← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 18282

شرح كتاب سيبويه للرماني - جزء منه

أبو الحسن الرماني

Полный текст (908 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

ولِمَ جاز: مررتُ بكم أجمعين، ومررت بهم كلهم، ولم يَجُزْ مثلُ ذلك في العطف، وكلاهما تابعُ للأولِ؟ وهل ذلك / ٦٦ ب لأن أجمعين لا يكون إلا تأكيداً، وكلهم بهذه المنزلةِ؛ فهو يجري على المجرورِ والمرفوعِ والمنصوبِ، والمضمرِ والمظهرِ؛ لتمكنهِ في معنى التأكيد، وظهور ترتيبه من المؤكدِ، وأنه يُعملُ فيه في موضعه بعد المؤكدِ، ولا يَصِحُ أن يقع موقعه، وليس كذلك العطفُ؛ لأنه نظير المعطوف عليه في أن الموقع الأول لهما، وليس أحدهما أحق به من الآخر إلا بمقدارِ السبق إليه، ولو سبق إليه الآخر لجاز، فهذا يَفْرُقُ بين الأمرين بما يقتضي اختلافَ الحكمِ فيهما؟ . ولِمَ جاز: مررتُ بك نَفْسك، ولم يجز: فعلت نفسك؟ وهل ذلك لحاجة إلى تأكيد المضمر المجرور في: بِكَ، فلم يكن سبيلٌ إلى إعادة الجار كما يكونُ في العطفِ، ولمْ يجبْ فيه أنتَ؛ لأنه مستعارٌ، ولا كان لإعادة الجار معنى؛ لأنه يُخرجُه عن طريقة التأكيد، فلم يَكُنْ سبيلٌ على الأصولِ الصحيحة إلا إلى هذا، وهو: مررتُ بك نفسك؛ للموانع التي تمْنعُ من إعادةِ الجار، ومن إيجابِ التأكيد بأنْتَ كما يجبُ في: فعلتَ أنتَ نَفْسُكَ؟ . وما الشاهد في قول الشاعر:

стр. 492

آبكَ أيهْ بيَ أو مصدرِ ... من حُمر الجِلةِ جَأبٍ حشورِ وقول الآخر: فاليوم قربْت تهجونا وتشتِمُنا ... فاذهب فما بِكَ والأيام منْ عجبِ؟ ولِمَ جاز: فعلتم أجمعون وكلكم، من غير تأكيد بالمنفصلِ، ولم يَجُزْ مثلُ ذلك في العطف حتى تقول: فعلتمْ أنتم وزيدٌ؟ الجواب: الذي يجوز فيما ترُده علامة الإضمار إلى أصله- إذا كان قد زال سبب التغيير عن الأصل بعلامة الإضمار- رده إلى أصله. ولا يجوز أنْ يُترك على التغيير؛ لأن العِلة إذا بطلتْ؛ بَطَلَ الحُكْكُ، إلا أن تخلُفها عِلةٌ أخرى تقومُ مقامها. وتقولُ: هذا لعبد الله، فإذا جِئْتَ بعلامةِ الإضمارِ؛ قُلْتَ: هذا لهُ، فرددتَ

стр. 493

اللام إلى أصلها من الفتحِ؛ لأن علةَ التغييرِ قد زالتْ، وهي الالتباس بلام الابتداء إذا قُلْتَ: إن هذا لزيدٍ، فلو فتحتها، فقُلتَ: إن هذا لزيدٌ؛ لا لْتبس المعنى، وليس كذلك في الضمير؛ لأنك تقول: هذا لهُ، وفي لام الابتداء: /٦٧ أإن هذا لهُوَ، كما تقولُ: إن هذا لكَ، وفي لام الابتداء: إنَ هذا لأنْتَ. وتقول: أعْطَيْتُكُمُوه، فَتردُهُ هاءُ الإضمارِ إلى أصلهِ؛ إذ الأصْلُ فيه: أعطيتكمُ، وإنما أزالت هاءُ الإضمار سبب التغيير عن الأصلِ؛ لأنه كان تُكْرهُ الواوُ في آخر الاسم وقبلها ضمةٌ، فلما لحقتْ هاءُ الإضمارِ قد أزالتْ سبب التغيير، فرجع الكلامُ إلى أصلهِ. ومن العربِ من يقولُ: أَعْطَيْتُكُمْهُ، فيشبهُ المضمرَ بالمُظْهَرِ كقولك: أَعطَيْتُكُمْ ذاك، وهذا ضعيفٌ في القياس؛ لما بينا من أنه يجبُ أن يجري على قياس نظائره مما ترده علامةُ الإضمار إلى أصله، وهو مذهب أكثر العربِ، وإنما: أعطيتُكُمْه، بمنزلةِ الشاذِ. وتقولُ: أعطيتكُمُ اليوم، فتُحرك بالضمِ؛ لالتقاء الساكنين على الأصلِ،

стр. 494

وهو أحقُ من الكَسْر؛ لأن ردَ حركة الأصل أولى من اجتلاب حركة لم تَكُنْ للكلمة، مع إتباعِ الضمِ الضمَ. وتقولُ: فَعَلْتَ أَنْتَ نفسك، ويَقْبُحُ: فعلت نفسك؛ لأن النفسَ لم تتمكنْ في التوكيد؛ منْ أجلِ أنها تُستعملُ استعمالَ اسمِ الجنْسِ في أنها تلي العواملَ، فتقولُ: نزلْتُ بنفسِ الجبلِ، وإن نفْسَ الجبلِ مقابلي. وإنما أدخل سيبويه هذا في هذا الباب؛ لأنه بمنزلة ما تردهُ علامةُ الإضمارِ إلى الأصلِ، إذ الأصلُ أن يُؤكد الظاهر بالظاهر، والمنفصلُ بمنزلة الظاهر، فرده التأكيدُ بالنفسِ إلى الأصلِ، وهو الضمير المنفصلُ، وهو يُشبههُ في الرد إلى الأصل. وتقول: قُمتمْ كلكم، وجئتم أجمعون، فلا تحتاجُ في التأكيد بالمنفصلِ؛ لتمكن أجمعين وكلكم في التأكيد؛ إذ هو موضوع له، ولا يلي العامل. وتقولُ: ذهبت أنتَ وعبدُ اللهِ، وذهبتَ [أنتَ] وأنا، ولا يجوز: ذهبت وعبدُ اللهِ، وذهبت وأنا، إلا على ضعفٍ؛ لأن الضمير المرفوع قد غُير له لفظ الفعل حتى صار كبعضِ حُروفِ، فلم يحسن العطفُ عليه على هذه الجهة، فإذا أُكدَ بالمنفصل أظهرهُ، وصار بمنزلة المنفصل، فجاز وحَسُنَ/٦٧ ب كما قال جل ثناؤه: ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ [المائدة: ٢٤].

