Полный текст (825 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
جزئي بخلاف الكلي.
وعن (هـ) أنه يفيده من جهة ترتيب الحكم على المسمى، وإن لم يفده من جهة اللفظ.
وزيف: أنه إثبات للقياس بالقياس.
وأجيب:
بأنه علم فيه العلة بالإيماء، وقد اعترف به من أنكر غيره، فينتهض حجة في حقه، دون من أنكره مطلقا، ولأن الأمر بالكلي يقتضي التخيير في جزئياته عند عدم المخصصة، وهو يقتضي جواز العمل بأي فرد شاء، وهو يفيد الوجود، وبصحة الاستثناء.
ونقض بصحته في الأمر، ولا عموم، فإن منع لقرينة الاستثناء لم يفد، لعدم الاستثناء فيما نحن فيه من جهة الشارع.
وعن (و) التسوية في الحكم أسبق إلى الفهم، ولأن ذلك المعنى مناف لمقصود الآية.
وعن (ز): ما سبق أنالعام المخصوص حجة.
وعن (ح) ما تقدم غير مرة.
وعن (ط) أنه يلزمه من وجوبه مرة وجوبه دائما لعدم الفصل إجماعا، ولأنه لما كان عاما في جميع الأقيسة كان عاما في جميع الأوقات.
وعن (ي) أنه إذا ثبت لهم ثبت لغيرهم إجماعا، ولأنه إذا جاز لهم ذلك مع مراجعة الرسول جاز لغيرهم بالطريق الأولى.
(ب) خبر معاذ، وهو مشهور. وروي أنه أنفذ معاذا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، فقال ﵇ "بم تقضيان؟ " فقالا: (إذا لم نجد الحكم في الكتاب ولا في السنة نقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملنا به)، فقال ﵇: "أصبتما".
وقال ﵇ لابن مسعود: (اقض بالكتاب والسنة إذا وجدتهما، فإن لم تجد الحكم
стр. 597
فيهما فاجتهد برأيك).
والاستدلال بها ظاهر، إذ القياس صريح في الباب، والرأي هو القياس على ما يأتي، والاجتهاد: استفراغ الوسع، فلا يحمل على البراءة الأصلية، إذ هي معلومة من غير الاستفراغ، ولا على دليل العقل، لبطلان التحسين والتقبيح، ولا على النصوص الخفية، لأن قوله: "فإن لم تجد" عام، لصحة الاستثناءن ولما ثبت أن النكرة في سياق النفي تعم.
لا يقال: الحديث مرسل، سلمناه، لكنه مسند إلى مجاهيل. ثم إنه روى أنه قال ﵇: "اكتب إلي، أكتب إليك"، والجمع غير ممكن، لاتحاد الواقعة.
ثم إنه يناقض قوله تعالى ﴿ولا رطب ولا يابس﴾ [الأنعام: آية ٥٩].، ﴿ما فرطنا في الكتاب﴾ [الأنعام: آية ٣٨].
ثم إنه ورد فيما تعم به البلوى، وشرطه الاشتهار. ثم إنه يقتضي سؤاله عما يقضي به بعد نصبه له. وجواز اجتهاده في زمانه ﵇. وعدم تخصيص الكتاب والسنة به. ثم إنه خبر الواحد والمسألة علمية.
ثم لعل المراد منه مدارك أخر، كالمصالح المرسلة، والقياس اليقيني، أو ما نص على علته، أو أومي إليها، أو كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف.
ثم إنه يدل على جوازه في زمانه، وما بعده ليس في معناه، لقوله تعالى: ﴿اليوم أكملت﴾ [المائدة: آية ٣]، وتكميلة بالتنصيص على كليات الأحكام، وشرط القياس عدمه.
- لأن إرساله ممنوع، ثم تلقته الأمة بالقبول، وتأكد بغيره، وبمنعه، فإنه أسند إلى أصحاب معاذ، وهم مشهورون باتباعه.
ثم إنه روي بطريق أخرى، تثبت بها الحجية، ثم الأمة تلقته بالقبول، فلا يضر كون رواته
стр. 598
مجاهيل، الزيادة لم تثبت. ويقتضي التأخير فيما لا يحتمل، ثم الأخذ بالمشهور أولى، ثم هي محمولة على ما يمكن تأخيره. والمراد اشتمال الكتاب على ما يحتاج إليه شرعا، ابتداء أو بواسطة.
والمراد من عدم وجدانه في الكتاب عدمه صريحا، لأن ما في السنة في الكتاب بواسطة.
ووجوب الاشتهار فيما تعم به البلوى ممنوع، سلمناه، لكنه حاصل.
وأريد من (بعثه) أي عزم على بعثه، والاجتهاد جائز في زمانه سيما فيما تفوت به المراجعة. والمراد من عدم وجدانه في الكتاب عدمه من غير تعارض، أو أنه ترك للمفهوم لمنفصل، هذا إن قيل بالمفهوم، وتخصيصهما بالقياس وإلا: فساقط. ومنع أن المسألة علمية، ولو سلم فما سبق. وحمله على مدرك آخر خلاف الإجماع، إذ كل من قال: إن المراد من غير الكتاب والسنة والبراءة الأصلية - قال بأنه القياس. ولأنه لا اجتهاد في بعضها لظهوره، وبعضها ليس بمدرك على ما نبينه، والأقيسة المذكورة غير وافية ببيان الأحكام، وسكوته ﵇ على قوله (اجتهد)، يدل على أنه واف. ولا نسلم أن الإكمال لا يحصل إلا: بالتنصيص، بل قد يحصل ببيان مدارك ما يحتاج إليه، ثم لا قائل بالفصل.
(ج) حديث عمر في قبلة الصائم.
استعمل القياس مع عدم حصول المقصود من المقدمتين، فكان حجة، لوجوب التأسي به.
وأيضا قوله: "أرأيت ... "، خرج مخرج التقرير، وهو إنما يصح أن لو تقرر عنه عمر أن القياس حجة، ولو سلم صحته عند عدم تقرره عند المخاطب والمخاطب. ولأنه إذا أجاز له العمل بالقياس، مع إمكان تلقي الحكم بالوحي، جاز لغيره بالأولى، ولعدم الفصل. ومثله حديث الخثعمية.
стр. 599
وإحالته إلى التنبيه على العلة، أو أنه بطريق التنصيص - ممنوع، إذ العلة مستفادة من استعمال القياس، فلو استفيد منها لزم الدور، وذكر الجامع بنفي التنصيص.
وقيل: إن حديث عمر ليس بقياس، بل هو نقض لما توهمه من إفساد مقدمة الإفساد، لا تعليل بمنع الإفساد، إذ ليس فيه ما يتخيل مانعا، بل غايته أن لا يفسد. وفيه نظر، إذ لا تنحصر الأمارة في التخيل، ثم قصور الوسائل يناسب أن لا يناط بها ما نيط بالمقاصد.
(د) أنه ﵇ علل أحكاما كثيرة، كما في (بيع الرطب بالتمر).
وفي المحرم الذي وقصت به راحلته، وفي شهداء أحد، وفي قوله: "إذا استيقظ أحدكم"، الحديث.
стр. 600
وقوله: "إنها ليست بنجسة"، وقوله في الصيد: "فإن وقع في الماء فلا يأكل منه. لعل الماء أعان على قتله"، وأمثاله كثيرة، والفائدة إما القياس، أو الاطلاع على الحكمة في تلك الصور فقط، والتعليل بالقاصرة، فرع القياس.
(هـ) معتمد الجمهور وهو: أن بعض الصحابة عمل بالقياس: كتب عمر إلى أبي موسى: (اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك).
وقال ابن عباس: "ألا لا يتقي الله زيد بن ثابت، يجعل ابن الابن ابنا، ولا يجعل أب الأب
стр. 601
أبا"، وليس مراده التسمية، لعلمه بأنه لا يسمى أبا حقيقة، بل في الحكم، وشبه على الأخ والجد بغصني شجرة، وجدولي نهر، وشرك بينهما في الميراث.
وقال الصديق - حين سئل عن الكلالة -:
"أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وغن يكن خطأ فمني ومن الشيطان".
والرأي هو: القياس، لأنه يقابل النص، ولتسمية أصحاب القياس بأصحاب الرأي، وجعله مقابلا لأصحاب الحديث.
وروي عنه أنه قال لأم الأب. "لا أجد لك في كتاب اله، ولا في سنة رسوله شيئا"، فقال له بعض الأنصار: "لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة لم ترثها، وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورثتها" فشرك بينهما في السدس، وهو بالقياس.
