Полный текст (825 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
إلى الكلام، وهو وجودي. ثم الإضافي إن جعل وجوديا، وهذا إن لم يجعل الحكم الشرعي وجوديا وإلا: فلا يظهر ترجحه عليه، بل هو أولى للكثرة، ولتلازم بعضه للبعض.
ثم الحكم الشرعي، إذ التقديري عدمي وفاقا، نادر.
وتعليل الوجودي بالوجودي أولى من الأقسام الثالثة الباقية، لأن العلمية والمعلومية وجوديتان، ولأنهما أشبه بالعلل العقلية، وللاتفاق عليه. ثم مقابلة للمشهابهة.
وفيه نظر، إذ مخالفة الأصل فيه أكثر من الباقين.
ثم تعليل العدمي بالوجودي لحصول الأشرف في الأشرف، ولأن في عكسه جعل العدم علة الوجود.
وقيل: بتساويهما.
وبكونها مفردة للاتفاق عليه، ولكثرة احتمال وجودها، وقلة احتمال تطرق العدم إليها.
وبكونها بمعنى الباعث لكونه متفقا عليه، ولكثرة قبول الطباع (له)، ولسهولة فعله - إذ ذاك.
وبكونها معلومة الوجود، والترجيح بكونها بديهية أو حسية - فيه خلاف، مبني على تطرق الترجيح إلى اليقينيات.
وبكون ظن عليتها أكثر، وقد يكون ذلك لقلة مقدماته.
ولرجحان دليل عليتها، فما هو نص في العلية راجح على ما هو ظاهر فيها وهما راجحان على الطرق العقلية.
وكذا الإيماءات عند من لا يشترط المناسبة في المومأ إليه، ومن شرط فاللائق بمذهبه ترجح (على) المناسبة عليها، لأنها تستقل دونها.
стр. 737
ونقل الإمام الإجماع في ترجحها على الطرق العقلية مطلقا، لكن أبدى فيه نظرا، يدل (على ما ذكرنا وإن كان، فما أبدى من النظر: نظر) على ما ذكرنا في (النهاية).
ثم إن لم تشترط المناسبة في المومأ إليه، فما اتصف بها أولى من غيره، وإنما الراجح بشرط تساويهما وإلا: فتعارض. والنظر في نفس الإيماء أولى من دليله.
(أ) لأنها علة لعلية العلة، فتأثيرها لها لا لدورانه، فإنه أمارة العلية، ولأنه يوجد بدونها، كما في سبق في فصله، وتوجد بدونه كما إذا كانت أخفى أو مع المناسبة فالمناسبة أولى. والمناسبة أولى من الدوران.
(ب) أن ظن العلية فيها أكثر للاتسقراء، فكانت أولى. وقيل: الدوران أولى.
(أ) لأن المضطرد المنعكس أشبه بالعلل العقلية، وصحته مجمع عليها.
وأجيب:
(ب) علل الشرع معرفات، والطرد والعكس أدخل في التعريف منها عن (أ): بمدى وجوب العكس في العقلية، وقد عرف سنده ثم لا نسلم أن الأشبه بها أولى، فإن العقلية موجهة، والشرعية معرفة أو داعية، ومع الفرق لا يمكن اعتبار أحدهما بالآخر، والإجماع إنما هو في مطرد منعكس مناسب، والكلام في مناسب غير مطرد منعكس، وفي منعكس مطرد غير مناسب، وترجحه عليه ممنوع، وهذا لأن الطرد غير معتبر والعكس غير واجب، ومقتضى هذا: أن لا يكون الدوران حجة، ترك العمل في الخالي عن المعارض فيبقى على الأصل في غيره، لأنه غيره، ثم المناسب - أيضا - مجمع عليه بين القائسين.
وعن (ب): بمنعه، فإنه إذا كانت منضبطة بوصف كانت مناسبة ومعرفته، ثم هو معارض لفوائدها. والمناسب أولى من التأثير، لأن تأثيرها لنفسها، وتأثير المؤثر بواسطة، فكانت أولى، ولأنه مفتقر إليها من غير عكس.
والمناسبة أولى من السبر الظني الذي جميع مقدماته ظنية فإن كان البعض قطعيا: فذلك
стр. 738
يختلف بحسب كثرة إفادة الظن وقلته، فإن تساويا فيه تساويا.
وقيل:
المناسبة أولى: نظرا إلى أن نوعها راجح على نوعه. ثم الدليل على رجحانها على الظني:
(أ) أنه يفتقر إلى ثلاث مقدمات، وليس الدال عليها قطعيا. وإلا: لكان قطعيا وليس كلامنا فيه، وهو: إما المناسبة أو غيرها.
والمناسبة المستقلة أولى من غير المستقلة، وغيرها إما عقلي أو غيره، وهي أولى من العقلي بأسرها، مع أنها وحدها كافية، وكذا من غيره، إيماء كان أو غيره، لقلة مقدماتها وكثرة السبر مع مقدمات ذلك الدليل.
(ب) القياس يخص به العام، وإن كان مقطوع المتن، فإذا تقدم على العام، فلأن يقدم السبر بالطريق الأولى.
وزيف:
بأن ذلك لخصوصه، وما نحن فيه ليس كذلك.
(ح) الاستدلال له بالمناسبة على العلية: استدلال بما به العلية عليها، والسبر ليس كذلك، فهي أولى.
وقيل:
السبر أولى، لأنه يفيد مع ظن العلية نفي المعارض، وهي ليست كذلك.
وأجيب:
بمنع أن ذلك يوجب الترجيح، وهذا لأنه لا يفيد قوة في العلة بل هو خارج عنها، سلمناه لكن عند تساوي الظن بالعلية، وهو ممنوع، ثم إن هذه الفائدة معارضة بفوائد المناسبة، والترجيح معنا لأنها متعددة.
ومنه يعرف أن المناسبة راجحة على بقية الطرق. ثم المناسبات يترجح بعضها على بعض، فأعلاها: التي في محل الضرورة، ثم ما هي من كمالاتها، ثم التي في محل الحاجة، ثم كمالاتها. ثم التي في محل الزينة والتتمة. وفي كل نوع من الأنواع مراتب: فأعلاها: المراتب الضرورية: حفظ الدين: إذ به تحصل السعادة الأبدية، ثم حفظ النفس.
стр. 739
ولا نسلم أن حفظ الدين محض حق الله، بل فيه حق اله وحق العبد، إذ به السعادة الأبدية، وحفظ نفسه وماله.
ولو سلم فحق الآدمي إنما يقدم على حق الله تعالى في فروع الشرع، دون أصوله، وإنما يقتل الشخص قصاصا، لا ارتدادا عند المزاحمة لأن المقصود منه - وهو إعدام النفس الخبيثة المرتكبة على الجريمة العظيمة زجرا لغيره عن مثلها - حاصل مع حصول التشفي لأولياء المقتول، ولو قتل ارتدادا لم يحصل هذا المقصود، فكان قتله قصاصا أولى.
لا يقال: زجر غيره عن مثلها إنما يحصل لو قتل لردته، لأنه إذا علم أنه مقتول، سواء وجب عليه القصاص (معه) أو لم يجب، حصل ذلك. ثم حفظ الأنساب، ثم حفظ العقل، ثم المال. والوصف المناسب نوعه لنوع الحكم راجح على الأقسام الثلاثة الباقية، ثم المناسب نوعه لجنسه، ثم عكسه، ثم الأخير.
وقيل:
الثاني والثالث متعارضان.
والجنس الأقرب أقدم، والجلي أولى من غيره، وكل ما فيه الحاجة أمس فهو أولى، وكذا مما يقع في القسم الثالث، فإن ما فيه مقصوده أكثر فهو أولى. وترجح المناسبة بكونها متأيدة بغيرها، وخالية عن المعارض ولكنها مناسبة من وجهين، وبكونها غير متخصصة.
والسبر راجح (على الدوران وغيره من الطرق، وهو راجح) على بقية الطرق، والدوران في صورة واحدة أولى منه في صورتين، والمقيد بغيره أولى، والوجودي والعدمي أولى من كل واحد منهما، والوجودي أولى من العدمي.
والمؤثر والشبه متقاربان، ولو قيل: يرجحانه على الشبه لم يكن فيه بأس، وهما راجحان على البقية. ولاشبه في الصفة أو الصورة أولى منه في الحكم، لأنه أشبه بالعقل والعقلية. وقيل: الحكم الشرعي أولى.
стр. 740
وتقيح المناط القطعي أولى من الظني، وما دليل عليته الإجماع أولى. ويرجح القياس باطراد علته، والمتخصصة لمانع، أو فقد شرط أولى من المتخصصة على سبيل الاستثناء، أو التي لا يعقل في تخصصها ذلك. وبتعديتها، وبكثر تعديتها، وبكونها غير منكسرة، وبانعكاسها فإن اطردت إحداهما وانعكست الأخرى: فالمطردة أولى، وبكونها مقترنة مع الحكم، وما يتقدمها الحكم وما يتأخر عنها - متقاربان.
