Полный текст (825 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
مسألة
القاضي والغزالي وكثيرون: النسخ رفع.
الأستاذ، وإمام الحرمين، والإمام؛ انتهاء.
وهو: كالخلاف في زوال الأعراض، فإن الانعدم بالضد عند من يقول: ببقائها، وبنفسه عند من لم يقل.
للقاضي:
(أ) الأصل عدم التغيير
(ب) لو كان انتهاء: لم يبق فرق بين المطلق، وبين المغيا بعينه، إلا: في اللفظ، وهو خلاف ما يجده المنصف من نفسه.
(ج) أن عدمه ليس ضروريا، وإلا: لما وجد، ولا لعدم الأعراض، وإلا: لما استمر، فهو - إذا - لمزيل، واحتمال اشتراطه بوقت معين خلاف ظاهر اللفظ، كيف والأصل عدمه.
الأستاذ:
(أ) ليس زوال الباقي بالطارئ أولى من اندفاعه به، لا يقال: الحادث بحدوثه أقوى، لامتناع عدمه حال حدوثه، لأن الباقي مثله، ولأنه إن لم يحصل له شيء زائد على حالة الحدوث: استويا، وإلا: فهو لحدوثه مساو له، فلم يترجح الحادث عليه، وعلى الباقي، وفيهما نظر.
(ب) الحادث إن وجد مع وجوده لم ينافه، وإلا: لم يعدمه، لامتناع إعدام المعدوم، وليس كالكسر مع الانكسار الذي (هو) زوال تأليفات هي أعراض غير باقية، فلا يؤثر الكسر فيه.
(ج) حصول الطارئ مشروط بزوال الباقي، فتعليله به دور.
(د) أن الحكم قديم، فرفعه ممتنع، والتعليق قديم أو عدمي، وإلا: لكان الباري محلا
стр. 422
للحوادث.
(هـ) أن علم الله تعالى به: إما بدوامه، أو إلى وقت معين، و - حينئذ - امتنع زواله بمزيل.
(و) الحكم: إما ثابت، وإما منفي، وعلى التقديرين يمتنع رفعه.
وأجيب:
عن (أ) بأولوية الحادث، إذ العلة التامة - لعدم الشيء - تنافي وجوده، وبالعكس، فلولا الأولوية لامتنع حدوث العلة التامة.
وقدح: بمنع العدم والوجود بالعلة التامة، بل هو بالفاعل المختار.
وعن (ب) أن تمام الطارئ انعدام الباقي، وهو ليس إعدام المعدوم، كإثبات الوجود ليس إيجاده الموجود.
وعن (ج) بأنه دور معية، إن عنى به لا موجود بدونه، وإن عنى به حقيقته فمنع أنه مشروط به.
وعن (د) ما سبق، ولا يلزم من كونه حادثا كونه تعالى محلا للحوادث.
وعن (هـ) أنه علم زواله به في ذلك الوقت، وهو لا يمنع زواله به كما في العلم بحدوث العالم.
وعن (و) النقض بالانتهاء والزوال.
والتحقيق: أنه لا استحالة في ارتفاعه بتمامه.
مسألة
الفرق بين النسخ والبداء
البداء هو: (الظهور بعد أن لم يكن كذلك)، قال الله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما عملوا﴾ [الجاثية: آية ٣٣]، ﴿وبدا لهم من الله﴾ [الزمر: آية ٤٧] ويقال: بدا لنا وجه الرأي، والنسخ: ما تقدم،
стр. 423
فهو - إذا - غيره، وغير مستلزم (له) لأنه يجوز أن يكون فعل الشيء مصلحة في وقت، ومفسدة في آخر، وجوازه بين، فإن أكثر الأمور العادية كذلك، فينسخ فيه، وهو نسخ، بلا بداء،
وقالت الرافضة واليهود: إنه يستلزمهم التسوية في جوازهما وعدمه.
فقالت اليهود: لا يجوز النسخ من الله تعالى، لامتناع البداء عليه.
وقالت الرافضة: يجوز البداء عليه، لجواز النسخ منه. وكل كفر: والثاني أغلظ، وأقبح وأصرح، إذ يمكن حمل الأول على وجه لا يلزم منه الكفر، بأن يجعل التعبد شرعا مغيا إلى ظهور آخر، وبهذا التأويل أنكر بعض المسلمين النسخ.
ثم الرافضة بهتوا في نسبة تجويزه إلى أهل البيت، حيث نقلوا عن علي ﵁ أنه قال: (لولا البداء لحدثتكم بما هو كائن إلى يوم القيامة)، وعن جعفر الصادق ﵁ أنه قال: (البداء ديننا ودين آبائنا في الجاهلية)، ونقلوا عنه - أيضا -: (ما بدا الله في شيء كما بدا له في إسماعيل)، أي: في أمره بذبحه، واتخذوا هذه الأحاديث المخترعة، مستندا للمذهب الباطل.
واستدلوا عليه:
بقوله تعالى: ﴿يمحوا الله ما يشاء﴾ [الرعد: آية ٣٩].
وبأن الفعل إن خلا عن المفسدة حسن الأمر (به) دون النهي، وإلا: فبالعكس، ولم يحسن الأمران إلا: بحسن البداء.
стр. 424
وبأنه لو لم يجز لكان فعله كفعل الطبائع، وهو ينفي كونه مختارا وفي هذا المعنى قال قائلهم:
لولا البدا سميته غير هايب ... وذكر البدا نعت لمن يتقلب
لولا البدا ما كان فيه تصرف ... وكان كنار دهرها يتلهب
وكان كضوء مشرق بطبيعة ... وبالله عن ذكر الطبائع يرغب
واعلم أن نصوص الكتاب كقوله: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء﴾ [يونس: آية ٦١]، وقوله: ﴿وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ [الأنعام: آية ٥٩]، وغيرها يدل على إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، والبراهين العقلية دالة عليه - أيضا - ثم هو معلوم البطلان قطعا من دين الرسل ﵈.
ولا حجة في الآية، لأن المحو للمشيئة، لا للبداء، بل فيه دلالة على بطلانه.
وجواب المعقول: ما تقدم في أول المسألة.
وكونه مختارا بنفي ذلك، لأن المختار هو الذي يفعل بمحض الاختيار، لا لأنه بدا له، على أن الملازمة ممنوعة، وسنده بين.
مسألة
النسخ جائز عقلا، وواقع سمعا .
خلافا لليهود غير العيسوية.
وأنكر بعضهم الوقوع، وهو مذهب بعض المسلمين.
لنا:
стр. 425
أنه لا يمتنع لذاته وصورته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال ولا لغيره، إذ البداء غير لازم على ما تقدم، ولا إخلال حكمه، إن سلم القول، بها والأصل عدم غيره.
ولا دلالة - لقوله تعالى: ﴿ما ننسخ﴾ [البقرة: آية ١٠٦]، وقوله: ﴿وإذا بدلنا﴾ [النحل: آية ١٠١] الآية - على جوازه، ولا على وقوعه، إذ الملازمة قد تكون بين الممتنعين.
واستدل - أيضا -:
بأن القواطع دلت على صحة نبوته ﵇ وهي لا تثبت إلا: مع القول بالنسخ.
وضعفه: بما سبق من الاحتمال.
وبالإجماع على وقوعه، وهو إنما يصح لو ادعى قبل ظهور المخالف، وإلا: فمعه لا يصح والأولى: أنه صحت نبوته ﵇ بالقواطع، فصحتها إن توقفت على وقوعه لزم وقوعه؛ لصحتها، وإلا: لزم ذلك - أيضا - لأن شريعته مخالفة لشريعة من قبله، ولبعضها، وليس هو بطريق انتهاء الغاية، وإلا: لزم نقل تلك الغاية متواترا كأصل الشريعة.