стр. 495

وقد يجوزُ بغير المنفصل في الشعرِ، قال الراعي: فلما لحقنا والجياد عَشيةً ... دعوا يا لكعبٍ واعتزينا لعامر فهذا في الكلام لا يصلحُ حتى تقول: لحقنا نحنُ والجيادٌ. ولا يجوز العطفُ على المضمرِ المجرورِ إلا بإعادة الجار؛ من قبلِ أنه قد اجتمع فيه سببان: أحدهما: شدة الاتصال بمعاقبةِ حرفٍ من العامل كمعاقبةِ التنوين. والآخر: أن المعطوف نظير المعطوف عليه في موضعه من العاملِ، وإنما يُبدأُ بأحدهما على طريق السبقِ، والتعاقبُ في الموقعِ لهما جائزُ صحيح، وليس للمجرورِ منفصلٌ يُعاقب ُهذا المجرور الظاهر. فلما اجتمع فيه سببان، كلُ واحد منهما يُضعفُ الحكم بطل جوازه؛ لأنه ليس بعد الضعف إلا امتناع الجواز، فلا يجوزُ: مررت بك وزيد، ولا هذا غُلامك وزيد،

стр. 496

حتى تقول: مررتُ بك وبزيد، وهذا غلامُك وغلامُ يزيد. ويجوزُ: فعلتَ أَنْتَ وزيدٌ، ولا يجوزُ: مررتُ بك أِنْتَ؛ لأنَ أنت مستعارٌ للمجرورِ والمنصوبِ، فهو لا يُعتدُ بهِ، وتصيرُ الحقيقةُ: مررتُ بِكَ وزيدٍ، وهي لا تجوزُ، مع أنَ (أنت) يُظهِرُ حال الضميرِ في: فعلتَ، أتم الظُهورِ؛ إذ يُظْهِرُ حاله في الخطابِ وفي الرفعِ، وليس كذلك سبيله مع المجرورِ والمنصوبِ؛ لأنه موضوعٌ للمرفوعِ، ومُستعارٌ في هذين، واتصالُ المجرورِ أشدُ؛ لأنه مُعاقبٌ للتنوينِ، ومع الاسم بمنزلة اسمٍ واحد، فالكلامُ ناقصٌ، وليس كذلك: فَعَلْتَ؛ لأنه جملةٌ، والضميرٌ بمنزلةِ المنفصلِ من هذا الوجه. وتقولُ: مررتُ بكُم أجمعين، ومررتُ بهم كٌلٌهِم، فتؤكدُ الضميرَ المجرور، ولا يلزمُ على هذا العطفُ عليه فتقول: مررتُ بِكُم وزيدٍ؛ لأت أجمعين لا يكون إلا تأكيداً، ولا يلي العواملَ، فهو يطلبُ المؤكدَ، ويقتضيه، ولا يتوجهُ إلى غيرهِ. وليس كذلك المعطوفُ؛ لأنه قد يٌعطفُ جُمْلَةٌ على جملةٍ، ومفردٌ على مفردٍ، وعلى وجوه غير هذا، فلم يحتملْ ذلك العَطفُ كما احتملهُ التأكيدُ. وتقولُ: مَرَرْتُ بِكَ نَفْسِك، فهذا حسنٌ جائزٌ، وليس كذلك: فَعَلْتَ نفسكَ؛ لأن له طريقاً هو أحقُ به من هذا، وهو: فعلتَ أنتَ نفسكَ، فسقط/٦٨ أهذا الطريق بالطريقِ الذي هو أحقُ به. وليس كذلك: مررتُ بكَ نفسك؛ لأنه ليس له طريقٌ هو أحقٌ به من هذا؛ إذ (أنتَ) فيه مُستعارٌ ولا يُعتدُ به، ويرجعُ إلى أنَ الحقيقةَ بتركِ ذكره. وكذلك لا يلزمُ عليه: مرتُبِكَ وزيدٍ، وليس كذلك: مررتُ به نفسهِ؛ لما بينا من أنه ليس له طريقٌ هو أحقُ بهِ من هذا.

стр. 497

وقال الشاعرُ: آبكَ أيهْ بي أو مُصدر منْ حُمُرِ الجِلةِ جأبٍ حشورِ وقال آخرُ: فاليومَ قَربْت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بكَ والأيامِ منْ عَجَبِ فهذا شاهدٌ في أنه يجوزُ في الضرورةِ العطفُ على المضمرِ المجرورِ من غير إعادة الجار. وفي النحويين من لا يجيزه في الضرورة، ولا في غيرها، ولا يعرفُ صحة هذا الشاهد؛ لأنه شاذ في الضرورة، لم يجيء إلا في هذين البيتين، وليسا معروفين عند أكثر النحويين. وتقول: فعلتم أجمعون، ولا يجوزُ: فعلتم وزيدٌ، حتى تقولَ: فعلتم أنتم وزيدٌ؛ لأن التأكيد لما كان لا يتوجهُ إلا إلى المؤكد، وكان لا يلي العاملَ؛ طلبه واقتضاه حتى أخرجهُ مع استتارهِ في الفعلِ، وليس كذلك العطفُ؛ لما بينا قبلُ.

стр. 498

بابُ حروفِ الجرِ التي لا يجوز فيها الإضمارُ الغرضُ فيه: أن يُبين ما يجوزُ في حروف الجر التي لا يصلحُ فيها الإضمارُ مما لا يجوزُ. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوزُ في حروفِ الجر التي لا يصلحُ فيها الإضمارُ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ ولمَ لا يجوز الإضمارُ في كاف التشبيه، ولا حتى، ولا مُذْ؟ . وما وجه اعتلاله بالاستغناءِ عنه بغيره، مع أنه ليس كلُ ما يُستغنى عنه بغيره لا يجوز؟ وما المستغنى به عن كاف التشبيه؟ وما المستغنى به عن حتى؟ وما المستغنى به في مُذْ؟ .

