← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18282

شرح كتاب سيبويه للرماني - جزء منه

أبو الحسن الرماني

Полный текст (908 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويجوز: لا أحد أفضل منك، على معنى: ليس، ولا يجوز أن تجعل - إذا عملت عمل (ليس) - مع ما بعدها بمنزلة اسم واحد؛ لأنه ليس ليها ما يقتضي ذلك، وقد أخرجت عن البناء مع الاسم إلى وجه الرفع على معنى (ليس)؛ ليختلف اللفظ باختلاف المعنى، فلو كان على البناء؛ لم يكن قد اقتضى اختلاف المعنى حتى تصير بمنزلة (ليس) التي لا تكون مع ما عملت فيه بمنزلة شيء واحد كما تكون (من) ما عملت فيه بمنزلة شيء واحد، وقد بينا لم نقصت عن (ليس) في العمل من خمسة أوجه، وما الأوجه، وما العلة في ذلك.

стр. 247

باب النفي الذي لا يصلح أن يعطف فيه إلا على الموضع الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في النفي الذي لا يعطف فيه إلا على الموضع مما لا يجوز. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوز في النفي الذي لا يعطف فيه إلا على الموضع؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ . ولم لا يجوز أن تعطف المعرفة في النفي إلا على الموضع؟ . وما حكم: لا غلام لك ولا العباس؟ وما تقديره؟ وهل هو في الحقيقة معطوف على تأويل الأول؛ إذ تأويله: ليس لك غلام ولا العباس، أم هو المعطوف على موضع: لا غلام لك؟ ولم كان الوجه عطفه على الموضع، ولم يجز في البدل مثل ذلك إذا قلت: لا غلام لك إلا عبد الله؟ وهل ذلك لأن البدل على تقدير رفع الأول، وإعمال العامل في الثاني، فإذا كان العامل ينتفي بانتفاء المعمول؛ بطل البدل، وصار محمولا على التأويل؛ إذ تأوبل الكلام: ليس لك غلام إلا عبد الله، فهذا صحيح في التقدير على قولك: ليس لك إلا عبد الله؟ . وهل يلزم من أعمل (لا) في المعرفة، فقال: لا غلام لك ولا العباس، أن

стр. 248

يعمل (رب) في المعرفة، فيقول: رب رجل لك والعباس؛ ولم لزم ذلك؟ . ولم جاز الرفع في (لا) بالحمل على الموضع، ولم يجز في (رب) كما جاز في (لا)؟ فمن أين استويا في ذاك، وافترقا في هذا؟ وهل ذلك لأن (لا) مع ما عملت فيه من موضع ابتداء، وليس كذلك (رب)؛ لأن حرف الجر لا يكون إلا معمول الفعل؟ . وما حكم: لا غلام لك ولا أخوه؟ . وهل يلزم من قال: كل نعجة وسخلتها بدرهم؛ أن يقول: لا رجل لك وأخاه، كأنه قال: لا رجل لك وأخا له؟ ولم لزم هذا؟ .

стр. 249

باب النفي الذي لا تغير فيه (لا) الاسم عن حاله الذي كان عليها [الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في (لا) التي لا تغير الاسم عن حاله التي كان عليها] مما لا يجوز. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوز في النفي الذي لا تغير فيه (لا) عما كان عليه؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ . ولم لا يجوز - إذا دخلت على اسم قد عمل فيه عامل قبل دخولها - أن تغيره عن ذلك الحد؟ وهل ذلك لأنه لا يعمل في الاسم الواحد عاملان في حال، وقد وجب له عمل الأول، فبطل عمل الثاني؟ . ولم لا تعمل (لا) النافية في الفعل؟ وهل ذلك لأنها إنما تعمل بشبه (إن) من حيث هي نقيضتها، و (إن) لا تعمل في الفعل؛ لأنها بمنزلة الفعل، والفعل لا يعمل في الفعل؟ .

стр. 250

ولم لا يلزم في هذا الباب تكرير (لا) كما يلزم في غيره، إذا ألغيت من العمل؟ وهل ذلك لأنها ليست جواب ما يتكرر فيه حرف الاستفهام؟ . وما حكم قولهم: لا مرحبا ولا أهلا، ولا كرامة، ولا مسرة، ولا شللا، ولا سقا ولا رعيا، ولا هنيئا ولا مريئا، فمنها ما هو دعاء له كقولك: لا شللا، أي: لا تشل، ومنها ما هو دعاء عليه؟ . وما حكم: لا سلام عليك؟ ولم رفع هذا، ونصب الأول؟ وهل ذلك لأنه جرى مجراه قبل دخول (لا) من بناء على الفعل، أو على الابتداء؟ . ولم جاز الدهاء بالبناء تارة على الفعل، وتارة على الابتداء؟ وهل الفعل بحق الأصل، والابتداء بحق الشبه لما هو ثابت لازم على طريق التفاؤل، كأن السلام قد ثبت ولزم له، وإن كان فيه معنى الدعاء؟ . وما الشاهد في قول جرير: (ونبئت جوابا وسكنا يسبني ... وعمرو بن عفرى لا سلام على عمرو؟ )