لا يقال: توفر الدواعي على نقل الأصل أكثر، لأنا نمنع ذلك، فهذا لأنه ليس من الأمور الجزئية، بل من الكلية، فهو كأصل الشريعة.
وما قيل: لعل موسى وعيسى ﵉ بينا ذلك، فضعيف، لأنه إن كان متواترا كان معلوما للكل كالشريعة، وإن كان آحادا فلا نثبته.
وأما الوقوع:
فاستدل بما في التوراة أنه تعالى قال لنوح ﵇ عند خروجه من الفلك:
(إني قد جعلت كل دابة مأكلا لك ولذريتك، وأطلقت ذلك لكم كنبات العشب، ما خلا الدم فلا تأكلوه).
ثم إنه تعالى حرم على بني إسرائيل كثيرا من الحيوانات. وأباح لآدم أن يزوج الأخت من
стр. 426
الأخ، وقد تواتر ذك في شرعه، ثم إنه تعالى حرم ذلك في شرع موسى.
وبما في القرآن من النسخ: نسخ الاعتداد بالحول في حق المتوفى عنها زوجها بأربعة أشهر وعشرا، ونسخ وجوب ثبات الواحد للعشرة بقوله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ [الأنفال: آية ٦٦] الآية، ونسخ وجوب التوجه. إلى بيت المقدس، وبوجوبه إلى الكعبة.
وحمله على التخصيص لثبوته في بعض الأحوال، كما في الحامل، إذا كان مدته حولا، وكما إذا قصد الكفار المسلمين، وهم عشريهم، وكما إذا اجتهد في حال الاشتباه، وأدى اجتهاده إليه - باطل.
ونسخ أمر تقديم الصدقة بين يدي الرسول، وبقوله تعالى: ﴿فإذ لم تفعلوا﴾ [المجادلة: آية ١٣] الآية، وليس زواله لزوال سببه، وهو تميز المنافقين عن المؤمنين، لأنه يقتضي أن من لم يتصدق يكن منافقا، لكنه باطل، لأنه لم يتصدق غير علي ﵁.
стр. 427
ونسخ وجوب الوصية للوارث بآية الميراث، وحمله على التخصيص لصحتها، بقدر أنصبائهم غير وارد، لأن ذلك جائز لا واجب، والوقوع يتضمن الجواز السمعي قطعا.
وللمنكر عقلا:
(أ) النهي عن الشيء بعد الأمر - إن لم يكن لحكمة - لزم العبث، وإن كان لها: فإن ظهرت لزم البداء، وإن كانت معلومة حالة الأمر: لزم قبحه.
(ب) النسخ: بمعنى الانتهاء خلاف الظاهر، إذ ظاهره يفيد الدوام، وبمعنى الرفع: ممتنع لما سبق، ولأن المرفوع إن كان ثابتا: استحال رفعه، وإن كان نفيا: فكذلك؛ لامتناع رفع ما ليس بشيء.
(ج) الفعل إن كان حسنا: قبح النهي عنه، وإلا: قبح الأمر به
وللمنكر سمعا:
(د) ثبت بالتواتر قول موسى ﵇: "تمسكوا بالسبت ما دامت السموات والأرض".
(هـ) أن بين شرع موسى ﵇ بما يفيد الدوام، ولم يضم إليه ما يدل على أنه
стр. 428
سينسخه - لم يجز نسخه، وإلا: لزم الجهل، وأن لا يوثق بوعده ووعيده وأن لا يعرف دوام شرعنا والتمسك عليه بالإجماع والنقل المتواتر: ممتنع، لأنه فرع الآية والخبر، والنقل لا يكون إلا: للفظ، فلعل المراد منه غير ظاهره، وإن ضم ذلك إليه لزم الجمع بين المتناقضين، وأن ينقل بالتواتر، والآحاد مثله في شرعنا، ولأنه مما تتوفر الدواعي على نقله.
وإن بين بما يفيد اللادوام: فإن لم يفد تكراره لم يجز نسخه قبل فعله، لما يأتي في مسألته، وبعده وهو ظاهر، وإن أفاد فكذلك، لأنه إن نص على غاية معينة فلا نسخ، أو غير معينة وجب أن ينقل لما سبق.
أو بمطلق: فلا يفيد إلا مرة واحدة، فيمتنع نسخه، لما سبق.
وأجيب:
عن (أ) بمنع قاعدة التحسين والتقبيح، ثم باختلاف المصلحة في الزمانين كما سبق.
وعن (ب) بأنا نسلم أنه خلاف الظاهر، لكنه لا يمنع الجواز، سلمناه، لكن نمنع امتناعه، بمعنى الرفع، وجواب ما سبق وما ذكروه: ضرورة بشرط للمحمول، وهو لا ينافي إمكان وقوع ضده، وإلا لامتنع وجود وعدم.
وعن (ج) أنه قد يحسن الشيء في وقت، ويقبح في آخر.
وعن (د) بمعنى أن قوله ﵇: "بل هو مختلق صريح بعد نبينا، وإذ لم ينقل عن اليهود الذين في زمانه ﵇" حجاجهم به على إبطال دعوته، مع شدة عداوتهم وعنادهم له ﵇، وقد قيل: إن ابن الراوندي اختلقه ولقنهم بأصفهان.
стр. 429
ثم إن تواتره: ممنوع، فإنه لم يبق في زمان (بختنصر) من اليهود عدد التواتر.
ثم إن لفظ التأييد جاء في التوراة للمبالغة:
كما في البقرة التي أمروا بذبحها: (يكون ذلك سنة أبدا).
وفي قصة (دم الفصح): (بأن يذبحوا الجمل ويأكلوا لحمه ملهوجا، ولا يكسروا منه عظما، ويكون لهم سنة أبدا).
وقال: (قربوا إلى كل يوم خروفين، خروف غدوة، وخروف عشية، قربانا دائما، لاحقا بكم)، ثم إنه زال التعبد بها عندهم.
وورد في العبد: (أنه يستخدم ست سنين، ثم يعتق في السابعة، فإن أبى العتق فلتثقب أذنه ويستخدم أبدا) وهو مدة حياته.
وعن (هـ) ما سبق في مسألة تأخير البيان عن وقت الخطاب، ثم بمنع التناقض، بل هو قرينة على عدم إرادة الدوام مما يفيده، ثم هو منقوض بالتخصيص، ونقله متواترا: إنما يجب أن لو بقى عدد التواتر منهم ثم بمنع عدم جواز النسخ قبل حضور وقت لعمل، وسيأتي تقريره.
стр. 430
مسألة
يجوز النسخ قبل مضي مقدار الفعل من وقته خلافا للمعتزلة، والصيرفي وكثير - منا -، ومن الحنفية والحنابلة.
وعن الكرخي: لا يجوز قبل فعله.
فعلى هذا يترجم بالنسخ قبل الفعل، كما وقع في كلام إمام الحرمين وغيره.
تنبيه
من قال: المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن - لزمه عدم جواز النسخ قبل وقته، إذ لا يمكن قبل الوقت، فلا أمر، والنسخ يستدعي تحققه.
ومن لا يقول بذلك: جاز أن يقول به، وأن لا يقول فليست هذه فرع تلك مطلقا، كما أشعر به كلام الغزالي - (رحمه الله تعالى) -.
واستدل:
(أ) بقوله تعالى: ﴿يمحوا الله ما يشاء﴾ [الرعد: آية ٣٩]، وهو دور، لتوقف مشيئته على جوازه.
