← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18281

الفائق في أصول الفقه

الصفي الهندي

Полный текст (825 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عيسى بن أبان: إن كان الراوي عالما ضابطا - رجح الخبر، وإلا: فمحل الاجتهاد. البصري: إن نصت بقاطع رجح على الخبر - وإن كانت الثالثة ظنية - وإلا: فإن علم حكم الأصل فمحل الاجتهاد، وإلا: رجح الخبر - وإن علمت الثالثة. وعن الحنفية: أن الخبر إذا خالف قياس الأصول - لم يقبل كخبر المصراة، والقرعة في العتق، والتفليس، فإن عنوا به المقطوع فحق، وإلا: فالنزاع معهم - أيضا -. لنا: (أ) حديث معاذ، خص (عنه) بعضها، لمنفصل، فيبقى فيما عداه على ظاهره.

стр. 562

(ب) ترك الصديق رأيه لما سمع خبر بلال على خلافه، والفاروق في الجنين، وتوريث المرأة من دية زوجها، وفي دية زوجها، وفي دية الأصابع لما سمع أخبارها، وقال: "أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلوا وأضلوا"، ولم ينكر عليهما فكان إجماعا. لا يقال: ردوا، قال ابن عباس ﵄ "كيف نصنع بمهراسنا" لما سمع ما روي عنه ﵇ "إذا استيقظ أحدكم من منامه ... " الحديث، وقالت عائشة: "رحم الله أبا هريرة لقد كان رجلا مهذارا، فما نصنع بمهراسنا". وردا - أيضا - ما روي: "الوضوء مما مسته النار"، بالقياس وقال: "ألسنا نتوضأ بالماء الحميم، فكيف نتوضأ بما عنه نتوضأ". وردت - أيضا - خبر ابن عمر: "أن الميت ليعذب ببكاء أهله"، لمخالفة القياس فإنه يقتضي أن لا يؤاخذ شخص بذنب غيره.

стр. 563

- لأنا نمنع أنه رد، بل وصف العمل بموجبه بالمشقة، لعظم المهراس ثم لا نسلم أنه للقياس، إذ ليس من الأصول ما يقتضي القياس عليه (جواز) غسل اليدين من ذلك الإناء، حتى يقال رده لذلك، بل لأنه لا يمكن الأخذ به، ثم إنه قطعي. ولا نسلم رد حديث الوضوء بالقياس، بل بطريق النسخ، أو الترجيح وما ذكره فهو استبعاد له وترجيح لما ليس كذلك. ولا نسلم رد حديث البكاء بالقياس، بل بصريح النص، لقوله تعالى: ﴿ولا تزر﴾ [الأنعام: آية ١٦٤]. (ج) أنه أقل احتمالا للخطأ، إذ التمسك به متوقف على ثبوته ودلالته ووجوب العمل به، والأولى: ظنية، والثالثة: قطعية، والثانية: قد تكون وقد لا تكون. وجزم الإمام بظنية الأوليتين - مناقض ما ذكره في تخصيص المعلوم بخبر الواحد. والتمسك بالقياس يتوقف على ثبوت حكم الأصل، مع المقدمات الثلاث وتعليله بمعينة، وحصلها في الفرع، وحصول الشرائط، وعدم المانع - عند من يرى تخصيص العلة - ووجوب العمل به فظنية أكثر من ظنية، وقطعية كذلك، فكان احتمال الخطأ فيه أقل، فكان الظن فيه أكثر، فكان أرجح. لا يقال: قد يكون ظني القياس أقوى منه، بحيث تتعادل الكمية بالكيفية فوجب الترجيح بالاجتهاد - لأن الدليلين السابقين منعا منه. وفيه نظر، لأن ظني عدالة الراوي، وهي في غاية الظهور في الصحابة سيما بالنسبة إليهم، وقبل ظهور الفتنة، فجاز أن يكون تركهم لظهور أمارة صدق الخبر، فلم يكن ذلك مانعا من الترجيح بالاجتهاد. مسألة فعله ﵇ إن خالف موجب الخبر: فإن أمكن الجمع بينهما بتخصيص أو تأويل صير إليه، وإلا: فالترجيح.

стр. 564

وعمل أكثر الأمة بخلاف الخبر، لا يوجب رده، إلا إذا قيل: بأنه إجماع، لكن يرجح به. مسألة زيادة الثقة مقبولة مطلقا إن لم يعلم اتحاد المجلس. وإلا: فثالثها: التوقف. وقيل: إن السكوت من عدد لا يغفل مثلهم عن مثلها عادة - لم تقبل، وإلا قبلت. والخلاف في انفراد الواحد عن الواحد مرتب على انفراد الواحد عن الجماعة، فإن كان الساكت أضبط، أو صرح بنفي الزيادة على وجه يقبل - فتعارض. فإن غيرت الزيادة إعراب الباقي: كقوله: (أدوا عن كل واحد حر أو عبد صاعا، والآخر (نصف صاع) - فتعارض، للتنافي، فيصار إلى الترجيح بخلاف ما إذا لم تغير، فإنه زيادة علم من غير تناف. وقال أبو عبد الله البصري: كالأول، لتلك العلة، واختلاف الإعراب تابع للاختلاف

стр. 565

في الزيادة، فلا يمنع من القبول. لمن قبل: أنه عدل، جازم بالرواية، فتقبل، كما لو انفرد بحديث عن جماعة النقلة، وتحمل على أنه ﵇ ذكر الحديث في المجلس مرتين، ولم يحضر في مرة الزيادة غيره، أو أنه وإن ذكر مرة (واحدة) لكن الساكت دخل في أثناء الكلام. وهذا يبعد إن كانت الزيادة في آخر الحديث، أو إن حضر من أوله، لكن ربما حدث ما أوجب ذهوله عنها، أو عقل أو نسي، وهي وإن كانت بعيدة لكن تكذيب العدل، أو حمله على ما يوهم سماعه، أو سماعه منه ﵇ مع أنه ليس كذلك - أبعد. ولمن رد: أن سهو الواحد ونسيانه أقرب من الجماعة، فيحمل على أنه سهى في سماع ما لم يسمع، وهو إن كان أبعد من السهو في عدم سماع ما سمع، لكنه يترجح بأن سهو الجماعة أبعد، ولو سلم عدمه فيتعارضان والأصل عدم وجوب القبول، وعدم صدوره منه ﵇. وأجيب: بأصالة صدق الراوي، والاحتياط. وبتعارض هذه الاحتمالات يتمسك المتوقف. وإن اختلفت رواية الواحد في ذلك: فإن أسند ذلك إلى اختلاف المجلس - قبلت، وإلا: فإن غيرت إعراب الباقي فتعارض، إلا: فإن كانت مرات روايته للزايدة أقل، لم تقبل، لأن حمل الأقل على السهو أولى، إلا: أن يصرح بسهوه في تلك المرات، وإن لم تكن أقل - قبلت، لما سبق. مسألة إذا وجد خبر الواحد مخصصا، أو مقيدا لمقطوع - ولم يعلم التاريخ - قبل، وبه قال عبد الجبار؛ لأن الصحابة رفعت كثيرا من أحكام الكتاب به، من غير علم بالتاريخ.

стр. 566

ولأن حمله على كونه مخصصا أولى من حمله على كونه ناسخا مردودا. فإن علم التاريخ: وأحكامه تقدمت في مواضعها. مسألة مخالفة الراوي ظاهر الحديث لم تقدح في وجوب الأخذ به. خلافا للحنفيةن ولذلك حملوا خبر أبي هريرة في: "ولوغ الكلب" على الندب. وقال البصري وعبد الجبار: إن لم يكن لو وجه غير العلم الضروري بمراده صير إليه، وإلا: صير إلى ظاهر الحديث. لنا: أن الحجة كلام الرسول، لا مذهب الراوي، وبتقدير أنه حجة: فأضعف منه، فلا يجوز الأخذ به معه. ومخالفته - لدليل ظنه دليلا، مع أنه ليس كذلك - لا يقدح في عدالته، ولا يدل على نسخه، وضعفهن لما سبق. ثم إنه معارض بما أنه لو كان كذلك لبينه، وإلا: لكان ملبسا. وكونه عدلا عالما بشرائط الاجتهاد لا يمنع من خطئه سهوا وغلطا، ولو سلم أن الظاهر خلافه لكن ظاهر الحديث أولى منه، ثم إنهم لم يجروا عليها في خبر بريدة، إذ روى ابن عباس ﵄ أنه ﷺ "خيرها لما أعتقتها عائشة بعد شرائهاـ وهي مزوجة"، ومن مذهبه أن بيع المزوجة يفسخ النكاح، والنكاح بعيد عن الفسخ، فالظاهر أنه

стр. 567

أخذه توقيفا. وإن حمل الراوي الحديث على أحد محتملاته: فهو أولى إن كان بطريق التفسير، أو إذا لم ينقدح فيه الاجتهاد، وإلا: فتردد. مسألة خبر الواحد: إن أفاد علما وفي الدلالة ما يفيده قبل، لاحتمال أنه ﵇ قاله لآحاد الناس اكتفاء بذلك الدليل، وإلا: رد، وإن أفاد معه العمل، إذ التكليف به مع أنه لا يفيده تكريف ما لا يطاق، ولا يقطع بكذبه، لجواز أن قصد به علم من يشافهه به. وإن أفاد عملا تعم به البلوى: قبل. خلافا للحنفية، ولذلك لم يقبلوا خبر المس، ورفع اليدين في الرفع من الركوع، والجهر بالتسمية، والترجيع والإفراد في الإقامة. لنا: ما سبق.