و- أيضا - كان يسوي في القسمة، وعمر فضل فيهان وليس هو إلا: بالقياس.
وقال: عمر (أقضي في الجد برأيي، وأقول فيه برأيي) وروي أنه قضى فيه بآراء مختلفة، وأوصى أن لا ينقل عنه فيه شيء).
стр. 602
وروي أنه لما سمع حديث الجنين، قال: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا".
واختلاف قوله في الحمارية، ليس إلا: للقياس.
وأنكر على سمرة أخذه الخمر من تجار اليهود في المشهور وتخليلها وبيعها، وقال: قاتل الله سمرة، أما علم قوله ﵇ "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها"، قاس الخمر على الشحم، وقوله: "هذا ما رأى عمر، وهذا ما أرى الله عمر" - مشهور.
وكذا توريث عمر وعلي وعثمان المبتوتة بالرأي.
وروي أنه تردد في قتل الجماعة بالواحد، فقال له علي ﵄ (أرأيت لو اشترك جماعة في سرقة أكنت تقطعهم؟ ، فقال: نعم، قال: فكذا هذا). فرجع إليه.
стр. 603
وقال له عثمان ﵄ "إن اتبعت رأي فرأيك رشيد، وإن اتبعت رأي من قبلك، فنعم الرأي". ولو كان في المسألة نص لما صوبهما.
وكان يوصي من يلي القضاء، بالرأي، وقال: "لا ضير في القضاء بالكتاب والسنة، وقضاء الصالحين، فإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد برأيك". وحديث علي من عمر في شارب الخمر مشهور.
وسأل عليا عن قوله: "اختاري"، فقال: "إن اختارت زوجها فهي واحدة، وزوجها أحق بها، وإن اختارت نفسها فهي واحدة باين"، فقال ﵄ لا، بل إن اختارت نفسها فهي واحدة وزوجها أحق بها)، فتابعه علي، ولما أفضى الأمر إليه عاد إلى قوله، فقيل له (رأيك مع رأي غيرك أحب إلينا من رأيك وحدك).
وقول أبي عبيدة له في بيع أمهات الأولاد: "رأيك مع الجماعة أحب إلينا من رأيك وحدك" - مشهور.
وقال علي لعمر في المجهضة: "أما المأثم فأرجو أن يكون منحطا عنك، وأما الدية فأرى عليك غرة عبد أو أمة".
وقال عبد الله بن مسعود - في قصة بروع بنت واشق، بعد أن استمهل شهرا: (أحكم
стр. 604
فيها برأيي ... ) الحديث.
وقال ابن عباس لعلي ﵃ حين أوجب دية الأصابع مختلفة: (ألا اعتبرها بالأسنان).
وقال زيد لابن عباس - حيث قال له أنت وجدت في كتاب الله ثلث ما يبقى: "أقول فها برأيي وتقول برأيك".
واختلفوا في مسألة الحرام: أو يمين، أو طلاق ثلاث، أو واحد باين، أو رجعي، أو إظهار، أو إيلاء، أو ليس بشيء أقوال.
والجد مع الإخوة: قيل: إنه يحجبهم، وقيل: يقاسمهم ما لم ينقص حقه من الثلث، إن لم يكن معه ذو فرض، فإن كان معه فله خيار الأمور الثلاثة: من المقاسمة أو ثلث ما يبقى، أو سدس جميع المال، وقيل بغيره. واختلافهم في فروع الفرائض مشهور.
وكذا اختلفوا في الخلع: هل هو طلاق، أو فسخ.
ولا يمكن إسناد ذلك إلى التشهي ولا إلى العقل، لبطلان التحسين والتقبيح، ولا إلى
стр. 605
النص، إذ لم يظهر مع اشتهار النزاع فيها.
ولأنه لو كان كل وحد منها له، لزم انسخ غير مرة، ولا إلى البراءة الأصلية، إذ مقتضاها النفي، ولا إليهما، لكثرة تلك الأقوال، فبعضها عن قياس، ثم لم ينكر عليه، مع شيوعه، فكان إجماعا.
فإن قيل: هذه الروايات لا تبلغ (حد) التواتر، والاستدلال بقوة البعض وتأويل البعض ضعيف. ثم لا نسلم أن الرأي هو: القياس، والمقابلة تدل على المخالفة، فلعله مدرك آخر، والتسمية المذكورة عرف طارئ خاص أو عام. ثم هو معارض بأن الرأي: الرؤية، فلو كان للقياس لزم الاشتراك أو النقل، ولأن يرى ليس معناه أنه يقيس، وإلا: لم يجز استعماله في مدلول النص، ثم دلالته ظنية، فلا يفيد.
واختلافهم في المسائل يحتمل وجوها من الدلالات، كمفهوم النص وإشارته، واقتضائه، وحمل مطلقه على مقيده، وعامه على خاصه، وحمل اللفظ على أقل مفهوماته، أو أكثر والمصالح المرسلة، وطريقة الاحتياط، والبراءة الأصلية. والإظهار إنما يجب عند حاجة المناظرة، وظهور دلالته، إذ الانتفاع إنما هو به. ثم إنه لو كان لقياس لأظهروه، وعليكم الترجيح.
ثم لا نسلم أن عدم اشتهاره يدل على عدم الإظهار، إذ ليس من الأمور العظيمة التي تتوفر الدواعي على نقلها، وشدة اهتمامهم بنقل النصوص يدل على أولوية النقل، لا على وجوبه. ثم إنه يدل على وجوبه على السلف، إذا الاهتمام معلوم منهم دون غيرهم، فلعل غيرهم أخل به.
ولا ينقض بنقل ما لا يتعلق به غرض، لأنا لا ندعي امتناعه، بل عدم وجوبه، ثم توفر الدواعي على نقله، يوجب نقله في الجملة، لا تواتره وإلا: لا تنقض بسائر المعجزات و-حينئذ- لا يجب وصوله إلينا.
ثم لا يلزم من عدم النص القياس، لما سبق من الوسائط ثم الإنكار وجد، إذ روي عن
стр. 606
الصديق: "أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي"، وقال عمر: "إياكم وأصحاب الرأي، فإنهم أعداء السنن: وعنه: "إياكم ولمكابلة" وفسرها (بالمقايسة).
وكتب إلى شريح: (اقض بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس فيه فاقض بسنة رسول الله، فإن جاءك ما ليس فيه فاقض بما اجتمع عليه أهل العلم فإن لم تجد فما عليك أن لا تقضي)، وعن علي: "لو كان الدين يؤخذ قياسا لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره".
وعنه وعن ابن عباس: (من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم، فليقل في الجد برأيه)، وعن ابن عباس: (يذهب قراؤكم وصلحاؤكم ويتخذ الناس رؤساء جهالا، يقيسون الأمور برأيهم)، وقال: (إذا قلتم في كتاب الله بالرأي أحللتم كثيرا مما حرم الله، وحرمتم كثيرا مما أحل الله)، وأمثاله كثيرة. من الكتاب بنحو: ﴿وأن تقولو على الله ما لا تعلمون﴾ [البقرة: آية ١٦٩]، ﴿ولا تقف﴾ [الإسراء: آية ٣٦]، و ﴿إن الظن لا يغني﴾ [يونس: آية ٣٦]، و ﴿لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾ [الحجرات: آية ١، الأنعام: آية ٣٨]، ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: آية ٤٩]، و ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: آية ١٠٥]، ﴿فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: آية ٥٩].
стр. 607
ومن السنة (مثل): "ستفترق أمتي على بعض وسبعين فرقة أعظمهم فتنة قوم يقيسون الأمور برأيهمن فيحرمون الحلال، ويحللون الحرام". و"تعمل هذه الأمة برهة بالكتاب ... "، الحديث.
وبالإجماع، وتقريره كما سبق في الاستدلال، ومن المشهور إجماع أهل البيت على إنكار القياس.
ومن المعقول:
بما أن التعبد به يقتضي أن لا يكون الاختلاف منهيا عنه، وأن الرجل لو قال: أعتقت غانما لسواده فقيسوا عليه، لم يعتق غيره من السود.
قلنا: الجواب:
عن (أ) بمنعه، فإن الروايات عن النبي - ﷺ - وأصحابه كثيرة جدا، فمن خالط أهل الأخبار والفقه، وطالع (كتبهم) علم ذلك منها قطعا، يؤكده: أن الخصم ما نازع في عمل بعضهم به، بل في أن الإجماع حجة، وبعضهم منع عدم الإنكار عليه، وبعضهم منع أن الإجماع السكوتي حجة، سلمناه لكن المسألة ظنية، وهي تفيد الظن، وهو كاف في وجوب العمل به.