(ب) قصة إسماعيل، فإن إبراهيم ﵇ أمر بذبحه: - للنص، فإن رؤيتهم - فيما يتعلق بالفعل والترك - وحي معمول به.
ولأنه لو لم يكن كذلك لما جاز له العزم على ذبحه، وإذعانه بإظهار مقدماته.
ولقوله: ﴿افعل ما تؤمر﴾ [الصافات: آية ١٠٢] إذ حمله على غيره يوجب ركاكة النظم.
ولقوله: ﴿وفديناه بذبح عظيم﴾ [الصافات: آية ١٠٣]، لأن المقدمات قد حصلت بتمامها، فلا يحتاج إلى الفدا، ولما سمى به. وجعله فدا عما يتوقعه من الأمر به بعيد، إذ هو عدم صرف،
стр. 431
والفدا يشعر بوجوده، ولأنه غير مناسب ونفس المتوقع وإن كان موجودا لكن لا يحسن جعله فدا منه، لما سبق.
ولقوله: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾ [الصافات: آية ١٠٦]، والمقدمات مع الظن الغالب يكون الذبح مأمورا به، وإن كان كذلك، لكنه بناء على الظن، لا في نفسه، والذبح أشد بلاء منه مطلقا، فكان الحمل عليه أولى.
لا يقال: قوله: ﴿قد صدقت الرءيا﴾ [الصافات: آية ١٠٥]، ينفي كونه مأمورا به - لأنا نمنع ذلك، إذ تصديقه يجعلها صادقة، ويكفي في ذلك العزم والتصميم عليه، سملناه، لكن العازم على الشيء كالفعل له، فيحمل عليه جمعا بين الدليلين.
ثم إنه نسخه قبل وقت فعله.
فإن قلت: بمنع نسخه:
لما روى: (أنه كلما قطع موضعا، وتعداه إلى غيره، وأوصاه الله تعالى)، وبطلان الحياة ليس جزءا من مسمى الذبح، لصحة قوله: "ذبح الحيوان"، وإن لم تبطل حياته بعد.
ولما روى: (أنه تعالى جعل (على) عنقه صفحة من حديد أو نحاس مانعة من تأثيره)، والمقدور منه إنما هو إمرار السكين، دون غيره.
سلمناه، لكن نمنع أنه قبل وقته، فلعله بعد مضي زمان يمكن فعله فيه.
قلت: الدليل عليه: أنه زال التكليف به وفاقا، فإن كان قبل فعله: فهو بالنسخ قطعا، وإن كان بعد فعله: لما احتيج إلى الفدا، ولما سمي الذبح به.
وما ذكر من السندين: فضعيف، لأنه لو وقع لنقل متواترا لإعجازه، ولأن ظاهر قوله:
стр. 432
﴿فلما أسلما﴾ [الصافات: آية ١٠٣] الآية، ينفيه، ولأنه لو وقع لحكاه الله تعالى كغيره، ويختص الثاني. بأنه غير جائز عندهم، لأنه تكليف ما لا يطاق.
وفيه نظر:
وعن (ب) أن مطلق الأمر: إن اقتضى الفور لم يجز التأخيرن وإن لم يقتضه - فإنه وإن جاز التأخير - لكن الظاهر من حالهم المسارعة إلى الامتثال بعد دخول الوقت، والسهو والنسيان بعيد، والمسألة ظنية، فيجوز التعويل على الظاهر.
(ج) أوجب خمسين صلاة ليلة الإسراء، ثم نسخ وأورد: بأنه خبر واحد.
وجوابه سهل.
وأنه نسخ قبل علم المكلف بالأمر، وهو غيرجائز وفاقا ومنع في حقه ﵇ وهو يفيد المطلوب.
قيل عليه: إنه غير مقتصر عليه، والجواز لا يستلزم ما لا يجوز، و - أيضا - لعله دخل وقت بعضها، ومثله جائز، كقوله: (واصلوا الفعل سنة)، ثم ينسخه بعد شهر.
والأستاذ بالغ وقال: كل نسخ قبل الفعل.
وضعفه بين.
وأجيب: بأنه (في) غير المختلف، أما هو فمنفصل، فدخول وقت البعض غير مؤثر في الآخر، والفرق بينهما واضح.
(د) قد بينا في الأمر أن التمكن من الامتثال ليس من شرط تحقق الأمر، والنسخ لا يعتمد
стр. 433
إلا عليه فيجوز.
والتمسك (بنسخ وجوب تقديم الصدقة) وبنسخ وجوب رد المهاجرات إلى المشركين وفاء بالشرط.
ضعيف:
لأنا نمنع أنه قبل حضور وقت العمل، إذ روى أن عليا عمل بمقتضاه.
وبمنع أنه قبل مجيئهن، وزمان يمكن ردهن فيه، سلمنا أنه قبل مجيئهن (لكن المعتبر مقدار زمان المجيء والرد، لا مجيئهن) وردهن، لأن ذلك قد لا يتفق، واعتباره يوجب عدم جواز نسخ الأمر المعلق على شرط قبول حصوله.
(هـ) وهو عقلي: أنه يحسن مثله شاهدا، كما في امتحان السيد عبده، فيحسن غائبا، الحديث.
لهم:
(أ) أنه يقتضي الأمر بالقبيح، أو النهي عن الحسن، أو البداء.
(ب) أنه يقتضي كون الشخص الواحد في الوقت الواحد مأمورا ومنهيا عن فعل واحد، من وجه واحد، إذ الكلام مفروض فيه.
(ج) إذا قالوا: (صلوا)، أو (لا تصلوا)، لا يصح وفاقا، فكذا ما نحن فيه، بجامع استلزام
стр. 434
البداء أو العبث، أو كونه نسخا قبل التمكن.
(د) إن كان الأمر والنهي غير الإرادة والكراهة، أو مستلزمها: استحال ذلك، لاستحالة اجتماعهما، ولعدم القائل بالفصل، وإلا: فهما من كلام النفس، إذ هو مفروض في الكلام القديم، فلا يمكن أن يكون المعنى الآخر، وهو عندكم صفة واحدة، فيلزم أن يكون الكلام الواحد في وقت واحد أمرا ونهيا معا.
وأجيب:
عن (أ) أنه مبني على التحسين والتقبيح، سلمناه، لكن حسن الأمر بالشيء يعتمد على اشتمالها على المصلحة، فلعل الأمر لم يبق مشتملا عليها في الزمان الثاني، وإن بقي الشيء مشتملا عليها فيه.
وعن (ب) أنه إن عنى به أنه يلزم ذلك معا: فممنوع، وسنده بين، وإن عنى به أنه يصير منهيا عنه (في) الوقت الذي كان مأمورا فيه: فمسلم، لكن نمنع امتناعه، فإنه أول ال مسألة ، وإن عنى به أنه يلزم أن يكون مشتملا على المصلحة والمفسدة معا فيه، فهو مبني على التحسين والتقبيح، ولو سلم فجوابه ما سبق، وبه نمنع أن يكون من وجه واحد.
وعن (ج) أنه لعدم حصول التراخي.
وعن (د) بمنع اجتماع الإرادة والكراهة معا، ثم بمنع أنه صفة واحدة، ثم إنه إشكال وارد على هذا القول لا تعلق (له) بالمسألة، ثم بمنع لزوم كون الواحد أمرا ونهيا معا، لأنه إنما يصير أمرا ونهيا عند التعلق، فلا يزال.
مسألة
يجوز النسخ لا إلى البدل.
خلاف لبعض الظاهرية.
