← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 18281

الفائق في أصول الفقه

الصفي الهندي

Полный текст (825 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

واختلف في قبوله: لمن رد: أن المستدل أتى بما التزم، فلا يلزم بسماعها كالمستأنف، ولأن المعرتض ما دام لابان، وهي في الفرع بناء، والأصل هدم. ولمن قبل كأكثر المتقدمين: أنها تستلزم هدم ما بناه المستدل، فتقبل كالمعارضة في المقدمة. و - أيضا - قد يتعين ذلك طريقا إليه، حيث كانت المقدمات صحيحة، فلو لم تقبل، لبطلت فائدة المناظرة. وجوابها: القدح بكل ما يقدح فبه دليل المستدل، وبالمعارضة، وبالترجيح على الأصح. وقيل: لا يقبل، لأن أقل درجاته أن يكون اعتراضا على الدليل، فيحتاج إلى جواب عنه. وزيف: بأنه لا يجب جواب الاعتراض الضعيف، اكتفاء بظاهر الدليل، والترجيح واجب على المجتهد، فكذا المناظرة، لأنه تلوه. وقيل: يجب ذلك، لأن الترجيح كجزء الدليل، وهذا إنما يتصور عند ظهور المعارض، فإن خفي فلا. وقيل: لا يجب، فما فيه من المشقة والحرج. وقيل: إن كان الترجيح بخارجي فلا، لعدم توقف الدليل عليه، وللحرج. (يج) اختلاف ضابط الأصل والفرع، مع اتحاد حكمهما. كقولنا في شهود الزور: تسببوا إلى القتل عمدا وعدوانا، فلزمهم القصاص كالمكره، فيعترض عليه: بأن ضابط الحكمة في الأصل الإكراه، وفي الفرع الشهادة، وهما وإن اشتركا في مقصود الزجر، لكن لا يمكن تعدية الحكم به وحده، لاحتمال رجحان تسبب ضابط الأصل، ولا بنفس الضابط، لعدم الاشتراك فيه. وجوابه: ببيان أن التعليل إنما هو لعموم ما يشترك فيه الضابط أو ببيان أن ضابط الفرع مثله، أو أرجح كالشهادة، فإنها أفضى إلى القتل من الإكراه للتشفي والانتقام، مع جوازه عقلا وشرعا، من غير خوف وإنكار، واستدعاء قدرة تامة.

стр. 702

(يد) اختلاف جنس المصلحة مع اتحاد الضابط فيهما. كقولنا: أولج فرجا في فرج مشتهي طبعا، محرم شرعا، فيجد كالزنا. فيعترض: بأن الحكمة في اللواط إنما هو صيانة النفس عن رذيلة اللياط، وفي الزنا مع اختلاف المياه واشتباه الأنساب المفضي إلى هلاك المولود، المؤدي إلى انقطاع النسل، فلا يلزم من اعتبار ضابط الأصل لحكمة مخصوصة، اعتباره في الفرع لحكمة أخرى، لجواز أن لا يقوم أحدهما مقام الآخر في نظر الشارع. وجوابه: ببيان أن حكمة الفرع مثل حكمة الأصل، أو أشد محذورا منها، كما في مسألتنا، فإن اللواط يقتضي عدم الولادة بالكلية. وهو أفضى إلى انقطاع النسل من الزنا، فكان أولى بالجد منه. وببيان مناسبة المشترك بين الحكمتين للحكم، فيكون معللا به. ولو فرق بينهما فجوابه حذفه عن درجة الاعتبار بطرقه. (يب) اختلاف حكم الأصل والفرع. حكم يقال: حكم الفرع مخالف لحكم الأصل، فلا يصح معه القياس، إذ اتحاد الحكم فيه ركن. وجوابه: ببيان اتحاده نوعا أو جنسا، كقياس صحة بيع الغائب على النكاح، وتعين فيه الصوم على الصلاة، وكقياس قطع الأيدي باليد الواحدة على القتل، فإن الحكمين متحدان بجنس الجراح دون النوع، إذ القتل نوع، والقطع نوع. وإن لم يمكن بيان اتحادهم، كما إذا كانا إثباتا أو نفيا أو إيجابا وتحريما، فالسؤال لازم. تنبيه: الاعتراضات كلها واردة على المناسب، وأما غيره كالشبه فلا، بل بعضها، ولا يخفى ذلك على الفطن. ثم هذه الأسئلة مترتبة، وهو بين، ثم ما كان منها من نوع واحد كالنقوض والمعارضات يجوز الجمع بينهما وفاقا، وما لا فلا. إلا: إذا كانت غير مترتبة، كالنقض مع عدم التأثير، فإنه يجوز عدم الترتيب. وقيل: لا، للانتشار، وهو منقوض بالأول. وقيل: يجوز الجمع وإن كانت مترتبة، وهو اختيار الأستاذ وعليه العمل في إيرادها في

стр. 703

الكتب، لأن الشروع في المتأخر، وإن أشعر بتسلم متعلق الأول، إذ لو بقي مصرا على الأول، لم يتوجه إليه الذي بعده في المرتبة، فلا يستحق الجواب، لكن تقديرا لاتحقيقا، كما هو الدأب في الإيراد، فإن صرح به كما لو قال: ولئن سلمنا ذلك، لكن لا نسلم كذا، فلا شك فيه، وإلا: نزل عليه للاحتمال والعادة. وسؤال الاستفسار مقدم على غيره، لأنه إذا لم يعرف مدلول اللفظ، استحال منعه أو معارضته، فالأسئلة كلها ترجع إليهما. ثم فساد الاعتبار، لأنه إفساد الدليل من حيث الجملة، وهو مقدم على ما يفضي إليه تفصيلا، لسهولة الإفضاء إلى الغرض، ولأنه يبطل الدليل بالكلية. ثم النقض وعدم التأثير والعكس - وإن قيل: بأنه يقدح فيه - والكسر مؤخر عن النقض. ثم المعارضة في الأصل: لأن النقض معارض لدليل العلية، وهي معارضة لنفس العلية، فكان متأخرا عنها. وفيه نظر: لأن النقض، وإن كان كذلك، لكن المعارضة في الأصل - أيضا - كذلك، فإنها تنفي عليه ذلك الوصف، فتكون معارضة للدليل الدال على عليته، فلا فرق من هذا الوجه. وأيضا - النقض لإبطال العلة، والمعارضة في الأصل لإبطال استقلالها. وهو - أيضا - ممنوع، إذ ليس في النقض ما يدل على أنه لا يصلح لجزء العلة، فكل منهما دال على عدم عليته، وهو أعم منهما، والدال على العام غير الدال على الخاص، لا مطابقة ولا تضمنا، فلا فرق، ثم إنه يقتضي تقديم المعارضة في الأصل عليه، لأنه أعم، وهو أعرف. وإذا بطل هذا، فالحق: (إما) أنه لا ترتيب بينهما، لأن كل واحد منهما قادح في عليته استقلالا، أو أن المعارضة في الأصل مقدم عليه، لأن المعارضة في الأصل: إبطال العلية في محله الأصلي، والنقض إبطال لها في غيره، ومعلوم أن الأول أقدم. ثم المعارضة قد تكون في الأصل، وقد تكون في الفرع، والأول أقدم، والقلب والقول بالموجب فمؤخران عما تقدم، لأنهما بعد تمام الدليل، وما قبله قبله، والقلب مقدم عليه، ولا يخفى مما تقدم ترتيب بقية الأسئلة بعضها على بعض.

стр. 704

التعادل والترجيح مسألة تعادل القاطعين غير جائز قطعا، لامتناع الجمع بين النقيضين. وكذا في الأمارتين عند الإمام أحمد، والكرخي، وجمع من الفقهاء. خلافا للأكثر. وحكمه: التخيير عند القاضي - منا - وأبي علي وأبي هاشم. والتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية عند الفقهاء. وقيل: إن وقع في الواجبات: فحكمه التخيير، إذ هو فيه غير ممتنع، كما في وجوب الحقاق وبنات اللبون وإن وقع في الواجب والإباحة، أو التحريم: فالتساقط والرجوع إلى البراءة الأصلية. وكلام الغزالي: يشعر أن من قال: المصيب واحد - منع منه والمصوبة اختلفوا فيه. وهذا إلينا غير مشهور. واختار الإمام جوازه في فعلين متنافيتين والحكم واحد، كوجوب التوجه إلى جهتين مختلفتين، غلب على الظن أنهما جهتا القبلة، دون ما إذا كان الفعل واحدا، والحكمان متنافيان، كوجوب الشيء وتحريمه. للمانع: (أ) أنه لو جاز: فإن وقع لم يعمل بهما، لامتناع الجمع بين المتنافيين. ولا تركهما، لامتناعه، ولترك العمل بالدليلين، ولأن نصبهما عبث. ولا بأحدهما عينا، لأنه تحكم، وقول في الدين بالتشهي، وترجيح من غير مرجح. ولا غير عين، بل على التخيير: لأن التخيير بين أمارتي

