Полный текст (908 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
وقد أجاز سيبويه أن تكون (مه) ضم إليها: ما.
والفرق بين: على أي حال تكون أكن, وبين: كيف تكن أكن, حتى لم يجز هذا, وجاز ذاك, أن في (أي) إبهامًا في تفصيل يحتاج إليه في الجزاء, وليس كذلك في: كيف.
والفرق بين: آتيك إذا احمر البسر, وبينه بإن, أنه بإذا موجب كأنه قيل: آتيك في احمرار البسر, وهو بإن معلق, وليس يحسن التعليق في هذا, لأنه وقت كائن لا محالة.
وقال ذو الرمة:
تصغي إذا شدها بالرحل جانحةً ... حتى إذا ما استوى في غرزها تثب
فهذا شاهد في أنه لم يعمل: إذا ما.
وقال قيس بن الخطيم:
إذا قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب
стр. 772
فهذا أعمل (إذا) ضرورة.
وقال الفرزدق:
ترفع لي خندف والله يرفع لي ... نارًا إذا خمدت نيرانهم تقد
فهذا ضرورة, وكذلك قول بعض السلوليين:
إذا لم تزل في كل دار عرفتها ... لها واكف من دمع عينيك يسجم
فكل هذا ضرورة.
وقال كعب بن زهير:
[و] إذا ما تشاء تبعث منها ... مغرب الشمس ناشطًا مذعورا
فهذا حسن جيد, لأن المعنى: في أي وقت شئنا بعثنا, فلم يجاز بإذا.
والجازم /١٢٧ ب في: إن تأتني آتك, هو الحرف العامل, وهو (إن) , وقد قيل: إن العامل في الجواب هو: إن تأتني, والأول أقيس على طريقة عمل الفعل في الفاعل والمفعول, وعمل (إن) في الاسم والخبر, وذلك أن (إن) التي للجزاء هي أوجبت هذا المعنى من الشروط والجواب, فهي أحق بالعمل.
و(إن) هي أم الجزاء, لأن كل ما يجزى به [فقد يجوز فيه الخروج عن الجزاء إلا
стр. 773
(إن) , مع أنها تضمن كل اسم يجازى به].
وجواب الجزاء بالفعل أو الفاء, ولا يصلح بالواو, ولا ثم, لأن (ثم) تدل على المهلة بين الثاني والأول, والواو للجمع, والذي يوافق معنى الجواب هو الفاء, ويوضح ذلك قول القائل: لم أغث, فيقال له: فقد أتاك الغوث, ولا يصلح في هذا الواو, ولا ثم.
ومن هذا الباب أيضًا مسائل:
وما جواب (إن) في: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾؟ ولم جاز أن تكون (إذا) جوابًا؟
ولم أطلق أن الجواب إنما هو بالفعل أو الفاء؟ وهل ذلك لأنه الأصل في الباب, وإنما تقع (إذا) معاقبة للفاء على جهة الشبه, لأنها لا تكون إلا معلقة بما قبلها؟
وما الفرق بين (قنطوا) في الجواب, وبين ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾؟
وما نظيره من قوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ في
стр. 774
موضع: أم صمتم؟ ولم جاز ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ في موضع: أم صمتم؟ وهلا كان الأصل أحق به؟ وهل ذلك لأنه أكثر في الفائدة مع دلالته على: أم صمتم, من جهة أنه وقع موقعه, ودل على: إنكم أصمتم صمتًا متقضيا أو منفصلا فالحال واحدة؟
ولم قبح إدخال الفاء على ﴿إِذَا هُمْ﴾ في [هذا] الموضع؟ وهل ذلك لأنها وقعت موقع الفاء على المعاقبة؟ وهل لو كان إدخال الفاء على (إذا) حسنًا, لكان إسقاط الفاء قبيحًا؟
ولم كان الأصل في الذي يعقد الجواب بالأول على الحرف, حتى صارت (إذا) إنما وقعت موقع الحرف؟ وهل ذلك لأن الذي يعقد /١٢٨ أالثاني بالأول إنما هو للحروف كحروف العطف, وغيرها من نحو الاستثناء, وجواب القسم؟