لنا:
أنه لا يمتنع عقلا، بديهة ونظرا، إذ الأصل عدم ما يقتضيه، ولأنه لو كان فإنما هو مخالفة
стр. 435
المصلحة، إذ لا تعلق لغيرها بال مسألة ، لكنه باطل، إذ قد يكون الإسقاط مصلحة.
و- أيضا - نسخ: (تقديم الصدقة)، و (تحريم ادخار لحوم الأضاحي)، و (الإمساك بعد الإفطار في ليالي الصيام) - من غير بدل، وهو دليل الجواز وزيادة.
لهم:
(أ) ﴿ما ننسخ﴾ [البقرة: آية ١٠٦] الآية.
(ب) أنه في اللغة عبارة عن: النقل والتحويل، والأصل عدم التغيير.
وأجيب:
عن (أ) أنه خاص بالآية، فيجوز في مدلولها، والخير. ودفع: بعدم القائل بالفصل.
وأنه خص منه ما ذكرنا، وأن إسقاطه قد يكون خيرا. ودفع: بأنه يكون حجة في الباقي.
وزيف: بعدم القائل بالفصل بين صورة وصورة، وبأن العدم لا يصح فيه: ﴿نأت بخير منها﴾ ولأن الإسقاط حصل بالنسخ، فيكون: ﴿نأت﴾ غيره، وبأنه ينفي الوقوع، لا الجواز.
وزيف: بما سبق.
وعن (ب): بمنع أنه حقيقة فيه، سلمناه، لكنه حاصل، لكونه نقلا من الوجود إلى العدم.
مسألة
يجوز النسخ بأثقل.
стр. 436
ومنع بعض الظاهرية، وبعض - منا - سمعا، وقيل: عقلا.
لنا:
نسخ صوم عاشوراء بصوم رمضان، والتخيير بين الفدا والصوم بتعيينه، وحبس الزاني بالجلد والرجم، وعدم جواز التعرض
стр. 437
للكفار، بوجوب القتال مع التشديد العظيم، وجواز تأخير الصلاة عن الوقت في حالة القتال، بوجوب إقامتها فيها.
لهم:
(أ) ﴿نأت بخير منها﴾ [البقرة: آية ١٠٦]، و ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: آية ١٨٥]، ونحوه.
(ب) وبأن فيه زيادة التنفير من الانفياد.
وأجيب:
عن (أ) بمنع أن الأثقل ينفيه، إذا الخير ما هو أصلح في المعاد، وآية اليسر ونحوه مخصوصة بجواز شرعيته ابتداء.
وعن (ب) أنه مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، ثم هو منقوض بالنقل من الصحة والغنى إلى السقم والفقر المدقع ثم بأن المعتبر إنما هو المصالح الدينية، فلعلها في الأثقل.
مسألة
يجوز نسخ ما أكد بالتأييد في الإنشاء. خلافا لبعضهم.
لنا:
(أ) قياسه على التخصيص المؤكد بـ (الكل)، و (أجمع).
والفرق: بأن التخصيص أهون منه، لا يعنى في هذا المقام، لأنه لا تعلق له بخصوصية
стр. 438
ال مسألة ، وبأن تخصيص المؤكد مسموع كثير.
قلنا: ومثله في الزمان: إذ يقال: عمر الله المنزل أبدا، وأدام لك الدولة أبدا، وقد جاء وعيد السارق مقرونا به، مع انقطاعه باعتراف الخصم.
(ب) أن دلالة التأييد على الزمان كله: إما بطريق الظهور، أو النص، وعلى التقديرين يجوز نسخه، إذ بينا (نسخ) مثل: (صم غدا) قبل مجيئه، وهو لا يزيد عليه.
لهم:
(أ) أنه جار مجرى التنصيص على كل واحد من الزمان بخصوصه.
(ب) أنه لو قيل بعده لم يكن لاقترانه به فائدة.
(ج) لو قيل، لم يبق لنا طريق إلى العلم بدوام الحكم.
وأجيب:
عن (أ) بمنعه، ثم بالنقض بالتخصيص، ثم بمنع (أن) ذلك لا يقبله.
وعن (ب) بمنعه، وهذا لأن فائدة إبعاد احتمال النسخ كما في التخصيص، ثم هو منقوض (به).
وعن (ج) بمنعه، إذ القرائن وخلق العلم الضروري طريق إليه.
مسألة
يجوز نسخ التلاوة والحكم معا.
وقيل: لا يجوز نسخ التلاوة.
لنا:
ما روت عائشة ﵂: "كان فيما أنزل عشر رضعات محرمات، نسخت بخمس محرمات"،
стр. 439
وروي: أن سورة الأحزاب كانت تعدل سورة البقرة.
أدلة المخالفين ومناقشتها
وأورد: بأنه خبر واحد، لا يثبت به القرآن، فلا يثبت به نسخ تلاوة ما هو منه، لأنه فرع تحققه.
وأجيب: بأن المثبت بين الدفتين لا يثبت به، وأما المنسوخ الذي لا يثبت فلا نسم، ثم إن الشيء قد يثبت بالشيء ضمنا، وإن كان لا يثبت به استقلالا، كالنسب بشهادة القوابل على الولادة، وكقبول قول الراوي - في أحد الخبرين المتواترين - أنه قبل الآخر على رأي ويجوز نسخ التلاوة دون الحكم وعكسه.
خلافا لبعض المعتزلة
стр. 440
لنا:
عبادتان منفصلتان فجاز نسخ إحداهما، دون الأخرى، لصيرورتها مفسدة.
وأيضا - وقع كذلك، كـ (الشيخ والشيخة ... )، وما روي أنه نزل في قتلى بئر معونة: (بلغوا إخواننا أنا لقينا ربنا، فرضي عنا وأرضانا)، وعن الصديق: (كنا نقرأ من القرآن: لا ترغبوا عن آبائكم، فإنه كفر بكم)، وكـ (آية الوصية) للأقربين، والاعتداد بالحول والحبس في البيوت.
لهم:
(أ) أن التلاوة دليل الحكم، فنسخها يوهم نسخه.
(ب) نسخ التلاوة مع بقاء الحكم سعي في إخفاء دليل الحكم، وهو قبيح لإفضائه إلى إخفائه.
(ج) المقصود من الآية الحكم، وزواله يغلب ظن زوالها.
وأجيب:
عن (أ) بأنه موهم الباطل إنما يكون كذلك إذا لم يكن - هناك - ما يدل على زواله، وأما معه فعلا، كما في إنزال المتشابهات.
وعن (ب) بمنع أنه يفضي إليه في الدوام، إذ الأصل يصير دليلا عليه، وصحته لا تخفى.
وعن (ج) بمنع أن الحكم هو المقصود الأصلي، بل كلاهما، ثم إنه (إنما) يغلب أن لو لم يكن
стр. 441
مثبتا بين الدفتين.
مسألة
اختلف في ثبوت حقيقة النسخ وحكمه في حق من لم يبلغه الخبر.
المثبت:
الرافع للحكم أو المبين لأمده إنما هو: الناسخ، لا العلم، وإنما تعذر فيه لعدم علمه.
النافي:
أنه مأمور بالعمل بالمنسوخ - إذ ذاك - ولا خلاف فيه، وإلا: لزم تكليف ما لا يطاق، ومعه يمتنع ثبوت حكمه وحقيقته.
وفائدته: تظهر في وجوب القضاء بعد العلم به.
والخلاف بعد وصوله إلى الرسول، فأما قبله فلا، وإن وصل إلى جبريل ﵇.
مسألة
كل حكم شرعي قابل للنسخ.
خلافا للمعتزلة، فيما يكون حسنه ذاتيا، أو لازما (له)، وهو فرع قاعدة التحسين والتقبيح.
