Полный текст (908 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
وإنما ترتب بالفعل في الأقرب فالأقرب، ولم يترتب المنفصل؛ لأن الفعل أقوى على المتصل منه على المنفصل؛ إذ ترتبه في الموقع /٥٩ أبمنعه إياه أن يتقدم عليه، أو أن يفرق بينه وبينه، فكذلك ترتبه في الأقرب.
وليس كذلك المنفصل؛ لأنه يجري مجرى الأجنبي في التقديم والتأخير والفرق، فلا يجوز: أعطاهوني، ويجوز: أعطاه إياي، وأعطانيه، ولا يجوز: أعطاكني، ولكن: أعطانيك، وأعطاني إياك، وأعطاك إياي، كل ذلك جائز حسنٌ.
وقد أجاز بعض النحويين خلاف الترتيب في هذا قياساً على الضمير المنفصل، وقد بينا الفرق بينهما بما يوجب إبطال ذلك القياس.
وتقول: أعطيتكه، وأعطاكه، ولا يجوز: أعطيتهوك، ولا أعطاهوك؛ لما بينا.
وفي التنزيل: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: ٢٨]، فجاء هذا على الأقرب، وهو المتكلم، ثم المخاطب، ثم الغائب، وهو القياس الحسن.
ويلزم من بدأ بالأبعد أن يقول: منحتنيني، وهذا قبيحٌ شنعٌ في الأفهام الصحيحة من أهل هذا اللسان.
стр. 457
وقد اعترض أبو العباس في هذا بأنه تشنيعٌ يجري مجرى تشنيعٍ ضعفه أصحاب الحديث.
وليس الأمر كذلك؛ لأن الشنيع الفاسد إنما يرجع إلى عادةٍ سيئةٍ، فأما الشنيع الصحيح؛ فيرجع إلى استقباح أفهام العقلاء، وهو حجةٌ على من أدرك شناعته، ولو لم يكن هذا أصلاً عليه؛ لم يلتفت إلى استحسان العقلاء من أهل هذا اللسان. كما لا يلتفت إلى استقباحهم، وليس الأمر كذلك.
وحكم المفعولين إذا استويا في المنزلة من الأقرب أو الأبعد أن يجوز أن يبدأ بما شاء المتكلم منهما إذا اختلف لفظاهما، فأما إذا اتفقا فيقبح؛ للتعقيد بتضعيف علامة الضمير، فتقول: أعطاهوها، وأعطاهاه، والأحسن في هذا المنفصل؛ لئلا يكون عل التعسف بالتعقيد.
والحمد لله وحده.
يتلوه - إن شاء الله - في الجزء الذي يليه: وقال الشاعر:
وقد جعلت نفسي ....
وصلى الله على محمدٍ وآله.
стр. 458
/٥٩ ب الجزء الثلاثون من شرح كتاب سيبويه، إملاء أبي الحسن
علي بن عيسى النحوي، ﵀ عليه.
/٦٠ أبسم الله الرحمن الرحيم، المستعان الرحمن.
وقال الشاعر:
(وقد جعلت نفسي تطيب لضغمةٍ ... لضغمهماها يقرع العظم نابها)
فما يضعف فيه المتصل على ثلاثة أوجه:
المفعول الثاني؛ لبعده من العامل.
والمصدر؛ لضعف العامل، في المنزلة الوسطى.
وكان وأخواتها؛ لأنها ليست فعلاً حقيقياً.
الحكم متفقٌ، والعلل مختلفةٌ.
والأجود في خبر: حسبت وأخواتها، المنفصل؛ لأنه أشبه باب إن، وكان، في الدخول على المبتدأ والخبر، وأنه ليس فعلاً ينفذ إلى مفعولٍ في الحقيقة لفعلٍ يوقعه به، وإنما هو مختصٌ بالمبتدأ والخبر، فتقول: حسبتك إياه، وحسبتني إياه، فهذا أقوى من: حسبتنيه، وحسبتكه.
стр. 459
باب ما يمتنع من الضمير المتصل
الغرض منه:
أن يبين ما يجوز في الذي يمنع منه الضمير المتصل مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الذي يمتنع منه الضمير المتصل؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز ضمير المنصوب المتصل فيما يتعدى إلى نفسه؟ وهل ذلك لمخالفته الأصول الصحيحة من جهة أن الأصل تعدى الفعل إلى غير الفاعل، وأن الضمير المتصل لا يجري مجرى الأجنبي، وأنه هو الفاعل على معناه؛ إذ قد يكون الثاني هو الأول على خلاف معناه قبل أن يبنى على الفعل، فيجري مجرى الأجنبي، كقولك: زيدٌ الكريم؟ .
ولم جاز: اضرب نفسك، وإياك فاضرب، ولم يجز: اضربك، ولا اقتلك، ولا ضربتك؟ وما وجه الاعتلال بالاستغناء عن المتصل بـ: اقتل نفسك، وأهلكت نفسك؟ وهل ذلك على جهة الاستغناء عن الشيء بما هو أولى منه؟ .
стр. 460
ولم لا يجوز: أهلكتني، ولا أهلكني؟ ولم صار الاستغناء بالنفس أولى من هذا الضمير؟ وهل ذلك للتفصيل بذكر النفس بدلاً من التعقيد بالضمير المتصل؛ إذ الأصل في المفعول أن يكون غير الفاعل، مع ما يدخل فيه من إيهام الفساد إذا قلت: زيدٌ ظلمه، فهذا يوهم ظلم غيره، وليس كذلك إذا قلت: ظلم نفسه، وأهلك نفسه؛ فلهذا /٦٠ ب البيان صار أولى، وصح الاعتلال بالاستغناء بما هو أولى؟ .
وما حكم حسبت وأخواتها في ضمير المنصوب المتصل؟ .