стр. 568

وقبلوا خبر (القيء)، و (الرعاف) و (القهقهة في الصلاة) و (وجوب الوتر)، و (الغسل من غسل الميت). لهم: (أ) إجماع الصحابة، رد أبو بكر خبر المغيرة في الجدة، ورد عمر خبر أبي موسى في الاستئذان. (ب) لو صح لأشاعه، وأوجب نقله بالتواتر مخافة أن لا يصل إليهم.

стр. 569

(ج) الدليل ينفي قبول خبر الواحد، وقد مضى جوابه. وأجيب: عن (أ) بما تقدم. وعن (ب) بمنعه، لأن وجوبه فرع عدم قبوله، فلا يستدل بانتفائه على أصله. مسألة يجوز نقل الخبر بالمعنى عند عامة الفقهاء والمتكلمين، كالأئمة الأربعة والحسن البصري، بشرط مساواة الترجمة للأصل في إفادة المعنى، بحيث لا يحتاج فيه إلى نظر واجتهاد، وفي الجلاء والخفاء، إذ يقصد الخطاب بالمتشابه والمحكم، ومعرفة الراوي بدلالة الألفاظ، واختلاف مواقعها. خلافا لابن سيرين وبعض المحدثين، ونسب إلى الشافعي ومالك إذا روى أنه كان يشدد في الياء والتاء. وحمل على المبالغة في الأولى. لنا: (أ) قوله ﵇ "إذا أصبتم المعنى فلا بأس". (ب) إجماع الصحابة، إذا نقلوا ما ذكر في مجلس واحد بألفاظ مختلفة من غير نكير. (ج) كانوا يروون بعد الأعصار من غير تكرار وكتابة، وهو بالمعنى ضرورة. (د) كان بعضهم إذا حدث قال: كذا أو نحوه. (هـ) قيل لواثلة بن الأسقع: (حدثنا حديثا ليس فيه تقديم ولا تأخير، فغضب وقال: لا

стр. 570

بأس إذا قدمت أو أخرت إذا أصبت المعنى). (و) قياسه على شرح الشرع للعجم بلسانهم، بل أولى، لقلة التفاوت بين عربيين، وفيه نظر، إذ لا يتعلق بذلك الشرح نظر واجتهاد، بل هو إعلام كالإفتاء. (ز) اللفظ غير مقصود بالذات كما في القرآن، لكونه معجزا، فإذا حصل المعنى بتمامه لم يضر اختلافه. للمخالف: (أ) قوله ﵇: "رحم الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع" الحديث، والضمير: يرجع إلى المقالة، فلايتناول غير اللفظ، و-أيضا- قوله: "رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه" إشارة إلى تأدية الألفاظ المسموعة. (ب) تجويزه يؤدي إلى تفاوت عظيم، إذ يجوز للثاني وللثالث، واعتقاده عدم التفاوت: لا يوجب عدمه. (ج) قياسه على القرآن، وكلمات الأذان والتشهد والتكبير بجامع وقوع التعبد باتباعه. وأجيب: عن (أ) بأنه لا يدل على عدم الجواز، بل على أنه أولى، إذ ليس فيه إلا: الدعاء، وهو لا يدل على الوجوب، بلعلى الندب، كما ورد في سنة العصر وغيرها، و- أيضا - فإن تعليله يدل على أن ذلك لاختلاف، ونحن لانجوزه عند احتماله، بل فيما نقطع بانتفائه، و - أيضا - أن

стр. 571

من أدى تمام المعنى فقد أدى كما سمع، وإن اختلف اللفظ، ولذلك يوصف المترجم والشاهد به. وفيه نظر، لأنا نسلم ذلك لو لم يكن في الخبر ما يدل على تعيين اللفظ. وعن (ب) ما سبق في شرطه، واحتمال ظهور الخطأ فيما يجزم به الإنسان، يوجب عدم الوثوق باليقينيات. وعن (ج) أنه يتوقف على إثبات التعبد بلفظه، فإثبات التعبد بلفظه به دور. مسألة نقل بعض الخبر غير جائز إن تعلق المحذوف به، تعلقا لفظيا أو معنويا وفاقا، ولأنه موقع في الخطأ، ويعد تحريفا. وإلا: فإن جوز نقله بالمعنى جاز، إذ لا محذور، كنقل أحد الخبرين، وإن لم يجوز، فالأكثر على منعه، للحديث المتقدم. وقبل: بجوازه لعدم علة المنع. مسألة لا يقبل المرسل عند الشافعي والإمام أحمد في رواية خلافا لمالك وأبي حنيفة وأحمد - في أخرى - والمعتزلة وعيسى بن أبان: إن كان من الصحابي، أو أئمة النقل. وهو: أن يقول: قال فلان: وهو لم يعاصره. فإن قال الصحابي: قال رسول الله ﷺ فليس بمرسل لا يقبل على الأظهر، إذ روايته عن غير الرسول ممن لا صحبة له بعيدة، وفي مثله عن غيره الخلاف مرتب، وأولى بعدم القبول. لنا: (أ) أن عدالته لم تعلم، إذ العدل قد يروي عمن لو سئل عنه، لسكت عنه، أو جرحه، أو جرحناه، والجهل بالشرط جهل بالمشروط.

стр. 572

فإن قيل: عدم العلم بعدالته بمعنى الظن ممنوع، وبغيره لا يضر، إذ روايته عن العدل أرجح، فإن عدالته تمنع من قوله: قال رسول الله ﷺ ، ما لم يعلم أو يظن أنه قوله، ولا ذلك إلا: لعلمه أو ظنه بعدالته، ولأنها تمنعه من إيجاب شيء على عامة المكلفين، ما لم يعلم أو يظن ذلك. قلنا: الدليل عليه: أنه لم يكن حاصلا قبل الرواية، ولم يوجد سواها، وهي لا تدل عليها، لما سبق. ولأنها لو دلت عليها، لكان الجرح بعدها نقضا، وما ذكر في سند المنع ممنوع، لأنها إنما تمنع لو كان موجبا للظن، فإن بتقدير أن يكون معناه سمعت أنه قال سمعت رسول الله، لا يمنعه منه، فإثبات كونه موجبا للظن به دور، وهو جواب للثاني، فإنه إنما يكون موجبا لو ثبت عدالته، فإثباتها به دور. (ب) قياسه على ما إذا لم يذكر الفرع شاهد الأصل بجامع عدم معرفة عدالة الأصل، التي هي شرط القبول، بل الشهادة أولى بالقبول، لأن إرساله فيها مع أنها يحتاط فيها ما لا يحتاط في الرواية يدل على جزمه أو غلبة ظنه بها. وبه يعرف اندفاع ما يذكر من الفرق بينهما، وهو: أن الشهادة تتضمن إثبات الحق على معين، فتتطرق إليها التهمة، فاحتيط فيها بما لا يحتاط به في الرواية. ثم إنه معارض بأن الخبر يثبت شرعا عاما، فكان أجدر بالاحتياط وليس تقديم الأصل بالرجوع لازما في كل صورة، ليجب ذكره لأجله، ولأن الغالب والأصل عدم الرجوع، ولا يترتب حكم كلي بجواز طريان احتمال مرجوح للاستقراء. واستدل: (أ) أنه لو قيل: لم يكن لذكر أسماء الرواة والبحث عن عدالتهم معنى. وأجيب: بمنعه، إذ فائدته حصول ظن عدالته للراوي ليرسل وتمكن المجتهد من البحث عنها لزيادة الظن، إذ ليس البحث كالتزكية، وبأن وجود طريق لا ينفي آخر، سيما إذا كان أحوط وأولى. (ب) قياسه على التواتر، فإنه لايثبت بقوله. وزيف: بأن القطع لا يحصل بقول الواحد، بخلاف الظن، ولأن شرطه استواء الطرفين