стр. 251

وهل فيه معنى: لا سلم الله عليه؟ . ولم جاز: لا بك السوء، على معنى الدعاء له في: لا ساءك الله؟ وهل ذلك مما خرج مخرج ما هو لمعنى، وهو على خلاف ذلك المعنى؛ لعلة المبالغة بالتفاؤل بنفي السوء عنه، لا محالة؟ . ولم جاز: نعم، وكرامة، ومسرة؛ ونعمة عين؟ وما دليل المحذوف؟ وهل الإجابة دليل على وقوع الفعل، والمصدر دليل على جنس ذلك الفعل، وهو: وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، وأنعمك نعمة عين؟ وهل يجوز في النقيض مثل ذلك في: ولا كرامة، ولا مسرة، ولا نعمة عين؟ . ولم جاز في الدعاء: لا مرحبا ولا أهلا، ولم يجز في الأمر: لا ضربا، أي: لا اضرب؟ وهل ذلك لأن الدعاء يخرج مخرج الخبر، والمعنى معنى الدعاء، كقولك: أدام الله عزك، والأصل: ليدم الله عزك، وليطل الله بقاءك، إلا أنه خرج مخرج الخبر؛ للتفاؤل بأنه واقع، ولا يجوز مثل ذلك في الأمر إلا على طريق النادر؛ لأن ما يسأل الله - جل وعز - فيه فهو في الأمر الكبير الذي تشتد الحاجة إليه في غالب الأمر، فيقضي ذلك التفاؤل له بالواقع، وليس كذلك أمر العباد؛ إذ لا يقدرون على ما يقدر الله عليه من كبير الأمر وصغيره؟ .

стр. 252

ولم جاز: لا سواء، وليس فيه معنى دعاء، ولا جواب سؤال؟ وهل ذلك لأنه جواب الإيجاب على طريق النقيض إذا قال القائل: هما سواء، فقلت: لا سواء، وكذلك لو قال: هذان سواء، فقلت: لا سواء، ولا يجوز إظهار ما ارتفع عليه (سواء)؛ لأن (لا) معاقبة له؛ لتدل على أنها جوابه، فوقوعها موقعة على طريق المعاقبة له دليل على أنها نافية له، وقد قامت مقامه في تتميم الكلام؛ أي: بهذا يتم ويصح، وهو النفي لا الإيجاب؛ فمن أجل هذا جاز: لا سواء، ولا يجز: هذان لا سواء؛ لأنه أبلغ في النفي أن تكون به صحة الكلام من غير أن يحتاج إلى طريق الإيجاب؟ . وما نظير ذلك من قولهم: لا ها الله ذا، فصارت (ها) تقوم مقام الواو في الجر، كما صارت (لا) تقوم مقام المبتدأ في صحة الكلام، ولم يجز أن يجتمعا؛ من أجل ما يقتضي لهما أن يتعاقبا؟ . ولم جازت: لا نولك أن تفعل، من غير معنى الدعاء، ولا الجواب؟ وهل ذلك لأنه صار بدلا من: لا ينبغي لك أن تفعل، يقوم مقامه، ويسد مسده، فجرى مجراه في ترك تكرير: لا؟ . ولم جاز في [لا] النافية أم تقع في حشو الكلام، ولا تمنع العامل الذي قبلها أن يعمل فيما بعدها، ولم يجز مثل ذلك في (ما)؟ وهل ذلك لأنها تنفي معنى

стр. 253

المفرد على طريق النقيض لإيجابه، وليس كذلك (ما)؛ لأنها تنفي معنى الجملة، فلها بذلك صدر الكلام؟ . ولم جاز: أخذته بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد؟ وهل ذلك على نقيض: أخذته بذنب، وغضبت من شيء، وذهبت بعتاد؟ . وما الفرق بين: غضبت لا من شيء، وغضبت من لا شيء؟ وهل ذلك أن تقدير: غضبت من لا شيء، تقدير ما قد جعل له ما يغضب منه على التوهم، وليس كذلك الوجه الآخر، كأنه يقدر في نفسه ما يغضب منه على التوهم، وليس بشيء في الحقيقة؟ . وهل يجوز: أجئتنا بلا شيء؛ أي: خاليا من شيء؟ . وهل يجوز: ما كان إلا كل شيء؟ ولم جاز هذا؟ وهل ذلك لأنه قدر على التوهم ما يشبه به هذا به هذا الحقير، وليس بشيء في الحقيقة؟ . وهل يجوز: إنك ولا شيئا سواء؟ وهل هذا الكلام لا يصح إلا على تقدير متوهم ليس بشيء في الحقيقة، وإنما متعلق التوهم شيء في التقدير الذي يسبق إلى النفس؟ . وما الشاهد في قول الشاعر:

стр. 254

(تركتني حين لا مال أعيش به ... وحين جن زمان الناس أو كلبا؟ ) وهل يجوز: حين لا مال أعيش به، بالرفع؟ ولم جاز على: . لا مستصرخ؟ وهل يجوز: حين لا مال أعيش به؟ ولم جاز؟ . وما الشاهد في قول الشاعر: (حنت قلوصي حين لا حين محن)

стр. 255

ولم جاز الإضافة إلى (لا) الناصبة، وهي في موضع ابتداء؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة الإضافة إلى الجمل؟ . وما الشاهد في قول جرير: (ما بال جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين؟ ) ولم حمل (لا) ها هنا على الصلة؟ وهل ذلك لأن المعنى عليه؛ إذ علاه المشيب في ذلك الوقت، كأنه قال: حين حين؟ . فهل يجوز: مررت برجل لا فارس؟ ولم قبح ذلك، حتى تقول: ولا شجاع؟ وكذلك: هذا زيد لا فارسا، ولا شجاعا؟ . وما الشاهد في قول رجل من بني سلول: (أنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع وموتك فاجع؟ )

стр. 256

فلم جاز من غير تكرير (لا) في الضرورة؟ وهل ذلك لأنه قد دل على معنى: حياتك لا نفع ولا ضر؟ . وما الشاهد في قول حسان بن ثابت: (ألا طعان ولا فرسان عادية ... إلا تجشؤكم عند التنانير؟ ) ولم عملت في الاستفهام كعملها في الخبر، وقالوا في مثل: ألا قماص بالعير؟ .

