Полный текст (908 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وما حكم: رأيت عبد الله سار حتى يدخلها, وأرى زيدًا سار حتى يدخلها؟ ولم جاز بالرفع في: أرى زيدًا سار حتى يدخلها؟
وما وجه قول بعض النحويين: لا يكون في ذا إلا النصب, لأن المتكلم ليس بمتيقن؟ وهل ذلك لأنه إذا لم يتيقن وقوع الفعل الذي يكون سببًا للفعل بعد حتى فهو بمنزلة النفي في أنه ليس هناك فعل يكون سببًا؟
ولم جاز على مذهب سيبويه؟ وهل ذلك لأن الغالب كاللازم, فإذا غلب عليه أن هناك سببًا فهو كلزوم السبب؟
وهل يلزم المخالف في هذا أن ينصب في قوله: سار زيد حتى يدخلها فيما بلغني ولا أدري, وسار زيد حتى يدخلها أرى؟ ولم ألزمه سيبويه هذا مع أن له أن ينفصل منه بأنه ذكر: لا أدري, وأرى, في موضع الاستدراك بعدما مضى صدر كلامه على اليقين؟
وما حكم كنت سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع؟
وما وجه امتناع بعض النحويين من الرفع في هذا, لأنه لا يجوز القلب؟ وهل وجه ذلك أنها إذا ارتفع الفعل بعدها, فهي حرف من حروف الابتداء, وذلك يقتضي
стр. 667
لها جواز الابتداء بها في قولك: سرت حتى أدخلها, وحتى أدخلها سرت, وإذا ذكرت: كنت, لم يصلح أن تقدم: سرت, فلا يجوز: كنت حتى أدخلها سرت؟
ولم ألزمهم سيبويه امتناع الرفع في: قد سرت حتى أدخلها؟ وهل ذلك [لأنه] لا يجوز: قد حتى أدخلها سرت؟
وهل لهم أن ينفصلوا من هذا بأن (قد) زيادة في الفعل بمنزلة الزيادة في حشو الكلمة من نحو ألف: ضارب, وواو: ضروب, ونحو ذلك؟
وما جوابهم عن هذا السؤل إذا حقق على هذه الجهة؟ وهل هو أنه يجوز: كنت حتى أدخلها سرت, لأنه قد عمل في موضعه: سرت, وصار يصلح أن يقع بين كنت, وسرت, ولو قال: كنت سرت زيد معي في مسيري كله, على استئناف الكلام في زيد, لم يصلح أن يقدم؟
وما حكم: إنمان سرت حتى أدخلها, وما سرت إلا قليلا حتى أدخلها؟ ولم صار مع التقليل الرفع, والتقليل بمنزلة مالا يعتد به؟
وما حكم: ربما سرت حتى أدخلها, وطالما سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز الرفع مع امتناع القلب؟ وهل ذلك لأنه عارض بدخول (ما) المقتضية لذكر الفعل في هذا الموضع من: ربما, وطالما, وكثر ما, فلا يخرجه ذلك أن يكون حرفًا من حروف الابتداء, كما تقول: ربما سرت فأنا أدخل, وطالما أسرت
стр. 668
فأدخل, وكثر ما سرت فأنا أدخل ما أمنع؟
ولم جاز الرفع مع أنه غير سير واحد لا يتحصل منه سبب؟ وهل ذلك لأنه يتحصل في الجملة أنه أحد ضروب السير الذي وقع, فهو بمنزلة: سرت غير مرة حتى أدخلها؟
وما حكم: ما أحسن ما سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع في التعجب, وليس الغرض فيه تثبيت فعل ذكر, وإنما الغرض فيه التعجب؟ وهل ذلك لأن سرت يدل على وقوع السير المتعجب منه؟
وما حكم: قلما سرت حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع مع أن (قلما) يستعمل على معنى النفي؟ وهل ذلك لأن فيه اشتراكًا, فإذا ذهب به مذهب النفي لم يجز, وإذا ذهب به مذهب إثبات القليل جاز, وكذلك: أقل ما سرت حتى أدخلها.
