Полный текст (825 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الدليل الثالث للقائلين بالندب
و-أيضًا- ورد في الكتاب وغيره بمعنى الوجب، والندب، والأصل الحقيقة الواحدة.
وأجيب: بأن المجاز قد يصار إليه لقيام الدلالة، عليه، وبأنا لو جعلناه حقيقة في الوجوب لأمكن جعله مجازًا في المشترك بينهما من غير عكس، فكان أولى.
و-أيضًا- لو جعل للوجوب فاستعماله في المشترك ترك لمعناه من غير عكس، فكان أولى.
الدليل الرابع للقائلين بالندب
وأجيب: بأن حمله على الوجوب أكثر فائدة، وأوفق لعمل الصحابة، وأحوط وإعمالًا لأكثر الأدلة، فكان أولى.
و-أيضًا- استعمل فيهما، فكان حقيقة فيهما، ولأن الذهن متردد بينها عند سماعه مجردًا عن القرينة، فكان مشتركًا بينهما.
وأجيب: بمنع كونه دليل الحقيقة مطلقًا، وبمنع تردد الذهن، بل المتبادر: الوجوب، بدليل: حسن ذم السيد لعبده بمجرد مخالفته.
стр. 177
مسألة
الأمر بعد الحظر كقبله
وقيل: للإباحة.
وقيل: إن علقت الصيغة بزوال علة الحظر فهو كرفعه، فيترجح إلى ما قبله في العرف، وإلا فللوجوب.
لنا: ما سبق
وتقدم الحظر ليس بمعارض، إذ يجوز التصريح بالوجوب معه بلا تناقض، ولا مخالفة دليل.
لهم: نحو: ﴿وإذا حللتم﴾ [المائدة: آية ٢]، والعرف، إذ لا يفهم منه إلا: إزالته.
وجوابه: أن الحمل على التجوز أولى من مخالفة الأدلة، ثم هو معارض بقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ [التوبة: آية ٥]، ﴿ولا تحلقوا رءوسكم﴾ [البقرة: آية ١٩٦].
وقوله ﵇: "نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" وهي مندوبة.
стр. 178
وعن العرف:
بمنعه، وأسند باخرج إلى المكتب، واقصد بعد النهي عنهما، ثم بإحالته إلى القرينة.
تنبيه:
النهي بعد الأمر كالأمر بعده.
وقيل: مرتب عليه، فإن الأصح فلعله؛ لأن النهي استعمل في الإباحة.
مسألة
الأمر لا يدل على التكرار
فقيل: يدل على الواحد لفظًا, والأصح: معنى.
وقال الغزالي وإمامه: إنه للواحدة معنى، وما زاد فمتوقف فيه.
стр. 179
وقال الأستاذ وبعض الفقهاء: إنه للتكرار بحسب ما يمكن.
وقيل: مشترك بينهما.
وقيل: بالتوقف.
وقيل: للتكرار فيما له غاية يمكن إيقاعه في جميع العمر، دون غيره.
المكرر:
الاستعمال فيه، لا سيما كثيرًا، وتمسك الصديق بلا نكير من غيره.
وأنه لو لم يحمل عليه لزم الإجمال، إذ ليس بعض الزمان أولى من الآخر.
وقياس الأمر على النهي بجامع تكميل الغرض، وقياس الفعل على الاعتقاد.
وأن ضده منهي عنه على التكرار، وهو يقتضي تكرره.
ولأنه لو لم يدل عليه لما جاز النسخ، والاستثناء للبداء، واستحالة استثناء الواحد، ولكان قوله: "صل مرة واحدة أو مرارًا": تكرارًا أو نقصًا. أو أحوط.
وقوله ﵇: "فأتوا منه ما استطعتم" والتكرار بحسب ما يمكن مستطاع، وسؤال عمر ﵁ للنبي ﵇ لما رآه قد جمع بطهارة واحدة بين الصلوات: أعمدًا فعلت يا رسول الله؟ فقال: "نعم".
стр. 180
ولولا أنه فهم تكرار الطهارة من النص، لما كان للسؤال معنى.
وأيضًا - أُتيَ بشارب الخمر: قال ﷺ : "اضربوه".
فكرروا عليه الضرب، ولولا فهموا منه التكرار، لما كرروا عليه الضرب، ولأنكر عليهم.
-وأيضًا- يدل على التكرار عرفًا، كما في قولهم: خالط الناس بحسن السيرة.
وأجيب:
عن الأوّل: بمنع استعماله فيه مجردًا عن القرينة سلمنا، لكنه مجاز، جمعًا بين الدليلين.
وعن الثاني: منع أن ذلك بمجرده.
وعن الثالث: منعه، لأنه محمول على أول الزمان، ... أو على ما شاء، ولا إجمال على التقديرين.
وعن الرابع: منع حكم الأصل، ثم بمنع القياس في اللغات، ثم بالفرق، وهو أن الانتهاء متيسر من غير مشقة، ولا تعطيل الحوائج، بخلاف امتثال الأمر.
وبه خرج الجواب عن القياس الآخر، و- أيضًا - فإن ذلك ليس مقتضى الأمر، بل غيره، ولأن النهي يقتضي عدم إدخال الماهية في الوجود، وهو بالكف عنه دائمًا، والأمر يفيد إدخال الماهية في الوجود، وهو لا يقتضي ذلك، ولأن الأمر نقيض النهي، ونقيض الكلي للجزئي.
стр. 181
وعن الخامس: منع أنه نهى عن ضده، سلمناه، لكن بحسب ما يقتضي الإيجاب، فهو إذا فرعه، فإثباته به دور.
عن السادس: بمنع الملازمة، فإن نسخ الشيء قبل فعله جائز، والاستثناء إنما هو بمنع فعله في وقت يصح فعله فيه، سلمناه، لكن التكرار لقرينة النسخ والاستثناء.
وعن السابع: بمنعه، فإنه تأكيد دافع لاحتمال التجوز، وقرينة دالة على إرادة المجاز، ثم إنه معارض بعكسه.
وعن الثامن: بمنعه، فإن ترك التكرار قد يكون أحوط، ثم إنه معارض بما فيه من الأضرار، وتكثير مخالفة البراءة الأصلية.
وعن التاسع: أنه إنما يدل أن لو ثبت أن التكرار مأمور به، فإثبات أنه كذلك به دور.
وعن العاشر وما يليه: أنه لقرينة المداومة على ذلك. والحد: فإنه للزجر، ولا يحصل بمرة واحدة.
وعن الأخير: أنه لقرائن، وهي ظاهرة.
ولمن قال: إنه للمرة الواحدة:
أنه استعمل فيها فيكون حقيقة.
وأن صيغة الماضي والمضارع كقوله: "صام"، أو "تصوم" لا يفيد إلا المرة الواحدة، وإن كانت إنشاء فكذا الأمر، لأن نسبة المصدر إليهما، وإلى الأمر سواء. وإنه لو لم يفد المرة - وقد ثبت أنه لم يفد التكرار - فيكون للقدر المشترك بينهما، فيكون مجملًا، وهو خلاف الأصل والإجماع. وأنه لو قال لغيره: طلق زوجتي، لم يملك إلا: "طلقة" واحدة، وذلك يدل على أنه حقيقة فيها.
وأجيب: عن "الأوّل": بأنه حقيقة فيها بحسب المشترك، لا الخصوصية، وإن ادعى ذلك فممنوع، ولو سلم فمعارض بمثله، والترجيح معنى، لأنه متواطئ.
وعن الثاني: أنا نسلم ذلك، لكن لا بحسب الوضع، ولذلك لو فسره بالتكرار لم يعد مناقضًا، بل لأن صدقه يتوقف عليه، والأصل عدم غيره.