واتفق الكل على جواز زوال التكاليف بأسرها، لزوال شرطه، وأنه لا يجوز أن ينهي الله تعالى المكلف عن معرفته، إلا: جوز تكليف ما لا يطاق، لأن فيه تكليف معرفته.
واختلفوا في جواز زوالها بالنسخ:
المعتزلة والغزالي: لا يجوز، لأنه يتضمن التكليف بمعرفة الناسخ والنسخ.
وأورد: أنا وإن قلنا: بأن النسخ لا يحصل بدون علم المكلف به - لكن جاز أن يعلمه قبل
стр. 442
أن يشعر به، فلم يبق في حقه تكليف.
وزيف: بأن زواله ليس بالنسخ، بل بالامتثال
مسألة
الخبر: إن كان خبرا عما لا يجوز تغيره، فلا يجوز نسخه وفاقا وبمعنى الأمر أو النهي، يجوز نسخه كذلك. وما نقل من الخلاف في الخبر عن حكم شرعي فمحمول على ما كان خبرا لفظا ومعنى.
وإن كان خبرا عما يجوز تغييره ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا أو وعيدا أو خبرا عن حكم شرعي:
جاز نسخه عند البصريين، وعبد الجبار، والإمام. خلافا للأكثر، كأبي علي وأبي هاشم. وجوز بعضهم نسخ المستقبل.
ولا يتجه الخلاف إن فسر النسخ بالرفع، إذ نسخه - حينئذ - يستلزم الكذب، بل إن فسر بالانتهاء، فإنه لا يمتنع حينئذ - أن يراد من الدال على ثبوت الحكم في كل الأزمنة: بعضها.
للمجوز:
إرادة الخاص من العام جائز - تخصيصا أو نسخا - في الأمر، فكذا في الخبر.
وأجيب: بأنه مبني على أنه انتهاء، سلمناه، لكنه لا يتأتى، في العدد الصريح، إذ لا يجوز ذلك فيه، لنصوصيته.
للنافي:
(أ) أنه يوهم كونه كذبا.
стр. 443
(ب) ولجاز مثل: (أهلكت عادا)، و (ما أهلكت عادا)، وهو كذب، أو تخصيص.
وأجيب:
عن (أ): بأنه في الأمر يوهم البداء، فإن منع ذلك لقيام الدليل على امتناعه، أو لأن الناسخ دل على أن ذلك الزمان غير مراد من المنسوخ - منعنا كذلك.
وعن (ب) أن إهلاكهم لم يتكرر.
مسألة
يجوز نسخ القرآن بالقرآن، لما سبق في إثبات النسخ ...
قالوا: ﴿لتبين للناس﴾ [النحل: آية ٤٤]، والنسخ بيان.
قلنا: ممنوع، بل هو إبطال، سلمناه، لكنه لا يقتضي أن يكون كله منه، ثم هو معارض بقوله: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: آية ٨٩] ويجوز نسخ المتواتر بمثله، والآحاد مثلها وبالمتواتر وفاقا.
أما نسخ المتواتر بالآحاد:
فجائز غير واقع.
خلافا للظاهرية.
وقال الغزالي: بوقوعه في زمان الرسول فقط.
لنا:
(أ) إجماع الصحابة، قال عمر ﵁ في خبر فاطمة بنت قيس: (لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت)، وقال علي في خبر الأشجعي: (لا ندع كتاب
стр. 444
ربنا وسنة نبينا) بقول أعرابي بوال على عقبيه، ولم ينكر عليهما مع الاشتهار، فكان إجماعا.
أدلة القائلين بعدم الوقوع
(ب) خبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فنسخ به رفع للأقوى بالأضعف، وهو غير جائز.
وأجيب:
عن (أ) بأن الرد لعدم تحفظ الراوي، وسقوط مروءته لظاهر الحديث، لا لإزالة حكم الكتاب والسنة المعلومة، وإلا: لعلل به، فهو لنا لا علينا، ولو سلم منقوض بالتخصيص.
فإن قلت: ليس فيه رفع.
قلت: النسخ كذلك على قولنا: إنه انتهاء، والاعتراض منقدح، والنقد مندفع، إذ التخصيص أهون من النسخ، فلا يلزم من قبوله فيه.
وعن (ب) أن ما يفيد القطع والظن متساويان في وجوب العمل، ثم هو منقوض بالجواز.
وأجيب: - أيضا - بأن الكتاب مقطوع المتن مظنون الدلالة، وخبر الواحد بالعكس، فاستويا، بل يترجح خبر الواحد، لأن احتمال التخصيص والتجوز، أكثر من احتمال الكذب والغلط على الراوي المتحفظ.
وبالنقض بالتخصيص.
وزيف: بأنه ليس يجب أن يكون الناسخ خاصا، والمنسوخ عاما، فلا يتأتى في الأقسام الثلاثة، وإذا لم يجوز فيها لم يجز في غيرها، لعدم القائل بالفصل، ولا يعارض بمثله، لأن الترجيح معنا، إذ إلحاق الفرد بالأكثر أولى.
وبأنه لا يلزم من تقديمه، للزوم القوة المذكورة، ولكونه جمعا بين الدليلين، وتقديمه حيث لا يكون كذلك.
لهم:
стр. 445
(أ) أنه ﵇ كان ينفذ آحاد الولاة، ويبلغون الناسخ والمنسوخ.
(ب) قبل أهل قباء خبر الواحد في نسخ القبلة، ولم ينكر عليهم.
(ج) نسخت آية الوصية بقوله: (ألا لا وصية لوارث) إذ لم يوجب ما يصلح أن يكون ناسخه، ويمكن الجمع بينهما وبين آية الميراث، فلا تكون ناسخة لها.
(د) نسخ قوله تعالى: ﴿قل لا أجد﴾ [الأنعام: آية ١٤٥] الآية، بما روي عنه ﵇: (أنه حرم كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير).
(هـ) نسخ قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: آية ٢٤]، بقوله ﵇: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها).
وأجيب:
عن (أ) أنه للفتوى، إذ الحاجة إليه أمس لكثرة العوام سلمناه، لكن فيما هو مثله.
وعن (ب) أنه خبر واحد، فلا يثبت به مثل هذه القاعدة سلمناه، لكن لقرائن كإخبار الرسول عنه قبل وقوعه، أو منادى الرسول أو ارتفاع ضجة.
وعن (ج) أنها نسخت بآية الميراث، وكذلك قال ﵇ عند نزولها: "إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث" وإمكان الجمع بينهما ممنوع، إذا كانت الوصية
стр. 446
بجميع المال واجبة.
سلمنا أنه نسخ، فلعله كان متواترا إذ ذاك، ثم ضعف نقله، لحصول الإجماع على مقتضاه، وهو وإن كان خلاف الأصل، لكن يجب المصير إليه جمعا بين الدليلين.
وعن (د) أنه يتناول الوحي إلى تلك الغاية، فلا ينسخه ما بعده، سلمناه، لكنه مخصص، إذ لم تبطله بالكلية.
وعن (هـ) أنه مخصص لا ناسخ، إلا: إذا بينوا أنه ورد بعد العمل به، وهو متعذر، سلمناه؛ لكنه لتلقي الأمة إياه بالقبول.
مسألة
يجوز نسخ الكتاب بالخبر المتواتر عند الجمهور: كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايتين، وأكثر المتكلمين من الفريقين، وقالوا: بوقوعه.
ونقل عن الشافعي وأكثر أصحابه، والظاهرية منعه، وهو الرواية الأخرى عن الإمام أحمد، وهو اختيار القلانسي، والحارث المحاسبي، وعبد الله بن سعيد القطان،
стр. 447
والأستاذ أبي إسحاق وأبي منصور.