стр. 705

المباح وغيره - ترجيح لأمارة الإباحة عينا. و - أيضا - يلزم أن يكون المكلف مخيرا في الاجتهادية، وهو باطل إجماعا. و- أيضا - يلزم أن يكون الأمر بالنسبة إلى الحاكم والمفتي كذلك، فتدوم المنازعة، ولزم تخيير العامي. وأورد: أن الأخذ بأحدهما للاحتياط، أو لكونه أقل - ليس بتحكم، ولا بترجيح من غير مرجح. ثم لا نسلم أن العمل بأحدهما تخييرا - ترجيح لأمارة الإباحة، إذ هي تخيير بين الفعل والترك مطلقا، لا التخيير في الأخذ بدليلها أو التخيير في الفعل وتركه عند الأخذ بأمارة الإباحة. وهو كركعتي المسافر، فإنه خير في الأخذ بالعزيمة والرخصة، ولا إباحة، وكمن استحق أربعة دراهم على شخص، فقال له: تصدقت عليك بدرهمين، وإلا: قبلت الكل عن الدين، فالكل واجب مع وجود التخيير في الدرهمين. ثم إنه غير آت في أمارتي الوجوب والتحريم. ثم لا نسلم امتناع تخيير المجتهد في الاجتهادية مطلقا، (بل) عند الترجيح، ثم لا نسلم لزوم كون الأمر كذلك بالنسبة إلى الحاكم والمفتي، ولما سيأتي ثم امتناع العبث مبني على قاعدة التحسين والتقبيح، ثم يجوز أن يكن فيه حكمة خفية، لا يطلق عليها، ثم هو منقوض بالتعادل الذهني، وبما أفتى مفتيان، أحدهما: بالحل والآخر: بالحرمة، ولم يظهر له رجحان أحدهما بالحل، والآخر بالحرمة، ولم يظهر له رجحان أحدهما على الآخر. وأجيب: عن (أ) بأن النزاع في المتعادلين، وهو ينفي ما ذكرتم. وعن (ب) أن الأمارتين تناولتا فعلا واحدا من وجه واحد، وإلا: لم تكن مسألتنا و - حينئذ - يمتنع أن يقال: يحرم عند الأخذ بأمارتها، لأنهما - حينئذ - ما قامتا على شيء واحد من وجه واحد، بل على شيئين غير متلازمين. و - أيضا - إن عنى بالأخذ اعتقاد الرجحان: فباطل، لما سبق، أو العزم على الإتيان جزما: فيجب الفعل بلا إذن، ولا منع أو غير جزم: فيجوز الرجوع عنه، وهو ممتنع.

стр. 706

ورد: بمنع لزومه، وهذا لأن الأخذ بالأمارة بعد دلالتها على الشيء حرمة كان أو إباحة، فلو كانت دلالتها عليه معتبرة في الأخذ بها - لزم الدور. ولا نسلم أن معنى قولنا: إنه يحرم حال الأخذ بأمارة الحرمة - أن دلالتها قائمة حال الأخذ بها، حتى يلزم ما ذكرتم. والثاني: يمنع عدم التكليف عند وجوب الفعل، وهذا لأن تكليف ما لا يطاق جائز، ثم المأمور إنما يصير مأمورا حال المباشرة لاقبله، مع وجوب الفعل، ثم الجزم على الفعل لقصد الامتثال لا ينافي التكليف به. ثم لا نسلم امتناع الرجوع، وإنما يلزم أن يكون ذلك الذي عزم عليه من الفعل أو الترك - حراما أو مباحا، وإن فعل غيره، أو ترك لقصد الامتثال. أن لو لم يشترط فيه أن يتصل به الفعل أو الترك، لقصد الامتثال. وعن (ج) أنه إذا ثبت ذلك فيه - لزم مثله في غيره، لعدم القائل بالفصل. و- أيضا - الإباحة منافية للوجوب والحظر، فعند تعادل أمارتيهما - لو قيل بالإباحة - لزم تساقطهما، وإثبات ما لا دليل عليه. وهو ضعيف، لأنه بناء على ما سبق. وأجيب عن قوله: (لعل فيه حكمة خفية): أن المقصود منها: أن يتوصل بها إلى مدلولها، فإذا امتنع ذلك منها كان خاليا عن المقصود الأصلي، وهو معنى العبث، بخلاف التعادل الذهني، فإنه لقصورنا. وهو الجواب عن الأخير، ويخصه: أنه للضرورة، إذ لا طريق له سواه، لجهله بطرق التراجيح. (ب) أنه سنبين أن لله في كل واقعة حكما، فلو تعادلت الأمارتان على النفي والإثبات - لزم التضليل والحيرة في إصابة الحق، وهو ممتنع على الشارع الحكيم. ورد: بمنعه، فإنه غير مأمور بإصابة حكم الله - عينا - بل به، أو بما ظنه كذلك، فإن لم يظن فحكمه التخيير أو التساقط والرجوع إلى غيرهما، وهو حكم الله في حقه - إذ ذاك. (ج) أن حكمه التساقط، وهو ترك بالدليلين أو التخيير، وهو مخالف لمقتضى الأمارتين فكان ممتنعا.

стр. 707

ورد: بمنع أن التخيير مناف لأمارة الوجوب، وهذا لأن المنع من خلال الواجب بعينه موقوف على عدم الدلالة على عدم قيام غيره مقامه. للمجوز: (أ) أنه لا يمتنع لذاته، إذ لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته، (ولا) لمنفصل عقلي، أو نقلي، إذ الأصل عدمه، فمن ادعى فعليه بيانه. (ب) القياس على التعادل الذهني. (ج) أن ثبوت الحكم في الفعلين المتنافيين، أو ثبوت الحكمين المتنافيين في واحد يقتضي إيجاب الضدين بطريق البدلية، ولا امتناع فيه، ولا معنى للتخيير إلا: ذلك. وأجيب: عن (أ) أنه استدلال على الجواز بعدم ما يدل على الفساد، وأنه ليس أولى من عكسه. وعن (ب) أنه قياس خال عن الجامع، ثم الفرق المتقدم. وعن (ج) أنه لا نزاع فيه، وإنما في نصب إمارتين متعادلتين على حكمين متنافيين، والفعل واحد، أو فعلين متنافيين والحكم واحد، وهو لا يغيره وإذ قد ظهر ضعف المأخذين: وجب التوقف، وإن كان الأقرب هو القول بالجواز. قال الإمام: تعادلهما في متنافيين، والفعل واحد - جائز غير واقع، إذ يجوز أن يخبرنا رجلان بشيء وعدمه، مع تساويهما في كل ما يوجب الصدق، لكنه غير واقع. واستدل عليه: بما تقدم، وهو غير مختص به، بل يدل على عدم جوازه شرعا. وأما تعادلهما في فعلين متنافيين - والحكم واحد - فجائز، ومقتضاه التخيير. كما في إيجاب الحقاق وبنات اللبون، والمصلي داخل الكعبة، والولي إذا وجد من اللبن ما يسد رمق أحد

стр. 708

الرضيعين ولو قسم عليهما، أو منعهما لماتا. وفيه نظر، إذ ليس الحكم بواحد بحسب متعلقه، وإن اتحد بحسب نوعه، والباقيتان من صور الواجب المخير - لا مما نحن فيه. فرع: التعادل: إن حصل للمجتهد في نفسه تخير، أو يرجع إلى غيرهما ويتساقطان. ونقل فيه التوقف كما في التعادل الذهني، وهو بعيد جدا. وإن استفتي خير، وقيل: عين، لدفع التخيير عنه، وهو بعيد إذ لا تخير في مقتضى التخيير، والأظهر: أنه بالخيار بين أن يخير أو يعين. وإن حكم: عين ليقطع الخصومة. وإذ حكم بإحدى الأمارتين لم يمتنع عقلا أن يحكم بالأخرى في وقت آخر كالمصلي، ولكن منع منه قوله ﷺ (لا تقض شيء واحد بحكمين مختلفين)، وما روى عن عمر في الحمارية - فهو من باب تغير الاجتهاد. مسألة تعادل الحكمين المتنافيين في واحد، ووقت واحد - على البدلية من مجتهد: على الخلاف والتعادل الذهني. وإن جاز وفاقا، لكن حكمه التوقف، أو التساقط والرجوع إلى غيرهما. والتخيير فيه - بعيد، لعلمه برجحان أحدهما، وقصوره عن معفرته، فلم يمكن تخريجه عليه. ثم إذا نقل عن المجتهد قولان في كتابين، وعلم التاريخ - كان الثاني رجوعا عن الأول ظاهرا، وإلا: جب نقل القولين من غير رجوع وترجيح. وإنما قلنا: ظاهرا - لاحتمال أن يكون الراجح عنده هو الأول، وأبدى الثاني على وجه

стр. 709

الاحتمال. وإن كان في كتاب واحد: فإن كان في موضعين: فهو على ما سبق. أو في واحد، فإن بذكر ما يدل على رجحان أحدهما، أو فرع عليه: فهو قوله، فإن قول المجتهد: هو ما يترجح عنده، وإلا: فإن ذكرهما في معرض الحكاية، فلايكونان له، وإلا: فهما له ظاهرا. ثم الأمارتان إذا تعارضتا، ولم يجد المجتهد ما يرجح أحدهما بعد الطلب الشديد - فلا سبيل إلى الجزم بكونهما متعادلتين خارجا، لاحتمال إطلاعه عليه، ألعدم التنبيه لوجه دلالته عليه، بل قد يغلب على ظنه ذلك، فإن غلب كان حكمه حكم المتعادلين خارجا، وإلا كالمتعادلين ذهنا، فلا يتطرق إليه التخيير. ثم من المعلوم: أن القولين إنما هو على البدلية، فليس له في الحقيقة إلا: قول واحد، وإنما يقال: له قولان - باعتبار البدلية تمييزا له عما له فيه قول بعينه. وما قيل: إن إطلاق القولين يدل على التوقف، ولا قول للمتوقف فهو بناء على امتناع التعادل خارجا، وأن للتخيير ترجيحا لأمارة الإباحة بعينها. وإن نص على أحدهما دون الآخر، بل نقل عن نظريتها: فإن كان بينهما فرق يجوز أن يذهب إليه ذاهب - لم يكن قوله في تيك قوله في الأخرى، وإلا: فهو قوله فيها ظاهرا، وإنما قيد به لجواز الذهول عنها - إذاك. وإن نقل القولان عن نظريتيهما: فالحكم فيهما على ما ذكرنا، وكذا حديث التاريخ. وأكثر أقوال الشافعي ﵁ من القسم الأول. ومما ذكر معه ما يرجع أحدهما، (وأما) على غيرهما - فلم يصح ذلك إلا: في سبع عشرة مسألة، على ما قاله الشيخ أبو حامد الأسفراييني - رحمه الله تعالى - وهما يدلان على رجحان علمه ودينه: أما الأول: فلأنه يدل على اشتغاله بالعلم وطلبه الحق أبدا، والرجوع إليه، وترك التعصب لمهذبه. وأما الثاني: فلأن من كان أغوص نظرا، وأدق فكرا، وأكثر إحاطة، بالأصول والفروع، وشرائط الاستدلال - كانت الإشكالات عنده أكثر، وكان التوقف به أجدر. وأما دلالته على كمال الدين: فلأنه لما لم يظهر له في المسألة وجه الرجحان - لم يستنكف من الاعتراف بعدم العلم، ولم يشغل بالترويج والمداهنة، بل صرح بعجزه، ولهذا عد مثله من