стр. 182
وعن الثالث: بمنع أنه خلاف الأصل نظرًا إلى الوضع، والإتيان بالمرة الواحدة، إنما وجب - وإن لم يكن هناك قرينة - لما مرَّ، وإذا لم يكن مانعًا من العمل، لم يكن خلاف. وبه خرج جواب الرابع.
وللغزالي وإمامه:
بأن الصيغة مشتقة من المصدر، وهو محتمل للقليل والكثير، ولا بد من المرة الواحدة على التقديرين، فيجب الإتيان بها، والتوقف في الزائد عليها.
وأجيب: بأن الأصل براءة الذمة، وذلك يمنع من التوقف في الزائد عليها، وإلا: لزم تكليف ما لا يطاق.
ولمن قال بالاشتراك:
"أنه سئل ﵇: أحجنا لعامنا هذا أم للأبد".
الحديث، وحسن السؤال دليل الاشتراك، ولأن قوله ﷺ : "لو قلت نعم: لوجبت"
إنما هو بطريق البيان، وإلا: لزم النسخ، فيكون محتملًا لها.
و-أيضًا- استعمل فيهما، فيكون حقيقة.
стр. 183
ولأنه يحسن الاستفهام من الأمر، وهو دليل الاشتراك.
و-أيضًا- الماضي مشترك بين الدعاء والخبر، والمضارع بين الحال والاستقبال.
فيكون الأمر -أيضًا- مشتركًا بين المرة والتكرار، وإلحاقًا للفرد بالأعم والأغلب.
وأجيب: بمنع أن حسن السؤال دليل الاشتراك، سلمناه، لكنه معنوي لا لفظي، وبه خرج جواب التقدير الثاني.
وعن الثاني: أن الاستعمال دليل الحقيقة بشرط عدم الاشتراك.
وعن الثالث: بمنعه، على ما ستعرف سنده.
وعن الرابع: بمنع الحكم في المقيس عليه، ثم بمنع الاشتراك فيما ذكره.
والمختار: أنه للمشترك بينهما، وأن المرة الواحدة لا بد منها، من جهة المعنى، وخصوصية التكرار محتمل تجوزًا، فإن اقترن به ما يدل عليه، وإلا: وجب نفيه ظاهرًا. لأنه ورد فيهما، والاشتراك والمجاز خلاف الأصل.
و-أيضًا- قالوا: لا فرق بين افعل، ويفعل، إلا: أن الأوّل طلب دون الثاني، وصدقه ولو بمرة، دون التكرار، فكذا الأمر، وإلا: يحصل فرق آخر.
-وأيضًا- كونه لتكرار يقتضي النسخ، وللمرة الواحدة أن لا يجوز استعماله في التكرار، لكونه غير لازم لها، أو وإن جاز، لكن العكس أولى، ولهما خلاف الأصل، فتعين أن يكون للمشترك بينهما، وإلا: لزم إهماله، وهو خلاف الإجماع.
مسألة
مطلق الأمر
إذا لم يفد التكرار بقى الأمر المعلق بشرط أو صفة أو المضاف إلى وقت عند تكرره.
ثالثا: أنه يفيد معنى.
стр. 184
وقيل: إن عرف أنه علة إفادة إجماعًا، وإلا: فالأصح أنه لا يفيده من جهة أنه أمره، لما سبق، ولا في جهة التعليق، إذ قد يكون لغير علة فلا يلزم من تكرره تكرره، ولا من حيث المجموع وإلا: لزم التخلف في مثل قوله:
إن دخلت السوق فاشتر اللحم, وإن دخلت الدار فأنت طالق، وأنه خلاف الأصل، ولأن إجراءه غير مناسب لذلك.
-وأيضًا-: لا يدل عليه بلفظه، إذ لا يدل إلا: على تعليق وجوده بوجوده، وهو أعم منه، ولا بمعناه، لإمكان تحققه بدونه، من غير مخالفة ظاهر، إذ الأصل عدمه.
و-أيضًا-: لا يدل عليه بلفظة، إذ لا يدل إلا: على تعليق وجوده بوجوده، وهو أعم منه، ولا بمعناه، لإمكان تحققه بدونه، من غير مخالفة ظاهر، إذ الأصل عدمه.
و-أيضًا-: الخبر المعلق بالشرط أو الصفة لا يفيده، فكذا الأمر، بجامع دفع الضرر الناشئ من التكرار.
واحتجوا:
بالاستعمال فيه: وبأن الحكم يتكرر بتكرر العلة باتفاق القائمين، فالمعلق عليه، إن كان علة فظاهر، وإن كان شرطًا فكذلك، لأن علل الشرع علامات، والشروط - أيضًا - علامات.
وبقياس الأمر المعلق على النهي المعلق.
ولأن المعلق بالشرط نسبته إلى جميع أفراد الشرط على السواء، فعدم ثبوته في شيء منها باطل وفاقًا، فتعين ثبوته في كله.
وبأن تعليقه على الشرط الدائم موجب لدوامه، كما لو قال: "إذا جاء العام الفلاني فصمه"، فإنه يدوم بدوام العام، فكذا في المتكرر، لأنه بمعناه.
وأجيب:
بمنع استعماله في خصوص التكرار، وهذا التواطؤ خير من الاشتراك، والمجاز والتكرار إنما هو منفصل.
وعن الثاني: بمنع أنها علامات، بل هي موجبات بجعل الشارع، سلمناه، لكن لا بذلك المعنى، بل بغيره، سلمناه، لكن اشتراكهما في ذلك لا يوجب اتحداهما في الماهية.
وعن الثالث: بمنعه إن لم يقل: بتكرره قبل التعليق، ثم إنه قياس في اللغة.
стр. 185
وعن الرابع: بمنع استواء النسبة فإن الشرط الأول أولى: إن قيل: بالفوز وإلا:
فالذي يغلب على الظن أنه لو لم يشتغل به عند لغاته.
وعن الخامس: بمنع أنه بمعناه.
مسألة
بعض من لم يقل بالتكرار قال بالفور
بعض من لم يقل بالتكرار: كالحنفية، والظاهرية والحنابلة، وبعض المعتزلة، وأبي حامد المروروذي.
والصيرفي - منا - قال: بالفور.
وقال الشافعي، ومعظم أصحابه، كابن أبي هريرة، وابن خيران، وأبي
стр. 186
علي الطبري، والقفال، والغزالي، والإمام، والقاضي أبو بكر.
والجبائيان، والبصري - بجواز التأخير عن أول الوقت، والمبادر ممتثل كالمؤخر - وهو المختار -.
وقيل: إنه للتراخي، فالمبادر ليس بممتثل، قيل: هو خرق للإجماع.
وقيل: بتوقف الاشتراك.
وقيل: باللادراية مطلقًا فيتوقف في المبادر.
стр. 187
وقيل: في امتثال المؤخر مع تأثيمه.
وقيل: بعدمه.
وقيل: بالتوقف فيه.
لنا: أنه ورد فيهما، ولأصل الحقيقة الواحدة.
و-أيضًا- دلالته على أصل الطلب متيقنة، والأصل عدم دلالته على غيره.
و-أيضًا- دليل التناقض والتكرار.
-وأيضًا- لم يدل عليه، لمصدره، لعدم دلالته، وما اشتق منه عليه، ولا لخصومة مطابقة، ولا تضمنًا، لما عرف معناه في حده، ولا التزامًا، لأن ذلك المعنى لا يستلزم الفور، ولا التراخي، فلم يدل عليه أصلًا.
و-أيضًا- صحة تقسيمه إليهما يدل على أنه لمشترك بينهما.