ولم جاز مثل هذا في: قلما, ولم يجز في: كثر ما سرت؟
стр. 669
وما دليله من قولهم: [قلما] سرت فأدخلها, وامتناع: كثر ما سرت فأدخلها؟
ولم جاز: إنما سرت حتى أدخلها, على قبح, لاحتقار السير؟
وما حكم: ما سرت حتى أدخلها؟ ولم لا يجوز بالرفع؟ ولم أجازه الأخفش مع إقراره أن العرب لم ترفع غير الواجب في باب حتى؟ وهل ذلك لما بينا قبل من أن الرفع لابد من أن يكون الفعل الأول فيه سببًا أدى إلى الثاني, لأنها لما أخرجت عن الغاية في المكان, أخرجت إلى السبب الذي منتهاه المسبب, وليس في النفي سبب يكون الثاني منتهاه؟
وما حكم كان سيري حتى أدخلها؟ ولم لا يجوز فيه الرفع؟ وهل ذلك لأن كان تحصل بغير خبر, وإذا نصبت فلها خبر بمنزلة: كان سيري إلى أن أدخلها,
стр. 670
والرفع بمنزلة: كان سيري فإذا أنا أدخلها وهذا لا يجوز؟
وما حكم: كان سيري سيرًا متعبًا حتى أدخلها؟ ولم جاز بالرفع والنصب؟
وما حكم (حتى) في إشراكها الفعل الذي بعدها ما قبلها كما تشرك الفاء؟ ولم وجب: لم أجئ فأقل, لم يجز: لم أجئ حتى أقل, إذ كانت / ١٠٥ ب تعطف الاسم على الاسم؟ فلم جاز أن تعطف اسمًا على اسم, ولم يجز أن تعطف فعلًا على فعل؟ وهل ذلك لأنها تعطف في تعظيم أو تحقير, ولا تعطف في غير ذلك, ولو قلت: ضربت زيدًا حتى عمرًا, لم يجز؟
وهل يلزم من العطف امتناع: كان سيري أمس شديدًا حتى أدخل, كما يمتنع: فأدخل على العطف؟
وهل يجوز: كان سيري أمس حتى أدخلها, بالرفع؟
ولم جاز أن يقع (يفعل) في موضع (فعل) في بعض الكلام؟ وهل ذلك لأنه
стр. 671
قد يكون فعل يتطاول, فيصح فيه: يفعل, ليدل على ما وقع منه, وما لم يقع, ويصلح فيه: فعل, ليدل على ما وقع منه نحو: يجعل الله الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا, وجعل الليل سكنًا والشمس والقمر حسبانًا؟
وما الشاهد في قول رجل من بني سلول:
ولقد أمر على اللثيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني؟
ولم جاز (أمر) في موضع: مررت؟ وهل ذلك لأن المعنى: إن من شأني المرور في الماضي والمستقبل؟
وما حكم: أيهم سار حتى يدخلها؟ ولم جاز بالرفع, ولم يجز: أسار زيد حتى يدخلها؟ وهل ذلك لأن: أيهم سار, فيه ادعاء وقوع سير, وكذلك: أين الذي سار حتى يدخلها؟
стр. 672
ولم جاز: ما سرت حتى دخلت, ولم يجز: ما سرت حتى أدخل؟ وهل ذلك لأنها خارجة عن الموضع الذي تكون فيه ناصبة للفعل إلى الرفع, فلم تخرج عنه وبعدها الفعل المضارع إلا إلى ما يُشاكل الأصل, وهي هاهنا إذا دخلت على الفعل الماضي على خلاف تلك الجهة, وإنما دخلت على ماضٍ مع ماضٍ, فصارت بمنزلة: ما سرت فدخلت, فإذا دخلت على ما قد أمن أن تعمل فيه, خرجت عن حد أخواتها, وصارت على حكم آخر, وهو دخولها على الماضي, فهي إذا نقلت الفعل نقلين: إلى الاستقبال والغاية ناصبة, لأنها على قياس أخواتها من حروف النصب, وإذا كان الفعل المضارع بعدها للحال, صارت بمنزلة (إذن) إذا كان الفعل بعدها للحال, وإذا دخلت على الماضي, فليس يحتاج معها إلى أن يكون الأول سببًا للثاني, لأنها قد خرجت عن حد الغاية التي هي بمعنى: إلى أن, وعن المضارع الذي تصلح فيه الغاية, ألا ترى أنه يجوز: وقفت حتى طلعت الشمس, ولا يجوز: وقفت حتى تطلع الشمس؟ .
الجواب:
الذي يجوز في حتى التي يرتفع الفعل بعدها إجراؤها على الحال والسبب المؤدي إلى الفعل الذي بعدها, لأنها إذا كانت للحال لم يجز أن تنصب لخروجها عن حد أخواتها في النصب كخروج: إذن, وإذا كانت للسبب المؤدي
стр. 673
إلى الثاني, صلح فيها الرفع, للفرق بين تقدير الغاية بمعنى: إلى أن, وبين ما هو للحال.
ولا يجوز الرفع بها في غير الواجب من النفي والاستفهام أو غيرهما, ومعنى الواجب: الدال على الواقع في ماض, أو حاضر, أو مستقبل.
وتقول: أرى زيدًا سار حتى يدخلها, فيجوز بالرفع, والنصب, ومن النحويين من لا يجيز الرفع في هذا, لأن المتكلم لما لم يكن متيقنًا, صار بمنزلة النفي, وسيبويه يجيزه, لأن الغالب كاللازم في سائر أبواب العربية, فلما غلب عليه أن السير قد وقع, صار بمنزلة الواقع لا محالة.
وتقول: كنت سرت حتى أدخلها, فيجوز بالرفع والنصب, وبعض النحويين لا يجيز الرفع, لامتناع القلب من جهة أنها حرف من حروف الابتداء, فإذا لم يجز القلب, خرجت عن حروف الابتداء, فيجيز: سرت حتى أدخلها, لأنه يجوز: حتى أدخلها سرت, ولا يجيز في: كنت.
والصواب: جواز الرفع على مذهب سيبويه, لأنه يجوز: كنت حتى أدخلها سرت إذ هو في موضع الحال التي يعمل فيها: سرت, بمنزلة قولك: كنت
стр. 674
سرت وأنا مصاحب لزيد.
