← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18281

الفائق في أصول الفقه

الصفي الهندي

Полный текст (825 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

وفيه نظر إذ الدلالة الالتزامية خاصلة من الجانبين، لما بينهما من ملابسة العلية والمعلولية. مسألة المناسبة الملائمة، يقال: هذه اللؤلؤة تناسب هذه اللؤلؤة، وهذه العمامة تناسب هذه الجبة. وفي الاصطلاح: (إنه الملائم لأفعال العقلاء عادة). ومن علل أفعال الله تعالى عرفها: (بأنه الذي يفضي إلى ما يوافق الإنسان تحصيلا وإبقاء). وهو للمناسب، فيعم اللذة والألم، ووسائلهما. وتصورهما بديهي، لأنهما أظهر ما يجده الحي من نفسه، ويفرق بالضرورة بينهما وبين كل واحد منهما، وبين غيرهما. وقيل: اللذة: إدراك الملائم والألم ضده، وفيه نظر. وقيل: (المناسب: ما لو عرض على العقول، تلقته بالقبول). وأورد: أنه إن أريد به القبول في كل شيء لم يثبت، أو البعض معينا: لزم الإجمال، أو مطلقا: لزم مناسبة كل شيء لكل شيء. وأجيب: بأنه كذلك بالنسبة إلى المطلوب. وأورد: العقول مختلفة، ليس البعض أولى من البعض. وبنى عليه قائله تعذر إثبات العلة على الخصم، وقال: المناسبة تفيد الناظر، إذ لا يكابر

стр. 632

نفسه، دون المناظر، إذ قد يكابر، ولا يظهر حتى لا يخرج عن أهليته. وأجيب: أن ذلك لا يوجب الرد، كما في أكثر الأدلة، ثم المعتبر العقول السليمة عن الزيع، كما في غيره، ثم كونه بحيث يتعذر إثباته على الخصم لا يوجب رده (كما) في اعتبار التواتر بحصول العلم. وقيل: (المناسبة: مباشرة الفعل الصالح لحكمة، أو مصلحة). وعلى رأي من لا يعلل: (صلاحية الفعل لحكمة أو مصلحة). وقيل: (المناسب وصف ظاهر منضبط، يلزم من ترتيب الحكم على وفقه حصول ما يصلح أن يكون مقصودا من شرع ذلك الحكم نفيا أو إثباتا). ونقض: يلازم المناسب، ثم هو دور، إذ ترتيبه على وفقه لا يعرف إلا: بالمناسبة. ثم هو غير جامع، إذ التعليل بالحكمة الظاهرة المنضبطة جائز، ولا وصف. مسألة إذا ثبت الحكم للمناسبة، لمصلحة أو دفع مفسدة: إما قطعا، كصحة البيع للملك، وفساده لجهالة الثمن، لدفع المنازعة. أو ظنا: كوجوب القصاص بالقتل العمد العدوان، لبقاء النفوس ووجوب حد الزنا لدفع مفسدته. أو يستوي فيه الأمران: كوجوب حد الشرب، لصيانة العقل، ووجوب التعازير في الصغائر، التي تدعو النفس إليها، لتقاوم الفريقين، وهذا لو سلم، فللتهاون في إقامة الحد والتعازير. أو الحصول، أو الاندفاع مرجوح، كشرعية نكاح الآيسة، لمصلحة التوالد، والحكم يرد الشهادة، بتكثير اللعب بالشطرنج، لدفع المفسدة الناشئة من قليله. ولا تخفى مراتبها في القوة والضعف. ولا خلاف بين القائسين في الأولين، واختلفوا في الباقين. والأصح: الجواز إذا كان الحكم في أكثر أفراده مفضيا إلى المقصود، لوجوده في الشرع، كنكاح الآيسة، والترخيص برخص

стр. 633

السفر للمترفة. فأما إذا قطع بنفيه: فلا. خلافا للحنفية. وهو كلحوق النسب بالمشرقي من زوجته التي بالمغرب من غير اجتماع، ولا مظنة، وكوجوب الاستبراء على التي اشتريت في مجلس بيعها، لعدم مظنة الإفضاء. مسألة في تقسيم المناسب: (أ) وهو إما إقناعي، وهو: (ما يظهر مناسبته في أول الوهلة، لا عند التفتيش)، كما يقال: لا يصح بيع الأعيان النجسة لأنها تناسب الإذلال، وتجويز البيع إعزاز، فالجميع بينهما تناقض، لكن معنى النجاسة: أنه لا تصح الصلاة معها، ولا مناسبة بينه وبين المنع من البيع. إما حقيقي لا يختلف، وهو: إما لمصلحة دنيوية: في محل الضرورة، كحفظ النفس والمال والنسل والنسب والدين، والعقل، بتحريم القتل، والغصب والسرقة والاختلاس، واللواط والزنا، والارتداد وقتال الكفار، والمسكر، وترتيب الزواجر عليها. أو مكملة لها: كتحريم البدعة، وشرب قليل المسكر، والنظر واللمس، وترتيب الزواجر على ذلك. أو في محل الحاجة كتمكين الولي من تزويج الصغيرة وكتقييد الكفو، أو مكملة لها، كرعاية الكفاءة، ومهر المثل في تزويجها. أولا لهمان كالتحسينات، كتحريم تناول القاذورات، والمستقبحات، وسلب أهلية الشهادة عن العبيد، لا كسلب ولايته على من يلي أمره، لو كان حرا. ومنه ما يعارض قاعدة معتبرة، كشرعية الكتابة. أو دينية: كرياضة النفس، وتهذيب الأخلاق، لتزكية النفوس عن الرذائل، وتحليتها

стр. 634

بالفضائل. أولهما: كإيجاب الكفارات، إذ يحصل به الزجر، وتكفير الذنب، وتلافي التقصير. ثم من هذه الأقسام: ما يظهر أنه منه، أو ليس منه، أو لا يظهر واحد منهما، كوجوب القصاص بالمثقل ووجوبه بغرز إبرة لا تعقب ألما، ولا ورما، وقطع الأيدي بيد. (أ) المناسب ثلاثة: معتبر، وملغي، ومجهول الحال والمعتبر: إما بحسب خصوصه، أو عمومه، أو هما، في خصوص الحكم، أو عمومه أو فيهما، تسعة، وجد منها خمسة: (أ) ما عرف اعتبار خصوصه وعمومه، في خصوصه وعمومه كالقتل بالمثقل في وجوب القصاص، ويسمى بـ (الملائم). (ب) ما عرف اعتبار خصوصه في خصوصه، كتحريم النبيذ بإسكاره، ويسمى: بـ (الغير الملائم)، و (الغريب)، وهو مختلف فيه بين القائسين، دون الأول. (ج)، (د) ما ختلف اعتباره، كتقديم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب في النكاح، وكإسقاط القضاء عن الحائض بالمشقة لاعتبارها في سقوط قضاء الركعتين في السفر. (هـ) ما عتبر جنسه في جنسه فقط، كتعليل وجوب الثمانين في حد الشرب لكونه مظنة القذف، وترجح بكثرة الخصوص وبكونه في جانب العلة. والملغي: كقول بعضهم لبعض الملوك - لما سأله عن كفارة إفطاره بوقاعه في نهار رمضان - (صم شهرين متتابعين)، تغليظا عليه، وهو غير متلفت إليه، لمخالفة صريح النص، ولأنه يؤدي إلى عدم الثقة بالعلماء. وما جهل حاله: فهو (ما لا يشهد له أصل بحسب وصف أخص من كونه مصلحة). ويسمى بـ (المصالح المرسلة). وإذا ضربت أقسام هذا التقسيم في ما قبل، تحصل أقسام كثيرة، يحصل فيها التراجيح.

стр. 635

(ج) المناسب: مؤثر: وهو ما عرف تأثير عين الوصف في عين الحكم، أو جنسه بطريق غير عقلي، وقيل: وبغير إيماء وتنبيه. أو غير مؤثر: ملائم هو: ما عرف تأثير جنسه في عينه، أو في جنسه، أو بطريق عقلي غير المناسب، فإن ما يثبت بها هو (المناسب الغريب). أو غير الملائم: وهو إمام ملغي أو مرسل، فإن ثبت عدم مجانسة جنسه القريب، فمردود وفاقا، وإلا: فمختلف فيه. (د) المناسب: لعاجلية، أو آجلية أولهما معا. والعاجلية: إما تحصل أصل المقصود: ابتداء، كالبيع والنكاح، أو دواما، كشرعية القصاص بالقتل، والقطع العمد العدوان. أو تكميلية: ابتداء، كاشتراط الطهارة وتوجه القبلة، وستر العورة، أو دواما، كاشتراط عدم الكلام في دوام الصلاة. مسألة المناسبة تنخرم بمفسدة تلزم، راجحة أو مساوية. خلافا لقوم، منهم الإمام. لنا: (أ) أنه لو لم تبطل لكان تحكما، أو جمعا بين الأحكام المتضادة. (ب) لا يعد في العقل فعل ما فيه مفسدة، أو راجحة - مصلحة، بل عبثا أو مفسدة، وهو ينفي كونه مناسبا. (ج) صريح العقل حاكما بأن دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة، واستقراء الشرع يحققه، وهو يغلب ظن انخرامها. (د) القياس على الدليل المعارض، براجح أو مثله، بجامع عدم إفادة الظن. (هـ) بديهة العقل حاكمة بأنه لا مصلحة مع مفسدة راجحة عليها أو مثلها. لهم: (أ) إن تساويا امتنع إبطال إحداهما بالأخرى، فإن بطلا لزم أن لا يبطلا أو يبطلا، وهو

