Полный текст (825 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
بقطعي.
لنا:
أنه ليس من ضرورة الزيادة، أن تزيل حكما شرعيا، فلا تكون الزيادة على النص نسخا.
فروع لهذا الأصل:
(أ) زيادة التغريب إنما تزيل نفي الزائدة على جلد مائة. لأن إيجابه أعم من إيجابه، مع وجوب غيره، أو نفيه، لصحة تقسيمه إليهما، ومورده مشترك، والعام لا يدل على الخاص.
ولأنه يصح أن يقال: أوجبه معه وبدونه، من غير نقص ولا تكرار.
ولأنهما ماهيتان لا تعلق لإحداهما بالأخرى. فلو دل على نفي التغريب ما دل على ثبوت الجلد بطريق الحقيقة - لزم الاشتراك.
ولأنه خلاف الإجماع، ولأنه لا نزاع في مثله. أو بالتجوز فباطل، لفقد العلاقة، لأنه خلاف الأصل، ولأنه استعمال في معنيين مختلفين، فلا يكون إيجابه نسخا للنص.
وكونه وحده مجزئا، وكل الحد، وكونه جزاء، إذ الجزاء ما يكون كافيا، ونحوه من الأحكام - تبع لنفي وجوب الزائد، فلا تكون إزالته نسخا، كما في إيجاب المستقلة، فإنه يرفع - أيضا - نحوه من الأحكام وكالموت والجنون، وفوات المحل.
(ب) إذ قيل بالمفهوم، كان إيجاب الزكاة في معلوفة الغنم نسخا لقوله ﵇: "في سائمة الغنم زكاة"، إذا ثبت بدليل: أن المفهوم مراد منه، لأن رفع حكم الدليل إنما يكون نسخا بعد ثبوته.
(ج) اشتراط النية في الطهارة ليس نسخا لنصها، لأن إيجابها أعم من إيجابها معها أو بدونها، فالدال عليها ليس نسخا لنصها.
(د) تقييد الرقبة بالإيمان ليس نسخا للنص الدال على وجوبها مطلقا لما سبق، فالدال عليه ليس نسخا (له)، بل هو كالتخصيص.
стр. 457
وفيه نظر، لأن النص في صورة التخصيص يبقى معمولا به بعده، في بعض مدلولاته، بخلاف المطلق، فإنه لم يبق معمولا به في مطلقه في صورة ما، فكان أشبه بالنسخ.
(هـ) إذا أمر بقطع يد السارق، وإحدى رجليه على التعيين، فإباحة قطع الأخرى إنما يرفع عدم إباحة قطعها الثابت بالأصل، فلا يكون ما يدل عليه نسخا له.
(و) التخيير بين الواجب وغيره، أو زيادته، ليس بنسخ للأول، لأنه إنما يزيل تعينه، وهو تابع لعدم وجوب غيره وهو عقلي، ولأن حد الواجب يصدق عليه بعده، إذ يذم تاركه على بعض الوجوه.
فإيجاب المسح بدلا عن الغسل، والحكم بالشاهد واليمين - ليس نسخا للقرآن.
ومن زعم أنه نسخ له، يلزمه أن يقول: الوضوء بالنبيذ نسخ لآية التيمم.
لا يقال: إنه ماء، فلم يكن الخبر رافعا لمقتضى النص، لأنه لم يفهم من إطلاقه معرفا أو منكرا، وقوله ﵇ "ثمرة طيبة، وماء طهور" محمول على ما قبل القيد، للإجماع على أنه ليس كذلك - مطلقا -، ولأنه لو كان ماء لزم نسخ إطلاق: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: آية ٦]، إذ لا يجوز التوضؤ به عند وجود الماء.
فإن قلت: خبر (الشاهد واليمين) يرفع مفهوم شرطية قوله: ﴿فإن لم يكونا رجلين﴾ [البقرة: آية ٢٨٢]، فيكون نسخا.
قلت: لم ثبت إرادته منه، والنسخ إنما يتطرق إلى مقتضى الخطاب بعد ثبوته، ولو سلم
стр. 458
فنسخ لمفهومه، وهو غير مقطوع به، فيمتنع نسخه بخبر الواحد، ولو سلم فالخصم لم يقل به.
(ز) زيادة ركعة على ركعتين ليست نسخا، وإن كانت قبل التشهد، إذ ليست نسخا لوجوبهما، وإجزائهما لبقائهما، وزوال وصف كونهما كذلك - فقط - تابع لنفي وجوب غيرهما، ولا لوجوب التشهد عقيبهما، لأنه تابع كذلك، ولا لوجوب السلام عقيبه، لما سبق.
ومن جعلها نسخا لوجوب التشهد عقيبهما يلزم أن يقول به في كثير من الفروع.
وإذا أوجب في الطهارة غسل عضو آخر، لم يكن نسخا لها، إن قيل بعدمه في السابقة، وإلا: فنسخ عند الغزالي، خلافا لعبد الجبار، والفرق ما تقدم، ومأخذهم غير خاف مما تقدم.
(ج) اشتراط شرط أو زيادته، ليس نسخا لوجوب المشروط وصحته، لما سبق، فقوله ﵇: "الطواف بالبيت صلاة" ليس نسخا لقوله: ﴿وليطوفوا بالبيت﴾ [الحج: آية ٢٩] وإن قيل بعدم صحته بدونها، ولا شرطية شرط سابق عليه، وهو ظاهر.
(ط) إيجاب الصوم إلى غيبوبة الشفق، ليس بنسخ لإيجاب صوم النهار، ونسخ له إذا قال: (إلى الليل) لأنه يزيل كون أوله ظرفا له، فلا يقبل فيه خبر الواحد، وهو: إنما يتجه لو كان مفهوم المقطوع مقطوعا، وليس هو كقوله: (صم صوما آخره أول الليل)، لأن دلالته على أنه ظرف لفظية.
تنبيه:
لو علم وجود المزال بها بالضرورة من دينه ﵇ لم يقبل فيه خبر الواحد والقياس.
стр. 459
مسألة
نقصان العبادة نسخ لما سقط.
ونقصان ما لا يتوقف عليه صحتها، ليس بنسخ لها، ولكلام الغزالي مشعر بخلاف فيه.
وكذا نقصان ما يوقفعليه صحتها جزءا كان أو شرطا، عند البصري، والكرخي.
وقيل: نسخ.
عبد الجبار: نسخ في الجزء دون الشرط وتردد الغزالي في الشرط.
والشرط المنفصل: لا خلاف فيه، لأنهما عبادتان منفصلتان.
وقيل: به مطلقا، لزوال أجزائهما بدونه.
البصري:
إن مقتضى الكل مقتضى الجزئين، فخروج أحدهما لم يخرج الآخر، كالتخصيص، ولأن الإجماع منعقد على وجوب إتيان ما بقي، وبهذا فارق الجواز في الوجوب إذا نسخ، فإنه لا يبقى إذا قبل بنسخه.
وأورد: بأن نسخ العبادة قد تكون بزوال صفتها، فبقاء بعضها لا يدل على عدم نسخها.
للخصم:
(أ) أن خصوصية الأربعة غير باقية، فيكون نسخا لها.
(ب) أنه يرفع نفي أجزائها بدونهما، ووجوب تأخير التشهد، وضم المنسوختين إليهما، وأجزائهما معهما.
وأجيب:
стр. 460
عن (أ) أنه إن عني بنسخها: تغيرها عما كانت عليه، فحق لا نزاع فيه، وإن عني به: رفع حكمها بالكلية، فباطل، لأن ما بقي يجب الإتيان به، وليس نص يدل على شرعه ابتداء، وهو الجواب عن الثاني، ويخصه: أنها أحكام تابعة للدليل، فزوالها غير زوال الباقي.
مسألة
قالت الحنقية: لو كان نسخ الأصل نسخ الفرع، لكان ذلك بالقياس على الأصل، إذ لم يرد ناسخ للفرع.
وأجيب: بمنعه، إذ لا جامع، وهو لا يتم بدونه، بل هو لزوال حكم الأصل، إذ العلة مبنية عليه.
وهذا يبين: أن النزاع في زول الحكم، لا في أنه نسخ حقيقة، إذ وزال الحكم - لزوال علته - ليس نسخا وفاقا.
فإن قلت: افتقار الحكم إلى علته دواما: ممنوع، فلا يلزم ما ذكرتم.
