلم جهلًا، وهذا فإن العلم والمعلوم متلازمان، فإذا فرض الإمان بدلًا عن الكفر - كان الحاصل في الأزل العلم بالإيمان، وأن المحال غير مراد مطلقًا. قلت: لو كان كذلك لاحتمل التصديق والتكذيب، ولكان قسمًا من الخبر، لا قسيمًا له.

стр. 154

وعن الثاني: أنه يلزم منه الانقلاب، وهو محال، والممكن هو الذي لا يلزم، من وقوعه محال بوجه ما. وعن الثالث: أنه غير وارد على ما حررناه. وعن الأخير: ما تقدم عن الوجهين، إذ لا فرق بين المستحيل لذاته، ولغيره في ذلك وفاقًا. واستدل: لو كان إرادة لوقعت المأمورات كلها، لأن معنى الإرادة: تخصيصه بحال حدوثه، فإذا لم يوجد لم يخصص. وضعفه بيِّن. وبأنه يجوز نسخ الشيء قبل حضور وقت عمله، وهو يدل على التغاير، لاستحالة الجمع بين الإرادة والكراهة في فعل واحد، في وقت واحد، من وجه واحد. وفيه نظر. للمخالف: أن الطلب الذي وضع الأمر له معلوم للعقلاء، وغير الإرادة غير معلوم. ولأنه لو لم تعتبر الإرادة فيه، لصح الأمر بالمحال، إذ يصح طلبه - حينئذ -. ولجاز الأمر بالماضي والحال، كالخبر. وأجيب: بمنع أنه غير معلوم، وبمنع امتناع اللازم في الباقين، بعد المطالبة بالجامع. مسألة أكثر القائلين بالنفسي: على أن للأمر صيغة تخصه.

стр. 155

وعن الأشعري، التوقف فيه، ونقل الإنكار عنهما. واستبعد إمام الحرمين، والغزالي ما نقل بإطلاقه، لأن أمرتك، وأنت مأمور مختصَّة به وفاقًا، فقالا: لعل ذلك في صيغة: أفعل، لتردده بين محامل كثيرة. واستبعد قولهما: أن أمرتك وأنت مأمور: صيغة مختصة به لأن ذلك إخبار عن الأمر، وعن كونه مأمورًا، لا أنه صيغة الآمر. وفيه نظر: لأنه يجوز أن يكون إنشاء، فتكون مختصة به، ولقائل أن يمنع اختصاصه به - أيضًا - لأنه - حينئذ - مشترك بينه وبين الخبر. مسألة صيغة الأمر تدل على الطلب بالوضع وقال أبو علي وأبو هاشم: لا بد معه من إرادة الدلالة بها على الطلب. لنا: القياس على غيره، ولأن توقيف دلالتها عليه يخل بمقصود. لهما: أنها ترد لغيره، ولا مميز إلا: الإرادة فتكون مشروطة بها كدلالة المشترك على معين من مفهوماته، متوقفة على القرينة.

стр. 156

وأجيب: بأنها حقيقة في الطلب مجاز في غيره، فلا تحتاج إلى مميز كغيره. ثم الأمر به: نفس الصيغة. وقالا: صفة زائدة عليها حاصلة لها بسبب إرادة المأمور به، وإرادة الدلالة بها على الطلب. واستدل: بأنها ليست صفة لمجموع الحروف، لعدم وجودها، ولا لآحادها، لأنها ليست بأمر. قيل عليه: يجوز أن تكون صفة للأخير، أول الأول بشرط المسبوقية والملحوقية. وبأن الإرادة مدلولها، فلا تكون علة، ولا جزء علة، لحصول صفة لها قياسًا على غيرها. مسألة يعتبر الاستعلاء في الأمر على الثالث النافي: قوله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿فماذا تأمرون﴾ [الشعراء: آية ٣٥]. وقال عمرو بن العاص لمعاوية:

стр. 157

أَمَرتُكَ أَمرًا حَازِمًا فَعَصَيتَنِي ... وقال دريد بن الصمة لنظرائه، ولمن هو فوقه: أَمَرْتُهُمُ أَمْرِي بمُنْعَرَج اللِّوَى