стр. 636

المطلوب. (ب) لو لزم من وجود إحدهما بطلان الأخرى لتنافتا وقد بين جواز اجتماعهما في الأول. (ج) إن لم يبق من الراجحة شيء بسبب المرجوحة لزم استواء حالتي التعارض وعدمه، وإن انتفى فهو بقدرها، وإلا: لزم النتفاء بلا سبب، أو الترجيح بلا مرجح، و - حينئذ - يلزم ما سبق، ولأن ما زال ليس أولى به مما بقي، بأن لم ينتف منه شيء، فخلف، على أنه يحصل الغرض، أو ينتفي الكل، فيلزم ما سبق. (د) ترتيب الشارع الأحكام المختلفة على الشيء الواحد، كالصلاة في الدار المغصوبة يفيده. (هـ) أن يحسن في العرف، فيحسن في الشرع، للحديث. (و) العقلاء يقولون في معين: فعله مصلحة، لولا ما فيه من المفسدة، وهو يفيد اجتماعهما. (ز) قد يظهر في الشيء جهتا الحكم وعدمه، وبأيهما حكم المناظر من غير ترجيح، لا يعد خارجا عن مقتضى المناسبة، ولو كانت تبطل بالمعارضة، لما كان كذلك. وأجيب: عن (أ) بمنعه، إذ دفع المفسدة مقدم عن جلب النفع. عن (ب) أن بينهما منافاة الإفضاء إلى المقصود، لا الحصول، وبه وبما سبق خرج الجواب عن (ج). وعن (د) بمنعه، وما ذكر من الصورة ليس مما نحن فيه، فإن النزاع فيما لا ينفك الشيء عنهما. وعن (هـ) بمنع حسنه مطلقا، بل إذا عمل بمقتضى الراجح. وعن (و) أنه لا يفيد أن لا يبطل بالمعارضة، بل يفيد جواز الاجتماع، ولا نزاع فيه. وعن (ز) ما سبق في الخامس. اعلم أن من قال بتخصيص العلة، قال ببقاء المناسبتين ومن لم يقل به اختلفوا فيه. تنبيه: من قال ببطلانها عند التعارض فيعمل بأحديهما بالترجيح، وهو: إما تفصيلي، وليس هذا

стр. 637

موضعه، أو إجمالي، نحو أن يقال: حكم الأصل معلل بالمصلحة الفالنية، وهي راجحة على عارضها من المفسدة، والإلزام أن يكون مضافا إلى المرجوحة أو إلى غير تلك المرجوحة، أو يكون تعبديا، ولا يخفى وجه بطلانها. لا يقال: عدم وجدان وصف آخر بعد البحث والفحص إن دل على عدمه، فعدم وجدان ما به يترجح على معارضها، يدل على عدم رجحانها، وليس أحدهما أولى من الآخر، لأن بحثنا أولى، لانضباط محلة، بخلاف الترجيح، فإنه قد يكون خارجيا. فإن قلت: ظن عدم المرجح: إما مساو له، أو مرجوح، أو راجح، وما يقع على التقديرين من الثلاثة أغلب مما يقع على واحد منها. قلت: بمنع ذلك مطلقا، بل يشترط تساوي تلك التقديرات، وهو ممنوع الحصول. مسألة المناسبة دليل علية الوصف: (أ) لأن الله تعالى شرع الأحكام للمصالح، وهذه مصلحة، فيحصل ظن شرعيته. بيان الأول: (أ) أنه تعالى حكيم إجماعا، والحكيم هو: الذي يكون فعله لمصلحة. (ب) التخصيص بحكم معين، لا لمرجح، أو لمرجح يعود إلى الله، أو لمفسدة تعود إلى العبد، أو لا لمصلحة، ولا لمفسدة ممتنع، فتعين أن يكون لمصلحة تعود إلى العبد. فإن قلت: ففعله لمصلحة البعد، إن لم يكن لغرض، لزم الترجيح من غير مرجح، وإلا: لزم الاستكمال. قلت: لا يعد القعلاء فرض الإحسان إلى المحتاج نقصا. (ج) لو لم يكن فعله لمصلحة تعود إلى العبد، لكان عابثا أو ظالما - تعالى الله عن ذلك - إجماعا، وللنص. (د) كونه تعالى رحيما رؤوفا ينفي أن لا يكون فعله لمصلحة العبد. (هـ) التمسك بنحو ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ [البقرة: آية ١٨٥]، ﴿وما جعل عليكم في﴾ [الحج: آية ٧٨]. وقوله ﵇ "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة"، وما خلى عن المصلحة ليس كذلك.

стр. 638

(و) الله تعالى خلق الإنسان للعبادة، للآية والحكيم إذا أمر عبده بشيء حصل مصالحه، ليفرغ باله ويتمكن من الإتيان به. (ز) خلقه مكرما مشرفا للآية، وهو ينافي تكليفه بما لا فائدة فيه. بيان الثاني: ظاهر. بيان الثالث. (أ) أنه إذا لم ينفك الحكم عن المصلحة، فالموجبة له ليس إلا: الموجودة، إذ الأصل عدم إضافته إلى أخرى ولئن عورض بمثله، فدفعه سهل. (ب) أنه إذا اعتقد في ملك أنه لا يحكم إلا: لمصلحة ثم علم أنه حكم في محل فيه مصلحة، فيغلب ظن أنه إنما حكم لها للدوران. (ج) في أن المناسبة تفيد ظن العلية، وإن (لم) تعلل أفعاله تعالى: أنا لما تأملنا وجدنا الأحكام والمصالح متقاربين فالعلم بوجود أحدهما يقتضي ظن وجود الآخر، لأن وقوع الشيء على وجه مرارا كثيرة يقتضي ظن أنه متى وقع وقع على ذلك الوجه، للاستقراء وإذا ثبت أنه يفيد العلية لزم العمل بها. فإن قيل: الحكيم: من يكون فعله متقنا، لا ما ذكرتم، والترجيح بغير مرجح إن جاز بالنسبة إلى المختار، فقد سقط تعليل الأفعال، وإلا: لزم الجبر، فيمتنع. ولا نسلم لزوم العبث أو الظلم، على تقدير خلوه عن المصالح، سلمناه لكن لا نسلم لزوم كونه عابثا، إذ أسامي الله توقيفية، كونه ظالما يقصد إضرارهم، إذ لا يتصور منه التصرف في ملك الغير. ثم هو معارض: (أ) بما أنه لو كان معللا: (بالمصالح لزم أن لا يكون مختارا)، وفيه نظر يأتي. (ب) ما سبق من الأدلة الدالة على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى في مسألة تكليف ما لا

стр. 639

يطاق، وقد عرف ما عليه. (ج) لو كان معللا بالغرض: فإن كان قديما لزم قدم الفعل والمفعول وإلا: فإن توقف حدوثها على حدوث شيء آخر لزم التسلسل، وإلا: فهو المطلوب. ورد: بمنع حصول المطلوب - حينئذ - فإن القول بالتعليل لا يقتضي تعليل كل شيء بشيء آخر، بل لابد وأن ينتهي إلى ما هو مطلوب لذاته. (د) الحكم قديم، والغرض حادث، وإلا: لزم تعدد القدماء، غير الذات والصفات، و -حينئذ- يمتنع تعليله به. (هـ) تخصيص اتحاد العالم بوقت معين، وتقدير الكواكب والسماوات والأرضين بمقادير مخصوصة، ليس لمصلحة العباد. فإن الزيادة والنقصان بجزء لا يتجزأ لا يغير مصالحهم. وأورد: أن هذه وأمثالها لا يدل على عدم تعليل الأحكام الشرعية. وأجيب: بأنه لا قائل بالفصل. (و) الحكم والمصالح متأخرة عن الحكم، فلا تكون علة. وزيف: بأن تأخر العلة الغائية في الوجود الخارجي، لا يقدح في علته. (ز) كل ما يفرض غرضا من الحكم فالله تعالى قادر على تحصيله بدونه، فيكون توسيطه عبثا، وزيادة تعب، وهو ينفي أصل التكليف. (ح) خلق الكافر الفقير الذي في المحنة - إلى الموت، ليس لمصلحته. (ط) خلق الخلق، وركب فيهم الشهوة والغضب، حتى يقتل بعضهم بعضا مع قدرته على خلقهم بدونهما فيالجنة ابتداء، وإغنائهم بالمشتهيات الحسنة عن القبيحة. وأورد: بأنه للابتلاء والتعويض. ولا نسلم أن إعطاء ذلك ابتداء أولى، إذ قاعدة التحسين والتقبيح تنفي جوازه، والقول بوجوب التعليل إنما هو "مبني عليها، وأما القول به تفصيلا، كما هو مذهب الفقهاء، فإنما هو" في الأحكام دون غيرها، فلا يرد ما ذكر. (ي) أنه لو كان معللا بحيث يمتنع الفعل بدوها، لزم أن يكون الباري تعالى مضطرا،

стр. 640

وإلا: أمكن خلوه، عنها، و-حينئذ- يكون عبثا، لأن ما علل بالمصالح يوصف به عند خلوها عنها، لكنه محال، ففرض خلوه عنها محال. وقدح: بأن المعنى من المضطر أنه لا بد له من الفعل (شاء) أم أبى. وهو غير لازم (من) الدليل، بل اللازم منه أنه لو فعل، لما فعل بدوها وهو لا ينافي الاختيار. (يا) تعليليه مع وجوبه يقتضي توجه السؤال إليه على تقدير تركه، وهو مني عنه، لقوله: ﴿لا يسئل عما يفعل﴾ [الأنبياء: آية ٢٣] أو لا معه و- حينئذ - أمكن خلوه عنها، فيكون عبثا. وأورد: بأن التقدير محال، والمحال جاز أن يستلزم المحال. (يب) أنه مكنهم من فعل المعاصي، مع علمه تعالى به، وقدرته على منعهم منها، وهو ينفي التعليل بالمصالح، وفيه ما سبق. (يج) لو كانت معللة لما وجد شر وفساد في العالم، فضلا عن أن يكون غالبا، لأن كل ما في العالم بقدرته تعالى، أو بإقدار غيره عليه. (يد) أمات الأنبياء والخلفاء الراشدين، وأنظر إبليس، وسلطه وأعوانه على بني آدم، فيرونهم من حيث لا يرونهم، ولم يمكن الأنبياء والصالحين، بمثل تمكنهم، ولا مصلحة لهم في شيء من ذلك، وإن كانت، لكنها مرجوحة، ثم لا نسلم أنه يغلب على ظننا أنه شرع هذا الحكم لهذه المصلحة. أما الاستصحاب والدوران فسيأتي الكلام عليهما - وأيضا - الدوران إنما يفيد لو سلم عن المزاحم، والمزاحم أن العبد يميل طبعه إلى جلب المصلحة، ودفع المضرة، والله منزه عنه. ولأن المعتاد دفع الحاجة الخاصة، والملك يراعي النوع، والله تعالى عادته مختلفة في رعاية المصالحن جنسا ونوعا وكذلك قد يحسن شيء عند الله ويقبح عندنا، وبالعكس، وكذلك تستقبح الشرائع المتقدمة. ثم ما ذكرتم معارض: (أ) بما أنه لو كان لدفع الحاجة لدفع الحاجات كلها، لأنها مشتركة في نفس الحاجة،

