Полный текст (908 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
بابُ أيٍّ [في] الاستفهامِ عن نكرةٍ مذكورةٍ
الغرضُ فيه:
أن يُبينَ ما يجوزُ في أيٍّ التي يُستَفهَمُ بها عن نكرةٍ مذكورةٍ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
/٨١ ب ما الذي يجوزُ في أيٍّ التي يُستَفْهَمُ بها عن نكرة مذكورةٍ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا تجوزُ فيها الحكايةُ إلا إذا استُفهمَ بها عن نكرةٍ مذكورةٍ؟ وهل ذلك للإيذانِ بأنَّه قد ذُكرتْ نكرةٌ يحتاج إلى عملها, وهي أحقُّ بالحكايةِ من المعرفةِ؛ لأنَّ المعرفةَ تُنبئ عن الشيءِ بعينه, وليس كذلك النكرةُ, فهي يُحتاجُ فيها إلى الإشعارِ بأنَّ المستفهمَ عنه هو الذي ذُكر لا غيرُه؛ إذْ كان الاشتراكُ فيها واقعاً؟ .
وما الاستفهامُ بأيٍّ لمنْ قال: رأيتُ رجلاً؟ ولمَ جاز فيه: أياً؟ وفي التثنيةِ إذا قال: رأيتُ رجلينِ؛ قُلتَ: أيينِ؟ , وفي الجمعِ إذا قال: رأيتُ رجالاً؛ قلتَ: أيينَ؟ .
ولمَ إذا ألحقتَ: يا فتى, فهي على حالها في الحكايةِ والزيادةِ؟ وهل ذلك لأنَّها مُعربةٌ تقتضي من البيانِ بها ما لا يقتضيه المبنيُّ؟ .
стр. 562
وما الاستفهامُ بأيِّ لمنْ قال: رأيتُ امرأةً؟ ولمَ جاز فيه: أيةً يا فتى؟ وفي التثْنيةِ إذا قال: رأيتُ امرأتينِ؛ قلتَ: أيَّتينِ يا فتى؟ وفي الجمعِ إذا قال: رأيتُ نسوةً؛ قلتَ: أيَّاتٍ يا فتى؟ فلمَ وجبَ أنْ يتبعَ في إعرابه النكرةَ المذكورةَ, وفي تثنيتهِ وجمعِهِ؟ وهل ذلك لأنَّه على الحكايةِ, ولو استأنفَ الاستفهامَ لم يَجُزْ ذلك؟ .
وما الاستفهامُ بأيٍّ إذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ, أو قال: مررتُ بعبدِ اللهِ؟ ولمَ وجبَ فيه الرفعُ, كقولك: أيُّ عبدُ اللهِ؟ وهل ذلك لأنَّ المعرفةَ مُكتفيةٌ بالبيانِ الذي فيها عن الحكايةِ, فيُستأنفُ الاستفهامُ على أصلِهِ, لأنه ليس فيه إبهامُ أن المُستفهم عنه غيرُ المذكور, وعلى هذا القياسِ إذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ؛ قُلت: من عبدُ اللهِ؟ , ولم تقُلْ: منا؟ .
стр. 563
بابُ مَنْ في الاستفهامِ عن نكرةٍ مذكورةٍ
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في الاستفهامِ [بِمنْ] عن نكرةٍ مذكورةٍ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الاستفهامِ [بِمنْ] عن نكرةٍ مذكورةٍ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ الاستفهامُ (بِمَنْ) عن المعرفةِ على /٨٢ أطريقةِ الاستفهامِ عن نكرةٍ في الزيادةِ؟ .
ولمَ كانت النَّكرَةُ أحقَّ بالزيادةِ من المعرفةِ؟ وهل ذلك لتُؤْذِنَ الزيادةُ بأنَّ المُستفهمَ عنه ذلك المذكورُ, والمعرفةُ تكتفي ببيانِها عن الزيادةِ, وإنْ كانَ قَدْ يَعرضُ فيها التنكيرُ الذي لا يُعْتَدُّ به؛ لأنه عارضٌ؟ .
وما الاستفهامُ إذا قال القائلُ: رأيتُ رجُلينِ؟ [ولمَ جَاز فيه]: منينِ؟ . وفي أتاني رجُلانِ: مَنانِ؟ , وفي رأيتُ رجالاً: منينَ؟ , وفي رأيتُ امرأةً: مَنَهْ؟ , وفي رأيتُ امرأتينِ: منتينِ؟ .
стр. 564
ولمَ سُكنَت النونُ في: منتين؟ ومنتان؟ في التثنيةِ, وحُركتْ في الواحدِ من قولك: [منه]؟ وهل ذلك للإيذان بأنَّ العلامةَ في الوصلِ تسقطُ, فجاءتْ علامةٌ في حشوِ الكلامِ لا يلزمُ سقوطُها كما يلزمُ سقُوطُها من آخر الكلمةِ؛ لتُنبئ [عن] التأنيثِ, فبُنيتْ لهذه العلةِ بناء بنتٍ, وأختٍ, وخرجتْ عن طريقةِ هاءِ التأنيثِ؟ .
وما الاستفهامُ إذا قالَ: رأيتُ نساءً؟ ولمَ جاز: مَنَاتٍ؟ .
وما الاستفهامُ بمن إذا قال: أتاني رجلٌ؟ ولمَ جاز: منُو؟ وفي رأيتُ رجلاً: منا؟ وفي مررتُ برجُلٍ: مني؟ ولمَ لحقتْ هذه الزيادةُ [مَنْ] , ولمَ تلحقْ: أيّ؟ وهل ذلك لأنَّ أيّاً تستغني بالإعرابِ عن هذه الزيادةِ التي هي حروف المدِّ واللين, وكان الوقفُ عليها كالوقفِ على: زيدٍ, وعمروٍ, (تقول: أيّاً, في النصب) , وأيُّ, في الرفعِ والجر كما تقولُ: زيدٌ ٍ؟ .
стр. 565
ولم وجبَ إسقاطُ العلامةِ في (مَنْ) في الوصلِ, فلا يثبتُ شيءٌ من هذه الزياداتِ للإعرابِ, ولا للتثنيةِ والجمعِ, ولا للتأنيثِ, ولكن تقولُ: مَنْ يا فتى؟ في جميعِ ذلك؟ وهل ذلك لأن الوصلَ قد أخرجهُ عن محضِ الحكايةِ, وصار بمنزلةِ الاستفهام المُستأنفِ, مع أنَّ [منْ] مبنيةٌ لا يجبُ لها ما يجبُ للمُتمكنِ من التصرفِ في وجوهِ البيانِ باختلافِ العلاماتِ كما يجبُ لأيِّ في الوصلِ والوقفِ؛ فلذلك قُلتَ: أيهٌ يا فتى؟ وأيَّتان؟ وأيَّاتٌ؟ في الوصلِ, ولمْ يجُز مثلُ ذلك في: من؟ .