стр. 257

وما حكم (لا) مع ألف الاستفهام إذا دخله معنى التمني؟ وهل ذلك على منزلتها إذا تجرد الاستفهام فيها؟ فلم جاز: ألا ماء باردا، وألا ماء بارد، وألا أبالي، وألا غلامي [لي]. وما الشاهد في قول الشاعر: (ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصل تبيت؟ ) ولم حمله الخليل على: ألا ترونني رجلا جزاه الله خيرا، على التحضيض، كما تقول: ألا خيرا من ذلك، وحمله يونس على التمني، ونون مضطرا؟ .

стр. 258

ولم حمل يونس قوله: لا نسب اليوم ولا خلة .... على الاضطرار؟ وهل ذلك لأنه جعل (لا) نظيرة الأولى في أنها النافية كنفي الأولى، لا على معنى المؤكدة الزائدة؟ . وما حكم: ألا ماء وعسلا باردا حلوا؟ ولم لا تجوز الصفة في هذا إلا بالتنوين؟ . وما حكم: ألا غلام أفضل منك؟ ولم لا يجوز في (أفضل) الرفع على الموضع؟ وهل ذلك لأنه دخله معنى التمني على تقدير: اللهم غلاما، أي: هب لي غلاما، فكأنه قال: اللهم اجعله أفضل مني، أي: من هذا المخاطب؟ ولم أجاز أبو عثمان الرفع في هذا، ولم يجز عند يبويه وأبي عمر الجرمي؟ .

стр. 259

الجواب: الذي يجوز في النفي الذي لا يعطف فيه إلا على الموضع إلا كان المعطوف يصلح أن يعمل فيه عامل الموضع، ولا يصلح فيه عامل اللفظ؛ حمل على الموضع، ولم يجز أن يحمل على اللفظ، إذ كان من العوامل ما لا يعمل إلا في النكرة، [ومنها ما يعمل في النكرة والمعرفة، فإذا عطف - وعامل اللفظ لا يعمل إلا في النكرة]، وعامل الموضع يصلح أن يعمل في النكرة والمعرفة - حملت المعرفة على الموضع لا محالة، ولم يجز أن تحمل على عامل اللفظ؛ لا متناعه من المعرفة. وتقول: لا غلام لك ولا العباس، فتعطف على الموضع، ولا يكون هذا العطف محمولا على التأويل الخارج عن حد الموضع؛ لأن المعطوف يعمل فيه العامل وهو في موضعه، من غير أن تقدره في موضع الأول. ولكن لا يصلح في البدل في مثل هذا إلا أن يكون على التأويل، كقولك: لا أحد فيها إلا عبد الله؛ لأن البدل يقدر على رفع الأول، فإذا ارتفع المعمول فيه مع العامل؛ لم يبق شيء يعمل في البدل، ويصير الكلام على تقدير: فيها إلا عبد الله، وهذا فاسد، فإذا لابد من أن يحمل على التأويل؛ إذ تأويله: ليس فيها أحد إلا عبد الله، فإذا رفعت الأول؛ صار: ليس فيها إلا عبد الله، فصح تقدير البدل في هذا.

стр. 260

ويلزم من أعمل (لا) في المعرفة [فقال]: لا غلام لك ولا العباس، إعمال (رب) في المعرفة، فيقول: رب رجل لك والعباس. ولا يلزم من رفع (العباس) بالعطف على موضع (لا) أن يرفعه بالعطف على موضع (رب)؛ إذ كانت (لا) في موضع اسم مبتدأ، وليس كذلك (رب)؛ لأن حروف الجر لابد [من] أن تكون مبنية على الفعل. وتقول: لا غلام لك ولا أخوه. ويلزم من قال: [كل] نعجة وسخلتها بدرهم، أن يقول: لا رجل لك وأخاه، كأنه قال: لا رجل لك وأخا له؛ لأنه يقدر فيهما على الإضافة اللفظية التي المعنى فيها على الانفصال.

стр. 261

الجواب عن الباب الذي يلي هذا: الذي يجوز في النفي الذي لا تغير فيه (لا) الاسم عما كان عليه إذا كان قد عمل في الاسم عامل، ثم دخلت (لا)؛ لتنتفي على حد ذلك العامل؛ وجب فيها الإلغاء وترك التكرير الذي يلزم في غير هذا الموضع؛ لأن الاسم (لما كان قد عمل فيه الفعل أو غيره من العوامل)، ولم يصلح أن يعمل فيه عامل آخر، ألغيت (لا) عن العمل بالرد إلى أصلها، إذ كانت إنما تعمل بحق الشبه، ولم يجز أن يلغى الفعل ولا الابتداء؛ إذ كانت تعمل بحق الأصل. ولم يلزم التكرير كما لا يلزم في الفعل العامل في الاسم قبل دخول (لا)؛ لأنه ليس من جواب ما يجب فيه تكرير حرف الاستفهام. ولم يصلح أن تعمل (لا) في الفعل؛ لأنها مشبهة بـ (إن) و (من) التي لعموم اشتغراق الجنس، فهي كـ (إن) من جهة أنها نقيضتها، والنقيض على حد نقيضه، وهي بمنزلة (من) في استغراق الجنس، وكل واحدة منهما لا تعمل في الفعل؛ لأن