وما حكم: إن تأتني أنا كريم؟ ولم لا يجوز مثل هذا إلا في الضرورة؟ وما في أنه كلام يقوم بنفسه مما يخرجه عن حد الجواب؟ وهل ذلك لأن الجواب يحتاج إلى علامة تؤذن بأنه على معنى الجواب, ولذلك وجب في جواب السؤال أن يكون مطابقًا [له] في الإعراب من قولك: زيدًا, إذا قال: من ضربت؟ و (صالحًا)
стр. 775
إذا قال: كيف أصبحت؟
وما الشاهد في قول حسان بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
ولم جاز حذف الفاء في الضرورة؟ وهل ذلك لأن الجملة وقعت موقع الجواب, فلم يشكل أنه جواب, وإن ضعف فيه البيان, لاقتضائه علامة الجواب؟
وقول الأسدي:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم؟
وما حكم: إن تأتني لأفعلن؟ ولم قبح هذا, ولم يقبح: إن أتيتني لأفعلن, ولا:
стр. 776
إن تأتني إذا أنا أفعل؟ وهل ذلك لأن (لأفعلن) يجيء مبتدأ لم يعمل فيه عامل, وليس كذلك (إذا) , لأنها لا تكون إلا مبنية على عامل, وقبح: إن تأتني لأفعلن, لخروجه عن مشاكلة الثاني للأول مع إمكان ذلك, ولم يلزم مثل ذلك في الجواب بالفاء إذا قلت: إن تأتني فأنت كريم؟
وما حكم: إن أتيتني لأكرمنك, وإن لم تأتني لأغمنك؟ ولم قدره على: لئن أتيتني لأكرمنك, ولئن لم تأتني لأغمنك؟ وهل ذلك لأن اللام تقتضي أن يكون جوابًا لقسم قد تقدم, واللام الأولى خلف من القسم, ولا تكون الثانية خلفًا من القسم, لأنها وقعت موقع الجواب الذي يقتضي تقدم القسم فيه, والمعنى: والله لئن أتيتني لأكرمنك, فاللام الثانية هي الجواب, واللام الأولى مؤذنة بالجواب, ولو تركت لجاز؟
ولم قبح: لئن تفعل لأفعلن؟
ولم قبح: آتيك إن تأتني, ولم /١٢٨ ب يقبح: آتيك إن أتيتني؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ
стр. 777
الْخَاسِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؟ ولم كان هذا هو الحسن في الكلام؟
وهل يجوز: إن أتيتني آتيك, على: آتيك إن أتيتني؟ وما الخلاف فيه؟ ولم أجازه سيبويه في الضرورة, ولم يجزه أبو العباس, ولا ابن السراج على هذا الوجه؟
وما الشاهد في قول زهير:
стр. 778
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرام؟
ولم قبح: إن تأتني آتيك؟
وما الشاهد في قول جرير:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
وما الخلاف فيه؟
стр. 779
وقول الآخر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب؟
ولم قدره على قوله: المرء ذئب إن يلق الرشا, ولم يجزه على هذا الوجه أبو العباس؟
وقول ذي الرمة:
وأني متى أشرف على الجانب الذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر
стр. 780
أي: وأني ناظر متى أشرف؟
وهل يجوز: إن أتيتني آتك, وإن لم تأتني أجزك؟ ولم جاز مع خروجه عن المشاكلة؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَاَ﴾؟ فلم حسن هذا, وضعف: إن أتيتني آتك؟ وهل ذلك لطول الكلام, مع أن المعنى: من يرد الحياة الدنيا؟
وقول الفرزدق:
دست رسولا بأن القوم إن قدروا ... عليك يشفوا صدورًا ذات توغير
وقول الأسود بن يعفر:
ألا هل لهذا الدهر من متعلل ... عن الناس مهما شاء بالناس يفعل؟
стр. 781
/١٢٩ أوما حكم: إن تأتني فأكرمك؟ ولم لا يجوز بالنصب على الجواب بالفاء؟ ولم لابد أن يكون مبنيًا على مبتدأ, بتقدير: فأنا أكرمك؟
وما الشاهد في: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾؟ وما تقدير المحذوف فيه؟
وما الشاهد في: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ , وفي ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾.
