Полный текст (825 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
قلنا: الدليل عليها: ما نقل عنهم، الاستثناء: "يخرج من الكلام ما لولاه لوجب دخول فيه"، والاستثناء من غير الجنس مجاز، وإن تصور بصورته، إذ هو مشتق من الثني، وهو الصرف، وهو إنما يعقل فيما يتصور فيه الدخول. وعورض ذلك بما نقل عنهم - أيضًا -: أنه يخرج من الكلام ما لولاه لصح دخوله، والترجيح معنا: إذ الصحة أعم منه، وجعله حقيقة في العام أزلي، ولأنه يصح الاستثناء من الجمع المنكر قلة أو غيرها.
و- أيضًا - يصح: صل إلا: اليوم الفلاني، وهو ليس للتكرار وأبطل: بأنه لو كان عبارة عنه لما بقي فرق بين الاستثناء عن الجمع المعرف والمنكر، ولكنه معلوم ضرورة، وهو بالدخول وعدمه لأنه غير منتف بالإجماع.
ولأنه نقل عنهم: أنه إخراج جزء عن كل، والأصل الحقيقة الواحدة، و- أيضًا - لو كان عبارة عنه لصح قول القائل: رأيت رجلًا إلا: زيدًا، لصلاحية دخوله تحته، لكنه باطل إجماعًا فإن قلت: لعله لمانع.
قلت: الأصل عدمه، فإن بين وهو أن المرئي متعين في نفس الأمر، والإيهام إنما هو عند السامع، واستثناء المعين لا يصح، فنحن نمنعه، سلمناه، لكن إسناد انتفاء الصحة إلى عدم المقتضي أولى من إسناده إلى وجود المانع.
سلمنا عدم بطلانه، لكن ترجيحكم الأول معارض بما أنه لو جعل حقيقة في الوجوب لأمكن جعله مجازًا في الصحة من غير عكس، ولو أمكن فالأول أولى، لما تقدم.
وعن الثاني: أنه يجب حمله على التجوز جمعًا بين الدليلين، هذا إن سلم عدم تعميمه، وإلا: فهو ساقط.
وأجيب عنه:
هب أن الاستثناء من الجمع المنكر عبارة عن ذلك، فلم قلتم: إنه في سائر الصور
стр. 247
كذلك، وضعفه بيِّن، للزوم الاشتراك والدور.
وعن الثالث: أن الاستثناء قرينة التكرار.
(د) يصح انتزاع المنكر من المعرف من غير العكس، والمنتزع منه أكثر، وهو إما الكل وإما دونه، والثاني باطل إجماعًا، فتعين الأول، لا يقال: إنه لقرينة الانتزاع، لأن الأصل، إحالته إلى اللفظ دون القرينة.
(هـ) أنه لو لم يحمل على العموم: فإن حمل على جمع معين فباطل، إذ ليس في اللفظ، ولا في غيره ما يشعر به، إذ الكلام مفروض عند عدم المعهود السابق، أو غير المعين، وهو - أيضًا - باطل:
أما أولا: فبالاتفاق، وأما ثانيًا: فلأنه لا يبقى فرق بينه والمنكر، وأما ثالثا: فلأنه لا يكون لدخول اللام فائدة. فإن قلت: الفرق، والفائدة أنه صالح للعموم والخصوص، بخلاف المنكر.
قلت: فحينئذ يلزمكم محذور الإجمال، أو لا يحمل على شيء وهو باطل إجماعًا، وحينئذ يلزم حمله على العموم.
(و) اللام للتعريف وفاقًا، والمعرف به ليس هو الماهية لتعرفهما بالجمع، ولا البغض، لما سبق، فهو الكل. وبهذا يتمسك من يقول: المفرد المعرف يعم، وإلا: فيرد على ذلك نقضًا. فإن أجيب عنه أنه لتعيين الماهية المشتركة بين كل فرد، أجيب بمثله - هنا - فإنه لتعيين الجمع المشترك بين كل جمع.
فرع: -
الكناية تابعة للمكني في عمومه وخصوصه، وإلا: لزم التخصيص والإجمال، أو عود الضمير إلى غير المذكور، ولأن السيد إذا قال: افعلوا - بعد أن ذكر لفظ العبيد - فإن
стр. 248
المخلف منهم يستحق اللوم.
مسألة
في أن النكرة في سياق النفي تعم: لصحة الاستثناء، وكلمة التوحيد فإنه يصح بها الإسلام إجماعًا وإن لم يعلم قصد التعميم من المتلفظ بها. وبقوله تعالى: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ [الأنعام: آية ٩١]، لقولهم: ﴿ما أنزل الله على بشر من شيء﴾ [الأنعام: آية ٩]، ولتسميتهم "لا" لنفي الجنس، وهو بانتفاء كل فرد منه.
فإن قلت: إنه ينفي الماهية، لا الأفراد، وإن لزم منه ذلك الغاية منه دلالة على الأفراد مطابقة. قلت: مرادنا من أن النكرة في سياق النفي تعم: عموم النفي لا نفي العموم، وهو تارة ينفي ما يلزم منه نفي الأفراد، وتارة ينفيها ومتى ثبت الخاص ثبت العام.
مسألة:
المفرد المعرف باللام يفيد العموم عند عدم العهد عند الفقهاء والمبرد، والجبائي، خلافًا للمتكلمين، وقيل: إن كان واحدة كـ "التمر" عم، وإلا: فإن تشخيص مدلوله، وتعدد كـ "الدينار" احتمل العموم، كقوله: "لا يقتل مسلم بكافر"،
стр. 249
وتعريف الماهية: وهو الأشبه كقوله: الإنسان نوع، وإن لم يكن كذلك عم كالتراب والذهب، وهو اختيار الغزالي.
للفقهاء:
(أ) أن اللام للتعريف، و"قد" تقدم تقريره وجوابه.
(ب) أنه ينعت بما ينعت به الجمع المعرف، كقوله: ﴿والنخل باسقات﴾ [ق: آية ١٠]
و"أهلك الناس الدينار الصفر".
وأجيب: بأنه مجاز لعدم الاطراد، ولو سلم فالمراد الجنس، لا جميع الأفراد. وما قيل بأن الدينار الصفر لو كان حقيقة لكان الدينار الأصفر مجازًا، أو خطأ كما في الجمع، فضعيف جدًّا.
(ج) أنه يصح منه استثناء الآحاد والجمع، كما في قوله: ﴿إلا الذين آمنوا﴾ [العصر: آية ٣]. وأجيب: بأنه مجاز، لعدم الاطراد.