قلت: زوالها يفيد زواله، للاستقراء، وذلك يفيد افتقاره إليها دواما.
خاتمة
يعرف الناسخ:
بأن يصرح به: أو أنه متأخر عنه، أو ورد في سنة كذا، أو غزوة كذا، وذاك في كذا، أو قبل الهجرة، وذاك بعدها، أو بتقدم صحبة الراوي، وتأخرها بعد انقطاع الأولى.
لا بكونه من أحداث الصحابة، ومتأخر الإسلام.
ولا بقوله: كان هذا الحكم ثم نسخ، أو هذا الخبر نسخ هذا الحكم، أو هذا الخبر منسوخ، لجواز أنه قاله اجتهادا.
وخالف الكرخي في الأخير، لأنه لولا ظهوره لما أطلق، وهو ضعيف، لاحتمال أنه أطلق لقوة ظنه، ثم هو منقوض بالأول.
стр. 461
ولا بكون إحدى الآيتين مثبتة في المصحف بعد الأخرى، لأن ترتيبها فيه ليس على ترتيب النزول.
وإذا قال الصحابي - في أحد المتواترين - إنه قبل الآخر. لا يقبل منه لتضمنه نسخ المعلوم بالمظنون.
وقبله عبد الجبار، وإن لم يقبل قوله فيه صريح، كما يثبت النسب في ضمن شهادة القوابل على الوالدة، وكما يثبت الرجم بقول اثنين في ضمن شهادتهما على الإحصان، وكما ثبت هلال شوال بشهادة الواحد ضمن شهادته على هلال رمضان - على رأي.
قال البصري: هذا يقتضي الجواز العقلي، دون الوقوع والنزاع إنما هو فيه، إذ بينا: أن نسخ المعلوم بالمظنون جائز.
الإجماع
وهو: العزم لغة، قال الله تعلى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ [يونس: آية ٧١] وقال ﵇: "لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل".
ولاتفاق: يقال: أجمع إذا صار ذا جمع، كـ (ابن) و (أتمر). واختلف فيه اصطلاحا.
الغزالي: هو (اتفاق أمة محمد ﷺ خاصة، على أمر من الأمور الدينية).
стр. 462
(أ) وزيف: بأنه غير جامع، إذ لو أجمعوا على غيره كان مثله، وبأن قوله: (خاصة) مستدرك، إذ لو حذف لم يدخل غيرهم - أيضا -.
وأورد: بأنه يقتضي أن لا يكون اتفاق أهل العصر إجماعا إذ أمته من يوجد إلى القيامة.
(ب) وحجية إجماع العوام عند خلو العصر عن المجتهد.
وأجيب:
وعن (أ) بأن المعدوم ليس بأمة، فلم يدخل فيه من يوجد.
وعن (ب) إن اعتبر قولهم في الإجماع منعنا عدم حجيته وإلا: منعنا إمكانه، إذ لا يخلو العصر عمن يقوم بالحق.
النظام: هو (كل قول قامت حجته).
وقصد به الجمع بين مذهبه، ومذهب السلف والنزاع لفظي.
والصحيح: أنه (اتفاق المجتهدين في فن ما، الموجودين في كل عصر، من أمة محمد ﵇ على ما أمر ما من ذلك الفن).
ثم قيل: هو محال.
لأن ما لا يعلم ضرورة، يمتنع اتفاقهم عليه، كاتفاقهم على مأكول واحد، وكلمة واحدة.
وأجيب: بمنعه فيما فيه الرجحان، كاتفاقهم على فساد بيع المضامين والملاقيح، وأسند باتفاق الشافعية والحنفية على قوليهما. وفيه نظر، لأنه إن فسر بحيث يتحد فيه المحمول والموضوع، فليس مما نحن فيه، وإلا: فممنوع، ولو سلم في الظني، ففي القطعي ممنوع.
وقيل: ممكن، لكن لا يعلم وجدانا وعقلا - وهو بين - ولا حسا ولا خبرا، لتوقفه على
стр. 463
معرفتهم، وهو متعذر، لتفرقهم شرقا وغربا، ولو سلم فكيف نعلم اتفاقهم دفعة واحدة، بل غايته سماع الفتوى منهم، فلعل بعضهم أفتى به خوفا وتقية، سلمنا رضاهم لكن لا يعلم دفعة واحدة، فلعل بعضهم رجع عنه بعد ما أفتى، وقبل موافقة الباقين، ولو جمعهم سلطان في مكان واحد - مع امتناعه، لجواز شذ بعضهم - ورفعوا أصواتهم بالفتوى، لم يعلم - أيضا - لأنه ربما سكت بعضهم أو أفتى خوفا منه، أو صوت بالنفي فخفي.
ولا يبطل بما يعلم من اتفاق المسلمين على نبوة محمد ﵇ واليهود والنصارى على الإنكار، كما سبق، ولا بما يعلم من استيلاء بعض المذاهب والملل، وعلى بعض النواحي، لأن ذلك بخبر التواتر في أكثر أهل تلك البلاد، بناء على رؤية الشعار والعلامة، وإنما في الكل فلا.
وأجيب:
إن إمكانه مع القلة كما في زمان الصحابة ظاهر، ومع الكثرة فبسماع ونقل أهل كل قطر عمن فيه من المجتهد بالتواتر وخموله - بحيث لا يعرفونه - بعيد عادة، وإفتاؤه خوفا وتقية خلاف الظاهر، وقد يعلم ذلك قطعا بالقرائن.
مسألة
وهو حجة قطعية
وقيل: ظنية
الخوارج، والنظام، والشيعة: ليس بحجة وقول الإمام أحمد: (من ادعى الإجماع فهو كاذب) استبعادا لوجوده.
لنا:
стр. 464
قوله: ﴿ومن يشاقق الرسول﴾ [النساء: آية ١١٥] الآية. جمع بين المشاققة والاتباع في الوعيد، فلم يكن الاتباع جائزا، وحينئذ يجب اتباع سبيل المؤمنين.
فإن قيل: لا نسلم أن (من) للعموم، وسنده ما سبق في العموم، إثبات حكمه بتقدير خصوصه في حق غيره بعدم الفصل - لو سلم - إثبات الإجماع بأضعف أنواعه.
ثم: حرمته مشروطة بالمشاقة، وإنما لم يجز الجمع بينهما في الوعيد، لو كان جائزا مطلقا، والعكس غير لازم حتى يلزم من انتفاه انتفاؤه، سلمناه لكنه بشرط تبين الهدى، للعطف، وهو عام، فتناول دليل الإجماع، فسقط اعتبار الإجماع.
ثم لفظ (الغير) و (السبيل) مفرد فلا يعلم، ولو عم لم يفد، إذ حرمة الكل لا تستلزم حرمة البعض، ونحن نحرم اتباع بعض، أو كل ما غاير بعض سبيل المؤمنين، أو كل سبيلهم، وهو الكفر، وهذا التبادر الفهم إليه وسبب نزوله.
ولو قيل: ترك الإجماع كفر، فدور.
ثم حقيقة السبيل غير مراد (و) ليس بعض المجازات أولى:
ثم لا مناسبة بينها وبين الإجماع، وبينها وبين دليل أهل الإجماع مشابهة الإفضاء إلى المطلوب، فكان أولى.
ثم لا يلزم من حرمته: وجوب اتباع سبيلهم: لا من جهة المفهوم، إذ ليس مفهومه التواعد على عدم اتباع سبيل المؤمنين، بل عدم التواعد عليه، وفرق بين التوعد على العدم، وبين عدم التواعد.
ولا من جهة أنه لا واسطة بينهما، إذ عدم الاتباع واسطة، وجعل (غير) بمعنى (إلا) خلاف الأصل.
وترك اتباع سبيلهم، ليس اتباعا لغير سبيلهم، إذ هو فعل مثل فعل الغير، ولأن ذلك الغير
стр. 465
فعله.
ثم وجوب اتباعهم في كل الأمور، يقتضي وجوب الفعل وعدمه فيما فعلوه معتقدين إباحته، وجواز الاجتهاد وعدمه، حيث أجمعوا بعده.
وجعل عدم الثاني شرطا في الأول، يوجب مثله في غيره من الإجماعات، وما يقال: إن أهل الإجماع حذفوا هذا الشرط في غيره فبين ضعفه.