стр. 262

(إن) بمنزلة الفعل، والفعل لا يعمل في الفعل، و (من) من حروف الإضافة، والإضافة لا تكون إلى الفعل في الحقيقة؛ لأن المضاف يذكر للبيان عن المضاف الأول، والفعل للفائدة، ولا إضافة إليه في الحقيقة. وتقول: لا مرحبا ولا أهلا، ولا كرامة، ولا مسرة، ولا شللا، ولا سقيا ولا رعيا، ولا هنيئا ولا مريئا، فكل هذا فيه معنى الدعاء، إلا أن منه ما هو للمذكور كقولك: لا شللا؛ أي: لا تشل، ومنه ما هو عليه. والدعاء إنما يكون في الحقيقة بالفعل، فحال الدعاء قد دلت على الفعل، والمصدر قد دل على جنس الفعل، ونصبه يدل على أنه محمول عليه. وتقول: لا سلام عليك، فإذا نصب المصدر في الدعاء؛ فذاك له بحق الأصل، وإذا رفع؛ فذاك له بحق الشبه لما هو كائن ثابت على طريق التفاؤل، كأن السلام قد ثبت له ولزم، وإن كان في حقيقة المعنى يطلب وقوعه له من الله، جل وعز. وقال جرير: (ونبئت وسكنا يسبني ... وعمرو بن عفرى لا سلام على عمرو) كأنه قال: لا سلم الله عليه

стр. 263

وتقول: لا بك السوء، ففيه معنى: لا ساءك الله. وتقول: نعم، وكرامة، ومسرة، ونعمة عين، فهذا في الإجابة على هذه الحال، كأنه قال: نعم، وأكرمك كرامة، وأسرك مسرة، وأنعمك نعمة عين، ودليل المحذوف الإجابة إلى ما طلب من الفعل، إلا أنه على جهة التقصير. وتقول في الدعاء: لا مرحبا ولا أهلا، ولا يجوز في الأمر: لا ضربا، بمعنى: لا اضرب؛ لأن الأمر له صيغة، وللنهي صيغة، فمنعت صيغة الأمر من دخول (لا)؛ لتخلص لصيغة النهي، فيدل بذلك على أن الأمر غير النهي، وليس كذلك الدعاء؛ لأنه قد يكون بغير صيغة الأمر؛ لما يحتاج فيه إلى التفاؤل بالكائن الثابت، كقولك: أعزك الله، وأطال الله بقاءك، فهذا دعاء، ومخرجه مخرج الخبر عما كان. وتقول: لا سواء، فترفع؛ لأنه على جواب الإيجاب في قولهم: هما سواء، ولا يجوز أن تقول: هذان لا سواء؛ لأن (لا) قد وقعت موقع المبتدأ على طريق المعاقبة، ليدل على أن النفي فيه على الصحة، فلا يجوز إظهار ما ارتفع عليه (سواء)؛ لأن (لا) معاقبة له؛ لتدل على أنها جوابه.

стр. 264

ونظير ذلك قولهم: لا ها الله، فـ (ها) للتنبيه، والواو للقسم، وقد وقع حرف التنبيه موقع حرف القسم على المعاقبة، كما وقعت (لا) موقع المبتدأ في الجواب على طريق المعاقبة. وتقول: لا نولك أن تفعل، فترفع، ولا يلزمك تكير؛ لأنه بمنزلة: ليس ينبغي لك أن تفعل، فكأنه قال: لا ينبغي لك ذاك. وإنما جاز في (لا) النافية أن تقع في حشو الكلام، ولم يجز في (ما)؛ لأن (لا) تدخل على المفرد، و (ما) للجملة. وتقول: أخذته بلا ذنب، وغضبت من لا شيء، وذهبت بلا عتاد، والفرق بينه وبين: غضبت لا من شيء، أنه إذا دخلت (من) على (لا)؛ فهناك مقدر يغضب منه، وليس بشيء في الحقيقة. وإذا أبديت (لا)، فقيل: غضبت لا من شيء؛ فقد تجرد الغضب من شيء في الحقيقة، إذا قلت: لا من شيء. وتقول: أجئتنا بلا شيء، أي: خاليا، ويجوز: أجئتنا لا بشيء، على ما بينا.

стр. 265

وتقول: ما كان إلا كلا شيء، هذا لا يصح إلا بمقدر، كأنك قلت: ما كان إلا كمقدر متوهم ليس بشيء في الحقيقة. وكذلك: إنك ولا شيئا سواء، ولولا التقدير لاستحال هذا المعنى؛ لأن [السواء] لا يكون إلا بين شيئين. وقال الشاعر: (تركتني حين لا مال أعيش فيه ... وحين جن زمان الناس أو كلبا) فهذا على إلقائها في حشو الكلام، ويجوز: حين لا مال أعيش به، على (لا) العاملة، ويجوز: حين لا مال أعيش به، على معنى (ليس). وقال الشاعر: (حنت قلوصي حين لا حين محن) فجاء بها على النافية العاملة، وهي في موضع جملة؛ ولذلك جاز إضافة (حين) إليه؛ لأنه مما يضاف إلى الجملة. وقال جرير: (ما بل جهلك بعد الحلم والدين ... وقد علاك مشيب حين لا حين)

стр. 266

فهذا على (لا) التي هي صلة، كأنه قال: حين حين؛ لأن الشيب وقع في ذلك الحين. وتقول: مررت برجل لا فارس ولا شجاع، ولا يجوز: لا فارس، حين تصله بمنفى آخر؛ لأنه الموضع الذي يقتضي التكرير. وقال رجل من بني سلول: (أنت امرؤ منا خلقت لغيرنا ... حياتك لا نفع وموتك فاجع) فهذا على الضرورة، اقتصر على نفي المفرد بالرفع من غير تكرير، وكأنه قدر التكرير على: حياتك لا نفع ولا ضر. وقال حسان: (ألا طعان ولا فتيان عادية ... [إلا تجشؤكم] ..... ) فأجرى الاستفهام على المنفي مجرى الخبر، وقالوا في مثل: ألا قماص بالعير.

