Полный текст (908 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والجوابُ عن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في (ذا) الجاري بمنزلةِ (الذي) مع (ما) إجراؤه على وجهينِ:
أن يكونَ مع (ما) بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ, كأنك قُلتَ: أيُّهم.
والوجهُ الآخرُ: أن يكونَ (ما) مُنفصلاً من: ذا, و (ذَا) بمنزلةِ: الذي, كأنَّكَ قُلتَ: ما الذي.
ولا يجوزُ في (ذا) أن يكونَ بمنزلةِ (الذي) إلا مع: ما؛ لأنَّه لما نُقلَ عن الحاضرِ إلى الغائب, وعن المُشارِ إليه إلى المدلولِ عليه من غير تلك الجهةِ, وهو دليلٌ بالصلةِ؛ احتاج إلى ما يُؤذنُ بذلك, فأتى بما؛ لأنها تُغيرُ حالَ الكلمةِ عما كانت عليه قبلُ, كما غيَّرت: حيثُما, وإذ ما إلى الجزاءِ, ولم يكُن يجوزُ قبلُ, وكما غيرت: كأنما, وإنَّما إلى استئنافِ الكلامِ بعدها, ولم يكن يجوزُ قبلُ.
وجاز أن يكون مع (ما) بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ؛ للإيذانِ بأنها قد انتقلَ حُكمها عما كانت قبلُ.
وجاز أن تكونَ بمعنى: الذي؛ لأنها تُشبهُها في الإبهامِ, مع الدَّليلِ الذي دَلَّ على انتقالِ حُكمها.
стр. 597
وإذا قال القائلُ: ماذا رأيتَ؟ فجوابُه يحتملُ وجهينِ: أن تقولَ: متاعٌ حسنٌ, ومتاعاً حسناً, وكلاهُما على مطابقةِ الجوابِ للسؤالِ.
وقال لبيدُ بنُ ربيعةَ:
(ألا تسألانِ المرءَ ماذا يُحاولُ ... أنحبٌ فيُقضى أم ضلالٌ وباطلُ)
فهذا شاهدٌ في أنها مع (ما) بمنزلةِ: الذي؛ لرفعهِ: أنحبٌ.
ولو كنت (ذا) لَغواً /٨٩ ب؛ لكانت العربُ تقولُ: عمَّ ذا تسألُ؟ , وكلامُها: عمَّا ذا تسألُ؟ , وفيه دليلٌ على أنَّ (ذا) ليست لغواً؛ دُخولُها كخروجها.
ولو كانت بمعنى (الذي) على كُلِّ وجهٍ؛ لم يحسن في ﴿مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠] [النصبُ] , ولكانَ وجهُ الكلامِ الرفعَ.
وقال الشاعرُ:
(دَعي ماذا علمتِ سأتقيهِ ... ولكن بالمُغيبِ نبئيني)
стр. 598
فـ (الذي) لا يَصلُحُ في هذا؛ لأن (دعي) لا يُعلقُ لا يُعلقُ: اضربي, فإنما هُو بمنزلةِ قولك: اضربي أيَّ رجلٍ جاءك, ودعي أيَّ شيءٍ علمتِ, على [أنَّ] (أيَّ) موصولةٌ يعملُ فيها ما قبلها, وليست استفهاماً مُعلقةً؛ لأنَّ (دعي) من الأفعالِ التي لا تُعلقُ.
ويجوزُ أن تقولَ: ماذا رأيتَ؟ على تقديرِ: ما الذي رأيتَ؟ , فتقولَ: خيراً, وليس بالوجهِ؛ لأنَّ مطابقةَ الجوابِ للسؤالِ أولى.
ولكن قد يجوزُ مثلُ هذا إذا كان للسائلِ غرضٌ عن جوابِ هذا السُّؤالِ, فيبدأُ بالإخبارِ؛ ليُعلمَ الحاضرينَ, ولا يكونُ مُجيباً, ولا كلامه دليلاً على الجوابِ؛ لأنه إنما يكونُ مُجيباً إذا دلَّ كلامُه على الجوابِ وفعلُه؛ من أجلِ أنَّه سأله عن هذا المعنى.
وقد يجوزُ أن يقولَ: ماذا رأيتَ؟ على تقديرِ: أيَّهم رأيتَ؟ , فتقول: خيرٌ, بالرفعِ على غيرِ مُطابقةِ الجوابِ للسُّؤالِ, كما أنَّه إذا نصبَ في الوجهِ الأولِ؛ فهو على ذلكَ, وحسُنَ هذا للغرضِ الذي بيَّنا, ولم يكن من بابِ ما يُستغنى عنهُ بما هو أولى.
стр. 599
بابُ الاستفهامِ الذي تَلحقُه الزيادةُ للإنكارِ
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في الاستفهامِ الذي تلحقه الزيادةُ للإنكارِ مما لا يجوزُ.
مسائل هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الاستفهامِ الذي تَلحَقُه الزيادةُ للإنكارِ؟ وما الذي لا يَجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ -إذا وُصلَ بيا فتى- لَحاقُ الزيادةِ للإنكارِ؟ .
ولمَ وجبَ أن تكونَ الزيادةُ من حروفِ /٩٠ أالمدّ واللينِ تابعةٌ للحركةِ التي قبلها؟ .
ولمَ إذا كان قبلها ساكنٌ؛ صارت ياءً؟ وهل ذلك لأنَّ السَّاكنَ يتحركُ بالكسرِ؛ لالتقاءِ الساكنينِ؟ .
стр. 600
ولمَ جاز في الإنكارِ وجهانِ: أن يكون رأيهُ على ما ذُكرَ, أو على خلافِ ما ذُكرَ؟ وأيُّهما أظهرُ؟ .
وما حُكمُه إذا قال: هذا عُمرُ, أو قال: رأيت عُمرَ, أو قال: مررتُ بالرجلِ؟ .
ولم وجبَ فيه: أعُمرُوه, وأعُمراه, وآلرَّجليه؟ .
وما حُكمُه إذا قال: رأيتُ زيداً؟ ولمَ وجبَ فيه: أزيدنيه, وفي الرفع: أزيدُنيه, وفي الجرَّ: أزيدنيه؟ وهل ذلك لأنَّ إشباعَ الحركةِ مع الوقفِ على الهاءِ يدلُّ على أنَّ الإنكارِ لما ذكرهَ المتكلمُ, لا لغيره؛ لما فيه من موافقتهِ في إعرابهِ, إلا أنَّه على جهةِ إشباعِ الحركةِ؛ ليُؤذنَ بمعنى الإنكارِ؛ إذ الإنكارُ كالجحدِ في اقتضاءِ الزيادةِ, فدلت الزيادةُ على الإنكارِ, ودلَّ موافقتُها في الإعرابِ أنه إنكارٌ لما ذُكرَ, لا لغيره مما يُستأنفُ؟ .
ولمَ احتملَ الاستفهامُ -إذا قال القائلُ: أتعرفُ زيداً؟ - أن يقولَ: أزيدنيه, فيُنكرَ عليه وهو مُستفهمٌ لم يدَّع شيئاً؟ وهل ذلك لأنَّه لا ينبغي أن يجهلَ مثلَ هذا, فيستفهمُ عنه بالإنكارِ أن يذهبَ عليه مثلُ هذا, إما في أنَّه يعرفُه إذا كانت الحالُ مشهورةً بذلك, أو يكونُ مشهوراً بضعةٍ وسقوطٍ, ليس مثلُه مما ينبغي أن يُعرف؟ .