(د) أنه ليس البعض أولى من البعض فيعم كما إذا كان المعهود جمعًا.
وأجيب: بأنه لتعريف الماهية إذ ذاك.
(هـ) ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، فيعم الحكم لعموم علته.
وأجيب: بأنه تمسك بغير اللفظ.
للمتكلمين: -
(أ) أنه لا يؤكد بما يؤكد به الجمع، ولا ينعت بما ينعت به الجمع، وما جاء منه فمجاز، لعد الاطراد.
стр. 250
(ب) أنه لا يفهم من قوله: لبست الثوب، وشربت الماء والأصل عدم التخصيص، ونقض بالجمع المعرف، إذ مثله آت فيه.
وأجيب: بأنه تخصيص للجمع بين الدليلين، وليس كذلك - هنا - لأنا نجيب عن أدلتهم.
(ج) أن إحلال هذا البيع إحلال البيع، لكونه جزأه، فلو أفاد إحلال البيع العموم، لأفاده إحلال هذا البيع، ولا نجعل عدوه هنا شرطًا لعمومه، ولا تقييده به مانعًا منهن لأن العدم لا مدخل له في التأثير والتعارض خلاف الأصل.
وأجيب:
عن (أ) بأن العموم أعم من أن يكون عموم جمع أو آحاد، ولا يلزم من نفي الخاص نفي العام.
وعن (ب) أن اعتقاد كونه دليلًا على العموم يوجب التعارض، وهو خلاف الأصل.
وعن (ج) النقض بالجمع المشار إليه، وبما أنه جعل "عدا" لفظ الجمع عن البعض شرطًا لإفادته العموم، وعند هذا يجب فيه التوقف.
مسألة
الجمع المنكر لا يعم، ويحمل على أقل الجمع. خلافًا للجبَّائي، والخلاف في جمع القلة أبعد، لو كان.
لنا:
أنه يمكن نعته بأي عدد أريد، فكان للمشترك بين الكل.
стр. 251
الجبائي:
(أ) أنه يصح منه الاستثناء.
وأجيب: بأنه يعتمد فيه على صحة الدخول، لا وجوبه كما سبق.
(ب) أن حمله على العموم حمل له على جميع حقائقه، فكان أولى.
وأجيب: أنه لا حقيقة له إلا: القدر المشترك بين الجموع، لكن أقل الجمع لا بد منهن فتعينه لذلك.
(ج) لو لم يحمل على العموم لزم الإجمال، إذ ليس البعض أولى من البعض.
وأجيب: بمنعه إذ أقل الجمع أولى، والأصل براءة الذمة عن الزائد.
احتج منكرو العموم:
(أ) بأن العلم بعموم ما عم ليس ضروريًّا، ولا نظريًّا عقليًّا، إذ لا مجال له في اللغات، ولا نقليًّا متواترًا، لوجود الخلاف، ولا آحادا، لأنها لا تفيد العلم، والمسألة علمية، وبأن الأدلة متعارضة والاحتمالات متقاومة، والجزم بواحد ترجيح من غير مرجح، فيجب التوقف، وبهما يتمسك من ينفي الدراية.
(ب) أنه استعمل فيهما فيكون حقيقة فيهما، وليس هو متواطئًا فيهما إجماعًا، فيكون مشتركًا.
(ج) حسن استفهامه دليل اشتراكه إلا لزم تحصيل الحاصل.
(د) دلالته على الخصوصية متيقنة، وعلى العموم مشكوكة، والأخذ بالمتيقن أولى.
(هـ) لو كان العموم لكان دخول "كل" و "بعض" عليه تكرارًا ونقضًا، ولكان الاستثناء نقضًا، كتعدد الأشخاص واستثناء واحد منهما.
ولزم تكثير المجاز، لأن استعمال في الخصوص أكثر، ولزم الكذب حيث لا عموم، ولا عكس لحصول الخصوص حيث حصل العموم، ولما جمع "من"، لأن فائدة الجمع أكثر، وليس بعد العموم كثرة، لكنه يجمع، قال الشاعر:
أتوا ناري، فقلت منون أنتم؟
стр. 252
وجواب:
(أ) ما تقدم في الأمر.
وعن (ب): منع أنه ترجيح من غير مرجح، لأنه إذا كان حقيقية في العام أمكن جعله مجازًا في الخاص من غير عكس، ولأن جعل اللفظ حقيقة في العام أولى لكثرة الحاجة إليه.
وعن (ج): أنه دليل الحقيقة بشرط أن لا يستلزم الاشتراك كما سبق.
وعن (د): بمنعه، وإلا: لوجبت الاستفهامات المذكورة، ولامتنع أن يجاب عنه بغير ما منه الاستفهام، و- أيضًا - فإنه قد يحسن الاستفهام مع اتحاد الحقيقة وسببه من الذي لا يجوز عليه السهو والمجازفة تقوية الظن بالعموم، وإبعاد التخصيص، وفي الخص بتقوية الظن بالحقيقة وإبعاد التجوز، وتوثيق السمع احتراز عن الاشتباه بما يناسب، ومن الذي يجو عليه السهو ما تقدم واستبانة تحفظه وتيقظه، ونفي المجاز عن كلامه.
وعن (هـ): أنه لا يدل على أنه مجاز في الزائد عليه وفاقًا، وإلا: لزم النقض بالجمع المنكر، فإن دلالته على الثالثة متيقنة، مع أنه ليس في الزائد عليه مجازًا "وفاقا ثم هو معارض بما أن الحمل على العموم محصل الغرض يقينًا"، دون الحمل على الخاص.
وعن (و): أنه تأكيد وتخصيص، ويمنع أن الاستثناء نقص، والفرق بينه وبين ما قيس عليه ظاهر جدًّا، وبمنع لزوم الكذب، فإن إرادة المجاز ليس بكذب وأن المكان قد يصار
стр. 253
إليه لقيام الدلالة عليه، ويمنع الملازمة، فإن العموم بصفة الوجدان غير العموم بصفة الجمع، ليس كل عام يمتنع جمعه، فإن المفرد المحلى باللام لا يمتنع جمعه، وإن قيل بعمومه، سلمنا الملازمة لكن نمنع انتفاء اللازم، فإنه ليس بجمع، بل تؤكد "الواو" بسبب إشباع الحركة، سلمناه، لكنه شاذ، فلا يحتج به.