стр. 158

وقال حباب بن المنذر لأمير خراسان: أمرتُك أمرًا حازمًا فعصيتني ... فأصبحت مسلوب الإمارة نادما ولأنه يقال: "أمر فلان على وجه الرفق واللين". والأصل في الاستعمال الحقيقة. المعتبر: الناس يفرقون بين الصادرة من الأعلى وغيره، على ما تقدم في التقسيم. ولأنه يستقبح: أمرت الأمير، والأصل: التقدير. والثالث: أن من قال لغيره - استعلاء -: افعل كذا، يقال: إنه أمره، وإن كان أعلى رتبة منه، ولهذا يوصف بالجهل والحمق، وإن قال - على وجه التضرع والخشوع - لا يقال ذلك، وإن كان أعلى رتبة منه. مسألة أوجه استعمال صيغة أفعل ١ - "الوجوب"، كقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: آية ٤٣]. ٢ - و"الندب" كقوله تعالى: ﴿فكاتبوهم﴾ [النور: آية ٣٣] و ﴿وأحسنوا﴾ [البقرة: آية ١٩٥].

стр. 159

٣ - و"التأديب" كقوله ﵇: "كل مما يليك". والفرق بينهما، ما بين العام والخاص. ٤ - "الإرشاد"، كقوله تعالى: ﴿واستشهدوا﴾ [البقرة: آية ٢٨٢] وهو لمنافع، والندب والتأديب أعم. ٥ - "الإباحة": ﴿فاصطادوا﴾ [المائدة: آية ٢]. ٦ - "الامتنان": ﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾ [المائدة: آية ٨٨]. ٧ - "الإكرام": ﴿ادخلوها﴾ [الحجر: آية ٤٦]. ٨ - "التهديد": ﴿اعملوا ما شئتم﴾ [فصلت: آية ٤٠]. ٩ - "الإنذار": ﴿قل تمتعوا﴾ [إبراهيم: آية ٣٠] وهو مقرون بالتهديد، والوعيد أعم، ولأنه في ظاهر التحريم والبطلان، والإنذار أعم.

стр. 160

١٠ - "التسخير": ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: آية ٦٥]. ١١ - "التعجيز": ﴿فأتوا بسورة من مثله﴾ [البقرة: آية ٢٣]. ١٢ - "التعجب": ﴿كونوا حجارة أو حديدا﴾ [الإسراء: آية ٥٠]. ١٣ - "الإهانة": ﴿ذق﴾ [الدخان: آية ٤٩]. ١٤ - "التسوية": ﴿فاصبروا أو لا تصبروا﴾ [الطور: آية ١٦]. ١٥ - "التكوين": ﴿كن﴾ [يس: آية ٨٢]. ١٦ - "الدعاء": ﴿ربنا افتح﴾ [الأعراف: آية ٨٩]. ١٧ - "التمني": ألا أيها الليل الطويل ألا اِنْجَل

стр. 161

١٨ - "الاحتقار": ﴿ألقوا ما أنتم ملقون﴾ [الشعراء: آية ٤٣]. وهو أعم من الإهانة، إذ قد يحصل بمجرد الاعتقاد. ثم إنها ليست حقيقة في كلها وفاقًا، لكن قيل هي مشتركة بين الوجوب، والندب، والإباحة والتهديد. وقيل: بين الثلاثة الأول. وقيل: للمشترك بينها. واستدل على فساده بالتفرقة الضرورية بين: "افعل"، و "لا تفعل"، و "إن شئت افعل"، "وإن شئت لا تفعل"، وإن قدر انتفاء القرائن كلها. وهو ضعيف، لحصول التفرقة - أيضًا - على تقدير كون صيغة "افعل" مشتركة، لكونها خاصة به، وأفعل مشترك بينهما وغيره. والأولى: التمسك بمبادرة الفهم إلى معنى الطلب، عند سماعه مجردًا عن القرينة، والتغيير خلاف الأصل. ولأنا أجمعنا على أنه حقيقة في غير الإباحة، والتهديد، فوجب أن لا يكون حقيقة فيهما دفعًا للاشتراك، أو تكثيره. الجمهور: هي حقيقة في الوجوب.