وتقول: إنما سرت حتى أدخلها, بالرفع, وإن احتقرت سيرك, فإنه قد وقع منه ما يؤدي الدخول.
وتقول: كثر ما سرت حتى أدخلها, بالرفع, ومن النحويين / ١٠٦ ب من لا يجيز إلا النصب, لأنه على معنى ضروب من السير, فلا يتحصل السير الذي هو سبب.
والصواب جوازه على مذهب سيبويه, لأن أحد تلك الأضرب من السير هو المؤدي إلى الدخول, وإن لم يعرف بعينه.
وتقول: قلما سرت حتى أدخلها, إذا ذهبت بقلما مذهب النفي, فليس إلا النصب بمنزلة: ما سرت فأدخلها, وهو مذهب للعرب معروف, ويدل عليه قولهم: قلما سرت فأدخلها, فينصب بالفاء على جواب النفي, ولا يجوز: سرت فأدخلها.
ولهم فيه مذهب آخر على نقيض: كثر ما سرت, فيثبت إذا قال: قلما سرت, سيرًا قليلًا على النقيض, فعلى هذا المذهب يجوز: قلما سرت فأدخلها,
стр. 675
بالرفع.
والأخفش يجيز: ما سرت حتى أدخلها, بالرفع من طريق القياس, مع اعترافه أن العرب لم تتكلم بالرفع إلا في الواجب, فقاسها على الفاء.
وليس يصح هذا القياس, للعلة التي بينا من أن حتى إذا دخلت على المضارع, فلها وجهان:
أحدهما: أن تكون غاية, بمنزلة: إلى أن, أو كي.
والآخر: أن تكون على شبه الغاية من السبب المؤدي إلى المسبب.
وليس كذلك الفاء, لأنه ليس فيها ما يقتضي أن يكون الفعل الأول سببًا للثاني في غير الجزاء, فلهذا جاز: ما سرت فأنا أدخل ما أمنع, ولم يجز: ما سرت حتى أدخل ما أمنع, للفرق الذي بينا.
وتقول: كان سيري حتى أدخلها, ولا يجوز بالرفع, لأنه يبقى (كان) بغير خبرٍ.
ويجوز: كان سيري سيرًا متعبًا حتى أدخلها, بالرفع والنصب, وكذلك:
стр. 676
كان سيري أمس حتى أدخلها, بالرفع إذا جعلت أمس خبر: كان, ولم تجعله من صلة: سيري, وإن جعلته من صلة: سيري, لم يجز.
ولا يجوز في حتى أن تعطف فعلًا على فعل, لو قلت: لم أجئ حتى أقل, لم يجز, ويجوز: لم أجئ فأقل, لأنها في العطف لا تكون إلا لتحقير أو تعظيم يخرج من جملة المذكور, كقولك: قدم الناس /١٠٧ أحتى المشاة والصبيان, وخرج الناس حتى الأمير, ولو قلت: ضربت زيدًا حتى عمرا, لم يجز.
وقال رجل من بني سلول:
ولقد أمر علي اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت لا يعنيني
فجعل (أمر) في موضع: مررت, لأن المعنى: من شأني المرور في الماضي والمستقبل, فجاز لهذه العلة, وهذا الموضع أولى بمررت, لمشاكلة: فمضيت ثمت قلت.
وتقول: أيهم سار حتى يدخلها؟ بالرفع, لأن فيه ادعاء وقوع سير, وكذلك: أين سار حتى يدخلها؟ ومتى سار حتى يدخلها؟
стр. 677
ولا يجوز: أسار حتى يدخلها؟ لأنه ليس فيه ادعاء وقوع سير.
وتقول: ما سرت حتى دخلت, فيجوز في الماضي أن لا يكون الفعل الأول سببًا للثاني, لأنه لم يخرج عن [غاية] إلى ما يشاكلها, فيجب له معنى السبب, فصار بمنزلة: ما سرت فدخلت, ولذلك جاز: وقفت حتى طلعت الشمس, ولم يجز: وقفت حتى تطلع الشمس, بالرفع, لأن (تطلع) نقل عن: إلى أن تطلع, فلم ينقل عن الغاية إلا إلى منتهى مسبب كالغاية في المكان, وليس كذلك الماضي.