стр. 499

ولِمَ صار: مثلي، أولى من: كي؟ وهلا امتنع: مثلي، أو شبهي؛ للاستغناء بأحدهما عن الآخر؟ . ولِمَ جاز أن يُستغنى بذاك عن الإضمار في قولهم: وما رأيته مُذْ ذاك؟ . وما الشاهد في قول العجاجِ: وأم أو عالٍ كها أو أقربا وقوله: فلا ترى بعلاً ولا حلائلا ... كهُ ولاكَهُنَ إلا حاظلا؟

стр. 500

/٦٨ ب ولِمَ جازَ مثلُ هذا في الضرورة؟ وما قياس الكاف لو أُضيفتْ إلى نفسِ المتكلمِ؟ ولِمَ جاز: كي، ولم يجز: كي، في شعرٍ، ولا غيره؟ .

стр. 501

بابُ التوكيد بالمضمرِ الغرضُ فيه: أن يبين ما يجوزُ في التوكيد بالمضمر مما لا يجوزُ. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوزُ في التوكيد بالمضمرِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ ولم لا يجوزُ أنْ يُؤكد المظهرُ بالمضمرِ؟ وهل ذلك لأن المضمرَ لم يُوضع ليَتْبع على جهة التأكيد، فلم ينْعقد بالمظهرِ على جهةِ التابعِ، وجاز أن ينعقدَ بالمضمر؛ للمشاكلةِ التي بينه بالإضمارِ؟ ولِمَ جاز أن يؤكد بعلامة المرفوع المنصوبِ والمجرورُ حتى جرى ذلك في: أنتَ، وأنا، وهُوَ، ونحنُ، وهُمْ، وهنَ، وهيَ، وأنتُمْ، وهما، وأنتما، وأنتن؟ . ولِمَ جاز: مررت بك أنتَ، مررت به هُوَ، ولم يجز: مَرَرْتُ بزيدٍ هُوَ؟ وهل ذلك لأنَ المخاطبَ والمتكلم لا يكونان إلا بعلامة الإضمار، فلم يَجُزْ أنْ يؤكدا غائباً؛ لاختلاف دلالتهما، والتوكيدُ يجبُ أن يكونَ موافقاً لمعنى المؤكد؟ .

стр. 502

وما الفرق بين الصفةِ والتوكيد، وكلاهما يتبعُ بغير حرفٍ؟ وهل ذلك منْ جِهةِ أن للصفةِ معنى خلاف معنى الموصوفِ، وليس كذلك التوكيدُ؟ . ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ (أجمعونَ) تأكيداً للنكرةِ؟ وهل ذلك لأنه معرفةٌ يُؤكدُ العمومَ، والعمومُ في الاسمِ بالتعريفِ؛ لِبُطلان الاشتراكِ؟ . وما وجه القياسِ في تركِ المظهرِ على ترك تأكيدِ النكرةِ بأجمعينَ؟ وهل ذلك مِنْ جِهةِ أنَ التأكيد له حدٌ لا يُتجاوزُ فيهما؟ . ولِمَ جاز: مَرَرْتُ بالقومِ أجمعينَ، ولم يَجُزْ: مَرَرْتُ بقومٍ أجمعين؟ . وهل يجوزُ: رأيتُكَ إياكَ، ورأيُته إياهُ؟ ولِمَ جاز على البدَلِ، ولم يَجُزْ على التأكيد؟ . ولِمَ جاز في: فَعَلْتَ أَنْتَ، وفعلَ هُوَ، أنْ يكون تأكيداً وبدلاً؟ .

стр. 503

ولِمَ جاز في المضْمَرِ أنْ يكونَ بدلاً من المظهرِ، ولم يجُزْ أنْ يكونَ تأكيداً لهُ؟ وهل ذلك لأن التأكيد يُرتبُ كما تُرتَبُ الصفةُ، ولا يكون ذلك إلا لما وُضعَ للتأكيدِ؟ . وهل يجوزُ: مَرَرْتُ به وبزيدٍ هما، على التأكيدِ؟ ولِمَ لا يجوزُ؟ وما نظيرُه من امتناعِ: مَرَرَتُ بزيدٍ وبه الظريفينِ؟ .

стр. 504

الجوابُ: الذي يجوز في حروف الجر التي لا يَصْلُحُ فيها الإضمارُ/٦٩ أ- إذا كانت لا تتمكنُ في حروف الجرِ للاشتراك الذي فيها، مع الاستغناء عن اتصالها بالضمير بغيرها- أنْ تمتنِعَ من الضميرِ؛ لهذه العلَةِ من الاستغناءِ عنها بما هو أولى منها، مع استواء الأحوال إلا من هذه الجهة. ولا يجوزُ الإضمارُ في كاف التشبيهِ؛ للاستغناء عنه ب: مْثلِهِ، ومثْلي، ومثْلِك، على ما بينا. ولا يجوزُ الإضمارُ في: حتى؛ للاستغناءِ عنه بإليهِ.

стр. 505

ولا يجوزُ الإضمارُ في: مُذْ؛ للاستغناءِ عنه بالمبهمِ في: مُذْ ذاك. وذلك أنَ حتى مشتركةٌ بين حرف العطفِ وحرفٍ من حروفِ الابتداء؛ فضعُفَتْ عن العملِ في المضمرِ، وعمِلَتْ في المظهرِ الذي هو الأصلُ. وكذلك (مُّذْ) مشتركةٌ بين الاسم والحرف في قولك: ما رأيتُه مُذ اليومِ، فهي هاهنا حرفٌ، وما رأيته مٌذْ يومان، فهي هاهنا اسمٌ. وأما الكافُ فمُشتركةٌ بين الحرف والاسم، فإذا قلت: الذي كزيدٍ عمرٌو؛ فهذه حرفٌ لا محالة، وأما كونها اسماً ففي مثل قول الشاعرِ: أَتَنْهونَ ولا يَنهى ذوي شطَطٍ ... كالطعْنِ يَذْهَبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ أي: مثلُ الطَعْنِ. فالمستغنى به عن كاف التشبيه: مثلٌ، والمستغنى به عن (حتى): إلى، في الإضمار، والمستغنى به في (مُذْ): ذاك؛ لأنه مُبهمٌ تصلحٌ الإشارةُ به إلى كلِ معنى كما يَصْلُحُ في المضمرِ.