ولمَ جاز في مذهبِ بعض العربَ: منا, ومني, ومنو؟ في الواحدِ, والاثنين, والجميع؟ وهل ذلك للاجتزاء بعلامةِ الإعرابِ في الدلالةِ على الحكايةِ؛ إذ كانت (من) تصلحُ للواحدِ, والأثنين, والجميعِ على صيغةٍ واحدةٍ كما جاء في التنزيل: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] , وفي موضعٍ آخر: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] , فمرةً تُحملُ على اللفظ, ومرةً على المعنى, ومن ثنى وجمع؛ كان مذهبُه أحسنَ؛ لأنه أدلُّ وأشكلُ على أن الاستفهام
стр. 566
عن النكرةِ المذكورةِ؟
وما قياسُ أيٍّ على هذا المذهبِ في تركِ علامةِ التثنيةِ والجمعِ؟ ولمَ استوتْ حالُ: أيٍّ ومن, فيه؟ وهل العلةُ في ذلك واحدةٌ, وهي الاجتزاءُ بعلامةِ الإعرابِ في الدليل على الحكايةِ؟ .
وما وجهُ مذهبِ يونسَ في قوله: منةٌ يا فتى, ومنةً, ومنةٍ؟ . وهل ذلك لأنه قاسهُ على أيٍّ؟ ولم استبعدَ هذا سيبويه, ولم يُجزه إلا في الضرورةِ؟ .
وما الشاهدُ في قول الشاعرِ:
(/٨٢ ب أتوا ناري فقُلتُ منونَ أنتُم ... فقالوا الجنُّ قُلتُ عمُوا ظلاما؟ )
стр. 567
وما وجهُ ما حكاه يونسُ عن بعض العربِ: ضربَ منٌ مناً؟ ولمَ أنكَرَ هذا سيبويهِ, وقال: لا يستعملُه أكثرُ العربِ؟ .
وهل يلزمُ من قالَ هذا ألا يُجيزَ: منُو, ومنا, ومني, ولكن يجعلُهُ كأيٍّ في الوقفِ؟
وما الاستفهامُ إذا قال: رأيتُ امرأةً ورجلاً؟ ولمَ جاز: من ومنا, فإن قال: رأيتُ رجلاً وامرأةً؛ قُلتَ: من ومنه؟ .
стр. 568
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي يجوزُ في [أيٍّ] التي يُستفهمُ بها عن نكرةٍ مذكورةٍ إعرابُها بإعرابِ تلك النكرةِ؛ للإيذانِ بأن الاستفهامَ عنها, لا عن ما يُشاركها في اسمها.
ولا تجوزُ الحكايةُ إلا عن النكرةِ المذكورةِ, لاستحالةِ الحكاية لما لم يُذكر, مع الحاجةِ إلى الإيذانِ بأن المُستفهمَ عنه هو هذا المذكورُ, دون ما يشاركُه في اسمه.
والاستفهامُ بأيٍّ لمن قال: رأيتُ رجلاً, أن تقولَ: أياً؟ , وفي التثنيةِ إذا قال: رأيتُ رجُلينِ؛ قُلتَ: أيينِ؟ , وفي الجمعِ إذا قال: رأيتُ رجالاً؛ قلتَ: أيِّينَ؟ .
وإن ألحقتَ: يا فتى؛ فهي على حالها في طريقةِ الحكايةِ؛ لأنها مُعربةٌ يجبُ فيها من البيانِ ما لا يجبُ في المبنى.
والاستفهامُ لمن قال: رأيتُ امرأةً, بأيٍّ أن تقولَ: أيةً يا فتى؟ , وفي التثنيةِ لمن قال: رأيتُ امرأتين, قُلت: أيَّتين يا فتى؟ وفي الجمع لمن قال: رأيتُ نِسوةً؛ قُلتَ: أيَّاتٍ يا فتى؟ .
فهذا كُلُّهُ على الحكايةِ لما ذُكرَ.
стр. 569
ولو استُؤنف الاستفهامُ لم يجُز ذلك؛ لأن (أياً) موحدةٌ في غير هذا الموضعِ, فلو قال: أيُّ القومِ جاء؟ , فقال الجيبُ: إخوتُك, بالجمعِ؛ لكان جواباً صحيحاً, وإن كنت (أيُّ) موحدةً؛ لأنها تجري مجرى (من) في الإبهامِ وتضمُّنِ حرف الاستفهامِ, وإن كانت بما تقتضي من التفصيل أقل إبهاماً مِن: مَن؛ وذلك أنَّ الإبهامَ يتعاظمُ, فأشدُّ الإبهامِ إبهامُ الحرفِ, ثُمّ الاسمِ الناقصِ الذي لا /٨٣ أيقومُ بنفسهِ دونَ صلتهِ من غير اقتضاءِ تفصيلٍ في معناه كالذي, ومن الموصولةِ, ثُمّ ما اقتضى تفصيلاً في معناه, مع أنه موصولٌ, وهو أيٍّ, ففيها إبهامٌ إلا أنه أقلُّ مما في من؛ لما بيَّنا.
والاستفهامُ بأيٍّ إذا قلتَ: رأيتُ عبدَ اللهِ, أو قال: مررتُ بعبد الله, أن تقولَ: أيٌّ عبدُ اللهِ؟ , فتستأنفُ الاستفهامَ؛ لاستغناء المعرفةِ عن الحكايةِ, مع أن أياً مُعربةٌ تقتضي الاستئنافَ وبناءَ خبرها عليها على طريقةِ سائر الأخبارِ فيما الثاني فيه هو الأولُ.
وعلى ذلك تقولُ: مَن عبدُ اللهِ؟ , ولا يجوزُ: منا؛ لأنَّ هذه العلامةَ تدلُّ على النكرةِ.
стр. 570
الجوابُ عن الباب الثاني:
الذي يجوزُ في الاستفهامِ بمن عن نكرةٍ مذكورةٍ إلحاقُ علامةٍ تُؤذنُ بأنَّ الاستفهامَ عن النكرةِ المذكورةِ خاصةً, لا عن ما شاركها في اسمها, فإذا ذكرَ مرفوعاً؛ كانت علامتهُ الواوَ, وفي المنصوبِ الألفُ, وفي المجرورِ الياءُ؛ ليُؤذنَ ذلك بالحكايةِ التي تدلُّ على أن الاستفهامَ عن النكرةِ المذكورةِ.
وكانت حروفُ المد واللينِ أولى من حركاتِ الإعرابِ؛ لئلا يُوهمَ أنه لـ (من) بحقِّ الإعرابِ, وإنما تلحقُ العلامةُ؛ للإيذانِ بالحكايةِ على ما بينا, لا على حقِّ الإعرابِ.
والاستفهامُ بمن إذا قال القائلُ: رأيتُ رجلينِ, أن تقولَ: منينِ؟ , وفي أتاني رجُلانِ: منان؟ , وفي رأيتُ رجالاً: منينَ؟ , وفي رأيتُ امرأةً: منه؟ , وفي رأيتُ امرأتينِ: منتينِ؟ بسُكونِ النونِ؛ لئلا يخالفَ الأصولَ في إثباتِ العلامةِ في الوصل, مع الدليلِ على أنه للتأنيثِ من جهةِ أن المذكرَ: منينِ؟ , والمؤنثَ: منتينِ؟ كما تدُلُّ (بنتٌ) على أنه للمؤنثِ باختصاصه به؛ إذ المذكرُ: ابنٌ, فجمع البيانَ عن التأنيثِ والسلامةَ من مُخالفةِ الأصُولِ بأن بُنيَ بُنيَةَ ما هو من نفسِ الكلمةِ, على
стр. 571
قياسِ: بنتٍ, وأختٍ.