للفور: قوله تعالى: ﴿ما منعك﴾ [الآية: آية ١٢].
ذمه على تركه في الحال، إذ تركه بالكلية لم يتحقق ما دام باقيًا.
-وأيضًا-: "اسقني الماء" يفهم منه الفور.
و- أيضًا -: قياس الفعل في الاعتقاد، فإنه يجب على الفور وفاقًا بجامع تحصيل المصلحة الناشئة من المسارعة، وقياسه على النهي بالجامع المذكور.
و- أيضًا - طريقة الاحتياط.
و-أيضًا- آيتا الاستباق، والمغفرة.
ولأن التأخير لو جاز، فإما: إلى بدل، أو لا إلى بدل، وهما باطلان، لما سبق في
стр. 188
الموسع.
و-أيضًا-: لو جاز فإما "لا" إلى غاية، أو غاية غير معلومة، أو معلومة غير زمان يظن المكلف أنه لو لم يشتغل به لفاته - باطل إجماعًا، فهو إذن، فإن لم يكن لأمارة فلا عبرة به، أو لها كانت هي: المرض الشديد، أو الكبر وفاقًا - لكن كم من شاب يموت فجأة، وذلك ينفي الوجوب، مع أن ظاهر الأمر يقتضيه.
ولأن الأمر: استدعاء فعل بقول، فيقتضي التعجيل، كالإيجاب في البيع.
وأجيب:
عن الأوّل: بأنه حكاية حال، فلعله كان مقرونًا بما يدل عليه.
وزيف: بما سبق في الوجوب، وبمنع أنه ذم عليه، بل على الثاني، والاستكبار.
وزُيِّف: بأن الظاهر يدل على ترتيب الذم على تركه، لا على ما ذكرتم، وبأنه صدر منه أمران: الترك والاستكبار، ورتب عليه أمران: الذم والكفر، فإحالتهما إلى واحد خلاف الظاهر.
وصححه: أنه كان مقرونًا بما يدل على الفور، قال الله تعالى: ﴿فإذا سويته﴾ [الحجر: آية ٢٩].
جعل جزءًا للشرط، وهو يقع عقيبه.
وعن الثاني: لقرينة السقي، فإنه لو أمر بما لا يظن حاجته إليه حالًا لا يفهم منه ذلك.
وعن القياسين: ما سبق في الوجوب، ثم الأول منقوض بما لو صرح بجواز التأخير والنذر والكفارة.
стр. 189
وعن الرابع: المعارضة بالضرر الناشئ عن إيجابه فورًا.
وقد أجيب عنه: بالنقض بقوله: "افعل في أي وقت شئت".
وبأن الاحتياط في اتباع المكلف ظنه، لا في الفور، فإنه لو فعله فورًا مع ظن تراخيه كان حرامًا.
وتزييف الأوّل ظاهر، وكذا الثاني, إذ لا يلزم من عدم كونه احتياطًا - إذ ذاك - عدم كونه احتياطًا مطلقًا، ولأنه يقدح في طريقة الاحتياط بأسرها.
وعن الخامس والسادس: ما سبق في الموسع، ويخص الخامس أنها دلالة خارجية عن نفس اللفظ.
وعن السابع: النقض بما لو صرح بجواز التأخير، وبالنذر والكفارة.
وعن الأخير: أنه قياس في اللغة، سلمناه لكن الجامع طردي، ثم بالفرق: فإنه استدعاء قول يقول، والفور معتبر فيه ليعد جوابًا.
للتراخي: ووجوبه في آخره مقطوع به، وفي غيره مشكوك فيه، فيحمل عليه أخذًا بالمقطوع، وطرحًا للمشكوك.
وأجيب: بمنعه فإنه واجب في جزء منه: كان، أوسطًا، أو آخرًا، وتقضيه إنما هو فيه، فلا يتعين له قبل التضييق.
ثم هو في مقابلة الإجماع، ثم إنه قد يفضي إلى تركه بالكلية، ثم إنه منقوض: "افعل أي وقت شئت".
стр. 190
أدلة من قال إنه للاشتراك
للاشتراك: الاستعمال، وحسن الاستفهام وقد سبق جوابهما.
فرع
إذا لم يفعل فورًا
وقيل: لا يجب، ما لم يرد آخر.
وقيل: يجب آداء كالرازي.
وقيل: قضاء كالمؤقتة إذا أفاتت.
أدلة الرازي ومناقشتها
للرازي: أنه لو قال: "افعل في أوله، وإلا: ففيها بعده" فإنه ليس بقضاء فيه، فكذا هذا، إذ هو في معناه.
وأجيب: بمنعه، ولو سلم ففي أصل الفعل دون وصفه.
وحجة الآخرين يعرف من بعد.
مسألة
المؤقتة إذا فاتت فالقضاء بأمر جديد
وقيل: الأوّل.
стр. 191
وقيل: بالقياس على الفوائت المقضية.
لنا: إيجابه الأوّل: يستلزم الترك بالدليل كما في الجمعة وبالثاني: لا، فكان أولى.
ولأنه لا يدل على وجوب الفعل فيما بعده بطريق المطابقة، ولا التضمن، وهو ظاهر، ولا بطريق الالتزام، إذ شرطه أن يستلزمه المعنى بحيث لو صرّح به بنفيه معه لما صحَّ، وليس كذلك، لأنه لا منافاة في قوله: "صم يوم الجمعة؛ فإن فات عنك لمرض أو نسيان فال يجب عليك صوم يوم آخر".
و-أيضًا- لو كان بالأمر الأول، لكان مثل قوله ﷺ : "من نام عن صلاة" الحديث.
محمولًا على التأكيد، ولو كان بأمر جديد، كان محمولا على التأسيس، فكان أولى.
و-أيضًا-: القياس على المقيدة بالمكان والأشخاص، وببعض المختص بالزمان، والنهي بجامع دفع ضرر وجوب القضاء.
ولأن تخصيص الفعل بوقت مانع من إيقاعه قبله، فكذا بعده، مقتضى هذا أن لا يشرع القضاء أصلًا، لكن ترك العمل به للتصريح فيبقى معمولًا به في غيره.
ولأن أفعاله وأحكامه إن كانت معللة بالمصالح: لم يجب القضاء بالأوّل، لعدم القطع بحصول تلك المصلحة فيما بعده، وإلا: فكذلك لأنه يجوز أن يكون مراده فيه دون غيره.
أدلة المخالف ومناقشتها
احتجوا:
بقوله ﷺ : "إذا أمرتكم ... " الحديث، والفعل في غيره مستطاع، فيجب.
وأجيب: بأنه دور.
-وأيضًا-: الوقت للعبادة كالأجل للدين، فلا يسقط بفواته.
وأجيب:
بمنعه، وهو ظاهر.
و-أيضًا-: الأمر الأول دل على أصل الفعل، وعلى كونه في ذلك الوقت، ففوات
стр. 192
خصوصه لا يوجب فوات عمومه.
وأجيب: بأن العبادة إن شرعت فيه لمعنى لا يوجد في غيره:
وجب أنه لا يشرع القضاء في غيره، وإلا: وجب أن لا يختص، ثم هو منقوض بالمقيد بالمكان والأشخاص والجمعة.
و-أيضًا-: لو كان بأمر آخر لكان أداء لا قضاء.
وأجيب:
بمنع الملازمة، فإنه إذا شرع لاستدراك مصلحة الفائت كان قضاء، لا أداء.
و- أيضًا -: الوقت من ضرورات الفعل المأمور به، فلا يوجب فواته.
وأجيب:
بأن مطلقه من ضروراته، وفواته غير متصور دون مخصوصه، بل هو جزء مقتضاه.
