← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18281

الفائق في أصول الفقه

الصفي الهندي

Полный текст (825 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

مناسبة الواحد لمختلفين باعتبار مشترك بينهما. وعن (هـ) لا يخفى مما سبق. وعن (و) بمنع أن ذلك من كلهم، بل من القائسي، منهم ثم إن ذلك لأن العلم بالمرجوح مع وجود الرجح لا يجوز. وفيه نظر، من حيث إن التمسك بالدليل الراجح والمرجوح على وجه واحد جائز، والمعتمد: لعله فيما اتفق أو علته واحدة بطريق البدلية. للمجوز: (أ) أنه إذا اجتمع القتل والزنا والردة، فإما أن لا يثبت الحكم فيه، وهو باطل قطعا، أو يثبت ببعضها فترجيح من غير مرجح، أو بمجموعها فيكون كل منها جزء علة، وليس كلامنا فيه، أو بواحد غير معين فكذلك، لأن ما لا تعين له ولا وجود له، فهو بكل واحد منها. لا يقال: وجودها معا ممنوع، وإن ترتبت فالحكم بالسابق، ولا شيء فيه مما ذكرتم من المفاسد - لأن جوازه معلوم بالضرورة، فإنه لو زنا مستحلا، أو تلفظ بالكفر في حالة الزنا، كان زنا وردة، وكذا لو مس فرج امرأة كان لمسا ومسا. والأقوى: أنك لو جمعت لبن أختك، وزوجة أخيك وأوجرت المرتضعة فإنها تحرم (عليك)، لأنك خالها وعمها. فإن قلت: الأحكام متعددة - إذ ذاك - لسقوط البعض وبقاء البعض، واختلاف آثارها. قلت: حياة الشخص الواحد واحد، والنكاح امر واحد، ومقابل الواحد واحد، فلو تعدد عند تعدد الأسباب، لزم اختلاف الشيء في نفسه لعارض، على أن ذلك لا يظهر في بعض ما تقدم، نعم الإضافة متعددة، لا الحكم، وهي تزول بزوال ما هي مضافة إليها، وجعل المشترك بين الأسباب علة، يقتضي خروج تلك الأسباب عن أن تكون علة لخصوصياتها، وهو خلاف الإجماع، ولأنها قد لا تشترط إلا: فيما لا يصلح للعية كطرده وانتفاضه. (ب) علل الشرع معرفات، ولا امتناع في اجتماعها. (ج) لو امتنع، فلا يمتنع لوجودها دفة، ولا لمقارنة الحكم العلل، لما سبق، ولا لانفراده مع اجتماعهما، لأنه ليس بذاتي له، وإلا: لكان كل من تصوره تصور امتناعه، فيكون لغيره والأصل عدم ذلك الغير، فيكون جائزا.

стр. 667

ولمن منع في المستنبطة: (أ) أنه إن أعطى فقيها فقيرا قريبا، احتمل أن يكون كل واحد منها علة، أو المجموع، أو مجموع اثنين، وهي متنافية، إذ قولنا: الداعي إلى الإعطاء الفقر فقط، ينافي أن يكون غيره علة أو جزءها، فإن بقيت على حد التساوي امتنع ظن علية شيء منها، وإلا: فالراجح علة. وزيف: أن التنافي إنما هو لصراحة نفي العلية عن الغير، وهو بدونه ممنوع، يؤكده أن يصح تقسيمه إلى القسمين. والتغيير خلاف الأصل، والتكاذب بين الاحتمالين لو سلم فحيث عرف المقصود، سلمناه، لكنه نزاع في معنى اللفظ، لا أنه لا يجوز ذلك. والأولى في تجويزه أن يقال: إن الاحتمالات إن تساوت امتنع حصول ظن علية واحد منها، لامتناع الرتجيح من غير مرجح، وظن علية كل واحد منها للتنافي، فإن علية المجموع تقتضي أن يكون كل واحد منها جزء علة، ولعية كل واحد منها يقتضي استقلاله، وإلا: فالترجيح لمنفصل غير المناسبة والاقتران لوجوده في الكل، فهو - إذا - العلة. (ب) الإجماع على قبول الفرق، شاور عمر في قصة المجهضة عبد الرحمن، فقال له: "إنك مؤدب، ولا أرى عليك شيئا"، وشاور عليا، فقال له: "إن لم يجتهد فقد غشك، وإن اجتهد فقد أخطأ، أرى عليك الغرة". ووجه الاستدلال: أن عبد الرحمن ﵁ شبهه بالحدود، لكونه مستحقا، وعلي ﵁ فرق بينه وبينها، ولم ينكر ذلك فكان إجماعا. وأورد: لعله فيما اتفق علته واحدة. (ج) أنا نجد من أنفسنا اختلال ظن علية الوصف عند الشعور بآخر مناسب للحكم، ولو جاز التعليل بكل واحد منهما، لما كان كذلك، كما في المنصوصة. ولمن جوز في المستنبطة دون المنصوصة: أن المنصوصة قطعية، فأشبهت العقلية، والمستنبطة ظنية، فجاز أن يتعدد كالأمارات، ولوجود سببها في كل واحد منها. وأجيب: بمنع حكم الأصل، ثم بمنع لزوم القطع، للتنصيص، ثم الفرق: أن العقلية موجبة.

стр. 668

مسألة من قال الفرق يقدح: منهم من أوجب على الفارق نفيه عن الفرع، ليحصل مقصوده. وقيل: (لا)، لأنه إن لم يوجد فيه، فلا معنى لإجابه عليه، وإن وجد فيجب على المعلل بيانه، ليصح الإلحاق، وإلا: انقطع الجمع، وفيه نظر. وقيل: إن صرح بالاقتران بينهما فتجب، وإلا: فلا، إذ يجوز أن يقصد به بيان أن دليله غير تام، لأن الفرق إن لم يكن موجودا في الفرع فظاهر، وإلا: كان الحكم بالمجموع، لا بالذي ذكره المعلل. مسألة قيل: لا يجوز تعدد الأصل، لإفضائه إلى النشر مع إمكان حصول المقصود بواحد منه. وقيل به، لتكثير الأدلة، لتقوية إفادة الظن. ثم لو فرق بينه وبين أصل منها: اكتفى به، لأن إلحاقه بتلك الأصول كلها فرضه، وإلا: لم يعدده وهو غير حاصل. قيل: لا، لأن كل واحد منها مستقل في إفادة المطلوب، فلا بد من القدح في كلها بالفرق. والأظهر: أنه إن عدد للرجحان: فيقدح بالفرق، لأن دليل الثبوت - حينئذ - إنما هو واحد منها، وإلا: فلا. ثم من أوجب تعميم الفرق: منهم من أوجب أن يكون فرقا واحدا بين كلها، لئلا ينتشر الكلام، وليكون موافقا (للجامع) فإنه واحد بين كلها. ومنهم من جوز تعدده، وهو الأولى، لتعسر الأول، فيفسد باب الفرق. ثم المعلل: إن أجاب عنه بالنسبة إلى أصل واحد اكتفى به، كما لو اقتصر عليه أبدا. وقيل: لا، لأنه التزم صحة القياس، على (كل) تلك الأصول، فيجب تصحيحها. ولو فرق بين الفرع وبين بعضها: ففي وجوب الجواب الخلاف. ثم جواب الفرق: بمنع وجوده لا الأصل. وتأثيره إن ثبتت عليته بغير السبر والتقسيم. وبالغاية وبالنسبة إليه عموما أو خصوصا، وإن ناسب كالذكورة في العتقن وببيان أن وصفه استقل بالحكم في صورة بدون الفارق، فإن بين المعترض في تلك الصورة وصفا آخر، فلا بد من إبطاله حتى يتم استقلاله. وبرجحان علته على علة المعترض.

стр. 669

مسألة تقسيم العلة من وجه: (أ) علة الحكم: محله، أو جزؤه، أو خارج عنه: وهو: إما عقلي، أو عرفي، أو شرعي، أو لغوي. والعقلي: إما حكمه، أو أمارتها، كالجهالة في فساد البيع لتعذر التسليم، أو صفة حقيقية، أو إضافية، أو سلبية، أو ما يتركب منها، أو بعضها. والعرفي كبعض العيوب. والشرعي: كقولنا: يجوز بيعه، فيجوز رهنه. واللغوي كقوله في النبيذ: إنه يسمى بالخمر، فيحرم كالمعتصر من العنب. والتعليل بالمحل وجزئه الخاص لا يكون إلا: في القاصرة، ويجزئه العام في المتعدية. (ب) العلة: أما فعل المكلف، كقتله وردته، أو جمع ككون البر قليلا أو لا، وهو: إما لازم ككون البر مطعوما، أو لا، وهو: إما أصلي كالبكارة، أو طارئ بحسب العادة كانقلاب العصير خمرا وهي خلا. (ج) الحكم والعلة: إما ثبوتيان، كالطعم وتحريم الربا، أو عدميان: كعدم صحة البيع، لعدم الرضا، أو الحكم عدمي والعلة ثبوتية كعدم وجوب الزكاة للدين، وهذا القسم تسمية الفقهاء: (التعليل بالمانع)، أو بالعكس كاستقرار الملك بعدم الفسخ. وما فيه العلة عدمية: فيه نظر، إذ العلة ثبوتية، فيمتنع قيامها بالمعدوم، وهذا آت، وإن كان الحكم عدميا. (د) العلة مركبة أو بسيطة، وكل واحد منها: إما مظنون أو معلوم ضرورة، أو نظرا. مسألة إن جوز التعليل بالقاصرة جوز بمحل الحكم وجزئه الخاص، إذ لا بعد في أن يقول الشارع: حرمت الراب في البر، لكونه برا، أو بعرف مناسبة المحل للحكم. ولا يلتفت إلى ما يقال: إنه يلزم أن يكون الواحد فاعلا وقاتلا، وهو ممتنع، لأن امتناعه

стр. 670

ممنوع، وقد عرف ضعف دليله في موضعه ثم إنه لا يتأتى في الموكب. مسألة وفي التعليل بالحكمة: ثالثها: إن كانت ظاهرة منضبطة بنفسها جاز، وهو المختار: (أ) لأن ظن كون الحكم معللا بحكمة، وظن حصولها في آخر يوجب ظن ثبوت الحكم فيه، والظن واجب العمل، وهو غير آت فيما لا ينضبط. (ب) أنها علة لعلية العلة، فأولى أن تكون علة الحكم ترك العمل به في الخفية وفيما لا ينضبط، فيبقى فيما عداه على الأصل. (ج) التعليل بها جائز عرفا، إذ يقال: أعطى الأمير لدفع الحاجة وفعل لمصلحة كذا، أو لدفع مفسدة كذا، فوجب أن يجوز شرعا، للحديث. ولا يجوز أن يعلل بها مطلقا: - وإلا: لما جاز التعليل بالوصف، لزيادة مقدمة لا حاجة إليها، وتكثير إمكان الغلط والحرج والمشقة بسببها. ولأنها إذا كانت خفية غير منضبطة، لم يحصل العلم أو الظن بالمقدمتين، فلا يصح، لفقد شرطه، وكذلك علق الشارع الأحكام بالمظان. فإن قيل: حصول الظن بالمقدمتين ممنوع، وما الدليل عليه؟ ثم ما ذكرتم معارض: بما أن التعليل بمطلق الحاجة، فيقتضي ثبوته حيث ثبتت وبمخصوصها يقتضي الوقوف عليها ومقاديرها، يستدعي امتيازها عن غيرها، وهو في الخفي متعذر، سلمناه لكنه بعسر وحرج، وهو منفي بالنصوص النافية له. ثم إنه معارض: (أ) بأنه لو جاز التعليل بها لوجب طلبها، وهو منفي للمشقة والحرج. (ب) استقراء الشرع يدل على تعليل الأحكام بالأوصاف دونها، وذلك يفيد ظاهرا امتناعه.