والاستفهامُ إذا قال: رأيتُ/ ٨٣ ب نساءً, أن تقولَ: مناتٍ؟ , فإن قال: أتاني رجلٌ؛ قُلتَ: منُوْ؟ , وإن قال: رأيت رجلاً؛ قُلتَ: منا؟ , وإن قال: مررتُ برجُلٍ؛ قُلتَ: مني؟ .
فإن وصلتَ أسقطتَ العلامات, فقلتَ: من يا فتي؟ ؛ لما بيَّنا قبلُ.
وتقولُ: أيَّهٌ يا فتى؟ , فلا تُسقطُ العلامةَ كما تُسقطُها من: منه؟ إذا قُلتَ: من يا فتي؟ , لأنَّ أياً معربٌ يستحقُّ البيانَ في الوصلِ والوقفِ على قياسِ المُعرباتِ, وليس كذلك: من.
وبعضُ العربِ يقولُ: منا, ومني, ومنُو؟ في الواحد, والاثنينِ, والجمعِ؛ لأن الزيادةَ التي لحقتْ إنما هي للإيذانِ بأنَّ الاستفهامَ عن النكرةِ المذكورةِ, فإذا وافقتها في وجهِ الإعرابِ, دلَّتْ على ذلك, واستُغني عن زيادةٍ أخرى, وأُجريت (من) في التثنيةِ والجمعِ على قياسِ ما تُجرى عليه في سائر الكلام.
стр. 572
ومن ألحقَ علامةَ التَّثنيةِ والجمعِ فمذهبُه أحسنُ؛ لأنَّها أدَلُّ على الحكايةِ بتمامِ الموافقةِ في الوجهينِ: من الإعرابِ, وعلامة التثنيةِ والجمعِ, وهي -مع ذلك- أشَدًّ مشاكلةً لما قُصدَ به الحكايةُ, فكان ذلك أحسنَ؛ لهذه العلةِ, والمذهبُ الأولُ حسنٌ أيضاً؛ لما بيَّنا قبلُ.
وقياسُ (أيٍّ) في المذهبِ الأول التسويةُ بينهما وبين (من) في إسقاطِ علامةِ التثنيةِ والجمعِ؛ لأن المُوافقةَ في الإعرابِ تكفي في الدليلِ على الحكايةِ, فالعلةُ فيهما واحدة؛ إذ كان إنَّما هو مبنيٌّ على أقلِّ ما يكون الدليلُ على الحكايةِ, فعلى هذه العلةِ لا بُدَّ من إسقاطِ علامة الجمعِ والتثنيةِ.
ووجه مذهبِ يونُس في قوله: منةٌ يا فتى؟ ومنةً؟ ومنةٍ؟ في الوَصلِ؛ قياسُه على أيٍّ.
وسيبويهِ يستبعدُ هذا القياسَ؛ لما بيَّنا قبلُ من إعرابِ: أيٍّ, وبناءِ: من, ولكن يجوزُ في الضرورةِ كما قال الشاعرُ:
(أتَوا نَاري فقُلتُ منون أنتم ... فقالوا الجنُّ قُلتُ عموا ظلاما.)
فهذا في الضرورةِ, ولو كان في الكلام /٨٤ ألوجَبَ: من أنتم؟ .
وحكى يونُسُ أنَّه سمعَ بعض العربِ يقولُ: ضرب منٌ مناً؟ , كأنَّه قالَ: ضربَ رجلٌ رجلاً, فاستفهَمَه على هذه الجهةِ من طلبَ الحكايةَ, فقال: ضربَ,
стр. 573
حاكياً لكلامه, ثُمَّ أعرب (من) على حكايةِ النكرةِ.
وأنكرَ سيبويه هذا المذهبَ, وقال: لا يستعملُه أكثرُ العربِ, وهو ضعيفٌ في القياسِ على ما بيَّنا قبلُ.
ويلزمُ من أعربَ (من) في مثل هذا ألا يُجيزَ: منُو؟ ولا منا؟ , ولا مني؟ , ولكن يجعلُه كأيٍّ في الوقفِ والوصلِ.
والاستفهامُ إذا قال القائل: رأيتُ امرأةً ورجلاً, أن تقولَ: من ومنَا؟ , فإن قال: رأيتُ رجلاً وامرأةً: قُلتَ: من ومنه؛ لأن الأوَّل موصولٌ, والثانيَ موقوفٌ عليه.
стр. 574
بابُ من في لحاقِ الزِّيادةِ إذا استُفهم بها عن مَعرفةٍ
الغرضُ فيه:
أن يُبينَ ما يجوزُ في (من) في لحاقِ الزيِّادةِ إذا استُفهمَ بها عن معرفةٍ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (من) في لحاق الزِّيادةِ إذا استُفهمَ بها عن معرفةٍ؟ وما الذي لا يجوز؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ أن تلحقها الزِّيادةُ في الاستفهامِ عن معرفةٍ؟ وهل ذلك لأنَّ الزيادةَ علامةُ النكرةِ, وكانت أحق بها؛ لأنها لا تقومُ بنفسها في البيانِ عن الشيءِ بعينهِ, فجاءت الزيادةُ تقتضي البيانَ عن النكرةِ المذكورةِ؟ .
ولمَ امتنعَ إذا قال قائلٌ: رأيتُ عبدَ اللهِ, أن تقولَ: منا, ولم يمتنعْ, إذا قال: رأيتُ رجلاً؛ أن تقولَ: منا؟ .
وما حكمُ السُّؤال بمن إذا قال القائلُ: رأيتُه, أو رأيتُ الرجلَ؟ ولمَ وجبَ: من هو, ومنِ الرَّجُلُ؟ .
стр. 575
وما وجهُ قولِ بعضِ العربِ: ذهب معهم, فقال: مع منين, وقد رأيتُه, فقال: منا, ورأيتَ منا؟ وهل ذلك لأنه نزَّله تنزيلَ النكرَةِ, على أنَّ المُتكلِّمَ أخرجهُ مُخرَجَ المعرفةِ, وهو في حقيقةِ المعنى نكرَةٌ, فسأله على ذلك؟ .
стр. 576
بابُ من التي يُستَفهَمُ بها عن الاسمِ /٨٤ ب العَلَم المذكورِ
الغرضُ فيه:
أن يُبينَ ما يجوزُ في الاستفهامِ بمن عن العلمِ المذكورِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الاستفهامِ عن العلمِ المذكورِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ في كُلِّ معرفةٍ أن يجريَ مجرى العلمِ في هذا البابِ؟ وهل ذلك لأنَّ العلمَ أعرفُ, وأكثرُ استعمالاً, فاقتضى ذلك من المحافظةِ على سلامةِ لفظهِ ما ليس لغيرهِ كما اقتضى في جمعِ السلامةِ, فلم يجُزْ في الرجلِ, وإن كان مما يَعقلُ -ما يجوزُ في العلمِ وصفةِ العلمِ؟ .