وبكونها متضمنة للحكمة، والأخرى مظنة، وبكونها لا تعكس على أصلها من نص أو حكم، وبكونها لا توجب حكما على خلاف دليل أو مرجح، من تفسير الراوي، وبكونها مستنبطة من أصول عدة.
وبكونها غير مناسبة لضد الحكم المطلوب ولو بوجه مرجوح، وبكونها أفضى إلى حصول مقصودها، وبكونها متضمنة مصلحة عامة وبكونها مستنبطة من حكم ليس على خلاف الأصل. وضابط الحكمة إذا كان جامعا مانعا أولى من الذي ليس كذلك وترجيحها سبب حكمها وحكم الأصل، ودليله يعرف ما سبق.
ويرجح القياس بكون حكمه في الفرع لا يوجب محذورا، كتخصيص عموم، وتقييد مطلق، وبكونه مثبتا للحكم في جميع الفروع، وبكون فرعه مشاركا لأصله في عين الحك وعين العلة. ثم بمشاركته له في عين العلة وجنس الحكم، ثم عكسه، ثم بالمشاركة في الجنسين.
وبالعلم بتأخر فرعه عن أصله، وبالعلم بوجود العلة في الفرع، وبغلبة ظنه. وبكون حكم فرعه مدلولا عليه بالنص جملة، والقياس أصله، وبكون الحكم في فرعه لا يبطل الحصر في أصله، وبكون العلة فيه خالية عن المعارض. وبكثرة فروعه.
وقيل: لا:
(أ) قياسا على النص، إذ لا ترجيح بكثرة العموم.
(ب) التعدية فرع الصحة، فلا يرجح به.
وأجيب:
عن (أ) بالفرق، وهو: أن تقديم الخاص لا يوجب إلغاء العام، و - ههنا - لا بد من إلغاء
стр. 741
أحدهما، فكان إلغاء ما هو أقل فائدة أولى.
وعن (ب) بمنعه، إذ كثرته يدل على قوته وبرده الفرع إلى جنسه.
الاجتهاد
وهو لغة: (استفراغ الوسع في الفعل).
واصطلاحا: (استفراغه في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم، مع استفراغه فيه).
وفيه احتراز: عن الأصولية، ولهذا سمي مسائل الفروع: مسائل الاجتهاد، دون الأصولية.
وقيل: (هو استفراغه في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحس من النفس العجز عن المزيد فيه).
وهو غير مانع، إذ يندرج تحته ما فيه قاطع من الفروع، ولم يحس الطالب به، وهو: استفراغ وسعه فيه على ما ذكر.
والمجتهد فيه:
(كل حكم شرعي ليس فيه قاطع). خرج عنه: لعقلي، وما اتفقت عليه من جلياته أبو الحسين: (الاجتهادية: هي التي اختلف فيها المجتهدون في الأحكام الشرعية).
وزيف:
أن جواز اختلافهم فيها مشروط بكونها اجتهادية، فلو عرف كونها اجتهادية بذلك - لزم الدور.
لا يقال: التعريف إنما وقع بوقوع - الاختلاف، لا بجوازه، فلا يرد ما ذكر - لأنه - حينئذ - يرد أنه غير مانع، لوقوعه في الاجتهادية.
стр. 742
مسألة
الاجتهاد كان جائزا للرسول ﷺ عند الشافعي وأصحابه، والإمام أحمد، وأبي يوسف، وعبد الجبار وأبي الحسين البصري.
فقيل: علم وقوع التعبدية، وقيل: لم يعلم ذلك، وقال أبو علي وأبو هاشم: بعدمه.
وقيل: به في الآراء والحروب - فقط - وتوقف في الجمهور.
لنا:
(أ) ﴿فاعتبروا﴾ [الحشر: آية ٢]، وتناوله له أولى، لقوة البصيرة، والاطلاع على شرائط القياس، و - حينئذ - لو لم يقع منه لقدح في عصمته ومن لم يقل به نزل الأمر على الإباحة، لأنه حقيقة فيها، أو تنزيلا للفظ على أقل مفهوماته.
(ب) قوله تعالى: ﴿لتحكم بين الناس بما أراك الله﴾ [النساء: آية ١٠٥] وهو عام أو مطلق في الإرادة بالتنصيص وبالقياس، فيحمل عليهما دفعا للتخصيص والتقييد.
(ج) قوله تعالى: ﴿وشاورهم﴾ [آل عمران: آية ١٥٩] وهو في غير ما نص فيه، إذ لا فائدة لها فيه، وحمله على الآراء والحروب والأمور الدنيوية - تقييد خلاف الأصل.
(د) قوله تعالى: ﴿ففهمناها سليمان﴾ [الأنبياء: آية ٧٩] ومثله لا يتسعمل فيما نص فيه، فهو في القياس - وحينئذ - يلزم جوازه في حق الرسل، لعدم القائل بالفصل. وفيه نظر.
(هـ) قوله ﵇: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي"،
стр. 743
ومثله لا يقال فيما كان بالوحي.
وروى أنه ﵇ كان يقضي في القضايا والقرآن ينزل، والحكم بغيره.
وفيهما نظر؛ لأن امتناعه في الوحي الغير الصريح، وما يلزم من الصريح ممنوع، ولا يلزم من الحكم بغير القرآن الحكم بالقياس، لاحتمال أن يكون الوحي غير متلو.
والتمسك بقوله: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، وكنت نهيتكم عن ادخار لحوم الضاحي"، - ضعيف جدا، لجواز أن يكون كل واحد منهما بوحي غير متلو، ويؤكده: أن النسخ بالقياس غير جائز، أو وإن جوز ولكنه خلاف الغالب.
(و) أن عند الظن بمقدمتي القياس يحصل ظن أن مثل حكم الأصل حكم الله في الفرع، وترجح الراجح متعين في بداية العقول.
وأورد: أن تعينه عند القدرة على الأرجح - ممنوع، وعند عدمها لا يضر.
(ز) بعض الأحكام مضافة إليه كالسنن، وذلك يشعر بكونه من اجتهاده، إذ لا يقال: مذهب الشافعي وجوب الصلوات الخمس.
وأورد: بمنع تعينه طريقا إليه، فإنه يجوز ذلك، لأنه لم يشرع لغيره، وإنما لا يضاف إلى الشافعي ما ذكر، لعدم الاختصاص به، فإنه لو اختص به: يضاف إليه، وإن كان بنص صريح.
стр. 744
(ح) العمل بالاجتهاد أكثر ثوابا، للمشقة فيه، وللحديث، ولأنه يظهر فيه إثر دقة النظر، وجودة الخاطر، فكان أولى به من أمته، واختصاصه بفضيلة الوحي لا يمنع من مشاركته في أخرى. لا يقال: إنه يقتضي أن لا يعمل الرسول إلا: به؛ لأن ذلك غير ممكن، إذ العمل بالاجتهاد مشروط بالتنصيص على حكم الأصل، فكان العمل به في كل الأحكام ممتنعا.
فإن قلت: مقتضى الدليل ذلك، لكن ترك العمل به فيه للإجماع، فيبقى فيه غيره على أصله، ولأنه وإن ترجح على الحكم بالوحي من "هذا الوجه لكن يرجح" ذلك عليه بوجه أخر، فلو اتصف به في الأكثر - لزم فوات تلك الفضائل في الأكثر، وهذا - وإن كان آت في أصل المشاركة لكن فيه فوات فضيلة نوعية راجحة بوجه ما مرجوحا بوجه آخر، وأنه أشد محذورا من فاته بالنسبة إلى أكثر الأفراد، ولهذا قد يشتغل الإنسان بفن مرجوح من العلم، مع اتصافه بفن منه راجح، كي لا يفوته ذلك النوع من الفضيلة، لكن لا يجعل دوام اشتغاله فيه، كدوامه بالراجح.
(ط) "العلماء ورثة الأنبياء"، وإنما يرثون منهم الاجتهاد، أن لو كان لهم ذلك، وتقييده بأركان الشرع، خلاف الأصل.
стр. 745
وزيف:
بأنه لا يقتضي أن ما للوارث فموروث، بل إن ما للموروث: فمورث. فإن قلت: معناه: أن ما ختصوا به من العلم فهو وراثة منهم. قلت: يمنع ذلك، إذ قوله: (زيد وارث عمرو) لا يقتضي أن جميع ما لزيد من المال: فهو وراثة منه، بل عكسه، و - حينئذ - الاستدلال به دور، لأنه يتوقف على أن لهم الاجتهاد، فإثبات ذلك به دور، ثم اللازم منه حصول العلم به لهم، دون جواز العمل به، وفيه النزاع.
(ي) أنه وقع منه: إذ روى أنه قال: في مكة: "لا يختلي خلاها، ولا يعضد شجرها"، فقال: العباس: إلا الإذخر، فقال: ﵇ "إلا الإذخر"، ومعلوم أن الوحي لم يتنزل عليه، لعدم أمارته، فكان الاجتهاد.