стр. 671

(ج) النافي للقياس قائم، ترك العمل به في الوصف، لظهوره وضبطه. (د) الحكمة متأخرة الحصول، وليست العلة كذلك. وأجيب: عن (أ) أن علية الوصف للحكمة، فإن امتنع الإطلاع عليها وعلى مقاديرها امتنع الحكم بعلية الوصف، وعسر ضبطها زائل في الظاهرة المنضبطة. وبه خرج الجواب عن (ب)، و (ج). وعن (د) بمنعه، فإنها معللة بالحكم - أيضا - كوجوب التوسط بين المهلك، وغير الزاجر في الحد، ووجوب إقامة التعزير وإسقاطه وقدره، والفرق بين العمل القليل والكثير في الصلاة، والأكل (اليسير) والكثير ناسيا في الإفطار، نعم الغالب ما ذكرتم، لكنه لا يدل على عدم جوازه. وعن (هـ) ما سبق مرارا. وعن (و) أن تأخرها في الخارج والعلية في غيره، ولو فسرت بـ (المعرف) منعت الثانية. تنبيه: من المجوزين من إذا قيل له: التفاوت بين الحاجات غالب، فلم قلتم إن الموجود في الأصل موجود في الفرع؟ أجاب: بأنا نعلل بالمشترك بينهما. فإذا نقض ذلك لحاجة غير معتبر في الحكم: لا نسلم وجوده فيه. وزيفه الإمام: بأن الأصل والفرع قد لا يشتركان إلا: في مسمى الحاجة، فيتحقق النقض. وزيف: بأنه احتمال، والمنع لا يندفع به، فلو قيل: تعليله بمشترك زائد على مسمى الحاجة: ممنوع، وبالمسمى فقط، منتقض كان ألزم.

стр. 672

مسألة جمع: على جواز التعليل بالعدم مطلقا. ومنع منه الأكثر في الثبوتي. لمن جوز: (أ) العلة بمنع الـ (معرف)، وهو لا ينافي العدم، فإن عدم امتثال العبد أمر سيده يعرف سخطه عليه، وعدم اللازم والشرط يعرف عدم الملزوم والمشروط، و - حينئذ - يجوز قيامها بالعدم كالوجود. (ب) الدوران قد يفيد ظن عليته. (ج) العلية ليست ثبوتية، وإلا: لكانت واجبة، فلا تفتقر إلى معروضها، أو ممكنة فتفتقر إلى علة، والكلام في عليته كالكلام في الأول، ولزم التسلسل. و- أيضا - فإما قديمة: فيمتنع قيامها بالمحدثات، ولزم - أيضا - قدم المعلول، أو حادثة، فيلزم التسلسل. ولأنها من النسبية، وهي عدمية. ولأن الخصم والعرف يساعدان على أن العدم علة العدم، ويمتنع قيام الثبوتي والعدمي، و - حينئذ - يجوز قيامها بالعدم، إذ الأصل عدم مانع آخر، وهي عندنا معرفة لا موجبة، حتى يجعل الإيجاب مانعا من علية العدم. للمانع: (أ) أن العلية ثبوتية، لأنها نقيض اللاعلية، المحمولة على العدم، فيمتنع قيامها بالعدم. (ب) أنه يطلب بحدوث الأشياء وجودها، ولو كان التعليل بالعدم جائزا لما كان كذلك. (ج) العلة متميزة ولا شيء من العدم بمتميز، فلا شيء من العلة عدم. (د) العلة له نسبة خاصة إلى الحكم، وإلا: لم يكن باقتضائه أولى من العكس، والنسبة نقيض للانتساب المحمول على العدم، فيمتنع قيامها به. (هـ) يجب على المجتهد سبر ما يصلح للعلية، ولا يجب عليه سبر الإعدام، لعدم تناهيها. (و) العدم ليس سعي الإنسان فلا يترتب عليه حكم، لقوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ [النجم: آية ٣٩]. و(ز) العلة في الأصل بمعنى (الباعث)، وضابط الغرض يجب أن يكون مقدورا للمكلف

стр. 673

إيجادا أو عدما، والعدم ليس كذلك، فلا يكون علة. وأجيب: منع أن العلة ثبوتية، والاستدلال بصورة النفي على الوجود دور، ثم إنه منقوض باللاامنتاع، ثم الدليل منقوض بالعدم، فإنه يجوز أن يكون علة العدم وفاقا. وعن (ب) بمنع أن ذلك لخصوصية الوجود، بل لعموم الحدوث. وعن (ج) بمنع الثانية. وعن (د) ما سبق، سلمناه، لكنه معارض بما يدل على أن السب والإضافات لا وود لها في الأعيان. وعن (هـ) بمنع الثانية، فإنه يجب عندنا سبر ما يصلح لها ثم لا نسلم عدم تناهيها، ثم إنه لتعذره أو تعسره. وعن (و) بمنع أن لا يترتب الحكم على ما ليس فعله، ثم إن العدم الطارئ قد يكون من فعله. (وقد) أجيب عنه: بالنقض بالمناهي، ولو كان اللامتناع فعلا، لكان الممتنع عن الفعل فاعلا. وهو ضعيف، لأن متعلق النهي فعل الضد، ولا بعد في أنه ممتنع عن فعل الفاعل لفعل آخر، ثم إنه مناقض لما اختاره المجيب: من أن متعلق النهي فعل الضد. وعن (ز) بمنعه في مطلق العدم، بل ذلك في العدم الأصلي، ثم إنه ينفي تعليل حكم الأصل به، دون حكم الفرع، فإن العلة فيه قد تكون بمعنى الإمارة. تنبيه: التعليل بالإضافي جائز إن قيلك بوجودها، أو بجواز التعليل بالعدم، وإلا: فلا.

стр. 674

مسألة التعليل بالحكم الشرعي جائز. وقيل: لا. لنا: (أ) الدوران. (ب) أنه لا بعد في أن يعرف حكم حكما. للمانع: (أ) الحكم ليس بعلة، بمعنى: الموجب والباعث، وهو ظاهر، ولا بمعنى: المعرف، لأن حكم الأصل معرف بالنص. (ب) الحكم المجعول علة، إن تقدم على الآخر أو تأخر عنه لم يكن علة، وإن قارنه فكذلك، إذ يحتمل عليته معلولية الآخر، وبالعكس، والنادر من الاحتمالات يلحق بالغالب. (ج) حكم الأصل إما أن لا يكون لعلة أو لعلة، وهي صفة، أو حكمة، أو حكم غير المجعول علة، وهو: إما معلولة أو غيره، والنادر من التقديرات ملحق بالغالب. (د) شرط العلة التقدم، وهو مجهول فيما نحن فيه. (هـ) إذا أثبت الشارع حكمين معا، فليس جعل أحدهما علة الآخر أولى من العكس، فإما أن لا يكونا علتين، وهو المطلوب أو يكونا علتين، فيلزم الدور. وأجيب: عن (أ) بمنع أنه لا يكون علة بمعنى: الداعي، لأن أحد الحكمين قد يدعو إلى الآخر لمناسبته من غير عكس، ثم بمنع أنه لا يكون علة بمعنى (المعرف)، فإنه معرف لحكم الفرع دون الأصل. وعن (ب) بمنع أن المتأخر لا يكون علة للمتقدم، ثم بمنع تساوي احتمالين وسنده ما سبق، ثم لا نسلم أن النادر من الاحتمالات ملحق بالغالب مطلقا، وإن عني بالنادر ما يوجد على بعض التقادير، وإن عني به ما يندر وجوده، فلا نسلم أنه نادر بهذا المعنى، وهو الجواب

стр. 675

عن (ج). وعن (د) بمنع الأولى، وسنده لا يخفى، ثم بمنع الثانية، فإنه وإن كان مجهول التقدم من جهة النقل، لكن وجوده أمارة العلية أمارة تقدمه. وعن (هـ) بعض ما سبق، ثم بمنع امتناع الدور في الـ (معرف). فرع: من جوز ذلك جوز تعليل الحكم الحقيقي به، إلاك بعضهم، إذ لا امتناع في أن الشرعي يعرف الحقيقي، وهذا إن فسرت بـ (المعرف) لا غير. مثاله: الشعر يحرم بالطلاق، ويحل بالنكاح، فيكون حيا ولعل مأخذ المانع بعض ما سبق. مسألة يجوز التعليل بالوصف العرفي، كالشرف والخسة، والكمال والنقصان، إن انضبط واطرد في جميع الأزمان، ليعلم حصوله في زمن الرسول ﷺ وحصول الإجماع عليه، وإلا: فلا. مسألة التعليل بالوصف المركب جائز. خلافا لبعضهم. لنا: مسالك العلة من الدوران وغيره. للمانع: (أ) أنه يفضي إلى نقض العلة العقلية. ولا ينقض بالماهية المركبة، لأن الماهية مجموع تلك الأجزاء، فلم يكن عدم شيء من أجزائها علة لعدم شيء آخر، والعلية زائدة، عدمها معلل نفيها، كعدم الأجزاء. وفيه نظر. (ب) إن لم يحدث عند اجتماع تلك الأجزاء زائد، ولم يكن علة لحالة الانفراد، وإن حدث عاد الكلام في المقتضى له وتسلسل.

стр. 676

(ج) العلية زائدة على ذات العلة، لا مكان تعقله بدونها، ولأن العلية معنى من المعاني، والذات جوهر أو جسم، فلو اتصفت المركبة بها: فإن قامت بكل جزء لزم كون جزء علة، وقيام الواحد بمحال كثيرة، وإن قام بكل جزء جزء انقسمت العلية، فيكون لها نصف وثلث، وإن قامت بجزء واحد لزم كونه علة دون المجموع. (د) لو كانت المركبة علة، لزم اجتماع العلل على معلول واحد، لأن تلك الأجزاء لو انعدمت معا، مع أن عدم كل واحد منها علة لعدم العلية، لزم ذلك. (هـ) إن ناسب كل واحد من تلك الأوصاف للحكم، كان كل واحد منها علة للمناسبة والاقتران، وإلا: لم يكن المجموع مناسبا، لأن ضم ما لا يناسب إلى مثله أو غيره، لا يوجب مناسبة المجموع، فلم يكن المجموع علة. وأجيب: عن (أ) بمنع أن عدم كل واحد من تلك الأجزاء علة، لعدم العلية، وهذا لأن العلية العدم ممنوع، ثم لا يلزم من انتفاء العلة أن يكون العدم علة، لأنه يجوز أن يكون لعدم الشرط، وهذا لأن وجود تلك الأجزاء والتئامها شرط لقيام العلة بها، فانتفاؤها عند انعدام واحد منها، لانتفاء شرطها، ثم كون العلية زائدة ممنوع، وهذا لأنها لو كانت زائدة لزم التسلسل، ثم إنه منقوض بما للمركبة من الصفات، فإن الدليل ينفيها. وعن (ب) النقض بالهيئة الاجتماعية، ثم إنها حصلت بالاجتماع الحاصل بالفاعل. وعن (ج): (بمنع) أنها زائدة، وسنده سبق، - أيضا - لو كانت زائدة لزم قيام العرض بالعرض، إذ بعض المعاني يتصف بها، ولأنها إضافية، ولا وجود لها في الأعيان، ولأن معناها (المعرف)، وهو لا ينقضي قيام صفة حقيقية. بها ثم إنه منقوض بالألفاظ المركبة كالخبرية. والتحقيق: أن بالتأليف حصل وحده مجموعته، فقامت بها. وعن (د) ما سبق - هنا - وفيما تقدم. وعن (هـ) بمنع عدم مناسبة المجموع، على تقدير عدم مناسبة آحادها، إذ يجوز أن يثبت للمجموع ما ليس لآحاده، ثم يجوز أن يكون لكل واحد منها مدخل في المناسبة ويستقل بها المجموع.