ولم جاز: حسبتني ذاهباً، ولم يجز: ضربتني، وهل ذلك لاجتماع سببين: أحدهما أنها أفعالٌ لا تنفذ إلى مفعولٍ، وإنما معناها الاختصاص بالمفعول من غير وصول الفعل إليه؟ .
وهل يجوز: رأيتني خارجاً؟ ولم جاز من رؤية القلب، ولم يجز من رؤية العين؟ .
وما في امتناع النفس من حسبت وأخواتها من الدليل على أنه للمتصل؟ .
стр. 461
ولم جاز: إنني، ولعلني، مع أن الاسم على تقدير مفعولٍ هو الفاعل في: إنني أخوك؟ وهل ذلك لأنه ليس فيه فعلٌ على الحقيقة، وإنما هو حرفٌ مشبهٌ، وإذا احتمل ذلك حسبت؛ فـ (إن) أحمل له؛ لأنها حرفٌ؟ .
الجواب:
الذي يجوز في الذي يمتنع منه الضمير المتصل - وهو الفعل المتعدي إلى مفعولٍ - بناء المنفصل عليه، والنفس، كقولك: ضربت نفسي، وإياي ضربت.
ولا يجوز بناء المتصل عليه إذا كان الفاعل هو المفعول؛ لاجتماع ثلاثة أسبابٍ يخالف بها الأصول الصحيحة:
الأول: أن الأصل في الفاعل والمفعول أن يكون أخدهما غير الآخر.
والثاني: أن يكون لاسمه معنى خلاف معنى اسم الفاعل قبل أن يبنى على الفعل.
стр. 462
والثالث: أن يجوز فيه - إذا بني على فعلٍ متصرفٍ - التقديم والتأخير، والفرق بإلا ونحوه.
فلما خالف ضمير المنصوب المتصل الأصول الصحيحة من هذه الأوجه الثلاثة؛ رفض واستغنى عنه بما هو أولى منه من النفس والمنفصل، على ما بينا قبل.
وإنما صارت النفس أولى منه؛ لموافقتها الأصل في المفعول الذي يعمل فيه الفعل المتصرف، مع البيان الذي في النفس بما ليس في الضمير، نحو: زيدٌ أهلك نفسه.
وقد فسرنا وجه الاعتلال بالاستغناء، وهو أن يكون كل ما في المستغني عنه فهو في المستغنى به، إلا أن للمستغني به فضيلةً فيما يحتاج إليه، وهذا يوجب رفض المستغني عنه أصلاً.
وحكم حسبت وأخواتها أن يجوز فيها ما امتنع في غيرها من الأفعال؛ لاجتماع شيئين:
أحدهما: أنها لا تنفذ إلى المفعول بحادث يقع به.
стр. 463
والآخر: ٦١ أاجتماع المفعولين على امتناع الاقتصار على أحدهما، وأصل الضمير المتصل إنما هو الإيجاز، وموضع الثقل بلزوم المفعولين أحق بالإيجاز؛ فلهذا جاز: حسبتني ذاهباً، وأظنني خارجاً، ولم يجز: ضربتني، ولا أهلكتني.
وتقول: رأيتني راحلاً، من رؤية القلب، ولا يجوز من رؤية العين، على الأصل الذي بينا.
وفي امتناع النفس من حسبت ما يدل على أنه موضع المتصل؛ لأنه لو كان قد استغنى عنه بالنفس؛ لم تمتنع من حسبت وأخواتها.
ويجوز: إنني، ولعلني، لأنه حرفٌ ليس فيه مفعولٌ يجب في الأصل أن يكون غير الفاعل، وإذا جاز في حسبت وأخواتها المتصل فهو في إن وأخواتها أجوز.
стр. 464
باب إضمار المتكلم
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إضمار المتكلم؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يكون إضمار المتكلم في الفعل إلا مع النون؟ .
وما في أنه لا يدخله الجر مما يوجب ذلك؟ .
ولم جاز: ضربني، وقتلني، بالنون والياء، ولم يجز في الاسم إلا: ضاربي، وقاتلي، بياء الإضافة وحدها؟ .
ولم جاز: إنني، ولعلني، وإني، ولعلي؟ وما المحذوف من: إني؟ ولم وجب أنه النون التي تلي الياء؟ .
ولم جاز: لعلي، وليس فيه تضعيفٌ يحذف لأجله النون؟ .
стр. 465
ولم جاز: اضرب الرجل، ولم يجز: ضربي، إلا بزيادة النون؟ .
ولم جاز: ليتي؟ وما الشاهد في قول زيد الخيل:
(كمنية جابرٍ إذ قال ليتي ... أصادفه وأفقد بعض مالي؟ .)
ولم جاز: عني، ومني، ولدني، بزيادة النون قبل ياء الإضافة؟ .
ولم جاز: معي، ولدي في: لد؟ .
стр. 466
وما الشاهد في قول الشاعر:
قدني من نصر الخبيبين قدي؟
ولم كان: قدي، ضرورة؟ .
وما حكم: لدى، وعلى، وإلى، وهلا وجب له النون مع ياء الإضافة؛ لأن قبله ساكناً؟ .
ولم لا تكسر ياء الإضافة ما قبلها إذا كان ياء مفردةً؟ وهل ذلك لأنها تدغم فيها، وتلزم الحركة ياء الإضافة؟ وهلا جاز فيه: لداي، كما يجوز: رحاي؟ وهل
стр. 467
ذلك لأنه يلزم الياء ما يجب لنظيرها في: عليه، ولديه، وإليه، وعليك، ولديك؟ ولم وجب /٦١ ب في جميع هذا أن تصير الألف إلى الياء؟ وهل ذلك لشدة الاتصال من جهة الضمير، واتصال الحرف بالمجرور؟ .
وما قياس كاف التشبيه إذا لحقتها ياء الإضافة؟ ولم وجب كسرها دون زيادة النون معها، أو تركها على حركتها؟ .
وما حكم: قط، ولدن، وعن، في ياء الإضافة؟ ومن أي وجه ضارعت: خذ، وزن؟ .