ووجوب إثبات الحكم بدليل أهل الإجماع وعدم وجوبه، وفي بعضها لا يفيد:
لجواز أن يكون هو الإيمان، ويتأكد بأنه يفهم من سبيل الصالحين الصلاح، ومن قول السلطان: من يشاقق وزيري، ويتبع غير سبيل فلان، وهو متظاهر بطاعته سبيله طاعته. وبأنه حاصل في الحال، والإجماع يحصل بعد وفاته ﵇ فيتعطل في الحال.
ثم المراد كل المؤمنين، وهم الذين يوجدون إلى يوم القيامة، وإجماعهم ممتنع، أو إن أمكن لبقاء القول للميت، لكنه لا يفيد، إذ لا تكليف بعده.
لا يقال: المعدوم ليس بمؤمن، لأنه يقتضي أن لا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة في الثاني، إذ ليسوا مؤمنين فيه، وأن يختص النص بالصحابة، لكن مات بعضهم قبل وفاة الرسول ﵇ وإن أريد البعض فمجاز، خلاف الأصل.
سلمنا أن المراد مؤمنو كل عصر، لكن لا كلهم لخروج غير المكلف والعوام، بل بعضهم، ولعله الإمام المعصوم، وقد جاء في الكتاب العزيز ما هو للعموم، والمراد واحد.
ثم الإيمان أمر باطن، فلا يمكن معرفة المؤمنين، فكيف يجب اتباعهم، وحمله على الصدق باللسان، كما في قوله: ﴿حتى يؤمن﴾ [البقرة: آية ٢٢١]- مجاز، ثم الحمل عليه ليس أولى من حمل السبيل على ما من شأنه أن يكون سبيل المؤمنين.
стр. 466
ثم دلالة النص ظنية، والمسألة قطعية، ولهذا كفر أو فسق مخالف حكم الإجماع.
وشنع الإمام على الفقهاء بذلك إثباتهم الإجماع بالعمومات والظنيات، واعتقادهم أن مخالفها - للتأويل - لا يكفر ولا يفسق، وهو ترجيح للفرع على الأصل.
والجواب:
عن (أ) ما سبق في العموم.
وعن (ب) وهو مشكل، وأجيب عنه بوجوه:
ف (أ) للبصري: لو كان كذلك لوجب اتباع الإجماع حال الكفر بالرسول، إذ المشاقة عبارة عنه، إذ لا يقال للفاسق: إنه مشاقق للرسول، لكنه محال، لأن العلم به يتوقف على صحة النبوة.
فإن قلت: إنه لازم عليكم، لأنه إذا كان حراما مطلقا في بعض الأحوال، كان حراما عندها، فيجب اتباع الإجماع عندها، والجواب مشترك.
قلت: التقييد أهون من التعطيل.
وأورد: (بمنع) أنه - حينئذ - يجب اتباع الإجماع، إذ لا يلزم من حرمته - إذ ذاك - وجوبه، إذ عدم الاتباع واسطة.
وبمنع أن المشاقة عبارة عن الكفر، وما ذكرتم معارض بما أنها مشتقة من كون أحد الشخصين في شق، والآخر في آخر، ويكفي فيه أصل المخالفة.
سلمناه لكن الكفر المنافي له إنما هو التكذيب، دون غيره، كشد الزناد، وحينئذ لا يمتنع ذلك، إذ بينا أن الكفار مخاطبون فروع الإسلام.
سلمناه لكن التكليف بما لا يطاق جائز.
وأجيب:
عن (أ) أنه يلزم ذلك لما سيأتي.
وعن (ب) أنه وإن لم يفده - نظر إلى الاشتقاق - لكنه يفيده عرفا، لتبادر الفهم إليه.
وعن (ج) بمنعه، فإن التكفير به يتضمن التكذيب، سلمناه لكن إيجاب اتباع سبيل المؤمنين
стр. 467
- وإن كان فعليا - باطل لمساعدة الخصم عليه، ولأنه يتقضي عدم وجوب اتباع سبيلهم عند عدم المشاقة، ووجوبه عندها، وبطلانه بين.
وعن (د) أنه وإن كان جائزا، لكنه غير واقع، سلمناه لكن لا تفريع (عليه)، وإلا: تعذر تقرير أكثر الأدلة.
(ب) وهو ما ذكره الإمام: أن المعلق بالشرط، إن لم يكن عدما - عند عدمه حصل الغرض، وإن لم تكن حرمة اتباع غير سبيل المؤمنين مشروطة بمشاقة الرسول، وإلا: لزم جواز اتباع غير سبيل المؤمنين مطلقا، وهو باطل لأن مخالفة الإجماع وإن لم تكن خطأ فلا شك في أنها لا تكون صوابا مطلقا.
ومنع حصول الفرض من الأول لجواز أن يكون له ذلك من خصوصه، لا من القاعدة الكلية، وهو مندفع بالترديد فيه. ثم بمنع لزوم الجواز كليا إن عنى بقول: (مطلقا) ذلك، لأن نفي السالبة الكلية لا يوجب صدق الموجبة الكلية، وإن عنى به الجواز في الجملة فلا نسم امتناعه، ولا نسمل أنه ليس بصواب إن عنى به الجواز.
ثم إنه متناقض، لأنه يقتضي عدم الجواز على تقدير الجواز، وإن عنى به أمرا زائدا عليه لم يلزم من نفيه نفي الجواز.
(ج) وهو ما ذكره بعضهم أن الوعيد إذا ترتب على أمرين اقتضى ذلك ترتبه على كل واحد منهما، وعليهما بقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله﴾ [الفرقان: آية ٦٨] الآية، إذ الإثم مرتب عليها وعلى كل واحد منها.
ومنع أنه منه، بل لمنفصل، إذ التضعيف غير مترتب على (كل) منها.
وإحالة هذا إلى منفصل ليس أولى من إحالة ما ذكرنا إليه، بل ما ذكرنا أولى لعدم اقتضائه التعارض، ثم هو منقوض بمثل: إن دخلت الدار وأكلت فأنت طالق.
(د) الوعيد مرتب على المشاقة وحدها وفاقا، فكذا على قرينة، لأن دلالة النص على ترتب الوعيد عليها على السواء.
وأجيب: بأنه لمنفصل، لا منه.
(هـ) لا خلاف في التوعد على اتباع غير سبيل المؤمنين، فإن لم يكن لمفسدة فيه لم يجز، أو
стр. 468
كان لها من جهة المشاقة فذكرها كاف، أو من جهة فيترتب الوعيد عليه، وإن لم توجد المشاقة.
وأورد: بأنه لمفسدة فيه بشرط المشاقة، وما ذكره لا ينفيه.
والأولى فيه وجهان:
(أ) المشاقة من جملة غير سبيل المؤمنين، فلو كانت شرطا في حرمته لزم أن تكون حرمة الشيء مشروطا بوقوعه، (وهو مناقض لمفهوم التحريم، لأن الفعل بعد وقوعه) لم يبق متعلق التكليف.
فإن قلت: هي تحرم بخصوصها - أيضا - فلم يلزم ما ذكرتم.
قلت: حرمتها - لخصوصها - لا تنفي حرمتها لعموم الاتباع، و - حينئذ - يلزم ما تقدم.
(ب) الآية سيقت لتعظيم الرسول، ومجموع الأمة، وهو بتحريم كل منها بانفراده، لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بعليته، وجعل تعظيم الرسول هو المقصود - يوجب تخصيص الاتباع.
وعن (ج) بمنع أن العطف يقتضيه، سلمناه، لكن ذاك بعينه لا غير، ثم كونه مدح المؤمنين ينفيه، إذ لا ينفيه في الموافقة للدليل، على أن المتمسك به لا يكون متبعا.
وعن (د) أن نحوه يفيد العموم، للإضافة، ولصحة الاستثناء، ولدفع الإجمال، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، والحمل على العموم إنما لا يفيد لو حمل على الكل، لا على كل واحد، والمفهوم من مثله الثاني، ولو حمل على الكفر لزم التكرار، لإرادته من المشاقة، على أن التبادر ممنوع، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وعن (هـ) بمنع أن حقيقة غير مرادة، وهو حقيقة للمشترك بين ما يمشي فيه، وبين ما يختاره الإنسان لنفسه من طريق الدين والمذاهب، لاستعمال القرآن.