وأمر يوم فتح مكة (بقتل مقيس بن جبابة، وابن أبي سرح، وإن وجدا متعلقين
стр. 746
بأستار الكعبة)، مع تقدم قوله: "منت تعلق بأستار الكبة فهو آمن"، ثم إنه عفى عن أبي سرح بشفاعة عثمان ﵁ ولو كان ذلك بالنص: لما عفى، ولأن أمارت الوحي غير ظاهرة.
وقال: "لا هجرة بعد الفتح"، ثم قبل شفاعة العباس في مجاشع بن مسعود، فقال: "أشفع عمي، ولا هجرة بعد الفتح"، ولم يكن لوحي، لما سبق.
واجتهد في أخذ الفداء عن أسارى بدر، وكان يراجعهم في ذلك، حتى عوتب على
стр. 747
ذلك، قال الله تعالى: ﴿وما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾ [الأنفال: آية ٦٧]، ولو كان بالوحي لما كان كذلك، وعوتب على الإذن بقوله تعالى: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ [التوبة: آية ٤٣]، هو من غير وحي، لما سبق.
وراجعه بعض الصحابة في منزل نزله، فقال: (إن كان هذا وحيا فالسمع والطاعة، وإلا: فليس هو بمنزل مكيدة)، فرحل عنها ولو كان وحيا لما رحل.
للمانع:
(أ) قوله تعالى: ﴿وما ينطق عن الهوى﴾ [النجم: آية ٣]، حصر نقطقه فيما يوحى إليه، وقوله: ﴿أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ [الأنعام: آية ٥٠].
(ب) أنه يجوز مخالفة ما صدر عن الاجتهاد، لأنه من لوازمه وتجوز مراجته فيه، لما سبق، ولا يكفر مخالفه، إذ المجتهد المخطئ له أجر واحد، وشيء منه غير ثابت في الأحكام الشرعية، للإجماع.
ولقوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك﴾ [النساء: آية ٦٥]، فليس فيها ما هو بالاجتهاد.
стр. 748
(ج) لو كان متعبدا به لكان عاملا به، وإلا: لقدح في عصمته، ولو كان كذلك لأظهره، كي لا يوهم شرعيته بطريق الوحي، لأنه الأكثر، فيكون مغريا على الجهل، ولكي يقتدي به كما فعله في غيره، ولما لوقف في الأحكام إلى نزول الوحي، لعلمه بحكم العقل، وطريق القياس وإلا: لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، إذ القدرة على الشيء كحصوله، كالقدرة على تحصيل الماء، كحصوله في عدم جواز التيمم، واللازمان منتفيان إذ لم ينقل منه إظهاره في شيء من الأحكام وتوقف في كثير من المسائل: كالظهار، واللعان، فينتفي الملزوم.
(د) لو جاز له جاز لجبريل، و - حينئذ - لا يعرف إنما نزل به نص الله تعالى أو اجتهاده.
(هـ) تجويزه له يورث التهمة والنفرة، ويخل بمقصود البعثة.
(و) شرطه: عدم النص، وهو مفقود في حقه ﵇ لتوقع نزول الوحي في كل وقت، وهو كوجدان النص في حقنا، فما لم يحصل له اليأس منه، لم يجز له العمل به.
(ز) أجمعنا على أنه لا يجوز له أن يخير بما لا يعلم صدقه، فإن غلب على ظنه ذلك، فكذا لا يجوز له أن يحكم بما لا يعلم حقيقته، وصوابه وإن غلب على ظنه.
وأجيب:
عن (أ): بأنه رد لقهولهم: ﴿افتراه﴾ [يونس: آية ٣٨، هود: آية ١٣، الأنبياء: آية ٥]، ثم إن اجتهاده من فعله، فلم يتناوله النص، ثم دل الوحي على العمل به: كان العمل به عملا بالوحي، وهذا
стр. 749
والأول جواب عن النص الثاني.
وعن (ب): أن جواز المخالفة والمراجعة وعدم التكفير مطلقا - ممنوع، بل ذلك في الاجتهادي الظني، وفيما يتعلق بالآراء والحروب. والحكم الاجتهادي - وإن كان مظنونا - لكن الرسول لما أفتى به صار قطعيا، لا تجوز مخالفته، ويكفر مخالفه، كالاجتهادي إذا صار مجمعا عليه.
وحديث الأجر محمول على الاجتهاد الظني بدليل عدم ثبوت مقتضاه فيما صار مجمعا عليه، والمراجعة منقولة في الآراء والحروب، دون الاحكام.
وعن (ج): بمنع أنه يجب إزالة مثله، وقطع الملكف في غير محله تقصير منه، ثم إنما يجب ذلك فيما لا دليل عليه، فأما معه فلا، كما في إنزل المتشابهات، وما ذكرنا دليل عليه. ولا عبرة بالإيهام الناشئ من آحاد الصور، فإن التكليف بمعرفة ذلك غير واقع.
ثم لا نسلم أنه لم يظهره، فلعله أظهره، لكن لم ينقل، إذ ليس مما توافر الدواعي على نقله، أو لندرته، ثم إنه نقل في بعضه، كما في حديث عمر في قبلة الصائم، والخثعمية. فإنه بين فيهما طريق الاجتهاد، فلعله كان طريق معرفة الحكم، فيهما، فلما سئل أجاب عنهما بطريق اجتهاده.
وتوقفه فيما لا سبيل للاجتهاد فيه كالظهار واللعان، ثم التوقف لعله بمقدار ما يعرف أنه لا ينزل فيه وحي، فإنه شرطه العجز عن وجدان النص، و - حينئذ - لم يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وعن (د): أنه قياس خال عن الجامع، ثم الفرق ظاهر، ثم إنه مدفوع إجماعا.
وعن (هـ): أنه إنما يجوز له بوحي من الله، فلا تهمة ولا نفرة، سلمنا، لكنها زائلة بالمعجزة.
وعن (و): بمنع أن نزوله في حقه كوجدانه في حقنا، إذ هو معدوم ولا يترتب عليه شيء من الأحكام، كالنسخ وغيره. بخلاف الموجود الذي لم يوجد. ثم لا يشترط في اليأس من نزوله القطع، بل يكفي فيه الظن - فلعله ﵇ ما كان يجتهد في واقعة حتى يغلب
стр. 750
على ظنه عدمه فيها.
وعن (ز) بمنع أنه لا يعلم حقية الحكم المجتهد فيه وصوابه، وسنده غير خاف.
ثم الفرق إجمالا: أنه لا يجوز للأمة الاجتهاد دونه، والافتراق في الحكم ديل على الافتراق في الحكمة، وتفصيلا: أن الحكم الشرعي يختلف باختلاف الناس والأحوال، فالحكم المجتهد فيه يعلمه المجتهد، أنه حكم الله في حقه، وأنه حق بالنسة إليه - وإن قيل: المصيب واحد - بخلاف الصدق والكذب، فإنهما أمران حقيقيان لا يختلفان باختلاف الناس والأحوال فلا يؤمن فيه من الكذب، فلم يجز الإقدام عليه.
فرع:
إذا جوز له الاجتهاد فلا يجوز أن يخطئ. والأكثر على تجويزه. لكن لا يقر عليه.
لنا:
(أ) أنه غض من منصبه، فلا يجوز.
(ب) اجتهاده لتشريع الأحكام بإبلاغها، ولم يجز فيه الخطأ وفاقا، فكذا هذا.
واستدل بأنا مأمورون باتباعه في الحكم، لقوله تعالى: ﴿فلا وربك﴾ [النساء: آية ٦٥] وذلك ينافي كونه خطأ. هو ضعيف، لأنه إذا لم يقر عليه امتنع الأمر باتباعه فيه.
وقيس على مجموع الأمة، بأنه معصوم في اجتهاده، بل أولى، لأن عصمتهم مستفادة من عصمته، ولأنه أكرم عند الله منهم. وفيه نظر، للفرق، فإن عدم التقرير في حقهم غير مقصور، لانقطاع الوحي، فيبقى الخطأ شرعا دائما، بخلاف الرسول، فإن هذا المحذور زائل عن اجتهاده بتقدير كونه خطأ.
لهم:
(أ) ﴿عفا الله عنك﴾، وقوله في أسارى بدر: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ [الأنفال:
стр. 751
آية ٦٨]، وقوله ﵇ (لو نزل عذاب من السماء لما نجا إلا ابن الخطاب)، يدل على خطئه في اجتهاده، وقوله: ﴿إنما أنا بشر مثلكم﴾ [الكهف: آية ١١٠]- دل على أنه كغيره في الوحي.
(ب) قوله ﵇ (إنكم لتختصمون لدي، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ بهن فإنما أقطع له قطعة من النار). يدل على جواز قضائه لأحد بغير حقه.
(ج) أنه يجوز غلطه في فعله، فكذا في قوله كغيره.
وأجيب:
عن (أ) بمنع أنه كان عن اجتهاد، ثم هو في الآراء والحروب والمصالح الدنيوية، والنزاع في
стр. 752
الأحكام. ثم بمنع أن العفو لا يكون إلا: عن خطأ، فلم لا يجوز أن يكون لترك الأولى؟ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وهو الجواب عن الآية الثانية. وعن الآية الثالثة: أن العصمة من لوازم الوحي إليه، فلم قلت: إنه ليس كذلك؟
وعن (ب): أنه لا تعلق له بالمتنازع فيه.