стр. 641

ومتمايزة بحسب خصوصياتها، وما به الاشتراك غير ما به الامتياز، فلا يكون ما به الامتياز حاجة. (ب) تعليل الأحكام بالمصالح يستلزم خلاف الأصل لأن بعض أحكام الشرائع المتقدمة قبيح الآن، وهو: إما لفقد شرط، أو لوجود مانع، وتوقيف المقتضى على (ذلك) خلاف الأصل. (ج) لو علل فإم أن يعلل بالحكمة، وهو باطل، لخفائها، وعدم ضبطها، أو بالوصف، وهو كذلك لأن عليته باشتماله عليها، فهي العلة. (د) لو كانت مشروعة لها لحصلت قطعا، إذ الحكيم لا يسلك ما يحتمل أن لا يؤدي إلى المقصود. وأجيب: عن المعارضة: بتقدير صحتها، فإنه قد بان ضعفها، بأنها تنفي أصل التكليف، والقول بالقياس وفرعه، وبأنها تعارض الدليل الأول، دون الثاني، والاعتماد إنما هو عليه. وعن قوله: بمنع أن الاستصحاب والدوران حجة، قلنا: سيأتي ما يدل على حجيتها. والفرقان المذكوران إنما يردان على من قال بالعليل وجوبا، دون من قال به تفضلا. وعن أول الأخيرة: أن المراد من الحاجة المذكورة في الدليل الحاجة المخصوصة، ثم إنه منقوض بأفعالنا. وعن (ب) أنه مبني على التحسين والتقبيح، ثم النقض المذكور. وعن (ج) بمنع لزوم الخفاء، وعدم الضبط لها، ثم الوصف علة لاشتماله عليها، وما ذكر من المفاسد غير حاصل فيه. وعن (د) أنه ليس المقصود من شرع الحكم لمصلحة ترتيبها عليه في كل صورة، بل في الأكثر، وهو حاصل قطعا، و- أيضا - الترتيب الظاهري مقصود، وهو حاصل قطعا. مسألة قيل في حد الشبه: (إنه إلحاق الفرع المتردد بين أصلين لمشابهته لهما بأحدهما لكثرة مشابهته له). وهو كقياس (العبد) على الحر في وجوب كمال قيمته، يقطع ما يوجب كمال الدية في الحر،

стр. 642

لأن مشابهته له أكثر من مشابهته لما يملك. ويسميه الشافعي: (قياس غلبة الأشياء). وهو غير مانع، لدخول بعض المناسب تحته، مع (أنه) قسيمه و - أيضا - اعتبار كثرة المشابهة مشعر بأن ذلك من باب الترجيح وهو خارج عن ماهية القياس. وقيل: (عبارة عما عرف مناط الحكم فيه قطعا، إلا: أنه يحتاج إلى النظر في تحققه في آحاد الصور). وهو كطلب المثل في جزاء الصيد. وزيف: بأن تحقيق المناط متفق عليه بين القائسين، بل اعترف به أكثر منكريه، لما سبق، والشبه مختلف فيه، فهو كغيره. و - أيضا - النظر في الشبه ظنية، والنظر فيه: في أصلها واستنباطها وتحققها، والنظر في التحقيق: إنما هو في تحققها إذ العلة فيه معلومة. وقيل: (ما اجتمع فيه مناطان مختلفان، لا على سبيل الكمال إلا: أن أحدهما أغلب من الآخر). فالحكم بالأغلب حكم بغلبة الأشباه، كالخلع والكتابة وهو غير مانع، لما سبق في الأول. وقال القاضي: (الوصف إن ناسب الحكم لذاته، فهو المناسب ومستلزمه هو الشبه وغيرهما: الطرد). وهو - أيضا - غير مانع، لدخول قياس الدلالة تحته. وقيل: الشبه (ما لا يناسب الحكم، لكن عرف تأثر جنسه القريب في الجنس القريب للحكم، لأنه متردد بين الاعتبار وعدمه، لتأثير الجنس، وعدم المناسبة، لكن اعتباره أغلب)، فلذا سمي بـ (غلبة الأشباه). وقيل: (ما يوهم المناسبة من غير اطلاع عليها بعد البحث التام، ممن هو من أهل الاطلاع)، وذلك لأن الوصف: إن ظهر مناسبته فهو المناسب، وإلا: فإن عهد من الشارع الاتفات إليه بوجه ما، فهو الشبه، وإلا: فهو الطرد، ولا يخفى وجه مشاركته لهما، فهو مرتبة بينهما، دون المناسب فوق الطرد، وفيه شبه من كل واحد منهما، ولعله السبب في تمسيته به. مثاله: قولنا في إزالة النجاسة: طهارة تراد للصلاة، (فلا تجوز بغير الماء، كطهارة الحدث، والجامع كونه طهارة للصلاة)، ومناسبتها لتعين الماء فيها، غير ظاهرة، بعد البحث الشديد، لكن عهد التفات الشارع إليها في بعض الأحكام، كمس المصحف، والطواف، وذلك يوهم

стр. 643

اشتمالها على المناسبة. ثم هو حجة. خلافا للقاضي. لنا: الحكم لا بد له من علة، والمناسب لم يوجد، لعدم الاطلاع عليه بعد الفحص التام والطردي معه لم يصلح وفاقا. ولأن الشبه مستلزم للمناسب، أو موهم له، أو ما عرف تأثير جنسه القريب في الجنس القريب للحكم، والطردي لم يوجد فيه شيء من ذلك، فكان ظن عليته أغلب والعمل بالظن واجب، لما سبق. له: (أ) الدليل بنفي جواز التمسك بالعلة المظنونة ... إلى آخره. (ب) الوصف إن كان مناسبا فمقبول، وإلا: فهو الطرد المردود. (ج) حجية القياس إنما هو لإجماع الصحابة، ولم يوجد ذلك في الشبه. وجواب: (أ) ما سبق مرارا. (ب) أن غير المناسب ينقسم إليهما. (ج) أنه لا يلزم من نفي مدرك خاص نفيه مطلقا. مسألة لا يشترط في الوصف الشبهي تأثير عينه في عين الحكم، بل له عرف تأثير جنسه في جنس الحكم كفى. خلافا لقوم. وهو على تقدير أن لا يفسر به، وإلا: فهو الشبه، فلا يتجه فيه الخلاف. لنا:

стр. 644

أنه يفيد ظنا ما بخلاف ما ليس كذلك، فكان حجة، لما سبق. لهم: (أ) أن الشبه ضعيف بتقدير تأثير عينه في عينه، ولذلك لم يقل به كثير منهم، فإذا انحط عن هذه المرتبة، لم يحصل ما يعول عليه، كالظن الحاصل من أدنى مرتبة. (ب) الظن الحاصل من تأثير الجنس في الجنس، أضعف من الحاصل في المناسب المرسل، فلا يكون معتبرا. وأجيب: عن (أ) بمنع المقدمتين، ولا نسلم أن كونه مختلفا فيه يدل عليه. وعن (ب) بمنعه، ثم بمنع أن لا يكون معتبرا - حينئذ -. مسألة الدوران: ويسمى: بالطرد والعكس. ومعناه: (أن يوجد الحكم عند وجود الوصف، وينعدم عند عدمه). ويسمى بالدوران الوجودي، والعدمي، والمطلق، فإن دار وجودا فقط فبالوجودي والطرد، أو عدما فبالعدمي، والعكس. وهو: إما في صورة واحدة، كالتحريم مع السكر في العصير، أو في صورتين وهو كثير، والأول أقوى. وهو يفيد الظن العلية عند عدم المزاحم. وقيل: يفيد يقين العلية. وقيل: لا يفيدهما، وهو اختيار الغزالي. لنا: (أ) إطباق العقلاء عليه في أمر الأدوية والأغذية. (ب) الحكم لا بد له من علة، وليست غير المدار، إذ لم يوجد قبل الحكم، وإلا: لزم التخلف، والأصل بقاؤه، ولأنه إن لم يصلح فظاهر، وإن صلح لم تكن مسألتنا، إذ الكلام عند

стр. 645

عدم المزاحم. فإن قلت: المزاحم حاصل قطعا، فإن تعينه وحصوله في المحل المخصوص أو الوصف مع ما ذكرنا مزاحم. قلت: ما ذكر أمر عدمي للتسلسل، فلم يصلح للعلية، ولا لجزئها، وهو ممنوع إن فسرت (بالمعرف). (ج) دوران الغضب بالدعاء باسم مخصوص وجودا وعدما يفيد ظن عليته له، ولذلك لو سئل عنه لعلل به، والصبيان يتبعونه به في السكك عند إرادة إغضابه، ولأنه إذا أفاد في تلك الصورة، أفاد في غيرها، لقوله تعالى -: ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾، وعملا بالمقتضى. لهم: (أ) الطرد لا يقبل، العكس غير معتبر في الشريعة، فمجموعها كذلك. (ب) أن الدوران كما حصل في المشترك، حصل مع الخصوصية فلو دل على العلية، فإنما يدل على علية المجموع. (ج) أن بعض الدورانات لا تفيد ظن العلية، كدوران العلة مع المعلول، وأحد المعلولين المتساوين مع الآخر، والفصل مع لوازم النوع، والعلية مع جزء العلة وشرطها، وذات الله وصفاته على رأينا، والجوهر مع العرض، وأحد المتلازمين والمتضايفين مع الآخر، والحوادث مع الزمان والمكان، فكذا الباقي، (للنص) ولأن التخلف لمانع يوجب التعارض، وبدونه يقدح في كونه مقتضيا للعلية، (ولأن اقتضاءه لها في بعض الصور دون البعض من غير مرجح. (د) أنه لا يتم إلا: بمدرك مستقل كالأصل، أو السبر والتقسيم إذا منع عليته لمدار آخر. كلازم العلة. وأجيب: عن (أ) حكم المجموع قد يخالف الآحاد. وعن (ب) أن الخصوصية والتعين لا يصلح للعلية، ولا لجزئها، لأنه أمر عدمي، و - أيضا

стр. 646

- إنما به الخصوصية إن لم يصلح كذلك فظاهر، وإلا: فجعل المشترك علة أولى. لأنه أكثر فائدة، ولا خلاف في علية المركب، وتعليل الحكم بمختلفين. وعن (ج) أن المدعي: إفادة ظن العلية في دوران لم يقم عليه دليل عدم العلية. وعن (د) أنه لو قدح ذلك في عليته لقدح ذلك في المناسبة وغيرها. مسألة السبر والتقسيم: إن دار بين النفي والإثبات، وكان الدليل على نفي غير المعين قطعيا، فحجة قطعية، وإلا: فظنية، وصورته: الحكم له علة أو لا، وهي إما هذا أو غيره، ثم يبطل القسمين بقطعي، وهو عسر في الشرعيات. وصورة المنتشر: الحكم له علة، وهو إما هذا أو هذا، أو دليل ما نفاه: ليس بقاطع وإن كان الترديد منحصرا. فإن قلت: حصر الصفات فيما ذكره ممنوع، ولا نسلم أنه بحث وطلب، ولم يجد غيره، فلعله لم يصدق فيه للغلبة، أو ترويجا للباطل، ثم لا نسلم أن عدم الوجدان يدل على العدم، سلمناه. لكن بالنسبة إليه دوران غيره، ثم لا نسلم فساد عين ما عين، ثم لا نسلم فساد المركب من الاثنين أو الثلاثة منه، ثم لا نسلم علية ما عين، فلعله بلا علة، أو أنه ينقسم إلى قسمين والعلة أحدهما. قلت: الأصل عدم الوجدان بعد البحث يدل عليه ظاهرا، والكذب والترويج منفي عن الثقة ظاهرا، لا سيما من المجتهد من الدين. وعن (ب) أنه يدل عليه ظاهرا، للاستقراء. وعن (ج) أنه إذا أخبر به أفاد لغيره - أيضا - ظن عدمه، لغلبة ظنه بصدقه.