سلمناه، لكن عدم الأولوية ممنوع، فإن ما ذكرناه مجازا، والأصل عدم غيره، والمناسبة ظاهرة.
стр. 469
وقوله: (بينه وبين دليل الإجماع مشابهة الإفضاء). قلنا: لكن وجد ما يمنع من حمله عليه، إذ المشترك ليس يمتنع، سلمناه لكنه يقتضي حقيقة كل ما أجمعوا عليه.
وعن (و) أنه يلزم ذلك، إذ يفهم من قول القائل: (لا تتبع غير سبيل الصالحين): الأمر بمتابعة سبيلهم، حتى لو نهى عنه عد مناقضا، نعم: لا يفهم ذلك لو قدم (السبيل) على (غير)، حتى لا يعد بالنهي عنه مناقضا، إذ النهي في الأول: عما هو غير سبيلهم، والتوقف غير، وفي الثاني: عن (سبيل) موصوف بأنه: غير، والتوقف ليس بسبيل ولأن (غير) بمعنى (إلا)، وإلا: لزم الإضمار، وهو مجاز خير منه، و- حينئذ - يفيد وجوب اتباعه.
وعن (ز) أنه يفيد الوجوب في كل الأمور، لصحة الاستثناء، ولما ثبت من عمومحرمة اتباع غير سبيلهم، إلا: ما خصه الدليل، وما ذكرتم خصه ما ذكرتم، ولا نسلم أنه يفهم منه الصلاح، إذ هو جزء الصالح، وسبيله خارج عنه، ولأنه يذم على ترك سيرهم المرضية، والصلاح بفعل الواجبات وترك المنهيات، وسلمناه لكن لا يمكن الحمل على (الإيمان) لأنه لا يحصل تقليدا، وللتكرار كما سبق، وفهمه من قول السلطان لقرينة عرفية، واتباع اللفظ أولى وكونه حاصلا في الحال - وإن أوجب حمله عليه - لكنه ممتنع لما سبق.
و(ح) المراد: كل المؤمنين - قوله: (الكل من يوجد إلى يوم القيامة) ممنوع (لما سبق، و -أيضا- وروده زجرا عن مخالفتهم، وترغيبا في الأخذ بقولهم يمنع منه).
قوله: (كون المعدوم ليس بمؤمن يقتضي أن لا يكون إجماع أهل العصر الأول حجة في الثاني).
قلنا: إذا اتفقوا على حكم لم يجز لأحد في عصر ما مخالفتهم فيه، لكونه حقا في ذلك العصر، وكون الحق في عصر حقا في غيره.
قوله: (وأن يختص بالصحابة).
قوله: لما امتنع ذلك - لما سبق غير مرة - وجب حمله على مؤمني كل عصر دفعا للتعطيل.
وعن (ط) المراد: كل مؤمني كل عصر، إلا: ما خصه الدليل، وحمله على الإمام تخصيص
стр. 470
للجمع إلى واحد، وهو غير جائز، سلمناه لكنه خلافا الأصل، ووروده لا ينفي ذلك.
وعن (ي): يمنع أنه لا يمكن معرفتهم - حينئذ - إذ يجوز أن عرف بالقرائن، كالحب والبغض، ثم بمنع أنه مجاز فيه، سلمناه لكن يحمل عليه لتعذر حمله على حقيقته، وحمله عليه أولى مما ذكروه، لعدوله عن الظاهر بلا ضرورة ولما سبق.
وعن (يا): بمنع أنها عملية، سلمناه لكن المقصود إثبات القطع منه، ومن غيره، ومنه يعرف اندفاع التشنيع.
(ب) ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ [البقرة: آية ١٤٣] أي: عدولا، وقال تعالى: ﴿قال أوسطهم﴾ [القلم: آية ٢٨]، وكان رسول الله ﷺ أوسط قريش نسبا، و (عليكم بالنمط الأوسط)، وقيل:
هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ...
وهو ينفي إتيانهم بالمحرم.
فإن قلت: (أ) ظاهره متروك، وليس البعض أولى من البعض فيبقى مجملا، سلمناه لكنه الإمام المعصوم.
(ب) ثم لا نسلم: أن الوسط العدل، إذ كونهم وسطا فعل الله تعالى، وعدالتهم (من) فعلهم.
(ج) ولأنه ما يتوسط بين الشيئين، فجعله حقيقة في العدالة يوجب الاشتراك.
стр. 471
(د) ثم إن الصغائر لا تقدح فيها، كما في عدول القضاة، فالخطأ أولى.
(هـ) ثم إنه للشهادة على الناس في الآخرة في تبليغ الرسالة إليهم فيقتضي عدالتهم فيه لا غير.
(و) ثم إنه يقتضيها فيها، لاشتراط العدالة حالة الأداء.
(ز) ثم إنه خطاب مشافهة، فيختص بالحاضرين، ولم يعلم بقاؤهم بعد الرسول
وأجيب:
وعن (أ) منعه، إذ هو ظاهر في الكل، كما هو في كل واحد، ثم بمنع الثاني، إذ حمله على الكل أولى، للزومه إياه، والحمل على الإمام المعصوم: مرجوا به.
وعن (ب) بمنع أن العدالة بفعلهم، ولو قيل: هي من كسبهم، وكونهم وسطا ليس كذلك، منعنا الثانية، إذ لا يمتنع كونه من جعل الله: أن يكون من كسبهم.
وعن (ج) أنه حقيقة فيهما بحسب مشترك بينهما.
وعن (د) أنه قيل: لا صغيرة إلا: بالنسبة، ومن سلمها قال: الله - تعالى - يعلم الظاهر والباطن، فحكمه بالعدالة يقتضي المطابقة بخلاف شهود الحاكم، إذ لا تعلم الباطن.
وهو مصادرة على المطلوب، إذ هو مبني على أن الصغائر تنافيها، ثم لو كانت كذلك لما بقي فرق بينها وبين العصمة. والفرق لجواز الوقوع وعدمه: ضعيف، فإن ما يجوز لم يلزم من فرض وقوعه محال، و - حينئذ - يبطل قوله: (لا يقع)، وإن جاز أن يقع.
والأقوى: أن وحدها يقتضي ملازمة التقوى والصغائر تخل (بها)، وعلى التقديرين لا ينفي الخطأ والسهو، لأنه لا يخل بالتقوى.
وعن (هـ) أنه تقييد ثم إن العدالة لا تتجزأ، وقوله: ﴿جعلناكم﴾ [البقرة: آية ١٤٣] بنفيه، ولأن الأمم عدول في الآخرة، وإن صدر من بعضهم الكذب، كقوله: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ [الأنعام: آية ٢٣] لعدم التكليف.
وعن (و)، و (ز) سبق.
стр. 472
و (ح) ﴿كنتم خير أمة﴾ [آل عمران: آية ١١٠] الآية، واللام للعموم، ولأن عدمه إجمال، إذ لا عهد، والحمل على أركان الدين أو الماهية، أو بعض ما يلغي فائدة التخصيص بهذه الأمة، فيمتنع إجماعهم على الخطأ.
فإن قيل: إنه مبني على أنه للمدح على وجه الاختصاص، وهو ممنوع، بل المراد: الإخبارية، وإن شاركهم فيه غيرهم.
ثم هو في الماضي، أو إن كان في الحال لكنه باعتباره، ثم لا يجب تحققه في الاستقبال، والتمسك بعدم الفصل، دور.
وكونه متروك الظاهر، وخطاب مشافهة، وحجة ظنية، قد عرف جوابها ويخص الأول: بأن تسمية الواحد أمة مجاز، وكل واحد لا يكون خيرا من صاحبه.
وأجيب:
وعن (أ) أنه معلوم من صراحة الآية، وسياقها.
وعن (ب) أن (كان) زائدة أو تامة، سلمناه، لكن تأمرون يتناول الحال والاستقبال، فيثبت مدلولهما، إذ لا منافاة، ولا مفهوم لكان، سلمناه لكن لا يعار من المنطوق، وهو جواب الثالث.
وعن (ج) أنه إن قيل بجواز الاستعمال في مختلفين، أو هو كالعام بالنسبة إلى الحال والاستقبال - فظاهر، وإلا: فيتمسك بالاستصحاب.