стр. 601
وما الشاهدُ في قولِ أعرابيًّ من أهلِ الباديةِ -لما قيلَ لهُ: أتخرجُ إن أخصبتِ الباديةُ-: أناإنيه, مُنكراً لرأيه أن يكونَ على خلافِ الخروج؟ ولمَ ألحقَ الزيادةَ (إنْ) على هذه الجهةِ؟ .
وما الإنكارُ إذا قال القائلُ: قد ثدمَ زيدٌ, فقلتَ: أزيدُنيه؟ ولمَ جازَ أن يكونَ إنكاراً لقُدومه, وإنكاراً لانتفاءِ قُدومهِ؟ .
وما الإنكارُ إذا قال: لقيتُ زيداً وعمراً, فقلتَ: أزيداً وعمرَنيه؟ ولمَ لحقت العلامةُ الثانيَ دونَ الأوَّلِ؟ وهل ذلك لأنَّ الأولَ يستغني بالإعرابِ الذي فيه على جهةِ /٩٠ ب موافقةِ ما تقدَّم ذكرُه, وليس كذلك الثاني؛ لأنه لا يُوقفُ على الإعرابِ, فاجتُلب له الزيادةُ, واستُغنى بذلك عن لحاقها في وسطِ الكلامِ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: ضربتُ عُمرَ؟ ولمَ جاز: أضربتَ عُمراه, وأعُمراه, فهلا استغنى بإعادةِ الفعلِ عن العلامةِ؟ وهل ذلك لأنه توهمَ أن يكونَ
стр. 602
مُستثبتاً لا منكراً, فاحتاج إلى العلامةِ؛ لأنها تتضمنُ الإنكارَ, وإنه لما ذُكرَ, وإعادةُ (ضربتَ) لا تدلُّ إلا أنه لما ذُكر فقط, من غير إنكارٍ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: ضربتُ زيداً الطويلَ؟ ولمَ وجبَ فيه: أزيداً الطويلاه, بلحاقِ العلامةِ في الصفةِ دون الاسم؟ .
ولمَ إذا قال: أزيداً يا فتى, ترك العلامةَ؟ فما نظيرها من تركها في: منا, ومني, ومنو, حين قُلتَ: يا فتى؟ وهل ذلك لأنك أخرجته بيا فتى عن حدِّ الحكايةِ؟ .
ولمَ كانت صلةُ الكلامِ تمنعُ العلامةَ؟ وهل ذلك لأنَّ موضعَ هذه الزيادةِ في آخر الكلامِ؛ ليُؤذنَ بالإنكارِ أو الحكايةِ بعد تمامِ الكلامِ؛ لأنَّها لا تكونُ قبلَ التمامِ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: رأيتُ عُثمانَ, أو مررتُ بعُثمانَ, أو رأيتُ حذامِ, أو هذا عُمرُ؟ فلمَ وجبَ في جميعِ ذلك أن تكونَ الحركةُ عليها تجري الزِّيادةُ؟ .
وما نظيرُه من قولهم: واغلامَهُمُوه, في الزيادة التابعةِ؟ ولمَ تَبعَتْ في
стр. 603
النُّدبةِ المُضمرَ خاصةً, وتبعتْ في الإنكارِ المظهرَ والمُضمرَ؟ وهل ذلك لأنهما في النُّدبةِ لمدُّ الصوتِ من غيرِ إلباسٍ في تثنيةٍ ولا جمعٍ, ولا تأنيثٍ ولا تذكيرٍ, فمدُّ الصُّوتِ يسلمُ من هذا كُلِّه في المُظهرِ, ولا يسلمُ في المضمرِ, فاحتاج إلى الإتباع في المُضمرِ, واستغنى عنه في المظهر, وأما زيادةُ الإنكارِ فهي لتدُلَّ على معنى الإنكار لما ذُكرَ, وتلك في النُّدبةِ لمدِّ الصَّوتِ فقط, إلا أنه من غيرِ التباسِ المعاني؟ .
وما وجهُ قولِ بعضِ العربِ إذا قال القائل: هذا عُمرُ, فقال: أعُمرُإنيه؟ /٩١ أوهل ذلك على زيادةِ (إن) بينَ الاسمِ وبين علامةِ الإنكار؛ للتأكيد, وإذا قال: هذا زيدٌ؛ قلتَ: أزيدُإنيه؟ .
وما نظيرُ ذلك من قولهم: ما إن زيدٌ منطلقٌ؟ وما نظيرُه من قولهم في: اضربُه, نَقَلَ الحركةَ؛ لبيانِ الهاءِ؛ لأنَّها تخفي إذا سكنت وسكنَ ما قبلها؟ .
وما نظيرُه من بيانِ الياءِ في: سعديّ, في الوقفِ, [فقال]: سعدجّ, فأبدلَ من مخرج الياءِ حرفاً أجلدَ منها؟ .
стр. 604
ولمَ جازَ استعمالُ هذه العلامةِ وتركُها؟ .
وما استفهامْ إذا قال القائلُ: أنا خارجٌ؟ فلمَ جاز: أأناإنيه؟ , على إعادةِ (أنا) , ولحاقِ العلامةِ (إنْ) التي تُزادُ؛ لتأكيدِ الإنكارِ؟ وما نظيرُه في: من عبدَ الله, وإذا قال: رأيتُ عبدَ اللهِ؟ .
وهل يجوزُ: أإنيه, من غير إعادة أنا؟ .
وهل يجوزُ: أناه؟ على لحاقِ العلامةِ [من غير زيادة]: إن, كما جازَ أن تحكيَ فتقولَ: أأناإنيه؟ .
ولمَ إذا كُنتَ مُستثبتاً مُسترشِداً؛ لم يجُز لحاقُ شيءٍ من هذه العلاماتِ؟ وهل ذلك لأنَّها للإنكارِ؟ .
وما استفهامُ الإنكارِ إذا قال: ضربتُه, فقلتَ: أقلتَ ضربتُه؟ ولمَ لا يجوزُ أن تُلحقَ علامةَ الإنكارِ في هذا؟ وهل ذلك لأنك أوقعتَ حرفَ الاستفهامِ على غير كلامِ المسؤول, فأبطلتَ الحكايةَ بذلك, وأخرجتَه إلى الاسترشادِ دونَ الإنكارِ؟ .
стр. 605
الجوابُ:
الذي يجوزُ في الاستفهامِ الذي تلحقُه الزيادةُ للإنكارِ إلحاقُ حرفِ المدّ واللينِ تابعاً لحركة ما قبله؛ لتكونَ الزيادةُ تُؤذنُ بالإنكارِ كما تُؤذنُ علامةُ الجحدِ بمعنى الجحدِ, وتكونُ تابعةً؛ لتُؤذنَ بأنَّ الإنكارَ لما قد ذُكرَ.