стр. 678
باب حتى التي يكون العمل فيها من اثنين
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في حتى التي يكون العمل فيها من اثنين مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في حتى التي يكون العمل فيها من اثنين؟ وما الذي لا يجوز؟
ولم ذلك؟ ولم لا يجوز أن يكون العمل من اثنين في حتى كالعمل من واحد؟ وهل ذلك لأن الغالب في العمل من اثنين أن لا يكون فعل أحدهما سببًا مؤديًا إلى فعل الآخر كما يكون في فعل الواحد؟
وما حكم: سرت حتى يدخلها زيد؟ ولم كان الأظهر في هذا النصب حتى يقوم دليل بأن سيرك أدى إلى دخول زيد؟
وما حكم: سرت حتى تطلع الشمس؟ ولم لا يجوز بالرفع أصلًا؟ وهل ذلك لأن السب لا يجوز أن يكون سواء وجوده /١٠٧ ب وعدمه في أن المسبب يوجد لا محالة؟
وما حكم: سرت حتى يدخلها ثقلي, وسرت حتى يدخلها بدني؟ ولم
стр. 679
كان الوجه في هذا الرفع؟
وما الفرق بين قراءة مجاهد: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾. بالرفع, وبين قراءة غيره بالنصب؟ وهل النصب على الغاية من غير سبب, والرفع على أن الزلزلة هي سبب قول الرسول؟
وما حكم: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها؟ ولم لا يجوز الرفع في: وأدخلها, إذا كان سيرك قد أدى إلى دخولك؟ وهل ذلك لأنه لا يصح العطف بمرفوع على منصوب لا موضع له سوى النصب؟
وما حكم: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع إذا رفعت الأول؟ وهل ذلك لأنه لا يعطف منصوب على مرفوع؟
стр. 680
وما حكم: سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيد, وسرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس؟ ولم جاز نصب الثاني مع إعادة حتى, ولم يجز مع ترك إعادتها بالحمل على التأويل؟ وهل ذلك لأنها ليست في تأويل الناصبة, إذ المعنى مختلف, وكذلك التقدير مختلف أيضًا؟
وهل يجوز: سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس؟ ولم لا يجوز على مذهب من قال: رب رجل وأخيه؟ وهل ذلك لأن المعنى والتقدير مختلف في حتى؟
وما وجه قول الأخفش: إن حتى التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها؟ وما الصواب فيه؟ وهل وجهه أنه رأى الأحكام تختلف فيها, والصواب أن تكون واحدة, وإن اختلفت الأحكام لأنها ترجع إلى تقديرات مختلفة, وليس كذلك كل حرف, لأن لام الإضافة لا يجوز أن تكون هي لام الابتداء, لأن اختلاف
стр. 681
الأحكام لا يتوجه إلا على اختلاف الوضع على تقدير حرفين مختلفين لمعنيين مختلفين, وليس كذلك حتى لأن اختلاف الأحكام على جهة اختلاف التفريع؟
وما حكم: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها؟ ولم جاز مع أن الثاني لا يشاكل الأول؟ وهل ذلك لأنه على عطف /١٠٨ أجملة على جملة باختلاف المعنى؟
وما الشاهد في قول امرئ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان؟
وهل ذلك شاهد في رفع الفعل بعد حتى مع العطف على حتى التي نصب الفعل بعدها؟
وما حكم: سرت وسار حتى يدخلها؟ ولم جاز بالرفع مع انفصال سيرك من
стр. 682
سيره؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: سرنا حتى ندخلها؟
وما حكم: سرت حتى أسمع الأذان؟ ولم لا يجوز بالرفع؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: سرت حتى يؤذن الناس, فذكر السمع هاهنا ليس معتمد الكلام؟
وما حكم: سرت حتى أكل؟ ولم جاز بالرفع, ولم يجز: سرت حتى أصبح, إلا بالنصب؟
الجواب: الذي يجوز في حتى التي العمل فيها من اثنين إجراؤها على أن الأول إذا لم يصلح أن يكون سببًا أدى إلى الثاني, امتنع الرفع من الثاني, كقولك: وقفت حتى تطلع الشمس, لا يجوز مثل هذا إلا بالنصب, لأن وقوفك لا يؤدي إلى طلوع الشمس, لأنه سواء كان أو لم يكن فالشمس تطلع في وقتها.
فلا يجوز في مثل هذا الرفع لأنه لا يكون الرفع إلا والفعل الأول أدى إلى وقوع الثاني, لتكون على قياس أصلها في الغاية, والذي يجمعهما المنتهى, إلا أن الغاية منتهى مجرد من معنى المسبب كتجريد: وقفت حتى تطلع الشمس, فمنتهى وقوفك طلوع الشمس, وليس بسبب له, فهذا غاية ومنتهى مجرد, فأما: سرت
стр. 683
حتى أدخلها ما أمنع, فهو منتهى سيرك, الأول سبب للثاني, والمعنى معنى الحال, فلما أخرجت إلى معنى الحال, لم يكن بد من أن يشاكل بها معنى الغاية التي هي على تقدير: إلى أن.
وإنما جرى هذا فيما كان العمل فيه من اثنين, لأن الأغلب عليه أن لا يكون أحد العملين سببًا للآخر إذا كان من اثنين.
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد, بالنصب, لأن الأظهر أن لا يكون سيرك / ١٠٨ ب سببًا لدخول زيد, فإن كان سببًا له بأنك حملته حتى دخل, أو سألته في ذلك, أو ما جرى هذا المجرى مما يؤدي فيه السير الذي كان منك إلى دخول زيد جاز الرفع, كأنك سألته حتى سار معك, فصار بمنزلة: سرنا حتى ندخلها.
فأما: سرت حتى تطلع الشمس, فليس فيه إلا النصب.
وتقول: سرت حتى يدخلها ثقلي, وسرت حتى يدخلها بدني, فالرفع في هذا أحسن.
وقرأ مجاهد: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالرفع على أن الزلزلة سبب أدى إلى قول الرسول.
وأما قراءة الناس بالنصب, فعلى معنى الغاية, كأنه قيل: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول فهو منتهى الزلزلة على معنى الغاية المجردة من تضمن السبب, وإن كان في حقيقة معناه قد كانت الزلزلة سببًا لقول الرسول.