وما حُكمُ الاستفهامِ بمن إذا قال القائلُ: رأيتُ زيداً, أو قال: مررتُ بزيدٍ, أو هذا زيدٌ؟ وما وجهُ قولِ أهلِ الحجازِ: من زيداً, ومن زيدٍ, ومن زيدٌ؟ فلمَ حكوا في الاسمِ العلمِ؟ وما وجهُ قولِ بني تميم: من زيدٌ, على كلِّ على حالٍ؟ ولمَ كانَ قولُ بني تميم أقيسَ, وقولُ أهلِ الحجازِ أبينَ؟ .
стр. 577
ولمَ جازَ مذهبُ الحجازِ في الحكايةِ مع استغناءِ الاسم العلمِ بأنه واحدٌ بعينهِ, لا يُحتاج فيه إلى علامةٍ تُنبئُ عن أنَّ الاستفهامَ إنما هو عن المذكور؟ وهل ذلك لأنَّه قد يعرضُ فيه التنكيرُ, فيُحتاج إلى البيان عن أنَّه إنَّما وقعَ عن المذكورِ؟ .
وما الفرق بينَ قولهم: دعنا من تمرتان, وليسَ بقُرشياً, وبين قولهم في الاستفهام: من زيداً؟ وهل ذلك من جهةِ أنَّ الاستفهامَ عن المذكورِ أحقُّ بذلك؛ لأنَّه يقتضي البيانَ من المجيبِ عن ما ذُكرَ دونَ غيرهِ مما شاركه في اسمهِ؛ ولذلك اطردَ في الاستفهامِ وكثُر, ولم يكثُرْ في: دعنا من تمرتان؟ .
ولمَ جازَ, إذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ؛ أن تقولَ: من عبدَ اللهِ, ولم يَجُزْ, إذا قال: رأيتُ أخا زيدٍ؛ أن تقولَ: من أخا زيدٍ, إلا على مذهبِ من قالَ: دعنا من تمرتانِ, وليس بقُرشياً؟ .
وما حُكمُ الاستفهامِ بمن إذا قال القائلُ: رأيتُ زيداً وعمراً؟ ولمَ وجبَ فيه على مذهبِ أهل الحجازِ وغيرهم في قولِ يونُس: من زيدٌ وعمروٌ؟ وهل ذلك لأنَّه لما طال الكلامُ بالعطفِ رُدَّ إلى /٨٥ أالأصلِ؛ للاستغناءِ عن الحكايةِ؟ .
وما وجهُ إجازةِ بعض النَّحويينَ: من زيداً وعمراً, على الحكايةِ؟ وما وجهُ قياسهم
стр. 578
إذا قال القائلُ: رأيتُ زيداً وأخاه؛ أن قولَ: من زيداً وأخاه, فإن قال: رأيتُ أخا زيدٍ وعمراً, أن يقولَ: من أخو زيدٍ, وعمروٌ؟ وما وَجهُ قولِ سيبويهِ فيه: «هذا حسنٌ»؟ وهل ذلك لما يقتضيهِ العطفُ من الإتباعِ, حتى جازَ: رُبَّ رجُلٍ وأخيهِ, ولم يجُز: رُبَّ أخيهِ؟ .
وما حُكمُ قولِ السائل, إذا كررَ: من, فقال: من عمراً ومن أخو زيدٍ؟ ولمَ اختلفَ الحكمُ؟ وهل ذلك لأنَّه قد انقطعَ الأولُ عن الشركةِ, واستُؤنفَ الثاني بالاستفهامِ؟ وما نظيرُه من قولهم: تباً له وويلاً, وتباً وويلٌ له, لما صار الثاني مكتفياً لنفسهِ؛ صار بمنزلةِ ما لم يقع فيه عَطفٌ؛ لأنَّه -حينئذٍ- عطفُ جُملةٍ على جُملةٍ؟ .
وما حُكمُ الاستفهامِ بمن إذا قال القائلُ: رأيتُ زيدَ بن عمروٍ؟ ولمَ جازَ: من زيدَ بنَ عمروٍ؟ في قول يونُس وغيره؟ .
وما حُكمُه على مذهبِ من قال: رأيتُ زيداً ابن عمروٍ, فجعل (ابنَ) صفةً مُنفصلةً؟ وهل ذلك [على] قول يونُسَ: من زيدٌ ابنُ عمروٍ, بالرفعِ؟ .
стр. 579
وما حُكمُ الاستفهامِ بأيٍ إذا قال القائلُ: رأيتُ زيداً؟ ولمَ وجبَ فيه: أيٌّ زيدٌ, بإجماعٍ, ولم تجُز الحكايةُ؟ وهل ذلك لأن أياً مُعربةٌ تقتضي إعرابَ المحمولِ عليها بإعرابها, إذا كان الثاني هو الأولَ؟ .
وما وجهُ اعتلاله في (من) بأنها أكثرُ استعمالاً, وهم يُغيرونَ الأكثرَ في كلامهم عن حال نظائره؟ وهل ذلك لأنَّ كثرته تمنعُ من الإخلالِ به في تغييره؟ .
وما حُكمُ الاستفهامِ بمن إذا قلتَ: فمن, أو ومن؟ ولمَ لا يجوزُ فيه إلا الرفعُ؟ وهل ذلك للاستغناءِ عن الحكايةِ بحرف العطفِ الذيُّ يدُلُّ على أنَّ الاستفهامَ عن المذكورِ, وأنَّ الكلامَ مُتصلٌ لم يُستأنف فيه الثاني, فأغنى ذلك عن الحكاية؟ .
стр. 580
باب من التي يُستفهمُ بها عن صفةِ المذكور /٨٥ ب على طريقِ النسبةِ
الغرض فيه:
أن يبيَّنَ ما يجوزُ في (من) التي يُستفهمُ بها عن صفةِ المذكورِ على جهةِ النسبةِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (من) التي يُستفهمُ عن صفةِ المذكورِ على طريقِ النسبةِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولم ذلك؟
ولمَ لا يجوزُ إلا حكايةُ الإعرابِ على جهةِ مُطابقةِ السؤال للجوابِ؟ وهل ذلك لأنه مُفردٌ قد اعتمدَ به على ذكرَ الاسمِ المتقدمِ كما يقولُ القائلُ: من رأيتَ؟ فيقولُ المجيبُ: زيداً, ولو قال: زيدٌ؛ أي: المرئي زيدٌ؛ لم يكن على مُطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ؟ .
وما حُكمُ قول القائلِ: رأيتُ زيداً, في الاستفهامِ على طريقِ النسبةِ؟ ولمَ جاز فيه: المنيَّ, وفي رأيتُ زيداً عمراً: المنيينِ؟ ؛ فإن ذكرَ ثلاثةً؛ قُلتَ: المنيينِ؟ وإن ذكرَ مجروراً في: مررت بزيدٍ؛ قُلتَ: المنيِّ؟ .