مسألة
الإتيان بالمأمور به يقتضي الإجزاء
خلافًا للجبائين، والقاضي منهم.
تحرير محل النزاع في هذه المسألة:
قيل: الخلاف فيه: بمعنى سقوط القضاء، وهو الأظهر، وهو مصرح به في كلام القاضي والغزالي وغيره، وقالوا: لا خلاف فيه بمعنى سقوط التعبد.
стр. 193
وقيل: الخلاف فيه بهذا المعنى، وعليه يدل كلام إمام الحرمين والإمام.
أدلة الجمهور
لنا: أنه أتى بما أمر به، فيجب أن يسقط القضاء، إذ هو لاستدراك ما فات من مصلحة الفائتة، وهو فيما نحن فيه محال.
ولأنه لو قال السيد لعبده: افعل هذا، فإذا فعلته لا يجزئ عنك، عد مناقضًا.
أدلة المخالف
احتجوا بأن النهي لا يقتضي الفساد، فالأمر لا يقتضي الإجزاء.
ولأنه يجب إتمام الحج والصوم الفاسدين بلا جزاء.
و-أيضًا-: كونه سببًا لسقوط القضاء زائد على مدلول الأمر.
وأجيب: أنه قياس في اللغة، وبالفرق، وهو: أن النهي لا ينفي كون المنهي عنه سببًا لغيره، والأمر يقتضي فعل المأمور به، فاستحال بقاؤه مقتضيًا بمثل فعله، ثم إنا نقول به فإن الأمر ما اقتضى ذلك، بل امتثاله على ما قدمناه.
وعن الثاني: أنه يجزئ عن الأمر بإتمامها دون الأمر بهما.
وعن الأخير: أنه وإن كان كذلك، لكنه يدل عليه بواسطة الامتثال، على ما تقدم تقريره.
مسألة
الأمر بالماهية الكلية ليس أمرًا بشيء من جزئياتها عينًا
لأنها ليست هي هي، ولا لازمة لها، فلم يدل عليها لا مطابقة، ولا تضمنًا، ولا التزامًا.
стр. 194
نعم: لو دلت القرينة على بعض منها عينًا حمل اللفظ عليه، وإلا: تخير فيها، لأنه لا بد من تحصيل الماهية، ولا يمكن ذلك إلا: في تضمن جزئي، وليس البعض أولى من البعض فتعين التخيير.
مسألة
الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرًا به
وإلا: لزم التخلف في قوله ﵇ "مروهم بالصلاة لسبع" فإن الصبي غير مأمور بها وفاقًا.
ولأنه لا يمتنع من السيد أن يأمر أحد عبديه بأن يأمر الآخر بشيء، ويأمره هو بعصيانه إذا أمره، ولو كان الأمر أمرًا به لعد مناقضًا، كما لو كان ذلك في أمر نفسه، نعم لو ضم إليه قوله: كل من أمرته بأمري بشيء فقد أمرته به، كان أمرًا به، لكنه من قول الثاني، لا بمجرد الأمر بالأمر بالشيء.
ومنه يعرف أن قوله تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ [التوبة: آية ١٠٣] ليس أمرا لهم بالإعطاء له.
والأمر بالشيء:
هو أمر بما يتوقف عليه، لكنه إذا كان مقدورًا للمأمور، سلمناه مطلقا، كن المراد من الأخير: الطلب سلمنا أنه التناول، لكنه لا يتوقف على التسليم الواجب، نعم لو وجب ذلك فإنما يجب لتعظيم الرسول، لا لكونه أمرًا.
стр. 195
مسألة
في دخول الآمر تحت الأمر
والحق أنه يمكن قول القائل لنفسه: "افعل" مريدًا من نفسه.
تحرير محل النزاع:
لكنه لا يسمى أمرًا إن شرط التغاير، وإلا: جاز، لكنه بعيد، ولا يسحن أيضًا.
إذ فائدته: إعلام طلب الفعل، وإعلامه نفسه عبث، ولو حكى أمر الغير بلفظه، أو بلفظ نفسه: فإن تناوله دخل فيه وإلا: فلا، ولو أمر بأمر نفسه بلفظ يتناوله: فالأشبه أنه محل النزاع.
والأصح دخوله: تحته، لعموم اللفظ، وضعف قرينة كونه أمرًا، ولهذا دخل رسول الله ﷺ تحت كثير من أوامره، والتغاير لو شرط ففي الخاص.
مسألة
"رأى الجمهور وبعض المعتزلة في أن"
الأمر بمعين نهي عن ضده الوجودي استلزامًا
وعليه البصري، والكعبي، وعبد الجبار، والقاضي أخيرًا.
وقال أولًا، وبعض المتكلمين: وهو عينه.
وقال كثير - منا - كإمام الحرمين، والغزالين ومنهم: إنه ليس عينه، ولا يستلزمه.
стр. 196
وقيل: بمعنى الوجوب يستلزمه - فقط -، وعكسه على الخلاف.
وقيل: بأنه لا يكون أمرًا.
أدلة من قال عينه
لمن قال عينه: أنه لو لم يكن كذلك لكان ضدًّا، او مثلًا، أو مخالفًا، ضرورة انحصار التغاير فيها، -وحينئذ- لم يجتمع معه، ويجوز وجود أحدهما بدون الآخر، ومع ضده.
وأجيب:
إن جواز الأمر بالمحال بطل، وإلا: - أيضًا - بطل، إذ قد يمتنع وجود أحد المخالفين، بدون الآخر.
كما في المتلازمين والمتضايفين.
لنا: أن ترك ضد المأمور به من ضروراته، فيجب على ما تقدم، ولأنه يمتنع الإذن في فعل الضد عند الطلب، لتنافيهما.
فإن قلت: يجوز الأمر بالمحال.
قلت: يمنع ذلك في المحال لذاته، سلمناه، لكن لا يتصور الإيجاب الجازم مع الإذن في فعل الضد، سلمناه، لكن الكلام فيه، وفي أمثاله ليس تفريعًا عليه.
أدلة الجمهور
واحتجوا:
بجواز ذهول الآمر، وهو عن معنى الكف، وامتناع النهي معه.
وبأن عكسه إن لزم: لزم نفي المباح، وإلا: فتحكم محض.
стр. 197
و-أيضًا- لو كان له أضداد فإما بأن يكون نهيًا عن واحد منها بعينه، أو لا بعينه، وهما ظاهرًا الفساد، أو عنها بأسرها، وهو - أيضًا- فاسد، وإلا: لزم أن لا يعصى إذا فعل الضد الواحد المتضمن لترك المأمور به.
وأجيب:
بمنع ذهوله عن طلب ترك ما يمنع من فعل المأمور به من حيث الجملة، ونحن لا نجعله نهيًا عن أضداده على التفصيل.
وعن الثاني: أنه لا يقتضي نفي المباح باعتبار ذاته، وباعتبار غيره لا يضر كما سبق.
وعن الثالث: أنه نهي عنها باعتبار كل واحد منها، لا باعتبار المجموع، فلم يرد ما ذكرتم.
مسألة
"الحكم فيما إذا اختلفت معنى الأمرين "
إذا اختلف معنى الأمرين: وجبا متفرقين، إن لم يصح اجتماعهما عقلًا، أو شرعًا.
وإن صح جاز الأمران، إلا: لمنفصل، وإلا: فإن صح فيه الزيادة، والثاني غير معطوف، ومعرف بلام الجنس، والعادة غير مانعة من الزيادة "كاسقني اسقني" فهو غير الأوّل وهو قول عبد الجبار.