وعن (ب) ما سبق، وحمله على مدرك آخر غير القياس، خلاف الإجماع، والنقل خلاف الأصل، وقد يصار إلى النقل أو الاشتراك عند قيام الدلالة عليه وهو الإجماع.
وعن (ج) بمنعه، ثم إن المسألة ظنية.
وعن (د) أنه لو كان كذلك لأظهروه، لشدة إنكارهم على مخالفة صرائح النص، ومقتضياته، وبقية الطرق غير وافية بتلك الأقاويل المختلفة.
وعن (هـ) بمنع انحصار الحاجة عند المناظرة، بل شهرة النزاع كاف فيه، كما يحققه
стр. 608
الاستقراء، والدليل إذا لم يكن ظاهر الدلالة لم يجز التمسك به.
وعن (و) بمنع أنهم لم يظهروه، فإن ذلك مصرح به في بعض ما رويناه، ثم الفرق: أن النص يجب اتباعه ومخالفه مخطئ وفاقا.
وحسن المناظرة لا يوجب اتباع القياس، فإن ما لا يجب (قد يحسن)، وأن مخالفة النص أشد، ولا يستقل العقل بمعفرته وتمكن الإشارة إلى النص، دون الإمارة، ولذلك لا يقدر المقوم عن تعبير كل ما يفيده ظن القيمة، إشارة المتأخرين إلى العلل القياسية إنما أمكنت، لأنها تلخصت بعد أن لم تكن.
وعن (ز) بمنعه، فإن شدة الحاجة إلى معرفة حكمها حاملة على النقل ظاهرا، ونحن لا ندعي تواتره، والقول بأولوية الفعل دون وجوبه ثبت فساده.
وعن (ح) أنه لو أطبق الخلق على كتمانه، لزم إجماعهم على الباطل، ودليله ينفيه على أن مثله ممتنع في العادة.
وعن (ط) أنا لا ندعي تواتره كما سبق، والمعنى من نقله إلينا أن يوجد في صدور الرواة، أو بطون الدفاتر.
وعن (ي) أن إثبات مدرك آخر لها غير النص ومقتضياته وغير البراءة الأصلية والقياس خلاف الإجماع.
وعن (يا) التوفيق المذكور، وصريح الرد معارض بصريح الدلالة، ولا ترجيح بين المعلومين، والتوفيق الآخر لو وقع لنقل، لغرابته، ولأنه يقتضي التعبير مرتين.
وعن (يب) أن شدة انقيادهم للحق ينفيه ظاهرا.
وما ذكره النظام: لو منع من الخلاف لمنع في غيره. وما ذكروه من سبب العداوة حاصل في الكل، على أنه إنما يصير سببا للعداوة، إذا كان الغرض التخطئة، وإظهار المزية، دون الإرشاد والنصح، وزيادة الخوف منتفية بما انتفى به أصله، على أن العموم من حالهم أن كلما كان المنكر أعظم كان إنكارهم عليه أكثر، وهمتهم لإزالته أشد، على أن الكيفية معارضة بالكمية.
وعن (يج) ما سبق في الإجماع.
وعن (يد) أن الأصل بقاؤه، ثم إنه يقدح في أصل الإجماع، والكلام في هذا فرع عليه.
стр. 609
وعن (يه) أن الإجماع حاصل - ظاهرا ٠ على حجية القياس المناسب، على أنه معارض بما أنه إذا ثبت حجية نوع ما، ثبتت حجيته مطلقا، لئلا يلزم خرق الإجماع، وما نص على عليته، وقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف - غير حاصل في المسائل المختلفة.
وعن (يو) أنه لا قائل بالفصل.
وعن (يز) ما سبق، أنه حجة.
وعن (يج) ما سبق غير مرة.
وعن آيات الظن، وما بعدها من الآيتين، ما سبق في خبر الواحد، وخبر معاذ.
وعن البواقي: أنها تتوقف على عدم كونه متعبدا به، فإثباته بها دور.
وعن الأخبار والإجماع: ما سبق من التوفيق، وإجماع العترة عليه ممنوع، ثم بمنع أنه حجة ثم التوفيق المذكور.
وعن المعقول:
بمنع أن مطلق الاختلاف منهي عنه، إذ قد روي عنه ﵇: (اختلاف أمتي رحمة)، ثم إنه منقوض بالتمسك بالظنيات. وبمنع عدم الحكم، وبمنع تعدية الحكم بتعدية ما جعل العبد علة.
ثم الفرق:
أن حقوق العبادة مبنية على الشح، والظنة، لكثرة حاجاتهم وسرعة رجوعهم عن دواعيهم.
وأن الوقائع كثيرة، والتنصيص متعذر، والوحي منقطع، فتمتنع المراجعة، والتكليف بالبراءة الأصلية، ينفي الابتلاء. ثم بالنقض في حالة التصريح.
مسألة
النص على الحكم ليس أمرا بالقياس عند المحققين - منا - كالأستاذ والغزالي، والإمام
стр. 610
وأهل الظاهر، وجمع من المعتزلة. خلافا للإمام أحمد، وجمع من فقهائنا، والحنفية كالكرخي، وأبي بكر الرازي، والبصري، والقاشاني، والنهرواني، والنظام، ونقل الغزالي عنه: أنه يفيد تعميم الحكم لفظا.
وقال أبو عبد الله البصري، أمر به في الترك.
لنا:
أن قوله: (حرمت الخمر لأنها مسكرة) غير متناول لغيرها لفظا، وهو ظاهر.
ولأن قوله: (أعتقت غانما لسواده)، ليس كقوله: (أعتقت عبيدي السود)، ولا قياسا، لجواز أن تكون العلة إسكارها. لا يقال: يفيده عرفا لا لغة، وكذا لو قال: حرمت السم لأنه قاتل، ثم أباح قاتلا آخر غيره، عد مناقضا، وعدم العتق إنما هو لعدم صراحته، فلو نوى عم على رأي، ثم عدم الالتزامية ممنوع، إذ المعنى منه: أن التعميم يتوسط اللفظ، ثم الاحتمال المذكور ينفي تعميم العلة العقلية ثم العرف أسقط اعتباره.
إذ يفهم من قول الأب لابنه: لا تأكل هذا الطعام لأنه مهلك منعه من كل مهلك. ثم إنه خلاف الغالب والظاهر والأصل، إذ الغالب في العلل - منصوصة كانت أو مستنبطة - التعدية، والأصل والظاهر مناسبتها.
ثم إنه مندفع غير أت في قوله: علة حرمة الخمر الإسكار، ثم إنه ينفي القياس، لأنه إذا كان آتيا مع تصريح العلة، فبدونه أولى.
ثم إنه معارض:
بأنه لا فائدة فيه، - حينئذ -.
стр. 611
وأنه رتب الحرمة على الإسكار، فيشعر بعليته. وأن التنبيه على العلة كما في قوله تعالى: ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: آية ٢٣]- تعميم، فالتصريح أولى، لأن النقل خلاف الأصل.
والتناقض للقرينة لا غير، وهي ممنوعة بالنسبة إلى الشارع، وحصول العتق بالنية باطل عندكم وعندنا، فلا يخرج الصحيح عليه، وشرط الإلتزامية اللزوم، وتحريم كل مسكر غير لزم له.
والعلة العقلية: إن فسرت بما يتأتى فيه الاحتمال، فعتعميمه ممنوع، وإلا: اندفع، وإسقاطه عرفا لما سبق.
وكونه خلاف الغالب والظاهر مسلم، لكن لوجوب التعبدية والتعميم فيما ذكر ليس من جهة القياس، لعدم تمييز الفرع عن الأصل، بل لأن العلم بالعلة يوجب العلم بالمعلول، والإجماع لما دل على وقوع التعبد به دل على سقوط ذلك الاحتمال.
ولا نسلم عدم الفائدة، إذ يفيد زوال الحكم لزواله فإن كان لخصوصية الحل مناسبة، ففيه أخرى، والحرمة مرتبة على إسكارها لا على مطلقه، وتعميم التنبيه لمنفصل، وإلا: فالاحتمال آت فيه.
وللبصري:
أن من ترك أكل رمانة لحموضتها لزمه ترك أكل كل رمان حامض، ولو أكلها لحموضتها لا يلزمه أكل كل رمان حامض.
وأجيب:
بمنعه، إذ يجوز أن يكون لحموضته، ثم لا فرق بينه وبين الفعل، إنما لا يجب أكل كل رمانة، لأنه مشروط بالاشتهاء، وخلو المعدة، وعدم الظن بتضرر به.