ولا يجوزُ -إذا وُصلَ الكلامُ بيا فتي- لحاقُ الزِّيادةِ؛ لأنَّه يخرجُ عن حدِّ الحكايةِ, ويصيرُ من غير كلامِ المسؤول, وأيضاً فإنَّ الوصلَ يمنعُ من لحاقِ العلامةِ؛ لأن موقعها مُنتهى الكلام؛ إذ الحكايةُ بعدَ التَّمامِ, وكذلك الإنكارُ لما تقدَّم من الكلامِ بعد التمامِ, فموقعُ الزيادةِ التي تدُلُّ /٩١ ب على ذلك في آخرِ الكلامِ.
فإن قُلتَ: هذا عُمرُ؛ قلتَ: أعُمرُوه, وإن قال: رأيتُ عُمرَ؛ قلتَ: أعُمراه, وإن قالَ مررتُ بالرجُل؛ قلت: آلرُّجُليه, وإن قالَ: هذا زيدٌ؛ قلتَ:
стр. 606
أزيدُنيه, فعلى هذا قياسُ الباب.
والأظهرُ في الإنكارِ أن يكونَ لما ذُكرَ, ويحتملُ أن يكونَ لخلاف ما ذُكرَ بدليلِ الشُّهرةِ أنَّ ذلك ليس مما يُجهلُ.
وشاهدهُ قولُ أعرابيِّ من أهل الباديةِ, وقد قيل لهُ: أتخرُجُ إن أخصبت الباديةُ؟ فقال: أأناإنيه, مُنكراً لخلافِ الخُروج.
وكذلك إذا قالَ: قدمَ زيدٌ؛ فقُلتَ: أزيدنيه, فإنَّه يجوزُ الإنكارُ لخلاف القدومِ؛ لشُهرتِهِ إلى حدِّ لا يُجهلُ مثلُه.
وإذا قال القائلُ: لقيتُ زيداً وعمراً؛ قُلتَ: أزيداً وعمرنيه, فألحقتَ العلامةَ في الثاني دون الأولِ؛ ليكونَ في مُنتهى الكلامِ على ما بيَّنا قبلُ.
وإذا قال القائلُ: ضربتُ عُمرَ؛ جاز: أضربتَ عُمراه, وأعُمراه, ولو قال: هذا عُمرُ؛ لم يجُز أن تقولَ: أقُلتَ عُمرُوه؛ لأنَّك قد أخرجتهَ عن حكايةِ كلام المسؤول بزيادتك: أقُلتَ.
стр. 607
وإذا قالَ: ضربتُ زيداً الطويلَ؛ قُلتَ: أزيداً الطويلاه, فألحقتها في آخرِ الكلامِ؛ لتدُلَّ على الحكايةِ والإنكارِ.
ولا يجبُ مثلُ ذلك في علامةِ النُّدبةِ, بل تلحقُ في الاسمِ خاصةً؛ لأنها هناك لمدُّ الصوتِ فقط.
وهي تتبعُ المُظهرَ والمُضمرَ في الإنكارِ, ولا تتبعُ في النُّدبةِ إلا في المضمرِ خاصةً؛ لأنها لمد الصوتِ, مع السلامةِ من الالتباسِ, فلما كان يُلتبسُ في المُضمرِ؛ تبعت حتى تُزيلَ الالتباسَ, وليس كذلك المُظهرُ.
وبعضُ العربِ يقولُ: أعُمرُ إنيه, فيزيدُ: إن؛ ليؤكد بها علامةَ الإنكارِ كما يُؤكدُ علامةَ الجحدِ في: ما إن زيدٌ منطلقٌ.
وإذا قال القائلُ: إني قد ذهبتُ؛ قُلتَ: أذهبتُوه, فألحقتَ العلامةَ في المُضمرِ على حركةِ ما قبلها.
وإذا قال: أنا خارجٌ؛ جازَ فيه ثلاثةُ أوجُهٍ: أأناإنيه, على إعادةِ أنا, وأَإنيه, على زيادةِ: إن /٩٢ أالمؤكدةِ لعلامةِ الإنكارِ. وأأناه, على لحاقِ العلامةِ ما لُفظَ به
стр. 608
من غيرِ زيادةِ: إن.
وإذا كُنتُ مُستثبتاً؛ لم يجُز لحاقُ شيءٍ من هذه العلاماتِ؛ لأن الاستثباتَ نظيرُ الإثباتِ في أنه لا يحتاجُ إلى علامةٍ, والإنكارُ نظيرُ الجحدِ في أنه يحتاجُ إلى علامةٍ.
стр. 609
بابُ إعرابِ الأفعالِ المضارعةِ
الغرضُ فيه:
أن يُبيِّن ما يجوزُ في إعرابِ الأفعالِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في إعرابِ الأفعالِ؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ أن يعملَ فيها عاملُ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنَّ معنى عاملِ الاسم في الاسمِ دونَ الفعلِ؟ .
وما حروفُ النصبِ للفعلِ التي هي الأصلُ فيه؟ ولمَ كانت (أن) أصلاً في عاملِ النصبِ في الفعلِ؟ وهل ذلك لأنَّها لا تعملُ بحقِّ الشبهِ لعاملِ الفعلِ, وإنما تعملُ بحقِّ الأصلِ فيه, وإن كانت مُشبهةً لعاملِ الاسم؟ .
ولمَ عملت (أن) في الفعلِ, ولم تعمل فيه: سوف؟ .
ولمَ عملت النصبَ دون الرفعِ والجزمِ؟ .
ولمَ كانت أمَّ حروفِ النصبِ؟ وهل ذلك لأنه يعملُ غيرُها بتضمنِ معناها, وتعملُ هي بما لها في نفسها؟ .
ولم عملت (كي) في الفعل؟ [ولمَ عملت النصب خاصةً؟ .
ولمَ عملت (لن) في الفعلِ؟ ولم عملت النصبَ؟ ].
стр. 610
ولمَ عملتْ: إذن؟ ولمَ عملتْ النصبَ خاصةً؟ .
وما وجهُ قولِ الخليلِ في [لن]: إنَّ أصلها (لا أن) , ولكنها حُذفت كما قالوا: ويلُمِّهِ؟ .
ولمَ خالفهُ سيبويهِ, وألزمهُ أن لا يُجوزَ: أما زيداً فلن أضربَ؟ .
وهل للخليل أن ينفصلَ بأن (لن) لما كثرت حتى صارت بمنزلةِ حرفٍ واحدٍ؛ عُوملت مُعاملةَ الحرفِ الواحدِ, فصارت بمنزلةِ: زيداً لم أضرب؟ وما الصوابُ في ذلك؟ .
الجوابُ:
الذي يجوزُ في إعرابِ الأفعالِ إعمالُ عواملها التي تدخُلُ عليها فيها.
ولا يجوز /٩٢ ب أن تعملَ فيها عواملُ الأسماءِ؛ لأنَّ معنى عواملِ الاسمِ في الاسمِ خاصةً, وإنما يعملُ العاملُ بمعناه, وسبيلُها في الاختصاصِ للاسمِ كسبيلِ الألفِ واللام التي للتعريفِ بالاسمِ؛ لأنَّ التعريفَ لا يكون في الفعلِ.