стр. 647

وعن (د) أنه يدل على بطلان ما ذكر غير المعين بدليل، ويستدل بالأصل على عدم غيره. قال الإمام: لا يستدل بعدم المناسبة، لأنه يحتاج إلى بيانها فيما عين و - حينئذ - يستغني عن السبر والتقسيم. وفيه نظر، ذكر بجوابه في (النهاية). وكذا في طريقة الإلغاء. وعن (هـ) أنه منتف بالإجماع. وعن (و) أنه لو لم تكن علة، لزم أن لا يكون له علة، أو العلة غيره، وهو باطل لما سبق، أو أحد قسمي المذكور، وهو خلاف الإجماع. مسألة الوصف الذي لا يناسب الحكم، ولا يستلزم ما يناسبه، إذ قارنه الحكم في جميع صور الحصول، غير صورة النزاع - هو: الطرد. وقيل: تكفي المقارنة في صورة واحدة. وفي حجيته أن قيل بحجية المطرد المنعكس: ثالثها: أنه حجة بالأول. النافي: (أ) أنه يستدل على الاطراد بالعلية، فلو عكس لزم الدور. (ب) أن اعتباره بالعلة، فلو عكس لزم الدور. (ج) أن اطراده يتوقف على ثبوت الحكم في صورة النزاع، فلو أثبت الحكم باطراده لزم الدور. (د) الاطراد حاصل في الجوهر والعرض، والحد مع الحدود، والذات مع الصفات، والحوادث مع الزمان والمكان ولا علية. (هـ) الطرد فعل الطارد، ولا شيء من العلل بفعله. (و) سلامة الشيء عن مفسد واحد لا يوجب صحته في نفسه، وليس في الاطراد سوى السلامة عن التخلف. وأجيب:

стр. 648

عن (أ)، و (ب) بمنع أنه دور باطل، وسنده بين. وعن (ج) بمنع الأولى، وسنده تفسيره. وعن (د) ما سبق في الدوران، و - أيضا - التخلف عن الدليل الظاهري لا يقدح فيه. وعن (هـ) بمنعه، بل هو فعل الشارع. وعن (و) أنه لا يستدل عليه من تلك الجهة، بل من جهة أن السلامة من النقض من أمارات العلية، وفيه نظر، لأنا نسلم أن العلة سالمة عن النقض وهو لا يستلزم عكسه. المثبت: (أ) الحكم لا بد له من علة، وغيره ليس بعلة، إذ الأصل عدمه، وعدم عليته. (ب) العلم بكون الحكم لا بد له من علة، وعدم الشعور بغيره، يوجب ظن كونه علة. وأجيب: عن (أ) أنه إنما يوجب ذلك، لو كان صالحا للعلية، وهو ممنوع. وعن (ب) بمنع عدم الشعور بالغير جملة وتفصيلا لا يضر. المفصل: (أ) إذا رؤي فرس القاضي على باب دار: ظن فيه، وما ذاك إلا: للاطراد. (ب) النادر يلحق بالغالب. وأجيب: عن (أ) بمنع أنه له، بل بقرائن أخر. وعن (ب) أنه لا يدر على العلية، لحصوله فيما لا علية فيه وأما أنه لا يكون علة بالتفسير الثاني: فلأن القول به يفتح باب الهذيانات، كقوله: مائع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا تجوز الإزالة به كالدهن، وكقوله في وطئ الثيب: شروع في نافذ، فلا يمنع الرد، كالشروع في الدرب النافذ. وأجيب: بمنع لزومه، فإنه لا يدعي عليته بمجرد المقارنة، بل بشرط أن لا يحصل هناك ما هو أولى

стр. 649

بها، ثم لا يجب على المستدل بيانه، لأنه من قبيل المعارض. مسألة إلحاق المسكوت بالمنطوق بإلغاء الفارق، يسمى (تنقيح المناط). والحنفية تسمية: بـ (الاستدلال) ويفرقون بينه وبين القياس، فخصصوا القياس بما يكون بذكر الجامع، وبأنه يفيد الظن، وهو يفيد الظن، وهو يفيد القطع، حتى يجوز نسخ القطعي به، وأن لا ينسخ إلا: به. وجوزوا الزيادة على النص به. والحق: أن الفرق بينهما فرق ما بين العام والخاص، نعم حصول القطع في التنقيح أكثر منه للاستقراء. وطريقة: الحكم لا بد له من علة، وليست هي الفارق، فيتعين المشترك. وأورد بوجه آخر: الحكم لا بد له من محل ... إلى آخره وهو ضعيف، إذ لا يلزم من وجود المحل وجود الحال. مسألة قيل: عجز الخصم عن إفساد العلة، دليل صحته، وهو باطل، لأنه ليس أولى من العكس، بل هذا أولى، إذ لا يلزم منه إثبات ما لا نهاية له، و - حينئذ - يلزم اجتماع العلية وعدمها في شيء واحد والتعارض في الظني وإن جاز لكنه خلاف الأصل، و- أيضا - إنه خلاف الإجماع. مسألة قيل: يجوز الإلحاق بالاشتراك في وصف عام. وهو فاسد، لأنه يقتضي ثبوت أحكام متضادة في الفرع، والتسوية بين المجتهد والعامي.

стр. 650

لهم: (اعرف الأشباه والنظائر، وقس الأمور برأيك). وجوابه: منع تحقق المشابهة والنظارة بمجرد الاشتراك في العام ثم إن التخصيص بالإجماع جائز، وقد أجمع السلف على عدم الاكتفاء به، وهو دليل في المسألة ابتداء. ومنه يعرف فساد ما قيل: إن هذا عبور من حكم الأصل إلى حكم الفرع، وتسوية بينهما، فاندرج تحت قوله تعالى: ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢] ﴿إن الله يأمر بالعدل﴾ [النحل: آية ٩٠]. و - أيضا - ليس مجرد التسوية والعبور مأمورا به، (بل) ما سوغه الشرع، فإثباته به دور. مسألة في النقض وهو تخلف الحكم عن الوصف. ثالثا: إنه إن كان على سبيل الاستثناء، أو المانع، أو لفقد شرط: لم يقدح. وقيل: يقدح في المستنبطة دون المنصوصة. وقيل بعكسه. وقيل: لا يقدح في المستنبطة، وإن لم يكن لمانع، وفقد شرط. وللغزالي فيه تفصيل آخر، ذكرناه في النهاية. والمختار: أن التخلف لمانع، أو لفقد شرط، لا يقدح منصوصة كانت أو مستنبطة، معلومة أو مظنونة، فإن كان على وجه الاستثناء: ففي المنصوصة المعلومة. لنا: (أ) أن حالة التخلف إلى المانع إعمال الأصلين، وإلى عدم المقتضى إعمال الأصل، فكان الأول أولى. (ب) العرف والعقل يتطابقان عليه، فهو في الشرع كذلك، للحديث. (ج) أنه ليس فيما يدل على العلية من نص أو إيماء، أو طرق عقلية، ما ينافي تخصيصها

стр. 651

لمانع، ولو كان ذلك غير جائز لكان بينهما منافاة، أو بينه وبين العلية التي هي مدلولها ولو من وجه. ولا ينقض بالتخلف لا لمانع، لأنه ينافي معنى العلية. (د) عن ابن مسعود وابن عباس: "هذا حكم معدول عن القياس"، ولم ينكر عليهما، فكان إجماعا. قيل عليه: هب أنهم قالوا ذلك، لكنهم لم يقولوا: بأنه يجو التمسك به، وفيه النزاع. ورد: بأنه أطلق عليه القياس، والأصل فيه الحجية، وإحالته إلى ما كان عليه تجوز، والفاسد والمنسوخ وإن سمي به، لكن مقيدا. (هـ) ما ذكر من لزوم الدور في أن العام المخصوص حجة، وقد عرف ما فيه، ويزيد هنا: أنه يقتضي جواز التخصيص وإن لم يكن لمانع. والمناسب بعد التخصيص لمانع يفيد ظن ثبوت الحكم فيجب العلم به، لما سبق. (و) لو كان ينعطف من الفرق بين الأصل وصورة التخصيص قيد على العلة، لما حصل الظن به، وخطرانه بالبال. (ز) استقراء الشريعة يدل على جواز التخصيص بمعنى يقتضيه، كما في المصراة، والعرايا، وبيع الحفنة بالحفنتين على رأي الحنفية ووجوب الدية على العاقلة، والعتق تحت الحر على رأينا، مع أن ظاهر قوله ﷺ "ملكت بضعك فاختاري". - يدل على سببيته. (ج) لو امنتع لكان العدم جزء العلة، حيث يتوقف الحكم عليه، وهو ممتنع، لأن العلة ثبوتية لما سبق، وما جزؤه العدم عدمي، ولأنها منبئة عن التأثير، والعدمي لا يؤثر. فإن قتل: العدم لا يمتنع أن يكون معرفا، فلا يمتنع أن يكون جزؤه، كما في انتفاء معارض المعجزة، ثم لا نسلم لزومه لاحتمال أن يكون كاشفا عن وجودي، ينضم إلى العلة، ويكون