مسألة
الفرع قد يكون أولى بالحكم من الاصل، كتحريم الضرب، وتأدية الدينار. وقد يكون مثله كالأمة والمرأة في حديثي العتق،
стр. 612
والإفلاس، كالبول في الكوز وصبه في الماء الدائم.
هي تسمى (القياس في معنى الأصل). وكل من الأولى والمثل ينقسم إلى:
قطعي، كما سبق في المثال منهما. وإلى ظني، كوجوب الكفارة في القتل العمد والعدوان، ويمين الغموس، لوجوبها في الخطأ، وغير الغموس. كرد شهادة الكافر، لرد شهادة الفاسق، ووجوب أخذ الجزية منغير أهل الكتاب، لوجوبه منهم.
ومن المثل: كوجوب الحد في اللواط، وتحريم شرب النبيذ لوجوبه في الزنا، وتحريم شرب الخمر، إذ ما بينهما من الفرق المتخيل يمنع من القطع بالإلحاق. وقد يكون دونه كأكثر الأقيسة، واتفقوا على أنه لا مستند للإلحاق في النوع الأخير إلا: القياس.
واختلفوا في السابقين:
فقال المحققون - منا -: إنه بالقياس - أيضا -.
وقال كثير - منا -: إنه بالدلالة اللفظية في الأول، دون الثاني.
وقالت الحنفية: إنه في الثاني بالاستدلال، دون القياس، أي هو استدلال على تحرير المناط، وحذف الخصوصية عن درجة الاعتبار، ولذا أثبتوا به الحدود والكفارات مع أنها لا تثبت بالقياس.
لنا:
(أ) أنه لا يدل عليه لغة، وهو ظاهر، والنقل خلاف الأصل.
стр. 613
(ب) أنه لو كان لفظيا لما توقف الإلحاق على معرفة مقصود الكلام.
ولما حسن من الملك المستولي على عدوه منع الجلاد من سبه وإهانته دون قتله.
لهم:
(أ) تبادر تعميم الحكم عند إسماع نصه.
(ب) أنهم يفرعون على صيغته عند إرادة التاعبير عنه، فقالوا: في الفرس السبيق: لا يلحق غباره، وفي الفقير: لا سبد له ولا لبدا، ولا يملك النقير ولا القطمير، فهي مفيدة.
(ج) أنه قال به من لم يقل بالقياس.
(د) أنه معلوم الثبوت، ولو منع الشارع من القياس.
(هـ) أنه لا يشترط في القياس أن تكون العلة أشد مناسبة للحكم في الفرع، والفرع في القياس غير مشتمل على الأصل، ولا الأصل جزء منه.
(و) قولهم: فلان مؤتمن على القنطار، ولا يملك حبة، يفيد أنه مؤتمن مطلقا، وأنه لا يملك شيئا. فكذا غيرهما، إذ الأصل الحقيقة الواحدة.
وأجيب:
عن (أ) و (ب) بأنه للمعنى والقصد، لا اللفظ، وستعرف سنده.
وعن (ج) أن الخلاف ليس في القياس اليقيني.
وعن (د) منع أنه معلوم، بتقدير المنع عن اليقيني، وبتقدير المنع عن الظني لا يضر تسليمه.
وعن (هـ) و (و) أن ذلك في مطلق القياس، وما نحن فيه قياس خاص، فإن ادعى ذلك في كل فرد منه: منعناه.
وعن (ز) بمنعه، إذ يمنع إفادته لما فوقه ودونها، ثم النقل خلاف الأصل، فيقتصر في محل الضرورة.
والحق: أن يقال: إنه إن أريد بدلالته لفظا أنه يدل عليه مطابقة أو تضمينا فباطل، لما سبق، وإن أريد به أنه يدل عليه بفحواه فحق، والوجوه الثالثة لا تنفيه.
وهو لا ينافي كونه قياسا، إذ الخاص لا ينافي العام
стр. 614
ولنا:
على الحنفية: أن حد القياس منطبق عليه، فهو منه.
لهم:
القياس شرعا لتسوية خاصة، وهي لا تعقل إلا: بين الشيئين، وما نفي فيه الفارق شيئا واحدا، فلا يعقل فيه القياس.
وأجيب:
أنه إن نظر إلى اتحاد العلة فجميعه كذلك وإلا: فهما مختلفان قطعا. ولا ننزاعهم في التسمية، بل في المعنى، إذ أجروه في الحدود والكفارات دون القياس.
مسألة
من شروط حكم الأصل:
أن يكون ثابتا، فلو زال بنسخ لم يصح القياس عليه، لفساد الجامع. وأن يكون شرعيا، فلو كان لغويا أو عقليا، لم يكن القياس شرعيا، وكلامنا فيه.
وإن يكن طريق معرفته شرعيا، إذ لو كان عقليا لكان طريق معرفته في الفرع - أيضا - كذلك، فيكون القياس عقليا.
ورد: بمنع الثانية، إذ معرفة حكم الفرع لا تتوقف على معرفة حكم الأصل فقط، بل عليه، وعلى غيره، فلم يلزم ذلك. وأن يكون ثابتا بالقياس. خلافا للبصري، وبعض المعتزلة، والحنابلة.
لنا:
أنه تطويل من غير فائدة، أو تعليل الحكم بمستنبطين، أو عمل بمناسبة من غير اقتران في محل الوفاق.
стр. 615
ولأن الحكم في أصل الفرع إنما ثبت بالموجودة فيه وفي أصله، و - حينئذ - يمتنع تعليله بالموجودة فيه، وفي الفرع لأن عليتها إنما تعرف بعد ثبوت ذلك الحكم فيه بعلة أخرى، فلا أثر له. هذا إذا كان حكمه ممنوعا عند الخصم، مقبولا عند المستدل فإن انعكس الأمر صح القياس، إن كان الغرض منه الإلزام، وإلا: فلا. وقيل: لا يصح مطلقا، لأن حاصل الإلزام يرجع إلى إلزام الخصم فالتخطئة في الفرع بإثبات خلاف حكمه، ضرورة تصويبه في تعليل حكم الأصل بالوصف المذكور، وليس هذا أولى من العكس.
و- أيضا - يتضمن اعترافه بالخطأ في الأصل.
وأجيب:
عن (أ) أن إبطال عدم الحكم في الفرع على تقدير تعليل حكم أصله بالوصف بعدم القائل بالفصل - غير آت في الأصل.
سملناه، لكن الكلام الآن في الفرع، دونه، وإن كان دليل الإبطال مشتركا.
وعن (ب) أن اعترافه بالخطأ في نفسه ممنوع، إذ الكلام حيث يكون المقصود الإلزام، وفي زعم الخصم لا يضر.
وأن لا يكون دليل الأصل دليل الفرع، لئلا يلزم الترجيح من غير مرجح. وفيه نظر، لأن كونه متفقا عليه يوجبه فالأولى: أن يعلل باستدراك زيادة المقدمات. وأن لا يكون حكم الأصل متأخرا عن حكم الفرع، كقياس الوضوء على التيمم في اشتراط النية.
وهذا حق إن لم يكن للفرع دليل سواه، للزوم تكليف ما لا يطاق، وإلا: فجائز، لجواز ترادف الأدلة.
وأن يكون حكمه متفقا عليه، لئلا يلزم الانتقال.
وشرط بعضهم: أن يكون كذلك بين الأئمة.
والمتفق عليه بين الخصمين - فقط - سموه بـ (القياس المركب).
والأصح: أن القياس المركب أخص منه، وهو ما يكون كذلك لعلتين، كعدم الوجوب في حلي الصبية.
стр. 616
وأن لا يكون حكمه خارجا عن قاعدة القياس.
ونعني به تارة: كونه غير معقول المعنى، وتارة: كونه مقتطعا عن أصول أخر، ومستثنى عنها. وإن عقل معناه فالذي وجد فيه الأمران: فهو خارج عن القياس، باعتبارين، وأن ما لم يوجد فيه شيء منهما لم يكن منه بوجه ما.
ثم الذي يعقل معناه، ولم يقتطع من أصول أخر، قد يوجد معناه في غيره، فيقاس عليه، وتارة لم يوجد فيتعذر القياس عليه لفقد الفرع، لا لخروجه عن قاعدة القياس.
وكلام الغزالي يشعر بكونه منه، وهو تجوز بعيد، لما ستعرف.
أقسام ما يقاس عليه وغيره خمسة:
(أ) ما شرع ابتداء من غير أن يقتطع عن أصول أخر، ولا يعقل معناه كأعداد الركعات، ونصب الزكاة.
قال الغزالي: وتسميته بالخارج عن القياس مجازا، إذ لم يسبقه عموم قياس يمنع منه، ولا استثني عن أصول أخر (بل) معناه أنه ليس بمنقاس.