وعن (ج) بمنع حكم الأصل، ثم إنه قياس بلا جامع، ثم الفرق بين القول والفعل: أنه لا يجوز الخطأ في القول فيما يتعلق في الإبلاغ عن الله تعالى والتشريع وفاقا، ويجوز ذلك في الفعل، والافتراق في الحكم يدل على الافتراق في الحكمة.
стр. 753
مسألة
في جواز الاجتهاد في عصر الرسول
ثالثا: جوازه لمن بعد ملطقا.
وقيل: من الولاة والقضاة.
وقيل: بإذن منه:
فقيل: سكوته مع علمه بوقوعه إذن، وقيل: يعتبر صريحه. ثم في وقوع التعبد به.
ثالثها: التوقف مطلقا. وقيل: به في حق الحاضرين.
لنا:
(أ) أنه لا يلزم من فرض وقوعه محال، لا عقلا ولا سمعا، لا لذاته، - وهو ظاهر - ولا لغيره، إذ الأصل عدمه، وهو معنى الجواز.
(ب) أنه يجوز به الحكم في غير زمانه، فيجوز في زمانه مطلقا كالكتاب والسنة.
لهم:
(أ) أنه لا يؤمن في الغلط وسلوك المخوف مع القدرة على الآمن قبيح عقلا.
(ب) رجوع الصحابة إليه عند حدوث الوقائع - يدل على عدم جوازه.
(ج) أنه يعد في حضرته تعاطيا وافتياتا.
وأجيب:
عن (أ): بمنع الأولى، وسنده سبق غير مرة. ثم بمنع الثانية، إذ ورود النص ليس باختياره ومسألته عند الحاجة، بل جاز أن يؤمر بالاجتهاد - إذ ذاك - ونفي هذا الاحتمال
стр. 754
يتوقف على نفي جواز الاجتهاد، فنفيه بناء على نفي الاحتمال - دور. ثم بمنع ترك العمل بالاحتياط قبيح، ثم قبحه عقلا، بمعنى عدم الجواز: ممنوع وبغيره لا يضر.
وعن (ب) لعل ذلك فيما لم يظهر لهم وجه الاجتهاد، ثم سلوك إحدى الطريقتين - لسهولتها - لا يقتضي امتناع الأخرى، ثم لعله بعد اجتهادهم ليتأكد بنصه، وإنما لم ينقل: إما لقلتها، أو لأنهم لم يظهروها أو اكتفاء بالنص.
وعن (ج): بمنعه إذا كان بإذنه. ويدل على وقوع التعبد به سمعا:
(أ) قول الصديق لأبي قتادة: (لاها الله إذا لا تعتمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه)، فقال ﵇ " ... صدق" ولو كان لنص لما كان للتصديق معنى، ولكان الإسناد إليه أقرب إلى الإذعان.
(ب) أنه حكم سعد بن معاذ، في بني قريظة، واستصوب
стр. 755
حكمه وأمر عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر الجهني: أن يحكما بين خصمين، وهو صريح في جوازه بإذنه وأما ما يدل على جوازه للغائب: فقصد معاذ، وعتاب بن أسيد حين ولاه مكة.
لا يقال المسألة علمية، وما ذكرتم أخبار آحاد، ثم لا دليل فيه على من جوز بإذنه، ثم إنه خاص ببعض الناس فلا يثبت به جوازه عموما لأنا نمنع أنها علمية، وقد عرف سنده، والأمة تلقته بالقبول، فصار مجمعا عليه، والمراد حصول القطع من مجموع الأدلة، دون
стр. 756
آحادها، ولا نسلم أنه لا دليل فيه مطلقا، فإنه حديث الصديق يدل عليه مطلقا، والقول بالفصل قول لم يقل به أحد، ثم المطلوب جوازه لمن هو بحضرته مطلقا. واستدل بقوله: ﴿وشاورههم﴾ [آل عمران: آية ١٥٩] ولا فائدة لها، إلا: الأخذ باجتهادهم.
وهو ضعيف، لاحتمال أنها في الآراء والحروب، وفي مصالح الدنيا.
مسألة
شروط الاجتهاد: المكنة من الاستدلال: وهي بمعرفة: معنى اللفظ بالدلالات الثلاث، بالأوضاع الثلاثة، ومقتضاه: من مفهوم واقتضاء وإشارة وإيماء.
وبمعرفة: أن المخاطب بعني باللفظ ظاهره - إن تجرد عن القرينة المعينة - وإلا: فما يقتضيه معها، لأنه لا يحصل الوثوق بشيء من الأحكام والأخبار بدونه. قالت المعتزلة: يعرف ذلك بحكمة المتكلم، أو بعصمته، والأول مبني على تحسين العقل وتقبيحه.
وقال أصحابنا: قد يقطع بعدم وقوع جائزة كالعاديات، ونحن - وإن جوزنا منه تعالى فعل كل شيء - لكن نعلم بالضرورة أنه لا يعني بها غير ظواهرها، فلا لبس. ثم معرفة كونه مجردا عن القرينة، أو غير مجرد يتوقف على الطلب، فيجب ذلك على المجتهد إلى غلبة ظنه بوجودها أو عدمها.
والقرينة العقلية تميز الجواز دون الوقوع، والسمعية تميزهما، وهي تخصص العام بالأشخاص أو الأزمان المسمى (بالتخصيص)، والنسخ، ونعم الخاص المسمى بالقياس، والقرينة الخالية تميز الوقوع دون الجواز، إذ دلالة بشهادة حال المتكلم على جواز الشيء وعدمه. ثم الدلالئل السمعية وقرائتها قد تكون منقولة، وهو: إما بالتواتر أو الآحاد، فيجب معرفة هذه الأمور وشرائطها. وبمعرفة مدارك الأحكام وطرق استنباطها منها، ووجوه دلالتها وشرائطها.
стр. 757
ثم قال الغزالي: المدارك أربعة: الكتاب والسنة والجماع والعقل، وإنما يشترط من الكتاب والسنة معرفة ما يتعلق بالأحكام، وهو قدر خمسمائة آية من الكتاب، والعلم بمواقعه، ليطلب منها عند الحاجة ويجب العلم بمواقع الإجماع، لئلا يفتي بخلافه. وطريقة: أن لا يفتي إلا: بما يوافق قول أحد المتقدمين أو يغلب على نه عدم خوضهم فيه.
والعقل: وهو البراءة الأصلية، فيعرفها ويعرف أنا متعبدون بها، عند عدم الثلاث. ولم يذكر القياس، فإن كان ذلك لكونه مستفادا من الكتاب والسنة فالإجماع والعقل كذلك.
وإن كان لعدم كونه مدركا، فكونه حجة ينفيه، فلا بد من معرفته ومعرفة شرائطه.
ولا بد مع هذه الأربعة من أربعة أخرى. اثنان مقدمان، وهما علما الحد والبرهان المسمى: بالمنطق، والنحو واللغة والتصريف، إذ الأدلة عربية، ولا يشترط في ذلك البلوغ إلى الغاية القصوى، ولا يكتفى بأول الدرجات. بل المعتبر بالدرجة الوسطى.
واثنان متممان، وهما علما (الناسخ والمنسوخ)، و (أسباب النزول)، و (الجرح والتعديل)، وأحوال الرجال، لما تعذر ذلك في زماننا، لطول المدة، وكثرة الوسائط، اكتفي بتعديل الأئمة الذين اتفقوا على عدالتهم. ولا يشترط علم الكلام - إن اكتفي فيه بالتقليد، إذ المقلد قد يتمكن من الاجتهاد، ولا يشترط معرفة جميع مسائله تقليدا، بل ما يصح به الإسلام.
ولا يشترط معرفة تفاريع الفقه، وإلا: لزم الدور. وعند هذا ظهر أنه لا بد فيه من أصول الفقه، وما تقدم من ولوازمه، دون غيره، وكل من كان نصيبه منه أوفر كان حظه من الاجتهاد أكمل، وأما ضبط القدر الذي لا تحصل رتبة الاجتهاد بدونه فمتعذر.
ثم صفة الاجتهاد قد تحصل في فن دون فن, بل في مسألة دون أخرى. خلافا لقوم.
إذ الغالب أن أصول كل فن إنما توجد فيه، فإذا عرفها تمكن من الاجتهاد، واحتمال شذوذ شيء منه نادر، لا يقدح فيه كالمجتهد المطلق، ولأنه لو لم يتجزأ لعلم الجميع.
стр. 758
وقد سئل الإمام مالك عن أربعين مسألة ، فقال في ست وثلاثين منه: لا أدرين مع أنه في الذروة العليا منه.
مسألة
الجماهير: المصيب في الأصول واحد، وهو المصادف لما هو الواقع في نفس الأمر، مدركه عقليا كان أو شرعيا، وغيره مخطئ وآثم وكافر - إن كان فما يكفر به - وإن بالغ في الاجتهاد.