стр. 652

المجموع علة. قلت: (أ) البحث في جواز تخصيصها فرع أنها مفسرة بغيره، إلا: لم يمتنع ذلك فيه، كالعام المخصوص، وكلامهم في الفرق بين العلل الشرعية، والعقلية يشعر بذلك، ثم العدم لا يكون جزء العلة، وإن فسرت بالمعرف، وإلا: لوجب ذكره في المناظرة، إذ لا بد من ذكر العلة. وهو بدون الجزء محال. لا يقال: إنه يتعلق بالاصطلاح، وإلا: فالتمسك بالعام لا يجوز، (إلا: ) بعد ظن عدم المخصص، لأن الأصل تطابق الاصطلاح والواقع. ثم لا نسلم لا يجوز التمسك به إلا: بعد ظن عدمه وهذا "لأنا" بينا أنه يجوز التمسك بالعام ابتداء. فإن قلت: ذلك لظن عدمه بالأصل. قلت: مثله حاصل في ظن عدم المعارض، مع أنه ليس جزءا من الدليل. وعن (ب) أن الأصل عدم ذلك الوجودي، سيما بصفة كونه ملازما لذلك العدم، ولأن ما لا دليل عليه، وإن لم يجب القطع بنفيه، لكن لا شك في ظنه، والمسألة ظنية. فإن قلت: لا نسلم عدم الدلالة عليه إجمالا، وتفصيلا لا يضر، وهذا لأن الدليل لما دل على عدم جواز تخصيص العلة، وعدم جواز العدم علة أو جزء علة، ورأينا الحكم يتوقف على العدمي في كثير من الصور علمنا أن كاشف عن وجودي ينضم إليه، ويصير المجموع علة. قلت: إنه دور، لأن ثبوت الاحتمال يتوقف على عدم جوازه، وهو يتوقف على ثبوت الاحتمال، سلمنا عدم لزومه، لكن لا نسلم الدلالة عليه، وسنجيب عن أدلته ثم لو لم يجز لزم الترك بالدليل - أيضا - كما تقدم في الوجه الأول، وليس أحدهما أولى من الآخر، وعلكم الترجيح، ثم إنه معنا، لأن ترك دليلنا يقتضي ذا العلة وترك دليلكم يقتضي رفع صفة الاطراد، وهو أقل محذورا منه. لهم:

стр. 653

(أ) أنه إن لم يعتبر في اقتضاء العلة الحكم عدم المعارض، لزم حصوله معه، وهو ممتنع، وإلا: فالحاصل قبله جزؤها. (ب) إن تخصيص العلة يبطل فائدة العلة، وهي العلم أو الظن بثبوت الحكم، حيث ثبتت، لأنه إذا علم انتفاء ذلك الحكم في صورة التخصيص، لعلة أو نص ثم علم حصول العلة في صورة لم يعلم ثبوت الحكم، ما لم يعلم عدم تلك العلة أو النص، فلم تكن تلك العلة علة الحكم، بل المجموع. (ج) إن بين اقتضاء العلة بالفعل، ومنع المانع بالفعل منافاة، وشرط أحد الضدين عدم الآخر، فشرط كون المانع مانعا: أن لا تكون العلة مقتضية، فلو كان عدم اقتضائها لذلك، لزم الدور، فعدم اقتضاء الشيء لذاته ومثله، لا يصلح للعلية وفاقا. (د) الحكم قد وجد مع الوصف في الأصل، ومع عدمه في النقض، والأول لا يقتضي القطع بثبوت العلية، والثاني يقتضي القطع بنفيها، فلو كان إلحاقه بأحدهما أولى، لكان بالثاني أولى، فإذا تعارضا فالأصل عدم العلية، والأصل في المناسبة مع الاقتران، وإن كان هو العلية، لكن الأصل في العلية ترتب الحكم عليها. لا يقال: لو عمل بأصلكم ترك أصلنا من كل وجه، ولا ينعكس فالعمل بأصلنا أولى، ولأن أصلكم معارض: بما أن الأصل إسناد انتفاء الحكم إلى المانع الموجود في صور النقض، للمناسبة والاقتران، دون عدم المقتضى، لأنا لا نسلم أن المناسبة مع الاقتران دليل العلية، بل هو مع الاطراد، والإسناد إلى المانع متعذر، فإن المتقدم لا يضاف إلى المتأخر. (هـ) التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضى، لما سيأتي، ووجود المقتضى فيها يتوقف على وجوده، إذ لولاه لم يكن المقتضى موجودا وإلا: لكان الحكم حاصلا، و - حينئذ - يكون العدم مضافا إلى عدم المقتضى، لا إلى المانع، وإذا توقف كل منهما على الآخر، لزم الدور، وهو لازم من التعليل بالمانع. (و) القياس على العلل العقلية، بجامع تعلق الحكم بكل واحد منهما. (ز) طريقة صحة العلة بالشرعية اطرادها. (ح) العلة وجدت في الفرعين، فلا تكون طريقا إلى العلم بحكم أحدهما دون الآخر، كما في الإدراكات والأدلة العقلية.

стр. 654

(ط) أنه يجب حصول الحكم حيث حصلت، وإلا: لزم أن لا يحصل أصلا، وهو باطل وفاقا، أو في البعض دون البعض فكذلك، لامتناع الترجيح من غير مرجح. (ي) أن النزاع فيه آيل إلى اللفظ، فإن من لا يجوز التخصيص يسمى ما يتوقف عليه الحكم: علة أو جزؤها، ومن جوزها لم يحصر فيهما، وهو غير لائق بذوي التحصيل. وأجيب: عن (أ) بمنع لزوم الجزئية منه، فإن عندنا ما يعتبر فيه ينقسم إليه وإلى الشرط، وعدم المانع، وعدم جواز كون العدم شرطا ممنوع، ثم إن الجزء - أيضا - كذلك، واحتمال كونه كاشفا عن وجودي مشترك. وعن (ب) بمنعه، وسنده ما سبق، ولا نسلم أنه فائدة العلة، بل العلم أو الظن بثبوت الحكم عند حصولها، وحصول شرائطها، وارتفاع موانعها. وعن (ج) أن اشتراطه به بمعنى التقدم ممنوع، لامتناع كون أحد النقيضين شرط نفسه، وبغيره لا يضر. وعن (د) بمنع أنه يفيد ظن عدم العلية، فضلا عن القطع (به)، فإنه لما جوز الانتفاء لمانع لم يفد ذلك، لما لم يظن أو يقطع بانتفائه. ثم الدليل على أنه مجرد المناسبة والاقتران يفيد ظن العلية: أنا إذا رأينا وصفا مناسبا مقارنا للحكم غلب على ظننا عليته، وإن لم يشعر بالاطراد، والعلم به جلي بعد الاستقراء، وهو ينفي كونه جزءا. و- أيضا - حاصله يرجع إلى السلامة عن النقض المعارض لدليل العلية، وعدم المعارض غير داخل في ماهية الآخر، والمانع ليس علة للانتفاء الحاصل قبله، بل هو علة منع دخول الحكم في الوجود بعد أن كان لمعرضيته. وما قيل عليه: بأن المعلل بالمانع ليس إعدام شيء لاستدعائه سابقة الوجود، والحكم - هنا - لم يوجد البتة، بل العدم السابق - فضعيف، لأنه لا يلزم أن يكون المعلل به هو: ما ذكرنا من المفهوم والمعبر عنه بالنفي، وهو غيرهما. وعن (هـ) بمنع أن التعليل بالمانع يتوقف على وجود المقتضى ثم يمنع أن وجود المقتضى يتوقف على وجوده، إذ يمكن معرفته بالمناسبة والاقتران، مع قطع النظر عن وجوده، سلمناه،

стр. 655

لكنه دور معية. وعن (و) بمنع حكم الأصل، ثم بالفرق. وعن (ز) بمنع أنه بمجرد طريق، ثم بمنع الانحصار فيه، و - أيضا - أن عنى به جريان حكمها في جميع صور وجودها، وأن هناك - مانعا، فممنوع أنه طريق لهذا التفسير، وإن عنى به مع عدم المانع فمسلم، لكن لا نسلم أنها لم تطرد بهذا التفسير. وعن (ح) و (ط) أن بين الحصولين فرقا، فلم يلزم ما ذكرتم. وعن (ي) بأن النزاع في المعنى - أيضا - فإن المجوز يجوز أن يكون عدم المانع شرطا، والشرط عدميا، وإن فسرت العلة بالموجب، أو الداعي، ولا يشترط فيه المناسبة، ولا ذكره ابتداء، والمانع منه على ضده، وأما أن التخلف لا لمانع يقدح، فلامتناع الترجيح من غير مرجح ولأن المناسبة مع الاقتران - وإن دل على العلية - لكن التخلف من غير سبب يدل على عدم العلية، وإذا تعارضا فالأصل عدم العلية. قالوا: (أ) علل الشرع أمارات، فلا يقدح منها التخلف في بعض الصور كالغيم الرطب. (ب) ولأنه لو لزم لكان قطعيا. (ج) ولأن المستنبطة أمارة، فجاز تخصيصها كالمنصوصة. وأجيب: عن (أ) بمنع حكم الأصل مطلقا، بل عند حصول ما يصلح أن يكون مانعا. وعن (ب) أن القاطع هو الذي لا يجوز أن ينفك عنه، ولو لمانع، وإلا: لكان الانفكاك شرط كونه أمارة، وهو باطل قطعا، ولأن خلاف دليل كونه، أمارة مطلقا. وعن (ج) بمنع حكم الأصل، إذا كان التخلف لا لمانع ولا على وجه الاستثناء. مسألة من قال: بأن التخلف عن الوصف يقدح في عليته اختلفوا في أن تخلفه عن حكمته هل يقدح فيه أم لا؟ فالأكثرون: على عدمه:

стр. 656

(أ) لأن علية الوصف قد تحققت بدلالئلها، والتخلف عن المقدار الموجود في ضمن الوصف غير متحقق، فلا يزال به. (ب) لو كان (ذلك) يقدح، لكان التخلف عن الوصف يقدح في علية الحكمة، لو جوز التعليل بها، لتساويهما في ذلك، لكنه باطل، إذ يجوز أن يكون الوصف مظنة الحكمة، فيمكن عراه عنها فيتخلف الحكم عنه. وفيهما نظر، إذ تحققهما ممنوع، قبل سلامته عنالتخلف عن الوصف وحكمته، وكذا (التخلف) عن المظان. وذهب الأقلون: إلى أنه يقدح، لأن التخلف عن الوصف إذا قدح في عليته، مع أنه غير مقصود، فالتخلف عن المقصود أولى أن يكون قادحا فيه. لا يقال: لو تخلف عنها في ضمنه لزم ما ذكرتم، أما إذا لم يكن كذلك، فيحتمل أن تكون المنفردة مثل الموجودة، أو أزيد أو أنقص، و - حينئذ - لا يترجح التخلف عن المقصودة في ضمن الوصف - لأن المنفردة: إن كانت مثلها أو أزيد لزم ذلك، أو أقل: فلا، لكن وقوع واحد من اثنين أغلب من وقوع واحد بعينه. وهذا إنما يتوجه لو كانت المنفردة من نوع المقصودة في ضمن الوصف، فأما مع اختلافه - كما يذكر مثال لهذه ال مسألة ، وهو: أن الترخصفي السفر للمشقة، فيترخص العاصي، فنوقض بالجمال، وأرباب الصنائع الشاقة - فلا، إذ لا يمكن اعتبار المقدار مع اختلاف النوع. والأولى: أن يقال: المنفردة إن كانت من نوع ما وجد في الوصف ولم يظهر نقصان مقدار المنفردة عنها - قدح، وإلا: فلا. مسألة فال أكثر من جوز التخصيص لمانع: أنه لا يجب على المستدل التعرض لنفي المانع: (أ) لأنه من قبيل نفي المعارض، ولا يجب ذلك على المستدل. (ب) أنه لا يجب نفي المانع المتفق عليه، لعدم الفائدة للعلم بانتفائه عن صور النزاع، ولعدم حصول الغرض، إذ لا يلزم من نفيه ثبوت الحكم ولا غيره، للعسر والضرر، ولأنه خلاف الإجماع. وقال الأقلون: بوجوبه، لأن المستدل مطالب بما يعرف الحكم وهو بالوصف، وعدم المانع، ترك مقتضاه بالنسبة إلى نفي جميع الموانع، للعسر، فيبقى معمولا به في الموانع المتفق