وكذلك سبيلُ السينِ, وسوفَ في الاختصاصِ بالفعلِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ التي تكونُ للاستقبالِ, وتصيرُ كحرفٍ من حروفِ الكلمة لا تكونُ إلا للفعلِ؛ لأنه أحقُّ
стр. 611
بالدلالةِ على الزمانِ من الاسمِ, فيصلحُ أن يُدلَّ على الاستقبالِ في الاسمِ بدلالةٍ مُنفصلةٍ لا تُخرجُ الاسمَ عن حقيقتهِ, كقولك: زيدٌ ضاربٌ غداً, أو خارجٌ [بعدَ] غدٍ.
ولا يصحُّ مثلُ هذا الذي ذكرن من: السين, وسوفَ في الاسمِ؛ لأنها زيادةٌ مُتصلةٌ تصيرُ كجُزءٍ من الكلمةٍ.
ويوضح ذلك أنكَ لو قدمتَ الظرفَ, فقُلتَ: زيدٌ غداً خارجٌ, [لجاز] وليس كذلك السينُ, وسوفَ, فعوامل الأفعالِ لا تعملُ في الأسماءِ, وعواملُ الأسماءِ لا تعملُ في الأفعالِ لما بينا.
وحروفُ النصبِ [للفعلِ] التي هي الأصلُ فيه أربعةٌ: أن, ولن, وكي, وإذنْ.
ويتفرعُ منها خمسةُ أحرُفٍ, وهي: الواوُ, والفاءُ, وأو, وحتى, واللامُ, تعملُ بتضمنِ معنى أن.
فجميعُ حروفِ النصبِ للفعلِ تسعةٌ: أربعةٌ منها أُصولٌ, وخمسةٌ فُروعٌ.
و(أن) أصلٌ في العملِ؛ لأنها تُشبهُ عاملَ الاسمِ في النقلِ إلى المصدرِ, وأنه قد يكونُ على الاستقبالِ بدليلٍ يصحبُه, فهي تُشبهُ (أنَّ) في قولكَ: بلغني أنَّكَ
стр. 612
مُنطلقٌ, بمعنى: بلغني انطلاقُك, فكذلك تقولُ: أن تأتيني خيرٌ لك, كأنك قُلتَ: إتيانُك إيّايَ خيرٌ لك, فلهذه العلةِ من الشبهِ عملت النصبَ.
فأمَّا جوازُ عملها فلأنها نقلت الفعلَ نقلينِ: إلى الاستقبالِ, ومعنى المصدَرِ؛ فلهذه العلةِ عملتْ, ولشبهِها بأنَّ الشديدةِ عملت النصبَ خاصةً.
وهي أصلٌ في العملِ؛ لأنها لم تعمل بحقِّ الشبهِ لعامل الفعلِ, وهي أمُّ حروفِ النصبِ؛ لأن غيرها /٩٣ أيعملُ بتضمنِ معناها, وتعملُ هي بحقها في نفسها, فقد جمعت هذه الأوجهَ الأربعةَ: أنها عاملةٌ, وأنها تعملُ النصب خاصةً, وأنها أصلٌ في عمل النصبِ, وأنها أمٌّ في العواملِ. والعللُ التي بيَّنّا.
ولا تعملُ سوفَ في الفعلِ؛ لأنها نقلته نقلاً واحداً إلى معنى الاستقبالِ, فلما غيرته بوجهٍ واحدٍ؛ كفى في ذلك دخولُها على الفعلِ, ولما غيرته الحروفُ الأُخر بوجهينِ؛ لم يكفِ في ذلك دخولُها على الفعلِ دونَ علامةٍ زائدةٍ تكونُ لهذا المعنى الزائدِ؛ لما في ذلك من حُسنِ البيانِ على هذا الوجهِ.
وكي تعملُ؛ لشبهِها بعاملِ الاسمِ؛ إذ كانت تنقلُ إلى الاستقبالِ, والغرضِ, وكلاهم يكونُ في الاسمِ, كقولك: جئتُه مخافةَ شره, وطمعاً في خيره.
وتعملُ النصبَ؛ لشبهِها بأن إذا قُلتَ: جئتُه أن يُكرمني, وكي يُكرمَني.
стр. 613
وتعملُ لن؛ لأنها تقلت الفعلَ إلى الاستقبالِ والنفيِ, وتعملُ النصبَ؛ لأنَّها نقلتهُ إلى معنىً يكونُ للاسمِ كما نقلتهُ أن, وكي.
وتعملُ إذن؛ لأنَّها نقلت الفعلَ إلى الاستقبالِ والجوابِ, وتعملُ النصبَ؛ لأنَّها على قياسِ (أن) في الاستقبالِ.
فهذه الأربعةُ كُلُّها على قياسٍ واحدٍ في نقلِ الفعلِ إلى الاستقبالِ؛ ولذلك عملت النصبَ خاصة؛ لتجريَ على طريقةِ (أنْ) التي قد وجبَ لها ذلك؛ لشبهِ (أنَّ) الشديدةِ في معنى المصدرِ.
وقال الخليلُ في لن: أصلُها: لا أن, ولكنها حُذفت. ووجهُ هذا القولِ أنه لما كان ينبغي تقليلُ الأصُولِ, وتكثيرُ الفروعِ؛ لتُضبطَ الأصولُ, وتنعقدَ في النفسِ على أمكنِ ما يكونُ, وتقتضي فرُعها, فتُغنيَ بحفظِها عن حفظِ فرُعها؛ راعي هذا الأصلَ, فوجد (لن) يتوجهُ فيها أن ترجعَ إلى (أن) كما ترجعُ الحروفُ المُضمنةُ بمعنى: أن, فردَّها إليها؛ لهذه العلةِ.
стр. 614
وخالفهُ في ذلك سيبويهِ, ووجهُ خلافِه أنَّه يُلزمُه الامتناعَ من جوازِ: أمّا زيداً فلن أضربَ, كما يمتنعُ من جوازِ /٩٣ ب: أمَّا زيداً فلا الضربُ له؛ لأنه لا يتقدمُ معمولُ الصلةِ على الموصولِ.
ولا بُدَّ للخليلِ من أن يَرُومَ الانفصالَ من هذا بأنَّ (لن) لما كثرت حتى صارت بمنزلةِ حرفٍ واحدٍ؛ عُوملت مُعاملةَ: لم.
والصوابُ قولُ سيبويهِ؛ لأنَّه -وإن رُوعيَ الأصلُ الذي بَنَى عليه الخليلُ- فإنه لا يصلحُ أن يُحملَ عليه بالتعسفِ إذا توجهَ طريقٌ لا تعسفَ فيه, وفي الحملِ على: لا أن تعسفٌ بكثرةِ الحذفِ؛ إذ حُذفت الألفُ والهمزةُ, وبتقديمِ معمولِ الصلةِ على وجهٍ لا بُدَّ من أن يُرجعَ فيه إلى أنَّ (لن) بمنزلةِ (لم) في الاستعمالِ, فيصيرُ من أجل هذا حملُ (لن) على: لا أن, تعسُّفاً لا يجوزُ.
стр. 615
بابُ الحروفِ التي تُضمرُ فيها أن
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في الحروفِ التي تُضمرُ فيها (أن) مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في الحروفِ التي تُضمرُ فيها: أن؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ أن تُضمرَ (أنْ) في سائر حروفِ العطفِ كما أُضمرت في الواوِ, والفاءِ؟ وهل أُضمرت لأنها أُضمرت في الأُصولِ التي يصلحُ فيها الاشتراكُ؟ .