الجواب:
الذي يجوز في إضمار المتكلم ياء الإضافة وحدها في الاسم، وهذه الياء مع النون في الفعل، كقولك: ضربني، ويضربني، وفي الاسم: ضاربي.
والياء وحدها هي الاسم، وإنما زيدت النون في الفعل؛ ليحمى من الكسر الذي هو نظير الجر؛ إذ لا يدخل الفعل الجر أصلاً؛ فلهذه العلة زيدت النون، وإلا فعلامة المجرور والمنصوب واحدةٌ، كما هي في كاف الخطاب، إذا قلت: ضربك، ومر بك، وكذلك في الغائب: ضربه، ومر به، فإنما زيدت النون في الفعل؛ لتقيه الكسر الذي هو نظير الجر، وتقع الكسرة على النون الزائدة.
стр. 468
ولا تجوز زيادة النون في الاسم؛ لأنه مما يدخله الجر، فليس فيه مانعٌ من الكسر الذي هو نظير الجر.
وتقول: إنني، ولعلني، فتثبت النون كما تثبتها مع الفعل؛ لأن هذه الأحرف مشبهةٌ بالفعل، تجري مجراه في العمل.
ويجوز: إني، ولعلي بحذف النون؛ كراهة التضعيف، مع كثرة هذه الحروف في الكلام.
فأما لعلي، فحذفت النون منه؛ لأنها مقاربةٌ للام، والحروف المتقاربة تجري مجرى المتماثلة في هذا.
والنون محذوفة هي التي تلي ياء الإضافة؛ لأنها زائدةٌ، فحذف الزائد أولى.
ويجوز: اضرب الرجل؛ لأن حركة التقاء الساكنين عارضةٌ، ولا يجوز: ضربي، في الفعل؛ لأن الحركة التي تكون مع ياء الإضافة ليست عارضةً؛ لأنها تدخل في الكلمة حتى تصير كبعض حروفها.
стр. 469
ويجوز في الضرورة: ليتي؛ تشبيهاً بالاسم من جهة أنه ليس للحرف حركةٌ تتكره فيه، كما ليس للاسم ذلك، وعلى هذا جاز: قدي، في: قد، وقال زيد الخيل:
(كمنية جابر إذ قال ليتي ... أصادفه وأفقد بعض مالي)
/ ٦٢ أفقال: ليتي، على الضرورة.
وقال آخر:
(قدني من نصر الخبيبين قدي)
وتقول: عني، وقطني، ولدني، ومني، فتزيد النون؛ لتقي السكون الذي قد تمكن في بناء الاسم عليه؛ إذ أصل كل مبني السكون، كما تزيد النون في الفعل؛ لتقيه الكسر الذي هو نظير الجر الممتنع منه.
وتقول: معي، ولدي في: مع، ولد؛ لأن ما قبل الياء متحركٌ في غير الفعل.
стр. 470
وأما: إلى، وعلى، ولدي؛ فتقول فيها: إلي، ولدي، وعلي؛ لأن هذه الياء إذا صادفت ياءً قبلها مفردةً؛ لم يكن لها سبيلٌ عليها في الأسماء، نحو: مسلمي في التثنية، ومسلمي، في الجمع؛ لأنه يجب الإدغام وتحريك ياء الإضافة على أصلها بالفتحة، فكذلك هذه الأحرف التي يلزمها في الضمير المتصل أن تكون قبلها ياءٌ، لشدة الاتصال من وجهين: ما للضمير المتصل، وما لحرف الجر من شدة الاتصال، فصار بمنزلة الفاعل في الاتصال بالفعل، وأنه أشد اتصالاً من المفعول؛ فلذلك بني معه في: فَعَلْتُ، وفَعَلْتَ، وفَعَلْنَ، وغير لفظه بما تقضيه شدة الاتصال حتى يصير كبعض حروفه؛ فلهذه العلة غيرت هذه الأحرف، ولم يجب فيها: علاي، كما يجب في الأسماء المتمكنة نحو: هداي، ورحاي.
وقياس كاف التشبيه - إذا لحقتها ياء الإضافة - الكسر، كقولك: ما أنتِ كي، وفتحها خطأٌ، وإنما كسرت؛ لأنها حرفٌ متحركٌ على قياس الحروف الصحيحة إذا كانت متحركةً، وليست بمنزلة المبني على السكون نحو: قط، ولدن، وعن، لأن هذه الأحرف بمنزلة: خذ، وزن، في البناء على الأصل الذي يجب لكل مبني، فقياس هذه زيادة النون مع ياء الإضافة؛ لتقي السكون المتمكن في الثبوت، ولا تذهبه مع تمكنه في ثبوته.
стр. 471
باب ضمير المجرور الذي يقع موقع ضمير المرفوع
الغرض منه:
أن يبين ما يجوز في ضمير المجرور الذي يقع موضع ضمير المرفوع مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في ضمير المجرور الذي يقع موقع ضمير المرفوع؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
/ ٦٢ ب ولم لا يجوز أن يطرد مثل هذا؟ وهل ذلك لأنه للإشعار بمناسبة الضمير مع الإيجاز الذي فيه، ومع الإيذان بأنه مبني، وإن كان فيه دليلٌ على وجوه الإعراب؟ .
وما حكم: لولاك، ولولاي؟ ولم وجب أن الأصل: لولا أنت، ولولا أنا؟ .
وما موضع الكاف في: لولاك؟ وما وجه قول سيبويه: إن موضعها جر؟
ولم خالفه الأخفش، وابن السراج، وقالا: موضعها رفعٌ؟ .
стр. 472
ولم جاز أن يخرج (لولا) إلى حروف الجر، وليس فيه معنى الإضافة، ولا يرجع إلى عاملٍ فيه كما ترجع حروف الجر إلى عمل الفعل؟ وهل ذلك على شبه حرف الجر من جهة عقد المعنى فيه بالجواب، وإن لم يعمل فيه فعلٌ؟ .