(ب) ما شرع على وجه الاستثناء، والاقتطاع، ع القاعدة العامة ولا يعقل معناه فيمتنع عليه القياس، ولا شك أن تسميته به حقيقة، وهو كتخصيص خزيمة بقبول شهادته وحده، وأبي بردة بجواز التضحية بالعناق.
(ج) مثله، لكنه معقول المعنى، كتجويز بيع الرطب بالتمر في العرايا، فإنه للحاجة،
стр. 617
فيقاس العنب عليه، وكرد المصراة ورد صاع من التمر معها بدل اللبن، فيقاس عليه لو ردها بعيب غير التصرية، وهذا القسم يشبه أن يكون هو المختلف فيه:
فالأكثرون - منا - وبعض الحنفية: على جواز القياس عليه مطلقا. ومنع الكرخي منه، إلا: أن تكون علته منصوصة كقوله: (إنها من الطوافين والطوافات)، أو أجمع على تعليله، وإن اختلف في علته، ويلزمه أن يجوز قياس الكلام ناسيا على الأكل ناسيا، للإجماع على تعليله بعذر النسيان، أو يكون القياس عليه موافقا لأصول أخر، كالتخالف في البيع، ولذلك قيس الإجازة عليه.
والإمام ذكر في ذلك تفصيلا، وقال: الحق أن دليل ما ورد بخلاف قياس الأصول، إن كان مقطوعا به، جاز القياس عليه، كالقياس على غيره، ثم يرجح المجتهد أحدهما.
ويؤكده: أنه إذا لم يمنع العموم من قياس يخص فأولى، أن لا يكون عموم القياس مانعا، إذ العموم أقوى منه. فإن قيل: الخبر يخرج من القياس ما ورد فيه، فيبقى الباقي.
قلنا: إذا علم خروجه، خرج ما يشاركه، وليس شبهة الأصل أولى من شبهة لآخر، لا المنفصل.
وإن لم يكن مقطوعا به، ولا العلة منصوصة، ترجع القياس على الأصول للعلم بطريق حكمه، فلا معارضة، وإن كانت تساويا إن كان النص قطعيا، إذ العلم بطريق حكمه، فلا معارضة، وإن كانت تساويا إن كان النص قطعيا، إذ العلم بطريق حكمه يعارضه العلم بطريق
стр. 618
العلة، ولا ترجح القياس على الأصول، لما سبق. وفيه نظر، ذكرناه في (النهاية).
والأولى: أن يقال في ذلك: إن ما ثبت على خلاف الأصول، أو عقل معناه جاز القياس عليه، إن لم يظهر قصد التخصيص بالمحل، ولم يترجح قياس الأصول عليه، لأنه حكم شرعي معقول المعنى، معلل به، كغيره، وإلا: فلا، لعدم الصلاحية أو لوجود المعارض الراجح.
(د) ما شرع ابتداء، وهو غير منقطع عن الأصول، معقول المعنى، لكنه عديم النظير، فلا تعليق عليه، لتعذر الفرع كرخص السفر المعللة بمشقة السفر، وكشرعية القسامة، المعللة بشرف الدم، لا لكونه خارجا عن القاعدة.
نقول من يقول: إن تأقيت الإجازة على خلاف قياس الأصول، كالبيع والنكاح، إذ ليس جعل أحدهما أصلا والآخر خارجا عنه أولى من العكس - ضعيف، إلا: إن أريد به أنه خلاف الغالب، فلا شك أنه كذلك.
(هـ) ما شرع ابتداء من غير اقتطاع عن آخر، وهو معقول المعنى، وله نظير، فهذا يجري فيه القياس وفاقا.
مسألة
ليس من شرط الأصل أن يقوم دليل على جواز القياس عليه لأدلة القياس، ولأنه ينفي القياس مطلقا، لعدم وجدان دليله في الشرع.
وقيل: به، فإن أريد به خصوصية الشخصية، فباطل قطعا، أو النوعية، فيقتضي الترجيح من غير مرجح.
ولا الإجماع على تعليل حكمه، أو التنصيص على علته. خلافا للمريسي.
стр. 619
ولا لعدم كونه محصورا. خلافا لقوم.
لنا:
أدلة القياس.
قالوا: الدليل ينفي اتباع الظن، ترك العلم به فيما بعض مقدماته قطعي، لقوته، فيبقى الباقي على الأصل. والقياس على المحصور يبطل الحصر.
أو لأن العدد حجة، وهو كقوله: "خمس يقتلن في الحل والحرم ... " لا لحديث (الربا).
في الأشياء الستة.
وأجيب:
عن (أ) بما سبق غير مرة.
وعن (ب) بمنع أن الحصر مدلوله.
стр. 620
وعن (ج) بمنع أنه حجة.
مسألة
شرط الحكم أن يكون شرعيا، لم يتعبد فيه بالعلم، لما سبق، ولئلا يلزم تكريف ما لا يطاق.
مسألة
اختلفوا في إثبات النفي الأصلي بالقياس.
والحق: جوازه بقياس الدلالة دون غيره، إذ السابق لا يعلل باللاحق، وهو إنما يتم، إذا لم يجعل عدم العلة علة العدم، وأن لا تكون العلة مفسرة بالمعرف.
والطارئ يثبت بكل وفاقا.
وأجيب:
عن (أ) التأخر لا ينافي العلة، بمعنى المعرف، ثم إن التعليل بالحاجة إليها.
وعن (ب) ما سيأتي:
وعن (ج) بمنعه، إذ يجوز أن تكون معللة بالوصف، والتسلسل غير الزم، لأنا لا نوجب التعليل، سلمناه، لكن الاستدراك ممنوع، إذ التعليل بها، وإن كان جائزا، لكن التعليل بالوصف، لكونه أظهر وأضبط أولى إجماعا، ثم لا يلزم من عدم جواز تعليل الحم بها للاستغناء عنها بالوصف، عدم جواز تعليل السببية بها، لعدم الاستغناء عنها، سلمناه، لكن لا يلزم ذلك إذا كان المراد من الحكم غير السببية.
وعن (د) يمنع لزوم أن لا يبقى السبب سببا، بل اللازم منه أن المشترك سبب السبب، ولا يلزم منه ذلك، سلمناه، لكن إذا كان المراد من كونه سببا أنه مشتمل عليه، لم يمتنع ذلك، ثم لا يلزم من عدم مناسبته للحكم أن لا يصلح لعلية السببية.
стр. 621
مسألة
يجري القياس في الحدود والكفارات والرخص والمقدرات خلافا للحنفية.
لنا:
(أ) ما تقدم.
(ب) اجتهدت الصحابة في حد شارب الخمر من غير نكير.
لا يقال: مسائل هذه الأبواب لا يعقل معناها، فتكون الأدلة مخصوصة بالنسبة إلها، كما فيما لا يوجد فيه أركانه وشرائطه. لأنا لا نقول به إلا: بعد حصوله، فإن أنكرتم إمكانه ففساده بين، وإن أنكرتم حصوله، فهو يرفع النزاع الأصولي، إذ هو لا يجوزه فيها وفي غيرها، إلا: بعد حصول أركانه وشرائطه، فلا فرق بينهما ولأن المناسبة مع الاقتران دليل العلية، وقد يجد في بعضها ذلك، فيغلب على الظن عليته.
لهم:
(أ) قوله ﵇ (ادرؤوا الحدود بالشبهات).
والقياس لا يفيد اليقين، فتحصل الشبهة.
(ب) مدار القياس على الجمع بين المتماثلات، والفرق بين المختلفات، كما سبق، والحدود والكفارات على خلافه، إذ القذف بالزنا يوجب الحد، دون الكفر، والسرقة توجب القطع، دون مكاتبة الكفار بما يطلع على عورات المسلمين، والقتل يوجب الكفارة دون الكفر، والظهار يوجبها، وهو دونه ودون الشهادة بالزور في الفروج والدماء، وهي لا توجبها.
(ج) الرخص منح من الله تعالى، فلا يعدل بها عن مواضعها.
(د) الحدود والكفارات خلاف الأصل، فلا يقاس عليها.
وأجيب:
стр. 622
عن (أ) بالنقض بخبر الواحد وبالقصاص، فإنه يسقط بالشبهة، مع أنه يجوز إثباته بالقياس، ثم إن العمل بالقياس لما كان معلوما، لم يحتمل الخطأ فيه.
وعن (ب) ما تقدم في شبهة النظام.
وعن (ج) بمنعه، إذا عقل معناها، ثم النقض بالشرائع بأسرها، فإنها منح من الله تعالى.