стр. 684
وتقول: سرت حتى يدخلها زيد وأدخلها, لا يجوز في الثاني إلا النصب, لأنه معطوف على منصوب ليس له موضع غير النصب.
وتقول: سرت حتى أدخلها ويدخلها زيد, فلا يصلح في الثاني النصب بالحمل على التأويل, لأن الأول مرفوع لا تأويل له إلا بالرفع.
وتقول: سرت حتى أدخلها وحتى يدخلها زيد, فهذا يجوز إذا ذكرت (حتى) ثانية, لأنها تكون على تقدير الغاية, وتكون الأولى على تقدير حرف الابتداء.
وتقول: سرت حتى أدخلها وحتى تطلع الشمس, كل هذا يجوز إذا ذكرت حتى ثانية, لأن التقدير يصح في أن تكون الأولى حرفًا من حروف الابتداء, [والثانية غاية, ولا يصح أن تكون حرفًا من حروف الابتداء] , وهي غاية في حال واحدة.
ولا يجوز: سرت حتى أدخلها وتطلع الشمس, على مذهب من قال: رب رجل وأخيه, لأن التقدير في هذا: رب رجل وأخ له, ولا يصح التقدير في حتى /١٠٩ أعلى أن تكون حرفًا من حروف الابتداء, وهي مع ذلك غاية على تقدير: إلى أن.
والأخفش يذهب إلى أن حتى التي ترفع ما بعدها ليست حتى التي تنصب ما بعدها.
стр. 685
ووجه قوله في ذلك أنها وإن كانت الصيغة واحدة فمنزلتها كمنزلة لام الابتداء ولام الإضافة في اختلاف المعاني والأحكام, وذلك يوجب أن لام الابتداء غير لام الإضافة, وإن كانت الصورة واحدة.
والصواب مذهب سيبويه في أنها واحدة, لأن اختلاف الأحكام والمعاني إذا لم يتوجه إلا على اختلاف وضع الحرف, صار بمنزلة حرفين مختلفين في الصورة فلهذا كانت لام الابتداء غير لام الإضافة, وليس كذلك حتى في حروف الابتداء وحروف الغاية, لأنها إنما تختلف الأحكام فيها والمعاني بحسب ما يصحبها من: أن, أو تجريدها من هذا الحرف, وذلك لا يخرجها من أن يكون أصل وضعها على حد واحدٍ, فتكون حرفًا واحدًا ليس بمنزلة لام الابتداء ولام الإضافة, ولكن بمنزلة الحرف الذي تصحبه: أن, فينصب به, ويجرد من: أن, فلا ينصب به, وذلك كحروف العطف في: الواو, والفاء, وأو.
وتقول: سرت إلى يوم الجمعة وحتى أدخلها, فتعطف بحرف الابتداء على حرف الغاية, وإن خرج عن المشاكلة, لأنه عطف جملة على جملة باختلاف المعنى.
وقال امرؤ القيس:
سريت بهم حتى تكل مطيهم ... وحتى الجياد ما يقدن بأرسان
стр. 686
فهذا شاهد في أنه يصلح أن يعطف بها, وهي حرف من حروف الابتداء عليها وهي حرف على معنى الغاية.
وذكر سيبويه أن هذه التي يبتدأ بعدها الاسم هي التي يرفع بعدها الفعل, وذلك يدل على أنها في الموضعين حرف من حروف الابتداء.
وتقول: سرت وسار حتى ندخلها, فظاهر هذا التفصيل يقتضي أن الفعلين لم يجتمعا في معنى السبب, ولكن قد أجاز / ١٠٩ ب سيبويه الرفع على أنه فصل للتأكيد, ومعناه: [سرنا] حتى ندخلها, فهذا لا يمتنع.
وتقول: سرت حتى أسمع الأذان, فوجهه سيبويه على النصب, ولم يسوغ في مثل هذا الرفع, ووجه ذلك أنه كلام مبني على الغرض, إذ الغرض في هذا: سرت حتى يؤذن الناس, وإنما دخل (أسمع) على
ضرب من ضروب التأكيد, وليس يمتنع لو كان غرضه أن يسمع الأذان, لا الأذان يرفع, لأنه يصير سيره أدى إلى سماعه الأذان هناك, ولو لم يسر لم يسمع الأذان في ذلك الموضع, وهذا شبيه باللغز لخروجه عن أغراض الناس في غالب الأمر.
وتقول: سرت حتى أكل, لأن سيرك أدى إلى الكلال.
وسرت حتى أصبح, لا يجوز إلا بالنصب, لأن سيرك لا يؤدي إلى الصبح, إنما يؤدي إليه طلوع الفجر.