ونقل عن الجاحظ والعنبري: أن كل مجتهد فيه مصيب، بمعنى نفي الإثم، والخروج عن عهدة التكليف. لا بمعنى: مطابقة الاعتقاد، فإنه لا يقول به عاقل، ومعنى كونه مصيبا: أنه أصاب ما كلف به مما هو تحت وسعه.
لنا:
(أ) قوله تعالى: ﴿ذلك ظن الذين كفورا فويل للذين كفروا من النار﴾ [ص: آية ٢٧]، وقوله: ﴿وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم﴾ [فصلت: آية ٢٣]، وقوله: ﴿ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون﴾ [المجادلة: آية ١٨]، ونحوها من النصوص الدالة على ذم الكفار، بسبب عقائدهم من غير فصل بين المعاند وغيره، مع القطع بعدم عناد كلهم.
فإن قلت: الذم للكافر، وهو الساتر، إذ الكفر عبارة عنه، نقلا واستعمالا، والأصل عدم التغيير، وهو إنما يتحقق من المعاند، دون غيره، فلا يصدق على الجاهل الذي لم يعرف الحق - أنه كافر، ولو صدق وجب تخصيصه عنه لما سيأتي، ثم لعله للاكتفاء بالظن.
стр. 759
قلت:
ما ذكرتم لغة، وفي الشرع: (عبارة عمن انتحل دينا مخصوصا مطلقا)، وهو وإن كان خلاف الأصل - لكن يصار إليه لتبادر الذهن إليه عند سماعه. ولأن كثيرا منهم يعرفون معناه مع عدم علمهم بأنه للستر، ولإجماع الكل على إطلاقه عليه مطلقا. ثم بمنع أنه لا يتحقق إلا: في المعاند، إذ سبر الشيء لا يتوقف على علمه، وكذا لو بسط ثوبا من غير علمه به يقال: ستره بالثوب، والتخصيص خلاف الأصل، وسنجيب عما يأتي، ونعلم بطلان إطباق الكل على الظن عادة.
(ب) قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك﴾ [النساء: آية ٤٨] ونحوه من النصوص الدالة على أن الشرك لا يغفر، من غير فصل بين المعاند والمجتهد الذي لم يعرف حقيته والمقلد، بل بعضهم قاطعون بصحة ما انتحلوه دينا، ويحققه الاستقراء، وما ذاك إلا: للشبهة ثم إنه يقتضي عدم توجيه الذم إليه، إذا كان جازما بحقيته، وهو معلوم الفساد بالضوررة، بل يعلم أن إنكارهم عليه أشد.
(ج) نعلم - قطعا - أنه ﵇ أمر الكفار بالإيمان به، وذمهم على إصرارهم على عقائدهم، وقاتلهم، وكان يكشف عن مؤتزرهم ويقتل من بلغ منهم، مع القطع بأن المعاند منهم نادر.
وأورد:
بأنه لتركهم التعلم والنظر على وجه ما ينبغي، والإصرار على ما اعتقدوه أولا مع أنهم أرشدوا إلى دلائل العقائد الحقة.
ورد:
بامتناع حمله على ذلك عادة، فإنا نعلم قطعا، أن الكل ليس كذلك، كما أن كلهم ليسوا عرافين معاندين، بل أكثرهم مقلدة، وأقلهم معاندون، وبعضهم مجتهدون، معتقدون حقيته، لشبهة اعتقدوها دلائل.
(د) الإجماع عليه من السلف والخلف قبل ظهور المخالف، فإنهم مطبقون على ذم الفلاسفة والمجسمة، بل أهل البدع والأهواء، مع أنهم أصحاب النظر الاستدلال، غير
стр. 760
معاندين.
(هـ) أن الله تعالى نصب على هذه المطالب أدلة قاطعة، ومكن العقلاء من معرفتها، فلا يخرجوا عن العهدة إلا: بالعلم، ترك العمل به في حق المقلد، لمطابقة اعتقاده، فيبقى فيما عداه على أصله.
فإن قلت: النصب والتمكين ممنوعان، فإن من نظر في أدلتها وأنصف لم يجد فيها قاطعا، ومخالفة معاند مكابر. ثم لا نسلم أنه يقتضي أن لا يخرجوا عن العهدة إلا: بالعلم، وهذا فإنه لو أمكن حصوله فلا يحصل إلا: لآحاد الناس بنظر دقيق، وفكر صعب متعب.
وكونه تعالى رحيما رؤوفا، والشريعة سمحة سهلة - ينفي تكليف الكل به، و - حينئذ - نقول: إنهم أمروا بما غلب على ظنهم أنه صواب طابق أو لا، فالآتي به معذور.
ويدل عليه: أن الرسول كان يقبل إيمان كل من أتاه بكلمتي الشهادة، ويعلم قطعا أن الكل ما كانوا يعرفون براهين ما بمعرفته حصة الإيمان وشرائطها. ولأن حصول العلم منها لو أمكن فإنه في غاية الصعوبة، ولهذا قل الموقنون، فتكليف الكل به - مع أن فيهم من ليس له صلاحية تعقل أدنى العلوم - تكليف ما لا يطاق، وهو ممتنع، وإن جوز فليس هذا منه عند من يقول به.
قلت:
الدليل عليه أن العلم بأن للمحدث محدثا ضروري وكونه محدثا قد يكون محسوسا، وعلم بطلان الدور والتسلسل بقاطع، و - حينئذ - يعلم قطعا بأن له محدثا قديما، ووقوع الاختلاف في الشيء لا يقدح في كونه قطعيا، كالالختلاف في المحسات والبديهيات وكذلك العم بكون المخالف ليس مكابرا، الحتمال ان ذلك لشبهة قوية وهي لا تقدح في قطع القاطع.
وعن (ب) أنه إنما يلزم لو حصر الخروج عن العهدة على العلم ونحن لا نقول به، بل نقول: يخرج به أو بالتقليد الجازم المطابق، وهو سهل، وبه جواب السند، ولو كانوا مأمورين بالظن الغالب - كيف ما كان - لما توجه الذم إليهم مطلقا، كما سبق تقريره.
стр. 761
وأورد:
أن التشكيك على دليل امتناع الدور والتسلسل مشهور، ثم ما به صحة الإيمان غير مقتصر على العلم بوجد الصانع، بل لا بد فيه من مطالب أخر، ووجود جلي مثله فيها ممنوع.
المخالف:
التكليف بالعلم عينا عسر لكل أحد في كل واحد من المطالب، وينفي جواز تقليد المعلوم بالضرورة، وتخييرا بينه وبين ما غلب على ظنه أنه صواب مطلقا، أو بشرط المطابقة بطريق ظني، أو بهذين القسمين - عينا - يحصل الغرض، أو بشرط المطابقة جزما لقطعي، ينفي جواز التقليد، والخروج عما نحن فيه، أو لا لطريق يقتضي كونه تكليفا على عما به.
وأجيب:
بأنه في مقابلة الإجماع، فكان باطلا، وبأن عسره لا ينفيه، وجواز التقليد ممنوع على رأي، سلمناه، لكن كلف بأحدهما: وهو إما العلم أو التقليد المطابق، وهو سهل، وفيه نظر، إذ معرفة مطابقته بتقليد آخر يوجب التسلسل، أو بنظر يقتضي خروجه عن التقليد.
مسألة
كل مجتهد مصيب في التي لا قاطع فيها عد الأشعري والقاضي وأبي الهذيل والجبائيين، وأتباعهم، ونسب إلى الشافعي وأبي حنيفة وأحمد.
والمشهور عنهم خلافه، فلا حكم لله فيها قبل الاجتهاد، بل هو تابع ثم منهم من يقول: وجد فيها ما لو حكم الله فيها قبل الاجتهاد - لما حكم إلا: به، وهو القول بالأشبه.
وقيل: لا, وهو قول الخلص من المصوبين.
وقال الجماهير من الفقهاء والمتكلمين: المصيب واحد، أي: لله حكم قبله، والاجتهاد تابع له.
стр. 762
فقيل: لا دلالة له عليه، ولا إمارة، والطالب إن عثر عليه: فمصيب وله أجران، وإلا: فمخطئ وله أجر، لتحمل المشقة. وقيل: عليه دليل، والمجتهد مأمور بطلبه، فإن أصاب فمصيب، وإلا: فمخطئ.
والمريسي: آثم يستحق العقاب. والأصم، وابن علية: لا، لخفائه وغموضه.
ثم قال الأصم: بنقض القضاء فيه. وقال غيره بعدمه.
وقيل: عليه أمارة، وهو اختيار الفقهاء والمتكلمين، كالأئمة الأربعة، والأستاذ وابن فورك. فقيل: هو غير مأمور بإصابته - عينا - لخفائه وغموضه، بل به، وبما غلب على ظنه، أنه حكمه، وإن كان مخطئا إن لم يصبه، لكنه معذور مأجور.