وما تقديرُه من قولكَ: القرشيَّ أم الثقفيَّ؟ , وكذلك في المجرورِ: القُرشيِّ؟ .
ولمَ لا يجوزُ الرفعُ إلاّ على قوله: صالحٌ, في: كيف كُنتَ؟ .
стр. 581
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي يجوزُ في (من) في لحاقِ الزَّيادةِ -إذا استُفهمَ بها عن معرفةٍ- إبطالُ الزيادةِ؛ لأنها علامةٌ للنكرةِ التي هي أحقُّ بها؛ من أجلِ أنها لا تقومُ بنفسها في البيان عن الشيءِ بعينهِ.
ولا يجوزُ أن تلحقَ المعرفةَ؛ لاستغنائها بالبيانِ الذي فيها.
وإذا قال القائلُ: رأيتُ عبدَ الله؛ لم يجُز فيه: منا؟ لأنَّه معرفةٌ.
فإذا قال: رأيتُ رجلاً؛ قُلتَ: منا؟
وإن قالَ: رأيتُه, أو رأيتُ الرجُلَ؛ قُلتَ: من هُوَ؟ ومن الرجلُ؟ .
فأمَّا بعضُ العرب فوجه قوله: منينَ؟ بعد ذكر القائلِ: ذهب معهُم؛ فإنما هو على أنه نزَّلهُ تنزيل النكرةِ؛ لأنَّ المُتكلمَ وضعَ المعرفةَ على غير حقها, فأجراه مجرى النكرةِ.
وكذلك لما قال: رأيتُه, فقال: منا؟ ورأيتَ منا؟ إنَّما هو على أنه قدَّره تقديرَ النكرةِ, كأنه قال: رأيتُ رجلاً, فسألهُ عن ذلك الحدِّ.
стр. 582
الجوابُ /٨٦ أعن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في الاستفهامِ عن العلمِ المذكورِ الحكايةُ على مذهبِ أهلِ الحجازِ, والاستئنافُ بالرفعِ على مذهبِ بني تميمِ.
ولا يجوزُ في كُلِّ معرفةٍ أن تجرىَ مجرى العلمِ في الحكايةِ؛ لأنَّ العلمَ أعرفُ وأكثرُ, فاقتضى له ذلك سلامةَ لفظه بما ليس لغيره, كما اقتضى له جمعَ السلامةِ, ولم يجُز ذلك في: الرجلِ, وإن كان مما يعقلُ.
وإذا قال القائلُ: رأيتُ زيداً, أو قال: مررتُ بزيدٍ, أو هذا زيدٌ؛ قُلتَ: من زيداً, ومن زيدٍ, ومن زيدٌ؟ على الحكايةِ في مذهبِ أهلِ الحجاز.
وأما بنو تميم فيقولونَ: من زيدٌ؟ على كُلِّ حالٍ, وهو أقيسُ معنى, وأجرى في النظائر؛ إذ قياسُ الاستفهامِ أن يُستأنفَ الكلامُ به.
ومذهبُ أهلِ الحجازِ أبينُ؛ لأنه قد يعرضُ فيه تنكيرٌ, فيحتاجُ إلى علامةٍ تُنبئُ عن أن الاستفهامَ إنَّما هو عن المذكورِ, لا عمَّا شاركه في اسمهِ, فهذا قياسٌ مُطردٌ في الاستفهامِ عن المذكورِ العلمِ.
стр. 583
وليس بمنزلةِ: دعنا من تمرتان, وليس بقُرشياً؛ لأنَّ السائلَ يقتضي بياناً من المجيبِ عن من ذُكرَ, لا عن غيرهِ ممن شاركهُ في اسمهِ, فهو أحوج إلى الحكايةِ مما لا يقتضي جواباً.
وإذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ؛ قلتَ: من عبدَ اللهِ؟ ولا يجوزُ مثلُ ذلك إذا قال: رأيتُ أخا زيدٍ؛ لأن عبدَ اللهِ علمٌ, وأخُو زيدٍ ليس بعلمٍ.
وإذا قال القائلُ: رأيتُ زيداً وعمراً, قُلتَ: من زيدٌ وعمروٌ؟ على مذهبِ يونُس بإجماعٍ من العربِ في القياسِ؛ لأنه لما عطفَ طال الكلامُ, واستغنى لما فيه من البيانِ عن الحكايةِ.
ومن النحويينَ من يجيزُ الحكاية في العطفِ, فيقولُ: من زيداً وعمراً؟ , فإذا قال: رأيتُ زيداً وأخاه؛ قال: من زيداً وأخاه؟ , وإن قال: رأيتُ أخاه وزيداً؛ قلتَ: من أخُوه وزيدٌ؟ فهذا حسنٌ؛ لأنَّ العطفَ يقتضي الإتباعَ وحملَ الثاني على الأولِ بما لا يجوزُ لو بناه على العاملِ.
فإذا قال: من عمراً ومن أخو زيدٍ؟ فليس فيه إلا هذا؛ لأنَّ الكلامَ الأول قد انقطعَ, وخرجَ إلى عطفِ جُملةٍ على جُملةٍ.
стр. 584
وإذا قال القائلُ: رأيتُ زيدَ بنَ عمروٍ؛ قُلتَ: من زيدَ بنَ عمروٍ؟ على قول يونُس وغيره.
فأما من نوَّن, فقالَ: رأيتُ زيداً ابنَ عمروٍ؛ فإنه يقولُ: من زيدٌ ابنُ عمروٍ؟ على قولِ يونُسَ, ويحكي على مذهبِ غيره.
وإذا قال: رأيتُ زيداً, فاستفهمتَ بأيٍّ؛ قُلتَ: أيٌّ زيدٌ؟ , ولم تجُز الحكايةُ؛ لأن (أيّ) معربةٌ تقتضي أن يُعربَ الثاني بإعرابها إذا كان هو الأولُ.
واعتلَّ سيبويهِ في هذا بكثرةِ استعمالِ: من, ووجهُ ذلك أنَّ الكثرةَ لا يختلُّ بها الكلامُ إذا غيرَ؛ لقُوةِ البيانِ بالكثرةِ.
وإذا قال: فمن, أو ومن؛ فليس فيه إلا الرفعُ؛ للاستغناءِ عن الحكايةِ بحرفِ العطفِ الذي يدُلُّ على اتصالِ الكلامِ وأنَّ الاستفهامَ عن المذكورِ.
стр. 585
والجوابُ عن البابِ الثالثِ:
الذي يجوزُ في (من) التي يُستفهمُ بها على طريقِ النسبةِ الإتباعُ للاسمِ الأوَّلِ في الإعرابِ؛ لأنَّه اسمٌ مُفردٌ, اعتُمد به على ما تقدَّمَ من الذكرِ.