стр. 506

ووجهُ اعتلاله بالاستغناء الذي يمنعُ جوازَ الشيِء هو الاستغناءُ عنه بما هو أولى منه، مع استواء الأحوال الداعيةِ إليه إلا من هذه الجهةِ. ولا يلْزمُ من سقوطِ أحدِ الشيئينِ من قولك: شِبْهي، ومِثْلي، الاستغناءُ بأحدهما عن الآخر؛ لأنه ليس بأولى منه. وقال العجاجُ: وأمَ أوْ عالٍ أو أقْربا وقالَ: فلا ترى بَعْلاً ولا حَلائلا ... كَهُ ولا كَهُنَ إلا حاظِلا فهذا يجوز في الضرورةِ على طريق التشبيه بالمظهرِ. ولو أضاف الكافَ إلى المتكلمِ؛ لوجب فيه: ما أنْتَ كي، ولم يِجُزْ: كَي؛ لأنَ ياء الإضافةِ لا يكونُ ما قبلها مفتوحاً أصلاً، وكلُ حرف مُتحرك يكونُ قبل ياءِ الإضافة فإنه يُكْسَرُ لها، فتجري في الكافِ على ذلك القياسِ.

стр. 507

/٦٩ الجوابُ عن البابِ الثاني: الذي يجوزُ في التوكيدِ بالمضمرِ إجراؤه بعلامةِ المرفوعِ المنفصلِ في كل مضمرٍ مُؤكَدٍ. وإنما جاز تأكيدُ المجرورِ والمنصوبِ بعلامةِ المرفوعِ؛ لأنه ليس للمُضمَرِ المجرورِ منفصلٌ، فأكد بما نٌقِل إليه منْ غيره، وجرى في المنصوبِ على ذلك القياسِ؛ لأنه نظيرهُ، فكان في المرفوعِ والمنصوبِ والمجرورِ على منهاجٍ واحدٍ؛ لأنَ المعنى فيه واحدٌ، وهو تأكيد المضمرِ المتصلِ، ولو أُكِد بعلامة ِ المنصوبِ؛ لاختلف في المرفوعِ والمجرورِ، وإجراؤه على قياسٍ واحدٍ أحقُ به، مع الإيذانِ بأنه ليس بمعربٍ، بل هو مبنيٌ، فيه دليلٌ على الإعرابِ. ولا يجوزٌ أنْ يُؤكدَ المظهرِ؛ لأن المضمرَ يُبينُ المخاطب من المتكلمِ، فيُخالفُ المظهرَ بهذا المعنى، والتأكيدُ يجبٌ أنْ يكونَ موافقاً في معناه للمؤكدِ، مع أن علامة المضمرِ لم توضعْ للتأكيدِ، وإنما هي مُدخلةٌ على الضميرِ المتصلِ؛ للمشاكلةِ بينهما، فلم تَقْوَ على المظهَرِ، ولم يُتجاوزْ بها المضمرُ؛ لضعفها في باب

стр. 508

التأكيد من حيثُ لم تُوضع له في الأصلِ. وتقول: مَرَرْتُ بك أًنْتً، على التأكيدِ، وكذلك: مَرَرْتُ به هو، ولا يجوز: مَرَرْتُ بزيدٍ هو؛ لما بينا من مخالفة التأكيد لحال المؤكدِ. والفرق بين الصفةِ والتأكيدِ أن الصفةَ لها معنى خلاف الموصوفِ، وليس كذلك التأكيدُ؛ لأنه بمنزلةِ التكريرِ، فالمعنى فيهما واحدٌ. ونظيرُ امتناعِ تأكيدِ المظهرِ بالمضمر امتناع تأكيد بالنكرةِ: بأجمعينَ؛ لأنه معرفةٌ يُؤكدُ به العمومٌ في المعرفةِ؛ وذلك أن المعرفةَ لا اشتراك فيها، فهي تَعُمُ من هذه الجهةِ على طريقِ اسمِ الجنسِ، أو الجماعةِ المعهودةِ، فهذا يدلُ على أن التأكيدَ له حدٌ لا يتجاوز فيهما. وتقول: مَرَرْتُ بالقومِ أجمعين، ولا يجوزُ: مَرَرْتُ بقومٍ أجمعينَ؛ (قوماً) نكرةٌ على ما بينا. وتقول: رأيتك إياك، ورأيته إياه، على البدل' ولا يجوز على التأكيد؛ لأن التأكيد يُرتبُ كما تُرتب الصفة، وليس كذلك البدل، والترتيبُ لا يكون إلا بعلامة وضعيةٍ في الأسماء، فأما ما يلي العاملَ؛ فمعلقٌ في الأسماءِ، لا يحتاج إلى

стр. 509

علامة في ذلك. وتقول: فعلت/٧٠ أأنت، وفعل هو، فيجوزُ على التأكيد، وعلى البدلِ؛ لأن العلامةَ واحدةٌ في المرفوعِ، وليس كذلك المنصوبُ والمجرور. ولا يجوزُ: مَرَرْتُ به وبزيدٍهما، على التأكيد، كما لا يجوزُ: مَرَرْتُ بزيدٍ وبه الظريفين، على الصفةِ؛ لأنك قد خلطتَ ما يصلُحُ أن يؤكدِ بالمضمر بما لا يَصلُحُ أن يؤكد به، كما خلطت ما يصلحُ أنْ يُوصف بما لا يَصلُحُ أن يُوصفَ، فامتنع التأكيدُ كما امتنعتْ الصفةُ.

стр. 510

بابُ البدلِ بالضميرِ الغرضُ فيه: أن يُبين ما يجوزُ في البدلِ بالضميرِ مما لا يجوزُ. مسائل هذا البابِ: ما الذي يجوزُ في البدلِ بالضمير؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولِمَ؟ . وملِمَ لا يجوزُ أن يجتمعَ البدلُ بالضميرِ مع التأكيدِ والفصلِ؟ وهل ذلك للاستغناء عنه بما هو أولى منه؟ . ولِمَ جازَ: رأيته إياه نفسه، على أن (إياهُ) بدلٌ، و (نفسه) تأكيدٌ، ولَمْ يَجُزْ على أنهما جميعاً تأكيدٌ؟ . ولِمَ جازَ: ضربتُه إياهُ قائماً، على البدلِ، ولم يجزْ: أظنه هو خيراً منك،

стр. 511

على البدلِ، ولا على التأكيدِ؛ ولكن على الفصلِ؟ . وهل يجوزُ: ضربته هو قائماً، على التأكيد؟ . وهل يَفْصِلُ ذلك المظهر في قولك: رأيتُ زيداً هو خيراً منك؛ لأنه لا يؤكد المظهر بالمضمر، فهو فَصْلٌ لا تأكيدٌ؟ . وما تأويل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾؟ [سبا: ٦] ولِمَ وجبَ أن (هُوَ) فيه فصلٌ، لا تأكيدُ، ولا بدلٌ؟ . ولِمَ قدرَ: رأيتهُ نَفسهُ، بقوله: رأيتُ الرجلَ زيداً نفسَه؟ وهل ذلك لِيُبينَ البدلَ من التأكيد؟ . ولِمَ لا يجوزُ: إنكَ أَنْتَ إياكَ خيرٌ منه، على أن أنتَ تأكيدٌ، وإياك بَدلٌ؟ . ولِمَ جازَ: إنك إياكَ خيرٌ منه؟ وهل يجوزُ: أظنه خيراً منه إياه، وإنك فيها إياكَ؟ ولِمَ جازَ؟ .