стр. 677

واعلم أن استقراء الشرع يفيد القطع بجوازه، إذ وجوب القصاص مقدر بقتل عمد عدوان، ومثله كثير. فرع: عن بعضهم: أنه لا يجوز أن تزيد الأوصاف على تسعة ولا وجه له. مسألة التعليل بالقاصرة جائز، وهو اختيار القاضيين والبصري خلافا للحنفية وأبي عبيد الله البصري. لنا: (أ) أن توقيف الصحة على التعدية دور. أورود: (أ) أنه لا يلزم من عدم توقفها عليها صحتها بدونها، لجواز توقفها على وجودها في الفرع، ولا دور. (ب) ثم إنه دور معية. وأجيب: عن (أ) بأن الحاصل في الأصل وغيره مثلان، فكل ماله من الصفات بتقدير وجود مثله في غير الأصل ممكن له، بتقدير عدم مثله فيه، لأن حكم الشيء حكم مثله، فيكون علة، لأن عليتها باعتبار تلك الصفات. ورد: بمنعه بل بها، وبجودها في الفرع، فإن لم يعتبر هذا، فهو أول المسألة. وأجيب عنه: بأن المحصول في المحل عدمي، فيمتنع أن يكون له مدخل في العلية، ولأن القاصرة ليست علة، بمعنى (المعرف) إذ حكم الأصل معرف بالنص، ولا فرع لها، بل بمعنى: (الباعث)، أو (الموجب)، ومعلوم أنه لا تأثير لحوصلها في العلية على التقديرين. وعن (ب) أنه ليس دور معية، بدليل أنه يصح أن يقال: صحت العلة ثم عديت، أو عديت بعد أن صحت، ولو كان معا لما صح هذا، إذ لا يجوز إدخال كلمة ثم ما بين المتلازمين. (ب) القياس على المنصوصة، بل أولى، إذ التنصيص على العلة يقتضي، أو يوهم الأمر

стр. 678

بالقياس، وهو غير متصور في القاصرة. (ج) طرق العلية من المناسبة والسبر والتقسيم وغيرها، قد تكون حاصلة فيه. (د) أنه لا يمتنع لذاته، وإلا: لتعقل امتناعه كل من تعقله، ولا لامتناع مدركها لما سبق، وإلا: لعدم فائدتها لو سلم أنه يقتض الامتناع، لأن لها فوائد كمعرفة الباعث، ومطابقة وجه الحكمة، والعلم به، والمنع من القياس عليه. لا يقال: هذه الفائدة حاصلة بعدم التعليل بمعتدية، وهو أعم منه فلم يختص بها - لأنها تفيد المنع منه، وإن وجد في الأصل متعدية لمعارضتها إياها، ولو لم يجز التعليل بها بقيت المتعدية سالمة عن المعارض. فإن قلت: التعليل بالقاصرة مشروط بعدم التعدية، فلم يتصور ما ذكرتم. قلت: لا نسلم ذلك، وهذا لأنهم نصوا على التعارض بينهما لكن قوم رجحوا المتعدية، وقوم سوو بينهما، ولو كان الأمر كما ذكرتم لما كان كذلك. ولا لشيء آخر، إذ الأصل عدمه، وعدم اقتضائه لذلك، فيصح. لهم: (أ) الدليل ينفي القول بالعلة المظنونة .. إلى آخره، وقد مضى جوابه. (ب) فائدة العلة معرفة الحكم، وهي مفقودة في القاصرة، فنصبه عبث. (ج) العلة كاشفة عن شيء، لأنها أمارة القاصرة، والقاصرة لا تكشف عن شيء. وأجيب: عن (ب) بمنع انحصار الفائدة فيه، لما سبق، ثم بمنع أن نصبه عبث ممتنع، إذ يجوز أن يكون عابثا على الحكم، ومؤثرا فيه، وإن لم ينتفع الطالب بها، ثم لا يعلم أنها قاصرة، إلا: بعد الوقوف عليها، والتعليل بها، ثم إنه منقوض بالمنصوصة. وعن (ج) بمنع الأولى والثانية، والسند غير خاف. مسألة التعليل بمجرد الاسم غير جائز وفاقا. وهو: كالتعليل وجوب حد الزنا، وتحريم الخمر،

стр. 679

بمجرد الاسمية، حتى يثبت الحد في اللواط وحرمة النبيذ، وإن لم يسم به. لأنا نعلم بالضرورة أنه لا أثر بمجرد الاسمية في إثبات الحكم ونفيه، والتعليل بكونه مخامرا للعقل، تعليل بالمسمى لا بالاسم. مسألة حكم الأصل ثابت بالعلة، حيث يكون المعنى معقولا. خلافا للحنفية. لنا: المعنى بها أمر مناسب، يغلب الظن أن الشرع أثبت الحكم لأجله، ولا سبيل إلى إنكاره. لهم: (أ) الحكم معلول، فلا يثبت بالمظنون. (ب) لو كان ثابتا فيه بها، لكانت أصلا له، كما في الفرع، لكنها فرع له. (ج) الحكم الثابت بالمظنونة لا يكفر جاحده، والثابت بالنص قد يكفر جاحده. وأجيب عنها: بأنه غير وارد على ما حررناه. والخلاف لظفي، فإنه عنى بالعلة (المعرف) فليس بثابت بها إذ عرف حكمه بالنص، وإن عنى بها (الباعث) فلا شك في أنه ثابت بها. مسألة لا يجوز التعليل بالصفات المقدرة. خلافا لبعض المتأخرين. كقولهم: الملك معنى مقدر شرعي، جواز التصرف معلل به. وقولهم: لاملك الحادث يستدعي شيئا حادثا، وهو قوله: بعت واشتريت ولا وجود لهما، لكن الشرع قدر وجودهما، لوجوب السبب عند وجود المسبب وقد يذكر التقدير في جانب الأثر كالدين، فإنه أثر سبب

стр. 680

من الأسباب، فيقدر له وجود في ذمة المديون، لتمكن الدائن من طلبه، وطلب ما لا يجوز له محال. وزيف: بأن الوجوب مفسر: إما بتعلق الخطاب، كما هو رأينا، أو يكون الفعل متصفا بصفة لأجلها يستحق الذم تاركه. والأول لا حاجة به إلى سبب محدث، إذ القديم لا يحتاج إليه، ولا الثاني، إذ المؤثر في الحكم جهة المصلحة والمفسدة. لأن التقدير يجب كونه موافقا للواقع، وتلك الحروف لو وجدت معا لم يكن كلاما. ولا معنى لتقدير الحال في الذمة، بل معنى الدين في الذمة تمكين الشارع للدائن من المطالبة حالا أو مآلا. وفيه نظر: من حيث إن الوجوب ليس هو نفس تعلق الخطاب لما سبق، ثم لا نسلم أنه لا حاجة به إلى سبب حادث، لأنه حادث فيفتقر إلى سبب حادث، ثم إنه منقوض بالأحكام المعللة، والأسباب والعلل الحادثة، فإنما ذكره ينفي الجواز، لا الحاجة فقط. ولو قيلك التعليل - هناك - بمعنى التعريف، قيل: مثله - هنا - وحينئذ - يقال: إذا جاز التعليل بالعدم بمعنى (المعرف) جاز بالأمر الاعتباري بطريق الأولى. وكون الحكمة مؤثرة في الحكم لا بنفي تعليله بالغير، وإلا: لما صح بالوصف. وكون التقدير على وفق الواقع، ليس معناه، أن المقدر يعطي حكمه لو كان موجودا، بل معناه: أنه يعطي حكم مؤثر موجود. مسألة (أ) العلة قد تقتضي حكما، أو أحكاما كثيرة: إما متماثلة - بشرط اختلاف المحل وإلا لزم اجتماع المثلين كالقتل الصادر من اثنين، فإنه يوجب القصاص عليهما. وإما مختلفة غير متضادة، كاتقضاء الحيض تحريم الإحرام والصوم والصلاة. أو متضادة، وهو في ذاتين أو في واحد بشروط متضادة، وإلا: لزم إمكان اجتماع الضدين،

стр. 681

كذبح المحرم، فإنه في الصيد محرم دون غيره، وذبح المسلم الصيد بشرط كونه حلالا ومحرما. (ب) شرط العلة اختصاصها بمن له الحكم، وإلا: لزم الترجيح من غير مرجح، أو تعميم الحكم، أو التعطيل، وقد يتوقف اقتضاؤها على شرط، كالزنا للرجم، بشرط الإحصان، وقد لا يتوقف كالزنا للجلد. وقد يثبت ابتداء لا دواما، كالعدة في منع النكاح، وقد يثبته فيهما كالرضاع في إبطاله. مسألة قد يستدل بذات العلة، كقوله: قتل عمد عدوان، فيجب القصاص وهو صحيح، وقد يستدل بعليتها، وهو فاسد، لأن عليتها للحكم يتوقف على كونه مرتبا عليها، فلو استدل على الترتيب بها، لزم الدور. واستدل: بأن العلية إضافي يتوقف ثبوتها على ثبوت المضافين، فيتوقف على ثبوت الحكم، فإثبات الحكم بها دور. وزيف: بأن النسبية لا تقتضي وجود المنتسبين في الخارج، بل في الذهن، فلا يتوقف صدق قوله: القتل سبب لوجوب القصاص على وجود القتل، ولا على ووجود القصاص. ثم الدور في العلة بمعنى (المعرف) - غير ممتنع. لا يقال: كونه مترتبا عليها هو نفس العلية - لأنا نمنع ذلك. وسنده بين. ثم نقول: إن كان علينه كان الاستدلال بالعلية على الحكم استدلالا بالشيء على نفسه، أو غيرها فدور، كما تقدم، وهو كما يقال: سببية القصاص حاصل في القتل، فيجب، أن يقال: قتل سبب لوجوب القصاص حاصل. مسألة تعليل العدمي بالوجودي يسمى تعليلا بالمانع. ولا يشترط فيه، وفي تعليل العدم بفقد