قال ابن سريج: يجوز، لكنه لم يقع.
ونقل الإمام عن الشافعي ﵁ مشعر بهذا، وهو خلاف نقل الجماعة عنه.
للمجوز:
أنهما متساويان في معلومية المتن، والدلالة، لو فرضنا كذلك، فيجوز كما في نسخ الكتاب بمثله، والخبر بمثله.
واستدل على الوقوع.
بأنه نسخ قوله تعالى: (ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام) بما روي: (أنه أمر بقتل ابن خطل وإن كان متعلقا بأستار الكعبة)، ونسخت آية الجلد بما ثبت في السنة: من الرجم للمحصن.
وأجيب:
بمنعه، بل نسخ بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: آية ٥]، فلو
стр. 448
كان منسوخا لزم نسخه بالآحاد، إذ هو متواتر.
وعن (ب): أنه نسخ بما كان قرآنا، وهو: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله)، إذ روي أنه كان قرآنا.
فإن قلت: كونه قرآنا لا يثبت بخبر الواحد، وبأنه لو كان قرآنا لما قال عمر: (لولا أن يقول الناس: أن عمر زاد في كتاب الله شيئا، لألحقت ذلك بالمصحف).
قلت: سبق جواب الأول.
وجواب الثاني: أنه لما نسخ تلاوته، وحكم بإخراجه من المصحف، كفى ذلك في صحة قوله ﵁.
للنافي:
(أ): ﴿نأت بخير منها﴾ [البقرة: آية ١٠٦]، وأن الثاني من جنس الأول، كقوله: (ما آخذه من ثوب آتيك بخير منه) وأنه خير من الأول.
(ب) قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس﴾ [النحل: آية ١٠٢] ورد لإزالة تهمة الافتراء، عند تبديل الآية بالآية فما لا ينزله روح القدس لا يزيلها.
(ج) ﴿لتبين للناس﴾ [النحل: آية ٤٤] الآية، والنسخ رفع وإبطال، فهو ضد البيان.
(د) ﴿قل ما يكون لي أن أبدله﴾ [يونس: آية ١٥] الآية، وهو ينفي جواز تبديل القرآن بغيره.
(هـ) أنه يوجب التهمة والنقرة.
(و) السنة فرع الكتاب، إذ وجوب العمل بها إنما هو به، والفرع لا يرفع الأصل.
وأجيب:
عن (أ) بأنه نسخ تلاوتها، أو بنسخها مع حكمها، فلم قلت: إن في نسخ الحكم كذلك، سلمناه، لكن لا يفيد أن ذلك الخير ناسخ، بل يفيد أنه غيره، لأنه رتبه على النسخ،
стр. 449
فامتنع ترتبه عليه، و - حينئذ - لا يلزم أنه تعالى هو المنفرد بالإتيان بالناسخ، بل بذلك الخير.
وبه خرج الجواب عن قوله: ﴿ألم تعلم﴾ [البقرة: آية ١٠٦] الآية. وفيهما نظر، والأولى: أن يقال: إنه تعالى هو المنفرد بالإتيان بذلك الحكم، والرسول إنما هو مبلغ.
ولا نسلم دلالته على أن الثاني من جنس الأول، والمثال معارض بآخر، كقوله: (من لقيني بحمد وثناء لقيته بخير منه) فإنه قد يكون عطاء ومنحة، سلمناه، لكن الثاني من جنس الأول من حيث الحكم إذا المراد من نسخها: نسخ حكمها، والسنة قد تكون خيرا منه، وأن أريد بالخير ما هو الأصلح في التكليف، وأجزل في الثواب.
وعن (ب) أن التهمة لا تزول إلا: بالمعجزة، سواء نسخ الكتاب بمثله أو بالسنة، على أن مضمون السنة قد يكون نزله روح القدس.
وعن (ج) بمنعه بل هو بيان الانتهاء، سلمناه، لكنه لا يدل على أن غير البيان ليس إليه، سلمناه لكن المراد منه: إظهاره على الناس.
وعن (ج) بمنعه بل هو بيان الانتهاء، سلمناه، لكنه لا يدل على أن غير البيان ليس إليه، سلمناه لكن المراد منه: إظهاره على الناس.
وعن (د) بمنعه، إذ نسخه بالوحي، لا من تلقاء النفس.
وعن (هـ) أنها زائلة بالمعجزة.
وعن (و) أنه لا ينسخ ما ثبت به حجيته، بل غيره، ثم هو منقوض بالتحصيص.
فإن قلت: هو بيان لا رفع.
قلت: النسخ - أيضا - كذلك، إذ هو بيان الانتهاء.
مسألة
يجوز نسخ السنة بالكتاب. لما سبق، بل أولى، لعدم التهمة والنفرة.
وللوقوع: نسخ تحريم المباشرة، ووجوب التوجه إلى البيت المقدس، وجواز تأخير الصلاة إلى انجلاء القتال، وصلح
стр. 450
الحديبية، ووجوب صوم عاشوراء - الثابتة بالنسبة - بالكتاب، إذ ليس فيه ما يدل عليها.
واحتمال ثبوتها بما نسخ تلاوته أو نسخها بمثلها، والقرآن موافق له - خلاف الأصل والظاهر، ومانع من تعيين الناسخ.
ومنعه الشافعي ﵁ في قول.
لقوله تعالى: ﴿لتبين للناس﴾ [النحل: آية ٤٤] الآية، والنسخ إبطال، أو بيان الانتهاء، وعلى كل لا يجوز نسخها به، لأن المبين لا يبطل مبينه (به).
ولا يبينه لكونه يوهم عدم رضا الله (تعالى) بما سنه الرسول ﵇.
ولكونه ليس من جنس القرآن، فلم يجز نسخه به، كما لا يجوز نسخ الخبر بالقياس، وحكم العقل بالكتاب والخبر.
وأجيب:
عن (أ) بأن المراد منه الإبلاغ، دفعا للإجمال والتخصيص، سلمناه، لكن لا يبين، ولا يبطل مبينه، بل غيره، ثم إنه لا يقتضي أن يكون كلامه بيانا، سلمناه، لكنه لا يقتضي أن يكون كل كلامه بيانا.
стр. 451
وعن (ب) أنه زائل بقوله: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: آية ٣] الآية، ثم إنه حاصل في نسخ الكتاب بالكتاب، والسنة بالسنة.
وعن (ج) أن ذلك ليس للاختلاف، بل لضعفه، وحكم العقل يزال بهما، وغايته أنه لا يسمى نسخا اصطلاحا، وإن سمي به لغة.
مسألة
الإجماع لا ينسخ:
لأنه لا ينعقد دليلا في حياة الرسول، أما بدون قوله فظاهر، وأما معه فلأنه مستقل بالحجة، فيلغو قول غيره.
و- حينئذ - لا ينسخ بنص يرد، لامتناعه، ولا بظهوره لامتناع كونه خطأ، وتقدم الناسخ.
ولا بإجماع آخر، لاقتضائه خطأ أحدهما، إن أفاد المتقدم الحكم مطلقا، وإن أفاد مؤقتا إلى وقت ورود المتأخر، لم يكن ذلك نسخا، فلا يرد حصول الإجماع بعد الخلاف، لأن جواز الأخذ به مشروط بعدم الإجماع.
ولا بالقياس لما سبق، لأن شرط العمل به أن لا يكون مخالفا للإجماع. ولا ينسخ النص، وإلا: لكان خطأ، لمخالفته الإجماع والقياس لما سبق وجوز عيسى بن أبان، وبعض المعتزلة النسخ بالإجماع.