стр. 162

أبو هاشم: في الندب. المرتضى: مشترك بينهما. أبو منصور: للمشترك بينهما. الأشعري، والقاضي، وإمام الحرمين، والغزالي، وبعض فقهائنا: التوقف: التوقف في هذه الأقسام. للأولين: قوله تعالى: ﴿ما منعك ألا تسجد﴾ [الأعراف: آية ١٢] وهو ذم لا استفهام لامتناعه عليه.

стр. 163

ونحوه: ﴿وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون﴾ [المرسلات: آية ٤٨]. واستحقاقهم الويل بسبب التكذيب، لا ينفي استحقاق الذم بترك الركوع، إذ الكافر مخاطب بالفروع. وقوله تعالى: ﴿وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾ [التغابن: آية ١٢]. وهذا الأمر للوجوب إجماعًا، ولأنه هدد على مخالفته، والطاعة: موافقة الأمر، فتكون موافقته واجبة، ولا يرد على هذا: أنه استدلال بالشيء على نفسه. وقوله: ﴿انفروا في سبيل الله أثَّاقلتم إلى الأرض﴾ [التوبة: آية ٣٨]، هددهم وذمهم على ترك ما أمروا به، وإحالته إلى فرضية الجهاد يوجب التعارض، أو خلاف الأصل. وقوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره﴾ الآية، ووجه التمسك به: أن تارك المأمور به مخالف للأمر، إذ هي موافقته، وهي: الامتثال، وهو مستحق للعذاب، لأنه أمر بالحذر منه، وهو إنما يحسن بعد وجود المقتضى له. وإحالته: إلى غير مخالفة لما يسمى أمرا خلاف الظاهر، والدلالة - وإن كانت ظنية لكن المسألة - أيضًا - كذلك، وإن قيل: إنها قطعية، فالمقصود القطع الحاصل من مجموع الأدلة. فإن قلت: (أ) موافقته اعتقاد حقيقته، أو الإتيان بمقتضاه كما يقتضيه. (ب) ثم إنه أمر بالحذر عن المخالفة، لا أنه أمره بالحذر، وفائدته: اتقاء شره، كقوله

стр. 164

تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن﴾ [الأنفال: آية ٢٥]. (ج) ثم إنه أمر للمخالف عن الأمر، لا لمخالف الأمر، وجعل كلمة "عن" صلة: خلاف الأصل. (د) ثم إنه يحسن الأمر بالحذر، للاحتمال، والمسألة اجتهادية. ثم لفظ "الأمر" مفرد، فلا يعم. قلت: عن (أ) ذلك موافقة لدليل حقيقته، لا له، وسبق الذهن إلى ما ذكرناه يلغي ما ذكرتم. وعن (ب) أن الأمة فهمت منه ما ذكرنا، لا ما ذكرتم، ولأن المأمور غير متعين - حينئذ - إذ ليس في الآية سوى المتسللين لواذًا، وهم المخالفون، وحذر الإنسان عن نفسه محال، ولأن فيه إضمار الفاعل، وإسناد الفعل في اللفظ إلى المفعول. ولا يضيع قوله: ﴿أن تصيبهم﴾ [النور: آية ٦٣] كما زعم الإمام، لإمكان جعله مفعولًا لأجله. وعن (ج) أنهما بمعنى، لكن البعد والمجاورة في الأول مدلول عليه مطابقة، وفي الثاني التزامًا، فلا تكون عن صلة. وعن (د) أنه يقبح في العرف بدون المقتضى. وعن الأخير: أنه عام، لصحة الاستثناء، ولترتب الحكم على الوصف، وبالقياس، وبأنه إذا ثبت في البعض: وجب أن يعم، لعدم القائل بالفصل، على أنا نمنع أن المفرد المعرف بالإضافة لا يفيد العموم كالمعرف باللام.