стр. 682

الشرط، - وجود المقتضى. خلافا لقوم. والخلاف إنما يتصور إن جوز تخصيص العلة. للمشارط: (أ) الأحكام لمصالح، لما سبق، فينتفي لانتفائها، وإن وجد - هناك - ما يقتضي عدمه، ولا يلزم من عدم الحكم - لعدم المقتضى - عدمه لمقتضى العدم. (ب) ليس المعلل بالمانع العدم المستمر، لأنه أزلي، ولا هو حكم الشرع، بل المتجدد، وهو إما بالموجود، أو بعرضيته، وهو بقيام المقتضى. (ج) عدم الحكم معلل بعدم المقتضى وفاقا، فلو علل بالمانع ذلك العدم أو مثله لزم تحصيل الحال، أو اجتماع المثلين أو غيره، وهو المطلوب. (د) إسناد انتفاء الحكم إلى عدم المقتضى أظهر عند العقل منه إلى المانع، لأنه أعلم وأغلب، ولعدم توقفه على شيء متجدد كالوجود والمناسبة والاقتران، فإن ترجح ظن عدمه على ظن وجود المانع أو ساواه، لم يعلل بالمانع، لأنهما وإن تساويا لكن اختص عدم المقتضى بما أن ظن عدم الحكم إلى عدم المقتضى أظهر، وإلا: فظن وجوده راجح، فالتعليل بالمانع عند ظن رجحان وجوده. (هـ) التعليل بالمانع يتوقف في العرف على وجود المقتضى، إذ قولنا: الطير لا يطير، لأن القفص يمنعه، إنما يصح إذا علم كونه حيا قادرا فكذا في الشرع، للحديث. وأجيب: عن (أ) بأنه لا يلزم منه أن لا يكون معللا بالمانع (ولزوم) تحصيل الحاصل ممنع, وهذا لأن علل الشرع معرفات، ثم عدم تعليله به يستلزم الترك بالمناسبة والاقتران. وعن (ب) بمنع امتناع تعليل المتقدم بالمتأخر، وتعليل الواجب، لما سبق، ونعني بكون العدم حكم الشرع: أنه لا يعرف إلا: منه، ثم بمنع أن يتجدد العدم لا يكون إلا: بالظن يقين، بل جاز بتجدد صفة له. نحو أنه مستفاد من الشرع.

стр. 683

وعن (ج) ما سبق. وعن (د) أن نفس ظن المانع كاف في التعليل بدون الأقسام المذكورة. وعن (هـ) بمنع اطراد العرف فيه، إذ يجوز أن يعلل عدم حضور زيد بكون السبع في طريقه، وإن لم يخطر بالبال سلامة أعضائه، وهو صالح لأن يجعل دليلا على المسألة مع الحديث المذكور. للنافي: (أ) المقتضى معارض له، فإذا جاز التعليل به معه، فعند عدمه أولى. (ب) المانع مقتضى لعدم الحكم، فتوقيفه على شرط خلاف الأصل، لا سيما إذا كان الشرط معارضا، هذا لا بأس به. (ج) المناسبة والاقتران والدوران، إذ يفرض حيث دارالعدم معه، وجودا وعدما دليلا للعلية. وأجيب: عن (أ) بمنع عدم الجواز عند عدمه، فضلا عن أن يكون أولى، وهذا لأنه شرط عندنا، وضعفه وقوته - إذ ذاك - ممنوع، على أن المأخذ فيه غير الضعف والقوة، فلا يفيد ما ذكرتم. وعن (ج) بمنع أنهما دليلا العلية مطلقا، بل بشرطه، فلم قلتم: إنه ليس بشرط؟ ، وهو ببيان أن وجود المقتضى ليس بشرط، فإثباته به دور. فرع: إذ شرط ذلك لم يجب عليه بيان وجوده، بل يكفي أن يقول: إن لم يوجد المقتضى انتفى الحكم، وإن وجد فكذلك للمانع، وبينته بطريقه. تنبيه: قيل: وجود الوصف المقتضى (للحكم) في الأصل، فيجب أن يكون متفقا عليه. وهو ضعيف، لأنه ليس شرط ذلك فيه أولى من شرطه في بقية مقدمات القياس.

стр. 684

والحق: أنه إذا ثبت وجوده، ولو بأمارة، كفى. مسألة العلة يجوز أن تثبت حكمين مختلفين. لأنها إن فسرت بـ (المعرف) أو (الداعي) فظاهر، إذ يجوز أن يكون الواحد باعثا على مختلفين، لمناسبته لهما بمشترك بنهما كمناسبة الزنا لتحريمه، ووجوب الحد، ومناسبة القتل العمد العدوان لوجوب القصاص، وحرمان الميراث، ووجوب الكفارة على رأينا. ولو صح تفسيرها بـ (الموجب) فكذلك مركبة كانت أو بسيطة، إذ لا منافاة بينه وبين مفهوم العلية بالمعنى، والأصل عدم مناف غيره. و - أيضا - القياس على العقلية، والقول: بأن الواحد لا يصدر عنه إلا: الواحد باطل، لما عرف في موضعه. و - أيضا - وقع بالاستقراء، وهو دليل الجواز وزيادة وقيل: لا. (أ) لامتناع مناسبة الواحد لمختلفين، إذا المعنى من مناسبة الوصف للحكم أن ترتبه عليه كاف في حصول مقصوده، فلو كان مناسبا لمختلفين، لزم حصول الاكتفاء بواحد وعدمه. (ب) و - أيضا - لا يناسبهما بجهة واحدة، إذ هو ممتنع، بل بجهتين، فيلزم اختلاف علتهما، إذ كل واحد من تينك الجهتين هو العلة بالحقيقة. وأجيب: عن (أ) بمنع أنه المعنى منه مطلقا، بل إذا كان ما يترتب عليه كل المناسب. وعن (ب) أنه لا ينتفي مناسبتها بأمر مشترك بينهما. مسألة ضابط (الباعث) يجب أن لا يكون بمثابة تلزم منه إثبات الحكم، أو نفيه مع القطع بانتفاء الحكمة، أو تحققها. كضابط الحنفية حكمة وجوب القصاص بالجرح: إذ القصاص إنما يجب صيانة للنفس المعصومة عن الفوات، فلو ضبط الوجوب به لزم وجوبه فيمن جرح ولم يقتل، أو قتل بما يقتل قطعا أو غالبا بدونه وهو على خلاف مقتضى الحكمة.

стр. 685

فإن قلت: ليس مجرد الجرح ضابطه، بل جرح يؤدي إلى القتل، فلا يرد. قلت: منكم من أطلق ذلك، فيرد عليه، ومن قيده بما ذكرتم يرد عليه جرح يؤدي إليه، لكنه لا يقتل غالبا، والتزامه بعيد جدا. لا يقال: مثله وارد عليكم في الاستبراء، إذ أوجبتموه وإن كانت الجارية بكرا، أو صغيرة، أو آيسة - لأنا نمنع الحكم على رأي، ثم إنه لإطلاق الحديث الوارد فيه. سيما قد تأكد بالإيماء، وهو ترتيب الحكم على الوصف، ولذلك لم يجز أن يستنبط منه معنى يخصص الحكم، وإن جوز ذلك في غيره، وقد تترك المناسبة لقوة الإيماء، فعند تأكده بالإطلاق أولى، فلو خلينا والمناسبة لما ضبطنا به. و- أيضا - إذا ظهر تأثير الوصف في الحكم، فإنه يثبت به الحكم في الفرع، وإن لم تظهر مناسبته وترجحه على ما ظهر مناسبته، فإذا ترك المناسبة لأجل التأثير في الفرع، مع أنه لا يتناوله النص، فلأن يترك فيما تناوله النص بإطلاقه أولى. واحتمال كونه ضابطا لحكمة أخرى في تلك الصورة خلاف الأصل، وخلاف الفرض، إذ يفرض الكلام فيما إذا لم يكن كذلك، ولأنه يقتضي تعليل الحكم بعلتين مختلفتين. مسألة قيل: ما ضبط به الحكمة يجب أن يكون بمثابة لا توجد الحكمة بدونه وإلا: فإن ترتب الحكم عليها في تلك الصورة لزم أن تكون هي العلة دون الضابط، وإلا: لزم إلغاء المقصود الأصلي واعتبار غيره. وهو يلتفت إلى التعليل بعلتين مختلفتين، والتعليل بالحكمة. مثاله: ضبط الحنفية العمدية باستعمال الجارح، فإنه يقتضي ترك العمد به، مع تيقن وجودها، كما إذا أصاب رأس إنسان بصخرة عظيمة أو ألقاه في ماء مغرق، أو نار محرقة. مسألة قيل: إن فسرت العلة بـ (الباعث) أو (الموجب) لم يجز تعليل الحكم بمتأخر عن وجوده، وإلا: جاز. لكن في غير الأصل، إذ لا يجوز تعليل حكمة بالعلة بمعنى (الإمارة). وقيل: لا، لأنه إنما جوز أن تكون العلة بمعنى (المعرف)، لأنها تعرف الحكم في الفرع، وهو مفقود، إذ الحكم معلوم قبلها. وأجيب: بالنقض، لجواز اجتماع المعرفات على معرف واحد، وبجواز اجتماع الأدلة على مدلول واحد وعند هذا يظهر: أنه لا يمتنع ذلك في الأصل، إذ غايته أن يكون حكمه معرفا بالنص

стр. 686

والعلة. لا يقال: إنه يمتنع، لأنه يقتضي بثبوت الحكم لا لسبب، أو بعلتين مختلفتين، ثم إنه يقتضي تقييد ال مسألة بما إذا كان له علتان - لأنا نمنع لزومه إذ يجوز أن يكون الحكم معلوما بالبقاء على العدم الأصلي، ثم إنه يعلل بمناسب يوجد بعد، وهو: كتعليل ولاية الأب على الصغير الذي عرض له الجنون - به، إذ الولاية ثابتة قبله. مسألة ما (إذا) استنبط من الحكم يجب أن لا يبطله بالكلية، لأنه فرعه فإبطاله له إبطال لنفسه. أما إن اقتضى تخصيصه، ففيه احتمالان: جوازه كتخصيص العلة، وعدمه، لأن المخصص مناف، والفرع لا ينافي أصله، وأما القياس: فالفرق يدفعه، وهو أن تخصيصها لا يبطل أصله. مثاله: تعليل الحنفية وجوب الزكاة بدفع حاجة الفقيرمطلقا، فيجوز دفع القيمة، فإنه يرف وجوب الشاه بعينها، وهو الحكم المدلول عليه بصريح النص. لا يقال: استنبط ذلك من مثل قوله ﴿وءاتوا الزكاة﴾ [البقرة: آية ٤٣] لا من مثل قوله: (في كل شاة أربعين شاة شاة). فلم يرجع عليه بالإبطال. قلت: فعلى هذا لا يجوز دفع القيمة، فيما يجب فيه شاة، أو بنت مخاض، ونحوه من المقدرات المعينة، على أن دفع الحاجة بقدر مخصوص من النصوص المطلقة غير ممكن. مسألة (قيل): المستنبطة يجب أن لا تكون مخصصة للكتاب والسنة المتواترة وهو بناء على أنه لا يجوز تخصيصهما بالقياس، وقد بينا صحته، وأن لا تكون معارضة لعلة أخرى، وهو فاسد، لأنها إن كانت راجحة فظاهر، وإن كانت مرجوحة فكذلك: لأن ذلك يمنع من العمل، لا من الاستنباط. وأن لا يكون متضمنا لإثبات زيادة على النص، وهذا بناء على أن الزيادة على النص نسخ، وقد عرف حيث يكون ناسخا، وحيث لا يكون. وأن تكون مستنبطة من حكم معلوم، وهو فاسد، إذ يجوز القياس على أصل ثبت حكمه بظني. وأن يعلم وجوده في الفرع، وهو كذلك، إذ لا مزية لهذه المقدمة على غيرها، فجاز أن تكون ظنية كغيرها. وأن لا تكون مخالفة لمذهب الصحابي، وهو كذلك، إذ ليس بحجة، ولو سلم فيمتنع رجحانه على القياس المعارض له.