стр. 657

عليها. وأجيب: بالنقض بنفي مخصص العام، وغيره من المعارض. مسألة بعض من قال بعدم تخصيص العلة، قال: إن النقض إذا كان واردا على سبيل الاستثناء لا يقدح فيها، وإن كانت مظنونة وإنما يعلم كونه كذلك إذا كان واردا على جميع المذاهب، فهو كالوارد على المعلومة. وقيل: إنه يقدح فيها. ثم في وجوب الاحتراز عنه لفظا خلاف. الأظهر: وجوبه، لئلا ترد عليه تلك الصورة نقضا، فيجب الواجب. وقيل: لا، كالمانع، ولأنه خارج عن العلة، فلا يجب ذكره كغيره من الأجنبي، والوارد على سبيل الاستثناء، قد لا يعقل معناه. فلا تغني الأولى عن هذه. مسألة الكسر: نقض بعض أوصاف العلة، كقولنا: طهارة عن حدث، فتجب النية فيها، كالتيمم، فينقض بإزالة النجاسة، لاعتقاد أنه لا أثر لقيد كونه حدثا، وكقولنا: صلاة يجب قضاؤها فيجب أداؤها كصلاة الآمن، فينقض بصوم الحائض، إذ لا أثر لخصوص كونه صلاة. وقيل: هو النقض المكسور، فأما الكسر: فهو نقض الحكمة المقصودة، كما سبق من قبل، وهو أخص من الأول. وهو مردود عند المحققين، إلا: إذا بين أنه لا تأثير له في الحكم وحده ومجموعا، فحينئذ - إن بقي مستمرا على التعليل بالمجموع كان ذلك قدحا في تمام العلة بعدم التأثير، وإلا: يكون نقضا على العلة.

стр. 658

لا يقال: وإن لم يكن له مدخل فيها، لكن إنما يذكر لدفع النقض، لأنه لا يندفع بالأجنبي، بل بقيد معتبر في العلية. وقد أجيب عنه: بلزوم الدور، إذ إمكان الاحتراز عنه يتوقف على كونه جزءا، وهو يتوقف عليه، وهو دور معية لم يلم لزومه. مسألة دفع النقض بمنع وجود الوصف، أو (بمنع) عدم الحكم فيها. فإذا منع الأول: فليس له إقامة الدليل عليه، للانتقال وقلب القاعدة، إذ يصير المعترض مستدلا، والمستدل معترضا. فلو قال: دليلك على وجوده في الفرع يقتضي وجوده فيها، فهذا لو صح كان نقض دليل وجوده في الفرع، وانتقالا إلى سؤال آخر، فلو قال ابتداء: يلزم أحد الأمرين، نقض العلة أو دليل وجودها في الفرع، كان متجها يجب الجواب عنه. وقيل: له ذلك، كيلا تبطل فائدة المناظرة، ولا يؤدي إلى المكابرة، إذ المستدل قد يستمر على منع وجود العلة فيها مع ظهوره، فلا سبيل إلى دفعه، إلا: بإقامة الدليل عليه، ولأن فيه تحقيق النقض، فكان من متممات غرضه. وقيل: إن تعين ذلك طريقا في قدح كلام المستدل. وقيل: إن لم تكن العلة حكما شرعيا، إذ الكلام ينتشر فيه. ثم منع وجوده فيها، لقيد مناسب أو مؤثر في الوصف معناه واحد ظاهر أو خفي، أو متعدد بالتواطؤ أو الاشتراك: كقولنا: مال معد لاستعمال مباح، فلا تجب الزكاة فيه، كثياب البذلة، ونقضه: بحلي الرجل، فإنه ليس بمباح. وكقولنا: عقد معاوضة، فيجوز حالا كالبيع، ونقضه بالكتابة، إذ هي عقد أرفاق، وكقولنا في قصر الصلاة: رخصة شرعت للتخفيف، فلا يجب الأخذ به كالإفطار ونقضه باكل الميتة حال المخصمة، فإنه للضرورة. وكقولنا في الصوم: عبادة متكررة، فيفتقر إلى تعيين النية كالصلاة، ونقضه بالحك، فإن المراد

стр. 659

التكرار في الأزمان، وهو متكرر بالأشخاص. وكقولنا: جمع الثلاث في قرء واحد فلم يحرمن كما لو حلل الرجعة بينها. ونقضه بالجمع في الحيض، والمراد: هو الظهر. ولا يجوز دفع النقض بالطردي، إن لم يجوز التعليل به، إذ الجزء له مدخل في المناسبة، و - أيضا - لو دفع به لدفع بنعيق الغراب، وصرير الباب، والوقت والزمان. وقيل: بجوازه، إذ الشيء قد لا يؤثر وحده، ويؤثر مع غيره. وجوابه: أنه لو حصل شرطه. وأما الباقي: فانتفاء الحكم إن كان مذهب الخصمين، أو المستدل بوجه: النقض، وإلا: فلا، لأنه إذا لم يف بمقتضى علته لم يجب ذلك على غيره. ثم إن منع عدم الحكم، ففي تمكنه من إقامة الدليل عليه بما يدل عليه من مذهبهما، أو من مذهبه: الخلاف. ثم المنع قد يكون ظاهرا: وهو ظاهر، ومن جملته أن يكون ثابتا على أحد قولي إمامه، أو أحد أصحابه، المستخرج على قواعد مذهبه المشهور، أو غير المرجوع عنه، أو لا يعرف له فيه قول، لا بنفي ولا إثبات، فإن ظاهر ما ذكر من العلة يقتضي ثبوت الحكم فيها. فله التمسك بها ما لم يتحقق النقض، وليس له أن يلتزم الحكم فيها، لأنه ليس له إثبات المذهب قياسا. وقيل: إن اقتضى علته ذلك، ولم يجد نصا لإمامه فيها - توقف. وقيل: له إن ثبت الحكم بظاهر العلة، وعليه العمل. وقد يكون خفيا: كقولنا في السلم: (عقد معاوضة، فلا يشترط فيه الأجل كالبيع). فنقض: بالإجازة. ودفع بأنه تقدير للمعقود عليه، لا تأجيل له، وإلا: لما جاز استيفاء شيء منه عقب العقد. وكقولنا في الإجارة: عقد معاوضة، فلا تنفسخ بالموت كالبيع. فنقض: بالنكاح. ودفع: بأنه ينتهي به، وكذا يتقرر المهر به. ثم إثبات الحكم في صورة معينة: الإثبات المفصل. أو غير معينة: فهو الإثبات المجمل، ونفيه عن كل منها نفي مجمل، وهو بخلاف الإثبات المجمل، أما للاصطلاح، أو لأنه يفهم من قوله: نفي الشيء مجملا ما يفهم من قوله: نفاه مطلقا، وهو يفيد عموم النفي. وعن معينة منها: نفي مفصل، ولا يخفى أي واحد منها

стр. 660

يناقض الأخرى. ثم الإثبات في كل الصور قسم من الأقسام، ولم يذكروه، ولم يعينوا له اسما. مسألة الحكم التقديري بدفع النقض على الأظهر، إذ المقدر كالمحقق في الأحكام. مثاله: ملك الأم علة لرق الولد، ولا ينقض بولد المغرور لان رقه ثابت تقديرا، بدليل وجوب قيمته. مسألة قيل: عدم التأثير: تخلف الوصف عن الحكم ابتداء، ودواما. والعكس: وجود الحكم لعلة أخرى، وهو باطل، لأنه - حينئذ - إن لم يكن له علة أخرى لزم وجوده وبقاؤه بلا علة أو لأخرى فلا فرق بينه وبين العكس. لا يقال الفرق: التخلف ليس بعلة في عدم التأثير بخلاف العكس، لأنه إنما يعرف عدم عليته بعدم التأثير، فلو انعكس لزم الدور. فالأولى أن يقال: إنه عبارة عن جعل ما يستغني الحكم عنه علة (أو جزءها)، والعكس: عبارة عن انتفاء الحكم، لانتفاء ما جعل علة له، ولا يقال لانتفاء علته، لأنه يشعر بانتفاء جميعها، ولا نزاع في اعتبار العكس بهذا المعنى. قيل: المعنى به انتفاء العلم أو الظن به، إذ لا يلزم من انتفاء الدليل على الصانع انتفاؤه، وفيه نظر، لأن ذلك في الدليل لا في العلة، ويعرف الاستغناء بفقد أمارة العلة، كالمناسبة والتأثير والشبه، وتمامه في الأسئلة. ثم الدليل عليه: أن الحكم حاصل قبله، لأنه قديم، وبعده إذ لا ينعدم بعدمه، فيمتنع أن تكون علة له. لا يقال: لا يمتنع ذلك في العلة، بمعنى المعرف، فإن العالم بالنسبة إلى الله تعالى كذلك، مع أنه معرف لوجوده تعالى، لأنه وإن جاز ذلك في مطلق المعرف، لكنه غير جائز في الأحكام الشرعية، لئلا يلزم تكليف ما لا يطاق، فإن الحكم إذا بقي ولا دليل عليه