وقيل: تأكيد للأوّل، وهو قول الصيرفي.
وقال البصري: الوقف.
стр. 198
" أدلة القاضي عبد الجبار ومن معه وهو ما اختاره المصنف "
لنا: حمله على الأوّل تحصيل للحاصل، ولأن التأسيس أولى من التأكيد.
قالوا: يحتمل التأكيد، والأصل براءة الذمة.
" أدلة أبي بكر الصيرفي والبصري ومناقشتها "
وأجيب: بأنه مرجوح، فلا يحمل عليه، والبراءة تترك بالظاهر, وبمعارضة طريقة الاحتياط.
وإن كان معطوفًا غير معروف، فهو كذلك وفاقًا.
أو معرفًا: فكذلك. إذ اللام قد تكون لتعريف الماهية، أو لمعهود آخر، أو لتحسين اللفظ، فلا تعارض "واو" العطف.
وقال البصري: الوقف لتعارضهما.
أو معرفًا غير معطوف: فتأكيد وفاقًا، وإن كانت العادة مانعة، ولم تكن معطوفًا: فتأكيد وفاقًا.
أو معطوفًا غير معرف: فتعارض بين "الواو" والعادة، ولعل اعتبار "اللفظ" أولى.
أو معرفًا: فإن قيل: بتساويهما، حمل الثاني على الأول للعادة، وإلا: احتمل هذه للعادة.
والتعريف والتوقف، لقوة دلالة "الواو" على المغايرة، والحمل على المغايرة قبل ظهور دليل آخر بعيد.
وإن لم تصح الزيادة فيه عقلًا كـ "كقتل زيد"، أو شرعًا كـ "عتق عبد"، والثاني تأكيد في عامين وخاصين: فإن كانا مختلفين، ولم يعطف الثاني على الأوّل فتأكيد، وإن عطف قبل الوقف لمعارضة ظاهر العموم للواو، والأشبه، أنه يفيد غير الأوّل، إذ ترك مقتضى العموم للواو، أولى من العكس، إذ التخصيص أكثر منه.
стр. 199
مسألة
يجوز الأمر بالمحال عند الأشعري وأكثر أصحابه
يجوز الأمر بالمحال، ولو أنه لذاته عند الشيخ، وأكثر أصحابه.
وهو واقع، ونقل عنه أنه لم يقع، وغلط إمام الحرمين ناقله، وقال: التكاليف بأسرها بغير ممكن عنده، ولأن فعل العبد بقدرة الله تعالى -وأيضًا-: الاستطاعة مع الفعل، والتكليف به متوجه قبله.
واعترض عليه:
بأنه متلبس بضده، والأمر بالشيء نهي عن ضده.
وأجاب:
بمنع كون الأمر نهيًا عن الضد، ولو سلم فالقدرة لم تقارن الفعل، وإن قارنت الضد.
وزيفا:
بأن الأمر نهي عن الضد عند الشيخ: والإلزام إنما هو مذهبه، وبأن فيه تسليم، أن كله ليس كذلك.
والحق: أن الثاني غير لازم إن صح عنه أن التكليف مع الفعل، لا قبله، وسيأتي.
لا يجوز التكليف بالمحال عند المعتزلة
وقالت المعتزلة: لا يجوز، وهو قول الشيخ أبي حامد،
стр. 200
والغزالي، وإمامه، لكن لغير التحسين والتقبيح.
وقيل: بالمحال لذاته فقط.
وقال الأستاذ: لا يجوز، وما يقع منه ليس تكليفًا، بل آية العذاب.
أدلة من قال بالجواز
وقيل: يجوز مطلقًا، لكنه لم يقع.
ونقل إجماع كلهم عل جواز تكليف خلاف علم الله تعالى من الممكن عقلًا، ووقوعه سمعًا، إلا: بعض: الثنوية فإنه قال: بامتناعه أيضًا - فحينئذ محل الخلاف: ما استحالته لغير تعلق العلم الأزلي. واعلم أن من نفى الاختيارية جوزه، ومن أثبتها وقال: بالتحسين.
والتقبيح - إحالة، وإلا: فيحتمل الوجهين.
لما سألوه، ولما ذكر في معرض المدح.
مناقشة أدلة من قال بالجواز
للمجوز:
(أ) قوله تعالى: ﴿لا تحملنا﴾ [البقرة: آية ٢٨٦] الآية، ولو لم يكن ممكنا لما سألوه، ولما ذكر في معرض المدح.
فإن قلت: التحميل: وضع الحمل حقيقة، والمراد: نفيه برفع العذاب، ومحن الدنيا، سلمناه، لكنه إنما يحمل عليه لو كان ممكنا، فإثبات إمكانه به دور؛ سلمنا، لكنه يؤول، فيحمل على ما يقل ويشق، لئلا يلزم التعارض، سلمناه، لكن الواجب قد يطلب كقوله: ﴿رب احكم﴾ [الأنبياء: آية ١١٢]، ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ [الأنعام: آية ١٤]، ﴿ولا
стр. 201
تخزني﴾ [البقرة: آية ٢٨٦]، سلمناه، لكنه ظني والمسألة علمية.
قلت: التحميل في عرف الشرع: التكليف، والتبادر والاستعمال، قال تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة﴾ [الأحزاب: آية ٧٢] الآية، وقوله: ﴿فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم﴾ [النور: آية ٥٤] أي: كلفتم، سلمناه، لكنه لا يختص بما ذكرتم، بل هو عام في الكل فيتناول التكليف وغيره.
وعن الثاني: أنا لا نستدل عليه بالحمل، بل بالدلالة، فلا دور.
وعن الثالث: أنه خلاف الأصل، والتعارض مندفع، لما نجيب عن تلك الأدلة، كيف وحمله على ذلك تكرار لنفي الأمر قبله.
وعن الرابع: بمنع دلالته عليه، إذ المراد من الحق: العذاب، والشرك، والخزي ممكن عقلًا، سلمناه، لكن لا يلزم من مخالفة الأصل في صورة: مخالفته في غيره، بل يمتنع ذلك، لئلا يلزم تكثير المخالفة.
وعن الخامس: بعض ما سبق في الأمر، ثم هو لازم عليكم، فإنكم تتمسكون بالظنية.
(ب): ما سبق في التحسين والتقبيح.
(ج): أمر بالإيمان من علم أنه يموت على الكفر، وصدوره منه محال لإفضائه إلى انقلاب علم الله جهلًا.
وأن يكون أمر الكافر بالإيمان أمرًا له بإعدام علمه تعالى، إذ لا يعتبر - حينئذ - أن ما يتوقف عليه المأمور به ممكن.
ولأنه إن علم أنه يموت على الكفر - وهو مختار في الإيمان - لم يكن علمه بذلك مانعًا من الإيمان، وإلا: لزم أن يكون جهلًا، وإلا: لزم أن لا يكون ذلك علمًا بل جهلًا، لأن العبد - عندنا - مختار في فعله وتركه، فلو علم على خلاف هذا، لكان ذلك جهلًا لا علمًا، فلم يكن العلم مانعًا، وأن يجوز أمر الجماد، ثم النزاع في الممتنع لغير العلم، أو في الممتنع
стр. 202
لذاته.
قلت:
(أ) لا نزاع فيما ذكرتم، لكن من مات على الكفر علمنا أن العلم كان متعلقًا بكفره، وقد كان مأمورًا بالإيمان إجماعًا في حياته، مع أن صدوره منه محال، و - حينئذ - لا يرد عليه ما ذكرتم.