الجواب:
جواب (إن) في: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ , (إذا) على التشبيه بالفاء من جهة أنها لا تكون إلا معلقة بما قبله مع صلاح معناها في هذا الموضع, إذ هو بمنزلة (يقنطوا) على جهة المفاجأة للقنوط, لا عن تقدمة, ولا روية, فقد دلت (إذا) على معنى جواب الجزاء بهذا الوجه المخصوص.
стр. 782
ولا يصلح أن تجتمع الفاء مع (إذا) في هذا الموضع, لأنها تغني عنها, وقد وقعت موقعها, فلم يصلح مع تقدير المعاقبة فيه في الموقع الواحد أن تجتمع معها, وكل خلف من محذوف فهو على وجهين:
أحدهما: ما يغني عنه على وجه دون وجه, فهذا يصلح أن يجتمع معه على أحد الوجهين.
وخلف آخر يغني عن المحذوف الغنى التام, فلا يصلح أن يجتمع معه, لما في ذلك من الإبهام أنه ليس يغني عنه الغنى التام, ولذلك قال سيبويه: لو كان يصلح ذكر الفاء هاهنا كان حذفها قبيحًا على قياس: إن تأتني أنت كريم, فحذفها هاهنا قبيح, والوجه: إن تأتني فأنت كريم.
ونظير ذلك: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ , فالأصل: أم صمتم, لما تقتضيه المعادلة في: أدعوتم أم صمتم, إلا أنه حسن: ﴿أَمْ أَنتُمْ صَامِتُونَ﴾ , لأنه أكثر في الفائدة, إذ يدل على: أم صمتم, بوقوعه موقعه, وعلى اتصال ذلك بالحال من جهة صيغة هذا الذي وقع موقعه, فهو نظير ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ , في أنه قد وقع موقع الأصل, لأنه أكثر في الفائدة.
والأصل في الذي يعقد الجواب /١٢٩ ب بالأول أن يكون حرفًا على قياس ذلك في حروف العطف, وجواب القسم, وحرف الاستثناء, وما جرى هذا المجرى, لأن الحروف أدوات يحتاج إليها لغيرها من الكلام, ولذلك كان معناها في
стр. 783
غيرها, وكل جواب فلابد له من علامة تؤدي معنى الجواب فيه, وإلا كان بمنزلة الابتداء بالإخبار من غير تعليق له بأول الكلام.
وقال حسانٌ بن ثابت:
من يفعل الحسنات الله يشكرها ... والشر بالشر عند الله مثلان
فهذا ضرورة على حذف الفاء من قوله: فالله يشكرها, وإنما جاز في الضرورة على التشبيه بما يحذف في الكلام مما يكون عليه دليل, فدليله هاهنا وقوعه موقع الجواب, لأنه يفهم منه: يشكرها الله, والتقدير: فالله يشكرها.
وقال الأسدي:
بني ثعل لا تنكعوا العنز شربها ... بني ثعل من ينكع العنز ظالم
كأنه قال: فهو ظالم.
وتقول: إن تأتني لأفعلن, فهذا يقبح, لجزم الأول من غير أن يجزم الثاني, مع إمكان المشاكلة بينهما في: إن أتيتني لأفعلن.
وليس منزلة (لأفعلن) كمنزلة: إذا أنا أفعل, لأن (إذا) بمنزلة الفاء في التعليق, و (لأفعلن) يجيء مبتدأ لم يعمل فيه عامل, وليس كذلك: إذا.
стр. 784
وكذلك يقبح: إن تأتني لأكرمنك, لخروجه عن مشاكلة الثاني فيه الأول, مع إمكان ذلك.
وتقول: إن أتيتني لأكرمنك, فتقديره: لئن أتيتني لأكرمنك, حتى تكون اللام جوابًا للقسم, واللام الأولى خلف من القسم, وإنما اختار هذا التمثيل ليدل على قسم مبهم كدلالة اللام على ذلك.