стр. 573

والواسطة، وهو مفقود فيه. (ج) لو قبل: لقبل في زماننا. وأجيب: بمنع الملازمة فيه، لكثرة الخلاف والسائط، وانتفاء اللازم إذ لم يكذبه الحفاظ والكتب الصحاح. للمخالف: (أ) آيتا الإنذار والتبيين. (ب) والإجماع. قال البراء بن عازب: (ليس كلما حدثناكم به عن رسول الله ﷺ سمعناه منه، غير أنا لا نكذب)، وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ "إنما الربا في النسيئة"، ثم أسنده إلى أسامة، وروى - أيضا - "أنه ما زال يلبي حتى رمى جمرة العقبة"، فلما روجع فيه أسنده إلى أخيه الفضل، وروى أبو هريرة "من

стр. 574

أصبح جنبا فلا صوم له"، ثم أسنده إلى الفضل بن عباس، وروى ابن عمر "من صلى على جنازة فله قيراط"، فلما روجع فيه أسنده إلى أبي هريرة. وعن الأعمش قلت لإبراهيم النخعي: إذا حدثتني (فأسنده، فقال: إذا قلت لك حدثني فلان عن عبد الله بن مسعود، فهو الذي حدثني عنه، وإذا قلت لك: حدثني عبد الله فقد حدثني) به جماعة. وكان سعيد بن المسيب يرسل الأخبار، ومراسيله مقبولة عند أكثر المنكرين وكذلك الحسن البصري، وروجع في بعض مراسيله، فقال: أخبرني به سبعون بدريا، ونحوه عن الشعبي، وغيرهم من غير نكير، فكان إجماعا.

стр. 575

(ج) والقياس على ما جاز أن يكون مرسلا، كقوله: عن فلان. وأجيب: عن (أ) أن الرواية مخصوصة عنهما كالشهادة، بجامع الاحتياط وكما إذا ذكر شيخه ولم يعدله، بجامع الجهالة، بل هو أولى بالقبول، لقلتها. وعن (ب) أنه لا إجماع مع الخلاف، واتفاق كل الساكتين عليه، أو البعض، مع سكوت الباقين - ممنوع، إذ باحثوا ابن عباس وابن عمر، وأبا هريرة مع جلالة قدرهم، وظهور عدالتهم، لو كان مقبولا لم يكن للبحث عنه معنى. لا يقال: إنه لزيادة الظن، لأن المرسل يفيد أكثر عندهم، ولذلك رجحه بعضهم على المسند عند التعارض، ثم لا نسلم إجماع التابعين، لتفرقهم شرقا وغربا، ولإنكارهم، قال ابن سيرين: (لا تقبلوا مراسيل الحسن وأبي العالية فإنهما لا يباليان عمن رويا). ولا يقال: إنه للتهمة، فإن التهمة قائمة في كل إرساله، فإنه إذا جاز للعدل أن يرسل، وإن لم يكن المروي عنه عدلا، لم يمكن الاستدلال على عدالته، إلا: إذا عرف من عادته أنه لا يروى إلا: عن عدل، وذلك لا نزاع فيه، ثم لا يلزم من قبول مراسيلهم قبول مراسيل غيرهم، ودعوى الإجماع عل عدم الفصل ممنوع، إذ بعضهم قبل مراسيل أئمة النقل. وعن (ج) أنه ظاهر في الرواية عنه لصحبته، فإن لم يعلم ذلك، أو علم أنه لم يسمعه منه لم يقبل. فروع: (أ) قال الشافعي ﵁ لا أقبل (المرسل) إلا: إذا أسنده المرسل أو غيره، وهذا

стр. 576

إذا لم تقم الحجة بإسناده، وإلا: فلا وجه له. (أو أرسله راو آخر يعلم أن رجال أحدهما غير الآخر). وأورد عليه وعلى ما قبله: أن ما ليس بحجة لا يصير حجة بإضافة مثله إليه، إذا كان المانع منه حاصلا حالة الضم، وهو احتراز عن الشاهد الواحد. وأجيب: أن الأصل (عدم جواز العمل عند الجهل بعدالة المروي عنه، ترك العمل به فيه) لقوة الظن بالإجماع، فتبقى حالة الانفراد على الأصل. (أو عضده قول صحابي، أو فتوى أكثر أهل العلم). وما تقدم من الإشكال وارد عليهما. (أو يعلم أنه لو نص، لنص على من يقبل خبره)، قال الشافعي ﵁ (وأقبل مراسيل سعيد بن المسيب، لأني وجدتها بهذه الشرائط). (ب) إذا أسند الحديث إسنادا تقوم الحجة به قبل، وإن أرسله غيره، وقلنا لا يقبل، إذ المرسل ربما سمع كذلك، (أو سندا لكن نسي نسخه وهو يعلم أنه ثقة جملة، أو إن ذكره لكن أرسله)، لقوة ظنه، أو إن روى عن فاسق مع علمه به، فهو يقدح في روايته، ولا في غيره. فإن أسنده المرسل فكذلك - وإن كان إرساله أكثر - لبعض ما سبق خلافا لبعضهم. (ج) (إذا ألحق الحديث بالنبي ﷺ ووقفه غيره على الصحابي، فهو متصل، لجواز أن الصحابي) روى عنه ﵇ مرة، وذكر عن نفسه أخرى، أو وأنه سمعه متصلا لكن نسي وظن أنه ذكره عن نفسه. وكذا لو وقفه الملحق، خلافا لبعض المحدثين. فإن أوقف أو أرسل زمانا طويلا، ثم أوصل وأسند، فيبعد جعله كذلك، إذ يبعد حسابه في تلك المدة الطويل، ثم تذكره، إلا: أن يكون له كتاب يرجع إليه. (د) من دأبه الإرسال إذا أسند خبرا: قبله كثيرا ممن لم يقبل المرسل، لأن إرساله لا يقتضي خللا في إسناده. ورده الأقلون، لأن إرساله لضعف الراوي، فسرته له خيانة. وهو ضعيف،

стр. 577

إذ يحتمل أنه سمعه كذلك، أو لقوة الظن، أو آثر الاختصار في الأكثر، نعم لو علم ذلك منه لم يقبل مرسله ولا مسنده وفاقا. (هـ) من قبل حديث المرسل، إذا أسنده، كيف يقبله: قال الشافعي: إنما يقبل ما قال فيه حدثني، أو سمعت، ولا يقبل لفظ موهم، كقوله: أخبرني عن فلان. وقيل: إنما يقبل إذا قال سمعت فلانا. فحدثني عند الأولين للمشافهة، وأخبرني متردد بينها وبين الإجازة والكتابة، وهو اصطلاح، وإلا: فمن جهة اللغة لا يظهر ذلك. مسألة أخفاء ذكرى المروي عنه لضعفه، تدليس قادح في الرواية، أو نصغره فلا، أو لاختلاف في قبول روايته كأهل البدع، وهو يعتقد قبول روايته، فكذلك في غير ذلك الخبر، فأما فيه: فمن يكتفي بالعدالة الظاهرة، أو لم يكتف بها لكن قبل المرسل: فكذلك، وإلا: فلا. مسألة في مراتب نقل الصحابي، وهي سبع: (أ) قول سمعت رسول الله ﷺ (يقول) كذا، أو أخبرني، أو شافهني، أو حدثني. (ب) قوله: قال رسول الله ﷺ كذا، ظاهرة النقل عنه. خلافا للقاضي. وليس قوله نصا فيه، إذ يحتمل أن يكون بواسطة، وهو مقبول على التقديرين، لما سبق، وليس بظاهر من غيره ممن عاصره ﵇. (ج) قوله: أمر الرسول بكذا، أو نهى، وفيه الأول، مع احتمال أنه حكاية لفظ الرسول،