و[لمَ] جاز إضمارُ (أن) مع اللامِ, وحتى من حروفِ الجر, ولم يجُز مع: إلى, والباءِ؟ وهل ذلك لأنَّ اللامَ أوسعُ في حروفِ الإضافةِ من الباءِ وغيرها؛ إذ كُلُّ مُضافٍ فهو مُتضمنٌ لمعناها, إلا ما أُضيفَ على معنى: من, وهو قليلٌ, وجازَ في: حتى, ولم يجُز في: إلى, لأنَّ حتى تتصرَّفُ في النهايةِ على وُجوهٍ مُختلفةٍ: نهايةٍ في المفردِ, ونهايةٍ في الجملةِ, ونهايةٍ مع اشتراكٍ في الفعلِ, وليس كذلك إلى؛ لأنها نقيضةُ: من, تجري على حدّها؟ .
وما الدليلُ على أنَّ (أن) مُضمرةٌ في: اللامِ, وحتى؟ وهل ذلك لأنَّ حُروفَ
стр. 616
الجرِّ لا تدخلُ [إلا] على الاسمِ؟ .
ولمَ جاز في قولِ بعضِ العربِ: كيمه, كقولك: لمه؟ وهل ذلك لأنَّه جعلها /٩٤ أبمنزلةِ اللامِ؟ .
ولمَ خالفَ ابنُ السراجِ في هذا سيبويهِ, فذهبَ إلى أنَّ أصلها عندَ الجميعِ أن تنصبَ الفعل كنصبِ: أن, إلا أنَّ بعضهم شبَّهَها باللامِ, فقالَ: كيمه؛ كما يقولُ: لمه, فإذا نصبت الفعلَ؛ فعلى أصلها من غير إضمارِ أنْ, وسيبويه يذهبُ إلى إضمارِ (أن) بعدها في هذا القولِ؟ .
ولمَ لا يجزُ أن تظهرَ (أن) بعدَ: حتى؟ وهل ذلك لأنَّ الكلامَ محمولٌ على التأويلِ في الغايةِ بمعنى الاسمِ, دونَ معنى الجملةِ؟ وما نظيرُها من: أمَّا أنت مُنطلِقاً انطلقتُ معكَ؟ ولمَ كانَ بهده المنزلةِ مع العوضِ بما؟ .
وهل (حتى) عِوضٌ من: أنْ, وليست اللامُ عوضاً من: أن, وإنَّما هي دليلٌ عليها, إذا دخلت على الفعلِ؟ .
стр. 617
وما الفرقُ بين الدليلِ والعوضِ؟ وهل ذلك لأنَّه لا يجتمعُ العوضُ والمُعوضُ منه, ويجتمعُ الدليلُ والمدلولُ عليه؟ .
وما نظيرُ اللامِ من قولهم: إن خيراً فخيرٌ, وإن شراً فشرٌّ, في جواز إضمارِ العاملِ وإظهاره؟ .
وهلاّ جُعلت اللامُ عِوضاً من: أن؟ وهل ذلك للإيذانِ بصحةِ إضمارِ (أنْ) بعدَ هذه الأحرُفِ؟ .
ولمَ جاز: ما كانَ زيدٌ ليفعلَ, ولم يجُز إظهارُ (أن) مع اللام هنا؟ وهل ذلك لأنَّه محمولٌ على تأويلِ الخبرِ؛ إذ ليس تصريحاً بالخبرِ؛ من أجلِ أنَّه لا يجوزُ: كان زيدٌ ليفعلَ, وإنَّما يجوزُ في النفي خاصةً؛ لتعقدَ اللامُ معنى النفي: بما؟ .
وما نظيرُه من قولهم: إيّاكَ وزيداً, في إضمارِ عاملٍ لا يجوزُ إظهارُه, وإن اختلفتِ العللُ؟ .
ولمَ وجبَ أن يكونَ نفيَ: كانَ سيفعلُ؟ .
ولمَ صارت اللامُ في هذا الموضعِ عوضاً من: أن؟ و [ما] نظيرُها من ألفِ الاستفهامِ في: آللهِ لتفعلنَّ, في أنَّها عِوضٌ من واوِ القسمِ؟
стр. 618
وهل يمنعُ من إظهارِ اللامِ أنها نفيٌ لما معهُ حرفٌ واحدٌ, وهو: سيفعلُ, فلم يُشاكل ذلك أن يكونَ معه حرفانِ: اللامُ, وأن؟ .
стр. 619
بابُ حروفِ الجزمِ
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في حروفِ الجزمِ مما لا يجوزُ.
[مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في حروفِ الجزمِ؟ وما الذي لا يجوزُ]؟ ولمَ ذلك؟ .
ولمَ لا يجوزُ إضمارُ الجازم من غير عِوَضٍ كما جازَ مع اللامِ /٩٤ ب من غيرِ عوضٍ, ولكن بدليلٍ عليه؟ وهل ذلك لأنَّ الجازمَ أضعفُ من الجارِّ, والجارُّ لا يُضمرُ مع تبقيهِ عملهِ؟ .
وما حروفُ الجزمِ التي هي الأُصولُ؟ .
ولمَ جُزم بلم, ولما, ولا في النهي, ولامِ الأمرِ, وإن في الجزاءِ؟ .
ولمَ جرى الدُّعاءُ مجرى الأمرِ والنهي في قولك: لا يقطعِ اللهُ يدكَ, وليجزكَ خيراً؟ .
стр. 620
وما الشاهدُ في قولِ الشاعرِ:
(مُحمدُ تفدِ نفسكَ كُلُّ نفسٍ ... إذا ما خفتَ من شيءٍ تبالا)
وفولِ مُتممٍ:
(على مثلِ أصحابِ البعوضةِ فاخمُشي ... لك الويلُ حُرَّ الوجهِ أو يبكِ من بكى؟ )
ولمَ خالفَ في ذلك أبو العباسِ, وقال: لا يجوزُ إضمارُ الجازمِ أصلاً من غيرِ عوضٍ؟ .
стр. 621
ولمَ جازَ أن يعملَ الجازمُ بحقِّ الأصلِ إن لم يكن في عوامل الأسماءِ جازمٌ يُشبه به, مع أنَّ المعمولَ لهُ بحقِّ الفرعِ؛ لشبهِ المضارعِ بالاسمِ؟ وهل ذلك لأنَّه ما عملَ إلا بحقِّ الشبهِ, وإن لم يُشبه جازماً, وإنما أشبهَ جاراً في الاختصاصِ, فالجارُّ مُختصٌّ بالاسمِ, والجازمُ مُختصٌّ بالفعلِ؟ .
ولمَ جازَ: وبلدٍ قطعتُ, على إضمارِ: رُبَّ, مع جوازِ: وربَّ بلدٍ قطعتُ؟ وهل ذلك لأنه ليس على اجتماعِ العوضِ والمعوضِ منه, ولكن على الردُّ إلى الأصلِ في حروفِ العطفِ؟ .