стр. 710

مناقب الصحابة إجماعا. و- أيضا - لم يعترف به اقتداء حتى يتوهم تقصيره في طلب دليله، بل بين أن حكمها دائر بين الاحتمالين، ليقطع ما عداهما عن أن يكون حكما فيها. هذا كله على التعادل الذهني، وأما على الخارجي: فما يليق به إلا: إطلاق القولين، إذ الجزم بأحدهما خطأ. مسألة قيل: الترجيح (تقوية طريق على آخر، ليعلم الأقوى، فيعمل به، ويطرح الآخر). وزيف: بأن التقوية فعل الشارع، أو المجتهد حقيقة، أو ما به التقوية مجازا - والترجيح اصطلاحا ليس كذلك، بل هو: نفس ما به الترجيح. وبأن ما يظن قوته خارج عنه، وبأن ما ذكر في آخره مستدرك - إذ العلة الغائية غير داخلة في الحد. وقيل: (هو عبارة عن: اقتران أحد الصالحين للدلالة على المطلوب، مع تعارضهما بما يوجب العمل به، وإهمال الآخر). وهو دور، إذ لا يعرف كونه موجبا للعلم ما لم يعرف كونه مرجحا. وأيضا - جعله عبارة عن نفس الاقتران. وقيل: (زيادة وضوح ترجع إلى مأخذ أحد الدليلين، مما لا يستقل دليلا). ورد: بأن زيادة الوضوح أثره، لا نفسه، وبأنه يحرج عنه الترجيح بكثرة الأدلة - على رأينا -. وأسده: أنه شيء يحصل به تقوية أحد الطريقين المتعارضين على الآخر، فيعلم أو يظن الأقوى، فيعمل به، وهذا أثر الحد غير داخل فيه. مسألة الأكثر على وجوب العمل بالراجح معلوما كان أو منظوما. ولم يجوز القاضي

стр. 711

بالمظنون. محتجا: (أ) بأن الدليل ينفي العمل بالمظنون، لأنه في عرضه الغلط، والخطأ، ترك في أصل الدليل لإجماع الصحابة، فيبقى في غيره على أصله. (ب) أن كل مجتهد مصيب لما سيأتي، ولا يتحقق الترجيح فيه بخلاف المقطوع، فإن الحق فيه واحد. للجماهير: (أ) إجماع الصحابة، إذ رجحوا خبر عائشة ﵂ على خبر أبي هريرة، (الماء من الماء)، وخبر من روت من أزواجه إنه كان يصبح جنبا، على ما روى عنه ﵇ "من أصبح جنبا فلا صوم له"، وقوى أبو بكر ﵁ خبر ميراث الجدة، لموافقة محمد بن مسلمة، وعمر خبر الاستئذان بشهادة الخدري، ورجح على خبر الصديق على غيره، حيث لم يحلفه، مع تحليفه لغيره، وهذه الصور الأخيرة وإن لم يكن فيها التعارض، لكن المقصود أنهم عملوا يظن لا يستقل، كما عملوا بالمستقل. (ب) أن العمل بالراجح متعين عرفا، وإذا يعد العادل عنه سفيها، فكذا في الشرع، للحديث. ولأن التطابق هو الأصل، ضرورة أن الأصل عدم التغيير. (ج) أن العمل بهما، وترك كل واحد منهما - ممتنع، للجمع بين الضدين، وترك الدليلين، والعمل بالمرجوح ترجيح المرجوح على الراجح، فتعين عكسه.

стр. 712

واحتج: بحديث معاذ. وبأنهم ما كانوا يعدلون إلى الأقيسة والآراء إلا: بعد اليأس عن النصوص. وهو غير وارد على محل النزاع، إذ هو من التراجيح المقطوع به. مسألة الترجيح لا يجري في القطعية: (أ) لأنه إنما يتطرق إلى الدليل بعد التعارض، وهو غير واقع فيها. وأورد: بأن التعارض الذهني يقع فيها، والترجيح إنما يتطرق بحسبه، أما بحسب الخارجي فغير ممكن. (ب) القطعي لا يقبل التقوية، لأن احتمال النقيض ينفي اليقين، وعدمه ينفي التقوية. وأورد: بأن أحد اليقينين قد يكون راجحا. ورد: بمنعه بحسب الجزم أو غيره، فلا يضر. مسألة المشهور أن العقليات لا يتطرق الترجيح إليها، وهو غير جار على إطلاقه، فإنه يجري في الظني والتقليدي، إن جوز ذلك فيه. نعم: القطعي منها لا يقبل، لكنه غير مختص بها. مسألة الترجيح بكثرة الأدلة جائز. خلافا للحنفية. ومن صورها الترجيح بكثرة الرواة. لنا: (أ) أن الظن بقول الأكثر أقوى، لأنه روى أنه ﵇ لم يعمل بخبر ذي اليدين، حتى شهد له غيره، وما ذاك إلا: لغلبة الظن بصدقهم. (ب) التواتر يفيد العلم، فالعدد الأقرب إليه أقوى إفادة له. (ج) قول الواحد يفيد قدرا من الظن، فإذا انضم إليه غيره وجب أن يفيد زيادة عليه، وإلا:

стр. 713

لزم أن يكون الشيء مع غيره، كهو لا مع غيره، وأن يجتمع على الأثر الواحد مؤثران مستقلان، وجواز أن لا يفيد التواتر القطع. (د) الغلط والنسيان وتعمد الكذب على الأكثر أبعد. (هـ) احتراز العاقل عن كذب يعرفه غيره: أكثر، والمجموع أعظم من كل واحد منهما، فهو أعظم من ذلك الواحد. والأقوى يجب العمل به، كما في القوة المستفادة من الأدلة المختلفة. وكالترجيح بالقوة: (أ) ولا أثر للإجماع المزيد مع المزيد عليه في محل واحد بالضرورة. (ب) إجماع الصحابة على الترجيح بكثرة الرواة: رد الصديق خبر المغيرة في توريث الجدة حتى شهد له محمد بن مسلمة، ورد مر خبر أبي موسى في الاستئذان، حتى شهد له الخدري، وردا خبر عثمان فيما رواه من إذنه ﵇ في رد الحكم بن أبي العصا، حتى طالباه بمن شهد معه، ولم ينكر عليهم، فكان إجماعا. ومنع دلالته على صورة النزاع، لاحتمال أن يكون للتهمة. (ج) مخالفة الدليل: خلاف الأصل، فتكثيرها أولى. (د) العقلاء يذمون من عدل عن مقتضى الدليلين إلى مقتضى الواحد، فكذا في الشرع للحديث. لهم: (أ) قوله: (نحن نحكم بالظاهر). بأن إيماءه يلغي الزيادة ترك مقتضاه في الترجيح بالقوة للإجماع، أو لإجماع المزيد مع المزيد عليه، وإفادته قوة الظن. (ب) قياسه على البنية والفتوى. (ج) لو رجح بكثرة الأدلة: لما قدم خبر الواحد على الأقيسة. وأجيب: من (أ) أنه بما لأجله خص عنه الترجيح بالقوة، وهو زيادة الظن، حاصل - ههنا - فإن

стр. 714

قول الواحد يفيد قدرا من الظن، والثاني يفيد قدرا، وهكذا حتى يحصل العلم، وأما كون المؤثرين مجتمعين في صورة الترجيح بالقوة فلا أثر له بالضرورة. وعن الثاني: بمنع حكم الأصل، ثم بالفرق: وهو أنه يؤدي إلى عدم فصل الخصومات، وأنه يعسر على العامي الترجيح، وكذا يجوز له تقليد المفضول، ولا يجوز للمجتهد العمل بالمرجوح. وعن (ج) بمنع الملازمة إن كان أصولها متحدة، وإلا: فيمنع انتفاء اللازم. مسألة إذا تعارض دليلان: فإن أمكن العلم بهما بوجه بدون وجه، صير إليه، إذ إعمال الدليلين - ولو من وجه - أولى من إهمال أحدهما بالكلية، وأن ترك الدلالة التبعية - وإن تعدت - أولى من ترك الأصلية وإن اتحدت، وهو: إما بالتوزيع: أو بإثبات بعض الأحكام دون البعض. أو يصرف أحدهما إلى شيء، والآخر إلى شيء. كقوله: "ألا أنبئكم بخبر الشهداء؟ " قيل: بلى يا رسول الله فقال: ﵇: "أن يشهد الرجل قبل يستشهد" إلى حقوق الله تعالى وصرف قوله: "ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد" - إلى حقوق