وهل يجوز أن يعمل فيه الاستقرار، على تقدير: لولاك استقررت بالمحل الذي أنت به، لئلا ينكسر الباب في حروف الإضافة؟ .
وما في قوله جل ثناؤه: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١] من الشاهد؟
وما الفرق بين أن تكون الياء والكاف في هذا علامة مضمرٍ مرفوعٍ وبين أن تقعا موقع علامة مضمرٍ مرفوعٍ؟ وهل ذلك في وقوع كلمةٍ موقع كلمةٍ أخرى لا يفسد الموضع؛ لأنه مضمنٌ بالدليل كما يقع المصدر موقع الحال، وموقع الصفة، ولا يكون حالاً، وكما جاز:
(أرسلها العراك .... )
على وقوعه موقع الحال، ولم يجز أن يكون حالاً، وهو معرفٌ بالألف واللام؟ .
стр. 473
وما الشاهد في قول يزيد بن الحكم:
(وكم موطنٍ لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي؟ )
وما حكم: عساك؟ ولم وجب أن الكاف في موضع نصبٍ عند سيبويه؟ وما في قولهم: عساني، من الدليل؟ ولم خالف الأخفش في ذلك، وذهب إلى أن الكاف في: عساك، في موضع رفعٍ، وكذلك النون والياء في: عساني؟ .
وما الشاهد في قول رؤبة:
(يا أبتا علك أو عساكا)
стр. 474
وقول عمران بن حطان:
(ولي نفسٌ أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني؟ )
وما نظير الشذوذ /٦٣ أفي ذا من قولهم: لدن غدوةً، ولات حين أوان؟ .
ولم جاز: ما أنت كأنا، وما أنا كأنت؟ وما في ذلك من الدليل على مذهب
стр. 475
الأخفش؟ وهل وجه جوازه تنكب التضعيف في: كك، فوقع ضمير المرفوع موقع ضمير المجرور؛ لهذه العلة، وجرى نظيره في المتكلم مجراه في: ولا أنت كأنا؟ .
ولم لا يجوز موافقة علامة الرفع للجر في أصل الموضوع كما جاز موافقة علامة النصب للجر في الأصل؟ .
وما وجه إنكار سيبويه لمذهب من جعل العلامة في هذا موافقةً لعلامة الرفع من جهة كسر الباب، وهو مطردٌ؟ وهل ذلك إذا جعله في أصل الموضوع؟ .
الجواب:
الذي يجوز في ضمير المجرور الذي يقع موقع ضمير المرفوع إجراؤه في موقعٍ لا يخل بأنه في معنى المرفوع، وذلك بعد: لولا، كقولهم: لولاك، ولولاي، فهذا الموقع موقع مرفوعٍ قد ظهر أمره بالاسم الظاهر في: لولا زيدٌ لكان كذا وكذا، من غير أن يجوز فيه الجر، وظهر بقولهم: لولا أنت لكان كذا وكذا، وفي التنزيل: ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، فهذا هو الأصل.
وإنما جاز: لولاك؛ لاجتماع سببين:
стр. 476
أحدهما المناسبة بين علامات المضمر من ثلاثة أوجهٍ:
أحدها: الاشتراك في الإضمار.
والثاني: البيان عن المخاطب من المتكلم من الغائب.
والثالث: أنها كلها مبنيةٌ، وإن كان فيها دليلٌ على وجوه الإعراب، فإنها تنحط عن منزلة ما فيه الإعراب.
فأشعر بهذه المناسبة بينها بإيقاع بعضها موقع بعضٍ من غير إخلالٍ بالمعنى، ولا يجوز أن يطرد مثل هذا؛ لأن الأصل أحق به؛ لأن الأصل أحق به؛ إذ كان ليس فيه إلا ما بينا من الإشعار والإيجاز.
واختلفوا في موضع الكاف:
فذهب الخليل ويونس وسيبويه إلى أنها في موضع جر.
وذهب الأخفش وبعض النحويين المتقدمين وابن السراج إلى أنها في موضع رفعٍ، وإنما أوقعت علامة المجرور موقع علامة المرفوع لما بينا على طريقة الاستعارة، كما يقع المصدر موقع الحال في قولهم: إنما أنت /٦٣ ب سيراً سيراً، وكما يقع المصدر المعرف في:
(أرسلها العراك ... )
موقع الحال، وكل ذلك على طريق الاستعارة، ويستحيل أن يكون على
стр. 477
الحقيقة، وكذلك يقع ضمير المجرور موقع ضمير المرفوع على الاستعارة، ويمتنع أن يقع على الحقيقة، ولا يجوز أن يوضع على الاشتراك بين المجرور والمرفوع؛ لأنه لا مناسبة بين المرفوع والمجرور يصلح لأجلها هذا كما أن بين المجرور والمنصوب مناسبةً يصلح لأجلها اتفاق العلامة، فأما أن ينقل ضمير المجرور إلى موضع ضمير المرفوع فغير ممتنعٍ، وشواهده كثيرةٌ.
والذي نختاره في هذا مذهب الأخفش؛ لأنه لو كان موضع الكاف جراً؛ لوجب أن يكون الحرف عاملاً؛ إذ لا يجوز الجر إلا بعامل الجر، والحرف الذي يعمل الجر لابد أن يكون فيه معنى الإضافة، ولابد من أن يعمل في موضعه الفعل، وليس كذلك في: لولا.
فإن قال قائلٌ: فلم لا يجوز أن يعمل فيه الاستقرار، ويكون قد أضاف المخاطب إلى الاستقرار كما تقول: زيدٌ بالبصرة، فتضيفه إلى الاستقرار بالبصرة؟ .
قيل له: إن الباء يفهم منها هذا المعنى في المضمر والمظهر، وليس كذلك: لولا؛ لأنه لا يفهم منها معنى الإضافة كما لا يفهم من: أما، ولا من: هل، ولا من أكثر الحروف معنى الإضافة، ويفهم من حروف الجر معنى الإضافة، وأنها لتعدية الفعل، وليس ذلك في: لولا.