ولا يجوزُ الرفعُ على الاستئنافِ إلا على غير مُطابقةِ الجوابِ للسؤالِ, كقول القائلِ: من رأيتَ؟ , فيقولُ: زيداً, فهذا مُطابقٌ, فإن قال: زيدٌ؛ لم يكُن على حدِّ الجوابِ.
وإذا قال: رأيتُ زيداً؛ قلتَ: المنيَّ؟ فإن قال: مررتُ بزيدٍ؛ قُلتَ: المنيِّ؟ وإن قال: هذا زيدٌ؛ قُلتَ: المنيُّ؟ على الإتباعِ, لا على الاستئنافِ.
وكذلك إن قال: رأيتُ زيداً وعمراً؛ قُلتَ: المنيينِ؟ وإن ذكر جماعةً؛ قُلتَ: المنيينَ؟ وتقديره: القرشيَّ أم الثقفيَّ؟ .
وإذا قال: مررتُ بزيدٍ؛ قُلتَ: الثقفيِّ, ولم يجُز الرفعُ إلا على قوله: صالحٌ, في: كيف أصبحتَ؟ .
стр. 586
بابُ من التي يَصلُحُ أن يعودَ إليها ضميرُ الاثنينِ والجميعِ
الغرضُ فيه:
أن يُبيِّنَ ما يجوزُ في (من) التي يَصلحُ أن يعُودَ إليها ضميرُ الاثنينِ والجميعِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (من) التي يصلحُ أن يعُودَ إليها ضميرُ الاثنينِ والجميعِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ في نظيرِ (من) ما جازَ فيها من ضميرِ الاثنين والجميعِ /٨٧ أ, فيجري ذلك في كُلِّ اسمٍ منزلتُه كمنزلةِ (من) في أنَّه اسمٌ؟ وهل ذلك لأنَّ (من) اسمٌ مُبهمٌ يجوزُ أن يُحملَ على التأويلِ؛ لإبهامه, وليس كذلك المُوضحُ؛ لأنَّ إيضاحه قد منع أن يُحملَ على التأويلِ.
ونظيرُ ذلك الشخصُ الذي يُرى من بعيدٍ, فيحتملُ أن يُجرى على حُكمِ الأسودِ, ويحتملُ أن يجرى على [حُكمِ] الأبيضِ, فإذا قرُبَ, فبانَ أنَّه أسودُ, لمْ يحسنْ ذلك فيه.
وكذا الذي يُظهرُ زيَّ المسلمينَ والإقرارَ بما يُقرُّونَ به؛ يحسنُ أن يُجرى حُكمُه كحكمِ المسلمينَ في الحقيقةِ على ظاهر الحال, ولا يجوزُ إذا ظهرَ أنَّه كافرٌ في باطنه, فهذا نظيرُ المُبهمِ الذي يحتملُ الوجوهَ؟ .
стр. 587
ولمَ جازَ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] , وفي موضع آخر: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥]؟ وهل ذلك لأنَّ (من) مُبهمٌ لفظُه لفظُ الواحدِ, فتارةً يُحملُ على معناه, وتارةً يُحملُ على لفظهِ؟ .
ولمَ وجبَ أن يكون (من) لفظُه لفظُ الواحدِ؟ وهل ذلك لأنَّه ليس على بناءِ الجميعِ؛ من جمعِ سلامةٍ أو تكسيرٍ, وإنما هو بمنزلة: يدٍ, ودمٍ في البُنيةِ التي هي للواحد؟ .
ولمَ وجبَ أن يكون لفظُه لفظَ المُذكرِ؟ وهل ذلك لأنَّه لا علامةَ فيه للتأنيثِ؟ .
وما قياسُ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] في: من كانت أمَّك؟ ولمَ كان قياسُه في هذا تأنيث كانت, وقياس: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] أن تقولَ: كان أمَّك, بالتذكيرِ؟ وهل ذلك لأنَّ العلةَ فيه البناءُ على اللفظِ, والعلةُ, والعلةُ في التأنيث البناءُ على المعنى؟ .
ولمَ جرى (أيَّ) في هذا مجرى (من) حتى جاز: أيُّهن كانت أُمَّك, وأيُّهن كان أمَّك, مع أنَّ أياً مُعربةٌ؟ وهل ذلك لأنَّ فيها شبهَ (من) في الاستفهامِ, وطرفاً من الإبهامِ, وإن لم يبلُغْ إبهامَ: من؟ .
стр. 588
وما وجهُ قراءةِ بعض القُراءِ: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] , وقراءةِ بعضهم: ﴿ومَنْ تَقْنُتْ مِنْكُنَّ﴾ بالتاء؟ .
وما الشاهدُ في قولِ الفرزدقِ:
(تعالَ فإن عاهدتني لا تخونُني ... نكُن مثلَ من يا ذِئبُ مُصطَحبانِ؟ )
ولم كثُرَ /٨٧ ب مثلُ هذا في (من) , ولم يكثُر في: الذي؟ وهل ذلك لأنَّ (الذي) صفةٌ تتبعُ الموصوفَ في تثنيتِهِ وجمعهِ, كما تتبعهُ في توحيده؛ ولذلك جاز فيه التثنيةُ, فتقولُ: اللذان, والجمعُ على: الذينَ, والتأنيثُ في المعنى على: التي, وليس لمن مثلُ هذا؛ لما بيَّنا؟ .
стр. 589
بابُ (ذا) الجاري بمنزلةِ (الذي) معَ (ما)
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في (ذا) الجاري بمنزلةِ (الذي) مع (ما) مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في (ذا) الجاري بمنزلةِ (الذي) مع: ما؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يكونُ بمنزلةِ (الذي) إلا مع: ما؟ وهل ذلك لأنَّه لما نُقلَ عن الحاضرِ المُضمنِ بالإشارةِ إليه في الغائب الذي ليس فيه إشارةٌ؛ احتاج إلى ما يُؤذنُ بالنقلِ, و (ما) تدخلُ في الكلامِ لتغيير الكلمةِ عن الجهةِ التي كانت عليها, فدخلت لتُؤذِنَ بهذا؟ ولم جازَ مع: ذَا؟ .
ولمَ جاز في (ذَا) مع (ما) وجهانِ: أحدُهما أن تكونَ بمنزلةِ اسم واحدٍ, والآخرُ أن تكونَ (ذا) بمنزلةِ: الذي؟ وهل ذلك لأنَّ التركيبَ بمنزلةِ اسمٍ واحدِ؛ لأنَّ التركيبَ يُؤذِنُ بالنقلِ, والتفصيلُ بمعنى: الذي؛ لشبهِ (ذَا) بالذي في الإبهامِ, مع الإيذانِ بالنقلِ إليه؟ .
وما حُكمُ قوله: ماذا رأيتَ, في الجوابِ؟ ولمَ جازَ: مَتاعٌ حسنٌ, ومتاعاً حسناً, وكلاهما على مطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ؟ .
стр. 590
وما الشاهدُ في قولِ لبيدِ بن ربيعةَ:
(ألا تسألان المرءَ ماذا يُحاولُ ... أنحبٌ فيُقضى أم ضلالٌ وباطلُ)
ولمَ رفعَ: أنحبٌ؟ .