تذنيب:
من فرق بين الأمر والنهي والأخبار قال: الإجماع منعقد على أن تكاليف الشرع عامة متناولة لجميع المكلفين، ونحن مكلفون باعتقاد تعميمها، والحاجة ماسة إلى ما يدل فيها بصفة التعميم، لعموم التكليف بخلاف الأخبار.
وأجيب: بأن من الأخبار ما كلفنا باعتقاد تعميمه، والحاجة ماسة إلى الأخبار عنه على وجه التعميم، كقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [النساء: آية ١٧٦]، فلا فرق بينهما إذا.
مسألة
أقل الجمع ثلاثة عند عثمان وابن مسعود، وابن عباس، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهما، وأكثر المتكلمين.
стр. 254
وعند زيد, ومالك، والظاهرية، والقاضي، والأستاذ، والغزالي، اثنان، ونسب إلى الأشعري.
وقيل: لم يثبت النقل عن زيد، وإنما نسب إليه لأنه يرى أن الاثنين من الأخوة والأخوات يردان الأم من الثلث إلى السدس.
للأولين:
قول ابن عباس لعثمان: "ليس الأخوان أخوة في لسان قومك" ولم ينكر عليه، وعدل إلى الاعتذار عنه، وعورض بقول زيد: "الأخوة أخوة".
وأجيب: بأنه يحتمل الاجتهاد دون الأول، ولو سلم فيرجح الأول لكونه إجماعًا، ولكثرة.
وأن الجمع ينعت بالثلاثة، وهي تضاف إليه، دون التثنية وأن أهل اللغة فصلوا بين التثنية والجمع وكذا بين ضمائرهما، وأورد: بأن الفصل لتمييزه عن غيره. وأنه يصح سلب الجمع عنه، وأورد: بأنه أريد منه إذ ذاك غيره، لقرينة السلب.
وأجيب: بأن فتح هذا الباب ينفي أن تكون صحة السلب علامة التجوز، ولأنه لو كان للقرينة لزم التعارض. وأنه لو نذر، أو وصى بلفظ الجمع لزمه الثلث.
стр. 255
وأجيب: بمنعه، بل هو على الخلاف، وهو أن حمل الجمع المنكر على الاثنين، وجواز تخصيص العام إليه مبني على هذا.
واحتجوا:
(أ) بقوله تعالى: ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ [الأنبياء: آية ٧٨] وأراد داود وابنه.
(ب) وقوله: ﴿إنا معكم مستمعون﴾ [الشعراء: آية ١٥] وأراد موسى وأخاه.
(ج) و ﴿إذ تسوروا المحراب﴾ [ص: آية ٢١] وكانونا اثنين لقوله تعالى: ﴿خصمان﴾ [ص: آية ٢٢].
(د) وقوله تعالى: ﴿عسى الله أن يأتيني بهم جميعا﴾ [يوسف: آية ٨٣] وأراد يوسف وأخاه.
(هـ) وقوله: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا﴾ [الحجرات: آية ٩].
(و) وقوله: ﴿فقد صغت قلوبكما﴾ [التحريم: آية ٤].
(ز) وقوله: ﴿فإن كان له إخوة﴾ [النساء: آية ١١]، "والاثنان يردان" إلى السدس، والأصل دليل آخر.
(ح) وقوله ﷺ "الاثنان فما فوقهما جماعة".
(ط) ولأن الاجتماع حاصل في الاثنين.
(ي) و- أيضًا - يقال لمن تبرجت لواحد بعد واحد: أتتبرجين للرجال؟
ورد:
(أ) بأن الأنبياء مراد، وذكرهما مشعر بذكرهم، أو المحكوم عليهما معهما.
стр. 256
و (ب) بأن فرعون مراد معهما.
و(ج) بأن الخصم يطلق على الواحد والجمع، كالضيف، وأورد عليه: أن ظاهر قوله تعالى: ﴿إن هذا أخي له تسع﴾ [ص: آية ٢٣]، يدل على أن كلا من الخصمين واحد.
و(د) بأن الأخ الثالث مراد معهما.
و(هـ) بأن طائفة تطلق على الجمع والتثنية.
و(و) بأن المراد الدواعي، جمعًا بين الأدلة، ولأنه وصف بالعضو، والعضو لا يوصف به وبأنه إنما جمع استقلالًا، للجمع بين التثنيتين.
و(ز) بأن ذلك للإجماع، وشهره مستندًا لإجماع غير واجب.
و(ح) بأنه محمول على إدراك فضيلة، أو جواز السفر.
و(ط) بأنه غير وارد على محل النزاع.
و(ي) بالنقض، إذ يقال مثله لمن تبرجت لواحد، فلعل ذلك لاعتقاده بأن ذلك دأبها مع الكل.
مسألة
نحو ﴿لا يستوي﴾ [الحشر: آية ٣٠] يعم عند أكثر أصحابنا. قالت الحنفية، والغزالي، والإمام: لا يعم.
لنا:
(أ) أنه نفي يستوي، وهو أعم من أن يكون في الكل، أو في البعض، لصحة تقسيمه إليهما، ونفي العام ينفي كل فرد منه.
стр. 257
(ب) أنه لا فرق بينه وبين المساواة إجماعًا، وأنه يعم كغيره من النكرات "المنفية".
(ج) أنه لو لم يعم لكفى فيه نفي المساواة، ولو من وجه، و - حينئذ - يجب أن يصدق على كل شيئين، فلا يصدق عليه مثبتة، لأنهما متناقضان عرفًا، لكنه باطل لغة وعرفًا، ولأن كل شيئين يصدق عليهما أنهام يستويان في الوجود، أو في الشيئية، ومتى صدق المقيد صدق المطلق.
لهم:
(أ) ضد هذا.
(ب) نفي الاستواء أعم من نفيه من كل الوجوه، ومن بعض الوجوه، لصحة تقسيمه إليهما، والدال على المشترك بين القسمين لا إشعار له بهما ولا بأحدهما.
(ج) أنه لو عم لما صدق في صورة "ما"، لكنه باطل. فإن قلت: يصدق مجازًا.
قلت: أنه خلاف الأصل، فما يستلزمه - أيضًا - كذلك.
وأجيب: أنه لما تعارضت الدلائل، كان الترجيح معنا؛ لأن التعميم أولى من الإجمال.
مسألة
المقتضى لا عموم له، خلافًا لبعضهم.
لنا:
أن تعليل الإضمار أوفق للأصل.
له:
(أ) أنه يقتضي رفع نفس الخطأ، ولما تعذر حمله عليه وجب حمله على رفع جميع أحكامه، لأنه أقرب المجاز إليه.