(د) قوله تعالى: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ [التوبة: آية ١١٩] أي: في كل الأمور. لئلا يلزم (الأمر) بموافقة كلا الخصمين، وبموافقة كل منهما للآخر، ثم المراد: مجموع الأمة في كل الأمور دفعا لتكليف ما لا يطاق، والإجمال.
وزيف بأنه إنما يجب الكون معهم لو علم صدقهم، فلو استفيد صدقهم بذلك لزم الدور، ثم المراد (فيما صدقوا) فيه، فلم قلت: إنهم صادقون في كل الأمور؟ .
(هـ) قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم﴾ [النساء: آية ٥٩] الآية، شرط في إيجاب الرد إلى الله (تعالى) والرسول: التنازع، فعند عدمه لا يجب، بل اكتفى فيه بالاتفاق.
стр. 473
وزيف:
بأنه متناقض، إذ الاكتفاء به رد إلى الله والرسول وبأنه لا مفهوم للشرط إذا كان للعادة والغلبة، والعادة أن الدليل إنما يطلب عند التنازع، ثم إن التنازع قد يتصور برجوع بعضهم، أو بمخالفة من بعدهم.
(و) قوله تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ [آل عمران: آية ١٠٣].
التفرق منهي عنه، خص عنه ما قبل الاتفاق، فيبقى غيره على الأصل.
وتقييده بالتفرق في الاعتصام خلاف الأصل، والتأكيد والتأسيس أولى، وتبادر الفهم في مثله إلى مثله في بعض الصور للقرينة، واعتبار اللفظ أولى.
ومنع أنه منهي عنه مطلقا، بل بغير دليل، لئلا يلزم تخصيصه كما قبل الاتفاق، و - حينئذ - إن بين أن لا دليل مع مخالفة الإجماع فدور، وإلا: فلا يتم.
(ز) التمسك بالسنة، وهو المعتمد، قوله: (لا تجتمع أمتي على خطأ).
فقيل: معنى هذا متواتر، إذ نقل بألفاظ مختلفة بلغت التواتر:
في (أ) (لا تجتمع أمتي على ضلالة).
(ب) (سألت الله أن لا تجتمع أمتي على خطأ فأعطانيه).
(ج) (لم يكن الله بالذي يجمع أمتي على الضلالة)، وروي ... (على الخطأ)، وهو من مراسيل الحسن.
стр. 474
(د) (يد الله مع الجماعة، ولا يبالي بشذوذ من شذ).
(هـ) (ما رآه المسلمون حسنا، فهو عند الله حسن).
(و) (من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، فإن دعوتهم لتحيط من ورائهم، وأن الشيطان (مع الواحد)، وهو من الاثنين أبعد).
(ز) (عليكم بالسواد الأعظم)، ونهى عن الشذوذ.
(ح) (من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه).
(ط) (من فارق الجماعة ومات، مات ميتة جاهلية).
стр. 475
(ي) (ثلاث لا يغل عليهن قلب المؤمن: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم).
(يا) (ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة) قيل: يا رسول الله ومن تلك الفرقة؟ قال: (هي الجماعة).
(يب) (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق، حتى يقاتلوا الدجال).
(يج) (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، حتى أتي أمر الله).
стр. 476
(يد) (لا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرهم من ناوأهم إلى يوم القيامة).
(به) (من شذ شذ في النار).
لا يقال: بلوغ مجموع رواتها حد التواتر منموع، ثم المنقول بالتواتر إن كان نفس أن الإجماع حجة لزم العلم (به) متواترا كغزوة (بدر)، وشجاعة (علي)، وسخاوة (حاتم)، ووقوع الخلاف فيه ينفيه، أو ملزومه، لزم بيانه، وبيان استلزامه والقطع بكون الكل لم ينقل كذبا لم يفد، إلا: إذا كان كل واحد منها يفيد المطلوب، أو لازمه - قطعا، وهو ممنوع.
واستدلالكم - بعد تصحيح المتن - بواحد منها، ينفيه لأنه ليس للتواتر عدد معين يقطع به عنده.
وإن عنى به أنه ليس عددا يمكن حصول العلم بذواتهم - فباطل، إذ ليس فيه عدد معين فيما زاد على الأربعة وفاقا، و - حينئذ - المرجع فيه إلى العلم، ومن خالط اهل الأخبار، وتتبع كتب الأحاديث - علم أن مجموعها يفيد عصمة كل الأمة عن المعصية والخطأ، ووقوع الخلاف فيه من قليل - مع الاشتراك في سببه لو سلم ذلك لا يقدح فيه، كما في المحسنات، وهو الجواب عن (ب).
وعن (ج): أن كل واحد منها يفيد تعظيم الأمة تعظيما ينافي جواز إقدامهم على المعصية والخطأ.
стр. 477
والاستدلال بواحد منها: إما على غير هذه الطريقة، أو لإزالة إشكال على لظفه، لا أن العلم يتوقف عليه.
وقيل: بالاستدلال بها: بأن التابعين أجمعوا على موجبها، مستدلين بها، وقد علم من عادتهم: أنهم لا يجمعون على موجب خبر لم يقطعوا بصحته.
وهذا ضعيف، غذ مقدماتها ممنوعة.
وقيل: يجعلها آحادا، والتمسك بها، أو بأحدها كالحديث الأول وهذا لا يفيد إلا: الظن.
وأورد: المراد من الأمة: من يؤمن إلى يوم القيامة، وإن اختص بالموجود فالمراد الصحابة، فلا يحصل الغرض، لما سبق.
ثم المراد م الخطأ، أو كبيرة، إذ روى: (على ضلالة ... ).
أو السهو، إذ هو ممتنع على الجمع العظيم، بل لعله نهي، فاشتبه على الراوي أو هو خبر بمعنى: النهي، ثم لا يلزم من إصابتهم: وجوب اتباعهم.
وأجيب:
عن (أ) بما سبق، وبأنه مدفوع بمثل قوله: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق).
وعن (ب): أنه عدول عن ظاهره من غير دليل، وحمل المطلق أو العام على المقيد أو الخاص بدونه لا يجوز، ثم الضلالة لا يقتضي الكفر، للآية، وحمله على السهو ينفي مدحهم به.
وعن (ج) أن عدالة الراوي تنفيه وبقية الأحاديث، ولأن فتح هذا الباب يسد باب
стр. 478
الاستدلال بأكثر النصوص.
وعن (د) أنه خلاف الأصل، ومدفوع بأحاديث أخر.
وعن (هـ) أن كل من ثبت إصابته بدليل يخصه، أو من غير معارضة مثله يجب اتباعه، كالنبي خرج عنه المجتهد، إذ ليس إصابته كذلك، وبأن الأمة أجمعت على أن الإجماع ليس صوابا تجوز مخالفته، فلو جاز ذلك لأجمعت الأمة على الخطأ، والحديث ينفيه.
(ح) صدوره عن دلالة، يقتضي منع مخالفته، وعن أمارة كذلك، إذ التابعون أجمعوا على المنع من مخالفته، (قاطعين به، وذلك كاشف عن دلالة مانعة من مخالفته).
أولا عنهما: فممتنع عادة من الجمع العظيم.
وهذه إن صحت اقتضت أن لا يختص الإجماع بأمتنا، لأن حاصله يرجع إلى أنه كاشف - عن قطع - على نفس الحكم، أو على المنع من مخالفته، وأن يكون عددهم عدد التواتر.
وأورد: أنه يجوز أن يكون لشبهة، كإجماع المبطلين مع كثرتهم، ثم جاز أن يكون الثاني لإمارة، كالأول، فهذا لو سلم إجماعهم عليه.
الأول: قادح.
والثاني: مندفع، إذ هو معلوم بعد البحث والاستقراء.
وكذا الثالث بعد فهم القطع، بالمنع من مخالفة الحكم الصادر عن الأمارة دون غيره.
وقيل: لا يرد الأول، لو جوز الدليل هكذا: بأن العادة تحيل إجماع العدد الكثير - من العلماء المحققين - على قطع في شرعي، من غير قاطع.
стр. 479
وهو دور، إن عنى به كونهم مصيبين في كل الأمور، وإلا: فممنوع، ثم هو منقوض بإجماعهم على أخذ الجزية من المجوس، و (أن لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها)، مع أن دليلهما ظني.
(ط) أجمعوا على تقديمه على القاطع، فدل أنه قاطع.