стр. 622
الجوابُ عن البابِ الأولِ:
الذي لا يجوزُ في الحروفِ التي تُضمرُ فيها (أن) إجراؤها على وجهينِ: أحدُهما: ما لا يجوزُ فيه إلا الإضمارُ, والآخرُ: ما يجوزُ فيه الإظهارُ والإضمارُ.
فالذي لا يجوزُ فيه إلاّ الإضمارُ ما كان الكلامُ محمولاً فيه على التأويلِ. والذي يجوزُ فيه الإضمارُ والإظهارُ هو ما فيه دليلٌ من غيرِ حملٍ على التأويلِ؛ لأنَّه لما كان المعنى [على] التأويلِ؛ وجبَ أن يجريَ اللفظُ على طريقهِ في الحملِ على التأويلِ بإضمارِ (أن) , ولما كانَ اللفظُ محمولاً على التصريحِ بذكرِ الدليلِ؛ وجبَ أن يجوزَ الإضمارُ والإظهارُ, كاللامِ التي يصلحُ فيها الإضمارُ والإظهارُ.
فلا يجوزُ أن تُضمرَ في سائر حُروفِ العطفِ كما أُضمرت في الواو, /٩٥ أالفاء, وأو؛ لأن هذه الحروف أُصولٌ تحتملُ الوجوهَ, فلما أُخرجت إلى الوجهِ الذي تحتملُه في أصلها؛ صلحَ أن يضمرَ معها: أن؛ ليُؤذنَ بخُروجها إلى ذلك الوجهِ.
فالواوُ تحتملُ الجمعَ والإشراك, كقولك: لا تأكُلِ السمكَ وتشربِ اللبنَ, فهذا إشراكٌ في النهي؛ إذ قد نهيتَ عن كُلِّ واحدٍ منهما, فأما: لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبنَ؛ فإنما هو نهيٌ عن الجمع بينهما, فلما أُخرجت إلى معنى الجمعِ؛ أُضمرَ معها: أن؛ ليُؤذنَ بإخراجها إلى هذا المعنى.
стр. 623
وأما الفاءُ فتحملُ الخروجَ إلى الجوابِ؛ لأنها في الأصلِ تُرتبُ وتُشركُ, فأُخرجت في الجوابِ إلى الترتيب خاصةً من غير مُهلةٍ, وأضمرَ معها (أن)؛ ليُؤذنَ بالخروجِ إلى معنى الجوابِ.
وأما (أو) فهي لأحدِ الشيئينِ, إلا أنها مُضمنَةٌ بأنه إذا حصلَ لأحدهما المعنى؛ بطلَ أن يكونَ للآخرِ في دلالةِ ذلك الكلامِ, فخرجت إلى معنى: إلا أن, في قولكَ: لألزمنك أو تُعطيني حقي, بمعنى: إلا أن تُعطيني حَقي, أي: إن حصلَ الإعطاءُ بطلَ اللزومُ, كما أنَّه إن حصلَ المعنى لأحدهما بطلَ أن يكونَ للآخرِ, فخَرَجت إلى هذا الذي هي في الأصلِ مُضمنةٌ به.
وأمَّا اللامُ فيجوزُ إضمارُ أن معها؛ لأنها أُمُّ حروف الإضافةِ, وهي محتملةٌ للمُلكِ والغرضِ, فإذا أُخرجت مع الفعلِ إلى الغرضِ خاصةً؛ أُضمرَ معها: أن؛ ليُؤذنَ بخُروجها إلى الغرضِ؛ لأنها إنما تكونُ مع المصدر, كقولكَ: جئتُه حذراً منه؛ أي: للحذرِ.
ولم يصلحُ أن يُضمرَ مع الباءِ؛ للعلةِ التي ذكرنا من أن اللامَ أمُّ حروفِ الإضافةِ, وهي تكثرُ في الغرضِ الذي يُدلُّ عليه بالمصدرِ.
стр. 624
وأما حتى فصلحَ بعدها إضمارُ أن؛ لأنها مُحتملةٌ للوجوهِ من الغايةِ في المُفردِ, والغايةِ في الجُملةِ, والغايةِ التي معها شَركةٌ, فإذا أُخرجت إلى الغايةِ في المُفردِ على جهةِ التأويلِ بذكرِ الفعلِ الذي /٩٥ ب يدُلُّ على المصدرِ؛ أُضمرَ معها: أن, ولزمها الإضمارُ لهذه العلةِ.
ولم يجُز مثلُ ذلك في: إلى, وإن شاركتها في معنى الغايةِ, إلا أنَّها تلزمُ طريقةً واحدةً كلزومِ نقيضها الذي هو: من, وليس لحتى نقيضٌ؛ لأنَّك [لا] تقولُ: خرجتُ من بغدادَ حتى البصرةِ, على تلك الطريقةِ.
والدليلُ على أنَّ (أنْ) مُضمرةٌ في: اللام, [و] حتى أنَّ حرف الجرِّ لا يدخلُ إلا على الاسمِ.
стр. 625
ودليلٌ آخرُ, وهو أنها تُظهرُ مع: أن, وتُضمرُ على معنىً واحدٍ, فلو لم تكُن مُقدرةً؛ لم تُوافق معنى المُظهرةِ, ويظهر عملُها كما يظهرُ إذا كانت مذكورةً.
واختلفوا في: كيمه, فذهبَ سيبويه إلى أن بعض العربِ يجعلها بمنزلةِ: لمه, ويجبُ على قولهِ أن يُضمرَ بعدها كما يُضمرُ بعد اللامِ, إلا أنَّه ذكرَ أنَّ (أن) لا تظهرُ بعد (كي) بإجماعٍ, وتظهرُ بعد اللامِ.
وخالفه ابنُ السراجِ في ذلك, فذهبَ إلى أنه لا يُضمرُ بعدها: أن, وإنما تنصبُ الفعلَ بحقِّ الأصلِ عندَ الجميع, إلا أنَّ الذي قال: كيمه, شبهها بلمه, من جهةِ الغرضِ الذي يكونُ كُلُّ واحدٍ منهما له, إذا قلت: جئتُك لتفعلَ, وكي تفعلَ, فالمعنى متَّفقٌ.
ويقوي قولَ ابن السراجِ أنه لو كانت بمنزلةِ اللامِ؛ لجاز: المالُ كي زيدٍ, كما يجوزُ: المالُ لزيدٍ, فكانت تدخلُ على الأسماءِ الظاهرةِ المُتمكنةِ, فتقعُ مواقعَ اللامِ فلما امتنعَ ذلك؛ دلَّ على الشبهِ في موضعٍ مخصوصٍ, ومذهبُ ابنِ السراجِ في
стр. 626
هذا البابِ أقوى, ويقوي مذهبَ ابن السراجِ دخولُ اللامِ عليها في قولك: جئتك لكي تفعلَ كذا؛ وذلك لأنها شُبهت بأن من جهةِ موافقةِ المعنى في قولك: لأن تفعلَ, ولكي تفعلَ, فهو بحقِّ الشبهِ.
ونظيرُ حتى في امتناعِ إظهارِ العاملِ: أمَّا أنتَ مُنطلقاً انطلقتُ معكَ, والعلةُ في ذلك العوضُ بـ: ما في هذ, [و] (حتى) في ذاك.