стр. 715

الآدميين وإن لم يكن ذلك: فهو على أقسام: (أ) أن يكونا معلومين عامين أو خاصين: فإن علم التارخي: فإن تأخر أحدهما نسخ المتأخر المتقدم إن قبله، وإلا: تساقطا، ويرجع إلى غيرهما، ومن لا يرى نسخ الكتاب، وبالعكس: فيمتنع النسخ عده فيه، و - حينئذ - يحتمل عنده التخيير أو التساقط والرجوع إلى غيرهما، كما سبق - فيما لا يقبله. وإن تقارنا فحكمه التخيير، إذ تعذر الجمع، والترجيح إذا المعلوم لا يقبله، وإن كان بحسب الحكم، لكونه شرعيا أو خطرا. (ب) أن لا يعلم التاريخ: فإن قيل الحكم النسخ: رجع إلى غيرها، إذ لا يحتمل التخيير، لأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون منسوخا، فتعين الرجوح إلى غيرهما. وإن لم يقبله فحكمه التخيير. (ج) أن يكونا مظنونين: فإن علم تأخر أحدهما: نسخ المتأخر المتقدم - إن قبله - إلا: فالترجيح. وإن لم يعلم ذلك: فالترجيح، فيعمل بالأقوى، فإن تساويا فما سبق في التعادل. (د) أن يكون أحدهما معلوما، والآخر مظنونا، فالعمل بالمعلوم بكل حال). (هـ) أن يكون أحدهما عاما والآخر خاصا، وكانا معلومين أو مظنونين: فإن علم تأخر الخاص عن وقت العمل بالعام: نسخ الخاص العام. أو قبله فمخصصه. ومن لا يجوز تأخير البيان عن وقت الخطاب فحكمه عنده: كما سبق فيما تأخر عن وقت العمل. وإن

стр. 716

علم تأخر العام: فعندنا: يبنى عليه. وعند الحنفية بنسخه. وإن علم تقارنهما: اختص العام به وفاقا، إذ لا سبيل إلى النسخ، لانتفاء شرطه، ولا إلى التخيير والتساقط، لاستلزامهما الترك بالدليل فتعين. إن لم يعلم شيء: فعندنا: يبنى العام على الخاص. وعندهم يتوقف. (و) أن يكون أحدهما عام، والآخر خاصا، وكان أحدهما معلوما والآخر مظنونا. فالعمل بالمعلوم، إلا: إذا كان المعلوم عاما، والمظنون خاصا، وردا معا، أو تقدم الخاص عليه، أو تأخر عنه، ولكنه ورد قبل حضور وقت العمل به: فإن الخاص يخصصه على ما سيأتي من الخلاف. والصورة الأخيرة لا تستثني من الحنفية، لما سبق. (ز) أن يكون كل واحد منهما عاما من وجه دون وجه، وكانا معلومين أو مظنونين: فإن علم تأخر أحدهما: نسخ المتأخر المتقدم عند من يقول: العام المتأخر ينسخ الخاص المتقدم بل أولى، إذ لم يتمخض خصوص المتقدم. ومن لا يقول به فلا يليق بمذهبه ذلك، ولا التخصيص، إذ لم يتمخض خصوص المتأخر، حتى يخرج من المتقدم ما دخل تحته، بل يليق بمذهبه الترجيح على الوجه الذي يأتي. وإن لم يعلم ذلك - سواء علم المقارنة أو جهل -: فاللائق بالمذهبين أن يصار إلى الترجيح، لكن في المظنون بقوة الإسناد، ويكون حكم أحدهما شرعيا أو حظرا، وفي المعلوم بالثاني، إذا الحكم بذلك طريقة الاجتهاد، وليس في ترجيح أحدهما إطراح الآخر بالكلية. بخلاف ما إذا كانا معلومين، وكانا عامين، أو خاصين، كما

стр. 717

سبق حكمه، وإن لم يوجد ما يرجح به كما سبق في التعادل. وإن كان أحدهما معلوما والآخر مظنونا: فالعمل بالعلوم بكل حال، لكن بطريق النسخ إذا علم تأخر المعلوم عند من يرى نسخ الخاص بالعام، وحيث قدم المعلوم عليه لا بطريق النسخ، فإنه قد ترجح المظنون عليه بسبب الحكم، فيقع التعارض، والحكم على ما سبق. هذا ما قيل، وفيه نظر، إذ الترجيح الظني لا يعارض القطعي، كما في ترتيب الأدلة، فإنه إذا قدم الخبر على القياس فلا يعارضه القياس يكون حكمه خطرا أو غيره. مسألة يرجح الخبر: بكونه معلوما. وبكثرة الرواة. وعلو الإسناد، فإنه قلة الوسائط تقلل احتمال الكذب والنسيان والسهو ونحوها، لكنه قد يكون مرجوحا لغزة وجوده، فإن كان بحيث لا يعز فيكون راجحا من غير معارضته. ويكون راويه عدلا، إن قبل رواية المستور، وتكون عدالته ظهرت بالاختيار، وتكون الاختيار بحصبة طويلة، ويكون عدالته بتزكية جمع عظيم، وبشهرة عدالته وثبته. فإن وجد في أحدهما الشهرة وفي الآخر الاختيار فتعارض. وتكون تزكيته ممن هو أكثر بحثا عن أحوال الرواة، وبتزكية الرجل الأعلم، والأروع، ويذكر أسباب العدالة في تزكيته ويكون رواية غير مبتدع، وهذا إذا لم تكن بدعته نحو: كون الكذب كفرا، أو كبيرة. وبتزكيته بالعمل بالخبر على تزكيته بالرواية عنه إن جعلت الرواية تزكية، وبعمل رواية، وإن تحققت العدالة بغيره، وبتزكية ذي المنصب العلي، لأنه يمنعه من الكذب كدينه. تنبيهات: (أ) لو علم حصول شيء مثلها في الرواية - بواسطة أو ابتداء - ترجح على ما ليس فيه ذلك. (ب) قد يقع التعارض بين هذه الترجيحات، فيعتمد فيه على ما يغلب الظن.

стр. 718

وبعدم رواية - فقها كان أو أصولا - لأن العالم إذا سمع ما لا يجوز إجراؤه على ظاهر - بحث عنه وسأل عن سبب يزيله، فيطلع على ما يزيل الإشكال. وقيل: إنما يرجح به فيما يروى بالمعنى، وأهميته ظاهرة، والجواب أظهر، إذ الإشكال غير منحصر في المعنى. وبزياداته كالأروع بالنسبة إلى الورع. وبعلمه بالعربية، لتحفظه في مواضع الغلط، وإذا سمع ما لا يسوغ في العربية بحث عنه فيطلع على الإشكال. ويمكن أن يقال: إنه يعتمد على لسانه، فلا يتابع في الحفظ وبزيادته. ويكون الراوي صاحب الواقعة، ولهذا رجح خبر عائشة وأبي رافع (التقاء الختانين) و (تزويج ميمونة، وهو غير محرم)، على ما يعارضهما، لأن أبا رافع كان السفير في النكاح. وبقربه من المروي عنه حاله السماع، كرواية ابن عمر: (إفراد الرسول بالحج)، لأنه كان تحت ناقته، وسمع إحرامه به. وبكثرة مخالطته للمحدثين، وبعلمه بروايته عن شيخه، على رواية من يعتمد على نسخة سماعه. وبقلة الالتباس في المروى، كما إذا روى أنه شاهد زيدا ظهرا والآخر روى أنه شاهده سحرا. وبكونه ذكيا وبزيادته، وبضبطه، وبزيادته، فإن كان أحدهما أسرع حفظا، وأسرع نسيانا، والآخر أبطأ حفظا، أبطأ نسيانا: فهما متعارضان، ويحتمل أن الثاني أولى، لأنه إنما يروى بعد حفظه فبقاؤه أغلب على الظن، ولذا انتفاع هذا الطبع بعلمه أكثر. ومن هو أسرع حفظا، وأبطأ نسيانا أولى، وعكسه آخر المراتب. ثم المراد من قلة الضبط

стр. 719

وكثرة النسيان: أن لا ينتهي إلى حد لا تقبل معه رواية. وبكثرة حفظ ألفاظ الرسول ﷺ ، وقوة حفظها، وبجزم الرواية، وبسلامة عقله، دائما، مع احتمال رواية الآخر حال اختلال عقله. وبتعويله على حفظه، وقيل: لا، إذ تطرق الخلل والخلط إلى المحفوظ أكثر من المكتوب. وبكونه من أكابر الصحابة، إذ منصبه العالي يمنع من الكذب - أيضا - وبكونه غير مدلس - إن قبل روايته - وبكونه مشهورا باسم واحد، إذ يحتمل أن الآخر مجروح بالآخر، وبكونه معروف النسب وبكونه غير ذي رجال تلتبس أسماؤهم بأسماء ضعفاء. وبتقدم إسلامه، إذ ظن صدقه أكثر، لأصالته فيه، وباحتمال تقدمه مع القطع بانتفاء التأخر، وبكونه غير راو في الصبي، وبتحمله زمان البلوغ أو الإسلام، وبعد احتمال تحمله في الصبي والكفر. النوع الخامس: الترجيح الراجع إلى زمان الرواية وتحمله الإسلام وبكونه متواترا وإن قيل بإفادته الظن، لغلبته، وبكون رفعه إلى النبي ﷺ متفقا عليه، وبنسبته الحديث إليه قولا لا اجتهادا، كما يقال: وقع بين يديه، فلم ينكر عليه، ويذكر نسب الحكم الذي تضمنه الخبر وبروايته بلفظه ﵇ وبكونه معتضدا بسباقه أو سياقه، أو حديث آخر، وبعدم إنكار راوي الأصل، وبكونه مرويا بالعنعنة والآخر بالشهرة، أو بإسناده إلى كتاب من كتب المحدثين، وهذا أولى من الشهرة، وبكونه مسندا إلى كتاب مشهور، وبكونه مسندا إلى الصحاح، وبقراءة الشيخ عليه ثم بقراءته عليه، ثم المناولة لأنها إجازة وزيادة، ثم الإجازة على الكتابة.