стр. 512

ولِمَ لا يجوزُ: أظُنه هُوَ إياه خيراً منك، وجازَ بأحدهما؟ . ولِمَ لا يجوزُ: أظنه هو هو أخاك، على أنَّ أحدهما تأكيدٌ، والآخرَ فصلٌ؟ فَلِمَ صارا متعاقبينِ، يجزئ أحدهما من الآخَرِ؟ . الجوابُ: ولِمَ يجوزُ: في البدلِ بالضميرِ إجراءُ المنصوبِ على المنصوبِ والمجرورِ؛ وذلك لأن البدلَ لابدَ من أن يكون تقديره أن يقعَ موقع الأولِ في مرتبتهِ من العاملِ وإلا خرج/٧٠ ب عن حدِ البدلِ، وليس كذلك التأكيدُ؛ لأن العاملَ إنما يَصِلُ إليه بعد المؤكَدِ، لا محال'، منْ غَيرِ أنْ يكون له موقِعُ المؤكَدِ لا محالة، من غيرِ أن يكون له موقعُ المؤكدِ، فالعاملُ يَعْمَلُ فيه وهو في موضعهِ، فصلحَ منْ أجلِ هذا أنْ يُحمل على تأويل الوضعِ، وإنْ خالف اللفظَ؛ لأنَ له ما يُقومُه في مرتبتهِ على لُزومِ ذلك فيه، فَلَمْ يُخِلَ به أن يَقعَ موقع غيره؛ للزوم المقوم له، وليس كذلك البدلُ؛ ولهذا حُميَ منْ أنْ يجتمعَ التأكيدُ والبدلُ؛ لئلا يتداخلَ باختلاطِ أحدهما بالآخرِ، فلا يظهرُ معنى العلةِ الصحيحةِ التي تفْرقُ بينهما؛ للُطفهما، فإذا جٌعلا على التعاقبِ كان أبينَ في الفرقِ بين علةِ كُلِ واحدٍ منهما، ولو جمعا لأوهم ذلك أنهما على طريقةٍ واحدةٍ في التأكيدِ والتقديرِ؛ للإجراء على الأولِ، وليس الأمر كذلك. وتقولُ: رأيتُه إياهُ نفسَهُ، فتأتي بقولك: إياهُ، على البدل، وتأتي بقولك:

стр. 513

نفسه، على التأكيد. ولا يجوزُ: رأيته إياه هُوَ، على أن يكون (إياهُ) بدلاً، و (هو) تأكيداً على قياس هذا؛ للعلة التي بينا منْ أنه يجبُ أنْ يجريا على التعاقبِ؛ حتى تظهرَ علةُ كلِ واحد منهما مع لأُطفها؛ إذ التعاقبُ أشدُ اقتضاءً لذلك من الاجتماعِ، مع أنه يصلُحُ أن يُستغنَى بضميرٍ عن ضميرٍ بما لا يصلُحُ أنْ يُستغنى بضميرٍ عن ظاهرٍ، فقد بان أن ما جازَ من قولهم: رأيته إياه نفسَه، لا يوجبُ جواز: رأيتُه إياه هوَ، على البدل والتأكيد. ولا يجوزُ في: رأيتُه إياهُ نفسه؛ أنْ يكونا جميعاً على التأكيدِ؛ لأنه يُجبُ اختلاط باب البدلِ ببابِ التأكيد في الضميرِ؛ إذ تأكيدِ الضميرِ المنصوب بعلامةِ المرفوعِ، والبدل منه بعلامة المنصوبِ، فلو كان تأكيداً لقيل: رأيته هوَ نَفسهُ، وكلُ ما أوجب تخليط الباب فهو فاسدٌ؛ لأن تخليط المعاني والعباراتِ الموضوعةِ للبيان عنها يُبطلُ إدراكها على حقيقتها، فواجبٌ أن تُميزَ العباراتُ كما واجبٌ أنْ تميزَ المعاني؛ لأن العبارة للبيان، والمعاني تُميز لصحةِ الإدراك، إلا أن منْ ذلك ما يدقُ ويجلُ، والدلائلُ عليه تُرتبه في مراتبهِ، وتمنع من التخليط فيه. وتقولُ: ضربُته إياهُ قائماً، على البدلِ، وضربتُه هو قائماً، /٧١ ب على التأكيد، ولا يجوز في (هُوَ) أنْ يكون فصلاً هاهنا كما يكونُ فصلاً في: أظنُهُ هُوَ خيراً منك.

стр. 514

والفرق بين التأكيد والفصلِ يكونُ مع المظهرِ والمضمرِ، كقولك: أظنُ زيداً هو خيراً منك، ولا يكونُ التأكيدُ إلا مع المضمرِ؛ لما بينا قبل في أحكامِ الضمير من موافقتهِ في البيانِ عن المتكلمِ والمخاطب والغائبِ على تلك الطريقةِ، ومخالفته للمظهر في هذا، فلم يَصلُحْ أنْ يكون تأكيداً للمظهرِ؛ إذ التأكيدُ يجري مجرى التكريرِ في موافقةِ معنى الثاني للأول، وهذا دليلُ واضح على أنه لا يجوزُ أن يؤكد المظهرُ بالمضمر، وأن قولك: أظنُ زيداً هو خيراً منك، لا يصلُحُ إلا على الفصلِ، وقولك: أظنه هو خيراً منك، يصلُحُ على الفصْلِ والتأكيد. وفي التنزيل: ولِمَ جاز: فهو في هذا فصلٌ، ولا يجوزُ أنْ يكون تأكيداً للمظهرِ على ما بينا قبلُ، ولا يكونُ -أيضاً- بدلاً؛ لأن ﴿الَّذِي أُنزِلَ﴾ في موضع نصبٍ، ولا تكون علامة المرفوعِ بدلاً من المنصوبِ. وتقديرُ: رأيته إياهُ نفسه، تقديرُ: رأيت الرجلَ زيداً نفسه، في أن الأول بدلٌ، والثاني توكيدٌ. ويجوزُ: إنك أنتَ خيرٌ منه، على التأكيدِ والفصلِ. ويجوزُ: إنك أنت إياك خيرٌ منه، على الجميعِ بين التأكيد والبدلِ؛ لأن أحدهما يكفي من الآخرِ على طريقِ الاستغناءِ عن الشيء بما هو أولى منه؛ لِتَظْهرَ