ولابد لمن ذهب هذا المذهب من أن يجعلها عاملةً للجر، وكأنه يشبهها بحرف
стр. 478
الجر، وفي ذلك بعدٌ، وإن كانت قد عقدت بعض الكلام ببعضٍ، وليس كل شيءٍ عقد الكلام بغيره فإنه من حروف الجر كحروف العطف، وإنما يحتاج فيها إلى أن تكون للتعدية، ولو صح هذا فيها؛ لجاز في المظهر كما يجوز في المضمر؛ إذ الحال واحدةٌ.
ولا خلاف في أنه شاذٌ، إلا أن الشاذٌ إذا قل ما يخرج به عن الأصل، وكثر نظائره في جهة الشذوذ، كان أولى به، فوقوع كلمةٍ موقع كلمةٍ كثيرٌ، وإن كان على طريق الشذوذ، فأما جعل الحرف حرف إضافةٍ، وليس فيه معنى حرف الإضافة؛ ففاسدٌ.
فإن قال قائلٌ: فإن فيه معنى اللام إذا قلت: لولا زيدٌ لكان كذا وكذا، فهو بمنزلة: لأجل زيدٍ لم يكن كذا وكذا.
/٦٤ أقيل له: ليس هو على هذا المعنى، كما أن: إذا، وإن، ليسا على معنى حرف الإضافة في قوله: إذا أتيتني أكرمتك، وإن أتيتني أكرمتك، وإن كان جملة الكلام يدل على: إني أكرمك لإتيانك، فالحرف لا يدل على هذا؛ لأنه لو كان كذلك؛ لجرى مجرى اللام في تعدية الفعل إذا قلت: أكرمك لإتيانك، فكان: أكرمك إن أتيني، بهذه المنزلة من تعدية الفعل، وليس كذلك عند أحدٍ من العلماء بالعربية؛ إذ كانت (إن) إنما هي شرطٌ تعلق الأول بالثاني على خلاف تعليق حرف الإضافة؛ لأن حرف الإضافة يوجب القطع بالفعل الذي وقع المعنى لأجله، وليس كذلك الشرط، فهذه معانٍ مختلفةٌ، ودلالتها مختلفةٌ؛ لتدل على المعاني المختلفة.
стр. 479
ومن زعم أنه يجوز أن يكون (لولا) حرف إضافةٍ؛ لزمه أن يكون (إن) يصلح أن يكون حرف إضافةٍ، فهذا ما لا إشكال في فساده.
وقال يزيد بن الحكم:
(وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي)
فهذا شاهدٌ في وقوع علامة المجرور موقع علامة المرفوع.
وقال رؤبة:
(يا أبتا علك أو عساكا)
وقال عمران بن حطان:
(ولي نفسٌ أقول لها إذا ما ... تنازعني لعلي أو عساني)
فالكاف في موضع رفعٍ عند الأخفش، وفي موضع نصبٍ عند سيبويه، ودليله:
стр. 480
عساني، وأن الفعل لا يعمل الجر أصلاً.
ونظير ذلك في الشذوذ: لدن غدوةً، ﴿وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
واستشهد الأخفش على مذهبه بقول العرب: ما أنا كأنت، ولا أنت كأنا. فهذا شاهدٌ بينٌ، وعلته تنكب التضعيف في: ما أنا كك، وجاء في نظيره من المتكلم على قياسه.
ولا تجوز موافقة الجر للرفع في أصل الموضوع كما تجوز موافقة النصب للجر في ذلك؛ لأن الرفع لا يناسب الجر، فهذا الذي أنكره سيبويه على ما قال، وهو يكسر ما يجب أن توضع عليه الأصول، وليس كذلك إذا وقعت كلمةٌ موضع كلمةٍ على جهة الاستعارة.
стр. 481
باب إشراك المظهر للمضمر
الغرض منه:
أن يبين ما يجوز / ٦٤ ب في إشراك المظهر للمضمر مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إشراك المظهر للمضمر؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ .
ولم لا يجوز إشراك المظهر للمضمر المرفوع المتصل بالفعل من غير تأكيدٍ، إلا على قبحٍ؟ .
ولم جاز في المضمر المتصل المنصوب؟ ، وما حكم: رأيتك وزيداً؟ ولم جاز من
стр. 482
غير تأكيد، وإنك وزيداً منطلقان؟ .
ولم قبح: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله؟ .
ولم غير الفعل للمضمر المرفوع؟ وما في شدة الاتصال مما يوجب تغيير الفعل؟ وما دليله من أنه نظير استتاره في الفعل؟ .
ولم جرى المنفصل مجرى المظهر؟ .
ولم صارت التاء في: ضربت، بمنزلة الألف في: أعطيت؟ .
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤]، ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]؟ .
ولم حسن بالتأكيد العطف عليه، ولم يحسن بغير التأكيد؟ وما نظيره من قولهم: قد علمت أن لا تقول ذاك؟ ولم كان التأكيد في المضمر بمنزلة الفصل في هذا؟
стр. 483
وهل ذلك لأجل البيان بطول الكلام الذي يخرج الثاني من الحمل على ما لا يصلح أن يحمل عليه؟ .
وما الشاهد في قول الله جل وعز: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]؟ ولم حسن العطف على المضمر المتصل من غير تأكيد؟ .
وما الشاهد في قول عمر بن أبي ربيعة:
(قلت إذ أقبلت وزهرٌ تهادي ... كنعاج الملاء يعسفن رملا)
ويروي:
( ......... ... ... كنعاج الملاء تعسفن رملا)
ولم جاز في الضرورة مثل هذا؟ وهل ذلك لأنه شبه بالمضمر المنفصل؟ .