стр. 258
(ب) ليس إضمار البعض أولى من البعض، فإما أن لا يضمر شيء أصلًا، وهو باطل وفاقًا، أو يضمر الكل، وهو المطلوب.
(ج) أنه في العرف محمول على العموم، إذ يقال: ليس في البلد قاض والمراد منه: نفي جميع الصفات المطلوبة منه.
وأجيب:
عن (أ) أن الحمل عليه إنما يجب لو لم يستلزم محذورًا.
وعن (ب) أنا نضمر حكما ما، والتعيين لدليل خارجي، وهذا وإن لزم منه إجمال، لكن التعميم يلزم منه إضمارات كثيرة، فلم قلت: إنه أولى "منه".
فإن قلت: الإضمار خير من الاشتراك.
قلت: لا يلزم منه أنه خير من الإجمال.
وعن (ج) بمنعه، بل هو محمول على نفي كل صفاته المطلوبة منه.
وهو قد يكون بنفي واحد منها.
مسألة
المتعدي إلى مفعول عام في مفعولاته عند الشافعي وأصحابه، وأبي يوسف، فيقبل فيه التخصيص.
وأنكره الحنفية.
لنا:
(أ) اعتباره بما لو أكده بالمصدر، لوجود المصدر في الفعل ضمنًا، وما ضمن كالملفوظ،
стр. 259
بدليل أنه لو قال لامرأته: طلقي نفسك، ونوى ثلاثًا - صح وفاقًا.
وما قيل: إن "أكلا" ليس بمصدر، لأنه يفيد: أكلًا واحدًا منكرًا، والمصدر هو ماهية الأكل فقط، فضعيف جدًّا.
(ب) قوله: "أكلت" يستدعي مأكولًا مطلقًا، وإرادة المقيد من المطلق جائز، فيقبل نية التخصيص فيه، ومنه يعرف أنه ليس من ضرورة قبول نية التخصيص عمومه.
(ج) أن "لا آكل" ينفي ماهية الأكل، ونفي الماهية ينفي كل فرد من أفرادها، فهو إذا يقتضي "نفي" أفرادها، وهو معنى العموم، فتقبل نية التخصيص، كالنكرة في سياق النفي.
لهم:
(أ) أنه لا يصح نية التخصيص باعتبار لفظه، وهو ظاهر، ولا باعتبار غيره، ولا يصح في المفعول فيه بجامع تعظيم اليمين.
(ب) أن تعميمه تعميم المقتضى، إذ المأكول مضمر فيه للضرورة، كالملك في قوله: اعتق عني عبدك بألف.
(ج) المحلوف عليه هو الأكل الكلي الصادق على كل أكل، وهو معنى واحد لا تعدد فيه، فلا يقبل نية التخصيص.
وأجيب:
عن (أ) بمنع انتفاء اللازم، ثم بالفرق وهو: أن تعلق بالفعل بالمفعول به أقوى من تعلقه به، بدليل وجوب إقامته مقام الفاعل مع وجوده، ولأنه يمكن انفكاك الفعل عن الزمان والمكان، كما في فعله تعالى، ولا يمكن انفكاك فعل متعد إلى مفعول به عنه.
وعورض: بأنه لازم للمتعدي وغيره، بخلاف المفعول به.
وأجيب: بمنعه، وسنده ما تقدم، سلمناه لكن لا يلزم منه عموم قبول نية التخصيص باعتبار غير اللفظ لأنه أعم منه، ففساده لا يوجب فساده.
وعن (ب) بمنعه، إذ دلالة الفعل على المفعول به من جهة الوضع دونه.
стр. 260
وعن (ج) أنه يقبل التقييد، وإن لم يقبل التخصيص.
مسألة
نحو: ﴿يا أيها النبي﴾ [التحريم: آية ١] لا يتناول الأمة، فإن يثبت ذلك الحكم في حقهم فللمنفصل.
خلافًا للحنفية والحنابلة، فإذا خروجهم عنه لمنفصل.
وما اختص بهم لا يتناوله وفاقًا.
أدلة الجمهور
لنا:
أنه لا يدل عليه بلفظه، إذ لم يوضع لهم، ولا بمعناه، لأن ثبوته في حقه ﵇ لا يستلزمه ثبوته في حقهم قطعًا، ولا ظاهرًا لئلا يلزم مخالفته حيث لم يثبت.
ولأن ثبوت الحكم في حقه قد يكون مصلحة دونهم، ولهذا اختص الرسول بأحكام، فلا يلزم من الثبوت الثبوت.
لهم:
(أ) بأنه يفهم عرفًا من خطاب المقدم على قوم خطابهم معه، ولهذا من تخلف منهم يستحق الذم.
(ب) كانت الصحابة تعتقد دخولهم تحت الخطاب المختص به ﵇ ولهذا كانوا يتسارعون إلى فعله بمجرد سماعه.
стр. 261
(ج) الغالب الاشتراك في الأحكام، وهو يغلب ظن الدخول.
وجواب:
(أ) أنه غير مطرد، وحيث يفهم ذلك فالقرينة دالة.
و(ب) منعه، ولو سلم فمنفصل.
و(ج) أنه لدليل آخر، لا من نفس الخطاب.
مسألة:
ما تناول الرسول والأمة، كقوله: ﴿يا أيها الناس﴾ [البقرة: آية ٢١].
ثالثها: قال الصيرفي والحليمي. لا يدخل إن كان معه "قل".
لنا:
(أ) عموم اللفظ.
(ب) دخوله في كثير من الخطاب الذي شأنه ما ذكرنا، بدليل ثبوت حكمه في حقه، والأصل عدم دليل آخر.
(ج) فهمت الصحابة دخوله تحته، لأنه إذا كان لم يفعل سألوه فيذكر موجب تخصيصه، فكان إجماعًا.
وأورد عليه: بأنه لقرينة التسوية، إذ يقل مثله في الخطاب الخاص بهم.
لهم:
(أ) أن منصبه يقتضي إفراده بالذكر، لما فيه من التعظيم.
стр. 262
(ب) له خصائص في الأحكام، فليخص بكل ما يعني به.
(ج) لو كان داخلًا تحت الخطاب لكان مبلغًا ومبلغًا إليه، وهو ممتنع.
وجواب:
(أ) منعه، ووجوب رعاية كل ما فيه التعظيم البالغ بالنسبة إلى الله تعالى ممنوع.
(ب) منع لزوم الثاني للأول.