стр. 687

مسألة في شرائط الفرع: (أ) العلة الموجودة في الفرع يجب أن تكون مثل ما في الأصل في الماهية، ولا أنقض منه، ويندرج تحته قياس نوع على نوع، وقياس العكس. (ب) حكمه مثل حكمه نوعا أو جنسا، كقياس المثقل على المحدد وقياس ولاية النكاح (على التقديم في الصلاة)، واعتبار هذا القيسد فيه من حد القياس ظاهر. وكونه ركنا في القياس لا ينفي أن يكون شرطا في الفرع، وأعني بالشرط ههنا - ما يعمه والركن. واستدل على اعتباره: بأن الأحكام للمصالح، فإذا كان حكم الفرع مثل حكم الأصل علمنا حصول ما يحصل منه في الأصل، فيجب إثباته لتحصيل مقصود الشارع. وفيه نظر، ذكرناه في (النهاية). (ج) خلوه عن راجح يقتضي نقيض ما اقتضته علة القياس، وهذا إن جوز تخصيص العلة، وإلا: فلا يتصور وجودها معه. (د) أن لا يكون حكمه المخالف لحكم القياس منصوصا عليه وإلا: لزم تقديم القياس على النص، فإن وافق فلا يمتنع ذلك. لأن ترادف الأدلة لزيادة الظن جائز، لكن بشرط أن النص الدال عليه غير النص الدال على الأصل، أما إذا اتحدا فلا، لعدم الفائدة. وقيلك باشتراطه مطلقا: لقصد معاذ. وبأن الدليل ينفي العمل بالقياس، ترك العمل به في صورة فقد النص، فيبقى فيما عداه على الأصل. وبالقياس على ما إذا كان الحكم على خلافه. وأجيب: عن (أ): بمنع مفهوم الشرط. ثم بأن المراد منه وجوب الحكم، لقرينة تولية القضاء، وقوله: "فإن لم تجد في كتاب الله قال: بسنة رسوله"، فإن الحكم بالسنة جائز مطلقا، وبالإجماع، و - حينئذ - لا يبقى فيه دلالة على المطلوب إذ النزاع في الجواز دون الوجوب. ثم إن المفهوم معارض بأدلة القياس من المنطوق والمعقول والترجيح معنا، إذ هما راجحان على المفهوم.

стр. 688

وعن (ب) ما سبق غير مرة. وعن (ج) بالفرق، وهو ظاهر. وأن لا يكون حكمه (ثابتا) قبل الأصل، وإلا: لزم ثبوته بلا دليل، إذ الكلام مفروض مفروض، فيما لا دليل عليه (سواه)، فأما إذا وجد فلا يمتنع ذلك. وشرط: أبو هاشم: أن الحكم في الفرع يجب أن يكون معلوما بالنص من حيث الجملة، حتى يفصله القياس، كما في توريث الإخوة مع الجد وهو باطل: بأدلة القياس، وإجماع الصحابة، إذ قاسوا مسألة الحرام على الظهار والطلاق واليمين، وليس فيه الشرط. خاتمة في تقسيم القياس (أ) جامعية. إن كان علة فـ (قياس العلة). أو لازمها، أن أثرها، أو حكمها، أو خاصية الشيء - وإن لم يعقل المعنى فـ (قياس الدلالة)، كالرائحة الفائحة، والإثم في إلحاق القتل بالمثقل بالجارح في وجوب القصاص، ووجب الدية في إلحاق القطع بالقتل، وجواز أداء الوتر على الرسالة في إلحاقه بالنوافل. وإن كان بإلغاء الفارق، فهو (القياس في معنى الأصل)، كقياس البول في الكوز، وصبه في الماء على البول فيه، ويسمى - أيضا (تنقيح المناط). (ب) القياس: إما مؤثر، وفسر بتفسيرين: أحدهما: (ما أثر عين الوصف في عين الحكم أو جنسه أو جنسه في عينه. وثانيهما: (ما كانت العلة فيه منصوصة صريحا أو إيماء، أو مجمعا عليه). وبين التفسيرين عموم وخصوص من وجه. وإما ملائم: قيل: هو: (ما أثر الوصف في جنس الحكم). قيل: هو هذا، والثاني والثالث من أقسام المؤثر، والمؤثر، إنما هو الأول.

стр. 689

(ج) ثبوت الحكم في الفرع: إما مساو لثبوته في الأصل، وهو: (القياس في معنى الأصل)، أو أولى منه، (وهو القياس بالطريق الأولى، أو لا)، وهو (القياس بلا قيد). وينقسم: - أيضا - إلى: جلي وخفي. قيل: الجلي القسمان الأولان، وما نص فيه على علته، والخفي: القسم الثالث، وقد تقدم لهما تفاسير أخر، بينهما تضاد واختلاف. (د) القياس: إما منصوص علته، وهو (القياس المنصوص علته) أو مستنبط. فإن كان طريقة المناسبة: فقياس المناسب والإخالة. أو السبر والتقسيم: فقياس السبر والتقسيم. أو الشبه: فقياس الشبه. أو الطرد والعكس: فقياس الدوران والطرد والعكس. أو لطرد: فيسمى به. (هـ) القياس: إما تلازم، وهو ما صرح فيه بصيغة الشرطية. أو غيره وهو ما ليس كذلك، وأقسامه تستفاد مما سبق. (و) القياس: إما مركب، وهو: ما ثبت حكم أصله بعلتين مختلفتين. كعدم الوجوب في حلي الصبية، سمى به، لأن الاتفاق عليه بمجموعهما، وهو في النفي تارة، كما سبق، وفي الإثبات أخرى، كولاية الإجبار على البكر الصغيرة. واختلف في حجيته: فالأكثر، على عدم حجيته: لعدم الفائدة، إذ الخصم يمنع ثبوت الحكم بالموجود في الفرع و - حينئذ - يحتاج المستدل إلى إثبات علته، فإن بين ذلك في صورة أخرى، لا يتأتى للخصم مثله فيها، فليقس عليه أولا، لئلا يطول الكلام بلا فائدة. و - أيضا - المعتمد في القياس إنما هو إجماع الصحابة، ولم ينقل عنهم التمسك بها. وقيل بحجيته، وعليه الخلافيون، لإطلاق أدلة القياس. وللمركب تفسير (آخر) ذكره بعضهم. وأما غيره، وهو: ما ليس كذلك، ويسمى بـ (القياس البسيط) و (القياس مطلقا).

стр. 690

الاعتراضات وهي: إما منع أو معارضة، وإلا: لم تسمع. (أ) الاستفسار: وهو: (طلب الشرح اللفظ)، لا جمال أو غرابة، دون عدم فهمه، مع ظهوره. ولذا قيل: (كل ما فيه الاستبهام صح عنه الاستفهام). وهو متجه، خلافا لبعض الجدليين، لأن التصديق فرع التصور، لتقدمه بالرتبة، قدم على غيره من الأسئلة وضعا. وصيغة: (ما) وما يجري مجراها في السؤال عن التصور. لا يقال: اللفظ غ، لم يكن فيه إجمال، فالاستفسار باطل، وإن كان فيجب إزالته في المستدل، إذ التمسك بالمجمل غير جائز، ونحوه في الغريب لأن الأصل عدم الإجمال. فله أن يقول عليه ما لم يبينه المعترض. ولذا للمستدل دفع هذا السؤالن فإنه يقتضي تحقق الإجمال، والأصل عدمه، فلو بينه المعترض بصحته على متعدد، وإن لم يبين التساوي لعسره، أو لأن الأصل عدم الترجيح. فعلى المستدل - إذ ذاك - بيان عدمه، بأن يقول: أحدهما راجح لكونه حقيقة، أو لغلبته في الاستعمال عرفا أو شرعا، أو بيان مراده منهما. ولا يكفي في ذلك أن يقول: يجب اعتقاد رجحان أحدهما دفعا للإجمال، لأنه لا يعين المراد، ولو عين فكذلك، لأنه معارض بمثله في الآخر. ولو قال: يجب ظهوره فيما يصدقه، لأنه غير ظاهر في الآخر وفاقا، وإلا: لزم الإجمال - كفى، وتفسيره بما لا يحتمله لغة لا يقبل. وفي صورة الغرابة: دفعه ببيان المراد، أو بمنع غرابته لكونه مشهورا وكذا بما ذكر أخيرا في الإجمال. (ب) منع إثبات المدعي بالقياس: وهذا السؤال إذا توجه فلا دافع له، وتعين انقطاعه. وهو على أنحاء: (أ) أن لا يكون للقياس فيه مدخل، قطعيا كان أو ظنيا، ككون التسمية آية من الفاتحة. والمراد من هذا القياس: (قياس المعنى)، أما (قياس الدلالة) فلا يمتنع، لكن (لا) يفيد القطع. وهو كاستدلالنا: بكونها مكتوبة في أوائل القرآن بخط المصحف، من غير نكير، مع

стр. 691

نكيرهم على من يكتب من غيره فيه، وقوة الشبهة فيها منعت من القطع، والتكفير من الجانبين. (ب) أن يكون الحكم مما يراد فيه القطع، والقياس لا يفيده، كما يقال: الفعل لا لغرض، أو لغرض الإيلام قبيح في الشاهد، فكذا في الغائب، بجامع كون الفاعل مختارا، فيلزم أن لا يكون الله تعالى فاعلا للكفر والمعاصي، فهذا وأمثاله من الكلامية يراد فيها القطع. (ج) أن يكون المثبت بالقياس قاعدة من قواعد أصول الفقه، كحجية خبر الواحد قياسا على قبول الفتوى والشهادات. فإن طلب فيها القطع كما هو مذهب الأقدمين: فالقياس بالط، أو الظن - كمذهب البصري - فلا. (د) ما طريقة الخلقة والعادة، كإثبات الحيض للحامل قياسا على الحايل، بجامع جواز الاستحاضة عليهما، وقد سبق أنه لا يجري فيها القياس، لأن أسبابها غير معلومة، ولا مظنونة، فيتعدد فيها القياس. وبالجملة: كل ما يمتنع فيه القياس وفاقا، أو عند المستدل، لا يجري فيه القياس، إلا: إذا قصد الإلزام، وإن امتنع عند الخصم، فلا يمتنع، فإنه إذا منعه فله أن يستدل عليه كغيره من المخلفات. (ج) فساد الاعتبار: وهو: بمخالفة القياس - أو حد مقدماته - للنص أو الإجماع أو كان الحكم يمتنع إثباته به كما تقدم. أو بفساد التركيب: بأن يكون مشعرا بنقيض الحكم، ويخص هذا بفساد الوضع. وإلحاق الفرع بالأصل: الفرق بينهما ظاهر، ليس منه على الأصح، لأن سؤال الفرق (سؤال) يقدح في أحد مقدماته، وما نحن فيه ليس كذلك، فإنه لا يعتبر بعد صحة مقدماته. وهو يحتمل التقديم على سؤال المنوعات، لأن فساد اعتباره أغنى من منع مقدماته، ويحتمل التأخير عنها، لأن المستدل مطالب، بتصحيح مقدمات ما ادعاه فإذا قام به، فبعد ذلك ينظر إن أمكن إثباته به أثبت، وإلا: رد. وجوابه: بالطعن في تلك النصوص، أو بمنع ظهور دلالة ما يلزم منه فساد اعتبار القياس، أو القول بالموجب، أو معارضته بنص آخر، أو إن تبين أن القياس في قوة النص، كمفهوم الموافقة، ولهذا