стр. 578

واختلاف الناس في صيغ الأوامر والنواهي، وهو حجة. خلافا لداود وبعض المتكلمين. لأن الظاهر من حاله أنه لا يطلقه إلا: إذا تيقن مراده، وإنما قيد به إذ لا يجوز ذلك بناء على الظن الغالب، لا لأن إيجابه يقتضي إيجاب ما ليس بواجب، لأنه مبني على حجيته، فلو أثبت حجيته به: لزم الدور، بل لأن ظنه حجة في حقه ومقدلته، لا غير، فلو أطلق ما ظاهره أنه حجة على العموم لكان مدلسا، وظاهر عدالته ينفيه. وأما احتمال أنه أمر الكل أو البعض دائما أو غير دائم: فمدفوع بما يعلم بالضرورة دوام الشرع عموما. (د) قوله: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، ونحوه: أوجب وأبيح، محمول على أمر الرسول. خلافا للصيرفي والكرخي. لنا: أن المتبادر من قول من التزم طاعة ملك: أمرنا بكذا - أمره. ولأن غرضه تعليم الشرع، فيحمل عليه، لا على أمر الله، لأنه ظاهر للكل، فلا يستفاد منه، ولا على أمر الولاة والأئمة، لأنه لا يستفاد منهم، ولا على أمر مجموع الأمة، لأنه منهم، ولا على ما فهمه من الدليل، وكان الدليل هو الأمر، لأن فهمه إنما هو حجة على من قلده، لا غير. لهما: أنه متردد بين المحال المذكورة، فلا يكون حجة، للإجمال والأصل. وجوابه: منعه، ومسنده: بين مماتقدم. (هـ) قوله: من السنة كذا، محمول على سنته ﵇ لما سبق. خلافا لهما، لما سبق، وقد مضى جوابهما.

стр. 579

قالوا: لفظ السنة غير مختص بالرسول، للحديث، والاشتقاق، فلا يكون حجة. قلنا: منعه نظرا إلى العرف، وما ذكرتم نظرا إلى اللغة، فلا منافاة، و- أيضا - النزاع في مطلقه، وليس كذلك في الحديث. (و) قوله: عن النبي ﷺ ظاهره سماعه منه ﵇ فيكون حجة. وقيل: ليس بحجة، إذ يجوز أن سمع من غيره من صحابي وغيره. وجوابه: أن الاحتمال المرجوح لا يعارض الراجح. (ز) قوله: كنا نفعل كذا، أو كانوا يفعلون كذا، حجة، لأنه محمول على أنهم يفعلونه مع علمه وعدم إنكاره عليهم، أو على فعل جميع الأمة، لأنه بعلمنا الشرع، وكونه يسوغ فيه الاجتهاد، ويجوز مخالفته عن طريق لا ينفيه، لوجوده في الظنيات، فإذا قال قولا لا مجال فيه للاجتهاد، فهو سماع منه ﵇. مسألة في مراتب رواية غير الصحابي: (أ) قوله: حدثني، أو أخبرني، أو سمعت فلانا، أو قال فلان، فالسامع يلزمه العمل، وله أن يقول: حدثني، أو أخبرني فيما قرأ الشيخ عليه، وقصد إسماعه، أو غسماع جمع هو فيهم، وإلا: لم يقبل، إلا: سمعته يقول: أو يحدث يخبر، أو قال. (ب) قوله للراوي: هل سمعت هذا الحديث، فيقول: نعم، أو يقرأ عليه كتاب، فيقول: الأمر كما قرئ علي فيلزم السامع العمل به، وله أن يقول: أخبرني وحدثني وسمعت قراءة عليه.

стр. 580

فلو أطلق لم يجز. وقيل بجوازه. وقيل: لا يجوز إطلاق سمعت وفاقا. فلو سكت وغلب على الظن أنه إنما سكت، لأن الأمر كما قرئ عليه، فهو كتصريحه، ويجب على السامع العمل. ويجوز له الرواية. خلافا لبعض أهل الظاهر، والمتكلمين - فيقول: أخبرني وحدثني قراءة عليه. وقيل: لا يقول إلا: قرأت عليه، أو قرئ عليه وأنا أسمع. وكذا الخلاف لو قرأه عليه، وقال: أرويه عنك، فيقولك نعم. المجوز: الإخبار ما يفيد الخبر والعلم، وهذا كذلك، أو يشبهه في ذلك فلما استقر عرف المحدثين عليه صار حقيقة (عرفية)، أو مجازا راجحا، فجاز استعماله فيه، ولأن قوله قراءة عليه: قرينة دالة على إرادة التجوز من قوله: حدثني وأخبرني، ومنه يعرف أنه لا يصح أخبرني أو حدثني وحده. المانع: أنه لم يحدثه ولم يخبره ولا سمع منه شيئا، فيكون كذبا. وأجيب: بمنعه، تجوزا وعرفا. (ج) قوله: هل سمعت هذا بعد القراءة عليه، فيشير برأسه أو بأصبعه فيجب عليه العمل، وفي الرواية يحدثني وأخواته الخلاف المتقدم، وأولى بالجواز. وذكر الإمام في الأول الخلاف، وجزم بالعدم في الثانية، وناقض في تعليلهما. (د) أن يكتب إلى غيره سمعت كذا من فلان، فله أن يعمل به إن ظن أنه خطه، ويقول: أخبرني دون أخواته. وقيل: أخبرني وحدثني كتابة، لا مطلقا. وقال الشيخ الغزالي: (لو رأى خط الشيخ: سمعت كذا عن فلان لا يجوز له الرواية، لأنها شهادة عليه بأنه قاله، والخط لا يعرف ذلك، نعم يجوز له أن يقول: رأيت مكتوبا في كتاب بخط ظننت أنه خط فلان، إذ الخط يشبه الخط، ولو قطع به لم يجز - أيضا - ما لم يسلطه على

стр. 581

الرواية بصريح قوله أو بقرائن، إذ يجوز أن يكون قد سمعه ثم يتشكك فيه، ولا يرى روايته عنه). وفي جعله الرواية شهادة وتسليطه عليها بالقرائن - نظر، إذ القرائن لا تسلط على الشهادة، ثم لا منافاة بين كلاميهما، إن جعل كتابته إليه قرينة دالة على تسليطه عليها، وإلا: فهي حاصلة لا محالة. (هـ) المناولة: وهي أن قول: خذ هذا الكتاب، سمعته من فلان وحدث به عني، فيجب على السامع أن يعمل بما فيه، وله أن يروي عنه، بقوله: ناولني، أو أخبرني، أو حدثني مناولة. وإن أطلق لم يجز على الأظهر. وقيل: بجوازه، كما في السكوت، بل أولى. ولو اقتصر على القيد الأول، أو ناوله بالفعل لم يجز له الرواية، ولا العمل. وعلى الباقيين فله ذلك، فالمناولة زيادة أحدثها بعض المحدثين. أو على سمعت فكالأول، على الأظهر، لجواز التشكيك فيه بعده، وقيل: كالثاني. أو على حدث عني، فلا، إذ شرطه السماع، وإنما تجوز المناولة للشيخ إذا علم أن النسخة المشار إليها هي النسخة التي سمعها، أو موافقة لها. تنبيه: إذا ظل أصل السماع، أو من معين لم يجز له روايته، ولا العمل به، لأنه شهادة عليه، فلا يجوز بدون العلم كالشهادة، هذا إذا رواه مسندا أو مرسلا، فيجز إن قطع بسماعه من عدل عند من يقبله، فلو قطع في مائة حديث مثلا أن واحدا منها سمعه من غير الذي سمع الباقي منه، لكن لم يعرفه بعينه - لم يجز له رواية شيء منها مسندا. وقيل: يجوز إذ الاعتماد في هذا الباب على الظن، ولذلك كانت الصحابة تعمل بكتب رسول الله ﷺ للظن. وزيف: بأنه ليس مما نحن فيه، إذ لو سلم أالحامل لم سمعه لكنه قاطع بأن ما فيه: كلامه،