(ج) أنه غير ممتنع باعتبارين مختلفين.
وجواب:
(أ) و (ب) المنع، إذ التبليغ قد يحصل بغيره، والتمسك بها وبغيرها.
(ج) المعهود إنما هو التخصيص ببعض الحاضرين، وهو عام فيهم.
مسألة:
المخاطب يدخل تحت خطابه إذا كان صالحا له، وخروجه عنه لمنفصل.
خلافًا لبعض الشاذين.
لنا:
اللفظ عام وكونه مخاطبًا ليس بمانع منه، إذ لو صرح به لم يعد متهافتًا، ولأن الأصل عدمه، ويؤكده الاستعمال كقوله تعالى: ﴿والله بكل شيء عليم﴾ [البقرة: آية ٢٨٢، النور: أيات ٣٥، ٤٦، الحجرات: آية ١٦، التغابن: آية ١١].
لهم:
(أ) قوله تعالى: ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة: آية ٢٤٨، آل عمران: آية ٢٩، المائدة: آية ١٧، الأنفال: آية ٤]. و ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: آية ٦٢]، ولم يدخل هو تعالى تحته.
стр. 263
(ب) لو لم نقل به فحيث دخل فلمنفصل، ولو قلنا به فحيث لم يدخل يلزم الترك بالدليل.
وجواب:
(أ) أنه لمنفصل.
(ت) ما سبق.
مسألة
قول الصحابي:
نهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر.
(وقضى بالشفعة).
стр. 264
أو (قضى بالشاهد واليمين، ونحوه)
لا يعم إذ الحجة هو المحكي، ولعله وقع في صورة خاصة تظن عمومه
وقيل: يعم، إذ هو عدل عارف فالظاهر الصدق، فوجب الاتباع، واحتمال الخصوص خلاف الظاهر.
стр. 265
وأجيب:
بأن عدالته إنما تمنع من التقول لا من الاجتهاد، فلعله قال اجتهادًا.
وقوله ﵇: "قضيت بالشفعة للجار" يعم ظاهرًا، ويحتمل أن يكون في جار معين، واللام للعهد، ويقل هذا الاحتمال عند سماعه شفاها، إذ المعهود يعلمه السامع ظاهرًا.
وقوله: "قضى رسول الله ﷺ بأن الشفعة للجار" وقوله ﵇: "قضيت بأن الشفعة للجار" أظهر في العموم من المتقدمين، لظهور بيان شرعية الحكم.
مسألة:
لا عموم للفعل بالنسبة إلى أحواله، إلا: لمنفصل لأنه إن لم يقع إلا: على وجه واحد كقوله: (صلى داخل الكعبة) فظاهر.
стр. 266
وإن أمكن وقوعه على غيره كقوله: (صلى بعد الشفق).
فكذلك، وإن قيل: يحمل المشترك على المهفومين، لأنه محتمل لهما، فلا يثبت العموم مع الشك، نعم لو قيل: بعد الشفقين عملهما، للصراحة بكيفية الوقوع.
وكذلك قوله: "كان الرسول ﵇ يجمع بين صلاتين"
لا يعم وقتيهما، ولا سفر النسك وغيره، وإن قيل: بأنه يفيد التكرار، وإلا ظهر أنه
стр. 267
لا يفيده لغة، ويفيده عرفًا، إذ لا يقال: كان يتهجد إذا فعله مرة.
ولا عموم له - أيضًا - بالنسبة إلى الأشخاص، ودخول الأمة في فعله ﵇ لمنفصل
مسألة
قال الشافعي ﵁: ترك الاستفصال في حكاية الحال، مع قيام الاحتمال، ينزل منزلة العموم في المقال.
كقوله ﵇ لابن غيلان حين أسلم على عشرة: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن".
стр. 268
من غير سؤال عن كيفية عقدهن جمعا وترتيبًا، لأن إطلاقه القول يدل على أنه لا فرق بينهما.
وتقدير احتمال معرفة الحال خلاف فرض ال مسألة .
مسألة
إذا علق الشارع حكمًا على علة عم قياسًا شرعًا.
وقيل: صيغة.
وقال القاضي والغزالي: لا يعم.
لنا:
أن المتبادر إلى الفهم من قوله: "فإنه يحشر يوم القيمة ملبيًّا".
стр. 269
علته الإحرام، والحكم يعم، لعموم علته وفاقًا ولا يعم صيغة، إذ ليس في اللفظ ما يفيد العموم لغة أو عرفًا وقوله: "حرمت الخمر لإسكارها" مثل "حرمت المسكر" ممنوع.
ولأنه لو قال: أعتقت غانما لسواده، لا يعتق جميع عبيده السود.
قالا: يحتمل أن يكون لخصوصية ما ورد فيه مدخل.
قلنا: يعم لكنه مرجوح والراجح ما تقدم، ولأنه ﵇ جعل علة الحكم خاصة الإحرام.
مسألة
مفهوم الموافقة
إذا لم يكن دلالته لفظية -، ومفهوم المخالفة ليسا بعامين، إذ العام: لفظ تتشابه دلالته بالنسبة إلى مسمياته".
وقيل: بعمومه، لثبوت الحكم به في جميع الصور ولا نزاع فيه.
مسألة
العطف على العام لا يقتضي العموم، إذ مقتضاه الجمع، قال الله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق
стр. 270
بردهن﴾ [البقرة: آية ٢٢٨] وهو خاص مع أن ما تقدمه عام.
التخصيص
وحده
(إخراج بعض ما يتناوله الخطاب عنه).
وعند الواقفية، والقائلين بالاشتراك "إخراج بعض ما يصح أن يتناوله".
وأورد على الأول: بأن الحقيقة إن كانت مرادة فلا إخراج، وإلا: فلدليل، و - حينئذ - لا يتناول.
وضعفه بين.
والتقييد بالوضع غير محتاج إليه في كونه مانعًا، لأن اللفظ وحده لا يتناول المعنى المجازي.
والعام المخصوص: ما استعمل في بعض ما تناوله، وعلى الرأي الآخر: ما استعمل في بعض ما يصح تناوله.
والمخصص حقيقة: قصد المتكلم.
ويقال مجازًا: لدليله، ولإقامة الدلالة، ولمن اعتقده، أو قال به.
مسألة:
فرق بين التخصيص والنسخ:
بأنه يختص بالزمان، والتخصيص بالأعيان، وأن النسخ يرد على حكم ثابت بطريق ما،
стр. 271
والتخصيص يختص بالثابت لفظًا، وأنه يرد على حكم الخاص، والتخصيص يختص بالعام - وأنه إبطال دونه، فإنه بيان.