وعن (د) بمنعه، ثم بمنع أنما يكون على خلاف القياس لا يجري فيه القياس.
اعلم أن الشافعي ﵁ بين مناقضتهم في هذا الباب بما أنهم أوجبوا الرجم بشهود الزوايا بالاستحسان، مع أنه مخالف للعقل.
وقاسوا الإفطار بالأكل على الوقاع، وقتل الصيد ناسيا على قتله عامدا، مع تقييد النص به.
وفيه نظر، إذ الاستحسان والاستدلال عندهم أقوى من القياس.
وأما المقدرات: فكنصب الزكاة، وقياسهم في تقدير الدلو والبئر مشهور.
وأما الرخص: فقاسوا فيها، حتى انتهوا في الاستنجاء إلى نفي استعمال الأحجار، وحكموا بأن مقدار محل الاستنجاء معفو من كل النجاسات، وقاسوا العاصي بسفره على المطيع مع أن القياس ينفي ترخصه، إذ الرخصة إعانة، والمعصية لا تناسبها، هذا إن أثبتوه بالقياس وإلا لم يرد عليهم ذلك.
مسألة
يجوز إثبات أصول العبادات بالقياس. خلافا للحنفية والجبائي، وبنوا عليه أنه لا يجوز إثبات الصلاة بإيماء الحاجب بالقياس.
لنا:
أدلة القياس، والقياس على سائر الأحكام، بجامع المصالح الناشئة من القياس، ولأنه (إن) لم يجز، لأن المعتبر فيه القطع، فممنوع، ومنتقض بالوتر وبخبر الواحد، وعدم قبوله بعيد، وإنما يجب على الرسول ﵇ إبلاغه إلى حد التواتر، أن لو شرط فيه القطع، وهو ممنوع أولا له، بل يكتفي فيه بالظن: فتحكم.
стр. 623
لا يقال: لو اكتفى بالظن في أصول العبادات لم يمكن القطع بعدم وجوب ركن آخر - لأن القطع للعادة، والجواز العقلي غير مناف له، ولأنه يمكن بالإجماع.
قالوا: جواز القياس فيها يقتضي جواز إثبات عبادة، قياسا على غيرها، بجامع المصالح الناشئة من فعلها. قلنا: هو تشريع لا قياس.
مسألة
الأمور العادية والخلقية، كأقل الحيض وأكثره، وأقل مدة الحمل وأكثره، وما يطلب فيه العلم، وما لا يتعلق به عمل - لا يجري فيها القياس، إذ لا يفيد إلا: الظن، وهو غير مطلوب في بعضها وغير محصل له في البعض الآخر.
مسألة
يمكن إثبات أحكام الشرع بأسرها النص على الكليات، بحيث لا يشذ جزء منها, دون القياس، إذ لا بد فيه من الأصل، فحكمه: إن ثبت به فدور أو تسلسل، وإلا: فبنص.
و- أيضا - فيها تعبديات فيمتنع ذلك. قالوا: الأحكام متماثلة، وحكم الشيء حكم مثله.
قلنا: تماثلا جنسيا، وهو غير لازم فيه.
مسألة
القياس مأمور به، لما سبق، وليس بمباح إجماعا.
وإن قيل: الأمر حقيقة فيه، فهو واجب، إما عينا كما في حق مجتهد تعين عليه الاجتهاد بالنسبة إلى نفسه، أو غيره، أو كفاية كما في حق مجتهدين نزل بمكلف بينهم الواقعة، أو ندب كما هو فيحقهم قبل نزول الواقعة.
وهل يوصف القياس بكونه دينا: -
ثالثا: الجبائي: أنه يوصف به إذا كان واجبا، دون ما إذا كان ندبا.
والحق: أنه إن عني به أن اعتقاد التعبد به معتبر في الدين، كما في الأركان الخمسة فليس كذلك، إذ لا يكفر جاحده، وإن عنى به أنه مشروع فيه، فهو كذلك.
стр. 624
خاتمة:
الأكثر على صحة القياس في العقليات. خلافا للحشوية والظاهرية، ومنكر النظر.
ومنه إلحاق الغائب بالشاهد. ولا بد فيه من جامع، وإلا: تحكم، كقوله المشبه: فاعل، فهو على شكل وصورة، كما في الشاهد، وكقياس المعطلة ليس في جهة ولا مكان ولا متصل ولا منفصل، ولا داخلا ولا خارج، فوجب أن لايكون كما في الشاهد.
وهو:
أما العلة: كقولنا: علة صحة الرواية شاهدا الوجود، فكذا غائبا. أو الحد، كقولنا: حد العالم شاهدا من له العلة.
أو الشرط، كقول المعتزلة: شروط صحة الرؤية شاهدا المقابلة أو حكمها.
أو الدليل: كقولنا: الأحكام شاهدا دليل العلم، وما مثل به الإمام في الأول والثالث: فغير صحيح، إذ هو جمع بالمعلول والمشروط لا بالعلة والشرط.
ثم المحققون: على أنه ظني، إذ الجمع بالعلة أقوى الكل، وهو غير مفيد للقطع، لتوقفه على القطع بالعلة، وبحصولها في الفرع مع ما لا بد منه في الحكم، وحصوله متعذر لاحتمال أن ما به يمتاز الفرع عن الأصل - شرط او مانع وله فرض على الندور حصل القطع.
ثم عينوا بالعلة:
- بالدوران الذهني، كالعلم بكون الخطاب أمرا بالمحال، مع العلم بقبحه، ومنعت إفادته الفطع، إذ ليس بديهيا، فلا بد من إقامة الدليل عليه، ثم إنه منقوض الإصافات، ثم لا نسلم أنه يفيد العكس، ثم لا نسلم أنه يفيد عدم علية تلك الصفات.
وما قيل: إن العلم بالعلة علة العلم بالمعلول، ففيه نظر عرف في موضعه وبالخارجي، وقد سبق الكلام فيه. وبالتقسيم المنتشر، وهو بناء على أن عدم الوجدان بعد البحث الشديد يدل
стр. 625
على العدم، كالمبصر إذ نظر بالنهار في (جميع جوانب) الدار، فلم يبصر، فإنه يجزم بعدمه.
وأورد: بأن عدم الوجدان لا يدل على العدم، ثم هو قياس من غير جامع، ثم بالفرق، ثم إنه إثبات للقياس بالقياس.
مسألة
القدح في العلة بأنها بمعنى (المؤثر لذاته) - باطل: لبطلان التحسين والتقبيح. ولقدم الحكم وحدوثها. ولامتناع أن يكون العدم علة الوجود، مع أن ترك الواجب سبب للعقاب.
ولا نسلم ملازمة فعل الضد له، إذ يجوز خلو القادر عن فعل الشيء وضده على رأي، ثم المستلزم له بالذات الترك. وبالعرض الفعل، والعلة هو المستلزم بالذات، ولجواز اجتماع العلل الشرعية على معلول واحد، وكذا بمعنى: (الباعث): لأن ذلك في حق الله (تعالى) محال، لأن كل من فعل فعلا لغرض، فلا بد وأن يكون حصوله أولى له، وإلا كلميكن غرضا، والعلم به ضروري و- حينئذ - حصول تلك الأولوية لله تعال متوقفا، على أمر خارجي، وهو ممتنع.
وما يقال: بأنه أولى بالنسبة إلى غيره لا يدفعه، لأن التقسيم المذكور آت فيه.
وأيضا - العلم الضروري حاصل بعد الاستقراء: إنه لا غرض إلا: للذة، أو دفع الألم. أو ما يكون إليهما، وما امتنع ذلك على الله تعالى امتنع الغرض في حقه تعالى. ولأن فعله لو كان لغرض، لم يكن قادرا عليه بدونه، لأن العلة الغائبة علة لعلة الفاعلية، فيلزم من عدمها عدمها. وكذا بمعنى: (المعرف). إذ لا تعرف حكم الأصل، لأنه معرف بالنص، وحكم الفرع معلل بالمشترك بينهما.
ودفع: بأنه بمعنى: (الموجب)، لا لذاته، بل بجعل الشارع. وقد عرف جواب ما اعترض عليه الإمام.
أو بمعنى: (المعرف للحكم في الفرع)، وهو وإن كان معللا بالمشترك بينهما لكن يعرف
стр. 626
الحكم في الفرع دون الأصل ولا امتناع فيه.
مسألة
تعرف عليه الوصف: بالإجماع.
وبالنص:
صريحا: كقولنا العلة كذا أو لسبب، أو لموجب، أو لمؤثر أو من أجل كذا، أو ظاهرا: كـ (اللام) قال الله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: آية ٥٦].