وما تأويلُ: ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] , وفي موضعٍ آخرَ: ﴿مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطيِرُ الأَوَّلِينَ﴾ [النحل: ٣٤]؟ .
وما يلزمُ من أن (ذا) لغوٌ؟ ولمَ وجبَ منه ألا يجوزَ قولُ العربِ: عمَّا ذا تسألُ؟ .
وهل يلزمُ لو كانت (ذا) بمنزلةِ (الذي) على كُلِّ وجهٍ الرفعُ في الجوابِ, فكانَ الوجهُ: ماذا أنزلَ ربكُم قالوا خيرٌ؟ .
وما الشاهدُ في قول الشاعر:
стр. 591
/٨٨ ب (دَعي ماذا علمتِ سأتقيهِ ... ولكن بالمُغيبِ نبئيني؟ .)
ولم لا يجوزُ (الذي) في هذا الموضعِ؟ وهل ذلك لأنَّه بمنزلةِ: اضربْ أيَّ رجُلٍ جاءكَ, في أنَّه قد عملَ فيه: دعي, كما عملَ فيه: اضربْ؟ .
ولمَ جازَ في: ماذا رأيتَ, أن يكونَ بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ, ويُرفعَ الجوابُ في قوله: خيرٌ؟ وهل ذلك لأنَّه بمنزلةِ: ما رأيتَ؟ , فيقولُ: خيرٌ, على معنى الجوابِ, لا على مُطابقةِ السُّؤالِ؟
وهل مطابقةُ الجوابِ للسُّؤال أولى؟ ولمَ جازَ مع الاستغناءِ عنهُ بما هو أولى منهُ؟ وهل ذلك لأنَّه قد لا يستغنى به؛ لأنه يُريدُ أن يدُلَّه على المعنى من غيرِ أن يكونَ مُجيباً إمّا لتصغيرِهِ عن أنْ يُجيبه, وإمّا لغيرِ ذلك من الأغراضِ, إلا أنَّ هذا عارضٌ, والوجهُ مُطابقةُ الجواب للسؤال؟ .
стр. 592
وهل يجوزُ في جوابِ: من الذي رأيتَ, أن تقولَ: زيداً؟ ولمَ جازَ ذلك مع أن صلةَ (الذي) لا يعملُ فيما هو خارجٌ عن الصلةِ من كلامِ المُجيبِ؟ وهل ذلك لأنه بمنزلةِ قولهِ: رأيتُ زيداً؛ إذ قد فُهمَ أن السَّائلَ يطلبُ البيانَ عن هذا المعنى؟ .
стр. 593
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي يجوزُ في (من) التي يصلحُ أن يعودَ إليها ضميرُ الاثنينِ والجميعِ إجراؤها على ذلك بصيغةٍ واحدةٍ؛ لأنها مُبهمةٌ تحتملُ أن تُحملَ على التأويلِ؛ تارةً على اللفظِ, وتارةً على المعنى؛ وذلك لأن لفظها لفظُ الواحدِ, وهي على احتمال الوجوهِ في المعنى.
ولا يجوزُ في نظيرها من الأسماءِ؛ إذ كانت مُوضحةً مثلُ هذا؛ لأنه لا يصلُحُ أن يوجهَ على جهةِ الظنِّ مع وجودِ العلمِ, فالمُبهمُ يجوزُ فيه الوجوهُ المُختلفةُ كما لا يجوزُ مع العلمِ؛ فلهذا جاز [في]: (من) ضميرُ الواحدِ والاثنينِ والجميعِ, ولم يجُز في: رجُلٍ؛ لأنه لم يوضع على الإبهامِ الذي يحتملُ هذه الوجوهَ.
والمبهمُ /٨٨ ب نظيرُه من الأمورِ المعروفةِ حملُ أحكامِ الإنسانِ على ظاهرِ حالة في الإسلامِ؛ لأنه بمنزلة المُبهمِ في احتمال باطنه للوجوهِ؛ إذ يحتملُ أن يكونَ في باطنهِ مؤمناً, ويحتملُ أن يكونَ كافراً مُغتالاً للإسلامِ, ويحتملُ أن يكونَ كافراً غيرَ مغتالٍ للإسلامِ, إلا أنه إذا استبهمت حالُه؛ حُملَ أمرُه على الظاهرِ في
стр. 594
المُناكحةِ والموارثةِ والذبيحةِ, وغير ذلك من الأمور, وإذا ظهرت حالُه في الكُفرِ الذي يُبطنُه؛ لم يجُز شيءٌ من ذلك.
فقد جاء في القُرآنِ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] , وفي موضعٍ آخرَ: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] بالحمل تارةً على اللفظِ, وتارةً على المعنى.
وكذلكَ سبيلُ التأنيثِ والتذكير في قوله جلَّ وعزَّ: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ٣١] قُرئَ بالياءِ والتاءِ. فالياءُ على اللفظِ, والتاءُ على المعنى.
تمَّ الجزءُ الحادي والثلاثونَ, يتلوه الثاني والثلاثونَ: والدَّليلُ على أن لفظَ (من) لفظُ التوحيدِ.
والحمدُ لله ربِّ العالمين.
стр. 595
الجزءُ الثاني والثلاثونَ من شرحِ كتاب سيبويهِ, إملاءُ أبي الحسنِ علي بن عيسى النَّحوي.
بِسمِ اللهِ الرحمن الرحيمِ, وبه الإعانةُ.
والدليلُ على أن لفظَ (من) لفظُ التوحيدِ أنه لا علامةَ فيها للجمع من بناءِ تكسيرٍ, أو زيادةٍ لجمع السَّلامةِ.
وكذلك لفظُها لفظُ التَّذكيرِ؛ لخُلوها من علامةِ التأنيثِ.
و(أيٌّ) تجري في هذا مجرىَ (من)؛ لأنها /٨٩ أ -وإن كانت للتفصيلِ- ففيها إبهامٌ؛ لاقتضائها البيانَ من المُجيبِ, فتقولُ على هذا: أيُّهنَّ كانت أمَّك؟ وأيُّهن كان أمَّك؟ وأيُّهم يجلسونَ إليك؟ وأيُّهم يجلسُ إليك؟ . كُلُّ ذلك جائزٌ حسنٌ.
وقال الفرزدقُ:
(تَعالَ فإن عاهدتني لا تخونُني ... نكن مثلَ من يا ذِئبُ يصطحبانِ)
وإنما جازَ هذا في (من) , ولم يجُز في (الذي) كما جازَ في: من؛ لأنَّ الذي صفةٌ تتبعُ الموصوفَ في توحيده وتثنيتهِ وجمعهِ؛ فلذلك جازَ: اللذانِ, والّذينَ, [والتي] في تأنيثه على المعنى, ولم يكُنْ لـ: من مِثلُ هذا.
стр. 596
والجوابُ عن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في (ذا) الجاري بمنزلةِ (الذي) مع (ما) إجراؤه على وجهينِ:
أن يكونَ مع (ما) بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ, كأنك قُلتَ: أيُّهم.