стр. 661

لزم ذلك. وأورد: بأنه لا يلزم من انتفاء العلة انتفاء الدليل. الأولى: أنه إذا لم يوجد فيه أمارة العلية لم يجز جعله علة، لامتناع الترجيح من غير مرجح. وأما العكس: فاشتراطه مبني على التعليل بمختلفتين وسيأتي. واستدل على عدم اعتباره في العقلية: أن المخالفة من لوازم المتخالفين. وزيف: بمنع أنها واحدة، فيكون المعلل بكل واحد منهما مخالفته، وإطلاق المخالفة عليهما بالاشتراك اللفظي. ثم بمنع أن لوازم الماهية معلولاتها، وما ذكر من الأدلة عليه فضعفه عرف في موضعه. مسألة قيل: (القلب عبارة عن بيان أن ما ذكره المستدل يدل عليه). وهو غير مانع، إن لم يعتبر فيه اتحاد المسالة، ووجه الدلالة، وإن أضمر فيه فإضمار في التعريف. وقيل: (هو تعليق نقيض الحكم المذكور بالوصف المذكور بالرد إلى الأصل المذكور). وإنما اعتبر هذا، لأنه لو رد إلى غيره فحكمه: إن وجد في المذكور فالرد إليه أولى، إذ لا يمكن للمستدل منعه منه، وإلا: كان نقضا على الوصف. وإنما يمكن القلب عند اشتمال الأصل على حكمين، امتنع اجتماعهما في الفرق، فيلزم من رد كل واحد منهما إلى الأصل انتفاء الآخر عن الفرع، وفيما تكون مناسبته لأحد الحكمين إقناعا، لامتناع مناسبة الواحد للمتنافيتين. وإنما يفارق المعراضة في عدم إمكان الزيادة، وعدم إمكان منع وجود الوصف في الفرع،

стр. 662

فيبطل بما تبطل به المعراضة، حتى بالقلب إذا لم يناقض الحكم. وقيل: (هو إفساد العلة)، فليس للمستدل أن يتكمل على قلبه بكل ما للقالب أن يتكلم على دليله، لما سبق في النقض). وقد ثبت بالقلب والدليل بطلان مذهب صاحبه صريحا، دون صحة مذهبه كذلك، كقولنا: عضو من أعضاء الوضوء، فلا يتقدر بالربع كغيره، فيقول القالب: فلا يكفي أقل ما ينطلق عليه الاسم كغيره. وقد يدلان عليهما كذلك: كقولنا: طهارة ترد للصلاة، فلا تجوز بغير الماء كطهارة الحدث، فيقول القالب: طهارة تراد للصلاة، فتجوز بغير الماء كطهارة الحدث. وقد يدلان على بطلان مذهب صاحبه بواسطة، كقول الحنفي: عقد معاوضة مع عدم رؤية المعقود (عليه)، فوجب أن يتمكن المشتري من الفسخ، إذا وجد به برصا، أو جنونا كما في النكاح، فيقول القالب: فوجب أن لا تثبت فيه خيار الرؤية كالنكاح. وقد يدل أحدهما بغير واسطة، والآخر بها، كقولنا: عقد معاوضة، فينعقد مع عدم رؤية المعقود عليه كالنكاح، فينفي القالب الخيار، كما سبق. وأما إجمال الحكمين في الدليل والقلب: فغير ممكن لاستحالة اجتماع النفي والإثبات، كقولنا: لبث في مكان خاص، فاحتاج إلى معنى يصير به قربة، كالوقوف، فيقول القالب: فلم يحتج إليه كالوقوف فإن الحكمين غير حاصلين في الأصل، فإن عين في أحدهما صح. وقيل: هذا وما ينفي بواسطة لا يقبل في معارضة ما ليس كذلك. (وهو حق، وإن قيل: القلب معارضة، فإنما يدل بغير واسطة راجح على ما ليس كذلك). ومن القلب: نوع يسمى قلب التسوية. كقوله: مكلف مالك للطلاق، فيقع طلاقه كالمختار، فيقول القالب: فيستوي إيقاعه وإقراره كالمختار. وفي قبوله ما سبق من الخلاف. وقدح فيه: بأن الثابت في الأصل اعتبارهما، والمثبت في الفرع عدم اعتبارهما. ورد: بأن عدم الاختلاف حاصل فيهما، وهو المراد بالاستواء. وأعلى مراتب القلب: ما

стр. 663

يدل على الإبطال والصحة صريحا، ثم ما يبطل صريحا، ثم ما يصحح كذلك، ثم ما يدل ضمنا على المراتب الثلاث. مسألة القول بالموجب: (تسليم موجب الدليل مع بقاء الخلاف). وهو: غما على دليل من يثبت مذهبه عاما أو خاصا، أو يبطل مذهب خصمه، فهذه أقسام: الأول: لا يتصور فيه نفيا كان أو إثباتا، إذ لا بد فيه من التزام موجب الدليل، عموما أو خصوصا، فلا يتصور بقاء الخلاف، أو لا يكون قولا بالموجب. كقولنا: القيام فرض يجب في غير السفينة (فيجب في السفينة) كالقراءة، فالقول به في حالة وقوفها ليس قولا بالموجب إذ موجبه أن يجب مطلقا. وفي النفي: وكقولنا: مائع لا يرفع الحدث، فلا يزيل الخبث وكالدهن، فالقول به في المانع النجس ليس قولا بالموجب. والثاني: يتوصر فيه ذلك نفيا كان أو إثباتا. كقوله: حيوان تجوز المسابقة عليه، فتجب فيه الزكاة كالإبل، فيقول: أقول بموجبه، إذ يجب فيه زكاة التجارة، والنزاع في العين، هذا لو صدق في زكاة التجارة ذلك. وكقولنا في الملتجي: أنه وجد سبب جواز استيفاء القصاص، فكان استيفاؤه جائزا، كما في حق الغير، فيقول: أقول بموجبه إذ استيفاؤه جائز، وإنما النزاع في هتك حرمة الحرم، وما ذكر لا يقيده. وفي النفي: كقولنا في القهقهة: إنما غير ناقضة خارج الصلاة، فكذا فيها كغيرها، فيقول: أقول بموجبة: إنها لا تنقض في صلاة الجنازة وفيه نظر. والثالث: على قسمين: أحدهما: أن يكون المطلوب نفي الحكم، واللازم من دليله نفي موجبه معين له، كقولنا: التفاوت في الوسيلة لا يمنع وجوب القصاص، كالتفاوت في المتوسل إليه، فيقول: أقول

стр. 664

بموجبه. فلم لا يمتنع لغيره؟ وثانيهما: أن يكون المطلوب نفي عليه ما هو علة الحكم عند الخصم، واللازم من الدليل ففي علية ملزوم علته، كقولنا: الموت معنى يزيل التكليف، فلا تنفسخ به الإجارة كالجنون، فيقول: أقول بموجبه، إذ لا تنفسخ به، بل تنفسخ عنده، لزوال الملك، ولهذا لو باع العين المستأجرة، ورضي المستأجر بالبيع، انفسخت الإجارة. والقول بالموجب غير متصور في الأصل. ولا يجب على المعترض إبداء سنده، لعدم الفائدة، إذ لا يمكن من الاعتراض عليه، للانتشار وقيل: يجب لئلا يقدم عليه عاندا، أو قصدا، لإبطال كلامه. وجوابه: أن يبين أن الذي التزمه المعترض هو صورة النزاع، أو من جملة صورها بالنقل الصريح عن كتاب أو إمام لهم، أو أنه مشهور بالخلاف، أو أن ما أخذه يدل عليه. أو أنه وإن لم يكن محل الخلاف، لكن يلزم منه الحكم فيه، كما يلزم من نفي الجواز نفي الوجوب. أو أن هذا ليس تمام مدلول الدليل لفظا أو معنى. مسألة الفرق: إبداء وصف في الأصل يصلح أن يكون علة، أو جزء علة. وقبوله فرع امتناع تعليل الحكم الواحد بعلتين. مسألة الواحد بالنوع المختلف (بالشخص يجوز تعليله بمختلفه وفاقا) وفي تعليل الواحد شخصا بمختلف نوعا. ثالثها: يجوز في الشرعية.

стр. 665

وقيل: في المنصوصة، وهو اختيار الغزالي. والإمام والقاسم في رواية. وفي الأخرى: الجواز مطلقا. وقال إمام الحرمين: يجوز عقلا، ولم يقع شرعا. وقيل: بعكسه. للمانع: (أ) إن استقل كل منها عند الاجتماع لزم أن يكون واحد منها علة، إذ معناه أنه علة دون غيره، وإلا: لزم الترجيح من غير مرجح، أو حصول الغرض. (ب) أن تعليله بكل وحد منها يقتضي اسغناءه عنه، لوجوب ثبوت المعلول مع العلة المستقلة، أو استغناءه عن غيرها. (ج) أنه يؤدي إلى اجتماع المثلين أو نقص العلة. (د) أنه يؤدي إلى مناسبة الواحد لمختلفين. (هـ) أنه لو جاز، فإن أثر كل (واحد) منها في تمام الحكم، لزم تحصيل الحاصل، أو في بعضها لزم تبعيض الحكم، وأن يكون معلول كل غير الآخر. (و) الإجماع: إذ الصحابة تعلقوا بالترجيح بعد تصحيح العلة، وليس فيه ما يفسد علة الآخر، فهو لامتناع الإجماع. وأجيب: عن (أ) بمنع أن ذلك معنى الاستقلال، بل معناه: كونه بحيث لو وجد منفردا لكان مقتضيا له، من غير احتياج إلى غيره فلا يرد ما يقال عليه: بأن الكلام حالة الاجتماع، لا حالة الانفراد، لأن الحيثية متحققة فيه. وعن (ب) أنه لا يتأتى فيما يوجد دفعة واحدة، ثم مبنع امتناع حصوله باللاحقة إذا فسرت بالمعرف، ثم بمنع امتناع النقض لمانع. وعن (د) بمنع اشتراط المناسبة في العلة، إذ الطرد والشبه من طرقها، ثم بمنع امتناع