ومجيئها لغيره مجازا، كما في قوله: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم﴾ [الأعراف: آية ١٧٩].
وقول الشاعر:
لدوا للموت وابنوا للخراب ... .
وقوله: (أصلي لله). ودخولها على العلة، كقوله: لعلة كذا- لا نيفيه.
لا يقال: الاستعمال معارضن فليس جعله حقيقة في التعليل، مجازا في غيره أولى من العكس - لأن الأول أولى لتصريح أهل اللغة، ولتبادر الفهم إليه، ولإمكان جعله مجازا في الصيرورة، والتخصيص - حينئذ - للزومهما إياه من غير عكس.
و(الباء) كقوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾ [البقرة: آية ٦١]، و ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله﴾ [الحشر: آية ٤].
وقول الإمام يشعر بأنها مجاز فيه، لأنها للإلصاق، ولما حصل ذلك بين العلة والمعلول، حسن دخولها في التعليل مجازا. وهو مخالف لنقل غيره.
و(إن) كقوله ﵇ (إنها من الطوافين والطوافات) و (إنها دم عرق
стр. 627
انفجرت).
و(كي): قال الله تعالى: ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء﴾ [الحشر: آية ٧]، والإيماء والتنبيه: وهو يدل من جهة المعنى، فتكون دلالته التزامية، وهو أنواع:
(أ) ذكر الحكم مع (الفاء) بعد الوصف، كقوله تعالى: ﴿فاقطعوا﴾ [المائدة: آية ٣٩]، ﴿فاجلدوا﴾ [النور: آية ٢]. وقوله ﵇ (من أحيا أرضا ميتة فهي له). ويأتي في كلام الراوين كقوله: (سهى رسول الله ﷺ فسجد)، وزنا ماعز فرجم.
(ب) عكسه، قوله: (لا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا).
والأول أقوى، لأن إشعار العلة بالمعلول أقوى من العكس. وما كان منه في النص أقوى
стр. 628
من الذي في كلامه الراوي، إذ يتطرق إليه ما لا يتطرق إلى النص، وكلام الراوي الفقيه أولى من غيره. واستدل على عليته: بأنه يثبت الحكم عقيبه بـ (الفاء) التعقيب، فيكون سببا له، إذ لا معنى له إلا: ذلك.
وأورد: بأن كل سبب تعقبه الحكم، ولا عكس، إذ المحجية الكلية، لا تنعكس كنفسها، ويؤكده: أنه يعقب ما يلزم السبب ولا علية. ودلالتهما ظاهرية، لتخلف الحكم عنه، (حيث تكون الفاء بمعنى (الواو).
(ج) أن يحكم الرسول ﵇ على السائل بعد علمه بوصف فيه، فيظن أنه علة الحكم، كما في حديث كفارة الوقاع، لأنه يصلح أن يكون جوابا له، فيكون جوابا له، إلحاقا بالأعم والأغلب ولأنه لو لم يكن جوابا له لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة، و - حينئذ - يكون السؤال معادا في الجواب، فهو كما لو ذكر وصفا ورتب عليه حكما، لكنه أضعف منه.
واحتمال علمه بعدم احتياجه - إذ ذاك - بعيد، وما يذكر عقيب السؤال قد يكون جوابا آخر، وقد يكون زجرا عنه، وابتداء كلام منه، ولكنه نادر.
وما يقع منه في كلام الراوي فهو حجة، لأن كون الكلام جوابا عن السؤال أمر ظاهر، فالظاهر من حاله: أنه لا يجزم به ما لم يعرف كونه جوابا قطعا، لكنه أضعف مما يقع منه في كلام الشارع لما سبق.
(د) ذكر الحكم مع وصف لو لم يكن علة، لما كان في ذكره فائدة - يفيد ظن عليته، صيانة لكلام الشارع عن أن يكون (لغوا) وهو: - كقوله: "إنها من الطوافين أو الطوافات عليكم"، وكقوله: "تمرة طيبة وماء طهور".
وقوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقالوا: نعم، فقال: "فلا إذا"، وهو يزيد على ما قبله من حيث إنه ترتيب الحكم بـ (الفاء)، ولاقترانه بـ (إذا)، وهو من حروف التعليل. وقوله: "أرأيت لو تمضمضت". الحديث، وقوله: "أرأيت لو كان على أبيك على ... " الحديث.
وقيل: حديث القبلة ليس منه، إذ ليس فيه ما يتخيل مانعا، بل غايته أن لا يفسد، بل هو
стр. 629
نقض لما توهمه عمر ﵁ من إفساد مقدمة الإفساد. وفيه نظر.
وما ذكرناه من النصوص أمثله الأقسام النوع المذكور.
(هـ) التفريق بين الشيئين في الحكم بذكر صفة، يدل على عليته، لما سبق، وهو: إما في خطابين، كقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله﴾ [النساء: آية ١١]، وقوله ﷺ "القاتل لا يرث".
أو في خطاب: بلفظ الشرط، كقوله: (إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يدا بيد).
أو الغاية: (حتى يطهرن) [البقرة: آية ٢٢٢]. أو الاستثناء كقوله: ﴿إلا أن يعفون﴾ [البقرة: آية ٢٣٧]. أو الاستدراك، كقوله ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾ [المائدة: آية ٨٩]. أو بلفظين مستقلين كقوله: (للراجل سهم وللفارس سهمان).
(و) منع فعل ما يمنع الواجب الذي سبق الكلام له - يشعر بأن علة منعه كونه مانعا منه، صيانة لركاكة الكلام، كقوله: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ [الجمعة: آية ٩].
(ز) ترتيب الحكم على المشتق يدل على علية المشتق منه.
فروع:
(أ) في اشتراط المناسبة في علية المومى إليه.
ثالثها: الاشتراط في الأخير.
المشترط:
стр. 630
(أ) لو لم يكن الخالي عنها علة، فيلزم عدمها مطلقا، أو علية غيره، وهما باطلان، إذ الحكم لا لغرض عبث، وهو على الشارع محال، ولأن الحكم مع علته أكثر فائدة، فيحمل عليه تصرفه، والأصل عدم علية غيره.
وأورد:
بأنه منقوض بالنسبة إلى الشرائط المتفق عليها.
وأجيب:
بأنه ترك مقتضاه للإجماع، فيبقى في غيره على أصله.
(ب) أنه يقبح: أكرم الجاهل، وأهن العالم، ولا ذاك إلا: لفهم عليتهما لهما، إذ الجاهل يستحق الإكرام لنسب وغيره، والعالم يستحق الإهانة لفسق أو غيره، وجعلهما مانعين يقتضي أن لا يجوز التصريح بهما كغيرهما.
(ج) أنه يفهم السببية في مثل: (من مس ذكره فليتوضأ) مع عدم تعقل المناسبة.
ثم ظاهر الإيماء قد يترك لمانع، كما في قوله ﷺ (لا يقضي القاضي وهو غضبان)، لتخلف الحكم عن مسماه، وحصوله في غيره، لكن حسن إطلاقه لإرادة ما يشوش فكره، تسمية للمسبب باسم السبب.
(ج) يكون للنص إيماء فيما ذكر الحكم والوصف صراحة. فإن ذكر الحكم صراحة والوصف مستنبط، فلا إيماء له وفاقا. وقيل: بخلاف فيه، وهو بعيد.
أو عكسه، كالصحة المستنبطة من حل البيع والنكاح، فالأظهر: أن له إيماء، إذ الصحة لازمة للحل، فالدال عليه مطابقة دال عليها التزاما، فيكون للنص إيماء إليه، كالمذكورين صراحة.
وقيل:
بنفيه قياسا على عكسه.
وأجيب:
بمنع الجامع، ثم بالفرق، وهو: أن وجود الصف غير لازم من الحكم ولا مناسبة له، لثبوته قبل الشرع فلم يكن للدال على الحكم دلالة عليه، لا مطابقة ولا التزاما.
стр. 631
وفيه نظر إذ الدلالة الالتزامية خاصلة من الجانبين، لما بينهما من ملابسة العلية والمعلولية.
مسألة
المناسبة الملائمة، يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة، وهذه العمامة تناسب هذه الجبة.
وفي الاصطلاح:
(إنه الملائم لأفعال العقلاء عادة). ومن علل أفعال الله تعالى عرفها: (بأنه الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وإبقاء). وهو للمناسب، فيعم اللذة والألم، ووسائلهما. وتصورهما بديهي، لأنهما أظهر ما يجده الحي من نفسه، ويفرق بالضرورة بينهما وبين كل واحد منهما، وبين غيرهما.
وقيل: اللذة: إدراك الملائم والألم ضده، وفيه نظر.