стр. 267

وحق (لا) مع ألف الاستفهام - إذا دخله معنى التمني - أن تدرى على مجرد الخبر عن النفي، فتقول: ألا ماء باردا، وألا ماء بارد، وألا أبالي، وألا غلامي لي. وقال الشاعر: (ألا رجلا جزاه الله خيرا ... يدل على محصلة تبيت) فهذا على التحضيض عند الخليل؛ كأنه قال: هلا ترونني رجلا؛ لأن (ألا) قد يكون بمعنى (هلا) في التحضيض، كما تقول: ألا خيرا من ذلك. وأما يونس فحمله على التمني، ونون مضطرا؛ لأن التمني أغلب على هذا الباب. وحمل يونس قوله: (لا نسب اليوم ولا خلة .... ) على الاضطرار؛ لأنه جعل (لا) الثانية نظيرة الأولى، فلزم ذلك. وله وجه يخرجه عن الاضطرار، وهو أن تكون (لا) المؤكدة للنفي، فلا يكون مضطرا؛ لأن دخولها وخروجها - حينئذ - واحد، ويصير بمنزلة قوله:

стр. 268

فلا أب وابنا مثل مروان وابنه ... وتقول: ألا ماء وعسلا باردا حلوا، فلا يجوز في الصفة إلا التنوين؛ للفصل بينها وبين الموصوف. وتقول: ألا غلام أفضل منك، بالنصب؛ لأنه دخله معنى الدعاء، فصار بمنزلة قولهم: اللهم غلاما؛ أي: هب لي غلاما، فكذلك فيه معنى: اللهم اجعله أفضل منه، فهذا لا يجوز فيه إلا النصب عند سيبويه وأكثر النحويين، إلا المازني فإنه أجاز فيه الرفع؛ لأنه قد يكون اللفظ على مخرج معنى، وهو على خلاف ذلك المعنى في كثير من الكلام، فأجازه على هذا الوجه. والصواب فيه مذهب سيبويه؛ لأنه - وإن كان ما ذكره أبو عثمان على ما ذكر - فإنه لا يقاس عليه، ولا يتجاوز به ما استعمل على طريقة المغير عن أصله، وحقيقته إلى نادر في بابه.

стр. 269

باب الاستثناء الغرض فيه أن يبين ما يجوز في الاستثناء مما لا يجوز. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوز في الاستثناء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ . وما أصل حروف الاستثناء؟ ولم وجب أن يكون الأصل فيها: إلا؟ . ولم وجب ألا يستثني إلا بحرف في الأصل؟ . وما الذي يجوز أن يستثنى به سوى: إلا؟ وهل ذلك ما كان فيه معنى (إلا) فجائز أن يستثنى به، وما لم يكن فيه معنى (إلا) فلا يجوز أن يستثنى؟ . وما الاستثناء؟ ولم وجب أنه كحروف الجر في التقدير؟ ولم عمل حرف الجر، ولم يعمل حرف الاستثناء، وكلاهما للتعدية؟ وهل ذلك لأن حرف الجر مع أنه للتعدية - هو للإضافة التي يجب لها ضرب من الإعراب في أصل القسمة؟ . ومن أين صار في: غير، وسوى، معنى: إلا؟ وما الوجه الذي يجتمعان فيه؟ ، وما الوجه الذي يفترقان فيه؟ .

стр. 270

ومن أين صار [في]: لا يكون، وليس، وعدا، وخلا معنى: إلا؟ . ومن أين صار في (حاشا) معنى: إلا؟ وهلا كان أصلا في الاستثناء؛ إذ هو حرف فيه معنى الاستثناء؟ وهل ذلك لأنه يخرج عن معنى الاستثناء، فيرجع إلى أصله من حروف الإضافة، وليس [يجب] لحرف الاستثناء العمل، وإنما هو مسلط للعامل كتسليط حروف الإشراك؟ . ولم وقع الاشتراك في خلا بين الفعل والحرف؟ (وهل ذلك كوقوعه في (على) بين الفعل والحرف)، فإذا تصرف على طريقة: فعل يفعل؛ فهو فعل، وإذا جر الاسم؛ فهو حرف إضافة، على قياس: على؟ .

стр. 271

باب الاستثناء بإلا الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في الاستثناء بإلا مما لا يجوز. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوز في الاستثناء بإلا، وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ . وما (إلا) المسلطة؟ وما الملغاة؟ ولم جاز فيها التسليط والإلغاء؟ وهل المسلطة هي الواقعة قي الإيجاب، والملغاة هي الواقعة في النفي على تقدير تفريغ العامل؟ . وما نظير الملغاة من قولهم: لا مرحبا، ولا سلام عليك؟ . ولم كان الإيجاب أحق بالتسليط على العمل؟ وهل ذلك لأنه لا يصلح فيه تفريغ العامل كما يصلح في النفي؟ ولم ذلك؟ . ولم صارت ملغاة في: ما أتاني إلا زيد، وما لقيت إلا زيدا، وما مررت [إلا بزيد]. ولم يجوز في: سار القوم إلا زيدا، تفريغ العامل؟ .