стр. 582

لتناوله منه، وقد أخبرهم به، فليس فيه ظن أصل السماع، ولا من معين. (و) والإجازة: وهو أن يقول: (أجزت لك أن تروي عني الكتاب الفلاني). وما صح عندك أني سمعته، ففي جواز الرواية به: ثالثها للرازي: إن علم ما فيه من الأحاديث، فعلى هذا لا يجوز بالإجازة العامة. والمنع مطلقا: نسب إلى أبي حنيفة ﵁. المجوز: إجماع المحدثين عليه. ومنع للخلاف فيه - قديما وحديثا. - وأيضا - ليس معناه أنه أجاز له أن يحدث عنه بما لم يحدثه به، بل معناه: أني سمعت هذا الكتاب، فحدث عني، وهو وإن كان غير مستفاد منه بالوضع اللغوي، بل يفيده عرفا أو تجوزا، لقرينة أن الثقة لا يجيز أن يروى عنه إلا: ما سمعه، فهو كقله: سمعت الكتاب الفلاني فحدثه عني، وقد تقدم أنه جائز. فعلى هذا ينبغي أن لا يجوز الإجازة العامة، لأنه لم يعلم سماع كل ما صح عنده أنه سماعه فيؤدي إلى كذبه. ويمكن أن يقال: أنه وإن لم يعلم ذلك، لكنه يظن، إذ الظاهر أنه لا يصح بطريقة، إلا: ما سمعه، والظن كاف. للمانع: (أ) أنه لو جازت الرواية لها لبطلت فائدة الرحلة وضعفه بين. (ب) أن الرواية حق الشرع لا حق الشيخ، فإن حصل مقتضاها وشرطها جاز، (أجاز) أو لم يجز، وإلا: فلا. (ج) أنه لا طريق إلى الرواية عنه، إذ لا يقول أخبرني وكذا أخواته لأنه كذب، فلا يصح لعدم فائدته. وأجيب: عن (ب) بمنعه، لجواز أن تكون إجازته متضمنة، لحصول شرط الرواية. وعن (ج) بمنعه، إذ تجوز به الرواية عند بعضهم، لما سبق، سلمناه، لكنه يقول أجازه أو أجازني، ثم لا يلزم منه انتفاء الفائدة مطلقا، لجواز أن يجب به العمل.

стр. 583

القياس ومعناه لغة: التقدير والمساواة، ولا يتحقق ذلك إلا بشيئين. واصطلاحا: اختلف فيه: فقيل: (إنه الدليل الموصف إلى الحق). وهو غير مانع، لدخول النص والإجماع تحته، ولا جامع، لخروج القياس الفاسد عنه، وأنه قياس إلا: أن يراد به حد الصحيح منه. وقيل: (إنه العلم الواقع بالمعلوم على النظر). وهو غير جامع لخروج الظني، وغير مانع لدخول ما علم من غيره نظرا، ثم إنه نتيجة القياس، لا نفسه. وقيل: (هو إصابة الحق). وهو فاسد لما تقدم، ويخصه إصابته تبخيتا، ثم هو مشعر بتقدم الحق، فلا يستقيم على رأي المصوبة. وقيل: (هو بذل الجهد في استخراج الحق). وهو فاسد بما تقدم، ويخصه أن يخرج عنه الجلي، وهو لازم القياس لا نفسه. وقيل: (هو التشبيه). وهو غير مانع، إذ يدخل تحته التشبيه في الصفة أو المقدار، ثم لو صح فهو رسم ناقص. وقال القاضي: (حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بجامع حكم أو صفة، أو نفيهما). فالمعلوم يتناول المعدوم، دون الشيء، والفرع والأصل يوهم اختصاصهما، بالموجود، ولا بد من المعلوم الثاني، لامتناع القياس بدون الاصل والفرع، وهو يتناول الوجودي والعدمي، الجامع قد يكون صفة أو حكما، أو نفيهما.

стр. 584

وأورد: إن أريد بالحمل (إثبات الحكم فتكرار، وإلا: فمجهول، ثم هو خارج عن القياس إذ يتم) بإثبات حكم معلوم، مع باقي القيود. ثم إنه يشعر بإثبات حكم الأصل به. و- أيضا - الصفة تثبت بالقياس كالحكم، كقولنا: الله عالم فله علم كما في الشاهد، فإن شملهما الحمك تكرر في ذلك الجامع، وإلا: فناقض. ثم المعتبر في القياس، لا أقسامه، فذكره مستدرك. ثم إنه لم يتناول الفاسد. ولأن (أو) للإبهام، والحد للإيضاح، فلم يجز استعماله فيه. و - أيضا - إثبات الحكم في الفرع ثمرته، فلم يجز أخذه في حده للدور. وأجيب: عن (أ) أن المراد منه الاعتبار، وقوله: (في إثبات حكم لهما) بيان ما فيه الاعتبار. وعن (ب) بمنعه، إذ هو قدر مشترك بينه وبين غيره، فهو كالجزء الجنسي الذي لا يستغنى عنه، و (إثبات حكم معلوم ... ) إلى آخره، وإن تضمنه لكنه تضمنا أو التزما، وعلى الآخر فاسد، إذ الالتزامية لا تستعمل في الحدود، فكان ذكره بالمطابقة أولى. وعن (ج) أن ثبوت الحكم في المجموع به، لا في كل واحد منهما. وعن (د) أنه حد للشرعي لالمطلقه، والصفة لا تثبت به، والصفة والحكم يكون جامعا فيه. و(عن) (هـ) أنه ليس بمفسد، بل تطويل لفائدة التفصيل، و- أيضا - إنما ذكر لئلا يتوهم اختصاصه بالصفة فإنها المتبادر من الجامع. وعن (و) بمنع أنه لم يتناوله، إذ ليس فيه إشعاره بكونه جامعا في نفس الأمر- بل هو صالح لذلك. وبكونه جامعا في اعتقاد المجتهد، ثم إنه حد للصحيح منه. وعن (ز) ما سبق غير مرة. وعن (ج) بمنعه، فن ثبوت الحكم ثمرته، دون الإثبات. وبينهما فرق ظاهر. وقال البصري: (هو تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم، في ظن المجتهد).

стр. 585

وأورد: أنه لا يحصل حكم الأصل، بل مثله. وأنه غير جامع لقياس العكس، مثل: لو لم يكن الصوم شرطا لصحة الاعتكاف، لم يكن شرطا له بالنذر، كالصلاة. وأجيب: عن (أ) بأنه تسامح في اللفظ، لدلالة الحال. وعن (ب) بمنع أنه قياس حقيقة، لعدم تبادره إلى الفهم من إطلاقه وخاصيته، وهي الإلحاق بالأصل في حكمه، سلمناه، لكن بالاشتراك اللفظي، والمحدود هو القياس، بمعنى الطرد، سلمناه، لكن المثبت الملازمة بالقياس الطرد. فالأولى: أن يقال: (هو تحصيل مثل حكم معلوم لمعلوم آخر لاشتباههما في علة الحكم، في ظن المجتهد). فلا ينتقض بالقياس المنطقي، لأنا نمنع كونه قياسا، وكون النتيجة مساوية للمقدمتين غير كاف في تسميته قياسا، وإلا: لكان إثبات الحكم بالنص ويغره قياسا سلمناه، نظرا إلى اللغة، لكن لا يسمى به في اصطلاحهم. وقال بعض المتأخرين: (هو الاستواء بين الأصل والفرع في العلة المستنبطة من حكم الأصل). وفيه نظر من جهة الأصل والفرع، وأنه لايتناول القياس الذي فيه العلة المنصوصة، أو مومى إليها، وأنه يتناول الصور التي ساوت الأصل في العلة لكنها اختصت بوجود مانع أو فقد شرط، مع أنه لا قياس فيها، وهو بناء على تخصيص العلة، و- أيضا - الاستواء في العلة ليس من فعل الملكف، والقياس (فعله). مسألة الأصل: محل الحكم المشبه به عند الفقهاء. المتكلمون: دليله.

стр. 586

المحققون منهما: حكمه. للفقهاء: الأصل ما يبنى عليه غيره، بنى هو على الغير أو لا، أو ما لا يبنى على الغير بني الغير عليه أو لا، والأول: كتحريم الربا في البر، والثاني: تحريمه في النقدين، فيكون المحل أصلا لحصولهما فيه. ولأنه بالأصالة أولى من الحكم، لافتقاره إليه من غير عكس، ومن الدليل لأنه لو علم تحريم الربا فيه ضرورة - أمكن قياس غيره عليه، ولو علمدليله من غير تخصيص بصورة لم يمكن ذلك، فكان أولى. للمحققين: أنه لا يقاس عليه بدونه، ولو وجد في غيره أمكن ذلك، ولا الدليل لما تقدم، ولأنه طريق إلىأثبات الحكم، فلو كان أصلا، لكان قول الراوي أصلا فإذا - أصل قياس الذرة على البر هو الحكم لا البر. وأجيب: بأنا لانقول: إنه أصل بمجرده، بل بشرط وجود الحكم. لا يقال نفس هذا أولى من العكس، لأن المحل مفتقر إليه، فكان أولى. للمتكلمين: توقف الحكم على النص توقف المعلول على العلة، وتوقفه على المحل توقف المشروط على الشرط، فكان الأول أولى. واعلم أن أصالة الحكم بغير واسطة، وأصالتها بواسطة، وهو آية التجوز، فكان الحكم أصلا حقيقة، وهما كذلك مجازا، وتسمية الدليل به أولى من المحل لما سبق. والفرع: محل الحكم المشبه أو حكمه، ومقتضى قول المتكلمين العلة، لكنه باطل، فإنها أصل