وأورد: بأنه إن عنى به قاطع المتن والدلالة، فممتنع، أو المتن فمسلم، لكنه لا يدل عليه، إذ خبر الواحد يقدم على عموم الكتاب.
(ي) كونه ﵇ خاتم الأنبياء يقتضي ذلكن وإلا: لجاز أن يتفقوا على الباطل، والكفر، فيحتاج إلى البعثة.
للمنكر:
قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ [البقرة: آية ١٨٨]، ﴿فإن تنازعتم﴾ [النساء: آية ٥٩] الآية، أوجب الرد إلى الكتاب والسنة، وهو يدل على عدم اعتبار الإجماع، وإلا: لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وقوله: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ [النحل: آية ٨٩] تدل على عدم الحاجة إليه. وحديث معاذ، وقوله: (لا ترجعوا بعدي كفار).
стр. 480
وقوله: (لتركبن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ... ). و (لا تقوم الساعة إلا على شرار أمتي ... ) و"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ... " الحديث
"تعلموا الفرائض .. " الحديث و (من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويكثر
стр. 481
الجهل) وقوله: (بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا).
فهذه الأحاديث ونحوها، تدل على خلو الزمان عمن يقوم بالحق و- أيضا - أن كل واحد غير معصوم، فكذا الكل، وأن كل واحد من الزنج لما كان أسود كان الكل كذلك.
ولأنه لا لدلالة وإمارة باطل، ولدلالة (يوجب) اشتهارها، لكونها واقعة عظيمة ولإمارة ممتنع، لامتناع اتفاق الخلق العظيم، لما يختلف مقتضاه، ولأنه اختلف في حجتها.
وأجيب:
عن (أ): أنه نهي لكل واحد، لتبادر الفهم إليه، ثم إنه لا يقتضي إمكان المنهي عنه مطلقا، بدليل: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾ [الأنعام: آية ١٤، والقصص: آية ٨٧]، سلمناه لكنه لا يقع، لما ذكرنان فيجمع بينهما إذ لا منافاة.
وعن (ب): أنه لا يدل على وجوب الرد إليهما عند التنازع، بل يدل على عدمه بمفهومه، ولا نزاع فيما اتفق عليه، سلمناه، لكن الرد إلى الإجماع رد إليهما.
وعن (ج): أن ما يبينه الإجماع يبينه الكتاب بواسطته.
وعن (د) أن عدم ذكره في حديث معاذ، لعدم حجيته إذ ذاك.
وعن (هـ) ما سبق في جواب الآية، ثم لعله خطاب مع معينين، ثم المدعي عصمتهم عند بقائهم بصفة الإيمان، وهو الجواب عند بقية الأحاديث، ثم هي محمولة على غلبة الشر والجهل
стр. 482
والعصيان، لقوله ﵇ "لا تزال طائفة ... " الحديث.
وعن (و) بمنعه، والمثال الواحد لا يدل عليه، ثم الفرق بينهما معلوم بالضرورة.
وعن (ز) لعله لم ينقل اكتفاء بالإجماع، ثم لا نسلم امتناع الاتفاق على مقتضى الإمارة، وقد تقدم سنده، والخلاف في حجية الإمارة حادث.
مسألة
قالت الشيعة: لا يخلو زمان التكليف عن إمام معصوم: لأنه (لطف) لأن حال الخلق على تقدير رئيس قاهر يمنعهم عن القبائح، ويحثهم على الطاعات، أحسن الاستقراء. لأن الفعل مع المعاون والمعارف، ليس كحال عدمهما، وهو واجب:
لأنه كالتمكين الواجب في إزاحة العذر، إذ ترك التواضع للضيف الذي علم من حاله أنه يتناول الطعام عند تركه كرد الباب.
ولأنه لو لم يجب فعل اللطف، لم يقبح فعل المفسدة، لعدم الفرق.
وعصمة الإمام واجبة دفعا للتسلسل، وهذا يقتضي أن يكون إجماع كل الأمة حجة.
وأن العلم بحجيته لا يتوقف على العلم بالنبوة، فإن قيل: لا نسلم أنه لطف، والتفاوت ممنوع، والاستقراء غير متصور فيه، لأنه ما خلا زمان عنه عندهم، بل المستقرأ ظهور هذه المفاسد، عند خوف الإمام، وتقيته وتستره ثم التفاوت بالقاهر دون الذي لا يعرف.
وبه اندفع الثاني، إذ المعاونة، والتعويق لا تحصل به، ثم إما يجب نصبه لو خلا عن جهات المفسدة، وهو ممنوع، وعدم وجدان دليلهما بعد البحجث الشديد لا يدل على عدمه، ولو دل
стр. 483
لكن لا يجب نفي ما لا دليل عليه، وإلا: لزم نفي الباري تعالى في الأزل.
ودعوى انحصار جهاتها في الظلم والكذب والجهل، دعوى بالتقسيم المنتشر، ثم هي منقوضة بقبح صوم العيد.
لا يقال: لو قدح هذا في كون الإمام لطفا، لقدح في كون المعرفة لطفا، ولتعذر القطع بوجوب شيء على الله تعالى - لأنا نمنع امتناعهما، إذ هو بناء على التحسين والتقبيح العقلي، وقد تقدم بطلانه.
ثم الفرق: أن الإمامة لطف يجب على الله تعالى، وهو عالم بكل الأشياء، فلا يجب مع احتمال جهة قبح، والمعرفة تجب علينا، فقام الظن مقام العلم، والتعذر في معين، لا ما هو لظف.
سلمناه، لكنه يشتمل على مفسدة ترك المكلف الفعل القبيح، لا لقبحه بل لخوف الإمام، وترك المكلف القبيح لخوف العقاب على فعله، ليس منه، لأنه لازم ماهيته، وهو كتركه لقبحه، ولأنه لو كان قبيحا لما كان لازما لتكره، سملناه، لكنه لا يمكن الاحتراز عنه.
والاستدلال بورود الشر عبه على عدم قبحه مشترك بينه وبين الإمام، ولا يصير به شرعيا، لأنه بطريق التبيين ويشتمل على نفي زيادة المشقة في فعل الطاعة، وترك المعصية المقتضية لزيادة الثواب
ويشتمل على أنه ربما يكون سببا لعدم الانقياد والطاعة، وكذا قيل: ﴿لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم﴾ [الزخرف: آية ٣١] سلمناه لكن لا في كل زمان، إذ رب زمان يستنكف الناس فيه عن طاعة الريس، ويعلم الله تعالى منهم أن فعلهم الطاعة، وتركهم المعصية - عند عدم الإمام - أكثر، وهو وإن كان نادرا، لكنه محتمل في كل زمان، فلم يجب القطع بوجوبه في زمان ما.
والاستنكاف كما يقع عن معين يقع عن مطلق الإمام، كيف وهو عندهم إنما يقع عن معين، سلمناه، فلم لا يجوز أن يكون له بدل، كما أن الإمام لطفا غيره، سلمناه لكن في المصالح الدنيوية أو الدينية الشرعية، كإقامة الصلاة، وأداء الزكاة، على التقديرين لا يجب عقلا.
لا يقال: إنه لطف في الدينية العقلية، لأنه إذا حثهم على فعل الواجب، وترك القبيح
стр. 484
العقليين، تمرنت نفوسهم عليها، فأتوا بذلك، لوجه الوجوب والقبح، لأنا نمنع ذلك، إذ ربما يبغضونه، فيأتون بذلك بمجرد الخوف.
وقيل: الإنسان حريص على ما منع، ثم لا نسلم أن كل لطف واجب، ولا نسلم أنه كالتمكين، إذ ترك التواضع عند إرادة تناول الضيف الطعام، لا يقدح فيها، إلا: إذا بلغت الغاية، وبلوغ إرادة الله تعالى الطاعة إلى تلك الغاية ممنوع، بخلاف رد الباب: إذ المتفضل لا يجب عليه التفضل إلى الغاية، ثم إن ترك التواضع قد لا يشق، بخلاف الرد وليس الفعل مع عدم المعارض بدونه، ثم القياس لا يفيد العلم، والملازمة ممنوعة في الوجه الثاني، للفرق، إذ فعل المفسدة إضرار، وترك اللطف ترك النفع، وهذا قد لا يون قبيحا.