стр. 692

جاز النسخ به كالنص، فيصار إلى الترجيح. (د) فساد الوضع: صحة وضع القياس: أن يكون بحيث يترتب عليه الحكم، ففساده ضده، هو أعم من أن يكون بحيث يترتب عليه ضد الحكم لمناسبة، أو باعتبار نص أو إجماع أو لا. وكلام بضعهم يشعر بتخصيص فساد الوضع بالأول، لكن مظنة كونه ضد صحة الوضع يقتضي ما ذكرنا. وهو كقولنا في المعاطاة: بيع لم يوجد فيه سوى أرض، فلا ينعقد كغير المحقرات، فإن الرضا يناسب الانعقاد لا عدمه. وكقول الحنفية في القتل العمد العدوان: كبيرة محضة وجناية عظيمة فلا يجب فيه الكفارة، كالردة والفرار من الزحف، فإن ما ذكره يناسب التغليظ، لا التخفيف. ويجعل ما لا يصلح للعلية علة. وهذا أخص مما قبله، لاستلزام الأول إياه من غير عكس. وقدح في كونه سؤالا مستقلا، لأنه إن أثبت نقيضه بالوصف بالرد إلى أصله فهو قلب، أو ببيان مناسبته له بعين جهة المستدل، (لزم هدم مناسبة الحكم المستدل)، لامتناع مناسبة الواحد لمختلفين من جهة واحدة، وهو سؤال عدم التأثير، أو بغيرها، فلا منافاة. و - حينئذ - إن كانتا معتبرتين، فهو سؤال المعارضة أو غير معتبرتين، فلزم عدم دلالتهما، أو أحدهما فلم يكن الآخر مشعرا بنقيض الحكم. وأجيب: بمنع انحصار فساد الوضع فيما يشعر بنقيض الحكم، حتى يكون القدح فيه قدحا في فساد الوضع، ثم إنما يمتنع مناسبة الواحد لمختلفين في الحقيقتين فجاز ان يكون أحدهما إقناعية، ولا نسلم رجوعه إلى سؤال المعارضة عند اختلاف جهة المناسبة، بل هي منه، والعام غير الخاص. ومثله وارد عليه، فهو سؤال القلب، فإنه أعم من القلب. ويختلف جوابهما، فإن سؤال المعارضة يجاب بالترجيح، والمعارضة والقدح دونه، ثم يجوز أن تكون مناسبة المعترض حقيقة معتبرة دون المستدل فإنه قد يشعر بنقيضه، فحينئذ - يتبين فساد وضعه. (هـ) المنع:

стр. 693

وهو أعم الاعتراضات، لتطرقه إلى جميع مقدمات القياس، ولا تخفى كيفية توجهه إليها، والجواب عنه: فإن طريق ذلك مشهور. لكن في انقطاع المستدل عنه توجه المنع إلى حكم الأصل. ثالثها: اختار الأستاذ: أنه إن كان ظاهرا: لا، كمنع أن النكاح يبطل بموت الزوجين، لو قيس الإجارة عليه، فإنه انتهاؤه عندنا وعندكم - أيضا - استحسانا، إذ الفرق بين البطلان والانتهاء خفي، فلم يعد انقطاعا. وقال الغزالي: يتبع في ذلك عرف مكان المناظرة. ونقل عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي: أنه لا يصير منقطعا، ولا يجب عليه ذكر الدلالة على الحكم. وهذا لا يتجه إلا: إذا فرع على مذهب نفسه، فله أن يقول: إنما قست على أصلي، لكن لا يتصور منه منع وتسليم، أو يقل: إنما قست لظني أن الحكم في الأصل ثابت عندكم، فإذا هو غير ثابت، فلا أقيس عليه، فلا يعد منقطعا، بناء على ظنه. ولمن قال بانقطاعه مطلقا: أنه عدل عما شرع فيه ابتداء، وهو ذكر الدلالة على حكم الفرع، فكان كالإنتقال إلى غيره. ولمن قال بعدمه مطلقا: أنه من لوازم المطلوب، فكان ذكر الدلالة عليه، كذكر الدلالة على غيره من المقدمات، بخلاف العدول إلى الأجنبي، فإنه يعد إعراضا عن المطلوب فكان انقطاعا. فإن قلت: ما دل على حكم الأصل، إذا كان عاما والحكم غير ثابت، فإذا منع بناء على ذلك - وليس للمستدل دليل على - ثوبته في كله - فهل يصير منقطعا، أم له أن يقول: إنما قست على ما ثبت فيه الحكم. قلت: الأشبه أنه لا ينقطع به، وغايته أنه أطلق عاما، وأراد خاصا. وقيل: بانقطاعه نطر إلى ظاهر اللفظ، وما ذكر وإن كان جائزا، لكنه خلاف الأصل، فلعله بدا له ذلك بعد المنع. وإذا كان في المسألة روايتان عن إمام الخصم، أو عن بعض أصحابه فله أن يمنع الحكم بناء على أحد الروايتين، وللمستدل ان يجيب عنه: بأن الأشهر أو المفتي به ما قست عليه، والأخرى

стр. 694

غريبة، لا يقاس عليها. ثم إذا ذكر المستدل الدليل عل الحكم: فقيل: بانقطاع المعترض لتبين فساد المنع، وتعذر اعتراضه على الدليل، لإفضائه إلى التطويل فيما هو خارج عن المقصد الأصلي أو في النظري. وأجيب: بأنه لازم له، فيعترض على دليله كما في غيره. وقيل: لا يعد منقطعا، ولا يمنع من الاعتراض عليه، وإلا: لزم أن يكتفي بما يدعيه دليلا عليه، و - حينئذ - لا فائدة في قبول المنع. ومن المنوع القوية: منع وصف العلة. كقولنا: الكفارة شرعت زجرا عن ارتكاب الجماع، الذي هو محذور الصوم، فيختص به كالحد، فيمتنع ذلك، بل زجرا عن فيمنع أنه غير مكاف، إذ هي غير معتبرة في جميع الأمور وفاقا، الإفطار، الذي هو محذور. وكقولنا: قتل غير مكاف له، فلا قصاص، كما لو قتل حربيا، فلم قلت: إن الإسلام مما يجب رعايته فيها؟ . وجوابه: أن تبيين اعتباره بطريق، كترتيب الحكم عليه والمناسبة. (و) التقسيم: وهو (كون) اللفظ مترددا بين أمرين متساويين، أحدهما ممنوع. واعتبار القيد الأول للفظ التقسيم، فإنه ينبئ عنه. والثاني والثالث: ليكون له فائدة، فإنه لو كان ظاهرا في أحدهما حمل عليه، ممنوعا كان أو مسلما، لوجوب حمل الألفاظ على ظواهرها. ولو كانا مسلمين، أو ممنوعين، لم يكن للتقسيم معنى، إذا المقصود حاصل، أو غير حاصل على التقديرين. ويلتحق بهذا ما إذا كانا محصلين للغرض، ولكن يرد على أحدهما من القوادح والاعتراضات خلاف ما يرد على الآخر، : لأن له - حينئذ - غرضا صحيحا في التقسيم، وهو إيراد تلك الاعراضات عليه، فربما ينقطع عن بعضها. كقولنا في مسألة الخيار: وجد سبب ثبوت الملك للشتري، فوجب أن يثبت ويبين السبب بصدور البيع (من أهله المضاف إلى محله فيقول: السبب مطلق البيع، أو البيع المطلق، الذي لا شرط فيه، والأول أعم، لكنه مفقود في صورة النزاع. ثم لو منع المعترض في سؤال التقسيم -

стр. 695

بناء على أن اللفظ غير محتمل لمعنيين - فيكفيه أن يبين إطلاقه عليهما، ولا يجب بيان تساويهما لتعسره، وبيان التساوي إجمالا متيسر، بأن يقال: التفاوت يستدعي ترجح أحدهما على الآخر، والأصل عدمه. لكنه معارض: بأن الغالب إنما هو التفاوت، ولأنه يحصل بطريقين، والتساوي بواحد، ووقوع واحد من اثنين أغلب على الظن من وقوع واحد بعينه. وسؤال التقسيم بالنسبة إلى وجود المانع، بعد وجود المقتضى باطل، إذ ليس على المستدل بيان انتفاء المعارض. ثم جواب سؤال التقسيم: يكو ن اللفظ موضوعا لمراده لغة أو شرعا، أو عرفا، نقلا أو استعمالا، فلا يكون لغيره دفعا للاشتراك والنقل، وإن كان خلاف الأصل، لكنه خير من الإجمال. وبكونه ظاهرا في أحد الأمرين، لقرينة لفظية أو عقلية، إن كان هناك. وبأنه يجب اعتقاد ظهور هذا المعنى، وإلا: لزم الإجمال، أو خلاف الإجماع. (ز) المطالبة بتصحيح العلة: وهو منع كون المدعي علة. وهو: وإن كان من جملة المنوعات، لكن إنما أفراد لأن بعضهم زعم أن هذا السؤال ليس بصحيح. (أ) إذ لو قيل المنع فيه، لقبل في دليله، ودليله، وتسلسل. (ب) أن حاصله يرجع إلى طلب المناسبة والإخالة، وهي شرط العلية ولا يجب على المعلل بيان الشرائط. (ج) القياس: رد فرع إلى أصل يجامع، وقد أتى به، فلا يطالب بغيره، وعلى المعترض القدح إن أراد. (د) الأصل أن كل ما ثبت معه الحكم، فهو علة، فمن ادعى أن ما ذكر ليس بعلة، فعلية بيانه. (هـ) أنه بحث فلم يوجد سواه، والأصل عدم غيره. (و) أن علة الأصل لا بد وأن تكون متنازعا فيها، ليتصور الخلاف في الفرع إذ ليس الكلام في وجودها في الفرع، وذلك إنما يكون بعدم الاتفاق على ما في الأصل، ولو ظهرت مناسبته مع الاقتران لحصل الاتفاق عليه. (ز) عجز المعترض عن الاعتراض دليل سلامته عنه، كالمعجزة. (ح) عدم تخلق الحكم عنه دليل صحته.