стр. 720

[ترجيح الخبر بكيفية الرواية] وبسماعه من غير حجاب كرواية القاسم بن محمد عن عائشة: أن بريرة عتقت وكان زوجها عبدا، لأنها عمته، بخلاف من روى أنه حر فإنه سمعه من وراء حجاب، وبكون الرواية متفقا عليها. وبكونه مسندا. وقيل: المرسل أولى. القاضي: يتساويان. لنا: أن عدالة المروي عنه في صورة الإرسال معلومة لمن روى عنه فقط، وفي الإسناد لكل الرواة، لتمكنهم من البحث عنه، ورواية من ظهرت عدالته لجمع أولى من راوية من لم تطهر عدالته إلا: لواحد إذ قد يخفى الحال على الواحد ويبعد بذلك على الجمع. لعيسى بن أبان: (أ) أن الثقة لا يجزم بإسناد الحل والحرمة إلى الرسول ما لم يقطع به، أو قريب منه، وليس ذلك في المسند. (ب) قال الحسن ﵁: (إذا حدثني نفر من أصحاب رسول الله ﷺ بحديث تركتهم وقلت: قال رسول الله ﷺ ). وأجيب: عن (أ) أن ظاهره الجزم وهو غير مراد قطعا، فيحمل على ظنه وهو حاصل له فقط، بخلاف المسند: فإن الظن فيه حاصل للكل، فكان أولى. وهو الجواب عن (ب)، ويخصه: أنه يقتضي أن تكون مراسيله مقبولة لا غير. وقد يقول به القاضي في الإسناد: العدالة معلومة لكل الرواة وفي الإرسال - حصل الجزم به، أو ظن قريب منه، فيتساويان.

стр. 721

وجوابه: منع التساوي، فإن العدالة معلومة في صورة الإسناد بالبحث والاختيار، فكان الظن فيه أكثر. فروع: (أ) ثم رجحان المرسل إنما يصح لو قال الراويك قال رسول الله ﷺ ، فأما إذا قال: عن رسول الله فلا، على الأظهر، لأنه في معنى قوله: روى عن رسول الله ﷺ وهو غير مقبول أو مرجوح. وهو إذا كان الراوي ممن يمكن أن يرى المروي عنه، فإن قوله عنه ظاهر في الرواية عنه، على ما سبق في الأخبار، فهو كالمسند. نعم: إذا لم يكن، فلا بد من واسطة، وهو غير معلوم العدالة، فلا يقبل. (ب) مراسيل الصحابة أولى من غيرهم، أن جعل من صور الخلاف إذ الرواية من الأعراب الذين لا صحبة لهم - نادرة. ثم مراسيل التابعين، إذ الظاهر روايتهم من الصحابة. ثم مراسيل أئمة النقل، وما فيه الوسائط أقل وأولى. (ج) إذا علم من حال الراوي أنه لا يروي إلا: عن عدل: فمراسيله كمسنده، وإن علم من حاله أنه لا يرسل إلا: إذا حصل له ظن أكثر من ظن الرواية عن عدل - فمرسله راجح على مسنده. فرع: رجح قوم الخبر بالذكورة والحرية، كالشهادة. وفيه نظر، إذا الحرية فيها شرط، ولا ترجح بالذكورة فيما تسمع فيه شهادة النساء، وفي غيره فهي شرط كالحرية، فلا يتحقق اعتباره بالشهادة. وبكونه مدنيا، إذ الغالب عليه التأخر، وما يحتمل كونه مدنيا راجح على ما لا يحتمله. وبوروده عند قوة الرسول ﷺ وبكونه محتملا لذلك والآخر ورد في حال الضعف. وبتأخير إسلام راويه فيما علم سماعه حال إسلامه، وعلم موت المتقدم قبل إسلام المتأخر، أو علم سماعه له قبل إسلامه، أو أن أكثر ما يرويه قبل إسلامه، وحيث لا تقدم روايته، فرواية المتقدم أولى، لسبق إسلامه. ويكون سماع أحد الروايتين بعد إسلامه، وإسلامه

стр. 722

مع إسلام الآخر، ولم يعلم أن سماعه بعده، وكذلك إذ علم أن أكثر ما يرويه كذلك. وبكونه مؤرخا بتاريخ مضيق كصلاته بالناس قاعد. وهم قيام في مرضه الذي توفي فيه، فيرجح على قوله: "إذا صلى الإمام قاعدا فصلوا قعودا أجمعين". وبكونه خاليا عن التاريخ المتقدم، والآخر مقيد به. وبكونه خبر التخفيف في حادثة كان الرسول يغلظ فيها زجرا لهم عن العادات، لأنه أظهر تأخرا. ويحتمل ترجيح المغلظ، لأنه ﵇ ما كان يغلظ إلا: في قوته، فهو أظهر تأخرا. وأجيب: بمنعه، فإن كثيرا من التغليظات تشرع أولا، وأكثر التخفيفات آخر الأمر. التراجيح الراجعة إلى حال ورود الخبر وبورود أحد العامين على سبب، لأنه إن اختص به فظاهر بخصوصه وإلا: فكذلك لأن دلالته على السبب أقوى، ولذا لم يجز تخصيصه، وهذا يقيد رجحانه بالنسبة إلى السبب دون غيره. وبكونه لفظا والآخر فعلا. وبفصاحة لفظ الخبر - إن قبل الركيك -، وبكونه أفصح، وقيل: لا، لأن الفصيح يتفاوت كلامه، فيها، ولذا نرى آيات القرآن متفاوتا فيها.

стр. 723

وبخصوصه: وبكونه حقيقة، فإن غلب المجاز ففيه خلاف تقدم، وبكون الحقيقة ظاهرة معروفة، وبكون حقيقته متفقا عليها، وبكونه غير مشتمل على ما هو خلاف الأصل، كالاشتراك والإضمار، وبكون الحقيقة شرعية أو عرفية، على ما سبق في اللغات. وهذا في لفظ واحد دل في أحد الخبرين على شرعي، وفي الآخر على لغوي. فأما في لفظين: أحدهما دل على شرعي، والآخر على لغوي لم ينقله الشارع عنه، فهو أولى، لأنه لغوية وشرعية وعرفية معا، وبكونه مجازا أظهر، على ما سبق في اللغات. وبكونه عاما لم يدخله التخصيص، لكونه حقيقة وحجة وفاقا. وأورد: أنه خاص بالنسبة إليه، والخاص راجح. وأجيب: بمنعه مطلقا، فإن الخصوص الأصلي مرجح دون ما ليس كذلك. وبكونه إلا من وجهين، وبكون حكم الخبر مذكورا بعلته، أو بمعنى مناسب. وبالتنصيص على الحكم، واعتباره بمحل آخر، لأنه إشارة إلى علة جامعة كقوله ﵇: "أي إهاب دبغ فقد طهر"، كالخمر يتخلل فيحل، فيرجح في المشبه على قوله: "لاتنفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب".

стр. 724

وفي المشبه به في تخلل الخمر، وعلى قوله: "أرقها". وبتأكيد دلالته كقوله: (أيما امرأة ... ) الحديث. فيرجح على قوله: "الأيم أحق بنفسها من وليها" - لو سلم صحته، ودلالته على المطلوب بالتنصيص على الحكم مع ذكر المقتضى لضده، كقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ... " الحديث فإن تقديم ضده عليه يقتضي النسخ مرتين. وبكونه مقرونا بالتهديد كقوله: "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم". وبزيادته: وبدلالته على الحكم لمنطوقه، أو بغير واسطة، وهو بالنسبة إلى مفهوم المخالفة، وإلا: فمفهوم الموافقة قد يترجح عليه، وهو بشرط أن لا يكون المفهوم خاصا، والمنطوق عاما، وإلا: فيخص به عموم النطق على ما سبق، ومفهوم الموافقة راجح على مفهوم المخالفة، لأن

стр. 725

دلالته قوية. ولذا حجيته متفق عليها، ورجح الآخر، فإنه لا يتوقف على مفهوم المقصود من الحكم، ووجوده في محل السكوت، وبأن فائدته تأسيسية. وبكونه نهيا، لأن دلالته على الترك أشد من دلالة الأمر على الفعل ولذا اتفق على تكراره، ونقل الخلاف شاذ. وقال كثير ممن قال بعدم إفادة الأمر الوجوب، بإفادته التحريم ولأن المطلوب فيه دفع المفسدة، وأنه أهم من جلب المنفعة، ولقلة إجمالة، ولسهوته الإتيان بمقتضاه، قال ﷺ : (بعثت بالسمحة السهلة) الحديث وبكونه مبيحا والآخر أمر: وقيل: بترجيح الأمر. لنا: (أ) أن ترجيح الأمر عليه تعطيل له، وفي عكسه تأويل الأمر، فكان أولى. ورد: بمنع لزوم التعطيل، وهذا لأن حمل الإباحة على جواز الفعل كحمل الأمر عليه، فالتأويل لازم على التقديرين. فإن قلت: المبيح صريح قوله: أجزت لك أن تفعل وأن لا تفعل، ومثله لا يقبل التأويل. قلت: مثله في الأمر، كقوله: أوجبت عليكم الفعل، ولا يجوز لك أن تتركه، والجواب الجواب. (ب) أنه لا إجمال في الإباحة لعدم الاختلاف في معناها، بخلاف الأمر، فكان أولى. (ج) العمل بالمبيح يمكن على تقديرين: مساواته له، ورجحانه عليه فإن بتقدير المساواة يتخير بين الفعل والترك، وهو يرجح المبيح ووقوع واحد من اثنين أرجح من وقوع واحد بعينه. وقد عرف ضعفه في التعادل. (د) المبيح أسهل فكان أولى، للحديث. ولمن رجح الأمر: (أ) أنه أحوط فيجب المصير إليه، للحديث. (ب) العمل بالأمر حمل لكلام الشارع على الحكم التكليفي والشرعي دون العمل بالإباحة، لما سبق، فكان أولى. وبكونه خبرا عندما يكون الآخر أمرا. لبعض ما سبق. ولقوة دلالته. ولأنه لو لم يعمل به لزم الخلف في كلام الشارع، بخلاف الأمر، فإنه لا يلزم هذا