стр. 484
الجواب:
الذي يجوز في إشراك المظهر للمضمر إجراؤه عليه في كل مضمرٍ إلا المضمر المتصل المرفوع، فإنه لا يجوز أن يعطف عليه إلا بالتأكيد؛ لأنه غير له لفظ الفعل حتى صار كبعض حروفه، وبعض حروف الفعل لا يعطف عليه، فلما عومل بالتغيير معاملة بعض حروف الفعل؛ عومل بالامتناع من العطف عليه تلك المعاملة؛ حتى يجري على قياس مستقيمٍ. فإذا أكد أبان التأكيد معنى المضمر حتى يصير بالتأكيد /٦٥ أكالمنفصل؛ للبيان الذي يوجبه التأكيد، ولو لم يكن لم يجز؛ لما بينا.
وتقول: رأيتك وزيداً، وإنك وزيداً منطلقان، فيحسن هذا؛ لأن الضمير المنصوب لا يغير له لفظ الفعل، فجرى مجرى المنفصل.
وتقول: فعلت أنا وعبد الله، ويقبح: فعلت وعبد الله، وأفعل وعبد الله؛ لأنه عطفٌ على المضمر المرفوع من غير تأكيد.
وشدة الاتصال تتعاظم، فيكون بعضه أشد اتصالاً من بعضٍ بوجوهٍ معقولةٍ تقتضي ذلك، فما اتصل من الزوائد بالكلمة بما لو سقط لم يكن للكلمة معنى فهو أشد إتصالاً مما يتعاقب عليها كتعاقب هاء التأنيث في نحو: قائمٍ، وقائمة، وذلك كالواو في: ضروبٍ، والألف في: ضاربٍ، فما كان من الزوائد في حشو الكلمة فهو أشد اتصالاً مما كان في آخر الكلمة قد أتى بعد سلامة بنيتها، وخلوص معناها
стр. 485
على التعاقب في ذلك الزائد.
وما اتصل بالكلمة مما لا يصلح أن يوقف عليه فهو أشد اتصالاً بها مما يمكن أن يوقف عليه، كالباء في: بزيدٍ، ومن [في] قولك: من زيدٍ.
وما اتصل بالكلمة على تغيير صيغتها عما كانت عليه قبل اتصاله فهو أشد اتصالاً مما أتصل بها على غير تغييرٍ.
فعلى هذه الأصول يعمل في شدة الاتصال، فالتاء في: ضربت، بمنزلة الألف في: أعطيت، في شدة الاتصال، لأنهما جميعاً لو سقطا؛ لم يبق للكلمة معنى، فكانا بهذا أقرب إلى الحروف الأصول.
وفي التنزيل: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤]، ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، فهذا حسنٌ على القياس الذي بينا.
ونظيره: قد علمت أن لا تقول ذاك؛ لأنه لما طال الكلام بحرف يؤذن بصحة حمل الثاني على الأول؛ حسن الكلام.
وفي التنزيل: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فجاء هذا من غير تأكيد المضمر، ولكن فيه ما يقوم مقام التأكيد من (لا)، والدليل على ذلك أنه يحسن: قد علمت أن لا تقول ذاك؛ لأن (لا) قد فصلت، وقامت مقام الاسم في هذا
стр. 486
فكذلك (لا) في الآية قد فصلت، وقامت مقام الاسم فيه.
وقال عمر بن أني ربيعة:
(/٦٥ ب قلت إذ أقبلت وزهرٌ تهادى ... كنعاج الملا تعسفن رملا)
فجاز هذا في ضرورة الشاعر، وإنما وجه الكلام: قلت إذ أقبلت هي وزهرٌ تهادى، وإنما جاز في الضرورة؛ تشبيهاً بالمضمر المنفصل؛ إذ قد اجتمعا في الإضمار وعلامة المرفوع.
стр. 487
بابُ ما تردُه علامةُ الإضمار إلى أصله
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز فيما تردُه علامةُ الإضمار إلى أصله مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا الباب:
ما الذي يجوز فيما تردُه علامةُ الإضمار إلى أصله؟ وما الذي لا يجوز؟ ولِمَ ذلك؟ .
ولِمَ لا يجوز أن يُتركَ مع علامة الإضمارِ على ما جرى به الاستعمالُ؟ وهل ذلك لأنها تُزيلُ عِلةَ التغيير عن الأصلِ؟ .
ولِمَ جاز: لعبد اللهِ مالٌ، بالكسر، ولَمْ يَجُزْ إلا: لك مالٌ، وله مالٌ، بالفتح؟ وهل ذلك لأنه قد زال التباسُ اللام بلامِ الابتداءِ في قولك: إنَ هذا لزيدٍ، لو فُتِحَتْ، فقيل: إن هذا لزيدٌ؛ لا لتبس المعنى، وليس كذلك: إن هذا لهُ؛ لو كانت لام الابتداء؛ لقيل: إن هذا لَهو؟ .
ولمَ فُتِحتْ لامُ الإضافة في النداءِ منْ قولهم: يالبكرٍ؟ .
стр. 488
ولِمَ جاز: أعطيتُكُمْ ذاك، مع الظاهر، وأعطيتُكُمُوه، مع المُضمر؟ وهل ذلك لأن كراهة وقوع الواو طرفاً في الاسم قد زالت؛ إذ قد صار الضميرُ المتصل هو آخر الفعلِ، مع تشبيه بغيره مما يرده الإضمار إلى أصله، مع أن الاستخفاف الذي كان مع الظاهر الذي هو أكثر وأحقُ بالتخفيف قد زال؛ فلهذا كان القياسُ: أعطيتُكُمُوه، بالرد إلى الأصلِ، وصار ما حُكِي عن بعض العربِ -[و] هو قولهم: أعطيتُكُمْهُ- شاذاً في القياسِ؟ ولِمَ جاز: أعطيتُكُم اليوم، بالضم، ولم يَجُزْ بالكسر على أصلِ الحركة لالتقاء الساكنين؟ وهل ذلك لأنه رد إلى الأصل مع إتباعِ الضم الضم؟ .