стр. 515

عِلةُ كُلّ واحد منهما، ولا يكونُ بمنزلةِ تكرير المضمر. ويجوزُ: أظنه خيراً منه إياه، على البدلِ، وإنك فيها إياك، على البدلِ، ولا يجوز أن يقعَ الفصلُ هذا الموقعِ. ولا يجوزُ: أظنهُ هوَ إياهُ خيراً مِنْكَ، على الجمعِ بين الفصلِ والبدلِ، ولا أظنه هُوَ هُوَ أخالك، على الجمعِ بين الفصلِ والتأكيد؛ للاستغناءِ عنْ أحدهما بالآخرِ الذي هو أولى من الجمعِ الموهمِ للفساد، فأحد الضميرين يكفي من الآخرِ، فلا يجتمع الفصلُ والتأكيدُ، ولا البدلُ والتأكيدُ، ولا البدلُ والفصلُ، والعلةٌ في جميع ذلك واحدةٌ في أن أحدهما يكفي من الآخرِ، مع ما في الجمعِ منْ إيهامِ الفسادِ.

стр. 516

/٧١ بابُ علامةِ الإضمارِ التي تكونُ فَصْلاً [الغرضُ فيه: أن يُبين ما يجوزُ في الإضمارِ التي تكونُ فصلاً] مما لا يجوزُ. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوزُ في علامة الإضمارِ التي تكونُ فَصْلاً؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولِمَ ذلك؟ . ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكون الفصلُ إلا بين معرفتين، أو ما قاربَ المعرفةَ من النكرة؟ . ولَمَ لا يكونُ الفصلُ إلا بعلامة المرفوعِ؟ وهل ذلك لأن المرفوع هو الأول والأحقُ بالتصريف في الوجوهِ؟ ولَمِ لا يكونُ الفَصْلُ إلا بينَ الاسمِ والخبرِ، دونَ الحالِ وغيرهِ من أقسامِ الكلام؟ .

стр. 517

وما معنى الفصلِ الذي لأجلهِ دخل في الكلامِ؟ وهل هو ليؤذِنَ بأن المذكورَ بعده للفائدةِ على طريقِ مُعتمدِ الفائدة؟ . ولِمَ جازَ الفَصْلُ في: حَسِبْتُ وأخواتها، وفي: جَعَلْتُ، ولِمْ يَجُزْ في: ضربتُ وما جرى مجراها؟ ولم جاز الفصلُ في: كان وأخواتها، وفي: إن وأخواتها؟ . ولِمَ جاز: حَسِبْتُ زيداً هُوَ خيراً منكَ، ولمْ يَجُزْ: حَسِبْتُ زيداً هو قائماً؟ ولِمَ جاز: كان عبد اللهِ هو الظريفَ، ولَمْ يَجُزْ: كان عبدُ اللهِ هو ظريفاً؟ . وما الشاهدُ في قول اللهِ جلَ وعزَّ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ ؟ [سبا: ٦] ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ (هُوَ) تأكيداً في هذا الموضِع؟ .

стр. 518

وما الفرق بين التأكيد والفصلِ؟ وهل ذلك لأن الفصلَ يُؤْذِنُ بان الذي بعده مُعتمدُ الفائدةِ، والتأكيدُ بمنزلةِ التكريرِ؟ . وهل يَلْزَمُ من زعم أنه تأكيدُ أن يُجيزَ: مَرَرْتُ بعبد اللهِ هو نفسِه، وإنْ كان زيدٌ لَهُوَ الظريفَ، وإنْ كُنا لَنَحْنُ الصالحين؟ . ولِمَ لا تدخُلُ لامُ الابتداء على (هو) إذا كان تأكيداً، وتدخلُ عليه إذا كان فصْلاً؟ وهل ذلك لئلا يُجمع بين تأكيدينِ في موضعٍ واحدٍ؛ لأنه يجري مجرى الجمع بين اللام وإن في التأكيد بحرفينِ قد جُمعا في موضعٍ واحدٍ؟ . وما الشاهد في قول الله جل وعز ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [أل عمران: ١٨٠]؟ ولِمَ حُذِفَ: البُخْلُ؟ وما دليله؟ وما نظيرُه من كلامِ العربِ؟ .

стр. 519

ولِم جاز الفصل بين المبتدأ والخبر؟ . وما تأويلُ: ﴿إن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلداً﴾ [الكهف: ٣٩]؟ ولِمَ جاز في: (أنا) أنْ يكون فصلا وتأكيداً في هذا الموضعِ، وكذلك في: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً/٧٢ أوأَعْظَمَ أَجراً﴾ [المزمل: ٢٠]؟ . وهل يجوزُ أن تُجْعلَ (هو) وأخواتها في مِثلِ هذه المواضع اسماً مبتدأ؟ . وما الفرق بين ذلك وبين أنْ يكونَ فصلاً؟ . وما الشاهدُ في قولِ رُؤْيةَ: أظُنُ زيداً هُوَ خيرٌ مِنْكَ، وما حكاه عيسى عن كثيرٍ من العربِ أنهم يقولون: ﴿وَمَا ظَلَمنَاهُم وَلَكن كَانُوا هُمُ الظالمونَ﴾؟ . وما الشاهد في قولِ قيسِ بن ذَريحٍ:

стр. 520

تُبَكِي على لُبنى وأنت تركتها ... وكنتَ عليها بالملا أنتَ أقدرُ وماحكاه أبو عمر ومن قولهم: إنْ كانَ لَهُوَ العاقلُ؟ . وكمْ وجهاً يحتملُ قولهم: ((كلُ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ، حتى يكون أبواهُ هما اللذانِ يُهودانهِ، أو يُنصرانهِ))؟ ولِمَ جازَ فيه ثلاثةُ أوجهٍ: وجهان في الرفعِ، ووجه في النصبِ؟ ولمَ جاز على الإضمارِ في: يكون، وعلى رفعِ الأبوينِ بهِ؟ . وما الشاهدُ في قولِ رجلٍ من بني عَبْسٍ: إذا [ما] المرءُ كان أبوهُ عَبْسٌ ... فحسبُكَ ما تريدُ إلى الكلامِ