стр. 587

في الفرع، وفرع في الأصل، فلم يمكن جعلها فرعا في الفرع. ثم تسمية محل الوفاق بالأصل، أولى من محل الخلاف بالفعر، لأن أصل الأصل أصل، وليس أصل الفرع فرعا، . والنزاع آيل إلى اللفظ، ولنجر على عرف الفقهاء في الأصل والفرع. مسألة إذا علم علية الوصف في الأصل، وعلم حصوله في الفرع مع جميع ما يعتبر في اقتضائه الحكم، فهو حجة وفاقا. وإن ظنا أو أحدهما: فإن كان في الأمور الدنيوية فكذلك. أو في الشرعية: - قال الإمام: فهو محل الخلاف. وفرق الغزالي بين ما إذا ظنا أو أحدهما، فإنه يجعل الثاني مما لاخلاف فيه، كوجوب التوجه عند الاشتباه إلى جهة القبلة، وكوجوب المثل في ضمان الصيد، والقيمة في ضمان المتلف، وحاصل كلامه أنه إن علم أن الحكم يعلل بعلة معينة في محل، وظن حصولها في آخر فهو حجة - أيضا - وفاقا، وسمي هذا بتحقيق المناط، وسمي الإلحاق بإلغاء الفارق، (بتنقيح المناط)، وباستخراج الجامع (بتخريج المناط)، ونعني بكونه حجة: وجوب العمل به والفتوى بغيره. تنبيه: إن عنى بتحقيق المناط: ما يكون النظر فيه متعلقا بتحقيق العلة في صورة النزاع فقط، فهو مباين لهما، وإلا: فهو لازم لهما، من غير عكس وتخريج المناط لازم للتنقيح من (غير) عكس، لأنه تخريج خاص.

стр. 588

مسألة يمتنع التبعد بالقياس مطلقا - عقلا - عند جمع من الشيعة والمعتزلة، والظاهرية: فقيل لأنه ليس طريقا إلى العلم والظن، وقيل: لأنه لا يجوز العمل بالظن. وقيل: بجوازه حيث يتعذر التنصيص، كقيم المتلفات، وعليه الظاهرية. النظام: في شرعنا. القفال والبصري: يجب التعبد به عقلا. وقيل: يمكن عقلا، ووقع سمعا، وعليه المعظم. النهراوني والقاشاني: بعض أنواعه، كقياس الضرب على التأفيف، وما نص على علته، أو أومئ إليه. والأكثر: على أن دلالة السمع عليه قطعية. وقيل: ظنية. وقيل: ممكن لكن لم يقع، إذ ليس فيه ما يمنع منه. وقيل: بل وجد ما يمنع منه. والمختار جازه عقلا، ووقوعه سمعا: أما الأول: (أ) فلأنه لا يستحل لذاته لانحصارها في معدود، وهو ليس منه ولا لغيره، لأن التصريح به

стр. 589

لا يستلزم محالا، وليس بقبيح، للعلم الضروري بذلكن ومنعه يوجب منع الضروريات، ولأن الأصل عدم ما يوجبه. (ب) امتناعه ليس ضروريا قطعيا، ولا نظريا، لعدم وجدان دليله، فإثباته باطل. (ج) أنه يفيد دفع ضرر مظنون، فإن ظن تعليل حكم الأصل بموجود في الفرع يوجب ظنه فيه، وهو يعلم أن مخالفة حكم الله سبب للعقاب فيظن أن مخالفته سبب له، فيجب العمل لأن ترجيح الراجح على المرجوح مقرر في بدائه العقول، والوجوب يقتضي الجاز وزيادة، ولأن العقل لا يمنع من فعل ما يتساوى مصلحته ومفسدته، وإلا امتنع المباح - فكيف ما فيه المصلحة. (أ) أنه مبني على حصول الظن بالمقدمتين، وهو ممنوع، لتوقفه على تعليل أفعال الله تعالى، ولتحقيق العلة الشرعية، وعدم اختصاص الحكم بمحله، وسيأتي الكلام فيها، ثم وجوبه أو جوازه مطلقا ممنوع، بل بشرط عدم قطعي. ثم إن العقل يمنع من سلوك ما يحتمل الخطأ مع القدرة على سلوك ما لا يحتمله و - حينئذ - يتوقف على بيانه، ثم إنما يلزم ذلك لو لم يكن هناك ما هو أرجح منه، وهو ممنوع، إذ الظن الحاصل من النص والبراءة الأصلية أرجح من الظن والحاصل من القياس، نقلة المقدمات. ثم إنه منقوض بظن صدق الفاسق والشاهد الواحد، والعبيد والنسوان والمراهقين، ومدعي النبوة، وبالظن الحاصل من المصالح المرسلة والأمارات فيما إذا اختلطت أخته بأجنبيات محصورات، وفي اختلاط المذبوحة بالميتة. (ب) ولو امتنع الظن فيها لدلالة شرعية على فساد تلك المظان، لصار عدم الدلالة على فساد المظنة جزءا من المقتضى للظن، فلا يفيد القياس الظن، إلا: إذا بين ذلك. - لأن قبل التمكن منه لا بد له من ترجيح طرف، لئلا يلزم الجمع بين النقيضين، أو الخلو عنها - وأيضا - لو كان مشروطا بذلك لم يجز ورود التعبد بالنصوص الظنية مع إمكان القطعية، وخلق العلم الضروري. - وأيضا - لما أوجب عليه اتباع ظنه كان مصيبا في اتباعه قطعا، وبه ظهر الفرق بينه وبين ما

стр. 590

ذكره في سند المنع، إذ السلامة غير حاصلة قطعا في المحتمل. وعن (ب): ليس كل ما يتوقف عليه الاقتضاء جزءا، وإلا: لكان عدم المانع جزءا من الثقيل، والعدم لا يكون جزء علة الوجود. المخالف: (أ) أن البراءة معلومة القياس ظني فلا يعارضها، وإن كان على وفقها ففيها غنية عنه. (ب) القياس (يتوقف) على استصحاب ما كان، فهو أصله. فحكمه إن وافق حكمه: ففيه غنية عنه، وإلا: فهو مرجح عليه. ولا ينقض بنصب دليلين على واحد، لأن كلا منهما مستقل، بخلاف ما نحن فيه. (ج) لا قياس بدون العلة، ولا علة لما يأتي، فلا قياس. (د) القياس - لكونه ضد العلم الذي هو حسن - قبيح، فيقبح ورود التعبد به. (هـ) أنه يقتضي أن تكون العلة أصلا للحكم لعدم ثوبته بدونها، لكنها فرعه، لما سبق. (و) أنه يخطئ ويصيب، فالأمر به أمر بما لا يؤمن أن يكون خطأ، وهو غير جائز على الحكيم. (ز) أنه اقتصار على أدنى البيانين، مع القدرة على أعلاهما، إذ التنصيص على كليات الأحكام ممكن، وأنه غير جائز، لأن في زيادة البيان إزاحة عذر المكلف، فهو كاللطف الواجب، خرج عنه ما لا يمكن التنصيص عليه كالفتوى والشهادة. (ح) أن حكم الله تعالى خطابه، ولا خطاب على الفروع. (ط) العلة متفرعة عن الحكم، فلو تفرع عنها لزم الدور. (ي) الأصلح لهم أن يبين لهم ما كلفوا به بالنص، كيلا يخطئوا ورعاية الأصلح واجبة. (يا) أن ما جعل علة في القياس حاصل قبل الشرع، فلزم ثبوت الحكم قبله، أو تخلف المعلول عن العلة. (يب) احتمالات عدم صحته أكثر، فكان أغلب على الظن. (يج) جوازه مع تصويب الكل باطل، لما سيأتي، أو واحد معين ترجيح من غير مرجح. وخلاف الإجماع، أو غير معين باطل - أيضا - لأنه لا وجود له. (يد) لو جاز، لجاز الإخبار عن العلة، بأنها علة الحكم، أو أنه حكم الله (تعالى)، لكنه بناء