وليست اللامُ /٩٦ أعوضاً من (أن) في: جئتُك لتفعلَ, وإنَّما هي دليلٌ عليها مع الفعلِ, ولو كانت عوضاً لم تجتمع معها؛ لأنَّخ لا يُجمعُ العوضُ والمُعوضُ منه, ويجتمعُ الدَّليلُ والمدلولُ عليه.
ونظيرُها قولُهم أيضاً: إن خيراً فخيرٌ, وإن شراً فشرٌّ, وإنما لم تكن عوضاً؛ للإيذانِ بصحةِ إضمارِ أن بعدَ هذه الأحرفِ.
стр. 627
وتقولُ: ما كانَ زيدٌ ليفعل كذا, على إضمارِ: أن, ولا يجوزُ إظهارُها في هذا الموضعِ؛ لأنَّ الكلامَ محمولٌ على تأويلِ الخبرِ؛ إذ لو كان على صريحهِ؛ لجاز في الإثباتِ, فلما كان الإثباتُ إنما هو: كان زيدٌ سيفعلُ, والنفيُ: ما كان زيدٌ ليفعلَ؛ كان محمولاً على التأويل.
وإنما اختصَّ النفيُ بذلك؛ لأنه واقعٌ على الخبرِ, وقد تراخى عنه حرفُ النفي, فدخلت اللامُ لتعقده بمعنى حرف النفي.
ونظيرُه: إيَّاك وزيداً, في إضمارِ عاملٍ لا يجوزُ إظهارُه في بعضِ المواضعِ, ويجوزُ في غيره, فتقولُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] على إظهارِ العاملِ, ولا يجوزُ إظهارُه في التحذيرِ إذا قُلتَ: إيّاكَ أن تفعلَ, وإيّاك وزيداً.
стр. 628
فاللامُ في هذا الموضع عوضٌ من: أنْ, ونظيرها ألفُ الاستفهامِ في قولك: آللهِ لتفعلنَّ؛ إذ هي عوضٌ من واوِ القسمِ.
وعلةٌ أخرى في امتناعِ إظهارِ: أن, وذلك أنها نفيٌ لما معهُ حرفٌ واحدٌ, وهو سيفعلُ, فلم يصلُح أن تكونَ لما معه حرفانِ لكل واحدٍ منهما معنى؛ لأنَّ ذلك يخرجُ إلى التنافرِ في الكلامِ, ويبعدُ في التشاكُلِ.
стр. 629
الجوابُ عن البابِ الثاني:
الذي يجوزُ في حُروف الجزمِ أن تعملَ [و] تنقُلَ الفعلَ إلى معنى لا يكونُ عليه الاسمُ؛ لأنه إعرابٌ لا يكونُ في الاسمِ.
ولا يجوزُ أن تكونَ كحروفِ النصبِ التي تنقُلُ إلى معنىً يكونُ عليه الاسم؛ لأن النصبَ مُشتركٌ, والجزمَ مُختصٌّ بالفعلِ.
وحروف الجزمَ التي هي الأُصولُ خمسةٌ: لم, ولما, ولا في النهي, ولامُ الأمرِ, وإن في الجزاءِ.
فـ: لا قد نقلت الفعلَ إلى معنى النهي الذي لا يكونُ في الاسمِ, وكذلك لامُ الأمرِ, وكذلك (إن) نقلته إلى الشرطِ والجوابِ, وهو معنىً لا يكونُ للاسمِ, و (لم) نقلته إلى معنى الماضي, لو قلت: زيدٌ يقومُ أمسِ؛ لم يجُز, وإذا قلت: لم يقُم أمسِ, جازَ, فلم نقلته إلى الماضي, وهو نقلٌ لا يصلحُ للاسمِ, وكذلك: لما يقُمْ.
ولا يجوزُ إضمارُ الجازِم مع غيرِ عوضٍ؛ لأنه أضعفُ من الجارِّ, والجارُّ
стр. 630
لا يُضمرُ إلا بعوضٍ.
والدُّعاءُ يجري مَجرى الأمرِ والنهي في قولك: ليجزك اللهُ خيراً, ولا يقطعِ اللهُ يده, وإنما وجبَ ذلك؛ لأنه طلبٌ للفعلِ كما أنَّ الأمرَ طلبٌ للفعلِ, وكذلك النهيُ طلبٌ للانتهاءِ عن الفعلِ, فجاز لهذه العلةِ, وإن أنصلَ بأنَّ الأمرَ فيه ترغيبٌ في الفعلِ, والنهيَ تحذيرٌ من الفعلِ, وليس ذلك في معنى الدُّعاءِ, إلا أنه طلبٌ للفعلِ يطلبُه الداعي من غيره.
وقال الشاعرُ:
(مُحمدُ تفدِ نفسكَ كلُّ نفسٍ ... إذا ما خقتَ من شيءٍ تبالا)
فحذفَ لامَ الأمرِ من غيرِ عوضٍ.
واختلفوا في هذا, فذهبَ سيبويه إلى أنه يجوزُ في الضرورةِ؛ لأنَّه يُشبهُ بعاملِ الجر.
وذهبَ أبو العباسِ إلى أنَّه لا يجوزُ؛ لأنَّ عاملَ الجزمِ أضعفُ.
وقال مُتمُ بنُ نُويرةَ:
стр. 631
(على مثلِ أصحابِ البعوضةِ فاخمشي ... لكِ الويلُ حُرَّ الوجهِ أو يبكِ من بكى؟ )
فأجاز هذا أبو العباسِ على ضعفٍ؛ لأن قوله: فاخمُشي, أمرٌ يقومُ مقامَ العوضِ من المحذوفِ.
والجازمُ يعملُ بحقِّ الشبهِ للجارِّ من عوامل الأسماءِ من جهةِ الاختصاصِ الذي بينهما, فالجازمُ للفعلِ, والجارُّ يختصُّ الاسمَ, فصار نظيرَه في الاختصاصِ القويِّ الذي يكونُ معناه فيما دخلَ عليه على هذا الحدِّ, ولم يعملْ لشبههِ بجازمٍ آخرَ, وإن عملَ بحقِّ الشبهِ.
ويجوزُ: وبلدٍ قطعتُ, على معنى: ربُ بلدٍ قطعتُ, إلا أنَّ الواوَ عوضٌ من رُبَّ؛ فإذا قُلتَ: /٩٧ أورُبَّ بلدٍ؛ لم تكن واوَ العوضِ, ولكن واوَ العطفِ الذي يقتضي إشراكَ الثاني مع الأولِ, وإذا كانت عوضاً؛ لم تكُن كذلك؛ لأنَّه لا يجتمعُ العوضُ والمُعوضُ منه أصلاً.
стр. 632
بابُ عامل الرفعِ في الفعلِ المضارع
الغرضُ فيه:
أن يُبيَّنَ ما يجوزُ في عاملِ الرفعِ في الفعلِ المضارعِ مما لا يجوزُ.