стр. 687
باب الفاء
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الفاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الفاء من الإعمال؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن ينتصب الفعل بعدها في الواجب؟ وهل ذلك لأن غير الواجب مفرع على الواجب, فهو أحق بالتفريع الذي يقع فيها على تقدير إضمار: أن, لأنه يشعر بذلك الموقع الذي هو أحق به؟
ولم أجاز أن تخرج عن العطف إلى نصب الفعل بإضمار: أن؟ وهل ذلك للتصرف في وجوه العطف بعطف مفرد على مفرد, واسم على اسم, وفعل على فعل, وجملة على جملة, واسم مقدر على اسم مقدر وهو الذي يقع في هذا الباب؟
وما حكم: لا تأتيني فتحدثني؟ ولم جاز النصب فيه على وجهين: لا تأتيني محدثًا, ولا تأتيني فكيف تحدثني؟
стр. 688
ومن أين خرج العطف بالفاء إلى معنى الحال؟ وهل ذلك لأنه في الجواب معلق بسببه, كما هو في الحال معلق بالفعل الذي هو بمنزلة الوقت له, فإذا نفي / ١١٠ أسببه, انتفى بانتفائه, كما أنه إذا نفي الفعل, نفي أن يكون هناك وقت وقع فيه, أو حال وقع فيها؟
وما الفرق بين المعنيين؟ وهل أحدهما على نفي الإتيان رأسًا, وليس كذلك الآخر, لأنه إنما ينفي إتيانًا وقع في حال حديث, أو إتيانًا هو سبب للحديث؟
ولم لا يجوز أن تظهر (أن) مع الفاء؟ وهل ذلك لأن المصدر الأول مدلول عليه غير مصرح به, فيجب أن يكون الثاني على قياسه؟
ولم جاز مع إضمار (أن) تضمن معانٍ لا تكون في التمثيل بإظهار: أن؟ وهل ذاك لأنها لما اختزلت تضمنت الفاء معنى الجواب, للصرف عن العطف إلى وجه آخر, ولولا ذلك لكان العطف أحق بها أن تجري على لفظ الفعل؟
وما نظير إضمار (أن) من غير أن يجوز إظهارها في: لا يكون, وأخواتها في باب الاستثناء؟
ولم لا يجوز: لم آتك فحديث, إذا التقدير عليه؟
стр. 689
وما الشاهد في قول الفرزدق:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها؟
ولم استشهد على ما يجوز ويحسن في الكلام بما لا يجوز إلا في الضرورة؟
وهل ذلك لأنهما قد اجتمعا في الحمل على مقدر لم يذكر, وإن كان أحدهما أقوى من الآخر, ففيه بيان للحمل بالعطف على مقدر؟
وقول الفرزدق:
وما زرت سلمى أن تكون حبيبة ... إلى ولا دين بها أنا طالبه
стр. 690
فلم جاز: ولا دين؟
وقول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا؟
وما نظير انتصاب الفعل بعد الفاء على وجوه مختلفة من اليمين وغيرها؟
ولم قدر: ما تأتيني فتحدثني, على وجهين: ما تأتيني فكيف تحدثني, وما تأتيني أبدًا إلا لم تحدثني؟
стр. 691
ولم جاز رفع الفعل الثاني في: ما تأتيني فتحدثني؟ وما الفرق بينه /١١٠ ب وبين النصب في المعنى؟ ولم لا يكون الأول سببًا للثاني في الرفع؟ .
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾؟ وهل يجوز على معنى: لا يقضى عليهم بالموت فكيف يموتون؟ وما الفرق بينه وبين الرفع لو تكلم به؟ وهل النصب أدل على المعنى, لئلا يوهم: فهم يموتون؟
وما الشاهد في: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾؟
وهل هو على: ولا يؤذن لهم في النطق ولا يعتذرون, لأنه قد حيل بينهم وبين ذاك؟
ولم جاز: ما تأتيني فتحدثني, بالرفع على إيجاب الحديث؟
وما الشاهد في قول بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجي ونُكثر التأميلا؟
стр. 692
وما حكم: ما أتيتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والرفع على: أنت تحدثنا الساعة, وجاز الرفع على النفي؟ ولم اختير النصب, إذا لم يقل: ما أتيتنا فحدثتنا؟
ولم لا يجوز في: ما أنت منا فتنصرنا, إلا النصب, أو الرفع على الاستئناف؟
وما حكم: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل؟ ولم فسره على: إنك لم تأتنا إلا تكلمت بالجميل؟ ولم جاز بالرفع؟
وما الشاهد في قول الفرزدق:
وما قام منا قائم في ندينا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف؟
ولم خرج إلى إيجاب النطق بالتي هي أعرف؟
وما حكم: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة؟ ولم فسره على: ما تأتيني
стр. 693
محدثًا إلا ازددت فيك رغبة؟ .
وما الشاهد في قول اللعين:
وما حل سعدي غريبًا ببلدة ... فينسب إلا الزبرقان له أب؟
وهل هذا على إيجاب أن ينسب الزبرقان إلى أنه أب للغريب؟
وما حكم: لا يسعني شيء فيعجز [عنك]؟ وما الفرق بين الفاء فيه وبين الواو؟ /١١١ أولم لا يجوز عطفه على الأول؟ .
وما حكم: ما أنت منا فتحدثنا؟ ولم لا يجوز الرفع على نفي الحديث؟ .
وما الشاهد في قول الفرزدق:
وما أنت من قيس فتنبح دونها ... ولا من تميم في اللها والغلاصم؟
стр. 694
ولم جاز فيه الرفع على:
فنرجي ونكثر التأميلا.