стр. 696

(ط) إلحاق الفرع بالأصل بمشترك بينهما، تسوية بينهما، فيكون مأمورا به. (ي) القياس، تشبيه الفرع بالأصل، وقد يحصل ذلك بما ذكر من الشبه، وهو حجة. وأجيب: عن (أ) بمنع لزوم ما ذكره، فإنه إذا ذكر دليل على عليته كالمناسبة أو الإيماء أو الدوران، لم يمكنه منع عليته، لا يمكن منع دلالة الدليل، إذ تقدم أن المناسبة وغيرها دليل العلية. وعن (ب) بمنع أن المناسبة شرط العلية، بل جزؤها، ويجب ذكر أجزائها، ثم إنه شرط ذات العلة، ويجب ذكره دون شرط التأثير، للحرج والمشقة لكثرتها. وعن (ج) أن المعتبر: الجامع المعتبر، لا مطلقه. وعن (د) بمنعه مطلقا، بل فيما وجد فيه شرائط العلية، كالمناسبة والدوران. وعن (هـ) أنه من طرق إثبات العلة، فيكون جوابا عن سؤال المطالبة، لا ردا له. وعن (و) بمنع انحصار النزاع فيما ذكره، بل جاز مع المناسبة والاقتران، لحصول وصف آخر كذلك. وعن (ز) المعارضة بعجز المستدل عن التصحيح، ثم لا نسلم عجزه، وعدم شروعه في ذلك - لكون المنع أسهل من المعارضة - لا يدل عليه. وعن (ح) أنه إن اكتفى بالطرد ردا له، فهو جواب عن السؤال وإلا: لم يصلح للرد. وعن (ط) ما سبق في القياس. وعن (ي) بمنع أن مجرد الشبه غير كاف فيه، وإلا: لوجد في الواحد نقيضان. للمصحح: (أ) أنه لو لم يصح لصح الإلحاق لمطلق الأوصاف، لعلمه أنه لا يطالب بتصحيحه، فلا يشترط في العلة المناسبة أو غيرها من شرائط العلية. (ب) سؤال المطالبة: طلب تأثير الوصف وهو: إما شرط، أو جزء وعلى التقديرين يصح كسائر الأسئلة المتضمنة بيان الأركان والشرائط. (ج) الدليل ينفي العمل بالقياس، ترك العمل به في المناسبة والمؤثر، لإجماع الصحابة ولزيادة الظن، فيبقى في غيره على الأصل.

стр. 697

ثم جواب سؤال المطالبة: بمناسبته، وإخالته، أو تأثيره، أو بكونه مومئ إليه، أو خاصة أو أثرا للحكم، أو بنفي ما عداه. (ح) سؤال عدم التأثير: والتأثير: عبارة عن ظهور مناسبة العلة في نفسها، أو في اعتبار الشرع في غير محل النزاع. ومنه: ظهر أنه لا يعترض على المنصوصة، أو المجمع عليها إببذ الحكم يزول بزوالها، فعدم التأثير: عبارة عن جعل ما ليس بعلة، ولا جزء علة - لعدم ظهور علامتها - كذلك. وعند هذا ظهر الفرق بينه وبين العكس، وإن زعم بعضهم أنه لا فرق بينهما، لأن في العكس: تنتفي العلة والحكم، وإن لم يجب انتفاؤه فيه، لكن لوجود علة أخرى، وفي عدم التأثير: ما انتفى ليس بعلة ولا جزئها، والحكم باق لبقاء علته. فله أقسام عدة: عدم التأثير في الوصف: وهو: جعل ما لا يصلح للعلية ولا لجزئها كذلك. ويلزمه: عدم الإنعكاس قطعا، كقولنا في أذان الصبح: صلاة لا يجوز قصرها، فلا قصرها، فلا يجوز تقديم أذانها على وقتها، كصلاة المغرب، فإن عدم القصر لا يصلح لذلك. وعدم التأثير في الأصل والفرع جميعا: كقولنا: عبادة متعلقة بالأحجار، لم يتقدمها معصية، فيعتبر فيها العدد، كرمي الجمال، ثم يجب أن تكون ثلاثا، لعدم القائل بالفصل. فقولنا: لم يتقدمها معصية عديم التاثير في الأصل والفرع معا.

стр. 698

وعدم التأثير في الأصل فقط: كقولنا في الأمة الكتابية: أمة كافرة فلا تنكح، كالأمة المجوسية فالرق، لا أثر له في المجوسية، وله تأثير في الفرع. وهو مردود عند بعضهم كالأستاذ، لجواز تعليل الواحد بمختلفين. وأكثرهم على قبوله في بيان عدم التأثير، لامتناع الأصل المتقدم وقد سبق الكلام فيه. وعدم التأثير في الفرع فقط، وهو على قسمين: أحدهما: أن يذكر فيه وصف يتحقق الخلاف بدونه، كقوله: نوى صوم رمضان قبل الزوال فيصح، كما لو نوى من الليل، فإن الخلاف متحقق لو نوى مطلقه، وقد اختلف فيه، وهو مبني على جواز الفرض وعدمه، ولما كان المختار جواز الفرض في الدليل كان المختار قبوله. وثانيهما: أن يلحق الفرع بالأصل بوصف لا تأثير له على إطلاقه في الفرع وفاقا. كقولنا في العيوب الخمسة: عيب ينقص الرغبة في المعقود عليه، فوجب أن يثبت به ولاية الفسخ كالبيع، فالوصف المذكور في الإلحاق لا تأثير له في الفرع على إطلاقه، إذ لا تثبت ولاية فسخ النكاح بكل عيب وفاقا. وعدم التأثير في الحكم: وهو: أن يذكر في الدليل وصفا لا تأثير له في الحكم المعلل به، كقوله: في المرتدين: طائفة مشركة، فلا يجب عليهم الضمان بتلف أموالنا في دار الحرب، كأهل الحرب، فالإتلاف في دار الحرب لا تأثير له فيه نفيا أو إثباتا وفاقا. والفرق بين هذا وبين الثاني، فرق ما بين العام والخاص، لاستلزامه الثاني، من غير عكس. وزعم بعضهم اتحادهما، ولذا لم يذكر القسم الثاني، ويحتمل أن يكون ذلك لكونه أعم منه، فذكره يغني عن الخاص. ثم ليعلم أن عدم التأثير في الوصف يرجع إلى سؤال المطالبة، فالواجب واحد. وأما عدم التأثير في الأصل، والفرع معا، فجوابه: ببيان تأثيره فيهما، أو في أحدهما، وإلا: ففائدته في دفع النقض، كما سبق في المثال فإنه لو لم يقل: لم يتقدمها معصية لورد الرجم نقضا،

стр. 699

وإن لم يتيسر له ذلك فقد لزم سؤال عدم التأثير، و - حينئذ - يصير منقطعا. وقيل: إن تبين تأثيره ولو في أصل آخر، غير ما قاس عليه، كفى وعد مجيبا وأم عدم التأثير في الأصل، فجوابه: جواب المعارضة في الأصل، من غير تفاوت. وقيل: ببيان جواز تعليل الواحد بمختلفين. وهو ضعيف: إذ لو جاز هذا بطل سؤال عدم التأثير في الأصل بالكلية، لجواز أن يكون الزائل علة. ويكون الحكم ثابتا بعده بعلة أخرى، فهو دفع له من أصله، لا أنه جوابه بعد قبوله. وأما عدم التأثير في الفرع، فجوابه: بفوائد الفرض في الدليل. ويخص القسم الثاني منه: أن يقال: إنا وإن أجمعنا على أنه لا تأثير له في الفرع على عمومه، لكن تأثيره فيه بحسب خصوصه محتمل، فاللفظ العام يجوز أن يراد منه الخاص، إما بطريق التجوز، أو الإضمار، نحو أن يقال في مثالنا: عيب ينقص الرغبة في المعقود عليه، لفوات معظم المقصود منه، فوجب أن يثبت به ولاية الفسخ، كما في البيع. ولو ذكره ابتداء منع السؤال، فإن ذكره بعد ورود السؤال، فالظاهر أن يعد منقطعا، لأنه ظهر أن ما ذكره أولا ليس بعلة. وأما عدم التأثير في الحكم: فهو راجع: إما إلى عدم التأثير في الوصف، أو إلى سؤال الإلغاء، لأنه إن كان طرديا لزم الأول، وإن كان مؤثرا لزم الثاني، فجوابه: جوابه. (ط) القدح في مناسبة الوصف المعلل به، بكونها غير مناسبة أو مناسبة لضده، أو أنها إقناعية، أو إلغاء الشارع لها، أو عدم اقترانها بالحكم، أو استلزامها مفسدة، راجحة أو مساوية. وجوابه: القدح فيها، وبيان أضدادها، والترجيح إجمالا وتفصيلا. (ي) القدح في صلاحية إفضاء الحكم إلى ما علل به من المصلحة المقصودة. وهو ببيان عدم إفضائه إليه، أو ببيان إفضائه إليه، أو ببيان إفضائه إلى ضده. كما لو علل حرمة المصاهرة على التأييد بالحاجة إلى ارتفاع الحجاب، المؤدي إلى الفجور، فإذا تأبد انسد باب الطمع، المفضي إلى مقدمات الهم والنظر، المفضي إلى الفجور. فيعترض: بأن سد باب النكاح أفضى إليه، لأن الإنسان حريص على ما منع، ولأنه يتعين طريقا إليه، فكان وقوعه - إذ - أغلب.

стр. 700

وأجيب: بأن التأييد يمنع - عادة - بما تقدم ذكره، فيصير كالطبيعي، كالأمهات. (يا) ما علل به الحكم خفي، كالرضي، والقصد في المعاطاة، وضمان الوديعة، بقصد الخيانة. فطريقة أن يقال: العلل معرفات، فتكون جلية، وإلا: لما حصل الغرض، وهو يغلب ظن سلوكه المسلك. و - أيضا - الحكم خفي، والخفي لا يعرف الخفي. وجوابه: ضبطه بما يدل عليه من الصيغ والأفعال، والقرائن الظاهرة. وقريب منه: التعليل بما لا ينضبط كالحكم والمصالح، والزجر والحرج والمشقة، وقد سبق الكلام فيه، وفي الاعتراض بالنقض والكسر والعكس والفرق والقلب، والقول بالموجب في القياس. (يب) سؤال المعارضة. وهو: إما في الأصل، وقد سبق، إذ الفرق عبارة عنه، ويندرج تحته سؤال التعدية، وهو: أن يعين المعترض في الأصل ويعارض به، ويقول للسمتدل ما عللت به وإن تعدى إلى فرع مختلف فيه، فكذا ما عللت به يتعدى إلى آخر، وليس أحدهما أولى من الآخر. وهو: كتعليل ولاية الإجبار بالبكارة أو الصغر، لتعديهما إلى البكر البالغة، والثيب والصغيرة. وقيل: إن سؤال الفرق معارضة في الأصل والفرع. وقيل: هو عبارة عنهما، حتى لو اقتصر على أحدهما لا يكون فرقا. وهما ضعيفان، إذ المعارضة في الفرع: إن كان لمعنى فيه يقتضي الحكم، فهو التعليل بالمانع، وليس هو من الفرق في شيء. وإن كان لمنفصل فكذلك، لأنه لا يقتضي القدح في اشتراك الأصل والفرع في المعنى الذي لأجله ثبت الحكم في الفرع فلا يجوز أن يجعل عبارة عنهما. وأما في الفرع، فهو أن يعارض حكم الفرع بما يقتضي نقيضه لدليل أو بفوات شرط ثبوت الحكم فيه، لكونه غير مجمع عليه، فيحتاج إلى تقرير وجه دلالته كالمستدل.