стр. 165

ولأن تارك المأمور به عاص نقلًا - وهو ظاهر - واستعمالًا لقوله: ﴿أفعصيت أمري﴾ [طه: آية ٩٣]، وهو وإن كان حكاية لكنه رتب المعصية على مخالفة الأمر فيهم، ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ [التحريم: آية ٦]، وهو محمول على الماضي، لئلا يلزم التكرار في قوله: ﴿ويفعلون ما يؤمرون﴾، ﴿ولا أعصي لك أمرًا﴾ [الكهف: آية ٦٩] واشتقاقًا: لأن تركيبه يدل على الامتناع، قال ﵇: "لولا أنا نعصي الله لما عصانا". أي: لم يمتنع من إجابتنا، والعصا إنما سمي به، لأنه يمتنع بها، وكذا الجماعة: يقال: شققت عصا المسلمين، وهذا كلام يستعصي على الحفظ، وحطب يستعصي على الكسر، والعاصي يستحق النار بالنص. فإن قلت: لو صحَّ ما ذكرتم لما صح تقسيم الأمر: إلى إيجاب وندب، وآية العقاب

стр. 166

مختصة بالكفار، لقرينة الخلود. قلت: جعل ذلك مجازًا محافظة على عموم آية الخلود، أولى من جعل المستحب مأمورًا به، محافظة على صيغ الأوامر، لأنه أحوط، ولأن الاستحباب لازم الوجوب، من غير عكس، ولقلة مخالفة الأصل إذ يلزم على الثاني التجوز والتخصيص، والخلود ليس بمعنى الدوام حتى يكون قرينة. وقوله تعالى: ﴿وما كان لمؤمن ولما مؤمنة إذا قضى الله﴾ [الأحزاب: آية ٣٦]. ووجه التمسك به: أنه نفى الخيرة من أمر قضاء الله ورسوله، أي: عينه، ووجهه نحو المكلف، وهو بالوجوب. ولأنه ترك ممن أمرهم النبي ﷺ بأمر مخالفيه وقوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ [الناس: آية ٦٥]. المراد بقوله: ﴿مما قضيت﴾ أي: أمرت، نقلًا عن أئمة التفسير، ويشهده القضية

стр. 167

التي نزلت فيها، وإذا لم يوجد فيها سوى الأمر، وهو يفيد المبالغة في الوجوب. وفيه نظر بين. وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله﴾ [الأنفال: آية ٢٤]. ووجه التمسك به: أنه فهم الرسول والصحابة منه الوجوب، إذ روى أنه ﷺ : دعا أبا سعيد فلم يجبه، لأنه كان في الصلاة، فقال له: "ما منعك أن تستجيب وقد سمعت النص".

стр. 168

فلولا أن الأمر للوجوب، لما صح ذلك، إذ الصلاة عذر في ترك كلام لا يجب، فهو إذا ذم، أو سؤال عن عذر يسوغ ترك واجب، وعلى التقديرين يفيد الوجوب، ويجوز التمسك بخبر الواحد، لما سبق، ولكونه وسيلة إلى العمل. وإحالة الوجوب إلى قرينة التعظيم: يقتضي وجوب كل أمر لله ورسوله، وإلى قرينة قوله: ﴿لما يحييكم﴾ [الأنفال: آية ٢٤] أيضًا كذلك وإن كان ذلك لازمًا لكل أوامره، وإلا: كان للمدعي أن يقول: الوجوب بشرط، ولم أعلم تحققه. وأيضًا قوله ﷺ : "لولا أن أشق ... " الحديث. وهي لانتفاء الشيء لوجود غيره، والسواك مندوب مع وجود المشقة. فلا يكون المندوب مأمورًا به.

стр. 169

وأورد: (أ) بأنه لا يلزم منه نفي أمر الله تعالى إلا بعد تلازمهما. (ب) ثم إنه يفيد أن بعض المندوب ليس بمأمور به، لأنه قياس من الثالث، والخصم يقول به، إذ هو أعم منه مطلقًا، أو من وجه. (ج) ثم إنه لقرينة المشقة، لأن فيه المشقة، دون الندب. وأجيب: عن (أ): بتلازم الطاعتين والمعصيتين إجماعًا. وعن (ب) أن عمومه باعتبار اللفظ، لثبوت الندبية بغير صيغة الأمر، دون المعنى، لأن معناه عند من يقول: إنه للندب، وظاهر أن المنفي - لوجود المشقة - ليس هو الصيغة، بل معناها، وذلك يفيد أنها ليست للندب. وعن (ج) أن إطلاقه يقتضي انتفاء مطلق الأمر، لوجود المشقة وإحالته إلى قرينة المشقة يقتضي تقييده بأمر وجوب، وهو خلاف الأصل. وأيضًا قوله ﷺ لبريرة: "إنَّما أَنَا شَافِعٌ ... ".