ولم يجز على النفي؟
وما حكم: ألا ماء فأشربه, وليته عندنا فيحدثنا؟
وما الشاهد في قول أمية بن أبي الصلت:
ألا رسول لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا؟
ولم لا يجوز إلا بالنصب؟
стр. 695
الجواب:
الذي يجوز في الفاء من الإعمال نصب الفعل بعدها في الجواب على إضمار: أن.
ولا يجوز ذلك في الواجب, لأنه ضرب من تفريع العطف بعطف مقدر على مقدر يؤذن به غير الواجب بمشاكلته له بمعنى الفرع.
ويدل على معنى الفرع فيه مصاحبة الحرف له كحرف النفي وحرف الاستفهام ونحو ذلك من الحروف التي تكون في غير الواجب. فالنصب في الفاء على الجواب لستة أشياء: الأمر, والنهي, والاستخبار, والعرض, والتمني, والنفي.
وتقول: ما تأتيني فتحدثني, بالنصب على وجهين:
أحدهما: ما تأتيني فكيف تحدثني, وذلك أنك إذا نفيت سبب الحديث, امتنع وجود الحديث.
والوجه الآخر: ما تأتيني محدثًا, وإن شئت قدرته: ما تأتيني إلا لم تحدثني, كأنك قلت: ما يكون إتيان هو سبب للحديث, وإن كان قد يكون منك إتيان كثير.
стр. 696
وإنما توجه على هذا التأويل من أجل أن النصب يكون على معنى الجواب الذي الأول فيه سبب للثاني, فالنصب على وجهين.
ويجوز الرفع فيه على وجهين:
أحدهما: نفي الحديث والإتيان جميعًا كما ينتفيان بالواو إذا قلت: ما تأتيني وما تحدثني.
والوجه الثاني: على إيجاب /١١١ ب الحديث, كأنك قلت: ما يكون منك إتيان في المستأنف فأنت تحدثني الآن. فالنصب على وجهين, والرفع على وجهين.
ولا يجوز أن تظهر (أن) مع الفاء, لأنه محمول على مصدر مدلول عليه لم يصرح بذكره, فكذلك يجب أن لا يصرح بذكر: أن, ليشاكل بالثاني الأول, ويؤذن ذلك بأنه محمول على مدلول عليه لم يذكر, وكذلك لا يصرح بذكر المصدر, لا يجوز: ما تأتيني فحديث.
ويصلح مع إضمار (أن) تضمن معانٍ لا تكون فيها لو ظهرت, لأن
стр. 697
الصرف عن العطف يؤذن بالحمل على التأويل, ويطرق تضمين المعاني من جهة الجواب الذي يكون الأول فيه سببًا للثاني, وما يوجبه تقدير السبب من أنه إذا انتفى: انتفى المسبب, لا محالة, ومن أنه إذا انتفى أن يكون الفعل سببًا لشيء مع وجوده, لم يكن ذلك الشيء.
ونظير إضمار (أن) التي لا يجوز إظهارها الإضمار في: لا يكون وأخواتها في الاستثناء, فهي في هذا على ذلك القياس.
وقال الفرزدق:
مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها
فحمل الثاني بالعطف على مقدر لم يذكر, فهذا (على قياس حمل الثاني)
بالعطف في الفاء على مقدر لم يذكر, وإن كان أحدهما قويًا يجوز في الكلام, لأن دلالة الفعل على المصدر أقوى من دلالة (ليس) على الباء في الخبر, فلهذه العلة لم يجز إلا في الضرورة, وجاز بالفاء في الكلام, فالقياس إنما هو الحكم اللطيف الذي يفهم من أحد الشيئين فيه الآخر, وإن اختلفت العلل, وعلى ذلك أنشد الأبيات الأخر.
وفي التنزيل: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ , فهذا نصب على جواب النفي, كأنه قيل: لا يقضى عليهم بالموت فيموتوا, لأن من تدبير الله جل
стр. 698
وعز, فيما يكون من /١١٢ أحوادث الأمور أن يقدم القضاء به, فصار على معنى: لا يقضى عليهم بالموت فكيف يموتون, ولا يصح الوجه الآخر من جهة المعنى.
ولو رفع: فيموتون, لاحتمل في التأويل: فهم يموتون, وهو خطأ في المعنى, فالنصب أبعد من الغلط في التأويل.
وفي التنزيل: ﴿هَذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ , فهذا بالرفع عطفًا على الفعل المرفوع, وليس فيه إبهام يقتضي الغلط في التأويل.
وقال بعض الحارثيين:
غير أنا لم تأتنا بيقين ... فنرجي ونكثر التأميلا
فهذا على الإيجاب, كأنه قال: فنحن نرجي.
وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا, فيحسن فيه النصب والرفع على: فأنت تحدثنا الآن, ويضعف فيه الرفع على نفي الفعل, لأن الذي قبله ماضٍ, ولكنه يجوز لأنه
стр. 699
عطف فعل على فعل, ولو كان اسمًا لم يجز, كقولك: ما أنت منا فتنصرنا, لا يجوز بالرفع على النفي.
وتقول: ما تأتينا فتكلم إلا بالجميل, فهذا على إيجاب التكلم بالجميل, لإدخال (إلا) بعد حرف النفي.