стр. 591

على الأمارة غير جائز. (يو) الأحكام مصالح وألطاف، فلا يهتدى إليها بالأمارات. (يز) لو جاز التعبد به في حقنا، لجاز في حق الرسول، ومع النص، ودليل العقل عند منيقول به، ولجاز النسخ به، وبجامع كونه مدركا شرعيا، ولكن بعض الأحكام من فعلنا، إذ القياس فعلنا، ولا شيء من الأحكام فعلنا. وأجيب: عن (أ)، (ب) النقد (بالشرعية الظنية، ويخص الأول: منع أنها قطعية. وعن (ج) ما سيأتي) من تفسير العلة. وعن (د) أنه مبنيى على التحسين والتقبيح، ثم يمنع أنه ضده، إذ تعتبر فيه غاية المخالفة، ثم إنه من جهة عدم القطع لا مطلقا، فلا يجب قبحه، ثم النقد بما تقدم، ثم إنه تعالى خالق أضداد العلم وفاقا. وعن (هـ) أنه أصل في الفرع، وفرع في الأصل. وعن (و) بمنع إمكان الخطأ وسنده بين، ثم نقضه بما تقدم، ثم إنه مبني على التحسين والتقبيح. وهو جواب (ز) ثم بمنع عدم جوازه، إذ فيه فائدة زيادة الثواب، ثم بمنع وجوب اللطف، ثم النقض بما سبق. وعن (ج) منعه، إذ نص وجوب التعبد بالقياس وحكم الأصل نصه ضمنا. وعن (ط) أنه لادور، مع تعدد المحل والحكم. وعن (ي) بمنع المقدمتين ثم بنقضه بما تقدم. وعن (يا) أنها أمارة أو موجبة بجعل الشارع فلا يلزم ما ذكرتم. وعن (يب) بمنع تعدد الاحتمالات، إذ مناط جواز التعبد ظن مخصوص، وعدمه انخرامه،

стр. 592

ثم إنه منقوض بما سبق. وعن (يج) بمنع أنه مع التصويب باطل، وسيأتي الكلام فيه، ثم تعينه عندنا باطل، لما سبق، لا عند الله، فإنه ممنوع، ثم إنه منقوض بالاجتهاد بالظنية. وعن (يد) بمنع انتفاء اللازم، ثم ذلك في الأمارات الغير المعتبرة شرعا. وعن (ية) منع انتفاء اللازم، إذ جوازه عقلا ثاب، ثم بالفرق، وهو: أن مطالبة محصورة وأدلته قاطعة. وعن (يو): بمنعهما، ثم النقض بالظنية. وعن (يز) بمنع الملازمات، ثم بمنع انتفاء اللازم، وسنده مذكور في النهاية. واللنظام: أن شرعنا جمع بين المختلفات وفرق بين المتماثلات، ومعه لا يصح القياس وهو بين. بيان الأول: أنه فرق بين الأزمنة والأمكنة في الشرف والأحكام، مع الاستواء في الماهية. وأوجب الغسل من بول الصبية دون الصبي. والغسل من المني مع أنه طاهر، دون الرجيع. وأبطل الصوم بإنزاله، دون البول والمذي. وجوز قصر الرباعية دون غيرها. وأوجب قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة، مع أنها أعظم قدرا. ونهى عن إرسال السبع على مثله وأقوى، وإباحته على البهيمة الضعيفة. وجعل الحرة الشوهاء تحصن، وحرم النظر إليها دون الجواري الحسان. وقطع سارق القليل، دون غاصب الكثير مع أنه أولى بالزجر. وحد بالقذف بالزنا، دون الكفر. وقبل شاهدين في الكفر والقتل، دون الزنا، مع أنها أعظم جريمة.

стр. 593

وحد قاذف الحر الفاجر، دون العبد الضعيف. وفرق بين عدة الطلاق والموت، وبين عدة الحرة والأمة، والاستبراء مع عدم اختلاف حال الرحم في ذلك. وأوجب بخروج الريح غسل غير (ذلك) الموضع، دونه مع أنه أولى به. وأثبت الفراش بمجرد ملك النكاح دون ملك اليمين مع أنه أقوى. وجعل كفارة الظهار مرتبة مع تغليظها، وكفارة اليمين مخيرة مع تخفيفها، وجعل الصيام بدلا عن الخصال الثلاث عند العجز، مع أن الجريمة في اليمين أعظم، ولأن التخيير بين الإعتاق والإطعام يدل على استوائهما في الحكمة والمصلحة، والترتيب بينهما في الظهار مع زيادة العدد يدل على رجحان العتق. وسوى بين كفارة القتل والإفطار والظهار، وزنا المحصن والردة في القتل، وقتل الصيد عمدا وخطأ في الجزاء، مع تفاوت الجريمة. وجوابه: أنه لا ينفي جواز التعبد بالقياس، حيث وجدت أركانه وشرائطه، وهو ممنوع فيها لعدم تعقل الأدلة، أو لعدم الاشتراك فيها، أو لوجود المانع، أو لأن الفرق غير قادح، سلمناه لكنها نادرة، فلا يقدح في الغالب الذي هو رعاية المصالح المعلومة أو المظنونة. مسألة لا يجب التعبد بالقياس عقلا. خلافا للقفال والبصري. لنا: أنه مبني على التحسين والتقبيح وقد سبق إبطاله، ثم إنا لا نجد في العقل ما يدل عليه، مع أن الأصل عدمه. لهما: (أ) الوقائع غير متناهية، فالتنصيص غير ممكن، والوحي منقطع، والتكليف باق، فلا بد من طريق، وهو القياس، إذ البراءة الأصلية غير وافية بجميعها. (ب) العقل علم أو ظن العلل الشرعية بواسطتها مداركها، وذلك يفيد العلم أو الظن

стр. 594

بالحكم، وإلا لزم تجويز التخلف ومستلزم الممتنع ممتنع. (ج) أنه يفيد دفع الضرر كما سبق، فيجب عقلا، كما يجب القيام من تحت حائط يظن سقوطه. وأجيب: عن (أ) بمنع أن التنصيص على وجه كلي، بحيث تندرج تحته الجزئيات، غير ممكن، ولا نسلم عدم تناهي الأجناس، سلمناه، لكن ما فيه الحكم المثبت متناه، ثم ما كلفنا بمعرفة الحكم فيه متناه. وعن (ب) منع معرفة العقل ذلك بغير مدرك شرعي، ومعه لا يفيد وجوبه عقلا. وعن (ج) منع حكم الأصل عقلا. مسألة التعبد بالقياس واقع سمعا. خلافا لقوم. لنا: (أ) قوله تعالى ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢]، وهو المجاوزة نقلا وهو ظاهر، واستعمالا كقوله: عبر الرؤيا والنهر، وعبر عليه، والمعبر، والعبرة، وهو في القياس فيدخل تحته. فإن قلت: الأمر للإذن لا للطلب، ثم إنه قد يرد له مجازا، ثم الاعتبار: (الاتعاظ): لسبق الفهم إليه. واستعماله فيه، كقوله تعالى: ﴿لكم في الأنعام لعبرة﴾ [النحل: آية ٦٦] ويقال (السعيد من اعتبر بغيره)، فلا يكون حقيقة في القياس، دفعا للاشتراك. ولأنه يصح سلبه عن القياس دونه. ثم سياق الآية، وسياقها يمنعانه من الحمل عليه.

стр. 595

ثم المجاوزة مشتركة بينه وبين غيره، والدال على العام لا يدل على الخاص. لا يقال: لا بد من نوع، وليس البعض أولى من البعض، فيجب الكل، لأن المتفق عليه أولى. ثم إنه لا يلزم من كونه مأمورا به أن يكون جميع أنواعه كذلك. ثم الحمل على العموم يقتضي قياس الفرع على الأصل في الحكم وفي أن لا يستفاد حكمه إلا: من النص، وليس تخصيص أحدهما إبقاء للآخر أولى من العكس، بل الأولى احتياطا واحترازا عن العمل بالظن، ثم إنه مخصوص بالأحكام التعبدية، وفيما تتعادل فيه الأمارات والأقيسة وفي اليقيني، وفيما لا دليل عليه كمقادير الثواب، وما عرف مرة حكمه بالنص أو بالقياس، وفيما إذا قال: (أعتقت غانما لسواده)، والعام المخصوص ليس بحجة، ثم إنه حجة ظنية والمسألة قطعية، ثم إنه أمر، فلا يفيد التكرار، وهو خطاب مشافهة، فاختص بالحاضرين. قلت: بمنع أن الأمر له، بل هو للوجوب، كما سبق، ولأن جوازه بدون وجوبه منتف إجماعا. وهو جواب الثاني، ويخصه: أن المجاز خلاف الأصل. وعن (ح) بمنعه، وسنده بين، والتبادر من غير قرينة ممنوع، والاستعمال دليل الحقيقة، إذ لم يستلزم الاشتراك. وصحة سلبه عن القائس مطلقا ممنوع، إذ يقال: فلان يعتبر الأشياء العقلية بغيرها، ومعتبر في هذا الباب، ثم عدم إطلاقه عليه لا يدل على عدم حقيقته فيه باعتبار القدر المشترك كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، ثم الحقيقة قد تهجر لمانع، ثم ذلك لأنه لم يأت ما هو المقصود الأعظم من الاعتبار. ثم إن جعله حقيقة في المجاوزة أولى، إذ يقال اعتبر فاتعظ، ولأنها حاصلة فيه وفي غيره، فجعله حقيقة فيها يدفع الاشتراك والمجاز. وعن (د) بمنعه، وركاكة قوله: (فقيسوا) في الفروع، مكان: (فاعتبروا) وإنما جاءت الركاكة في قوله: (فقيسوا الذرة على البر)، لأنه لا نسبة بينه وبين ما قبله، إذ الجزئي لا يناسبه