وطريقة الجبائي ضعيفة جدًا، لأنه إن عنى به أن كلا القولين خطأ، فهو فاسد، وإن عنى به أن أحدهما حق لكن لا نعرفه بعينه، فنمسك عن الحكم لئلا نخطئ، فحق، لكنه غير دافع للدليل.
وعن (ب): بمنعه فإن وجوبه به، فلا يمنع منه.
وعن (ج): بمنعه -أيضًا-، فإن العلم بوقوعه، أو لا وقوعه: إنما هو على وجه الاختيار، ليكون مطابقًا للمعلوم، فيكون تابعًا له، فلا يمنع منه، ثم بمنع امتناع اللازم.
وعن (د)، (و)، (هـ)، و (و): بمنعه إذ اللازم منه وجوبه، فأما به فلا.
وعن (ز): أنا نقول به.
وعن (ح): بمنع امتناعه، فإنه من جملة صور النزاع.
وعن (ط): إذا علم الله تعالى انه يترك الإيمان، ويتلبس بالكفر في جميع عمره، وإن كان ذلك اختيارًا: وجب أن يمتنع صدور الإيمان منه، وإلا: لزم الجهل، وهو ممتنع، وجوابه من حيث التقصي: أنه لما علم دوام اختياره للكفر استحال أن يوجد منه اختيار الإيمان، وإن كان ممكنًا نظرًا إلى الاختيار، ولا امتناع في اجتماع الاستحالة والإمكان في واحد نظرًا إلى شيئين مختلفين.
وعن (ي): أن الأمر: إعلام، وهو في الجماد غير متصور.
وعن (يا): أنه يرجع إليه.
(د): أمر بالإيمان من أخبر عنه أنه لا يؤمن، وهو منه محال، وإلا: لزم جواز
стр. 203
الكذب عليه تعالى، وأن يكون مأمورًا بالتصديق وعدمه.
(هـ) التكليف حال استواء الداعي: ترجيح حال الاستواء، وحال الترجيح أمر بالواجب والممتنع.
(و) لا قدرة للعبد حال وجود الفعل، لامتناع بقاء الأعراض.
(ز) الأمر قبل الفعل، والقدرة معه، وإلا: لزم أن يكون العدم متعلقه، وهم منقوضان بقدرة الله تعالى، ومناقضته: أن الأمر قبل الفعل، سيأتي.
(ح) فعل العبد ليس بخلقه، وإلا: لعلمه بتفاصيله، وأن يكون مقدورًا بين قادرين، وأن يقدر على كل ممكن، و- حينئذ - يلزم تكليف ما لا يطاق.
(ط) النظر مأمور به، وهو غير مقدور له، وهو تكليف بالمحال، وهو مبني على امتناع اكتساب التصور والتصديق، وفساده ظاهر.
(ي) أمر بمعرفة الله تعالى، فالمأمور: إما العارف به، فتحصيل الحاصل، أو غيره، فلا يعلم أمره، فتكليفه به - إذ ذاك - تكليف بما لا يطاق، وهذا مندفع إنه قيل العلم بوجود الصانع ضروري.
(يا) معنى الأمر: الطلب، على ما تقدم، وهو ليس مؤثر في المطلوب، حتى يستدعي إمكانه كالقدرة، والإرادة، والعلم، بل هو كالعلم، إذ يتعلق بالمعين وغيره، فجاز تعلقه بالمحال كالعلم.
(يب) امتناعه ليس بنفسه، وإلا: فكل من عقله عقل امتناعه، ولا لورود صيغة الأمر
стр. 204
فيه، إذ يعلم ضرورة أنه لا يمتنع ذلك، ولا للتحسين والتقبيح، إذ مضى إبطالهما، ولا للإضرار، لأنه جائز، لسابقة جريمة أو تعقب لذة، ولا لعدم الفائدة إذ لا سبيل إلى الجزم به، فإن الفائدة غير منحصرة في الامتثال، وإذا لم تمتنع هذه، وجب ألا يمتنع، إذ لا مأخذ لامتناعه إلا: هذه، بدليل الدوران الوجودي والعدمي، ولأن الأصل عدم ما عداها.
(يج) الأمر قبل الفعل والقدرة الحادثة معه، إذ لو تقدمت لانعدمت عنده لأنها عرض، والعرض لا يبقى زمانين على ما يبين ذلك في موضعه، فيكون الفعل عند عدم القدرة، وهو محال، و - حينئذ - يكون الأمر حال عدم القدرة، وهو التكليف بالمحال.
أدلة من قال: لا يصح التكليف بالمحال لذاته .
احتجوا:
(أ) بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ [البقرة: أية ٨٦]، ﴿لا يكلف الله نفسا إلا ما ءاتها﴾ [الطلاق: آية ٧]، و ﴿ما جعل﴾ [الحج: آية ٧٨]، ﴿يريد الله﴾ [البقرة: آية ١٨٥].
وقوله ﵇: "بعثت ... " الحديث.
(ب) الأمر بالمحال سفه وعبث، وهو على الحكيم محال.
(ج) لو جاز ذلك لجاز إظهار المعجزة على يد الكاذب، وإنزال الكتب عليه، ولا يمتنع منه الكذب، ولجاز أمر الجماد، وبعثة الأنبياء إليه، وإنزال الكتب عليه، لأنه سفه مثله.
(د) أن تكليف الأعمى بنقط المصحف، والمقعد بالمشي، والإنسان بالطيران، والجمع بين السواد والبياض - قبيح عرفًا، فكذا شرعًا للحديث.
(هـ) التكليف: طلب وهو فيما لا يتصور لا يتصور، وإنما شرط ذلك: ليتصور منه الطاعة، فإن التكليف اقتضاء الطاعة، فإذا لم يتصور في الفعل الطاعة، لم يتصور فيه
стр. 205
التكليف، كما في الجماد
(و) أو نقول المحال غير متصور، لأن كل متصور متميز، وكل متميز ثابت فما ليس بثابت ليس بمتصور، وكل مكلف به متصور، فالمحال غير مكلف به.
(ز) وأما ما يدل عليه باعتبار الجبر فهو معارض: بأنه لو كان بخلقه تعالى: لم يبق فرق بين الاختيارية والضرورية، وبين القوي والضعيف، ولكان قدرة العبد متعلقة بالجواهر كالألوان، إذ الكل بقدرة الله تعالى، وهي متعلقة بهما ولما انقسم إلى طاعة ومعصية، لأن فعله تعالى لا ينقسم إليهما، ولكان الكفر والإيمان بقضائه وإرادته، إذ لا قائل بالفصل؛ ولأن الخلق لا يتم إلا بالقضاء واجب، لكن الرضا بالكفر كفر فهو - إذن - بغير قضائه، ولكان راضيًا به، ولكان لا يحسن ذم العبد ومدحه على كفره وإيمانه.
ولكان ضرر الله تعالى أكثر من ضرر إبليس، لأنه تعالى خالق دونه، واللوازم باطلة، فالملزومات كذلك.
(ح) وبأن فعله منسوب إليه في استعمال القرآن والسنة، وأهل العرف، وهو ما يدل على أنه من خلقه.
مناقشة الأدلة
وأجيب:
عن (أ) بأنها تدل على عدم الوقوع، لا الجواز، ولو سلم فيجب تأويلها، إذ النقلي لا
стр. 206
يعارض العقلي.
وعن (ب) و (ج) أن التحسين والتقبيح باطل، ولو سلم فما سبق فيه، وأمر الجماد، وبعثة الأنبياء، إنما لا يصح لأنه لا إعلام، ومقصودهما الإعلام.