стр. 726

المحذور عند تركه. وبكونه مبيحا أو خبرا عندما يكون الآخر نهيا، لبعض ما سبق وبكونه خبرا عندما يكون الآخر مبيحا. وبكونه غير دال بالاقتضاء، وبكونه دالا بالاقتضاء عندما يكون مجازا أو إضمارا أو إشارة أو إيماء أو تشبيها، أو مفهوم المخالفة، ثم الإشارة، والإيماء والتشبيه راجح على مفهوم المخالفة. وبكونه دالا بالاقتضاء، لضرورة صدق المتكلم عندما يكون الآخر كذلك، لضرورة وقوع الملفوظ، ثم ما يكون لضرورة وقوعه عقلا على ما يكون شرعا. والعام المخصوص راجح على الخاص والعام المؤولين لكثرة التخصيص، وقلة التأويل. والمقيد أولى من المطلق، ولو من وجه، وهو أولى من العام. والعام المخصوص أولى من المطلق المؤول، وبكونه عاما من وجه وخاصا من وجه عندما يكون الآخر عاما مخصوصا، وبكونه مطلقا ومقيدا عندما يكون الآخر مطلقا. وبكونه نكرة منفية، ثم الشرط والجزاء، ثم الجمع المعرف، وعموم البدل أولى من الشمول، لما فيه من الخصوص، واسم الجنس المعرف أولى من المفرد. وبكونه غير مضطرب. وبكونه مشتملا على زيادة لم ينفها الآخر، كما روى أنه ﵇ "كبر في العيد سبعا". "ورُوي أنه كبَّر أربعًا). وبتأكيده بسياقه أو سباقه، وبكونه على قاعدة العربية، وبشهرة لفظه، أو معناه، وبكونه على

стр. 727

لغة قريش أو الحجاز، وبكونه دالا من غير تقديم وتأخير. وبكونه ناقلا وعليه الجمهور. وقيل: بكونه مقررا، وهو اختيار الإمام. للناقل: (أ) أن تقديم المقرر يقتضي النسخ مرتين. وما قال عليه: أن دلالة الأصل مشروطة بعدم دلالة السمع، فيزول لزواله، فلا يكون نسخا، وبأنه لو تقدم المقرر لكان المنسوخ حكما ثبت بدليلين، وأنه نسخ الأقوى بالأضعف ضعيف، لاقتضائه عدم النسخ بالكلية، ولو سلم فلا شك في أنه خلاف الأصل، لأنه تغيير عما كان، فإن منع فيقتضي أن لا تكون البراءة الأصلية حجة. و- أيضا - توقيف دلالة الدليل على الشطر خلاف الأصل، وما ذكر من دلالة العقل مشروطة بعدم دلالة السمع، يقتضي أن لا يكون الحكم ثابتا إلا: بالسمعي، فلز يلزم ما ذكر. ثم إنه إن عنى بكونه أقوى: أنه يقيني فممنوع، أو غيره فلا نسلم امتناعه، إذ يجوز نسخ حكم ثبت بخبرين أو ثلاثة من أخبار الآحاد بخبر واحد وارد بعدها، مع أن الظن - هناك - أقوى. ثم إنه منقوض بما إذا علم تقدم ورود المقرر، ثم المعتبر القوة الحاصلة من الدلالة الشرعية. (ب) الناقل يستفاد من ما لا يعلم من غيره دونه، فكان أولى. وأورد عليه: أنه يقتضي تقديم المقرر، فإنه لو ورد الناقل قبل المقرر كان المستفاد من كل واحد منهما ما لا يعلم من غيره، فكان أولى وستعرف ما عليه. (ج) الناقل فيه زيادة علم فكان أولى. ورد: بأن الفائدة في تقديم المقرر أكثر، لما سبق فكان أولى.

стр. 728

للمقرر: أنه لو تقدم على الناقل لكان وروده حيث يستقل العقل بمعرفة حكمه، ولو تأخر عنه لورد في محل الحاجة، فكان أولى. وأجيب: بمنع استقلال العقل بمعرفته - حينئذ - وهذا لأن العقل لا يستقل بمعرفة كونه شرعيا، وهو إنما يصير شرعيا بتقريره، فلم يكن واردا حيث لا يحتاج إليه، لأن الجواز المكيف بكونه شرعيا غير معلوم بالعقل، وإن كان أصله معلوما به. ثم كونه واردا حيث لا يحتاج إليه لا يعارض مفسدة زايدة النسخ، فكان الناقل أولى، دفعا لزيادة المفسدة. ثم قال القاضي عبد الجبار: هذا ليس من باب الترجيح: (أ) بأنا نعمل بالناقل على أنه ناسخ. (ب) ولأنه لو كان ترجيحا لوجب العمل بالمقرر عند عدم الناقل، والعمل بالأصل - إذ ذاك ... وأجيب: عن (أ) أنا لا نقطع بالتأخر ليكون نسخا. وعن (ب) بمنع انتفاء اللازم، فإن العمل - إذ ذاك - بالمقرر، حتى جعل حكمه شرعيا - لا يصح رفعه، إلا: بما صح به النسخ وبكونه مثبتا عند الفقهاء. وقيل: بكونه نفيا. وقيل: إن ذكر لفظا معناه النفي فهما سواء، وإن نفي العمل أو القول صريحا، كقوله: لم يفعل، أو لم يقل، فالمثبت. عبد الجبار: إذا كانا شرعيين فهما سواء مطلقا، كما إذا اقتضيا الوجوب والإباحة، حيث يقتضي العقل الحظر، أو الحظر والإباحة حيث يقتضي العقل الوجوب، أو الوجوب والحظر، حيث يقتضي العقل والإباحة. وهو غير مستقيم على رأينا، إذ لا حكم

стр. 729

للعقل، ولا على رأيهم إذ فرض حيث يقضي العقل فيه بحكم غير حكمهما، و - حينئذ - ينبغي أن يرجح ما فيه النقل أكثر، أو التقرير على ما يرى من ترجيح الناقل أو المقرر. نعم يستقيم ذلك على رأيهم في المثال الأخير، لتساوي جهتي النقل والتقرير فيه، ويستقيم - أيضا - الحكم بتساويهما، حيث لا يقضي العقل فيه بشيء كما هو على رأينا. وفي الأمثلة نظر من وجه آخر، وهو أنه ليس المراد من كونه خبر نفي: أن يبقى مقتضاه الآخر، وإن كان ضمنا، وإلا: لكان خبرين مختلفين كذلك، بل المراد منه: أن ينفي الحكم بصراحته، كما أورد لذلك مثالا: من أنه ﵇ "صلى داخل الكعبة". وروى الآخر: "أنه ما صلى"، ودليله على المسألة - على ما يذكر - يشير إلى هذا، و- حينئذ - لا تصح الأمثلة. ثم احتج القاضي على تساويهما: أن المبعث معه زيادة علم، والثاني متأكد بالأصل فاستويا. وأجيب: بمنع التساوي، فإن اشتماله على زيادة علم راجح، إذ نسيان ما جرى، والذهول عنه، أقرب من تخيل ما لم يجر جاريا. ولمن قدم النافي: أن تقدير وروده بعد المثبت يفيد فائدة تأسيسية، وعسكه يفيد تأكيدية، فكان الأول أولى.

стр. 730

وأجيب: بمنع أنه تأكيدية، فإنه كون النفي شرعيا وهو غير حاصل قبل. ولمن فصل: فإنه: إن نفى صريحا - قولا أو فعلا - فالمثبت أولى، لزيادة العلم، وإلا: فهما سواء، لأن كل واحد منهمامثبت. ولمن قدم المثبت: بأنه: مفيد للحكم الشرعي إجمالا، والنافي ليس كذلك، فكان أولى، لما سبق غير مرة. وعورض: بأن تقرير ماكان على ما كان من الشارع أكثر، فكان الإلحاق به أولى. وأجيب: - أيضا -: بأن التقرير على العدم الأصلي حكم شرعي. وبأن الحكم غير مقصود بالذات، بل الحكمة التي تتربت عليه، وكذلك الحكمة التي تتربت على النفي مقصودة بالذات، فلا فرق. وفيهما نظر، من حيث إن ذلك غير لازم في جميع صور النفي، وبأن عدم الفرق بينهما من ذلك الوجه لا يقتضي عدمه من وجه آخر، وهو حاصل يعرف بأدنى تأمل. وبكونه خبر حظر عندما يكون الآخر إباحة، إذا كان شرعيين عند الإمام أحمد والكرخي والرازي، وكثير من الفقهاء. قال أبو هاشم وعيسى بن أبان: إنهما سواء. للألين: (أ) قوله ﵇: (ما اجتمع الحلال والحرام إلا: وقد غلب الحرام الحلال). وقوله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك). فإن قلت: المراد منه ما اجتمع فيه جهة الحل والحرمة، كالمتولد بين ما يؤكل وبين ما لا