стр. 521

وقول الآخرِ: متى ما يٌفدْ كسباً يَكُنْ كُلُ كسبهِ لهُ مطعمٌ منْ صدرِ يومٍ ومأكلُ؟ وما حُكمُ: كانَ زيدٌ أنتَ خيرٌ منه؟ ولِمَ لا يجوزُ في (أَنْتَ) أنْ يكونَ فصلاً هاهنا؟ وهل ذلك لأن الفصلَ يصلُحُ أنْ يسقط من الكلامِ، ولا يتغيرُ المعنى إلا بمقدارِ الإيذانِ بموضعِ الفائدة، ولو سقطَ (أَنْتَ) من هذا الكلامِ؛ لا نْقَلَبَ المعنى، وكذلك: كنتَ يومئذٍ أنا خيرٌ منكَ، أو كُنت يومئذٍ هو خيرٌ منك، فجميعُ هذا لا يجوزُ إلا بالرفعِ؟ . وما حُكمُ: هذا عبد اللهِ هو خيرٌ منكَ، وما شأن عبدِ اللهِ هو خيرٌ منك؟ ولِمَ لا يجوزٌ في (هُوَ) هاهنا أنْ يكون فصلاً؟ وهل ذلك لأنه أتى بعد تماِ كما تأتي الحالُ؟ . الجواب: الذي يجوزُ في علامةِ الإضمارِ الذي يكونُ فصْلاً أنْ يكونَ علامةَ المرفوعِ المنْفَصِلِ. ولا يجوزُ أن يكونَ علامةَ المنصوبِ؛ لأن المرفوعَ هو الأصلُ بأن الرفعَ هو أولٌ، فهو أحقُ بأنْ يتصرفَ في الوجوهِ من علامةِ المنصُوبِ.

стр. 522

ولا يجوزُ أنْ يكونَ الفصلُ إلا بين معرفتينِ أو ما قاربَ المعرفةَ من النكرةِ؛ لأنه للإيذانِ بأنَ الذي بعده مُعتمدُ الفائدةِ [لا] على جهةِ الصفةِ/ ٧٢ ب ولا غيرِ ذلك، فيُحتاجُ إليه في المعرفةِ؛ ليؤذنَ بمعتمدِ الفائدةِ، وليس كذلك النكرةُ المجردةُ. ومعنى الفصلِ: قطْعُ ما بعده عن أن يكونَ من الاسمِ الذي قبله على جهةِ الصفةِ فيفصلُ مُعْتمد الفائدة من الصفةِ. ولا يصلُحُ الفصلُ إلا بين الاسم والخبرِ؛ لِيُؤْذِنَ بمعتمدِ الفائدةِ، فيجوزُ الفصلُ على هذا في: حسبتُ وأخواتها، وفي: كانَ وأخواتها، وفي إن وأخواتها، وفي الابتداءِ والخبرِ؛ لأن جميعَ ذلك يصلُحُ فيه معتمدُ الفائدةِ. ولا يجوزُ في: (ضربتُ) وما جرى مجراها؛ لأنه لا يُذْكَرُ بعدها معتمد الفائدةِ. وتقولُ: حسبتُ زيداً هُوَ خيراً مِنْكَ، ولا يجوزُ: حسبتُ زيداً هو قائماً؛ لأنَّ

стр. 523

(قائماً) نكرةُ مجردةٌ مخلصةٌ لمعنى النكرةِ؛ إذ يصلُحُ فيها الألف واللامُ، وليس كذلك: خيرٌ منكُ، ومثلُك، وشبهُك، وحسبُك، وغيرك، وما جرى هذا المجرى مما لا يدخله الألف واللام. وتقولُ: كان عبدالله هو الظريف، ولا يجوزُ: كان عبد الله ظريفاً؛ لأنه نكرةٌ محضةٌ. وفي التنزيل: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، فهذا للفصلِ، وقد يقع بين معرفتين. ولا يجوز أن يكون تأكيداً في هذا الموضعِ، لأن الظاهر لا ي﴾ كد بالمضمر؛ لمخالفةِ المضمرِ له في دلالته على المتكلمِ من المخاطبِ والغائبِ، ولنه لو كان تأكيداً؛ لمخالفةِ المضمرِ له في دلالته على المتكلمِ من المخاطب والغائب، ولأنه لو كان تأكيداً؛ للزم عليه فسادٌ كثيرٌ في القياس، وما لا تكلم به العربُ، فكان يجوزٌ: مررتُ بعبدِ الله هو نفسهِ، وإن كان زيدٌ لهُوَ الظريفَ، وإنْ كنا لنحن الصالحين، وهذا كلع خطأٌ، لا تكلمُ به العربُ على هذا الوجه، ولا يجوزٌ في القياسِ لما بينا، ولو كان (هو) تأكيداً؛ لم يجتمع مع لام التأكيد كما لا يجتمع مع (إن) التي للتأكيدِ، لا تقول:

стр. 524

لئن زيداً منطلقٌ، وإنما تقولُ: إنَ زيداً لمنطلقٌ، فتؤخرُ اللام إلى الخبر. وفي التنزيل: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَّهُمْ﴾ [أل عمران: ١٨٠]، وتقديره: البُخل هو خيراً لهم، فحُذف البُخل؛ لدلالةِ: يبخلون، عليه، كما تقولُ العربُ: من كذب كان شراً له، فتضمرُ: الكذبَ؛ لدلالةِ (كذب) عليه. وفي التنزيل: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالاً وَوَلَداً﴾ [الكهف: ٣٩]، فيجوز في (أنا) -هاهنا-/٧٣ أأن يكون فصلاً وتأكيدا على الأصول الصحيحةِ. وكذلك: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠]. وكلُ موقع للفصلِ إذا جعل اسما مبتدأً؛ رُفِعَ ما بعده، وإن جُعِلَ فصلاً؛ تخطاهُ العاملُ إلى ما بعده. وقد سُمِعَ من رُؤْبةَ: أظنُ زيداً هو خيرٌ منكَ، فهذا على الاسم المبتدأ،