محتجا: بحصول الإجماع بعد الخلاف، وقد مضى (بجوابه) وبأن الإجماع دليل شرعي لفظي، فجاز النسخ به كغيره.
وأجيب: بأنه إثبات النسخ بالقياس، ثم بمنع أنه لفظي، وهذا لأنه لو علم اتفاق اعتقاد الجميع بالفعل كان إجماعا، ولا لفظ، وإن عنى به أن اللفظ يدل على حجيته، كان الفعل
стр. 452
والقياس دليلا لفظيا سلمناه، لكن النسخ به يلزم منه المفسدة المذكورة، بخلاف غيره.
مسألة
القياس ينسخ في زمانه ﵇ بالنص على ضد حكمه في الأصل (والفرع)، أو الأصل، لإبطال علته المبني عليه.
خلافا للحنفية، إذ جوزا صوم رمضان بنية النهار، قياسا على صوم عاشوراء، مع نسخه.
أو الفرع خلافا لعبد الجبار، إذ العلة كالفحوى بالنسبة إلى الأصل، فلا يجوز، كنسخه بدونه.
وأجيب: بمنعه، لأن نسخه مع بقاء أصله ضد الغرض، وليس كذلك فيما نحن فيه، ثم بمنع حكم الأصل - على رأي.
وبالقياس، لكن في الأخيرة، إذ لا يجوز في الأوليين، لأنه لا يجوز نسخ حكم النص بالقياس، إلا: إذا كان قطعيا، وهو بالنص على ضد حكمه، في صورة يكون القياس عليه أقوى.
لا بالإجماع، لما سبق.
وبعده: لا، إذ لا يتصور حدوث، قياس، ومستند إجماع، وظهوره يزيل شرط جواز العمل به، وهو ليس بنسخ.
وقال البصري: ينسخ معنى، لا لفظا، إن قلنا، كل مجتهد مصيب وينسخ به في حياته ﵇ حكم قياس آخر.
стр. 453
وقيل: لا ينسخ بالقياس. وقيل: يجوز بالجلي دون غيره. وأما بعده ﵇ فلا، لما سبق.
المجوز:
(أ) (نسخ) تنبيه ﴿الآن خفف الله عنكم﴾ [الأنفال: آية ٦٥] آية التشديد، وهو نسخ بالقياس.
(ب) قياس على التخصيص.
وأجيب:
عن (أ) بمنع أنه قياس، بل هو مستفاد من نفس التخفيف أو مفهومه.
وعن (ب) الفرق، ثم هو منقوض بالإجماع وخبر الواحد ودليل العقل.
مسألة
يجوز أن ينسخ بمفهوم الموافقة، ما يجوز أن ينسخ بمنطوقه، ويجوز نسخه معه، وبدونه غير جائز.
وتردد عبد الجبار فيه
لنا:
أنه مناقض للغرض.
قال: إن كان تابعا فرفعه لا يرفع أصله، وإلا: فظاهر، كما في تحريم شيئين.
وأجيب: بأن المتبوع إذا كان لازما، فلا نسلم ذلك فيه، ونسخ الأصل مستلزم نسخه، لأنه تابع فيزول بزواله. وأورد: بأنه في ثبوته لا في دوامه، ثم هو منقوض بما إذا نسخ الوجوب وبقي الجواز.
стр. 454
وقالت الحنفية: لا، لأنه أولى بالثبوت منه، فلا يكون رفعه مستلزما لرفعه، وهو متجه.
وكذا لو صرح بنفي تحريم التأفيف - تحريم الضرب، لم تكن متناقضا، وهو على من يقول: نسخ الوجوب لا يستلزم نسخ الجواز، وبنوا عليه: أن نسخ قوله: ﵇ (من قتل عبده قتلناه) - لا يقتضي نسخ مفهومه، وهو أنه يقتل بقتل (عبد غيره بالطريق الأولى.
ويجوز نسخ مفهوم المخالفة مع أصله وبدنه، إذ لا نقض، وهو كقوله ﵇: "إنما الماء من الماء"، فإنه نسخ مفهوم بحديث: "التقاء الختانين"، مع بقاء حكم أصلهن ونسخ أصله يستلزم نسخه - على الأظهر - لأن دلالته باعتبار ذلك القيد، فإذا بطل تأثيره بطل ما ينبني عليه، ووجه الاحتمال المرجوح غير خاف مما سبق.
مسألة
زيادة العبادة المستقلة ليست نسخا لها وفاقا.
وإنما جعل بعضهم زيادة صلاة على الصلوات نسخا، لقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا﴾ [البقرة: آية ٢٣٨] لأنها تجعلها غير الوسطى.
стр. 455
ويلزمهم زيادة عبادة على العبادة (الأخيرة)، فإنها تجعلها غير الأخيرة، وتغير عددها.
و- أيضا - كونها وسطى أمر حقيقي، فلا يكون إزالته نسخا، وزوال وجوب المحافظة عليها تبعا لزواله، فلا يكون نسخا، لما ستعرف.
وما يقال: بأن الأمر الحقيقي إذا قرره الشرع يصير شرعيا، فيكون نسخا - ضعيف، لأن ذلك فيما يتصور أن يرد الشرع بخلافه، دون غيره وما ليس كذلك - كزيادة الركعة، والتغريب، والإيمان - كذلك عندنا، والحنابلة، والجبائيين ...
خلافا للحنفية.
وقيل: إن كانت جزءًا.
وقيل: إن نفت الزيادة شيئا مما أفاده النص، ولو بدليل الخطاب.
عبد الجبار: إن كانت بحيث لو فعل المزيد عليه بدونها، لم يعتد به.
الغزالي: إن كانت متصله به، رافعة للانفصال والتعدد: لا، كزيادة الشرط، وهي على ما قبله نسخ.
الكرخي، وأبو عبد الله البصري: إن غيرت حكم المزيد عليه في المستقبل: لا، كقطع رجل السارق بعد قطع يده.
البصري: أنها تزيل شيئا، وأقله عدمها، فالزائل بها إن كان حكما، شرعيا: فنسخ، إلا: فلا، وحيث كان نسخا لا يجوز إثباته بالقياس، والإجماع، وخبر الواحد، وإن كان المزال ثبت
стр. 456
بقطعي.
لنا:
أنه ليس من ضرورة الزيادة، أن تزيل حكما شرعيا، فلا تكون الزيادة على النص نسخا.
فروع لهذا الأصل:
(أ) زيادة التغريب إنما تزيل نفي الزائدة على جلد مائة. لأن إيجابه أعم من إيجابه، مع وجوب غيره، أو نفيه، لصحة تقسيمه إليهما، ومورده مشترك، والعام لا يدل على الخاص.
ولأنه يصح أن يقال: أوجبه معه وبدونه، من غير نقص ولا تكرار.
ولأنهما ماهيتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى. فلو دل على نفي التغريب ما دل على ثبوت الجلد بطريق الحقيقة - لزم الاشتراك.
ولأنه خلاف الإجماع، ولأنه لا نزاع في مثله. أو بالتجوز فباطل، لفقد العلاقة، لأنه خلاف الأصل، ولأنه استعمال في معنيين مختلفين، فلا يكون إيجابه نسخا للنص.
وكونه وحده مجزئا، وكل الحد، وكونه جزاء، إذ الجزاء ما يكون كافيا، ونحوه من الأحكام - تبع لنفي وجوب الزائد، فلا تكون إزالته نسخا، كما في إيجاب المستقلة، فإنه يرفع - أيضا - نحوه من الأحكام وكالموت والجنون، وفوات المحل.