وأن الناسخ يجوز تأخيره عن وقت العمل بالمنسوخ، بل يجب على رأي، دونه. وأنه يجوز نسخ شريعة بشريعة، ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى، وهو فرع ما تقدمه.
وأن النسخ رفع، أو انتهاء بعد ثبوت، دونه، وأن الناسخ يجب تراخيه، دونه، وأنه لا يثبت بالإجماع والقياس، بخلاف التخصيص.
وأنه لا يجوز نسخ المقطوع بالمظنون، وتخصيصه به جائز، ونسخ الخبر غير جائز على الأظهر، وتخصيصه جائز، وأن الناسخ يجب أن يكون طريقًا شرعيًّا، دونه.
وقيل: التخصيص عام، والنسخ خاص، وفرق ما بينهما ما بين العام والخاص.
وفيه نظر، إذ لا يصح ذلك لغة، ولا شرعًا، لما تقدم.
مسألة
يجوز إطلاق العام وإرادة الخاص، أمرًا كان أو خبرًا.
لنا:
قوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: آية ٥]، ﴿الله خالق كل شيء﴾ [الزمر: آية ٦٢]، ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [المائدة: آية ١٧، الأنفال: آية ٤١] وهو تعالى شيء.
ولقوله تعالى: ﴿قل أي شيء أكبر شهادة قل الله﴾ [الأنعام: آية ١٩] وقوله: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ [القصص: آية ٨٨].
ولأن الشيء: إما أن يصح أن يعلم، ويخبر عنه، أو ما له وجود في الخارج، ولأن النزاع في التسمية.
стр. 272
فإن قلت: التناول ممنوع، إذ اللفظ لا يوضع لما يخالف المعقول، سلمنا صحة الدليل لكنه معارض: بما أن تجويزه في الأمر يوهم البداء، وفي الخبر الكذب، وإيهام القبيح قبيح.
قلت: الدليل عليه: أنه لو فرض صدوره، أو ما يجري مجراه، نحو قوله: كل شيء يفنى أو يموت، عمن لمن يثبت صدقه، فإنه يتوجه نحوه التكذيب، ولولا التناول لما توجه، وفناء الواجب لذاته محال، كخلق الشيء نفسه، والإبهام زائل، بدليل امتناعهما عليه.
ومن الخبر المخصوص قوله تعالى: ﴿تدمر كل شيء﴾ [الأحقاف: آية ٢٥]، ﴿وأوتيت من كل شيء﴾ [النمل: آية ٢٣]، ﴿يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾ [القصص: آية ٥٧]، ﴿وأوتينا من كل شيء] [النمل: آية ١٦]، ونحوه كثير.
مسألة:
ما عم معنى تابعًا للفظ، كالمفهوم: يخص إذا لم يعد نقضًا على اللفظ.
أو غير تابع، كالقياس، ففي تخصيصه خلاف.
وما عم لفظًا: يخص (إلى) الواحد وقيل: في الجمع إلى ثلاثة
وقال البصري، وإمام الحرمين، والإمام: إلى أن يبقى كثرة يقرب من مدلوله في الكل.
وقيل: بالاستثناء والبدل إلى واحد، وبالصفة، والمنفصل - في المحصور القليل - إلى اثنين، وهو تحكم، وفي غيره لا بد من الكثرة.
стр. 273
أدلة القائلين بالتخصيص إلى الواحد
فاستدل للأول:
بقوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر﴾ [الحجر: آية ٩] ونحوه: وهو للتعظيم وهو في غير محل النزاع.
وبقوله: ﴿قال لهم الناس﴾ [آل عمران: آية ١٧٣] والمراد نعيم بن مسعود.
وأجيب: بأنه للعهد.
وقوله: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة﴾ [المائدة: آية ٥٥] والمراد علي- ﵁.
وأجيب: بمنعه، ثم بأنه للإبانة على أنه جار مجرى العدد الكثير. وبه سقط تمسكهم بأثر عمر، وهو قوله: "قد نفذت إليك ألفي فارس" حين نفذ إلى سعد ألف فارس، والقعقاع. وبالقياس على الاستثناء، والبدل.
وبأنه ليس البعض أولى من البعض بالتخصيص إليه، فجاز إلى الواحد.
стр. 274
وبأن امتناعه ليس لعدم استعماله في حقيقته، ولا لصيرورة الخطاب مجازًا، وإلا: لزم أن لا يجوز التخصيص أصلًا (ولا) لبطلان دلالة صفة الصيغة، إذ لا يزيد على أصل الصيغة، ولأن ذلك ليس حاصلًا في كل الألفاظ، بل اختص بصيغ الجموع.
وأجيب
وعن (أ) بمنع الحكم، ثم بمنع القياس في اللغة، ثم بالفرق، وهو أن في الاستثناء والبدل يتغير الإسناد، دون غيره، ويخص الاستثناء: أن مع المستثنى منه كالشيء الواحد.
وعن (ب) بمنعه.
وعن (ج) بمنع أسباب عدم الجواز فيما ذكروه، فإن التخصيص إلى الواحد ونحوه من جملة أسبابه.
للبصري:
أنه يقبح قوله من قال: "أكلت (كل) ما في الدار من الرمان" وكان قد أكل واحدة من ألف فيها، وكذا قول من قال: (من دخل داري فله درهم) وقال: أردت زيدًا بعينه، أو أقل الجمع.
وقوله: (أكلت اللحم، وشربت الماء)، للمعهود الذهني، فليس هو مما نحن فيه.
وللمفصل:
أن رد الجمع للواحد إبطال لدلالته بالكلية، فيكون كالنسخ، فلا يقبل فيه ما يقبل في التخصيص، بخلاف غيره، فإنه ليس فيه إبطال دلالة هيئة الصيغة.
وأجيب: بمنعه، فإن دلالته على بعض مدلوله باقية، سلمناه لكن لا يوجب ذلك ما ذكرتم، وإلا: لزم أن لا يقبل في حمل اللفظ على المجاز الخارجي، إلا: ما يقبل في النسخ.
стр. 275
مسألة:
المخصوص مجاز في الباقي عند الأكثر.
حقيقة عند الحنابلة، وبعض أصحابنا والحنفية. وقال البصري، والكرخي، والإمام: إن خص بمنفصل.
وقيل: إن خص بلفظي.
وقال الرازي: إن بقي بعد التخصيص جمع، وعنه: إن كان الباقي غير منحصر.