وقيل:
(المناسب: ما لو عرض على العقول، تلقته بالقبول).
وأورد:
أنه إن أريد به القبول في كل شيء لم يثبت، أو البعض معينا: لزم الإجمال، أو مطلقا: لزم مناسبة كل شيء لكل شيء.
وأجيب:
بأنه كذلك بالنسبة إلى المطلوب.
وأورد:
العقول مختلفة، ليس البعض أولى من البعض.
وبنى عليه قائله تعذر إثبات العلة على الخصم، وقال: المناسبة تفيد الناظر، إذ لا يكابر
стр. 632
نفسه، دون المناظر، إذ قد يكابر، ولا يظهر حتى لا يخرج عن أهليته.
وأجيب:
أن ذلك لا يوجب الرد، كما في أكثر الأدلة، ثم المعتبر العقول السليمة عن الزيع، كما في غيره، ثم كونه بحيث يتعذر إثباته على الخصم لا يوجب رده (كما) في اعتبار التواتر بحصول العلم.
وقيل:
(المناسبة: مباشرة الفعل الصالح لحكمة، أو مصلحة). وعلى رأي من لا يعلل: (صلاحية الفعل لحكمة أو مصلحة).
وقيل: (المناسب وصف ظاهر منضبط، يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم نفيا أو إثباتا).
ونقض:
يلازم المناسب، ثم هو دور، إذ ترتيبه على وفقه لا يعرف إلا: بالمناسبة. ثم هو غير جامع، إذ التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائز، ولا وصف.
مسألة
إذا ثبت الحكم للمناسبة، لمصلحة أو دفع مفسدة: إما قطعا، كصحة البيع للملك، وفساده لجهالة الثمن، لدفع المنازعة.
أو ظنا: كوجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، لبقاء النفوس ووجوب حد الزنا لدفع مفسدته. أو يستوي فيه الأمران: كوجوب حد الشرب، لصيانة العقل، ووجوب التعازير في الصغائر، التي تدعو النفس إليها، لتقاوم الفريقين، وهذا لو سلم، فللتهاون في إقامة الحد والتعازير. أو الحصول، أو الاندفاع مرجوح، كشرعية نكاح الآيسة، لمصلحة التوالد، والحكم يرد الشهادة، بتكثير اللعب بالشطرنج، لدفع المفسدة الناشئة من قليله. ولا تخفى مراتبها في القوة والضعف.
ولا خلاف بين القائسين في الأولين، واختلفوا في الباقين. والأصح: الجواز إذا كان الحكم في أكثر أفراده مفضيا إلى المقصود، لوجوده في الشرع، كنكاح الآيسة، والترخيص برخص
стр. 633
السفر للمترفة.
فأما إذا قطع بنفيه: فلا. خلافا للحنفية.
وهو كلحوق النسب بالمشرقي من زوجته التي بالمغرب من غير اجتماع، ولا مظنة، وكوجوب الاستبراء على التي اشتريت في مجلس بيعها، لعدم مظنة الإفضاء.
مسألة
في تقسيم المناسب:
(أ) وهو إما إقناعي، وهو: (ما يظهر مناسبته في أول الوهلة، لا عند التفتيش)، كما يقال: لا يصح بيع الأعيان النجسة لأنها تناسب الإذلال، وتجويز البيع إعزاز، فالجميع بينهما تناقض، لكن معنى النجاسة: أنه لا تصح الصلاة معها، ولا مناسبة بينه وبين المنع من البيع.
إما حقيقي لا يختلف، وهو: إما لمصلحة دنيوية: في محل الضرورة، كحفظ النفس والمال والنسل والنسب والدين، والعقل، بتحريم القتل، والغصب والسرقة والاختلاس، واللواط والزنا، والارتداد وقتال الكفار، والمسكر، وترتيب الزواجر عليها. أو مكملة لها: كتحريم البدعة، وشرب قليل المسكر، والنظر واللمس، وترتيب الزواجر على ذلك. أو في محل الحاجة كتمكين الولي من تزويج الصغيرة وكتقييد الكفو، أو مكملة لها، كرعاية الكفاءة، ومهر المثل في تزويجها.
أولا لهمان كالتحسينات، كتحريم تناول القاذورات، والمستقبحات، وسلب أهلية الشهادة عن العبيد، لا كسلب ولايته على من يلي أمره، لو كان حرا. ومنه ما يعارض قاعدة معتبرة، كشرعية الكتابة.
أو دينية: كرياضة النفس، وتهذيب الأخلاق، لتزكية النفوس عن الرذائل، وتحليتها
стр. 634
بالفضائل.
أولهما: كإيجاب الكفارات، إذ يحصل به الزجر، وتكفير الذنب، وتلافي التقصير.
ثم من هذه الأقسام: ما يظهر أنه منه، أو ليس منه، أو لا يظهر واحد منهما، كوجوب القصاص بالمثقل ووجوبه بغرز إبرة لا تعقب ألما، ولا ورما، وقطع الأيدي بيد.
(أ) المناسب ثلاثة: معتبر، وملغي، ومجهول الحال والمعتبر: إما بحسب خصوصه، أو عمومه، أو هما، في خصوص الحكم، أو عمومه أو فيهما، تسعة، وجد منها خمسة:
(أ) ما عرف اعتبار خصوصه وعمومه، في خصوصه وعمومه كالقتل بالمثقل في وجوب القصاص، ويسمى بـ (الملائم).
(ب) ما عرف اعتبار خصوصه في خصوصه، كتحريم النبيذ بإسكاره، ويسمى: بـ (الغير الملائم)، و (الغريب)، وهو مختلف فيه بين القائسين، دون الأول.
(ج)، (د) ما ختلف اعتباره، كتقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في النكاح، وكإسقاط القضاء عن الحائض بالمشقة لاعتبارها في سقوط قضاء الركعتين في السفر.
(هـ) ما عتبر جنسه في جنسه فقط، كتعليل وجوب الثمانين في حد الشرب لكونه مظنة القذف، وترجح بكثرة الخصوص وبكونه في جانب العلة.
والملغي: كقول بعضهم لبعض الملوك - لما سأله عن كفارة إفطاره بوقاعه في نهار رمضان - (صم شهرين متتابعين)، تغليظا عليه، وهو غير متلفت إليه، لمخالفة صريح النص، ولأنه يؤدي إلى عدم الثقة بالعلماء.
وما جهل حاله: فهو (ما لا يشهد له أصل بحسب وصف أخص من كونه مصلحة).
ويسمى بـ (المصالح المرسلة). وإذا ضربت أقسام هذا التقسيم في ما قبل، تحصل أقسام كثيرة، يحصل فيها التراجيح.
стр. 635
(ج) المناسب: مؤثر: وهو ما عرف تأثير عين الوصف في عين الحكم، أو جنسه بطريق غير عقلي، وقيل: وبغير إيماء وتنبيه.
أو غير مؤثر:
ملائم هو: ما عرف تأثير جنسه في عينه، أو في جنسه، أو بطريق عقلي غير المناسب، فإن ما يثبت بها هو (المناسب الغريب). أو غير الملائم: وهو إمام ملغي أو مرسل، فإن ثبت عدم مجانسة جنسه القريب، فمردود وفاقا، وإلا: فمختلف فيه.
(د) المناسب: لعاجلية، أو آجلية أولهما معا. والعاجلية: إما تحصل أصل المقصود: ابتداء، كالبيع والنكاح، أو دواما، كشرعية القصاص بالقتل، والقطع العمد العدوان.
أو تكميلية: ابتداء، كاشتراط الطهارة وتوجه القبلة، وستر العورة، أو دواما، كاشتراط عدم الكلام في دوام الصلاة.
مسألة
المناسبة تنخرم بمفسدة تلزم، راجحة أو مساوية. خلافا لقوم، منهم الإمام.
لنا:
(أ) أنه لو لم تبطل لكان تحكما، أو جمعا بين الأحكام المتضادة.
(ب) لا يعد في العقل فعل ما فيه مفسدة، أو راجحة - مصلحة، بل عبثا أو مفسدة، وهو ينفي كونه مناسبا.
(ج) صريح العقل حاكما بأن دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة، واستقراء الشرع يحققه، وهو يغلب ظن انخرامها.
(د) القياس على الدليل المعارض، براجح أو مثله، بجامع عدم إفادة الظن.
(هـ) بديهة العقل حاكمة بأنه لا مصلحة مع مفسدة راجحة عليها أو مثلها.
لهم:
(أ) إن تساويا امتنع إبطال إحداهما بالأخرى، فإن بطلا لزم أن لا يبطلا أو يبطلا، وهو
следующие страницы →