(ب) إذ قيل بالمفهوم، كان إيجاب الزكاة في معلوفة الغنم نسخا لقوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة"، إذا ثبت بدليل: أن المفهوم مراد منه، لأن رفع حكم الدليل إنما يكون نسخا بعد ثبوته.
(ج) اشتراط النية في الطهارة ليس نسخا لنصها، لأن إيجابها أعم من إيجابها معها أو بدونها، فالدال عليها ليس نسخا لنصها.
(د) تقييد الرقبة بالإيمان ليس نسخا للنص الدال على وجوبها مطلقا لما سبق، فالدال عليه ليس نسخا (له)، بل هو كالتخصيص.
стр. 457
وفيه نظر، لأن النص في صورة التخصيص يبقى معمولا به بعده، في بعض مدلولاته، بخلاف المطلق، فإنه لم يبق معمولا به في مطلقه في صورة ما، فكان أشبه بالنسخ.
(هـ) إذا أمر بقطع يد السارق، وإحدى رجليه على التعيين، فإباحة قطع الأخرى إنما يرفع عدم إباحة قطعها الثابت بالأصل، فلا يكون ما يدل عليه نسخا له.
(و) التخيير بين الواجب وغيره، أو زيادته، ليس بنسخ للأول، لأنه إنما يزيل تعينه، وهو تابع لعدم وجوب غيره وهو عقلي، ولأن حد الواجب يصدق عليه بعده، إذ يذم تاركه على بعض الوجوه.
فإيجاب المسح بدلا عن الغسل، والحكم بالشاهد واليمين - ليس نسخا للقرآن.
ومن زعم أنه نسخ له، يلزمه أن يقول: الوضوء بالنبيذ نسخ لآية التيمم.
لا يقال: إنه ماء، فلم يكن الخبر رافعا لمقتضى النص، لأنه لم يفهم من إطلاقه معرفا أو منكرا، وقوله ﵇ "ثمرة طيبة، وماء طهور" محمول على ما قبل القيد، للإجماع على أنه ليس كذلك - مطلقا -، ولأنه لو كان ماء لزم نسخ إطلاق: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: آية ٦]، إذ لا يجوز التوضؤ به عند وجود الماء.
فإن قلت: خبر (الشاهد واليمين) يرفع مفهوم شرطية قوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ [البقرة: آية ٢٨٢]، فيكون نسخا.
قلت: لم ثبت إرادته منه، والنسخ إنما يتطرق إلى مقتضى الخطاب بعد ثبوته، ولو سلم
стр. 458
فنسخ لمفهومه، وهو غير مقطوع به، فيمتنع نسخه بخبر الواحد، ولو سلم فالخصم لم يقل به.
(ز) زيادة ركعة على ركعتين ليست نسخا، وإن كانت قبل التشهد، إذ ليست نسخا لوجوبهما، وإجزائهما لبقائهما، وزوال وصف كونهما كذلك - فقط - تابع لنفي وجوب غيرهما، ولا لوجوب التشهد عقيبهما، لأنه تابع كذلك، ولا لوجوب السلام عقيبه، لما سبق.
ومن جعلها نسخا لوجوب التشهد عقيبهما يلزم أن يقول به في كثير من الفروع.
وإذا أوجب في الطهارة غسل عضو آخر، لم يكن نسخا لها، إن قيل بعدمه في السابقة، وإلا: فنسخ عند الغزالي، خلافا لعبد الجبار، والفرق ما تقدم، ومأخذهم غير خاف مما تقدم.
(ج) اشتراط شرط أو زيادته، ليس نسخا لوجوب المشروط وصحته، لما سبق، فقوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة" ليس نسخا لقوله: ﴿وليطوفوا بالبيت﴾ [الحج: آية ٢٩] وإن قيل بعدم صحته بدونها، ولا شرطية شرط سابق عليه، وهو ظاهر.
(ط) إيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق، ليس بنسخ لإيجاب صوم النهار، ونسخ له إذا قال: (إلى الليل) لأنه يزيل كون أوله ظرفا له، فلا يقبل فيه خبر الواحد، وهو: إنما يتجه لو كان مفهوم المقطوع مقطوعا، وليس هو كقوله: (صم صوما آخره أول الليل)، لأن دلالته على أنه ظرف لفظية.
تنبيه:
لو علم وجود المزال بها بالضرورة من دينه ﵇ لم يقبل فيه خبر الواحد والقياس.
стр. 459
مسألة
نقصان العبادة نسخ لما سقط.
ونقصان ما لا يتوقف عليه صحتها، ليس بنسخ لها، ولكلام الغزالي مشعر بخلاف فيه.
وكذا نقصان ما يوقفعليه صحتها جزءا كان أو شرطا، عند البصري، والكرخي.
وقيل: نسخ.
عبد الجبار: نسخ في الجزء دون الشرط وتردد الغزالي في الشرط.
والشرط المنفصل: لا خلاف فيه، لأنهما عبادتان منفصلتان.
وقيل: به مطلقا، لزوال أجزائهما بدونه.
البصري:
إن مقتضى الكل مقتضى الجزئين، فخروج أحدهما لم يخرج الآخر، كالتخصيص، ولأن الإجماع منعقد على وجوب إتيان ما بقي، وبهذا فارق الجواز في الوجوب إذا نسخ، فإنه لا يبقى إذا قبل بنسخه.
وأورد: بأن نسخ العبادة قد تكون بزوال صفتها، فبقاء بعضها لا يدل على عدم نسخها.
للخصم:
(أ) أن خصوصية الأربعة غير باقية، فيكون نسخا لها.
(ب) أنه يرفع نفي أجزائها بدونهما، ووجوب تأخير التشهد، وضم المنسوختين إليهما، وأجزائهما معهما.
وأجيب:
стр. 460
عن (أ) أنه إن عني بنسخها: تغيرها عما كانت عليه، فحق لا نزاع فيه، وإن عني به: رفع حكمها بالكلية، فباطل، لأن ما بقي يجب الإتيان به، وليس نص يدل على شرعه ابتداء، وهو الجواب عن الثاني، ويخصه: أنها أحكام تابعة للدليل، فزوالها غير زوال الباقي.
مسألة
قالت الحنقية: لو كان نسخ الأصل نسخ الفرع، لكان ذلك بالقياس على الأصل، إذ لم يرد ناسخ للفرع.
وأجيب: بمنعه، إذ لا جامع، وهو لا يتم بدونه، بل هو لزوال حكم الأصل، إذ العلة مبنية عليه.
وهذا يبين: أن النزاع في زول الحكم، لا في أنه نسخ حقيقة، إذ وزال الحكم - لزوال علته - ليس نسخا وفاقا.
فإن قلت: افتقار الحكم إلى علته دواما: ممنوع، فلا يلزم ما ذكرتم.
قلت: زوالها يفيد زواله، للاستقراء، وذلك يفيد افتقاره إليها دواما.
خاتمة
يعرف الناسخ:
بأن يصرح به: أو أنه متأخر عنه، أو ورد في سنة كذا، أو غزوة كذا، وذاك في كذا، أو قبل الهجرة، وذاك بعدها، أو بتقدم صحبة الراوي، وتأخرها بعد انقطاع الأولى.
لا بكونه من أحداث الصحابة، ومتأخر الإسلام.
ولا بقوله: كان هذا الحكم ثم نسخ، أو هذا الخبر نسخ هذا الحكم، أو هذا الخبر منسوخ، لجواز أنه قاله اجتهادا.
وخالف الكرخي في الأخير، لأنه لولا ظهوره لما أطلق، وهو ضعيف، لاحتمال أنه أطلق لقوة ظنه، ثم هو منقوض بالأول.
следующие страницы →