ولو قلت: والله إن أتيتني لأكرمنك, جاز, وكذلك: والله لئن أتيتني لأكرمنك, على أن اللام الأولى مؤذنة بجواب القسم.
ويقبح: لئن تفعل لأفعلن, لخروجه عن المشاكلة /١٣٠ أالممكنة, وكذلك: آتيك إن تأتني, ويحسن: آتيك إن أتيتني.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ , وفيه: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ , فجاء في الأولى والثانية على المشاكلة.
وتقول: إن أتيتني آتيك, فيجوز على وجهين:
حذف الفاء, بتقدير: فأنا آتيك, فهذا جائز بإجماع.
والوجه الآخر: على التقديم في آتيك إن أتيتني, فهذا يجوز عند سيبويه,
стр. 785
ولا يجوز عند أبي العباس, وابن السراج, لأن الكلام إذا وقع في موقعه, لم يجز أن ينوى به غير موقعه.
والذي عندي في ذلك أن حذف الفاء أقوى, لتوجهه في مواضع قد جاء في الشعر الفصيح لا يصلح فيه التقديم.
والذي ذكره سيبويه يجوز, لأن الكلام يقتضيه في مثل قوله: والمرء ذئب عند الرشا إن يلقها, وتكون إجازته في الموضع الذي لم يتقدم ما يقتضيه توطئة لهذا الموقع, مع أنه إذا كان لابد من تغيير بحذف أن ينوى في الفعل التقديم, لتستقيم بينة الكلام كما لابد من أن ينوى حذف الفاء, ليستقيم الكلام, ولو استقام من غير حذف, ولا تقديم, لم يجز واحد منهما, فبازى قولهم: «ليس يجوز أن ينوى بالكلام الذي وقع موقعه غير موقعه».
ليس يجوز أيضًا أن ينوى بالكلام حذف حرف منه إذا كان تامًا, فإن قال: ليس بتام إذا احتاج إلى الحرف, قيل له: وليس في موقعه إذا اقتضى الرفع التقديم فيه, ولا هو جواب, وإن دل على معنى الجواب كما يدل: آتيك إن أتيتني.
стр. 786
وقال زهير:
وإن أتاه خليل يوم مسألة ... يقول لا غائب مالي ولا حرم
أي: ويقول إن أتاه خليل يوم مسألة.
وقال جرير:
يا أقرع بن حابس يا أقرع ... إنك إن يصرع أخوك تصرع
/١٣٠ ب أي: إنك تصرع إن يصرع أخوك.
وقال الآخر:
هذا سراقة للقرآن يدرسه ... والمرء عند الرشا إن يلقها ذيب
أي: والمرء ذئب عند الرشا.
وقال ذو الرمة:
وأني متى أشرف على الجانب الذي ... به أنت من بين الجوانب ناظر
أي: فأنا ناظر, وإن شئت: وأني ناظر متى أشرف.
وتقول: أن أتيتني آتك, وإن لم تأتني أجزك, فهذا يضعف قليلًا, لخروجه عن
стр. 787
المشاكلة, إلا أنه أقوى من جزم الأول, ورفع الثاني, ومن ترك جزمه في: إن تأتني آتيك, وإن تأتني لآتينك من قبل أن جزم الثاني يحمل فيه على تأويل الأول, إذ تأويله الجزم, ولفظه على غير الجزم, وليس كذلك إذا لم يجزم الثاني, وجزم الأول, لأنه ليس له تأويل يحمل عليه غير لفظه, ونظيره: يا زيد والحارث,
والحارث, النصب على التأويل, والرفع على اللفظ, فأما: يا عبد الله والحارث, فليس فيه إلا النصب, لأنه ليس له تأويل يحمل عليه.
وفي التنزيل: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ , وهذا حسن, لحمله على التأويل مع طول الكلام الذي لا يقتضي المشاكلة كما يقتضيه إذا قرب وتقابل.
وقال الفرزدق:
دست رسولًا بأن القوم إن قدروا ... عليك يشفوا صدورًا ذات توغير
فهذا لحمل الثاني على التأويل.