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ (ما) مُنفصلاً من: ذا, و (ذَا) بمنزلةِ: الذي, كأنَّكَ قُلتَ: ما الذي.
ولا يجوزُ في (ذا) أن يكونَ بمنزلةِ (الذي) إلا مع: ما؛ لأنَّه لما نُقلَ عن الحاضرِ إلى الغائب, وعن المُشارِ إليه إلى المدلولِ عليه من غير تلك الجهةِ, وهو دليلٌ بالصلةِ؛ احتاج إلى ما يُؤذنُ بذلك, فأتى بما؛ لأنها تُغيرُ حالَ الكلمةِ عما كانت عليه قبلُ, كما غيَّرت: حيثُما, وإذ ما إلى الجزاءِ, ولم يكُن يجوزُ قبلُ, وكما غيرت: كأنما, وإنَّما إلى استئنافِ الكلامِ بعدها, ولم يكن يجوزُ قبلُ.
وجاز أن يكون مع (ما) بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ؛ للإيذانِ بأنها قد انتقلَ حُكمها عما كانت قبلُ.
وجاز أن تكونَ بمعنى: الذي؛ لأنها تُشبهُها في الإبهامِ, مع الدَّليلِ الذي دَلَّ على انتقالِ حُكمها.
стр. 597
وإذا قال القائلُ: ماذا رأيتَ؟ فجوابُه يحتملُ وجهينِ: أن تقولَ: متاعٌ حسنٌ, ومتاعاً حسناً, وكلاهُما على مطابقةِ الجوابِ للسؤالِ.
وقال لبيدُ بنُ ربيعةَ:
(ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاولُ ... أنحبٌ فيُقضى أم ضلالٌ وباطلُ)
فهذا شاهدٌ في أنها مع (ما) بمنزلةِ: الذي؛ لرفعهِ: أنحبٌ.
ولو كنت (ذا) لَغواً /٨٩ ب؛ لكانت العربُ تقولُ: عمَّ ذا تسألُ؟ , وكلامُها: عمَّا ذا تسألُ؟ , وفيه دليلٌ على أنَّ (ذا) ليست لغواً؛ دُخولُها كخروجها.
ولو كانت بمعنى (الذي) على كُلِّ وجهٍ؛ لم يحسن في ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] [النصبُ] , ولكانَ وجهُ الكلامِ الرفعَ.
وقال الشاعرُ:
(دَعي ماذا علمتِ سأتقيهِ ... ولكن بالمُغيبِ نبئيني)
стр. 598
فـ (الذي) لا يَصلُحُ في هذا؛ لأن (دعي) لا يُعلقُ لا يُعلقُ: اضربي, فإنما هُو بمنزلةِ قولك: اضربي أيَّ رجلٍ جاءك, ودعي أيَّ شيءٍ علمتِ, على [أنَّ] (أيَّ) موصولةٌ يعملُ فيها ما قبلها, وليست استفهاماً مُعلقةً؛ لأنَّ (دعي) من الأفعالِ التي لا تُعلقُ.
ويجوزُ أن تقولَ: ماذا رأيتَ؟ على تقديرِ: ما الذي رأيتَ؟ , فتقولَ: خيراً, وليس بالوجهِ؛ لأنَّ مطابقةَ الجوابِ للسؤالِ أولى.
ولكن قد يجوزُ مثلُ هذا إذا كان للسائلِ غرضٌ عن جوابِ هذا السُّؤالِ, فيبدأُ بالإخبارِ؛ ليُعلمَ الحاضرينَ, ولا يكونُ مُجيباً, ولا كلامه دليلاً على الجوابِ؛ لأنه إنما يكونُ مُجيباً إذا دلَّ كلامُه على الجوابِ وفعلُه؛ من أجلِ أنَّه سأله عن هذا المعنى.
وقد يجوزُ أن يقولَ: ماذا رأيتَ؟ على تقديرِ: أيَّهم رأيتَ؟ , فتقول: خيرٌ, بالرفعِ على غيرِ مُطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ, كما أنَّه إذا نصبَ في الوجهِ الأولِ؛ فهو على ذلكَ, وحسُنَ هذا للغرضِ الذي بيَّنا, ولم يكن من بابِ ما يُستغنى عنهُ بما هو أولى.
стр. 599
بابُ الاستفهامِ الذي تَلحقُه الزيادةُ للإنكارِ
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في الاستفهامِ الذي تلحقه الزيادةُ للإنكارِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الاستفهامِ الذي تَلحَقُه الزيادةُ للإنكارِ؟ وما الذي لا يَجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ -إذا وُصلَ بيا فتى- لَحاقُ الزيادةِ للإنكارِ؟ .
ولمَ وجبَ أن تكونَ الزيادةُ من حروفِ /٩٠ أالمدّ واللينِ تابعةٌ للحركةِ التي قبلها؟ .
ولمَ إذا كان قبلها ساكنٌ؛ صارت ياءً؟ وهل ذلك لأنَّ السَّاكنَ يتحركُ بالكسرِ؛ لالتقاءِ الساكنينِ؟ .
стр. 600
ولمَ جاز في الإنكارِ وجهانِ: أن يكون رأيهُ على ما ذُكرَ, أو على خلافِ ما ذُكرَ؟ وأيُّهما أظهرُ؟ .
وما حُكمُه إذا قال: هذا عُمرُ, أو قال: رأيت عُمرَ, أو قال: مررتُ بالرجلِ؟ .
ولم وجبَ فيه: أعُمرُوه, وأعُمراه, وآلرَّجليه؟ .
وما حُكمُه إذا قال: رأيتُ زيداً؟ ولمَ وجبَ فيه: أزيدنيه, وفي الرفع: أزيدُنيه, وفي الجرَّ: أزيدنيه؟ وهل ذلك لأنَّ إشباعَ الحركةِ مع الوقفِ على الهاءِ يدلُّ على أنَّ الإنكارِ لما ذكرهَ المتكلمُ, لا لغيره؛ لما فيه من موافقتهِ في إعرابهِ, إلا أنَّه على جهةِ إشباعِ الحركةِ؛ ليُؤذنَ بمعنى الإنكارِ؛ إذ الإنكارُ كالجحدِ في اقتضاءِ الزيادةِ, فدلت الزيادةُ على الإنكارِ, ودلَّ موافقتُها في الإعرابِ أنه إنكارٌ لما ذُكرَ, لا لغيره مما يُستأنفُ؟ .
ولمَ احتملَ الاستفهامُ -إذا قال القائلُ: أتعرفُ زيداً؟ - أن يقولَ: أزيدنيه, فيُنكرَ عليه وهو مُستفهمٌ لم يدَّع شيئاً؟ وهل ذلك لأنَّه لا ينبغي أن يجهلَ مثلَ هذا, فيستفهمُ عنه بالإنكارِ أن يذهبَ عليه مثلُ هذا, إما في أنَّه يعرفُه إذا كانت الحالُ مشهورةً بذلك, أو يكونُ مشهوراً بضعةٍ وسقوطٍ, ليس مثلُه مما ينبغي أن يُعرف؟ .
следующие страницы →