وقيل: مأمور بإصابته - عينا - فإن أخطأ - فما غلب على ظنه، ولا إثم ولا عقاب تحقيقا. والتي فيها نص ولم يجده المكلف بعد الطلب والبحث الشديد أو وجده ولكن لم يعثر على وجه دلالته بعد إمعان النظر فيه: فعلى الخلاف، ومتى قصر في ذلك فمخطئ وآثم
стр. 763
على الرأيين جميعا.
للمصوبة:
(أ) قوله: ﴿وكلا آتينا حكما وعلما﴾ [الأنبياء: آية ٧٩] والمخطئ لا يوصف به.
(ب) (أصحابي كالنجوم ... ) الحديث، والاقتداء بالمخطئ ليس اهتداء.
(ج) خبر معاذ، ووجه التمسك: أنه صوبه مطلقا.
(د) الإجماع، وتقريره: أن الصحابة سوقت مخالفة بعضهم بعضا، مع اعتقاد كل منهم: بأن ما ذهب إليه حق وصواب، وإفتاء المخالفين وتوليتهم في الدماء والفروج، ولو كان المصيب واحدا لما كان كذلك.
(هـ) لو كا فيها حكم، وليس عليه دليل وأمارة: لزم تكليف ما لا يطاق، أو كان يمكن الملكف من تحصيل العلم به، أو الظن، فالحاكم بغيره: حاكم بغير ما أنزل الله، فيكون عاصيا وفاسقا وكافرا، للنصوص الدالة عليه، ولو خصت النصوص - هنا - بالنافي للحرج: لخصت في الكلام لأن أدلتها أكثر غموضا، والخطأ فيه كفر وبدعة.
(و) لو كان فيها حكم معين لكان عليه قاطع، إذ لو انتفى - بأصله - فتكليف بما لا يطاق، أو بوصفه و - حينئذ - لا بد وأن يستلزمه ظاهرا، إذ هو معناه، و - حينئذ - إن لم يتوقف استلزامه له في صورة على أمر: لزم الترجيح من غير مرجح، أو توقف: كان المجموع دليلا، إلا: ما فرض. أولا.
ثم الكلام فيه كما في الأول، ولا يتسلسل فينتهي إلى ما يستلزمه في كل الصور، وهو المعنى من القاطع، لكنه بالط وفاقا، ولأنه يقتضي عدم الوقائع الاجتهادية، وأن يكن المخالف فيها كالمخالف لما فيه النص القاطع.
وله تقرير آخر: أنه لو كان حكم لنصب عليه دليل قاطع، إزاحة للعذر، وقطعا للحجة، كما قال تعالى: ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة﴾ [النساء: آية ١٦٥]، ولأنه تمكين له من الإتيان بما
стр. 764
أمر به، وهو واجب كاللطف، لما سبق.
(ز) لو كان، لكان ما عداه خطأ، إجماعا، ولامتناع أن يكون النقيضان حقين في نفس الأمر، فلا يجوز للصحابي تولية مخالفة، لأنه تمكين من العمل بالباطل، ولا تمكينه من الفتوى، لأنه ترويجه، ولزم نقض أحكامه وتفسيقه إذا كان مخالفا في الدماء والفروج، إذ لا فرق بين القتل وبين الفتوى. والإنكار عليه، واللوازم باطلة.
فإن قلت: لعل الخطأ فيه صغيرة أو كبيرة، والشبه سبب للعذر، وهو الفرق بين القتل والفتوى به، إذ التمسك بالشبه قد يكون سببا للسقوط.
قلت: أجيب:
عن (أ) بأن تركه ترك المأمور به فيستحق به النار، فيكون الخطأ فيه كبيرة، سيما في الدم، لقوله ﵇ "من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" ونحوه من الأخبار. وهو ضعيف، إذ ليس كل ما يستحق بسببه النار كبيرة، فإن كل واجب محرم بهذه المثابة، وليس بكبيرة وفاقا، بل جواب: منع أن ما ذكر من اللوازم: من لوازم الكبائر.
وعن (ب) أن الشبيه وغموض الأدلة في الأصول أكثر، مع الخطأ فيها كفر أو فسق.
(ح) المجتهد مأمور بالعمل بما غلب على ظنه وفاقا ولا معنى لكونه حكم الله إلا: أنه أمر به، فإذا عمل به كان مصيبا.
стр. 765
(ط) لو كان مخطئا لما قطع بكون خطؤه مغفورا له، لأنه لا يحصل معه اعتقاد عدم جواز تخطئته، لكونه مضادا له، ولأنه يقتضي أن يكون الخطأ متعينا في الجانب الآخر، وهو غير متعين وفاقا.
و- حينئذ - إن لم يجز إخلاله بنظر زائد يلزمه، لم يكن مكلفا به، للغفلة عنه، فلا يكون مخطئا وهو خلف، وإن جوز: فإن علم ما يغفر له إخلاله بنظر ما بعده، فباطل، لأنه لو اقتصر على أول المراتب المغفورة له عن غيرها، ولأن تتميز تلك المرتبة عن غيرها إغراء على الخطأ، وإلا: لم يقطع بكونه خطئه مغفورا له، لكن الإجماع المستمر إلى رماننا يفيد القطع بأنه مغفور به.
وأجيب:
عن (أ) بمنع أنه وصف به فيما أخطأ فيه، إذ ليس فيه دلالة على التعميم، ولا على التعيين، فلعله في غيره، أو في الجملة. ثم بمنع أنه لا يوصف فيه إذا كان مجدا في الطلب، أو ممعنا للنظر فيه.
وعن (ب) بمنعه، فإن العامي لما وجب عليه العمل بقول الصحابي أو على المجتهد - إن قيل بحجية قوله - كان ذلك اهتداء أصاب أو أخطأ. ثم إنه معارض: (من أخطأ فله أجر واحد). ثم إنه خبر واحد، فلا يعارض القاطع وجوابه، فحمله على الرواية بعيد، فإن قولها لا يعد اهتداء.
وعن (ج) بعض ما سبق.
وعن (د) أن التلكيف يتغير عند الخطأ عندنا فيصير ما غلب على ظنه حكم الله في حقه، ثم الخطأ غير متعين في جهة، فلم يكن ثبوت ما ذكر من الأحكام في جهة معينة.
وعن (هـ) ماسبق، ويخصه ما سبق من التخصيص لنفي الحرج والنقض بالأصول مندفع، لأن المطالب الأصولية جليلة محصورة، فيناسب تغليظ الأمر فيه، حتى تتوفر الدواعي
стр. 766
على طلب أدلتها، بخلاف الفروع.
وعن (و) النقض بالأدلة الظاهرية. ثم لا نسلم أنه المعنى من القاطع، بل المعنى منه: ما لا يجوز التخلف عنه، ولا يلزم عدم وقوعه عدم جوازه.
ثم لا نسلم أن الدليل هو المجموع - حينئذ - لجواز أن يكون المتوقف عليه شرطا لاقتضاء الدليل. ثم الشعور بالمدلول بعد العلم بوجه بدلالة الدليل، إنما هو بخلف الله عندنا، فجاز أن يخلق في صورة دون أخرى، فإن الترجيح من غير مرجح غير ممتنع بالنسبة إلى المختار.
وعن التقرير الآخر: بعض ما سبق، ويخصه: أنه مبني على التحسين والتقبيح.
ثم الحكمة تقتضي ذلك، فإن طلب ظن الحكم من الأدلة الظنية أشق، فكان أكثر ثوابا.
وعن (ز) ما سبق في الجواب عن الأول.
وعن (ح) أنه لا يدل على أنه حكم الله تعالى ابتداء، بل يدل على أنه يصير - إذ ذاك - حكمة الله، ولا نزاع فيه.
وعن (ط) بمنع الملازمة، فإن المرتبة المغفورة له ما بعدها: أن يأتي ما في وسعه، بلا تقصير.
للمخطئة:
(أ) قوله: ﴿ففهمناها سليمان﴾ [الأنبياء: آية ٧٩]، ولو كان كل مجتهد مصيبا لم يكن للتخصيص فائدة، وليس يدل على النفي بالمفهوم، بل بسياقها للمدح.
وأورد:
لعله على الأشبه، أو لوجد أن نص ابتداء أو ناسخ، وهو وإن كان بعيدا، لكنه محتمل.
ورد:
بأنه باطل على ما يأتي. ثم إن حمل ما بالفعل على ما بالقوة - خلاف الأصل، وحمل
стр. 767
الفهم على الوجدان غير جائز، أو خلاف الأصل. ثم إنه مدفوع بسياق الآية.
(ب) قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ [آل عمران: آية ٧] ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: آية ٨٣]، ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ [آل عمران: آية ١٠٥].
كل ما فيه نهي عن الاختلاف.
وزيف:
بأن الأول: ليس في شيء مما نحن فيه، يؤكده قراءة الوقف على قول (إلا الله) وما بعده، فإن كل ذلك غير لائق بالفروع.
والثانية: بأن العلم في الاجتهادية غير متصور، وبأن الضمير عائد إلى المذكور في صدر الآية، وهو ليس حكما شرعيا، ثم لا دلالة فيه على التخطئة، سلمناه، لكن على تخطئة من ليس أهل الاستنباط، ولا نزاع في خطئه. والنهي إنما هو في الاختلاف في أصول الدين، لأن المجتهد مأمور باتباع ظنه إجماعا، ومن ضرورته وقوع الاختلاف، إذ يمتنع الاتفاق في الظنيات عادة، فكيف ينهي عن الاختلاف فيها.