ومثله قول الفرزدق:
وما قام منا قائم في ندينا ... فينطق إلا بالتي هي أعرف
وتقول: لا تأتينا فتحدثنا إلا ازددنا فيك رغبة, ولا يصلح على الوجه الآخر من أجل: إلا.
وقال اللعين:
وما حل سعدي غريبًا ببلدة ... فينسب إلا الزبرقان له أب
فهذا على وجهين:
أحدهما: أنه إذا حل الغريب ببلدة انتسب إلى الزبرقان لشرفه.
والوجه الآخر: إذا حل غريبًا, كان الزبرقان له أبا, لحنوه عليه, فهذا على المبالغة في تعطف الزبرقان عليه في [كل] بلدة.
стр. 700
وتقول: لا يسعني شيء فيعجز عنك, فهذا على: لا يسعني شيء عاجزًا عنك, ولا يصلح الوجه الآخر, ولا الرفع / ١١٢ ب, لأنه لا يصح في المعنى, إذ هو في المعنى: لا يسعني شيء أصلًا, ولا يعجز عنك شيء.
وقال الفرزدق:
وما أنت من قيس فتنبح دونها ... ولا من تميم في اللها والغلاصم
فهذا بالنصب على جواب النفي, ولا يجوز الرفع على نفي الفعل, ولكن على قوله:
... فنرجي ونكثر التأميلا
وتقول: ألا ماء فأشربه, وليته عندنا فيحدثنا, فهذا على جواب التمني.
وقال أمية بن أبي الصلت:
ألا رسول لنا منا فيخبرنا ... ما بعد غايتنا من رأس مجرانا
فهذا لا يجوز فيه إلا النصب, لأن الذي قبله اسم, فيحمل على المصدر بإضمار: أن, ولا يصلح فيه الرفع على الإيجاب, لأنه داخل في التمني.
стр. 701
[تمام] باب الفاء:
مسائل:
ما حكم: ألا تقع الماء فتسبح؟ ولم جاز: فتسبح بالرفع والنصب؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ وهل ذلك على أن أحدهما الفعل الأول فيه سبب فيه الثاني, وليس كذلك الآخر؟
وما حكم: ألم تأتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والجزم؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ ولم جاز النصب مع أن الأول على معنى الإيجاب, إذ النفي الذي يدخل عليه حرف الاستفهام يخرج إلى الإيجاب؟ وهل ذلك لأن الكلام جرى على مجرى اللفظ من الاستفهام, لأنه يرتفع على أصل الإيجاب, كأنه قال: ألم يكن إتيان هو سبب للحديث؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
стр. 702
ألم تسأل فتخبرك الرسوم ... على فرتاج والطلل القديم
وما حكم: لا تمددها فتشقها, بالنصب والجزم؟ وما الفرق بينهما في المعنى؟ وهل ذلك على أن الثاني في الجزم نهي عن الشق, وليس هو في الأول نهيًا عن الشق؟
وما الشاهد في: ﴿لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾؟ .
ولم ظهر /١١٣ أالتضعيف في الجزم في قولك: لا تمددها فتشققها؟
وما حكم: ائتني فأحدثك؟ ولم جاز بالنصب والرفع, ولم يجز بالجزم؟
وما الشاهد في قول أبي النجم:
стр. 703
يا ناق سيري عنقًا فسيحًا ... إلى سليمان فنستريحا؟
ولم لا يجوز في الفعل المضارع السكون بوقوعه موقع: افعل؟ وهل ذلك لأن المعرب لا يكون إلا بعامل, كقولك: ائته فليحدثك؟
وهل يلزم من قال: ائتني فأحدثك, بالجزم أن يقول: تحدثني, في معنى الأمر؟
وما حكم: ألست قد أتيتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والرفع؟ وما الفرق بينهما؟
وما حكم: كأنك لم تأتنا فتحدثنا؟ ولم جاز بالنصب والجزم؟ ولم جاز النصب مع أن الأول ليس بنفي, وإنما هو على التشبيه بحال النفي؟
وما الشاهد في قول رجل مني بني دارم:
стр. 704
كأنك لم تذبح لأهلك نعجة ... فيصبح ملقى بالفناء إهابها؟
وما حكم: ود لو تأتيه فتحدثه؟ , ولم جاز بالنصب والرفع؟ وما الفرق بينهما؟ ولم جاز في: ود, وليس بحرف تمن؟
وما الشاهد في: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُوا﴾.
وما حكم: حسبته شتمني فأثب عليه؟ ولم جاز بالنصب في: حسبته, وهو واجب؟ وهل ذلك لأنه تضمن معنى النفي في هذا الموضع كما يقول القائل: حسبته شتمني وما شتمني, فيحذف بدلالة الحال التي تقتضي سلامته؟
وما الشاهد في قول النابغة البياني:
стр. 705
ولا زال قبر بين تبنى وجاسم ... عليه من الوسمي جود ووابل
فينبت حواذنا وعوفا منورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل
ولم جاز في مثله النصب؟ وهل ذلك لأن الدعاء يجري مجرى الأمر والنهي في أنه غير واجب؟ ولم صار الرفع أبلغ؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
ألم تسأل الربع القواء فينطق ... وهل تخبرنك اليوم بيداء سملق
следующие страницы →