стр. 731

يؤكل، أو ما جهل حاله، ككونه مذبوحا أو ميتة، وما نحن فيه ليس كذلك. قلتك كون ذلك مرادا لا يقتضي عدم إرادة غيره، وإن عنى به أنه كل المراد: فممنوع، ثم لا نسلم أن ما نحن فيه ليس كذلك، لأن حرمة تينك الجهتين بتحريم الشارع، فإذا كان اجتماعهما في الشيء موجبا للحرمة فكذا اجتماع الخبرين، بل أولى، لأصالتهما. لا يقال: الفرق، وهو: أن جهتي الحل والحرمة حاصلتان معا في الشيء بخلاف الخبرين، لأن ذلك غير حاصل في كل الصور، كما في مجهول الحال، فإنه لم يتحقق فيه الذبح والموت معا. فلو قيل: الموجب لذلك كونه مشكوكا فيه، وهو حاصل فيه - لقيل مثله في الخبرين، فإن الموجب لذلك كونه مقولا فيه بالحرمة والإباحة وهو حاصل فيه. (ب) قال عثمان ﵁ في الأختين المملوكتين: (أحلتهما آية وحرمتهما آية، والتحريم أولى)، واشتهر ذلك منه، ولم ينكر فكان إجماعا. (ج) أن من طلق إحدى نسائه، أو أعتق إحدى إمائه، ونسى عينهما - حرم عليه الكل، فكذا ما نحن فيه، بجامع أن تغليب الحرمة على الحل يدفع ظن ضرر العقاب عن النفس. (د) أن ترك المباح أولى من فعل المحرم، فالتحريم أحوط، وأما الخطأ في الاعتقاد فمشترك. للآخرين: (أ) أن في ترجيح خبر الإباحة لم يقطع بفوات مصلحة الحظ، لجواز أن يتركه، بخلاف عكسه، فكان أولى. (ب) كونه مباحا من التخيير معلوم، وحرمته من النهي ليس كذلك، لتردده بين محامله، فكان الإباحة أولى. وأجيب: عن (أ) أنه مبني على وجوب رعاية المصالح، ثم بمنع أنه لم يقطع بفوات مصلحة الحظر،

стр. 732

فإن مصلحته غير مصلحة الترك ثم إنه متناقض، لأنه لا يعمل بمقتضى الإباحة إلا: وليس في الفعل والترك مفسدة ولا مصلحة فيمتنع أن يقال: إنه تحصل تلك المصلحة بتركه. وعن (ب) أنه قد يستفاد التحريم بصراحة لفظه، فلا أولوية وخبر الحظر راجح على خبر الكراهة والندب والوجوب، للاحتياط، ولكون دفع المفسدة أهم من جلب المصلحة، وبكون الترك أسهل من الفعل، فكان أولى، للنصوص النافية للحرج والمشقة. وخبر الوجوب أولى من الثلاثة، للاحتياط ولشدة اهتمام الشارع به ولكون الداعية إلى فعله أكثر، لما في تركه من العقاب، وفي فعله من الأجر الجزيل فكان أفضى إلى الوقوع. وخبر الكراهة أولى من الندب. وخبر الندب أولى من المباح، لبعض ما سبق. وقيل: المباح لتأييده بالأصل وكثرته، وسهولته. وبكونه معقول المعنى؛ لأنه أفضى إلى الوقوع، وغير معقول المعنى، وإن كان أكثر ثوابا؛ لكونه أشق على النفس، لكن اعتبار كونه أفضى إلى الوقوع أولى، لكونه مقصود الشارع؛ وبكونه مفيدا للحكمين، لزيادة الفائدة. وبكونه مثبتا للطلاق والعتاق، وهو اختيار الكرخي، لكونه موافقا الأصل. وقيل يتساويان، لأن الآخر ناف. وقيل: الثاني أولى، لأنه على وفق الدليل الشرعي، المقتضى لصحة النكاح، وثبوت ملك اليمين. وبكونه مفيدا للحكم الوضعي بالنسبة إلى التكليفي، لأنه لا يتوقف على ما يتوقف هو عليه، من أهلية المخاطب وتمكنه من الفعل. وقيل: التكليفي أولى، لأنه أكثر، ومقصود بالذات. وبكونه نافيا للحدود والقصاص. (أ) لقوله ﵇: "لا ضرر ... ". (و) "ادرأوا الحدود بالشبهات".

стр. 733

لا يقال الدرء بعد الثبوت، أو بعد وجوب المقتضى له، والنفي أعم، فالدليل خاص والمدعي عام، - لأنا نقيس ذلك عليه بالطريق الأولى. (ب) أنه يسقط بتعارض البينتين مع ثبوته في أصل الشرع، فسقوطه بتعارض الخبرين مع أنه لم يسبق له ثبوت فيه - أولى. وأورد عليه: أنه لا نزاع في سقوطه، لكنه بالبقاء على العدم الأصلي عند تعارض الخبرين، فليس ليه دلالة على تقديم النافي، وإنما يتكون تقديما له أن لو صار ذلك النفي شرعيا، لا يرفع (إلا: بما يرفع الشرعي، وهو ممنوع. (ج) أنه متأيد بالأصل فكان أرجح. وبكونه أخف، للنصوص النافية للحرج، والمشقة، والإلحاق بالأغلب، ولكونه تعالى رحيما ورؤوفا غنيا عن العبيد وطاعتهم، فإنه ينفي أن يكلفهم بالشاقة. وقيل: بعكسه. لقوله: (الحق ثقيل قوي، والباطل خفيف وبي). وبأن ثوابه أكثر، وأنه أظهر تأخرا. أجيب: بأن الكلية الموجبة لا تنعكس كنفسها، وأن اعتبار غرض الشارع أولى، فإن الأخف أفضى إلى الوقوع. وبمنع أنه أظهر فإنه كان ﵇ يشدد في الأمر. لقطع المألوف. وبكونه مما لا تعم به البلوى بالنسبة إلى ما تعم به البلوى، لأنه متفق عليه، وأبعد من الكذب. وبكونه موافقا لدليل آخر، من كتاب أو سنة أو قياس.

стр. 734

وبكونه غير متروك العمل من الصحابة، أو من راويه، أو من أهل المدينة، أو أكثر الأمة، والخبر لا يجوز أن يخفى عليهم، لأن هذه الأمور إن لم توجب الرد، فلا أقل من المرجوحية. وقيل: لا يرجح به، لأن ما ليس بدليل لا يرجح به. وبكونه معتضدا براجح، وبكونه غير مؤول بتأويل مرجوح. وبكونه دالا على الحكم وعلته، أو على الحكم بالنسبة إلى ما ذكر فيه العلة فقط. وقيل: بتساويهما، لما لكل واحد منهما من المرجحية. وبكونه دالا على الحكم بصيغة الإخبار، وبخطاب مشافهة، لكن بالنسبة إلى المخاطبين، أما بالنسبة إلى غير المشافهة أولى، لأنه غير مختلف في تخصيصه. وبكونه غير مختلف فيه في تطرق النسخ إليه، وبكونه غير قابل له، وبكونه لو لم يعمل به لتعطل بالكلية. وبكونه قصد به بيان الحكم، كقوله: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) فإن دلالته على الطهارة راجحة على دلالة قوله: (نهى عن افتراش جلود السباع)، على نجاسته، وكقوله تعالى: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد س﴾ [النساء: آية ٢٣] ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ [النساء: آية ٢٤]. وبكونه على وفق الاحتياط أو أقرب منه. وبكونه لا يوجب غضا من منصب الصحابة، كمعارض حديث (القهقهة). وبكونه متضمنا لما ظهر تأثيره في الحكم، كما روى أن بريرة أعتقت تحت عبد، وروى أنها أعتقت تحت حر، فإن ضرر الرق قد ظهر تأثيره في الاختيار. وبكونه مقترنا بتفسير الراوي، وبتلقي الأمة بالقبول. تنبيه: أنه (قد) يقع التعارض بين هذه الوجوه وبين كمياتها وكيفياتها فالمتبع ما أفاد زيادة

стр. 735

الظن. مسألة يترجح الإجماع على النص، لعدم تطرق النسخ إليه. ويمكن ترجيحه عليه، لأصالته. وعلى الإجماع الآخر بكونه قطعيا، وبزيادة إفادته الظن، وبكونه إجماع الصحابة ولميته غير خاف، أو التابعين، لقوله: (خير القرون ... ) الحديث، ولا يخفى الكلام في بقية الإجماعات مما سبق. مسألة يرجح القياس بكون علته وصفا حقييا، لكونه متفقا عليه، ولأنه أشبه بالعلل العقلية. ثم بكونها حكمة، لأنها الداعي إلى الحكم، ولأن التعليل بها علة بنفس المؤثر، والعدم علة لسبب اشتمالها عليها، وهذا وإن اقتضى رجحها على الحقيقي، لكن الحقيقي يترجح عليها بانضباطه، ولهذا كان متفقا عليه، والعدم ينضبط بالنسبة إلى الوجود، والإضافي عدمي، وإن جعل وجوديا فهو كالحكم الشرعي علة بمعنى الأمارة، والتعليل بالعلة بمعنى الحكمة أولى منها بمعنى الإمارة، والتقديري عدمي، ولأنها أشبه بالعلل العقلية. ثم بكونها عدما، لأنه أشبه بالأمور الحقيقية، وبالعلل العقلية ولكونه مناسبا، والحكم الشرعي والإضافي والتقديري ليس كذلك. وقيل: الحكم الشرعي أولى منه، لأنه أشبه بالوجود. وأجيب: بمنعه، لأنه اعتباري، ولهذا أجاز تبدلها بالأشخاص والأزمان وفيه نظر لا من جهة أنه آيل

стр. 736

إلى الكلام، وهو وجودي. ثم الإضافي إن جعل وجوديا، وهذا إن لم يجعل الحكم الشرعي وجوديا وإلا: فلا يظهر ترجحه عليه، بل هو أولى للكثرة، ولتلازم بعضه للبعض. ثم الحكم الشرعي، إذ التقديري عدمي وفاقا، نادر. وتعليل الوجودي بالوجودي أولى من الأقسام الثالثة الباقية، لأن العلمية والمعلومية وجوديتان، ولأنهما أشبه بالعلل العقلية، وللاتفاق عليه. ثم مقابلة للمشهابهة. وفيه نظر، إذ مخالفة الأصل فيه أكثر من الباقين. ثم تعليل العدمي بالوجودي لحصول الأشرف في الأشرف، ولأن في عكسه جعل العدم علة الوجود. وقيل: بتساويهما. وبكونها مفردة للاتفاق عليه، ولكثرة احتمال وجودها، وقلة احتمال تطرق العدم إليها. وبكونها بمعنى الباعث لكونه متفقا عليه، ولكثرة قبول الطباع (له)، ولسهولة فعله - إذ ذاك. وبكونها معلومة الوجود، والترجيح بكونها بديهية أو حسية - فيه خلاف، مبني على تطرق الترجيح إلى اليقينيات. وبكون ظن عليتها أكثر، وقد يكون ذلك لقلة مقدماته. ولرجحان دليل عليتها، فما هو نص في العلية راجح على ما هو ظاهر فيها وهما راجحان على الطرق العقلية. وكذا الإيماءات عند من لا يشترط المناسبة في المومأ إليه، ومن شرط فاللائق بمذهبه ترجح (على) المناسبة عليها، لأنها تستقل دونها.