стр. 666

مناسبة الواحد لمختلفين باعتبار مشترك بينهما. وعن (هـ) لا يخفى مما سبق. وعن (و) بمنع أن ذلك من كلهم، بل من القائسي، منهم ثم إن ذلك لأن العلم بالمرجوح مع وجود الرجح لا يجوز. وفيه نظر، من حيث إن التمسك بالدليل الراجح والمرجوح على وجه واحد جائز، والمعتمد: لعله فيما اتفق أو علته واحدة بطريق البدلية. للمجوز: (أ) أنه إذا اجتمع القتل والزنا والردة، فإما أن لا يثبت الحكم فيه، وهو باطل قطعا، أو يثبت ببعضها فترجيح من غير مرجح، أو بمجموعها فيكون كل منها جزء علة، وليس كلامنا فيه، أو بواحد غير معين فكذلك، لأن ما لا تعين له ولا وجود له، فهو بكل واحد منها. لا يقال: وجودها معا ممنوع، وإن ترتبت فالحكم بالسابق، ولا شيء فيه مما ذكرتم من المفاسد - لأن جوازه معلوم بالضرورة، فإنه لو زنا مستحلا، أو تلفظ بالكفر في حالة الزنا، كان زنا وردة، وكذا لو مس فرج امرأة كان لمسا ومسا. والأقوى: أنك لو جمعت لبن أختك، وزوجة أخيك وأوجرت المرتضعة فإنها تحرم (عليك)، لأنك خالها وعمها. فإن قلت: الأحكام متعددة - إذ ذاك - لسقوط البعض وبقاء البعض، واختلاف آثارها. قلت: حياة الشخص الواحد واحد، والنكاح امر واحد، ومقابل الواحد واحد، فلو تعدد عند تعدد الأسباب، لزم اختلاف الشيء في نفسه لعارض، على أن ذلك لا يظهر في بعض ما تقدم، نعم الإضافة متعددة، لا الحكم، وهي تزول بزوال ما هي مضافة إليها، وجعل المشترك بين الأسباب علة، يقتضي خروج تلك الأسباب عن أن تكون علة لخصوصياتها، وهو خلاف الإجماع، ولأنها قد لا تشترط إلا: فيما لا يصلح للعية كطرده وانتفاضه. (ب) علل الشرع معرفات، ولا امتناع في اجتماعها. (ج) لو امتنع، فلا يمتنع لوجودها دفة، ولا لمقارنة الحكم العلل، لما سبق، ولا لانفراده مع اجتماعهما، لأنه ليس بذاتي له، وإلا: لكان كل من تصوره تصور امتناعه، فيكون لغيره والأصل عدم ذلك الغير، فيكون جائزا.

стр. 667

ولمن منع في المستنبطة: (أ) أنه إن أعطى فقيها فقيرا قريبا، احتمل أن يكون كل واحد منها علة، أو المجموع، أو مجموع اثنين، وهي متنافية، إذ قولنا: الداعي إلى الإعطاء الفقر فقط، ينافي أن يكون غيره علة أو جزءها، فإن بقيت على حد التساوي امتنع ظن علية شيء منها، وإلا: فالراجح علة. وزيف: أن التنافي إنما هو لصراحة نفي العلية عن الغير، وهو بدونه ممنوع، يؤكده أن يصح تقسيمه إلى القسمين. والتغيير خلاف الأصل، والتكاذب بين الاحتمالين لو سلم فحيث عرف المقصود، سلمناه، لكنه نزاع في معنى اللفظ، لا أنه لا يجوز ذلك. والأولى في تجويزه أن يقال: إن الاحتمالات إن تساوت امتنع حصول ظن علية واحد منها، لامتناع الرتجيح من غير مرجح، وظن علية كل واحد منها للتنافي، فإن علية المجموع تقتضي أن يكون كل واحد منها جزء علة، ولعية كل واحد منها يقتضي استقلاله، وإلا: فالترجيح لمنفصل غير المناسبة والاقتران لوجوده في الكل، فهو - إذا - العلة. (ب) الإجماع على قبول الفرق، شاور عمر في قصة المجهضة عبد الرحمن، فقال له: "إنك مؤدب، ولا أرى عليك شيئا"، وشاور عليا، فقال له: "إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرة". ووجه الاستدلال: أن عبد الرحمن ﵁ شبهه بالحدود، لكونه مستحقا، وعلي ﵁ فرق بينه وبينها، ولم ينكر ذلك فكان إجماعا. وأورد: لعله فيما اتفق علته واحدة. (ج) أنا نجد من أنفسنا اختلال ظن علية الوصف عند الشعور بآخر مناسب للحكم، ولو جاز التعليل بكل واحد منهما، لما كان كذلك، كما في المنصوصة. ولمن جوز في المستنبطة دون المنصوصة: أن المنصوصة قطعية، فأشبهت العقلية، والمستنبطة ظنية، فجاز أن يتعدد كالأمارات، ولوجود سببها في كل واحد منها. وأجيب: بمنع حكم الأصل، ثم بمنع لزوم القطع، للتنصيص، ثم الفرق: أن العقلية موجبة.

стр. 668

مسألة من قال الفرق يقدح: منهم من أوجب على الفارق نفيه عن الفرع، ليحصل مقصوده. وقيل: (لا)، لأنه إن لم يوجد فيه، فلا معنى لإجابه عليه، وإن وجد فيجب على المعلل بيانه، ليصح الإلحاق، وإلا: انقطع الجمع، وفيه نظر. وقيل: إن صرح بالاقتران بينهما فتجب، وإلا: فلا، إذ يجوز أن يقصد به بيان أن دليله غير تام، لأن الفرق إن لم يكن موجودا في الفرع فظاهر، وإلا: كان الحكم بالمجموع، لا بالذي ذكره المعلل. مسألة قيل: لا يجوز تعدد الأصل، لإفضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بواحد منه. وقيل به، لتكثير الأدلة، لتقوية إفادة الظن. ثم لو فرق بينه وبين أصل منها: اكتفى به، لأن إلحاقه بتلك الأصول كلها فرضه، وإلا: لم يعدده وهو غير حاصل. قيل: لا، لأن كل واحد منها مستقل في إفادة المطلوب، فلا بد من القدح في كلها بالفرق. والأظهر: أنه إن عدد للرجحان: فيقدح بالفرق، لأن دليل الثبوت - حينئذ - إنما هو واحد منها، وإلا: فلا. ثم من أوجب تعميم الفرق: منهم من أوجب أن يكون فرقا واحدا بين كلها، لئلا ينتشر الكلام، وليكون موافقا (للجامع) فإنه واحد بين كلها. ومنهم من جوز تعدده، وهو الأولى، لتعسر الأول، فيفسد باب الفرق. ثم المعلل: إن أجاب عنه بالنسبة إلى أصل واحد اكتفى به، كما لو اقتصر عليه أبدا. وقيل: لا، لأنه التزم صحة القياس، على (كل) تلك الأصول، فيجب تصحيحها. ولو فرق بين الفرع وبين بعضها: ففي وجوب الجواب الخلاف. ثم جواب الفرق: بمنع وجوده لا الأصل. وتأثيره إن ثبتت عليته بغير السبر والتقسيم. وبالغاية وبالنسبة إليه عموما أو خصوصا، وإن ناسب كالذكورة في العتقن وببيان أن وصفه استقل بالحكم في صورة بدون الفارق، فإن بين المعترض في تلك الصورة وصفا آخر، فلا بد من إبطاله حتى يتم استقلاله. وبرجحان علته على علة المعترض.

стр. 669

مسألة تقسيم العلة من وجه: (أ) علة الحكم: محله، أو جزؤه، أو خارج عنه: وهو: إما عقلي، أو عرفي، أو شرعي، أو لغوي. والعقلي: إما حكمه، أو أمارتها، كالجهالة في فساد البيع لتعذر التسليم، أو صفة حقيقية، أو إضافية، أو سلبية، أو ما يتركب منها، أو بعضها. والعرفي كبعض العيوب. والشرعي: كقولنا: يجوز بيعه، فيجوز رهنه. واللغوي كقوله في النبيذ: إنه يسمى بالخمر، فيحرم كالمعتصر من العنب. والتعليل بالمحل وجزئه الخاص لا يكون إلا: في القاصرة، ويجزئه العام في المتعدية. (ب) العلة: أما فعل المكلف، كقتله وردته، أو جمع ككون البر قليلا أو لا، وهو: إما لازم ككون البر مطعوما، أو لا، وهو: إما أصلي كالبكارة، أو طارئ بحسب العادة كانقلاب العصير خمرا وهي خلا. (ج) الحكم والعلة: إما ثبوتيان، كالطعم وتحريم الربا، أو عدميان: كعدم صحة البيع، لعدم الرضا، أو الحكم عدمي والعلة ثبوتية كعدم وجوب الزكاة للدين، وهذا القسم تسمية الفقهاء: (التعليل بالمانع)، أو بالعكس كاستقرار الملك بعدم الفسخ. وما فيه العلة عدمية: فيه نظر، إذ العلة ثبوتية، فيمتنع قيامها بالمعدوم، وهذا آت، وإن كان الحكم عدميا. (د) العلة مركبة أو بسيطة، وكل واحد منها: إما مظنون أو معلوم ضرورة، أو نظرا. مسألة إن جوز التعليل بالقاصرة جوز بمحل الحكم وجزئه الخاص، إذ لا بعد في أن يقول الشارع: حرمت الراب في البر، لكونه برا، أو بعرف مناسبة المحل للحكم. ولا يلتفت إلى ما يقال: إنه يلزم أن يكون الواحد فاعلا وقاتلا، وهو ممتنع، لأن امتناعه

стр. 670

ممنوع، وقد عرف ضعف دليله في موضعه ثم إنه لا يتأتى في الموكب. مسألة وفي التعليل بالحكمة: ثالثها: إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها جاز، وهو المختار: (أ) لأن ظن كون الحكم معللا بحكمة، وظن حصولها في آخر يوجب ظن ثبوت الحكم فيه، والظن واجب العمل، وهو غير آت فيما لا ينضبط. (ب) أنها علة لعلية العلة، فأولى أن تكون علة الحكم ترك العمل به في الخفية وفيما لا ينضبط، فيبقى فيما عداه على الأصل. (ج) التعليل بها جائز عرفا، إذ يقال: أعطى الأمير لدفع الحاجة وفعل لمصلحة كذا، أو لدفع مفسدة كذا، فوجب أن يجوز شرعا، للحديث. ولا يجوز أن يعلل بها مطلقا: - وإلا: لما جاز التعليل بالوصف، لزيادة مقدمة لا حاجة إليها، وتكثير إمكان الغلط والحرج والمشقة بسببها. ولأنها إذا كانت خفية غير منضبطة، لم يحصل العلم أو الظن بالمقدمتين، فلا يصح، لفقد شرطه، وكذلك علق الشارع الأحكام بالمظان. فإن قيل: حصول الظن بالمقدمتين ممنوع، وما الدليل عليه؟ ثم ما ذكرتم معارض: بما أن التعليل بمطلق الحاجة، فيقتضي ثبوته حيث ثبتت وبمخصوصها يقتضي الوقوف عليها ومقاديرها، يستدعي امتيازها عن غيرها، وهو في الخفي متعذر، سلمناه لكنه بعسر وحرج، وهو منفي بالنصوص النافية له. ثم إنه معارض: (أ) بأنه لو جاز التعليل بها لوجب طلبها، وهو منفي للمشقة والحرج. (ب) استقراء الشرع يدل على تعليل الأحكام بالأوصاف دونها، وذلك يفيد ظاهرا امتناعه.
следующие страницы →