ثم إنما يجب لطف محصل لا مقرب، والإمام منه، ثم إنما يجب لو أمكن قرب زمان علم الله كفر كل من يخلقه فيه، أو فسقه، فلم يكن خلق المعصوم فيه.
ثم هو منقوض بعدم عصمة القضاة والأمراء والجيوش، وبعدم الإمام في كل بلدة، وبكونه عالما بالغيوب، وقادرا على الاختفاء عن العيون، والطيران في الهواء.
وعدم وجوبها لاحتمال مفسدة لا يعلمها فيها، يقدح في وجوب الإمام.
لا يقال: قد يجب أصل اللطف، دون المكمل، (لأن) دليلهما واحد، فتجب التسوية، ثم هو مبني على التحسين والتقبيح، ثم لا نسلم عصمته، والتسلسل (فيه) غير لازم، بل غايته. أنه يفتقر إلى لطف آخر، ولم لا يجوز أن تكون الأمة لطفا له، وهو لطف لهم، والدور إنما يمتنع فيما له تقدم بالرتبة على الآخر.
سلمنا لكنه لطف لكل واحد واحد منهم، ومجموعهم لطف له: ولا دور.
ولا يكفي في ذلك القدح في أدلة الإجماع، لأن ذلك ينفي الجزم، لا الاحتمال، ولا نسلم أن الإجماع يشتمل على قوله، وأن قوله صواب، إذ يجوز عندهم: فتوى الإمام بالكفر والفسق، خوفا وتقية فلعله خاف مخالفة الخلق، فأفتى به خوفا، أو لعله أفتى به سهوا، ونسيانا - أو وإن كان ذنبا لكنه صغيرة، وهي تقدح في العصمة.
لا يقال: هي منفرة، لأن العجز الشديد، والفتوى بالكفر والفسق مع الأيمان المغلظة، أكثر تنفيرا مع تجويزكم إياه.
стр. 485
مسألة
إذا أجمع على قولين في مسألة:
ثالثها: إن رفع ما أجمع عليه، فلا.
كرد البكر الموطوءة، وكتوريث الأخ دون الجد، وإلا: جاز كأكل متروك التسمية، إن نسيت
لنا:
أنه لا يرفع ما أجمع عليه، فلا حجر.
للمانع:
(أ) أن تجويز الثالث يرفع وجوب الأخذ بهما بدلا، ولا يستلزم بطلانهما المستلزم لإجماعهم على الخطأ.
(ب) أنه لا لدليل، أو لدليل معلوم للأولين راجح، أو مساو أو مرجوح: باطل، أو غير معلوم فكذلك، إذ يقتضي واتفاقهم على خلافه ذهولهم عن الحق واتفاقهم على خلافه.
(ج) إن كان خطأ وجب أن لا سوغ، أو لا، وجب بطلان الأولين.
للمجوز:
(د) أن الشافعي ﵁ أحدث الثالث، في رد الثيب الموطوءة مجانا، ولم ينكر عليه، فكان إجماعا.
(هـ) وبأنه لم يحصل إجماع على حكم واحد، فلم يكن حجة كما قبل الاستقرار.
وأجيب:
عن (أ) أنه مشروط بعدم الثالث، وهو محذوف في غيره، وتجويزه لا يستلزم ذلك، إذ كل مجتهد مصيب، سلمناه لكن نمنع امتناعه، إذا الممتنع عندنا - تخطئة كل الأمة فيما اتفقوا عليه،
стр. 486
لا مطلقا، ثم لا يلزم من تجويزه عدم خطئه، إذ الاجتهاد الخطأ قد يعمل به، وبه خرج جواب الثالث.
وعن (ب) جاز أن يكون لا عن دليل ظنه دليلا، أو لمرجوح ظنه راجحا.
وعن (د) أنه لم يثبت اتفاق كلهم على الرأيين السابقين.
وعن (هـ) منع الصغرى، إذ اتفقوا على أن للجد قسطا من المال، فالقول بحرمانه خلاف الإجماع، فكان ممنوعا.
مسألة
إذ لم يفصلوا بين مسألتين:
فإن نصوا عليه، لم يجز الفصل.
وإلا: فالمختار. ثالثها: أن المأخذ إن كان واحدا - كتوريث الخال والخالة - أو يلزم منه رفع ما أجمعوا عليه كعدم النية في الطهارات كلها لم يجز، لأنه كالنص على عدم الفصل، والإيجاز، إذ ليس فيه مخالفة الإجماع، لا في الحكم ولا في علته. ولأن عدم جوازه يوجب كل من وافق مجتهدا في مسألة لدليل أن يوافقه في جميعها.
للمجوز:
(أ) ما سبق من لزوم وجوب الموافقة.
(ب) الإجماع على أن كل ما ليس مجمعا عليه، يجوز الاجتهاد فيه.
(ج) أن ابن سيرين، قال: (في زوج وأبوين، للأم ثلث ما بقي) (وفي زوجة وأبوين لها ثلث
стр. 487
جميع المال)، وقال سفيان: (الجماع ناسيا يفطر دون الأكل) ولم ينكر عليهما، فكان إجماعا.
للمانع:
أنه لا خلاف ما أجمعوا عليه، من عدم الفصل، ووجوب الأخذ بأحد القولين، والحكم بدلا.
وأجيب:
عن (أ) بمنع لزوم وجوب الموافقة كليا وجزئيا، بمنع امتناعه.
وعن (ب) أنا نقول به، ولا نسلم أن ما علته واحدة - ليس كذلك.
وعن (ج) أنه ليس طريق الحكم فيه واحدا، سلمنا، لكن لم يثبت خصوص الجميع فيه، ثم الخلاف لعلة في حالة الاتفاق، أو قبل انقراض عصرهم.
وعن (د)، و (هـ)، و (و): ما سبق في ال مسألة السباقة.
مسألة
يجوز حصول الإجماع بعد الخلاف خلافا للصيرفي.
لنا:
стр. 488
إجماع الصحابة على دفنه، وإمامة الصديق، وقتال مانعي الزكاة، والتابعين على منع بيع أم الولد بعد اختلافهم فيها.
له:
(أ) ما مضى بجوابه.
(ب) قياسه على ما استقر الخلاف فيه.
وجوابه: منع حكم الأصل، ثم بالفرق على ما ستعرف
стр. 489
مسألة
اتفاق أهل العصر الثاني على أحد قولي، أهل العصر الأول إجماع. خلافا للكثيرين، كالأشعري، والإمام أحمد، والصيرفي، وأبي علي بن أبي هريرة، وأبي علي الطبري، وأبي حامد المروذي وإمام الحرمين، والغزالي، وكثير من الحنفية، ثم منهم من منع إمكانه، ومنهم من منع حجيته.
للمجوز:
(أ) أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، وحينئذ يكون حجة، لاندراجه تحت أدلة الإجماع.
(ب) القياس على المسألة السابقة، والمحذور واحد.
(ج) الإجماع على منع بيع أمهات الأولاد، مع الإنكار على من يرى جوازه مع أنه كان مخالفا فيه.
لهم:
(أ) قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء﴾ [النساء: آية ٥٩] الآية، والاتفاق الحادث لا ينفي التنازع السابق، فوجب الرد.
(ب) (أصحابي) الحديث.
(ج) حجته تقتضي حجية قول إحدى الطائفتين. إذا متت الأخرى فكان قولهم حجة بالموت.
(د) ولكان عن دليل لا يخفى على الأولين.
стр. 490
(هـ) أنه إحداث لقول ثالث، وبطلانه سبق.
(و) لا يموت القول بموت المجتهد، إذ تحفظ أقوالهم، ويحتج بها ولها، فلا إجماع معها.
(ز) لو كان حجة لنقض القضاء بخلافه، وأهل العصر الأول أجمعوا على عدمه.
(ح) ما سبق للصيرفي بجوابه.
وأجيب:
عن (أ) أنه لا نزاع في الحال، فلا يجب الرد، ثم مفهومه يدل على عدم وجوب الرد عند عدمه، ثم إن الرد إلى الإجماع رد إليهما.
وعن (ب) أنه خطاب مع العوام. و- حينئذ - وجوب الاقتداء به مشروط لجواز الإفتاء به، فلو استدل به على جواز الإفتاء به لزم الدور، وأيضا - خص عنه الاقتداء بهم في التوقيف، فكذا هذا جمعا بين الدليلين، أو هو محمول على ما يرويه عن الرسول دفعا للتخصيص.