стр. 170

مع نفي الأمر يدل عليه. وأورد: "أ" أن سؤالها عن الأمر طلبًا للثواب بطاعته، فلما نفى الأمر علمت أن لا ثواب، والشفاعة لمصلحة دنيوية، ولهذا قال: "أبو أولادك". "ب" ثم إنه بقرينة نفي الأمر، وإثبات الشفاعة. وأجيب: عن (أ): أن إجابة شفاعته ﵇ مندوب، وإن كان لمصلحة دنيوية. وعن (ب): ما تقدم. والأقوى: إجماع الصحابة، إذ التمسك بمطلقه على الوجوب شائع متكرر فيما بينهم، من غير نكير، كما في أخبار الآحاد، والقياس: تمسك الصديق، بـ ﴿وءاتوا الزكاة﴾ [البقرة: آية ٤٣]. والفارق بقوله: "سنوا ... ".

стр. 171

ولتمسكهم بقوله: "فليصلها إذا ذكرها". "فليغسلها سبعًا ... " "وابدءوا بما بدأ الله". "إلا من لم يأكل فليصم، ومن أكل فليمسك".

стр. 172

فكان إجماعًا. فإن قلت: يعتقدوه في مثل قوله: ﴿فاصطادوا﴾ [المائدة: آية ٢]، ﴿واستشهدوا﴾ [البقرة: آية ٢٨٢]، ﴿فانكحوا﴾ [النساء: آية ٣]، وحينئذ ليس إحالة عدم الوجوب إلى القرينة أولى من إحالة الوجوب إليها، بل الثاني أولى لعدم التعارض. قلت: بل الأول أولى، وإلا: لكان الدليل في أخذ الجزية عن المجوس غير الخبر، فكان يجب اشتهاره، إذ العادة تحيل إخفاء مثله ولأنه حينئذ أمكن جعله مجازًا في غيره، من غير عكس، وللاحتياط. و-أيضًا- الوجوب معنى تمس الحاجة إليه، فكان له لفظ مفرد، إذ هو أخف، لما سبق. ومثله مندفع لأن الترجيح معنا. وكذا النقض: بأنواع الروائح، والاعتمادات، والحال، والاستقبال، لحصول الفرق، واشتهاره بحيث يعرف كل واحد إنما يجب لو سلم، عن المعارض الشديد الالتباس به. و-أيضًا- حسن ذم السيد عبده بترك ما أمره به - يدل عليه. فإن قلت: لعله لقرينة، أو لأن الشارع أوجب طاعة السيد، ولهذا لا يذم في معصيته. ثم إنه معارض: بما أنه لا يذم تارك المندوب المأمور به. قلت: تقليل حسن الذم بمجرد ترك ما أمر به ينفيه، والشارع إنما يوجب طاعته فيما