وكلام الغزالي: صريح في أنه مجاز بلا خلاف، إن لم يبق جمع.
وقيل: حقيقة في تناول ما بقي، مجاز في الاقتصار عليه، وهو اختيار إمام الحرمين، وهو أجود المذاهب بعد الأول.
لنا:
أنه مستعمل في غير ما وضع له، إذ الغرض أن موضوعه العموم، فيكون مجازًا، إذ هو معناه.
و- أيضًا - لو كان حقيقة فيه، مع أنه حقيقة في العموم - لزم الاشتراك.
و- أيضًا - الحمل عليه لقرينة، وأنه آية التجوز.
فإن قلت: العام وحده حقيقة في العموم، ومع القرينة المستقلة في الخصوص، سلمناه لكنه مع المتصلة التي هي كالجزء، ولا يفيد إلا: ذلك البعض، و - حينئذ - لا يكون حقيقة في غيره، فيكون حقيقة فيه، وهو في الاستثناء أظهر، إذ هو مع المستثنى منه ككلمة واحدة.
стр. 276
وأجيب:
عن (أ) بأنه ينفي وجود المجاز أصلًا.
وعن (ب) منع اقتضاء ذلك، لأنه مقيد كغيره، وإنما يغير إفادته سبب تلك الزيادة، ثم إنه منقوض: بـ "رأيت أسدًا يرمي" وظهوره في الاستثناء لكونه ككلمة واحدة: ممنوع.
لهم:
أن اللفظ كان متناولًا له حقيقة، وهو باق.
وأجيب: بمنع بقاء التناول، إذ كان مع الغير. قالوا: يسبق إلى الفهم.
قلنا: بقرينة مجموع التخصيص والعموم.
للقاضي:
أن الاستثناء مع المستثنى منه
كـ (كلمة واحدة) والشرط لم يخرج، وإنما قيد الحكم ببعض أحواله، واللفظ ليس بعام في الأحوال حتى يصير بسببه مخصوصًا.
وجوابه: في الاستثناء ما سبق، وفي الشرط أنه يلزم من التقييد خروج بعض الأفراد عنه، فيكون مجازًا.
للرازي:
أنه إن بقي غير منحصر، أو جمع، فقد بقي معنى العموم. وأجيب: بمنعه، إذا كان للجميع.
وللبصري:
لو كان التغير - بسبب ما لا يستقل - يوجب تجوزًا، لكان نحو (مسلمون) للجمع،
стр. 277
والمسلم للجنس مجازا.
وأجيب: بمنعه، إذ الدلالة للمجموع، ولم يعقل منها معنى أصلا، بخلاف المتصلة، فإنه يعقل منها الإخراج لفظا، أو معنى.
للإمام:
أنه كان متناولا له حقيقة، ولم يدل سوى عدم الاقتصار، فهو مجاز من هذا (الوجه).
وأجيب: بأنه إن أراد به أنه سبب التجوز في الباقي فمسلم، وإن أراد أن فيه التجوز دون تناوله الباقي - فممنوع -.
تنبيه:
أدلة من قال بالانفصال ومناقشته
إذا قال الله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: آية ٥] فقال الرسول عقيبه، إلا فلانا:
فهو منفصل للتعدد، ولأنه كالجزء، فلا يفرد، فلا يقبل، فإن قبل فلا أقل من أن يقبل منفصلا.
وقيل: متصل لاتحاد الشارع، وإنما الرسول مبلغ.
مسألة:
يجوز التمسك بالعام المخصوص.
стр. 278
وقال عيسى بن أبان ومحمد بن شجاع، وأكثر المعتزلة.
الكعبي والكرخي: إن خص بمتصل.
وقيل: إن كان المخصوص معلومًا.
وقيل: لا يجوز وفاقًا في مجهوله، وهو الأظهر.
أبو عبد الله البصري: إن كان التخصيص لا يمنع من التعلق به - لا، كتخصيص (السارق) و (السارقة) بالشرط، والنصاب.
وعبد الجبار: إن كان بحيث لو عمل بظاهره، بعد التخصيص.
لعمل بالمراد وغيره - لا، كقوله: ﴿وأقيموا الصلاة﴾ [البقرة: آية ٤٣] فإنه مفتقر إلى البيان قبل إخراج الخاص.
وقيل: يجوز في أقل الجمع، لا ما زاد عليه، ولعله قول من لا يجوز التخصيص إليه.
أدلة الجمهور
لنا:
(أ) الإجماع: إذ التمسك بالمخصوص شائعًا ذائعًا في كل عصر من غير نكير.
стр. 279
(ب) المقتضي للحكم في هذا البعض قائم، وهو اللفظ الدال على الحكم في كل فرد، وعدم الحكم في البعض الآخر لا يعارضه، إذ لا يستلزم نفيه لا قطعًا ولا ظاهرًا.
(ج) لو لم يكن حجة فيما بقي لزم: إما التعطيل، أو الإجمال.
(د) كونه حجة في كل بعض: إن توقف على كونه حجة في الآخر لزم الدور، وإلا: لزم الترجيح من غير مرجح، أو حصل الغرض، وهو دور معية لا امتناع فيه.
واحتجوا:
بأن العموم إن لم يرد لم يكن البعض أولى من البعض. وبأنه بعد التخصيص كقوله: "اقتلوا المشركين إلا بعضهم" وبأن أقل الجمع متيقن دون غيره.
وأجيب: بأن الباقي أولى، وبمنع أنه مثله، إذ المخرج معلوم فيما نحن فيه، وبمنع التيقن (فيه) ولو سلم فمناط التكليف الظن، لا التيقن، وهو حاصل فيما بقي.
مسألة:
مذهب جمهور الأصوليين والفقهاء
لا يجوز التمسك بالعام قبل البحث عن المخصص خلافًا للصيرفي، وقيل: وفاقًا، والأول أليق بأصله.
وإذا حضر وقت العمل وجب العمل به إجماعًا: لكن مع الجزم بعدم المخصص عند
стр. 280
جمع كالقاضي. ومع ظنه عند الآخرين، كابن سريج، إمام الحرمين، والغزالي، وهو الأولى، إذ عدم الوجدان - ولو بعد البحث الشديد - لا يدل على العدم جزمًا، والقياس على طلب المتاع في البيت، وسلم الحكم فيه - فضعيف، لانضابطه، دون ما نحن فيه، وكذا التمسك بوجوب إيصاله إلى المكلف، إزالة للبس، والخطأ عنه في عمله، لأنه لا يصح مع القول بالتحسين والتقبيح، فكيف مع بطلانه.