وعن (د) ليس معناه أن ما رأوه قبيحًا بالنسبة إليهم فهو قبيح عند الله بالنسبة إليه، فإنه مرفوض إجماعًا، بل معناه: - إن شاء الله تعالى - أن ما رأوه قبيحًا بالنسبة إليهم فهو قبيح عند الله بالنسبة إليهم، أو مثله بالنسبة إليه ، و - حينئذ - التمسك به دور.
وعن (هـ) بمنع اشتراط التصور له للطاعة، بل للطلب والإعلام، وعدم تصورهما في المحال محال، إذ نحكم بأنها ممتنعة في المحال، ولو كان غير متصور لما صح ذلك.
واقتضاؤه الطاعة باق، وإنما لم يكون وجودها، وعدم صحته في الجماد، لما سبق.
وعن العبارة الثانية: يمنع أن المحال غير متصور، وهذا: فإننا نحكم بأن الجمع بين الضدين والنقيضين ممتنع، ولو لم يكن متصورا لما صح الحكم، ولأن التمييز بين مفهومات المحالات حاصل.
فإن قلت: المتصور جمع المختلفات، وهو المنفي، ولا يلزم من تصوره منفيًا عنهما تصوره مثبتًا.
قلت: معنى الجمع واحد فيهما، بدليل صحة تقسيمه إليهما، وتبادر الفهم إلى اتحاد معناه فيهام، ولأنه مثبت، ولو كان مخالفا منفيا لما توارد النفي والإثبات على واحد، فيلزم من تصوره منفيًا تصوره مثبتًا.
وعن (ز) بمنع الملازمات، وسنده: سرعة زوال سبب الاختياري دونه، وكثرة ما يخلق الله تعالى من القدرة، والمقدور في القوى، ويجوز أن خصص الله تعالى قدرته بنوع من مقدوراته، وأن ذلك من خواص المكتسب.
стр. 207
والرضا في قولنا: "الرضا بالقضاء واجب"، وفي النص بمعنى: ترك الاعتراض، والرضا في قولنا: "الرضا بالكفر كفر" بمعنى الإرادة والمحمدة، و - حينئذ - لا يلزم المحذور المذكور سلمنا اتحادهما، لكن الكفر ليس نفس القضاء، بل هو القضاء، فلا يلزم من الرضا بالقضاء: الرضا به.
وإنما لا يحسن ذمه ومدحه - حينئذ - أن لو لم يكن كسبًا له، وهو ممنوع، ثم هو بناء على التحسين والتقبيح.
والإلزام بالضرر لازم عليكم، فإن التمكين التام بخلق القدرة والداعية إلى المعصية إنما هو بخلق الله تعالى دونه، والجواب مشترك.
وعن (ح) بمنعه، فإن النسبة تصدق بالخلق أو الكسب، ومن لم يقل به، بل بالنسبة والإسناد إنما هو بالخلق، فنقول: تلك النسب والإسنادات مجازات عقلية، وبمنع أنه خلاف الأصل، سلمناه، لكنه يصار إليه لقيام الدلالة.
فرع: إن جواز التكليف بالمحال:
قيل: لا يجوز بالممكن المشروط بالمحال، إذ لا فائدة للامتثال، ولا إعلام بنزول العقاب.
وقيل: يجوز بالأولى، إذ لا يصير مأمورًا إلا: بوجود شرطه، وهو محال، فلا حرج ولا ضرر فيه.
مسألة: "يرى الأكثرون من الأشاعرة والمعتزلة أنهم مخاطبون بالفروع "
قال الأكثرون - منا - ومن المعتزلة: الكافر مخاطب بالفروع بمعنى: أنه يعاقب على تركها.
وقال أكثر الحنفية، وأبو حامد الإسفراييني وعبد الجبار: لا يجوز.
стр. 208
وقيل: يجوز، ولم يقع.
وقيل: يجوز في النواهي والمعاملات، دون الأوامر.
[رأي المصنف في ترجمة هذه المسألة]
وفي ترجمتها: بأن حصول الشرط الشرعي، هل هو شرط في التكليف أم لا؟
نظر: فإن المحدث، مكلف بالصلاة إجماعًا.
لنا: أنه ليس بمستحيل بضرورة العقل، ولا بنظره، إذ لا امتناع في قول الشارع للمكلف: أمرتك بالصلاة، والإيمان قبلها، وهو ضروري، ولأنه أهل للتكليف، فجاز أن يكلف بها، كالأصول.
[أدلة الجمهور]
وأما الوقوع:
(أ) فقوله: ﴿وما أمروا﴾ [البينة: آية ٥]، وهو ضمير الكفار، والواو للجمع، لما تقدم، والأصل عدم دلالة أخرى على تقديم بعضها على البعض.
وقوله: ﴿ما سلككم﴾ [المدثر: الآيات ٤٢ - ٤٤]، وتعذيبهم على ترك الصلاة والإطعام بدون تكليفهم بهما ممتنع، وهو وإن كان حكاية قولهم، لكن عدم تكذيبهم فيه، مع عدم استقلال العقل بمعرفته: يدل على صدقهم فيه، وحمل المصلي على المؤمن كما في قوله ﵇: "نهيت عن قتل المصلين" مجاز، وحمله على حقيقته، لا يوجب
стр. 209
كذبه في أهل الكتاب منهم، إذا كانوا يصلون، لأن الصلاة في عرف شرعنا: عبارة عن هذه الأعمال المخصوصة، ثم إنه لا يتأتى في قوله: ﴿ولم نك نطعم المسكين﴾ [المدثر: آية ٤٤]، وإحالة الحكم المذكور إلى التكذيب لكونه مستقلًا بذلك يلغي بقية القيود، واستقلاله بدخول سقر ممنوع، وإن استقل بدخول النار، فلعل ذلك بالمجموع.
وقوله تعالى: ﴿فلا صدق ولا صلى﴾ [القيامة: آية ٣١]، و: ﴿وويل للمشركين﴾ [فصلت: آية ٦]، و: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ [البقرة: آية ٢١]، و: ﴿لله على الناس﴾ [آل عمران: آية ٩٧]، و: ﴿والذين لا يدعون﴾ [الفرقان: آية ٦٨]، والاستدلال بها ظاهر.
(ب) قياس الأمر على النهي بجامع تحصيل المصلحة المتعلقة بهما، فإن سلم الحكم في النهي فلا كلام وإلا: فيستدل عليه بوجوب حد الزنا عليه، فإنه لتحريمه عليه، وهو بتناول الخطاب، والزنا وإن حرم في كل الشرائع، لكن لا نسلم اتحاد حده فيها فوجوب حد شرعا عليه يدل على تناول خطابه له.
стр. 210
وفرق بينهما: بأن الإتيان بالمأمور به - لكونه مفتقر إلى النية - غير ممكن مع الكفر بخلاف النهي، فلا يصح معه القياس.
وأجيب: أن قصد الامتثال إذا اعتبر بالإقدام كالإحجام في الامتناع، وإلا: فكذلك في الإمكان.
قيل عليه: افتراقهما في حق المسلم في اشتراط النية وعدمه، يدل على افتراقهما في الحكمة.
أدلة المخالف ومناقشتها
احتجوا:
(أ) بأنه لا يجب بعد الإسلام وفاقا، ولا قبلهن إذ لا يصح منه.
(ب) لو وجب لوجب قضاؤه كالمسلم، بجامع تدارك المصلحة.
(ج) التكليف: تعظيم، والكافر ليس أهلًا له.
وأجيب: عن (أ) بأنه غير وارد على محل النزاع.
وعن (ب) القضاء بأمر جديد، فليس بين الوجوب والقضاء ربط، سلمناه، لكنه منقوض بالجمعة، سلمناه، لكن لا قياس مع قوله: "الإسلام يجب ما قبله".