стр. 272

الجواب [عن الباب الأول]: الذي يجوز في الاستثناء من الحروف ما فيه معنى إخراج بعض من كل؛ لأن الاستثناء على هذا المعنى. ولا يجوز أن يكون في الأصل إلا بالحرف؛ لأنه لتعدية الفعل، كما أن حرف الجر للتعدية، وكما أن حرف العطف للتعدية، إلا أن حرف الجر - مع ذلك - عامل؛ لما فيه من معنى الإضافة التي يجب لها ضرب من الإعراب في أصل القسمة. وأصل حروف الاستثناء (إلا)؛ لأنه حرف لازم لمعنى الاستثناء، فأما ما كان من غيره فيه معنى (إلا)؛ فجائز أن يستثنى به، وما ليس فيه معنى (إلا) فلا يجوز أن يستثنى به.

стр. 273

وكل ما يستثنى به سوى (إلا) فهو تفريع عليها، فمن ذلك: غير، وسوى، يجوز أن يستثنى بهما إذا كان فيهما معنى (إلا)، ولا يجوز أن يستثنى بهما إذا خرجا عن ذلك. وإنما دخل (غير) معنى (إلا)؛ لأنها مما يلزمه الإضافة، ويكون الثاني فيه على خلاف معنى الأول، فإذا جرى على كلام قبله يوجب أن الفعل لما بعد (إلا)، وأن الاسم المضاف خارج من ذلك المعنى؛ صار - حينئذ بمنزلة (إلا) في إخراج بعض من كل بإيجاب، أو نفي. وإذا استؤنف الكلام به؛ بطل معنى الاستثناء، كقولك: غير زيد عندي. وكذلك سوى؛ لأنها بمنزلة (غير) فيما ذكرنا، فهذه الأسماء التي جرت مجرى (إلا) في الاستثناء. وأما: ليس، ولا يكون، وخلا، وعدا؛ فهي أفعال يدخلها معنى: إلا، فيستثنى بها، ويخرج عنها بالرجوع إلى أصلها فلا يستثنى بها. وإنما دخلها معنى (إلا) إذا اتصلت بإيجاب [ما] فبلها، ونفت ما بعدها، فصارت كإلا في إيجاب ما قبلها، ونفي ما بعدها، فإذا استؤنف الكلام بها، بطل أن يستثنى بها؛ لأنها قد خرجت عن معنى (إلا)، وكان ذلك لها بحق الأصل فيها.

стр. 274

وحاشا حرف يكون فيه معنى الاستثناء إذا اتصل بإيجاب معنى لما قبله، وتنزيه ما بعده عنه، فصار يدل على الإيجاب والنفي على طريقة: إلا. ولا يجوز أن يكون أصلا في حروف الاستثناء؛ لأنه يجر، وحرف الاستثناء لا يجب له العمل، وقد تقول: حاشا زيد أن يدخل في هذا الأمر القبيح، فيخرج بهذا عن جهة الاستثناء؛ لأنك نفيت عنه الدخول في هذا الأمر فقط، من غير أن توجبه لأحد يكون هو خارجا عنهم، فهذا دليل على أنه ليس بأصل في الاستثناء. والاشتراك في (خلا) بين الفعل والحرف كالاشتراك في (على) بينهما، فإذا تصرف، فقيل: خلا، يخلو؛ فهو بمنزلة: علا، في أنه فعل، وإذا جر الاسم، ولم يتصرف، فقيل: خلا زيد؛ فهو: كعلى زيد، في أنه حرف إضافة يجر، ومعناه فيما دخل عليه.

стр. 275

الجواب عن الباب الذي يليه: الذي يجوز في الاستثناء بإلا إجراؤه على وجهين: التسليط، والإلغاء، فالتسليط في الإيجاب كقولك: سار القوم إلا زيدا، والإلغاء في النفي؛ لأنه يصلح فيه تفريغ العامل لما بعد (إلا) كقولك: ما قام إلا زيدا، وما ضربت إلا زيدا، وما مررت إلا بزيد، فالعامل بمنزلته لو لم تكن (إلا) معه، فهي ملغاة من الإعراب، دخولها مخروجها فيه، إلا أنها لمعناها في إخراج بعض من كل على هذه الجهة، فالمسلطة هي الواقعة في الإيجاب، والملغاة هي الواقعة في النفي على تفريغ العامل. ونظير الملغاة قولهم: لا مرحبا ولا سلام، فهي ملغاة ها هنا من العمل وتسليك العامل، وهي على أصلها في النفي، فكذلك (إلا) هي ملغاة من التسليط، وهي على معناها في الاستثناء. وإنما كان الإيجاب أحق بالتسليط على العمل؛ لأنه لا يصح فيه أعم العام، وإنما يصح فيه الوسائط، وهي على معان كثيرة، إذا تركت؛ لم يدل الفعل على شيء منها. فأما النفي فيصح فيه أعم العام، وهو معنى واحد يدل الفعل المنفي عليه، ولا يعارض هذا أخص الخاص في الإيجاب؛ لأن أخص الخاص لا يستثنى منه. وإنما كانت (إلا) للتعدية في: سار القوم إلا زيدا؛ لأنك لو قلت: سار القوم زيدا؛ لم يكن له معنى، كما لو قلت: مررت بزيدا؛ لم يكن له معنى، فإذا قلت: مررت بزيد؛ صار له معنى، فكذلك إذا قلت: سار القوم إلا زيدا؛ صار له معنى.