(ج) قوله ﵇ (من اجتهد وأصاب ... ) الحديث وهو صريح في التخطئة. وحمل التخطئة فيه على التخطئة في الطريق، او على ما إذا وجد النص، وبالغ في طلبه ولم يجده - تقييد خلاف الأصل، على أن الخطأ في الطريق، أو على ما إذا وجد النص، وبالغ في طلبه ولم يجده - تقييد خلاف الأصل، على أن الخطأ في الطريق إن كان مع العلم بتقصيره، لم يمكن حمل النص عليه، لأنه آثم، وبدونه يمتنع عندهم، إذ مناط التكليف ليس إلا: غلبة الظن، والحمل على الأشبه متعذر، لما سبق، على أن المتبادر من الخطأ، إنما هو عدم مصادفة الواقع، لا عدم مصادفة. ما هو في تقريره.
(د) إذا جزم بالحكمين المتقابلين: فإن لم يكن ذلك الدليل، أو لدليل مساو كان ذلك خطأ، فلم يكن كل مجتهد مصيبا، وإلا: فكذلكن لأن الخطأ لازم لهما أو لأحدهما. وأورد هذا على نمط آخر، وهو: أن كل واحد من المجتهدين إذا حزم برجحان أمارته في نفس الأمر على أمارة خصمه - كان اعتقادهما أو اعتقاد أحدهما خطأ، بمعنى عدم المطابقة، وهو من صور الخلاف.
ولأن الاعتقاد الغير مطابق جهل، وأنه غير مأمور به وفاقا، فلا يكون إيتاء بما أمر به. وهو
стр. 768
ضعيف، لأنا نمنع لزوم الخطأ في أحد الاعتقادين، وإنما يصح الترديد في خلو الأمارة عن الرجحان وعدمه في نفس الأمر - أن لو كان له وجود في الخارج - وهو ممنوع، بل هو أمر اعتباري شرعي، يؤكده أن القائل به جعله من صور الخلاف، ولو كان أمرا حقيقيا لم يكن منه.
ثم هذا الاعتقاد غير لازم للحكم بها، فلم يكن الخطأ لازما، وإن أورد ذلك بالنسبة إلى الظن - فيمتنع لزوم الخطأ في الاعتقادين، أو في أحدهما، بل كل واحد منهما راجح بالنسبة إلى اعتقاده. وما يقال: إن الرجحان في الذهن: إما بنفس اعتقاد الرجحان في الخارج، أوأمر لا ثبت إلا معه، لأن العلم بالضرورة أنا إذا اعتقدنا في الشيء أن وجوده مساو لعدمه، فمعه يمتنع أن يكون اعتقاد وجوده راجحا على عدمه. ضعيف: لأنا نمنع ذلك عند اختلاف متعلقهما من الذهن والخارج. ثم ذلك فيما له وجود في الخارج.
ثم كون الشيء لا يبقى عند تعقل غيره، ولا يدل على أنه عينه، أو لا ينفك عنه، فإن الضد قد يعقل مع الذهول عن ضده، فضلا عن عدمه، مع أنه لا ينفي ذلك عند تعقل وجوده. هذا إن أريد به عدم الانفكاك في الذهن، أما في الخارج: فإنما يتأتى فيما له وجود خارجي، وهو ممنوع فيما نحن فيه.
ثم إنه معارض بما أنه لو كان نفس اعتقاد رجحانه في الخارج أو أمر لا ينفك عنه لما تصور وجوده بدونه.
(هـ) المجتهد مكلف بالحكم بطريق، إذ هو بالتشهي باطل وفاقا، وذلك الطريق: إن خلا عن المعارض- تعين العمل به، وإلا: فبالراجح إن ترجح أحدهما، وإلا فالتخيير أو التساقط، والرجوع إلى غيرهما، وعلى كل تقدير يعين الحكم: فمخالفه مخطئ.
لا يقال: إن وجد في المجتهد فيه طريق: فمخالفه مستحق للعقاب، لما سبق، وإلا: فامتناع الحكم فيه بالتشهي ممنوع. ثم إنما يجب العمل بالراجح لو علم، وعلم رجحانه، وقد يعتقد المكلف لعين المرجوح أو رجحانه، لأنه إن عنى بالطريق ما يفيد القطع لم يلزم من عدمه جواز الحكم بالتشهي، وإلا: لم يلزم العقاب لأن مخالفة الظني معتبرة لما سبق.
(و) أيضا - فالإجماع منعقد على تحريم القول في الدين بالتشهي مطلقا.
стр. 769
وأجيب عنه بإجماع الأمة على الترجيح بأمور حقيقية، وسنده ما سبق.
وعن (ب): أن مقدار الرجحان ممكن الاطلاع عليه، وإلا: لم يكلف إلا: بالمشترك بين الأمارات. و - حينئذ - لا رجحان بالنسبة إلى المكلف - هذا خلف - ثم إن لم يكلف بالوصول إلى أقصى الإمكان، لم تكن التخطئة عند بعض المراتب أولى، فكل من عمل بالظن - ولو مع ألف تقصير - مصيب - هذا خلف - فهو مكلف به، فإذا لم يصل إليه كان مخطئا.
وفيه نظر، من حيث إن المكلف به - وإن كان هو أقصى الإمكان - لكن بالنسبة إلى ظنه، لا بالنسبة إلى نفس الأمر، و - حينئذ - لا يلزم الخطأ إذا انتهى إلى أقصى الإمكان بالنسبة إلى ظنه - وإن كان لا يصل إلى أقصى الإمكان بالنسبة إلى ما في نفس الأمر - ثم إنه خطأ في الطريق، ولا نزاع فيه.
(و) المجتهد مستدل، والاستدلال بالدليل على المدلول متوقف على وجودهما، فامتنع حصول المدلول بعد الظن الحاصل بعده. فإن قلت: المطلوب ظن الحكم لا الحكم. قلت: إن كان ظن تقتضيه الأمارة: فالمحذور لازم، أو غيره: فباطل وفاقا.
(ز) المجتهد طالب، فمتوقف على مطلوب، متقدم على طلبه، فامتنع حصوله بعده، وهو كالأول.
والاستدلال عليه: بأن تصويب الكل يقتضي الجمع بين المتنافيين ضعيف جدا، فإن اتحاد النسبة معتبر فيه وفاقا، وهو غير حاصل.
(ح) أن تصويب الكل يفضي إلى منازعة لا يمكن قطعها، فإن المجتهد إذا قال لامرأته المجتهدة: (أنت بائن) ثم راجعها، لأنه يرى الرجعة بالكنايات، والمرأة تنكر ذلك، فإنهما يتنازعان في الوطء منازعة لا يمكن قطعها، وكذا نحوها من المسائل، والمنازعة التي يمكن رفعها شرعا محال، فما أفضي إليه - أيضا - كذلك.
стр. 770
وهو ضعيف، لأنه وارد على الخصم، لأنه - وإن لم يقل بتصويب الكل - لكنه يوجب العمل بما غلب على الظن، و - حينئذ - المحذور لازم، والجواب واحد. لنذكر طريق فصل الخصومة، ليعلم أنه غير مختص بأحد المذهبين.
فنقول الواقعة إن نزلت بمجتهد أو مقلد، واختصت به، وعمل باجتهاده، أو بفتوى المفتي، فإن استوت الأمارات أو المفتون في العلم والورع تخير. وإن تعلقت بغيره وأمكن الصلح فيه كالمال اصطلحا، أو رجعا إلى حاكم أو حكم، وإلا: فالرجوع إلى حاكم أو حكم.
(ط) لو كان كل مجتهد مصيبا: لم يكن للمناظرة فائدة، لأن فائدتها معرفة الصواب عن الخطأ، ليستمر صاحب الصواب عليه، ويرجع الذاهب إلى نقيضه إليه، فإذا كان الكل صوابا - لم تحصل هذه الفائدة.
وهو - أيضا - ضعيف، لأن الفائدة غير منحصرة في ذلك، فإن من فوائدها معرفة وجود الدليل القاطع، وانتفائه ليتفرع عليه جواز الاجتهاد وعدمه، والدليل الراجح، ووجوه التراجيح والدلالة، وتشحيذ الخاطر، والتمرين على طريق الاجتهاد - أيضا - كذلك.
(ي) الأصل عدم تصويب الكل، والأصل عدم الدليل عليه، سيما بعد البحث الشديد، إذ قد ظهر ضعف أدلتهم.
و- حينئذ - يلزم القضاء بالبقاء على الحكم الأصلي، ولا يتأتى مثله في تصويب واحد (غير معين، لأنه وجد الإجماع على تصويب واحد)، لأن من قال به في الكل، فقد قال به في واحد غير معين، لأنه وجد الإجماع. ثم بعينه باطل إجماعا، فهو غير معين، أو نقول: إذا حصل الإجماع على تصويب واحد، وجب أن يكون غير معين لئلا يلزم خلاف الإجماع.