стр. 525

وحكى عيسى عن كثير من العرب أنهم يقولون: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] فهذا على الاسم المبتدأ، وهو قراءتنا على الفصلِ ﴿وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦]. وقال قيس بنُ ذريحٍ: تُبَكِى على لبنى وأنتَ تركتها وكنتَ عليها بالملا أنت أقدَرُ فهذا على الاسمِ المبتدأ. وحكى أبو عمرو: إن كان لهو العاقل، فهذا على الاسم المبتدأ. وأما قولٌهم ((كلُ مولودٍ يُولدُ على الفطرةِ، حتى يكون أبواه هما اللذانِ يُهودانهِ، أو يُنصرانهِ))؛ ففيه ثلاثةُ أوجهٍ: وجهانِ في الرفعِ، ووجه في النصبِ. فأحد وجهي الرفعِ: الإضمارُ في: يكون، والابتداءُ بقولك: أبواه. والوجهٌ الآخرُ: أن يكونَ (أبواهُ) مرفوعين بيكون، و (هما) مبتدأٌ، خبرُهما (اللذان) بصلته. وأما النصبُ فعلى أنْ يكونَ (أبواه) اسم: يكون، و (هُما) فصلاً، و (اللذين) خبرَ: يكون، فهذه ثلاثةُ أوجهٍ. وقال رجلٌ من بني عبسٍ:

стр. 526

إذا ما المرءُ كانَ أبُوهُ عبسٌ ... فحسبُكَ ما تريدُ إلى الكلامِ فهذا على الإضمارِ في: كان. وقال الآخرُ: متى ما يُفدْ كسباً يكنْ كلُ كسبهِ ... له طعمٌ من صدر يومٍ ومأكلُ فهذا على إعمال يكُنْ فيما بعده. يتلوه-إن شاء اللهُ- في الجزءِ الذي يليهِ: وتقولٌ: كان زيدٌ أنْتَ خيرٌ مِنْهُ.

стр. 527

/٧٤ الجزءُ الحادي والثلاثون من شرحِ كتاب سيبويهِ، إملاء أبي الحسنِ علي بنِ عيسى النحويِّ /٧٤ ب بسم الله الرحمن الرحيم. [وتقولُ]: كان زيدٌ أنتَ خيرٌ منه، فهذا على الاسمِ المبتدأ، ولا يجوزُ أنْ يكون-هاهنا- فَصْلاً؛ لأن الفصل دخوله كخروجهِ في المعنى إلا بمقدارِ الإيذانِ بمعتمدِ الفائدةِ التي تفصلُه من الصفةِ، وهذا لو سقطتْ فيه (أنْتَ)؛ لا نقلبَ المعنى. وكذلك: كُنتَ يومئذٍ أنا خيرٌ منك، وكنتَ يومئذ هو خيرٌ منكَ، فجميعُ هذا لا يجوزُ إلا بالرفعِ. وتقولُ: هذا عبدُ الله هو خيرٌ منك، وما شأن عبدِ اللهِ هو خيرٌ منك، ولا يجوز أن يكون (هو) غصلاً هاهنا؛ لأنها بعد تمامِ الكلامِ، والفصلُ يؤذِنُ بمُعتمدِ الفائدةِ قبل التمام، فهذا كالحالِ التي هي فضلةٌ في الكلامِ.

стр. 528

باب ما يمتنع فيه الفصل الغرض فيه: أن يُبين ما يجوزُ فيما يمتنعُ فيه الفَصْلُ مما لا يمتنعُ. مسائل هذا الباب: ما الذي يجوزُ فيه الفصلُ؟ وما الذي لا يجوزٌ: ولِمَ ذلك؟ . ولم لا يجوزُ الفصلُ في النكرةِ، ولا الحالِ، ولا المفعولِ الذي ليس بخبرً؟ . وما حُكْمُ: ما أظنُ أحداً هو خيرٌ منك؟ ولِمَ لا يجوزُ أنْ يكونَ (هو) فصلاً في هذا الموضعِ، ولا: ما أجملُ أحداً هو أفضلُ منك؟ . وما نظيره من امتناعِ التأكيدِ به نكرةً، ومن أنَّ: كلهم، وأجمعينَ؛ لا ي﴾ كدُ به نكرةٌ؟ .

стр. 529

وما وجهُ قراءة ابن مروان: ﴿هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؟ ولِمَ لحنه أبو عمرو؟ وهل ذلك لأنه جعل الفصلَ في الحالِ؟ . ولِمَ وَجَبَ في الفصلِ أنْ يكونَ حرفاً؟ وهل ذلك لأنه لو كان اسماً في هذا الموقعِ؛ احتاجَ إلي خبرٍ، ولكانَ لابُد أنْ يَعْملَ فيه عاملٌ؟ . وما نظيرُها من الاشتراكِ في الاسمِ والحرفِ؟ . ولِمَ [لا] يجوزُ: رجلٌ خيرٌ منك، ولا: أظنُ رجُلاً خيراً منك؟ وما في هذا مما يدلُ على امتناعِ الفصلِ؟ وهل ذلك لأنه إذا لك يَجُزْ في الأصلِ الذي هو الإثباتُ؛ اقتضى ألا يجوزَ في الفرعِ الذي هو النفيُ؛ لأنه للإيذانِ بِمُعْتمدِ الفائدةِ، وهذا يقتضي أنْ يدْخُلَ فيما هو أحقُ بالتكميلِ والتحقيقِ، وليس كذلك الإخبارُ بالنكرةِ عن النكرةِ؟ .

стр. 530

الجوابُ: الذي/٧٥ أيجوزُ فيما يمتنعُ فيه الفصلُ أنْ يكونَ ذلك في النكرةِ من الاسمِ والخبرِ؛ لأن الفصلَ للإيذان بمعتمد الفائدة الذي بفصلُها من الصفةِ، وهذا يصلُحُ في المعرفةِ دون النكرةِ؛ لأن النكرةَ لا تكونُ صِفةً للمعرفةِ. ولا يجوزُ أنْ يكون الفصلُ في الحالِ؛ لأنها نكرةٌ، ولا في المفعولِ الذي ليس بخبرٍ؛ لأنه للبيان، لا للفائدةِ. ولا فيما جاء بعدَ تمام الكمال؛ لأنه ليس بمعْتمدِ الفائدةِ، وإنما الفصلُ للإيذانِ بمعتمد الفائدةِ. وتقولُ: ما أظنُّ أحداً هو خيرٌ منك، فيكونُ (هو) اسماً مبتدأً، ولا يجوزُ أنْ يكونَ فصْلاً هنا؛ لجلِ أن الاسمَ نكرةٌ، وكذلك: ما أجْعَلُ أحداً هو أفضلُ منك. ونظيرُه من امتناعِ التأكيدِ بكلهم، وأجمعينِ، إلا معرفةً. فأما قراءةُ ابن مروانَ: ﴿هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨]؛ فخطأٌ عِنْدَ سائر النحويينَ، وقال أبو عمرو بنُ العلاءِ: ((احتبى ابنُ مروانُ في لَحنهِ في هذه
следующие страницы →