سلمناه، لكن الفرق أنه تنفير له عن الإسلام.
стр. 211
وعن (ج) النقض بتكليفه بالإيمان، إذ التعظيم فيه أكثر.
مسألة:
"إن فرع على استحالته فلا تكليف إلا: بمقدوره أو مكتسب، فلا تكليف
بفعل الغير ولا به ".
ولذات الأفعال على رأي الأكثر.
وقال بعض المعتزلة: يجوز بناء على أنها مقدورة للمكلف، فنفس القتل مأمور به كالفعل الذي يتولد منه القتل، ولكن الأول بطريق الكسب، والثاني بطريق المباشرة، ولا بالعدم الأصلي، فلهذا:
قال الأكثرون: إن متعلق النهي فعل الضد، وقال أبو هاشم: هو نفس أن لا يفعل، وفرق الغزالي بين الكف والترك.
أدلة الجمهور:
لنا: أنه حاصل قبله، فليس هو منه، والمقارن لقدرته هو الأول بعينه بسبب استمراره، فامتنع إسناده إليه - أيضًا - ولأنه نفي صرف فامتنع أن يكوهن مقدورًا أو مكتسبًا.
واحتج: بأنه يمدح بمجرد تركه.
وأجيب: بمنعه، إذ فعل الضد مخطور بالبال إجمالًا، وإن لم يخطر مفصلًا، وإنما يمدح به دونه، ولأنه المقصود بالذات.
للغزالي: أن الكف يثاب عليه فوجب أن يكون من سعيه للنص، وهو يمنع النفس عنه، وفعل ضده، بخلاف الترك، فإنه قد يكون الضد مع الغفلة عنه.
стр. 212
مسألة: "يجوز دخول النية في المأمور به "
وإن كان بدنيًّا، لأنه يمتنع لنفسه، ولا لمعنى التكليف، إذ هو طلب ما فيه الكلفة، وهو حاصل في النيابة، وإن قلت: بالنسبة إلى المباشرة، ولا لمفسدة ينشأ منها، إذ الكلام مفروض فيه فوجب أن يجوز لعدم مانع آخر استقراء، أو أصلًا.
وقيل: لا يجوز، إذ المقصود منه الابتلاء والامتحان، وهو غير حاصل فيهما.
وأجيب بمنعه لما تقدم.
مسألة: "لا تكليف بدون استعداد الفهم وفاقًا، ولا بدونه "
خلافًا لبعض من جوزه بالمستحيل.
أدلة الأولين:
لنا: أنه مثله في عدم الفهم، فلا فعل ولا إعلام، كالبهيمة، وقوله ﷺ : "رفع القلم ... " الحديث.
ووجوب ما يجب من مال الصبي والمجنون كالزكاة، لا يدل على تكليفهما، لكون الولي مأمورًا بإخراجه عنه، وكذا ضربه على ترك الصلاة، فإنه تأديب.
стр. 213
فإن قلت: لو لم يجز لم يقع، وقد وجب القضاء على النائم، والساهي والسكران، ويعتبر طلاقه وقتله وإتلافه.
قلت: القضاء لوجود سبب الوجوب، لا للوجوب لما سبق، فلم يدل عليه، وكذا اعتبار الطلاق والقتل، لأنه من باب الأسباب، وقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا﴾ [النساء: آية ٤٣] خطاب للممتثل، لمنعه التثبت كالغضب، أو هو مثل: لا تتهجد وأنت شبعان، أي: لا تشبع، فيقل التهجد، فهو منع من إفراط الشرب، فيكون ورد في ابتداء الإسلام، أو مثل: لا تمت وأنت ظالم، أي: لا تظلم فربم تموت عليه، وهو - وإن كان تأويلًا - لكنه يصار إليه دفعًا للتعارض.
مسألة: "المعدوم مأمور "
بمعنى أنه يجوز ورود الأمر حال العدم ثم إذا وجد وبلغ وعقل يصير كذلك.
خلافًا للمعتزلة.
أدلة الجمهور:
لنا:
(أ) أن كلامه قديم، لما بين في الكلام، ويلزم منه حكم المسألة.
(ب) يجوز مثله في الشاهد، كما في أمر الوالد لولده قبل وجوده، فكذا في الغائب للحديث، والقياس.
(ج) الواحد منا يصير مأمورًا بأمر النبي ﵇ وهو حاصل قبلنا.
وجعله إخبارًا عن أمر الله تعالى لنا عند وجودنا، يقتضي تطرق التصديق والتكذيب إليه، وأن لا يكون قسيم الخبر، وهو خلاف صريح كلامهم، وجعل الشيء مجازًا مع عدم
стр. 214
المناسبة الخاصة.
وأجيب عنه:
بأن أمر الله تعالى - أيضًا - خبر عن نزول العقاب بتركه، وحينئذ تستحيل المسألة.
وأورد:
أنه لو كان كذلك لتطرق إليه التصديق والتكذيب، ولامتنع العفو، ولأن إخباره تعالى في الأزل لنفسه عبث، ولغيره محال.
ومن هذا قال ابن سعيد: إن كلامه تعالى في الأزل واحد، وإنما يتصف بالتعدد في ألا يزال.
والقديم: الأمر المشترك بينها، وزيف بأنه لا وجود له بدونها.
وأجيب:
بأنه في الخارج، لا في الذهن، وكلامه في المعنى القائم بالنفس، وهو ذهني.
وفيه نظر:
ولا يقال: صحته - هناك لحضور من يسمع، ثم هو معارض بأنه عبارة إن إلزام الفعل عن المأمور، وهو بدون وجوده حال، لأن التحسين والتقبيح باطل، واستحالته بالمعنى المتقدم ممنوع، ولو قيل: عبث وسفه فجوابه ما مر.
فرع "إذا جاز فقد اختلف فيما يسمى "
إذا جاز، فالثالث: أنه يسمى أمرًا مطلقًا، ولا يسمى خطابًا، إلا إذا وجد المأمور، لكونه مخاطبًا لأنه يحسن أن يقال: أمر ولده الذي سيوجد، ولا يحسن خطابه.
مسألة "يجب أن يقصد إيقاع المأمور به طاعة "
إلا: ما يجب أولا، ونفس القصد، دفعًا للتسلسل لقوله تعالى: ﴿ليس للإنسان﴾ الآية، وقوله ﵇: "إنما الأعمال بالنيات".
والتمسك بالإجماع: ضعيف، لوجود الخلاف في نحو الوضوء والغسل.
стр. 215
مسألة
إن انتهى الإكراه إلى الإلجاء فالتكليف به وبضده كتكليف ما لا يطاق، لكنه غير واقع، للحديث، وإن قيل: بوقوعه.
وإلا جاز:
(أ) لأنه عاقل بالغ متمكن فعلًا وتركًا كغيره.
(ب) اختياره إياه لدفع ما به الإكراه: يدل على أنه مختار فيه.
(ج) وصف أفعاله بالحل والحرمة إجماعًا.
وقيل: لا، لأن في الإكراه يؤتى الفعل لدفع محذور، لا طاعة للشارع، وهو مقصود التكليف، والخاطئ غير مكلف للحديث، وجواز تكليفه لجواز تكليف ما لا يطاق.
مسألة: "المأمور إنما يصير مأمورًا حال حدوث الفعل، لا قبله "
خلافًا لمعتزلة فيهما، واختاره إمام الحرمين، وهو اللائق بأصل الشيخ وأصحابه، وهو: أن الاستطاعة مع الفعل، لكن أصله الآخر، وهو تجويز تكليف ما لا يطاق بنفيه، فلعله لم يفرع عليه، أو لم يقل بوقوعه.
следующие страницы →