стр. 596

جزئي بخلاف الكلي. وعن (هـ) أنه يفيده من جهة ترتيب الحكم على المسمى، وإن لم يفده من جهة اللفظ. وزيف: أنه إثبات للقياس بالقياس. وأجيب: بأنه علم فيه العلة بالإيماء، وقد اعترف به من أنكر غيره، فينتهض حجة في حقه، دون من أنكره مطلقا، ولأن الأمر بالكلي يقتضي التخيير في جزئياته عند عدم المخصصة، وهو يقتضي جواز العمل بأي فرد شاء، وهو يفيد الوجود، وبصحة الاستثناء. ونقض بصحته في الأمر، ولا عموم، فإن منع لقرينة الاستثناء لم يفد، لعدم الاستثناء فيما نحن فيه من جهة الشارع. وعن (و) التسوية في الحكم أسبق إلى الفهم، ولأن ذلك المعنى مناف لمقصود الآية. وعن (ز): ما سبق أنالعام المخصوص حجة. وعن (ح) ما تقدم غير مرة. وعن (ط) أنه يلزمه من وجوبه مرة وجوبه دائما لعدم الفصل إجماعا، ولأنه لما كان عاما في جميع الأقيسة كان عاما في جميع الأوقات. وعن (ي) أنه إذا ثبت لهم ثبت لغيرهم إجماعا، ولأنه إذا جاز لهم ذلك مع مراجعة الرسول جاز لغيرهم بالطريق الأولى. (ب) خبر معاذ، وهو مشهور. وروي أنه أنفذ معاذا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، فقال ﵇ "بم تقضيان؟ " فقالا: (إذا لم نجد الحكم في الكتاب ولا في السنة نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به)، فقال ﵇: "أصبتما". وقال ﵇ لابن مسعود: (اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم

стр. 597

فيهما فاجتهد برأيك). والاستدلال بها ظاهر، إذ القياس صريح في الباب، والرأي هو القياس على ما يأتي، والاجتهاد: استفراغ الوسع، فلا يحمل على البراءة الأصلية، إذ هي معلومة من غير الاستفراغ، ولا على دليل العقل، لبطلان التحسين والتقبيح، ولا على النصوص الخفية، لأن قوله: "فإن لم تجد" عام، لصحة الاستثناءن ولما ثبت أن النكرة في سياق النفي تعم. لا يقال: الحديث مرسل، سلمناه، لكنه مسند إلى مجاهيل. ثم إنه روى أنه قال ﵇: "اكتب إلي، أكتب إليك"، والجمع غير ممكن، لاتحاد الواقعة. ثم إنه يناقض قوله تعالى ﴿ولا رطب ولا يابس﴾ [الأنعام: آية ٥٩].، ﴿ما فرطنا في الكتاب﴾ [الأنعام: آية ٣٨]. ثم إنه ورد فيما تعم به البلوى، وشرطه الاشتهار. ثم إنه يقتضي سؤاله عما يقضي به بعد نصبه له. وجواز اجتهاده في زمانه ﵇. وعدم تخصيص الكتاب والسنة به. ثم إنه خبر الواحد والمسألة علمية. ثم لعل المراد منه مدارك أخر، كالمصالح المرسلة، والقياس اليقيني، أو ما نص على علته، أو أومي إليها، أو كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف. ثم إنه يدل على جوازه في زمانه، وما بعده ليس في معناه، لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت﴾ [المائدة: آية ٣]، وتكميلة بالتنصيص على كليات الأحكام، وشرط القياس عدمه. - لأن إرساله ممنوع، ثم تلقته الأمة بالقبول، وتأكد بغيره، وبمنعه، فإنه أسند إلى أصحاب معاذ، وهم مشهورون باتباعه. ثم إنه روي بطريق أخرى، تثبت بها الحجية، ثم الأمة تلقته بالقبول، فلا يضر كون رواته

стр. 598

مجاهيل، الزيادة لم تثبت. ويقتضي التأخير فيما لا يحتمل، ثم الأخذ بالمشهور أولى، ثم هي محمولة على ما يمكن تأخيره. والمراد اشتمال الكتاب على ما يحتاج إليه شرعا، ابتداء أو بواسطة. والمراد من عدم وجدانه في الكتاب عدمه صريحا، لأن ما في السنة في الكتاب بواسطة. ووجوب الاشتهار فيما تعم به البلوى ممنوع، سلمناه، لكنه حاصل. وأريد من (بعثه) أي عزم على بعثه، والاجتهاد جائز في زمانه سيما فيما تفوت به المراجعة. والمراد من عدم وجدانه في الكتاب عدمه من غير تعارض، أو أنه ترك للمفهوم لمنفصل، هذا إن قيل بالمفهوم، وتخصيصهما بالقياس وإلا: فساقط. ومنع أن المسألة علمية، ولو سلم فما سبق. وحمله على مدرك آخر خلاف الإجماع، إذ كل من قال: إن المراد من غير الكتاب والسنة والبراءة الأصلية - قال بأنه القياس. ولأنه لا اجتهاد في بعضها لظهوره، وبعضها ليس بمدرك على ما نبينه، والأقيسة المذكورة غير وافية ببيان الأحكام، وسكوته ﵇ على قوله (اجتهد)، يدل على أنه واف. ولا نسلم أن الإكمال لا يحصل إلا: بالتنصيص، بل قد يحصل ببيان مدارك ما يحتاج إليه، ثم لا قائل بالفصل. (ج) حديث عمر في قبلة الصائم. استعمل القياس مع عدم حصول المقصود من المقدمتين، فكان حجة، لوجوب التأسي به. وأيضا قوله: "أرأيت ... "، خرج مخرج التقرير، وهو إنما يصح أن لو تقرر عنه عمر أن القياس حجة، ولو سلم صحته عند عدم تقرره عند المخاطب والمخاطب. ولأنه إذا أجاز له العمل بالقياس، مع إمكان تلقي الحكم بالوحي، جاز لغيره بالأولى، ولعدم الفصل. ومثله حديث الخثعمية.

стр. 599

وإحالته إلى التنبيه على العلة، أو أنه بطريق التنصيص - ممنوع، إذ العلة مستفادة من استعمال القياس، فلو استفيد منها لزم الدور، وذكر الجامع بنفي التنصيص. وقيل: إن حديث عمر ليس بقياس، بل هو نقض لما توهمه من إفساد مقدمة الإفساد، لا تعليل بمنع الإفساد، إذ ليس فيه ما يتخيل مانعا، بل غايته أن لا يفسد. وفيه نظر، إذ لا تنحصر الأمارة في التخيل، ثم قصور الوسائل يناسب أن لا يناط بها ما نيط بالمقاصد. (د) أنه ﵇ علل أحكاما كثيرة، كما في (بيع الرطب بالتمر). وفي المحرم الذي وقصت به راحلته، وفي شهداء أحد، وفي قوله: "إذا استيقظ أحدكم"، الحديث.

стр. 600

وقوله: "إنها ليست بنجسة"، وقوله في الصيد: "فإن وقع في الماء فلا يأكل منه. لعل الماء أعان على قتله"، وأمثاله كثيرة، والفائدة إما القياس، أو الاطلاع على الحكمة في تلك الصور فقط، والتعليل بالقاصرة، فرع القياس. (هـ) معتمد الجمهور وهو: أن بعض الصحابة عمل بالقياس: كتب عمر إلى أبي موسى: (اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك). وقال ابن عباس: "ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب
следующие страницы →