وعن (ج) أنه يلزم حجيته عنده لاندراجه تحت الأدلة، لا به.
وعن (د) أنه ما خفي على كلهم، بل على بعضهم.
وعن (هـ) بمنع أنه ثالث، بل هو أحد القولين السابقين، وحصول صفة القطع (له) لا يدل المغايرة، سلمناه، لكن بينا أنه غير ممنوع عنه مطلقا، سلمناه، لكن مع بقائهما وهو ممنوع، لأنه مشروط بعدم القطع بعدهما.
وعن (و) أن بقاءه على وجه يمنع من انعقاد الإجماع: ممنوع، بمعنى آخر لا يضر.
وعن (ز) أن ما وقع على خلاف الإجماع، إنما ينقض لو وقع بعده، فأما قبله فلا، واستدلالهم بأن أهل العصر الثاني بعض المؤمنين، فلا يكون إجماعهم حجة، كبعض أهل العصر، وبالقياس على امتناع حصول الإجماع بعده - ضعيف جدا.
مسألة
إذا انقسموا قسمين فمات أحدهما، أو كفر، يصير الثاني مجمعا عليه لاندراجه تحت أدلة الإجماع، والخلاف فيه كما تقدم.
ولو رجع أحدهما إلى قول الآخر: فمن شرط انقراض العصر في الإجماع، أو جوز ذلك فيما سبق، وقال بحجيته، قال بحجية هذا، بل أولى، لكونه قول كل الأمة، وكون الأول مرجوحا
стр. 491
عنه.
ومن لم يقل بذلك:
فمنهم من جوزه، وقال بحجيته. ومنهم من جوزه فقط. ومنهم من أحاله مطلقا.
ومنهم من فصل بين ما يكون دليل الخلاف الإمارة والاجتهاد، وبين أن يكون القاطع.
والمختار: أنه حجة لاندراجه تحت الأدلة.
مسألة
انقراض العصر ليس بشرط.
خلافا للإمام أحمد، وابن فورك.
الأستاذ، والجبائي في السكوتي.
إمام الحرمين: إن كان عن أمارة.
لنا:
стр. 492
أدلة الإجماع.
واستدل:
(أ) أنه لو اعتبر لم ينعقد إجماع للتلاحق.
(ب) أنه بعد الانقضاء حجة وفاقا، فإن كان لنفس كونه إجماعا، فيكون حجة قبله - أيضا - أو للانقضاء، فيكون انقراض العصر حجة بدون الاتفاق، أو له بشرطه، فيقتضي أن يكون الموت شرطا في حجية قولهم، وهذا باطل، لأن الموت لا يكون شرطا في حجية قول هو حجة، كقول الرسول ﵇.
ورد:
(أ) بأنه لا يرجع فائدته إلا: إلى المجمعين، سلمناه (لكن) المراد عصر المجمعين الأولين.
(ب) وبأن الجامع طردي، ثم بمنع لزوم كون الموت شرطا، بل هو كاشف عما به تتحقق حجيته، ثم إنه شرط لاستقرار حجية قول الرسول، فكذا في الإجماع.
وفيه نظر، إذا يقتضي جواز التمسك به قبل موتهم.
للمخالف:
(أ) قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾ [البقرة: آية ١٤٣] وهو يقتضي كونهم شهداء على أنفسهم.
(ب) سئل علي عن بيع أمهات الأولاد، قال: (كان رأيي ورأي عمر أن لا يبعن، فرأيت الآن بيعهن) فقال له عبيدة السلماني: (رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك) فدل على أن
стр. 493
عليا خالف الإجماع، وما ذاك إلا لعدم انقراض العصر.
(ج) خالف عمر الصديق في التسوية في القسم ولم ينكر عليه فكان إجماعا
(د) حد عمر شارب الخمر ثمانين، وخالف ما كان عليه الصحابة.
(هـ) الإنسان ما دام حيا يتفحص عن الدليل، فلا يستقر إجماع.
(و) القياس على قول الرسول، فإنه لا يستقر كونه حجة في حياته.
(ز) لو لم يعتبر لحصل الإجماع بموت المخالف لهم حالة الحكم، فيكون حجة بالموت، ولأنه يلزم منه بطلان قول الميت.
(ح) أن دليله جاز أن يكون ظنيا، فلو لم يعتبر لزم أن يكون الاجتهاد مانعا من الاجتهاد.
(ط) السكوت عن حكم الحادثة ليس دليلا على الرضى، لاحتماله للتروي والفكر، فإذا مات على ذلك، دل على الرضا، إذ لا يتمادى النظر إليه غالبا.
وأجيب:
عن (أ) أنه لا منافاة بين الشهادتين ولأنه يتناول شهادتهم على أنفسهم لفظا لعموم الناس، وإقرار الرجل على نفسه يسمى شهادة ومعنى لأنه إذا قبل في حق غيره، فأولى (أن يقبل في حق نفسه، ولوجود - علة قبوله في حق غيره - في حق نفسه، وهو أن ما) أجمعوا عليه صواب.
وعن (ب) أنه أراد به العهد لا العموم، إذ كان بعضهم يرى - إذ ذاك - جواز بيعهن، كجابر بن عبد الله، وابن عباس، وابن
стр. 494
الزبير، ولأنه روي أنه قال: (رأيك مع عمر أحب إلينا من رأيك وحدك)، وهو يوجب حمل الجماعة عليهما، وهذا لتطابق الكلامين.
وعن (ج) بمنع أنه بعد موافقته إياه، بل نازعه فيه.
وعن (د) بمنع حصول الإجماع فيه، إذ لم يثبت خوض الل فيه، سلمناه، لكنه لمصلحة مختصة بالوقت، فزوال لزوالها.
وعن (هـ) بمنع أنه لا يستقر، وإنما يتفحص عن غيره، فأما عنه فممنوع، ثم إنه لتقويته.
وعن (و) بمنع الجامع، ثم الفرق أنه قابل للنسخ، دون الإجماع، ولا ينعقد على خلاف دليل راجح، ليقال زال الحكم للاطلاع عليه.
وعن (ز) بالتزامه، وحجيته بالموت ممنوع، لما سبق، وبالتزام بطلان، قول الميت، ثم إنه لازم عليه بعد الانقراض، والجواب واحد.
وعن (ح) منع الملازمة، إذ المانع الاتفاق على الاجهاد، لا هو وحده.
وعن (ط) أن السكوت إن دل على الرضا دل عليه في الموضعين وإلا: فلا، لاحتمال أن يكون مات على ما كان عليه.
وفيه نظر، لأنه وإن احتمل لكن الأغلب أنه لا يتمادى إليه.
فالأولى: أن يقال: إنه لو دل على اعتبار الانقراض، فإنما يدل في حق الساكت، دون الناطق، ومن شرط لم يفرق بينهما فيه.
مسألة
قول بعضهم وسكوت الباقين قبل استقرار المذهب: ليس بإجماع ولا حجة، عند الشافعي، وداود، وبعض
стр. 495
الحنفية. خلافا للإمام أحمد، وكثير - منا - ومن الحنفية والمعتزلة وهو مروي عن الشافعي - أيضا -.
وقال أبو هاشم: إنه حجة، وليس بإجماع، وعكسه لم يقبل به أحد، وإن كان يتصور كالإجماع المروي بالآحاد، عند من لم يقل بحجيته.
ابن أبي هريرة: إجماع إن كان فتيا لا حكما.
وعكس الأستاذ.
لنا:
أنه محتمل من الراضي والساخط والمجتهد، والذي لم ظهر له صواب بعده، أو لم يشرع فيه بعد، أو لم ير الإنكار جائزا، إذ كل مجتهد مصيب، أو فرضا لظنه أنه لم يقع، أو يلحقه مضرة، أو لقيام غيره مقامه، أو ينتهز فرصة، أو يرى أن غيره أولى به، أو يرى تركه صغيرة غير قادحه في العدالة لو تركه خوفا، أو مهابة، فلا يدل على الرضا، وهو معنى قول الشافعي ﵁ "لا ينسب إلى ساكت قول".
وأورده: أنه ظاهر في الرضا، وغيره خلافه، فلا يقدح في كونه ظنيا.
следующие страницы →