للصيرفي:
(أ) أن احتمال وجود المخصص مرجوح، فلا يترك به ظاهر العموم.
(ب) الأصل عدمه، فيغلب ظن عدمه، وهو كاف في ظن إثبات الحكم.
(ج) لو لم يجز هذا، لم يجز التمسك بالحقيقة قبل البحث عما يصرفه إلى مجازه، بجامع تعليل الخطأ.
وأجيب عنها: بمنع مرجوحيته، وغلبة ظن عدمه، وبمنع الملازمة، إذ العمومات كلها مخصوصة، إلا ما قل جدًّا، للأثر والاستقراء.
لابن سريج:
(أدلة)
أن حجية اللفظ في كل صورة متوقفة على عدم المخصص، وهو مشكوك فيه قبل الطلب، والترجيح بأن الأصل عدم المخصص، وعدم المعارض - معارض بأن الغالب وجوده، وأن الأصل عدم حجيته.
стр. 281
فرع:
ثم طلقه إلى أن يقطع بعدمه متعذر، فيطلب إلى أن يبلغ ظن عدمه، بحيث لو طلب ثانيًّا لما أجداه نفعًا.
والمخصص المتصل أربعة - وبدل البعض منه، ولم يذكر -:
الأول - الاستثناء:
وهو استفعال من الثني، وهو الصرف، وثني الثوب: ما عطف من أطراف الأذيال.
وحده:
(إخراج بعض الجملة عنها، بلفظ: إلا أو أحد أخواتها). وقيل: (ما لا يدخل في الكلام إلا: لإخراج بعضه بلفظ، ولا يستقل بنفسه).
خرج عنه التخصيص بالعقل، والقياس، والمنفصل، والصفة، والشرط، والغاية، فإنها قد تدخل.
واعترض عليه:
(أ) بأنه غير جامع، إذ لا يتناول نحو: (جاء القوم غير زيد) وهو استنثناء وفاقًا.
(ب) وبأنه ليس لإخراج بعض الكلام، بل مدلوله.
(ج) وبأنه تعريف للاستثناء بالاستثناء.
وأجيب:
عن (أ): بأن غير أصله للصفة، واستعماله في الاستثناء مجاز.
وعن (ب) بأن الضمير عائد إلى مدلوله، والكلام دل عليه، ولو سلم لكن المراد: مدلوله تجوزًا.
стр. 282
وعن (ج) أنه منقدح، ويندفع هو والأول: لو قيل: (ما يدخل في الكلام ... ) إلى آخره.
مسألة:
يجب اتصاله بالمستثنى منه عادة.
خلافا لابن عباس.
واستبعد: فحمل على ما إذا نوى متصلا، ثم أظهره ولو بعد مدة، فإنه يدين بينه وبين الله تعالى، وهو (مذهب) بعض المالكية.
وقيل: بقوله ظاهرا.
وقيل: يجوز في كتاب الله خاصة، لأنه أزلي، فلا يتصور فيه التقدم والتأخر، وإنما هو في الأصول، فلا يضر.
وعن عطاء بن أبي رباح: أنه يجوز في المجلس.
لنا:
(أ) الإجماع على أن الطلاق ونحوه إذا نفذ لا مرد له، ولو صح الاستثناء منفصلا
стр. 283
لكان له مرد.
ورد: بأنه يبين عدم النفوذ، لا أنه يرد بعده.
(ب) القياس على خبر المبتدأ والشرط، "بجامع" عدم الاستقلال، بل هو أولى بعدم الاعتبار، لما فيه من إبطال الكلام الأول.
(ج) مقتضى الدليل أن يصح الاستثناء أصلا؛ لأنه رفع وإنكار بعد الإثبات، والإقرار ترك العمل به في المتصل للحاجة، فيبقى ما عداه على الأصل.
(د) أرشد ﵇ الصحابي الذي كان يخدع في البيع إلى اشتراط الخيار، ولو صح منفصلا لأرشد إليه.
ونحوه في قوله ﵇ "من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه".
стр. 284
له:
(أ) قوله ﵇: "لأغزون قريشًا" ثم سكت، وقال: " إن شاء الله تعالى".
(ب) أنه قال: "إن شاء الله تعالى" بعد نزول قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله﴾ [الكهف: آيات ٢٣، ٢٤] الآية، قصد به الاستثناء عما روي في سبب نزوله.
(ج) الاستثناء رافع لحكم اليمين، فجاز تأخيره.
كـ (الكفارة).
(د) القياس على النسخ والتخصيص.
وأجيب:
عن (أ) بأنه محمول على سكتة يسيرة لعذر، جمعًا بين الدليلين.
стр. 285
وعن (ب) بمنع عوده إليه، بل هو عائد إلى قوله: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا﴾ [الكهف: آية ٢٣]. أو إلى قوله: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ [الكهف: آية ٢٤].
وعن (ج) يمنع الجامع، ثم بالفرق، وهو أنه رافع لأصل اليمين، والكفارة رافعة لحكمهما، في التأثيم بعد تحققها.
وعن (د) منع الجامع، والقياس في اللغة، ثم إنه منقوض بخبر المبتدأ. أو الشرط وهو واضح.
مسألة:
الاستثناء من غير الجنس يصح مجازا، وما نقل جوازه عن الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة، محمول عليه، إذ الحمل على الحقيقة بعيد.
وقيل: حقيقة متواطئا.
وقيل: مشتركا.
لنا:
(أ) أن المتبادر منه إلى الفهم معنى الصرف، وهو غير معقول فيه، ولو حمل اللفظ على المشترك بين المستثنى منه، والمستثنى: لزم جواز استثناء كل شيء من كل شيء.
(ب) أنه حقيقة في الجنس وفاقا، فلا يكون حقيقة في غيره دفعا للاشتراك، والحمل على التواطؤ يوجب فهم معنى واحد مشترك بين الصورتين، وكون حكم المستثنى مخالفا لما قبله، أو أن له حكما آخر مخالفا له بوجه، مثل: (ما زاد إلا ما نقص)، وإن كان مشتركا، لكن الصرف المفهوم من الجنس غير مفهوم من غيره، فلم يتحد المعنى.
(ج) أجمع فقهاء الأمصار في الأعصار على أنه لا يحمل على المنقطع، إلا: بعد تعذر حمله على المتصل، وأنه آية التجوز.
لهم:
следующие страницы →