ولِمَ قَبُح: فَعَلْت نَفْسُك، حتى تقول: أنت نفسك؟ ولِم أدخل هذا في هذا الباب؟ وهل ذلك لأن الأصل أن يُؤكدَ الظاهرُ بالظاهرِ، والمنفصل بمنزلة الظاهر، ورده التأكيدُ بالنفس إلى الأصل، وهو المنفصلُ، فهو يُشبه هذا الباب بالرد إلى الأصل؟
/٦٦ أولم حَسُنَك فعَلْتَ أنت نفسك، ولم يَحسُنْ: فعلت نفسك؟ وهل ذلك لأن النفس لم يتمكن في التأكيد؛ إذ يجري على طريق اسم الجنس في كثير من الكلام، كقولك: نَزلْتُ بنفس الجبل، وإن نفس الجبل مقابلي، فكثُر كونها تلي العاملَ، فاحتاجت إلى التأكيد بالمنفصل؟ .
стр. 489
ولِمَ جاز: [قُمْتُمْ] كلكم، وجئتم أجمعون، من غير تأكيد المتصلِ؟ وهل ذلك لِتّمَكُنِ كل، وأجمعين في التأكيد؛ إذ أجمعون لا يلي العوامل، و (كلهم) يَغْلِبُ عليه ألا يلي العوامل؟
ولِمَ جاز: ذهبت أنت وعبداللهِ، وذهبت أنت وأنا، ولم يجز: ذهبت وعبداللهِ، إلا على ضعف؟ .
وما الشاهد في قول الراعي:
فلما لحقنا والجيادُ عشيةُ ... دعوا يا لكعب واعتزينا لعامر؟
وما حُكم العطف على المضمر المجرور؟ ولم لا يجوز إلا بإعادة الجار؟ .
ولِمَ جاز: ضربْتُك وزيداً، ولم يَجُزْ: مررتُ بك وزيد، ولا هذا أبوك وعمرو
стр. 490
حتى تقول: مررت بك وبزيدٍ، وهذا أبوك وأبو عمروٍ؟ وهل ذلك لأنه لما ضَعُفَ في المضمر المرفوع؛ لشدة اتصاله، مع أن له منفصلاً يجوز أن يُبنى على الفعل كما يبنى المتصل، ثم صار الأمر إلى المجرور، وله مثلُ ذلك في شدةِ الاتصال من غير أن يكون له منفصلٌ؛ حدث سبب آخر يقتضي الضعف، فلم يَكُنْ بعد الضعف الأول إلا امتناع الجوازِ، وهذا أصل يدور في العربية: إذا كان سبب يضْعُفُ لأجله الحكمُ، ثم حدثَ سببٌ آخرُ يَضْعُفُ لأجله؛ امتنع الحكمُ؛ لاجتماع سببي الضعف؟
ولِمَ جاز: فعلتَ أنتَ وزيدٌ، ولم يَجُزْ: مررتُ بك أنت وزيدٍ؟ وهل ذلك لأن المجرور أشد اتصالاً؛ من أجل أنه مع الأول بمنزلة اسمً واحد إذا عاقب التنوين الذي هو بهذه المنزلة، و (فَعَلْتَ) جملة ليس الضمير بمُتممٍ فيها للفعلِ، وإنما هو مُشبهٌ بالمتممِ، مع أن (أنت) لا يُعْتدُ به في المجرورِ؛ لأنه ليس منفصلٌ، فهو بمنزلة مالم يُذكَرْ
؛ لأنه إنما يُستعارُ للتأكيد في معني المخاطب، ولا يُظهر حال الضمير المتصل كإظهار (أنت) للضمير المتصل في: فَعَلْتَ؛ إذ يُظهِرُ أنه للمخاطبِ وأنه للمرفوعِ؟ .
стр. 491
ولِمَ جاز: مررتُ بكم أجمعين، ومررت بهم كلهم، ولم يَجُزْ مثلُ ذلك في العطف، وكلاهما تابعُ للأولِ؟ وهل ذلك / ٦٦ ب لأن أجمعين لا يكون إلا تأكيداً، وكلهم بهذه المنزلةِ؛ فهو يجري على المجرورِ والمرفوعِ والمنصوبِ، والمضمرِ والمظهرِ؛ لتمكنهِ في معنى التأكيد، وظهور ترتيبه من المؤكدِ، وأنه يُعملُ فيه في موضعه بعد المؤكدِ، ولا يَصِحُ أن يقع موقعه، وليس كذلك العطفُ؛ لأنه نظير المعطوف عليه في أن الموقع الأول لهما، وليس أحدهما أحق به من الآخر إلا بمقدارِ السبق إليه، ولو سبق إليه الآخر لجاز، فهذا يَفْرُقُ بين الأمرين بما يقتضي اختلافَ الحكمِ فيهما؟ .
ولِمَ جاز: مررتُ بك نَفْسك، ولم يجز: فعلت نفسك؟ وهل ذلك لحاجة إلى تأكيد المضمر المجرور في: بِكَ، فلم يكن سبيلٌ إلى إعادة الجار كما يكونُ في العطفِ، ولمْ يجبْ فيه أنتَ؛ لأنه مستعارٌ، ولا كان لإعادة الجار معنى؛ لأنه يُخرجُه عن طريقة التأكيد، فلم يَكُنْ سبيلٌ على الأصولِ الصحيحة إلا إلى هذا، وهو: مررتُ بك نفسك؛ للموانع التي تمْنعُ من إعادةِ الجار، ومن إيجابِ التأكيد بأنْتَ كما يجبُ في: فعلتَ أنتَ نَفْسُكَ؟ .