стр. 276

باب الاستثناء الذي يكون المستثنى فيه بدلا من الأول الغرض فيه: أن يبين ما يجوز في الاستثناء الذي يكون المستثنى فيه بدلا من الأول مما لا يجوز. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوز في الاستثناء الذي يكون فيه بدلا من الأول؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ . ولم لا يجوز البدل إلا من الموجود، دون المقدر؟ . ولم جاز البدل من غير أن يقع الثاني موقع الأول في التقدير؟ وهل ذلك لأنه قد وقع موقعه في المرتبة التي له من العامل؛ إذ لو فرغ العامل؛ لعمل فيه في هذا الموضع، وإن لم يل العامل؟ . وما حكم: ما أتاني أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا عمرا، وما مررت بأحد إلا زيد؟ . وما دليل صحة البدل في هذا؟ وهل دليله تفريغ العامل في: ما لقيت إلا زيد،

стр. 277

وما أتاني إلا زيد؟ . وما حكم: ما أتاني القوم إلا عمرو، وما فيها القوم إلا زيد، وليس فيها القوم إلا أخوك، وما مررت بالقوم إلا أخيك؟ . ولم جاز في (القوم) ما جاز في (أحد) [مع] أن (أحد) لأعم العام، وليس كذلك القوم؟ وهل ذلك لأن صحة البدل فيهما على قياس واحد، وإن انفصلا من جهة الحذف، فجاز حذف (أحد)، ولم يجز حذف: القوم؟ . وهل يلزم من قال: ما أتاني القوم إلا أباك؛ (لأنه بمنزلة الإيجاب في: أتاني القوم إلا أباك)، أن يقول: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦]، وأن يرد ما هو مسموع عن أبي عمرو بن العلاء في: [ما] أتاني القوم إلا عبد الله؟ .

стр. 278

وهل يلزمه ألا يجيز: ما أتانب أحد، كما لا يجوز: أتاني أحد؛ إذ قد جعل النفي في هذا على حد الإيجاب؟ . وهل يلزمه، إذا اعتل بأن الأول جمع ينفصل من (أحد)؛ ليس بجمع، فيصلح بدل الاسم الذي ليس بجمع من الاسم الذي ليس بجميع؛ أن يمتنع البدل في: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [سورة النور: ٦]، وأن يجوز في: ما أتاني أحد إلا قد قال ذاك إلا زيد؛ لأنه ذكر واحدا، فيلزمه هذا الفساد على العلة الفاسدة؟ وما حكم: ما فيهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد؟ . ولم جاز: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله؟ ولم يكن إلا جرا على البدل؟ . وما حكم: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا؟ ولم جاز بالنصب والرفع، ولم يجز: ما ضربت أحد يقول ذاك إلا زيدًا، بالرفع؟ .

стр. 279

وما الشاهد في قول عدي بن زيد: (في ليلة لا نرى بها أحد ... يحكى علينا إلا كواكبها؟ ) فلم جاز بالرفع؟ . ولم جاز: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيدا، بالنصب والرفع، وما علمت أحدا يقول ذلك إلا زيدا، وزيد، بالنصب والرفع؟ . ولم كان الاختيار النصب؟ وهل ذلك لأنه أجرى في قياس النظائر؛ إذ يجوز في كل فعل من (ضربت) ونحوه، ولا يجوز الرفع في مثل هذا إلا في الأفعال التي تلغى؟ . وما نظيره في الحمل على المعنى من قولهم: قد عرفت زيد أبو من هو؟ .

стр. 280

وهل يجوز: ما أظن أحدا فيها إلا زيد؟ ، وهل ذلك بالحمل على التأويل، كأنه قيل: ما فيها إلا زيد فيما أظن؟ . وما حكم: لا أحد منهم اتخذت عنده يدا إلا زيد؟ ، ولم جاز بالجر والرفع على موضع: لا أحد، ولم يجز بالنصب على لفظ: أحد؟ . ولم كان (رأيت) من رؤية العين بمنزلة: ضربت؟ . وما في قولهم: ما رأيته يقول ذاك إلا زيد، وما أظنه يقول ذاك إلا عمرو؟ وهل يدل على أنه اعتمد على القول؛ إذ ليس قبله ما يصلح أن يبدل منه، كأنك قلت: ما أظن هذا الأمر يقوله إلا عمرو، بمنزلة: ما يقوله إلا عمرو؟ . وما حكم: أقل رجل يقول ذاك إلا زيد؟ ولم وجب أنه محمول على التأويل في قولك: ما أحد يقول ذاك إلا زيد؟ ولم يجوز أن يكون بدلا من (أقل) في الحقيقة؟ وهل ذلك لأنه إذا ارتفع من الكلام؛ ارتفع العامل معه، فلم يبق ما يعمل في زيد؟ .