(يا) الصحابة صرحوا بالتخطئة، روى ذلك عن الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وابن عباس، وعن جماهيرهم في تخطئة ابن عباس في إنكار العول، ولم ينقل في ذلك نكير، وإلا:
стр. 771
لنقل واشتهر، فكان إجماعا.
فإن قلت: فقد نقل عنهم تولية المخالف في الدماء والفروج، ونمكنه من الفتوى فيها، وترك البراءة والتفسيق، وهو يدل على تصويبه.
قلت: التخطئة مصرح بها، والتصويب مستدل عليه لو سلم - فكان الأول أولى، ولأن الخطأ غير متعين، فلم يمكن المنع من ذلك. لا يقال. بالتوفيق أولى من الترجيح، لأنه يقتضي إعمال أحدهما. دون الآخر، بخلاف التوفيق، فتحمل التخطئة على ما إذا قصر في الاجتهاد أو لم يكن أهلا له، أو فيما نص قاطع لم يجده بعد البحث التام.
لأن التوفيق متعذر، لأن الحمل الخطأ على ما ذكرتم من الصور - خلاف الظاهر، إذ الظاهر فهم الاستقصاء فيه، حتى كان الواحد منهم يبقى فيه برهة من الزمان. وأما أهلية الاجتهاد: فقد كان ثابتا لهم بإجماع الأمة. وأما خفاء النص عليهم: فكذلك، لأنه نقلة الشريعة، والباحثون عنه، ثم عدم إظهارهم النص بعد التخطئة ينفيه.
فرع:
المصوبة: منهم من قال بالأشبه. والأشبه نفيه، لأنه إن كان هو العمل بأقوى الأمارات - وهو حاصل - كان الأمر بالعمل به واردا إجماعا، فكان الحكم معينا، وإن لم يكن حاصلا لم يكن العمل بالأشبه حاصلا.
وإلا: فإن كان مصلحة العبد - وقلنا بوجوب رعاية مصالحه. على الله تعالى - وجب أن ينص عليه، ليتمكن من الاستيفاء، فيكون الفعل وإن لم نقل به - جاز أن ينص على غيره فيبطل القول به. أو مفسدته - وهو باطل - إذ ليس في الأمة من يوجبها على الله تعالى، أو لا مصلحته ولا مفسدته: فهو كذلك، إذ القول بالوجوب على الله تعالى، مع أنه لا مصلحته ولا مفسدته باطل إجماعا.
وقدح فيه: أنه - وإن جاز أن ينص على غيره - لكنه لا ينص لا: على ما هو مصلحته،
стр. 772
ونظام العالم، تفضلا على ما أجرى عادته به، فلا يلزم بطلانه.
ولمن قال به:
(أ) حديث التخطئة، وإذ هي ليست بحسب الواقع، لما سبق، فهي لمقدر.
(ب) المجتهد طالب، فله مطلوب، وليس هو واقعا، لما سبق فهو مقدر.
وأجيب:
(أ) و (ب): بمنع أن ليس واقعا، أدلة المصوبة ظهر ضعفها. ثم إنه معارض: بأن التكليف بإصابة ما لا دليل عليه ولا أمارة - تكليف ما لا يطاق.
خاتمة:
لا ينقض حكم الحاكم في مجتهد فيه، وإلا: لبطلت فائدة نصب الحكام، بل إذا وقع على خلاف القاطع والقياس الجلي. إنما ينقض على خلاف الخبر الواحد في مسائل، لقوة أدلتها، وشهرة الخبر. وإن حكم حاكم على خلاف اجتهاده مقلدا لمجتهد آخر فهو باطل، إذ لا يجوز للمجتهد التقليد بعد الاجتهاد، وظهور مقتضاه وفاقا.
وإن مقلدا، وحكم على خلاف مذهبه مقلدا لآخر: لم يجز نقضه - إن جوز الحكم للمقلد، وجوز له تقليد غير إمامه، وإلا جاز. وإذا تغير اجتهاد المجتهد - بعد اتصاله بحكم الحاكم - لم ينقض، لما سبق، أو قبله - وهو مستديم عليه - لم يستمر حكمه في حقه، وفيمن عمل بفتواه، كما يجب التحول إذا تغير اجتهاد المتبوع، وفي الأخيرة وجه ضعف.
المفتي والمستفتي
مسألة
إذا أفتى مرة بعد اجتهاده، ثم سئل عنها أخرى: ثالثها: أنه يستأنف، إن لم يذكر طريق اجتهاده، ويعمل به وافق، أو خالف.
стр. 773
والأحسن: إعلام المستفتي به أولا، كما فعله ابن مسعود لئلا يبقى عمله عمله بغير موجب.
الموجب:
أنه يحتمل أن يتغير، ويطلع على ما لم يطلع عليه أولا.
للنافي:
كان الغالب على ظنه قوة ما تسمك به أولا، والأصل استمراره، والعمل بالظن واجب.
مسألة
في فتوى غير المجتهد عن المجتهد الميت:
ثالثها: يجوز إن عدم، كما في زماننا.
وقيل: إن كان الحاكي مجتهدا في مذهبه.
للمانع:
أنه لا قول للميت، لانعقاد الإجماع مع خلافه. وأيضا - لو جاز، لجاز لعامي، وهو خلاف العامي الإجماع.
وإنما صنفت كتب الفقه، لمعرفة المتفق والمختلف، واستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم.
وأورد:
بمنع انعقاد الإجماع مع خلاف، وقد سبق، وبالفرق بين العالم والعامي، وهو واضح.
ولمن جوز:
أن قول المجتهد بالنسبة إلى العامي كقول الرسول بالنسبة إلى المجتهد، فإذا نقله الثقة إليه -
стр. 774
وجب عليه اتباعه، كقول الرسول.
أورد:
بمنع الأولى، إذ يجوز العدول عنه إلى غيره، دون قول الرسول سلمناه، لكل في حياته، أما بعد موته: فممنوع، ثم المنقول إليه ليس له تمييز ما نقل إليه، بخلاف المجتهد في قول الرسول.
للمفصل:
الضرورة - عند عدم المجتهد. و - أيضا - الإجماع منعقد عليه في زماننا. وفيه نظر، إذ لا عبرة بإجماع غير المجتهدين.
للأخير:
أن المجتهد إذا كان عالما ثقة، والحاكي ثقة، فاهما معنى كلام المجتهد - حصل للعامي ظن أن ما حكاه حكم الله، والظن حجة.
وأورد:
بأن مطلقه غير معتبر، بل ما يحصل من طريق معتبرة شرعا، فلم قلتم: إنه كذلك؟
والأولى: التعويل على الحاجة والضرورة. وعن المجتهد إلى الجواز إن سمعه منه شفاها، أو أخبره ثقة، أو وجده في كتاب موثوق به إذ يجوز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتي.
ورجع علي إلى الحكاية المقداد عن الرسول ﵇ في شأن المذي. وفيه نظر، لجواز أن يكون ذلك بطريق نقل الخبر. ثم لا يعتبر في الحاكي العلم، ورتبة الاجتهاد في مذهب من حكي عنه. وحيث يجوز الفتوى - جاز التحمل، وإلا: فلا.
مسألة
يجوز خلو الزمان عن المفتي مطلقا. وقيل: لا.
لنا:
(أ) قوله ﵇ "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا" الحديث، وهو صريح
стр. 775
في المطلوب.
(ب) أنه غير ممتنع لذاته، وهو ظاهر، ولا لأمر منفصل، إذ الأصل عدمه.
لهم:
(أ) قوله ﵇ "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله"، وقوله: "واشوقاه إلى لقاء إخواني، قالوا ألسنا إخوانك؟ فقال ﵇: أنتم أصحابي، وإخواني قوم يأتون بعدي يهربون بدينهم من شاهق إلى شاهق، ويصلحون إذا فسد الناس" التمسك بهما ظاهر.
(ب) تحصيل مرتبة الإفتاء فرض على كفاية، فيمتنع اتفاق الأمة على تركه.
(ج) تجويزه يفضي إلى تجويز اندراس الشريعة والدين، وهو ممتنع، للنصوص الدالة عليه.
وأجيب:
عن (أ) أنه لا دلالة فيهما على نفي الجواز المتنازع فيه، ثم المراد من الظهور بالنصر والتمكن والذب عن الدين، والمراد من الإصلاح إصلاح أحوال أنفسهم بجليات الدين، والأخذ بالاحتياط فيما اشتبه فيه الأمر، أو بطريق الفتيا ممن كان قبلهم.
وإن أريد منه: ما هو أعم منه، فلعل المراد: الإصلاح بالنص، والرغبة عن الدنيا، والامتناع عن المناهي. ثم بالمعارضة بما يدل على خلو الزمان من العلماء، والترجيح معنا، لكثرة وصراحة الدلالة.
وعن (ب): أنه قد يحصل بموت العلماء، ثم إنه إنما يجب إذا كان فيهم من صلاحية
следующие страницы →