وما الشاهد في قول الشاعر:
стр. 492
آبكَ أيهْ بيَ أو مصدرِ ... من حُمر الجِلةِ جَأبٍ حشورِ
وقول الآخر:
فاليوم قربْت تهجونا وتشتِمُنا ... فاذهب فما بِكَ والأيام منْ عجبِ؟
ولِمَ جاز: فعلتم أجمعون وكلكم، من غير تأكيد بالمنفصلِ، ولم يَجُزْ مثلُ ذلك في العطف حتى تقول: فعلتمْ أنتم وزيدٌ؟
الجواب:
الذي يجوز فيما ترُده علامة الإضمار إلى أصله- إذا كان قد زال سبب التغيير عن الأصل بعلامة الإضمار- رده إلى أصله.
ولا يجوز أنْ يُترك على التغيير؛ لأن العِلة إذا بطلتْ؛ بَطَلَ الحُكْكُ، إلا أن تخلُفها عِلةٌ أخرى تقومُ مقامها.
وتقولُ: هذا لعبد الله، فإذا جِئْتَ بعلامةِ الإضمارِ؛ قُلْتَ: هذا لهُ، فرددتَ
стр. 493
اللام إلى أصلها من الفتحِ؛ لأن علةَ التغييرِ قد زالتْ، وهي الالتباس بلام الابتداء إذا قُلْتَ: إن هذا لزيدٍ، فلو فتحتها، فقُلتَ: إن هذا لزيدٌ؛ لا لْتبس المعنى، وليس كذلك في الضمير؛ لأنك تقول: هذا لهُ، وفي لام الابتداء: /٦٧ أإن هذا لهُوَ، كما تقولُ: إن هذا لكَ، وفي لام الابتداء: إنَ هذا لأنْتَ.
وتقول: أعْطَيْتُكُمُوه، فَتردُهُ هاءُ الإضمارِ إلى أصلهِ؛ إذ الأصْلُ فيه: أعطيتكمُ، وإنما أزالت هاءُ الإضمار سبب التغيير عن الأصلِ؛ لأنه كان تُكْرهُ الواوُ في آخر الاسم وقبلها ضمةٌ، فلما لحقتْ هاءُ الإضمارِ قد أزالتْ سبب التغيير، فرجع الكلامُ إلى أصلهِ.
ومن العربِ من يقولُ: أَعْطَيْتُكُمْهُ، فيشبهُ المضمرَ بالمُظْهَرِ كقولك: أَعطَيْتُكُمْ ذاك، وهذا ضعيفٌ في القياس؛ لما بينا من أنه يجبُ أن يجري على قياس نظائره مما ترده علامةُ الإضمار إلى أصله، وهو مذهب أكثر العربِ، وإنما: أعطيتُكُمْه، بمنزلةِ الشاذِ.
وتقولُ: أعطيتكُمُ اليوم، فتُحرك بالضمِ؛ لالتقاء الساكنين على الأصلِ،
стр. 494
وهو أحقُ من الكَسْر؛ لأن ردَ حركة الأصل أولى من اجتلاب حركة لم تَكُنْ للكلمة، مع إتباعِ الضمِ الضمَ.
وتقولُ: فَعَلْتَ أَنْتَ نفسك، ويَقْبُحُ: فعلت نفسك؛ لأن النفسَ لم تتمكنْ في التوكيد؛ منْ أجلِ أنها تُستعملُ استعمالَ اسمِ الجنْسِ في أنها تلي العواملَ، فتقولُ: نزلْتُ بنفسِ الجبلِ، وإن نفْسَ الجبلِ مقابلي.
وإنما أدخل سيبويه هذا في هذا الباب؛ لأنه بمنزلة ما تردهُ علامةُ الإضمارِ إلى الأصلِ، إذ الأصلُ أن يُؤكد الظاهر بالظاهر، والمنفصلُ بمنزلة الظاهر، فرده التأكيدُ بالنفسِ إلى الأصلِ، وهو الضمير المنفصلُ، وهو يُشبههُ في الرد إلى الأصل.
وتقول: قُمتمْ كلكم، وجئتم أجمعون، فلا تحتاجُ في التأكيد بالمنفصلِ؛ لتمكن أجمعين وكلكم في التأكيد؛ إذ هو موضوع له، ولا يلي العامل.
وتقولُ: ذهبت أنتَ وعبدُ اللهِ، وذهبتَ [أنتَ] وأنا، ولا يجوز: ذهبت وعبدُ اللهِ، وذهبت وأنا، إلا على ضعفٍ؛ لأن الضمير المرفوع قد غُير له لفظ الفعل حتى صار كبعضِ حُروفِ، فلم يحسن العطفُ عليه على هذه الجهة، فإذا أُكدَ بالمنفصل أظهرهُ، وصار بمنزلة المنفصل، فجاز وحَسُنَ/٦٧ ب كما قال جل ثناؤه: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤].
стр. 495
وقد يجوزُ بغير المنفصل في الشعرِ، قال الراعي:
فلما لحقنا والجياد عَشيةً ... دعوا يا لكعبٍ واعتزينا لعامر
فهذا في الكلام لا يصلحُ حتى تقول: لحقنا نحنُ والجيادٌ.
ولا يجوز العطفُ على المضمرِ المجرورِ إلا بإعادة الجار؛ من قبلِ أنه قد اجتمع فيه سببان:
أحدهما: شدة الاتصال بمعاقبةِ حرفٍ من العامل كمعاقبةِ التنوين.
والآخر: أن المعطوف نظير المعطوف عليه في موضعه من العاملِ، وإنما يُبدأُ بأحدهما على طريق السبقِ، والتعاقبُ في الموقعِ لهما جائزُ صحيح، وليس للمجرورِ منفصلٌ يُعاقب ُهذا المجرور الظاهر.
فلما اجتمع فيه سببان، كلُ واحد منهما يُضعفُ الحكم بطل جوازه؛ لأنه ليس بعد الضعف إلا امتناع الجواز، فلا يجوزُ: مررت بك وزيد، ولا هذا غُلامك وزيد،
следующие страницы →