стр. 173

يوجبه السيد دون غيره، وإنما لا يذم في معصيته لانتفاء شرط الوجوب، ولا نسلم أن المندوب مأمورًا به حقيقة، و-أيضًا- لو كان للندب فقط، لزم أن لا يكون الواجب مأمورًا به، وهو خلاف الإجماع. والمثل مندفع، لأنا نمنع نفي اللازم إجماعًا، لأن كثيرا منهم حرصوا: بأن المندوب غير مأمور به، أو كان له، وللوجوب باشتراك لفظي، وهو خلاف الأصل، أو معنوي، فلا يمكن جعله مجازًا في الوجوب، لأنه غير لازم له، أو وإن أمكن كان عكسه أولى، فتعين أن يكون للوجوب فقط. و-أيضًا- يفيد رجحان مصلحة الوجود على مصلحة الترك وإلا: لزم العبث، أو الأمر بالمفسدة، فكان مانعًا منه، وإلا: لزم الإذن في ترك المصلحة الخالصة، وأنه قبيح عرفًا، فكذا شرعًا، للحديث، ترك العمل به في المندوبات، فيبقى فيما عداها. ولا يقال: إلزام المكلف استيفاء المصلحة لنفسه قبيح عرفًا، فكذا شرعًا، لأنا نمنع ذلك مطلقًا، وهذا لأنه لا يقبح ذلك، ولأن هذا ينفي أصل التكليف. وأورد عليه: لما انتقض كل منهما وجب الترجيح. وأجيب: بأن أعمال العرف الأوّل، أولى، لانتقاضه ببعض التكاليف الفرعية، بخلاف الثاني، فإنه منتقض بجميعها والأصولية. و-أيضًا- يفيد رجحان الوجود وفاقًا، والمنع من الترك أفضى إليه، المفضي إلى الراجح راجح، فالمنع منه راجح، فيجب العمل به نصًا، وقياسًا على الفتوى،

стр. 174

والشهادة وقيم المتلفات وأروش الجنايات لأن العمل بالمرجوح ممتنع عقلًا. و-أيضًا- طريقة الاحتياط، دليل وجوبها قوله ﵇: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". ولأن ترجيح الأمن على الخوف من مقتضيات العقول، ومحذور الاعتقاد مشترك. و-أيضًا- القياس على النهي بجامع تكميل مقصود المتكلم والخلاف في عدم تحريمه شاذ. و-أيضًا- الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده، فيكون الترك محرمًا، والفعل واجبًا، وهو دور. أدلة القائلين بالندب والتوقف والاشتراك واحتجوا:

стр. 175

أن العلم بكونه للوجوب ليس عقليًّا، إذ لا مجال له في اللغة. ولا نقليًّا: متواترًا، وإلا: لارتفع الخلاف، ولا آحادًا، إذ المسألة علمية، وهو لمن نفى الدراية، وإلا: فكل من ادعى الوضع لمعين فهو وارد عليه. وأجيب: أنه يعلم بالمركب - كما سبق -، ثم يمنع أن المسألة علمية و -أيضًا- قوله ﵇: "إذا أمرتكم ... " الحديث. وجه الأمر، وفوضه إلى الاستطاعة، فدلّ على أنه للندب. وأجيب: بمنعه، بل يفيد المبالغة التامة في الإتيان، وهو دليل الوجوب. و-أيضًا- قالوا: لا فرق بين السؤال والأمر، إلا: الرتبة، والسؤال لا يفيده. وأجيب: لعله من لوازم الصيغة والرتبة. وما قيل: إنه يفيد الإيجاب - أيضًا- وإن لم يفد الوجوب إذ السائل قد يقول: "أعطني ألبتة ولا تخيب رجائي" فعضفه بين.

стр. 176

الدليل الثالث للقائلين بالندب و-أيضًا- ورد في الكتاب وغيره بمعنى الوجب، والندب، والأصل الحقيقة الواحدة. وأجيب: بأن المجاز قد يصار إليه لقيام الدلالة، عليه، وبأنا لو جعلناه حقيقة في الوجوب لأمكن جعله مجازًا في المشترك بينهما من غير عكس، فكان أولى. و-أيضًا- لو جعل للوجوب فاستعماله في المشترك ترك لمعناه من غير عكس، فكان أولى. الدليل الرابع للقائلين بالندب وأجيب: بأن حمله على الوجوب أكثر فائدة، وأوفق لعمل الصحابة، وأحوط وإعمالًا لأكثر الأدلة، فكان أولى. و-أيضًا- استعمل فيهما، فكان حقيقة فيهما، ولأن الذهن متردد بينها عند سماعه مجردًا عن القرينة، فكان مشتركًا بينهما. وأجيب: بمنع كونه دليل الحقيقة مطلقًا، وبمنع تردد الذهن، بل المتبادر: الوجوب، بدليل: حسن ذم السيد لعبده بمجرد مخالفته.