стр. 701

واختلف في قبوله: لمن رد: أن المستدل أتى بما التزم، فلا يلزم بسماعها كالمستأنف، ولأن المعرتض ما دام لابان، وهي في الفرع بناء، والأصل هدم. ولمن قبل كأكثر المتقدمين: أنها تستلزم هدم ما بناه المستدل، فتقبل كالمعارضة في المقدمة. و - أيضا - قد يتعين ذلك طريقا إليه، حيث كانت المقدمات صحيحة، فلو لم تقبل، لبطلت فائدة المناظرة. وجوابها: القدح بكل ما يقدح فبه دليل المستدل، وبالمعارضة، وبالترجيح على الأصح. وقيل: لا يقبل، لأن أقل درجاته أن يكون اعتراضا على الدليل، فيحتاج إلى جواب عنه. وزيف: بأنه لا يجب جواب الاعتراض الضعيف، اكتفاء بظاهر الدليل، والترجيح واجب على المجتهد، فكذا المناظرة، لأنه تلوه. وقيل: يجب ذلك، لأن الترجيح كجزء الدليل، وهذا إنما يتصور عند ظهور المعارض، فإن خفي فلا. وقيل: لا يجب، فما فيه من المشقة والحرج. وقيل: إن كان الترجيح بخارجي فلا، لعدم توقف الدليل عليه، وللحرج. (يج) اختلاف ضابط الأصل والفرع، مع اتحاد حكمهما. كقولنا في شهود الزور: تسببوا إلى القتل عمدا وعدوانا، فلزمهم القصاص كالمكره، فيعترض عليه: بأن ضابط الحكمة في الأصل الإكراه، وفي الفرع الشهادة، وهما وإن اشتركا في مقصود الزجر، لكن لا يمكن تعدية الحكم به وحده، لاحتمال رجحان تسبب ضابط الأصل، ولا بنفس الضابط، لعدم الاشتراك فيه. وجوابه: ببيان أن التعليل إنما هو لعموم ما يشترك فيه الضابط أو ببيان أن ضابط الفرع مثله، أو أرجح كالشهادة، فإنها أفضى إلى القتل من الإكراه للتشفي والانتقام، مع جوازه عقلا وشرعا، من غير خوف وإنكار، واستدعاء قدرة تامة.

стр. 702

(يد) اختلاف جنس المصلحة مع اتحاد الضابط فيهما. كقولنا: أولج فرجا في فرج مشتهي طبعا، محرم شرعا، فيجد كالزنا. فيعترض: بأن الحكمة في اللواط إنما هو صيانة النفس عن رذيلة اللياط، وفي الزنا مع اختلاف المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى هلاك المولود، المؤدي إلى انقطاع النسل، فلا يلزم من اعتبار ضابط الأصل لحكمة مخصوصة، اعتباره في الفرع لحكمة أخرى، لجواز أن لا يقوم أحدهما مقام الآخر في نظر الشارع. وجوابه: ببيان أن حكمة الفرع مثل حكمة الأصل، أو أشد محذورا منها، كما في مسألتنا، فإن اللواط يقتضي عدم الولادة بالكلية. وهو أفضى إلى انقطاع النسل من الزنا، فكان أولى بالجد منه. وببيان مناسبة المشترك بين الحكمتين للحكم، فيكون معللا به. ولو فرق بينهما فجوابه حذفه عن درجة الاعتبار بطرقه. (يب) اختلاف حكم الأصل والفرع. حكم يقال: حكم الفرع مخالف لحكم الأصل، فلا يصح معه القياس، إذ اتحاد الحكم فيه ركن. وجوابه: ببيان اتحاده نوعا أو جنسا، كقياس صحة بيع الغائب على النكاح، وتعين فيه الصوم على الصلاة، وكقياس قطع الأيدي باليد الواحدة على القتل، فإن الحكمين متحدان بجنس الجراح دون النوع، إذ القتل نوع، والقطع نوع. وإن لم يمكن بيان اتحادهم، كما إذا كانا إثباتا أو نفيا أو إيجابا وتحريما، فالسؤال لازم. تنبيه: الاعتراضات كلها واردة على المناسب، وأما غيره كالشبه فلا، بل بعضها، ولا يخفى ذلك على الفطن. ثم هذه الأسئلة مترتبة، وهو بين، ثم ما كان منها من نوع واحد كالنقوض والمعارضات يجوز الجمع بينهما وفاقا، وما لا فلا. إلا: إذا كانت غير مترتبة، كالنقض مع عدم التأثير، فإنه يجوز عدم الترتيب. وقيل: لا، للانتشار، وهو منقوض بالأول. وقيل: يجوز الجمع وإن كانت مترتبة، وهو اختيار الأستاذ وعليه العمل في إيرادها في

стр. 703

الكتب، لأن الشروع في المتأخر، وإن أشعر بتسلم متعلق الأول، إذ لو بقي مصرا على الأول، لم يتوجه إليه الذي بعده في المرتبة، فلا يستحق الجواب، لكن تقديرا لاتحقيقا، كما هو الدأب في الإيراد، فإن صرح به كما لو قال: ولئن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم كذا، فلا شك فيه، وإلا: نزل عليه للاحتمال والعادة. وسؤال الاستفسار مقدم على غيره، لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ، استحال منعه أو معارضته، فالأسئلة كلها ترجع إليهما. ثم فساد الاعتبار، لأنه إفساد الدليل من حيث الجملة، وهو مقدم على ما يفضي إليه تفصيلا، لسهولة الإفضاء إلى الغرض، ولأنه يبطل الدليل بالكلية. ثم النقض وعدم التأثير والعكس - وإن قيل: بأنه يقدح فيه - والكسر مؤخر عن النقض. ثم المعارضة في الأصل: لأن النقض معارض لدليل العلية، وهي معارضة لنفس العلية، فكان متأخرا عنها. وفيه نظر: لأن النقض، وإن كان كذلك، لكن المعارضة في الأصل - أيضا - كذلك، فإنها تنفي عليه ذلك الوصف، فتكون معارضة للدليل الدال على عليته، فلا فرق من هذا الوجه. وأيضا - النقض لإبطال العلة، والمعارضة في الأصل لإبطال استقلالها. وهو - أيضا - ممنوع، إذ ليس في النقض ما يدل على أنه لا يصلح لجزء العلة، فكل منهما دال على عدم عليته، وهو أعم منهما، والدال على العام غير الدال على الخاص، لا مطابقة ولا تضمنا، فلا فرق، ثم إنه يقتضي تقديم المعارضة في الأصل عليه، لأنه أعم، وهو أعرف. وإذا بطل هذا، فالحق: (إما) أنه لا ترتيب بينهما، لأن كل واحد منهما قادح في عليته استقلالا، أو أن المعارضة في الأصل مقدم عليه، لأن المعارضة في الأصل: إبطال العلية في محله الأصلي، والنقض إبطال لها في غيره، ومعلوم أن الأول أقدم. ثم المعارضة قد تكون في الأصل، وقد تكون في الفرع، والأول أقدم، والقلب والقول بالموجب فمؤخران عما تقدم، لأنهما بعد تمام الدليل، وما قبله قبله، والقلب مقدم عليه، ولا يخفى مما تقدم ترتيب بقية الأسئلة بعضها على بعض.

стр. 704

التعادل والترجيح مسألة تعادل القاطعين غير جائز قطعا، لامتناع الجمع بين النقيضين. وكذا في الأمارتين عند الإمام أحمد، والكرخي، وجمع من الفقهاء. خلافا للأكثر. وحكمه: التخيير عند القاضي - منا - وأبي علي وأبي هاشم. والتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية عند الفقهاء. وقيل: إن وقع في الواجبات: فحكمه التخيير، إذ هو فيه غير ممتنع، كما في وجوب الحقاق وبنات اللبون وإن وقع في الواجب والإباحة، أو التحريم: فالتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية. وكلام الغزالي: يشعر أن من قال: المصيب واحد - منع منه والمصوبة اختلفوا فيه. وهذا إلينا غير مشهور. واختار الإمام جوازه في فعلين متنافيتين والحكم واحد، كوجوب التوجه إلى جهتين مختلفتين، غلب على الظن أنهما جهتا القبلة، دون ما إذا كان الفعل واحدا، والحكمان متنافيان، كوجوب الشيء وتحريمه. للمانع: (أ) أنه لو جاز: فإن وقع لم يعمل بهما، لامتناع الجمع بين المتنافيين. ولا تركهما، لامتناعه، ولترك العمل بالدليلين، ولأن نصبهما عبث. ولا بأحدهما عينا، لأنه تحكم، وقول في الدين بالتشهي، وترجيح من غير مرجح. ولا غير عين، بل على التخيير: لأن التخيير بين أمارتي

стр. 705

المباح وغيره - ترجيح لأمارة الإباحة عينا. و - أيضا - يلزم أن يكون المكلف مخيرا في الاجتهادية، وهو باطل إجماعا. و- أيضا - يلزم أن يكون الأمر بالنسبة إلى الحاكم والمفتي كذلك، فتدوم المنازعة، ولزم تخيير العامي. وأورد: أن الأخذ بأحدهما للاحتياط، أو لكونه أقل - ليس بتحكم، ولا بترجيح من غير مرجح. ثم لا نسلم أن العمل بأحدهما تخييرا - ترجيح لأمارة الإباحة، إذ هي تخيير بين الفعل والترك مطلقا، لا التخيير في الأخذ بدليلها أو التخيير في الفعل وتركه عند الأخذ بأمارة الإباحة. وهو كركعتي المسافر، فإنه خير في الأخذ بالعزيمة والرخصة، ولا إباحة، وكمن استحق أربعة دراهم على شخص، فقال له: تصدقت عليك بدرهمين، وإلا: قبلت الكل عن الدين، فالكل واجب مع وجود التخيير في الدرهمين. ثم إنه غير آت في أمارتي الوجوب والتحريم. ثم لا نسلم امتناع تخيير المجتهد في الاجتهادية مطلقا، (بل) عند الترجيح، ثم لا نسلم لزوم كون الأمر كذلك بالنسبة إلى الحاكم والمفتي، ولما سيأتي ثم امتناع العبث مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، ثم يجوز أن يكن فيه حكمة خفية، لا يطلق عليها، ثم هو منقوض بالتعادل الذهني، وبما أفتى مفتيان، أحدهما: بالحل والآخر: بالحرمة، ولم يظهر له رجحان أحدهما بالحل، والآخر بالحرمة، ولم يظهر له رجحان أحدهما على الآخر. وأجيب: عن (أ) بأن النزاع في المتعادلين، وهو ينفي ما ذكرتم. وعن (ب) أن الأمارتين تناولتا فعلا واحدا من وجه واحد، وإلا: لم تكن مسألتنا و - حينئذ - يمتنع أن يقال: يحرم عند الأخذ بأمارتها، لأنهما - حينئذ - ما قامتا على شيء واحد من وجه واحد، بل على شيئين غير متلازمين. و - أيضا - إن عنى بالأخذ اعتقاد الرجحان: فباطل، لما سبق، أو العزم على الإتيان جزما: فيجب الفعل بلا إذن، ولا منع أو غير جزم: فيجوز الرجوع عنه، وهو ممتنع.
следующие страницы →