مسائلُ هذا البابِ:
ما الذي يجوزُ في عاملِ الرفعِ في الفعل المضارع؟ وما الذي لا يجوزُ؟ ولمَ ذلك؟
ولمَ لا يجوزُ أن يعملَ فيه الرفعَ فقدُ الجازمِ والناصب على ما يقولُه بعضُ النحويينَ؟ وهل ذلك لأن المنفيَّ لا يكونُ عاملاً, مع أنه لا يحتاج مع نفيه إلى أن يدلَّ على أنَّه منفيٌّ من الكلامِ, وإنَّما الإعرابُ بيانٌ يُفرقُ بين المعاني المختلفةِ من معاني الكلامِ, ومع أنه إذا ضعُف الشيءُ؛ لم يكن عاملاً كما لا يعملُ السينُ وسوفَ؛ لضعفِ نقلهما الفعلَ, فتعملُ أن, ولن؛ لقُوةِ نقلهما بوجهينِ, فانتفاءُ العاملِ أضعفُ شيءٍ في أن يُوجهَ العملُ إليه؟ .
ولمَ كانَ عاملُ الرفعِ في الفعلِ هو وقوعُه موقعَ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنه يُحتاجُ أن يفرقَ بين الموقعِ الذي يقعُ فيه الاسمُ, وبين الموقعِ الذي لا يقعُ فيه الاسمُ؛ إذ كانَ تأليفُ الكلامِ من أكبرِ الدلالاتِ فيه, فاختلافُ المواقعِ من أكبرِ ما يُحتاجُ إليه في تأليفِ الكلامِ؛ حتى يصحَّ به البيانُ عن المعنى؟ .
стр. 633
وما مَوقعُ الاسمِ الذي هو أحقُّ به من الفعلِ؟ وهل ذلك الموقعُ الذي يعملُ فيه عاملُ الاسمِ؟ .
وما قسمتُه؟ ولمَ كانَ موقع المبتدأ, وخبرِ المبتدأ, وموقعُ المفعولِ, وموقعُ الصفةِ, وموقعُ الحالِ, وموقعُ المضافِ إليه؛ أحقَّ بالاسمِ مع جوازِ وقوعِ الفعلِ فيه؟ .
ولمَ لا يجوزُ أن يقعَ الفعلُ في كُلِّ موضعٍ يصلحُ أن يقعَ فيه الاسمُ؟ وهل ذلك لأنَّ من المواقع ما يستحيلُ أن يقعَ فيه الفعلُ كموقعِ الفاعلِ؛ لأنه معتمدُ البيانِ عن الفعلِ, وصلحَ أن يقعَ في موقعِ المفعولِ إذا كان /٩٧ ب للفائدة, ولم يصلح أن يقعَ موقعَ المفعولِ إذا كان للبيانِ فقط؟ .
ولمَ كان موقعُ الاسمِ أحقَّ بعاملِ الرفعِ في الفعل؟ وهل ذلك لأنَّه الأولُ كما أنَّ الرفعَ أولٌ؛ فلهذا وجبَ أن يكونَ عاملَ الرفعِ؟ .
ولمَ وجبَ الرفعُ في: يقولُ زيدٌ ذاك, وفي: زيدٌ يقولُ ذاك, وفي: مررتُ برجلٍ يقولُ ذاك, ومررتُ بزيدٍ يقولُ ذاك, وهذا يومُ آتيك, وحسبتُه ينطلقُ؟ فما العللُ في رفعِ الفعلِ في هذه المواقعِ؟ .
وما حُكمُ: هلاّ يقولُ زيدٌ ذاك؟ ولمَ وجبَ في الفعلِ الرفعُ بعد: هلاّ, وليس من
стр. 634
مواقعِ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنه من مواقعهِ في القياسِ , وإن لم يكُن من مواقِعِه في الاستعمالِ؛ إذ كُلُّ حرفٍ منفصلٍ غير عاملٍ فالاسمُ يصلحُ بعدهُ [في] القياسِ, إلا إن يعرض مانعٌ, فلا يُخرجه من أن يكونَ الموقعُ لهُ في القياسِ, وإن عرضَ ما يمنعُ منه, كما يعرضُ في: أيَّهم ضربتَ؟ أن يقعَ في موقعِ المفعولِ, وله موقعُ التأخيرِ بحقِّ المفعولِ, وقد منعَ منه حرفُ الاستفهامِ؟ .
ولمَ كانَ (هلا) من الحروف المُنفصلةِ, ولم يكن (سوفَ) من الحروفِ المُنفصلةِ؟ وهل ذلك لأن تقديرهَ تقديرُ الزائدِ في حشوِ الكلمةِ, وليس كذلك: هلاّ, ودليلُه: هلاّ زيداً ضربتَ, ولا يجوزُ: سوفَ زيداً ضربتَ؟ .
وما المانعُ من أن يكونَ (هلاّ) للاسمِ, فيكونَ الموقعُ بعده موقعَ الاسم؟ وهل ذلك ما دخَلَه من معنى التحضيضِ على الفعلِ, وأصلُه الاستفهامُ؟ .
وما حُكمُ: ائتني بعدَ ما تفرغُ؟ ولمَ كان هذا الموقعُ للاسمِ مع أنَّ (ما) والفعلَ بمنزلةِ المصدرِ؟ .
ولمَ جاز: ائتني بعدَ ما زيدٌ أميرٌ, من غير عائد إلى: ما, ولم يَجُز مثلُ ذلك في: الذي, فلم يجُز: بعدَ الذي زيدٌ أميرٌ, حتى تذكُر عائداً إلى: الذي, فتقولَ: بتوليته, أو ما جَرى هذا المجرى؟ وهل ذلك لأن (ما) حرفٌ في هذا الموضع, كما أنَّ [أنْ] حرفٌ, فلا /٩٨ أيحتاج إلى عائدٍ, إلا أنه ينقلُ الفعلَ نقلينِ, فيعملُ فيه, وليس كذلك: ما؟
стр. 635
وهل يلزمُ من ذهبَ إلى أن الفعلَ يرتفعُ بالابتداءِ أن ينصبه بعاملِ الاسمِ, ويجُره, كما أعملَ الابتداءَ وهو عاملُ الاسمِ؟ .
وما حُكمُ: كُدتُ أفعلُ, وكربَ يفرغُ؟ ولم كانَ هذا من مواقعِ الاسمِ؟ وهل ذلك لأنه في مواقعِ المفعولِ؛ إذ الأصلُ: كُدتُ أن أفعلَ, ولكن حُذفت: أن؛ لأنَّه في الأصلِ: قاربَ أن يفعلَ, ولكنَّ المبالغةَ في التقريبِ أوجبت حذف: أن, فهو في موقعِ الاسمِ في القياسِ, وإن لم يُستعمل في هذا الموضع الاسمُ, وكذلك: كربَ يفعلُ, وعسى يفعلُ, كل هذه المواقع للاسم في القياس؛ لأنها مواقعُ المفعولِ, وإن منعَ من الاسم مانعٌ عارضٌ؟
ولمَ جاز في (بلغني أنَّ زيداً جاءَ): بلغني مجيءُ زيدٍ, وبم يجُز في (لو أنَّ زيداً جاء لكان كذا وكذا): لو مجيءُ زيدٍ, مع أنَّه على تقديره؟ وهل ذلك لأنَّ (لو) تطلبُ ما فيه الفائدةُ, و (بلغني) يطلب ما هو للبيان, فـ (لو) للفعلِ أو الجملةِ
следующие страницы →