стр. 177

مسألة الأمر بعد الحظر كقبله وقيل: للإباحة. وقيل: إن علقت الصيغة بزوال علة الحظر فهو كرفعه، فيترجح إلى ما قبله في العرف، وإلا فللوجوب. لنا: ما سبق وتقدم الحظر ليس بمعارض، إذ يجوز التصريح بالوجوب معه بلا تناقض، ولا مخالفة دليل. لهم: نحو: ﴿وإذا حللتم﴾ [المائدة: آية ٢]، والعرف، إذ لا يفهم منه إلا: إزالته. وجوابه: أن الحمل على التجوز أولى من مخالفة الأدلة، ثم هو معارض بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ [التوبة: آية ٥]، ﴿ولا تحلقوا رءوسكم﴾ [البقرة: آية ١٩٦]. وقوله ﵇: "نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" وهي مندوبة.

стр. 178

وعن العرف: بمنعه، وأسند باخرج إلى المكتب، واقصد بعد النهي عنهما، ثم بإحالته إلى القرينة. تنبيه: النهي بعد الأمر كالأمر بعده. وقيل: مرتب عليه، فإن الأصح فلعله؛ لأن النهي استعمل في الإباحة. مسألة الأمر لا يدل على التكرار فقيل: يدل على الواحد لفظًا, والأصح: معنى. وقال الغزالي وإمامه: إنه للواحدة معنى، وما زاد فمتوقف فيه.

стр. 179

وقال الأستاذ وبعض الفقهاء: إنه للتكرار بحسب ما يمكن. وقيل: مشترك بينهما. وقيل: بالتوقف. وقيل: للتكرار فيما له غاية يمكن إيقاعه في جميع العمر، دون غيره. المكرر: الاستعمال فيه، لا سيما كثيرًا، وتمسك الصديق بلا نكير من غيره. وأنه لو لم يحمل عليه لزم الإجمال، إذ ليس بعض الزمان أولى من الآخر. وقياس الأمر على النهي بجامع تكميل الغرض، وقياس الفعل على الاعتقاد. وأن ضده منهي عنه على التكرار، وهو يقتضي تكرره. ولأنه لو لم يدل عليه لما جاز النسخ، والاستثناء للبداء، واستحالة استثناء الواحد، ولكان قوله: "صل مرة واحدة أو مرارًا": تكرارًا أو نقصًا. أو أحوط. وقوله ﵇: "فأتوا منه ما استطعتم" والتكرار بحسب ما يمكن مستطاع، وسؤال عمر ﵁ للنبي ﵇ لما رآه قد جمع بطهارة واحدة بين الصلوات: أعمدًا فعلت يا رسول الله؟ فقال: "نعم".

стр. 180

ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من النص، لما كان للسؤال معنى. وأيضًا - أُتيَ بشارب الخمر: قال ﷺ : "اضربوه". فكرروا عليه الضرب، ولولا فهموا منه التكرار، لما كرروا عليه الضرب، ولأنكر عليهم. -وأيضًا- يدل على التكرار عرفًا، كما في قولهم: خالط الناس بحسن السيرة. وأجيب: عن الأوّل: بمنع استعماله فيه مجردًا عن القرينة سلمنا، لكنه مجاز، جمعًا بين الدليلين. وعن الثاني: منع أن ذلك بمجرده. وعن الثالث: منعه، لأنه محمول على أول الزمان، ... أو على ما شاء، ولا إجمال على التقديرين. وعن الرابع: منع حكم الأصل، ثم بمنع القياس في اللغات، ثم بالفرق، وهو أن الانتهاء متيسر من غير مشقة، ولا تعطيل الحوائج، بخلاف امتثال الأمر. وبه خرج الجواب عن القياس الآخر، و- أيضًا - فإن ذلك ليس مقتضى الأمر، بل غيره، ولأن النهي يقتضي عدم إدخال الماهية في الوجود، وهو بالكف عنه دائمًا، والأمر يفيد إدخال الماهية في الوجود، وهو لا يقتضي ذلك، ولأن الأمر نقيض النهي، ونقيض الكلي للجزئي.
следующие страницы →