стр. 281

ولم وجب أن: قل رجل يقول ذاك إلا زيد، لا يجوز فيه أن يكون بدلا من الرجل في (قل)، ولكن (قل رجل) في موضع (أقل رجل)، وهو محمول على التأويل؟ . وهل يجري: أقل من، وقل من، مجرى (رجل) في هذا إذا كانت (من) نكرة؟ . وما الشاهد في قول الشاعر: (رب ما تكره النفوس من الأمر له فرجة كحل العقال؟ ) الجواب: الذي يجوز في الاستثناء الذي يكون المستثنى فيه بدلا من الأول، إذا وقع

стр. 282

في النفي، وكان يصلح تفريغ العامل للثاني؛ أن يبدل الثاني من الأول كأنه قد فرغ له في التقدير. ولا يجوز أن يبدل الثاني من الأول المقدر إذا كان محذوفا؛ لأنه يتبعه بأن يجتذى بالثاني على مثال الأول. ونظير ذلك مقدار يقطع عليه، فإذا حصر؛ صح القطع عليه، وإذا لم يحصر؛ لم يصح أن يقطع عليه، وإن عمل العامل على ما يوافق ذلك المقدار، فإنما يعمله، لا أنه قطع على مقدار من المقادير، وكذلك جميع التوابع. وإنما جاز البدل، وإن لم يقع الثاني موقع الأول الذي يلي العامل؛ لأنه وقع موقعه في تفريغ العامل له في التقدير. وتقول: ما أتاني أحد إلا زيد، وما رأيت أحدا إلا عمرا، وما مررت بأحد إلا زيد، فهذا كله على البدل؛ لأن على تفريغ العامل للثاني كقولك: ما لقيت إلا زيدا، وما أتاني إلا زيد. وتقول: ما أتاني القوم إلا عمرو، وما فيها القوم إلا زيد، وليس فيها القوم إلا أخوك، وما مررت بالقوم إلا أخيك، فيجوز في (القوم) ما جاز في (أحد). وقد خالف في ذلك بعض النحويين المتقدمين، فذهب إلى أن (القوم) يجري

стр. 283

أمرهم في النفي مجرى الإيجاب، وفرق بينهم وبين (أحد) بعلل ثلاث: فمنهم من اعتل في ذلك بأن (أحدا) على معنى أعم العام الذي لو ترك؛ لكان النفي يدل عليه في قولك: ما قام إلا زيد، وليس كذلك (القوم)، فألزمه سيبويه أن ينصب ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [سورة النساء: ٦٦] على هذه العلة التي أوجبت عنده: ما قام إلا زيدا. والعلة الثانية: أنه يصح أن يبدل الاسم الذي ليس بجميع من الاسم الذي ليس بجمع في (أحد)، ولا يصلح في (القوم)، فألزمه على هذا سيبويه ألا يجوز ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ [سورة النور: ٥]؛ لأن الشهداء جمع هو أعم، والأنفس أخص بمنزلة الواحد من الكل. والعلة الثالثة: أن النفي في (القوم) على حد الإيجاب، على أصل ما يجب في النفي من قولك: ضربت زيدا، وما ضربت زيدا، فألزمه على هذا ألا يجيز: ما قام أحد كما لا يجوز: قام أحد. فإن قال قائل: فما علتكم في جواز البدل من (القوم) في: ما قام القوم إلا زيد؛ قيل له: إنه على قياس البدل في جميع الكلام، إذا كان الثاني هو الأول، أو بعض الأول، كقولك: رأيت قومك ناسا منهم، أو كان المعنى مشتملا عليه، فلما كان زيد بعض القوم، والمعنى مشتمل عليه؛ جاز البدل فيه على قياس غيره من سائر

стр. 284

الأبدال، وجرى في بابه مجر (أحد). وحكى أبو عمرو: ما أتاني القوم إلا عبد الله، فهذا كلام العرب يجرون (القوم) وما أشبهه مجرى (عبد الله)، وقد ذكرنا الشاهد على ذلك من القرآن. وتقول: ما فيهم أحد اتخذت عنده يدا إلا زيد، على البدل من (أحد)، ويجوز إلا زيد، على البدل من الهاء في (عنده)، كأنك قلت: إلا عند زيد. وتقول: ما فيهم خير إلا زيد، إذا كان الخير هو زيد. وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، على البدل من (أحد). وتقول: ما رأيت أحدا يقول ذاك إلا زيدا، بالنصب والرفع، فيجوز هذا في الأفعال التي تلغى من: علمت وأخواتها، ولا يجوز في الأفعال التي لا تلغى، فلا يجوز: ما ضربت أحدا يقول ذاك إلا زيد، بالرفع على البل مما في: يقول؛ لأنه ليس بمنزلة: ما يقول ذاك إلا زيد، كما أنه في (علمت) بهذه المنزلة، كأنك قلت: ما يقوله إلا زيد فيما أعلم.

стр. 285

وكذلك: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيد؛ لأنه بمنزلة: ما يقول إلا زيد فيما أظن. وقال عدي بن زيد: (في ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكي علينا إلا كواكبها) فأبدل مما في (يحكي)، كأنه قال: لا يحكي علينا إلا كواكبها فيما نرى. والاختيار النصب؛ لأنه أجرى في قياس النظائر؛ إذ يجوز في كل من: ضربت، ونحوه. ونظيره في الحمل على المعنى: وقد عرفت زيد أبو من هو. وتقول: لا أحد منهم اتخذت عنده يدا إلا زيد، على البدل من الهاء في: عنده، ويجوز الرفع على البدل من موضع: لا أحد، بالحمل على التأويل، ولا يجوز النصب على (أحد)؛ لأن (لا) لا تعمل في معرفة. وقول العرب: ما أظنه يقول ذاك إلا عمرو، يدل على إلغاء الظن أن الاعتماد على القول، كأنه قال: ما يقول ذاك إلا عمرو.
следующие страницы →