стр. 737

ونقل الإمام الإجماع في ترجحها على الطرق العقلية مطلقا، لكن أبدى فيه نظرا، يدل (على ما ذكرنا وإن كان، فما أبدى من النظر: نظر) على ما ذكرنا في (النهاية). ثم إن لم تشترط المناسبة في المومأ إليه، فما اتصف بها أولى من غيره، وإنما الراجح بشرط تساويهما وإلا: فتعارض. والنظر في نفس الإيماء أولى من دليله. (أ) لأنها علة لعلية العلة، فتأثيرها لها لا لدورانه، فإنه أمارة العلية، ولأنه يوجد بدونها، كما في سبق في فصله، وتوجد بدونه كما إذا كانت أخفى أو مع المناسبة فالمناسبة أولى. والمناسبة أولى من الدوران. (ب) أن ظن العلية فيها أكثر للاتسقراء، فكانت أولى. وقيل: الدوران أولى. (أ) لأن المضطرد المنعكس أشبه بالعلل العقلية، وصحته مجمع عليها. وأجيب: (ب) علل الشرع معرفات، والطرد والعكس أدخل في التعريف منها عن (أ): بمدى وجوب العكس في العقلية، وقد عرف سنده ثم لا نسلم أن الأشبه بها أولى، فإن العقلية موجهة، والشرعية معرفة أو داعية، ومع الفرق لا يمكن اعتبار أحدهما بالآخر، والإجماع إنما هو في مطرد منعكس مناسب، والكلام في مناسب غير مطرد منعكس، وفي منعكس مطرد غير مناسب، وترجحه عليه ممنوع، وهذا لأن الطرد غير معتبر والعكس غير واجب، ومقتضى هذا: أن لا يكون الدوران حجة، ترك العمل في الخالي عن المعارض فيبقى على الأصل في غيره، لأنه غيره، ثم المناسب - أيضا - مجمع عليه بين القائسين. وعن (ب): بمنعه، فإنه إذا كانت منضبطة بوصف كانت مناسبة ومعرفته، ثم هو معارض لفوائدها. والمناسب أولى من التأثير، لأن تأثيرها لنفسها، وتأثير المؤثر بواسطة، فكانت أولى، ولأنه مفتقر إليها من غير عكس. والمناسبة أولى من السبر الظني الذي جميع مقدماته ظنية فإن كان البعض قطعيا: فذلك

стр. 738

يختلف بحسب كثرة إفادة الظن وقلته، فإن تساويا فيه تساويا. وقيل: المناسبة أولى: نظرا إلى أن نوعها راجح على نوعه. ثم الدليل على رجحانها على الظني: (أ) أنه يفتقر إلى ثلاث مقدمات، وليس الدال عليها قطعيا. وإلا: لكان قطعيا وليس كلامنا فيه، وهو: إما المناسبة أو غيرها. والمناسبة المستقلة أولى من غير المستقلة، وغيرها إما عقلي أو غيره، وهي أولى من العقلي بأسرها، مع أنها وحدها كافية، وكذا من غيره، إيماء كان أو غيره، لقلة مقدماتها وكثرة السبر مع مقدمات ذلك الدليل. (ب) القياس يخص به العام، وإن كان مقطوع المتن، فإذا تقدم على العام، فلأن يقدم السبر بالطريق الأولى. وزيف: بأن ذلك لخصوصه، وما نحن فيه ليس كذلك. (ح) الاستدلال له بالمناسبة على العلية: استدلال بما به العلية عليها، والسبر ليس كذلك، فهي أولى. وقيل: السبر أولى، لأنه يفيد مع ظن العلية نفي المعارض، وهي ليست كذلك. وأجيب: بمنع أن ذلك يوجب الترجيح، وهذا لأنه لا يفيد قوة في العلة بل هو خارج عنها، سلمناه لكن عند تساوي الظن بالعلية، وهو ممنوع، ثم إن هذه الفائدة معارضة بفوائد المناسبة، والترجيح معنا لأنها متعددة. ومنه يعرف أن المناسبة راجحة على بقية الطرق. ثم المناسبات يترجح بعضها على بعض، فأعلاها: التي في محل الضرورة، ثم ما هي من كمالاتها، ثم التي في محل الحاجة، ثم كمالاتها. ثم التي في محل الزينة والتتمة. وفي كل نوع من الأنواع مراتب: فأعلاها: المراتب الضرورية: حفظ الدين: إذ به تحصل السعادة الأبدية، ثم حفظ النفس.

стр. 739

ولا نسلم أن حفظ الدين محض حق الله، بل فيه حق اله وحق العبد، إذ به السعادة الأبدية، وحفظ نفسه وماله. ولو سلم فحق الآدمي إنما يقدم على حق الله تعالى في فروع الشرع، دون أصوله، وإنما يقتل الشخص قصاصا، لا ارتدادا عند المزاحمة لأن المقصود منه - وهو إعدام النفس الخبيثة المرتكبة على الجريمة العظيمة زجرا لغيره عن مثلها - حاصل مع حصول التشفي لأولياء المقتول، ولو قتل ارتدادا لم يحصل هذا المقصود، فكان قتله قصاصا أولى. لا يقال: زجر غيره عن مثلها إنما يحصل لو قتل لردته، لأنه إذا علم أنه مقتول، سواء وجب عليه القصاص (معه) أو لم يجب، حصل ذلك. ثم حفظ الأنساب، ثم حفظ العقل، ثم المال. والوصف المناسب نوعه لنوع الحكم راجح على الأقسام الثلاثة الباقية، ثم المناسب نوعه لجنسه، ثم عكسه، ثم الأخير. وقيل: الثاني والثالث متعارضان. والجنس الأقرب أقدم، والجلي أولى من غيره، وكل ما فيه الحاجة أمس فهو أولى، وكذا مما يقع في القسم الثالث، فإن ما فيه مقصوده أكثر فهو أولى. وترجح المناسبة بكونها متأيدة بغيرها، وخالية عن المعارض ولكنها مناسبة من وجهين، وبكونها غير متخصصة. والسبر راجح (على الدوران وغيره من الطرق، وهو راجح) على بقية الطرق، والدوران في صورة واحدة أولى منه في صورتين، والمقيد بغيره أولى، والوجودي والعدمي أولى من كل واحد منهما، والوجودي أولى من العدمي. والمؤثر والشبه متقاربان، ولو قيل: يرجحانه على الشبه لم يكن فيه بأس، وهما راجحان على البقية. ولاشبه في الصفة أو الصورة أولى منه في الحكم، لأنه أشبه بالعقل والعقلية. وقيل: الحكم الشرعي أولى.

стр. 740

وتقيح المناط القطعي أولى من الظني، وما دليل عليته الإجماع أولى. ويرجح القياس باطراد علته، والمتخصصة لمانع، أو فقد شرط أولى من المتخصصة على سبيل الاستثناء، أو التي لا يعقل في تخصصها ذلك. وبتعديتها، وبكثر تعديتها، وبكونها غير منكسرة، وبانعكاسها فإن اطردت إحداهما وانعكست الأخرى: فالمطردة أولى، وبكونها مقترنة مع الحكم، وما يتقدمها الحكم وما يتأخر عنها - متقاربان. وبكونها متضمنة للحكمة، والأخرى مظنة، وبكونها لا تعكس على أصلها من نص أو حكم، وبكونها لا توجب حكما على خلاف دليل أو مرجح، من تفسير الراوي، وبكونها مستنبطة من أصول عدة. وبكونها غير مناسبة لضد الحكم المطلوب ولو بوجه مرجوح، وبكونها أفضى إلى حصول مقصودها، وبكونها متضمنة مصلحة عامة وبكونها مستنبطة من حكم ليس على خلاف الأصل. وضابط الحكمة إذا كان جامعا مانعا أولى من الذي ليس كذلك وترجيحها سبب حكمها وحكم الأصل، ودليله يعرف ما سبق. ويرجح القياس بكون حكمه في الفرع لا يوجب محذورا، كتخصيص عموم، وتقييد مطلق، وبكونه مثبتا للحكم في جميع الفروع، وبكون فرعه مشاركا لأصله في عين الحك وعين العلة. ثم بمشاركته له في عين العلة وجنس الحكم، ثم عكسه، ثم بالمشاركة في الجنسين. وبالعلم بتأخر فرعه عن أصله، وبالعلم بوجود العلة في الفرع، وبغلبة ظنه. وبكون حكم فرعه مدلولا عليه بالنص جملة، والقياس أصله، وبكون الحكم في فرعه لا يبطل الحصر في أصله، وبكون العلة فيه خالية عن المعارض. وبكثرة فروعه. وقيل: لا: (أ) قياسا على النص، إذ لا ترجيح بكثرة العموم. (ب) التعدية فرع الصحة، فلا يرجح به. وأجيب: عن (أ) بالفرق، وهو: أن تقديم الخاص لا يوجب إلغاء العام، و - ههنا - لا بد من إلغاء
следующие страницы →