وكذلك قول الأسود بن يعفر:
стр. 788
ألا هل لهذا الدهر من متعلل ... عن الناس مهما شاء بالناس يفعل
فهذا على ذلك القياس, إلا أن الكلام لم يطل فيه.
وتقول: إن تأتني فأكرمك, ولا يجوز بالنصب على الجواب بالفاء, لأن الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالابتداء والخبر, فلابد من الرفع, لأن المبتدأ مقدر قبل الفعل, ولو كان المعنى على الجواب /١٣٣ أبالفعل لاستغني عن الفاء.
وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ , وتقديره: فهو ينتقم الله منه, وفيه: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [على: فأنا أمتعه قليلا] , وفيه: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخَافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا﴾ , [أي: فهو لا يخاف بخسًا ولا رهقًا].
стр. 789
باب الأسماء التي تصلح فيها الصلة والجزاء
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء؟ وما الذي لا يجوز؟
ولم ذلك؟
ولم لا يجوز الصلة والجزاء فيما يمتنع من الاستفهام؟ وهل ذلك لأن تمكنه في الصلة والجزاء يقتضي جواز الاستفهام به؟
وما الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء؟
ولم جاز في: من, وما, وأي؟ وهل ذلك لقوتها بأنها على طريق الجنس مع الإبهام الذي يصلح فيه تضمن حرف الجزاء, فـ (من) نظيرة (ما) إلا أنها تدل على ما يعقل, و (أي) نظيرة (ما) إلا أنها تنفصل بخواص على ما بينا؟
وما حكم: ما تقول أقول؟ ولم جاز فيه: ما تقل أقل, وما تقول أقول, ومن يأتيني آتيه, ومن يأتني آته, وأيها تشاء أعطيك, وأيها تشأ أعطك؟ ولم وجب
стр. 790
أن أحدهما وعد مطلق, والآخر وعد معلق؟
وما الشاهد في قول الفرزدق:
ومن يميل أمال السيف ذروته ... حيث التقى من حفافي رأسه الشعر
وما حكم: آتي من يأتيني, وأقول ما تقول, وأعطيك أيها تشاء؟ ولم لا يجوز في مثل هذا الجزاء إلا على قبح؟
وما حكم: آتي من أتاني؟ ولم حسن في هذا الصلة والجزاء؟ وهل ذلك لأن (من) غير عاملة في: أتاني؟
ولم جاز في الشعر: آتي من يأتني؟ وما العامل في: من؟
وما الشاهد في قول: [الهذلي]:
فقلت له احمل فوق طوقك إنها ... مطبعة من يأته لا يضيرها؟
стр. 791
/١٣١ ب وما الخلاف فيه؟ ولم أجازه على: لا يضيرها من يأتها, وعلى حذف الفاء؟
وما حكم: أقول مهما تقل, وأكون حيثما تكن [وأكون أين تكن] , وآتيك متى تأتني, وتلتبس بها أنى تأتها؟ ولم لا يجوز مثل هذا إلا في الضرورة؟ ولم امتنع رفع الفعل على الصلة؟ وهل ذلك لأنها ظروف غير متمكنة, إلا (مهما) , فإنها غيرت لتلزم الجزاء؟
стр. 792
ولم لا يجوز: مهما تصنع قبيح, ولا: في الكتاب مهما تقول, كما يجوز: ما تصنع قبيح, وفي الكتاب ما تقول؟
الجواب:
الذي يجوز في الأسماء التي يصلح فيها الصلة والجزاء إذا وقعت موقع المفرد الذي يعمل فيه العامل على تقدير (الذي) أن تكون موصولة, وإذا وقعت موقع (إن) وهو الموقع الذي لا يعمل فيه ما قبله أن تكون [جزاء].
ولا يجوز فيما صلح فيه الصلة والجزاء أن يمتنع من الاستفهام, لأنه إذا قوي على الأمرين بما فيه من معنى الجنس والإبهام الذي يصلح فيه تقدير (إن) اقتضى أن يصلح للاستفهام.
والأسماء الذي [يصلح] فيها الصلة والجزاء: من, وما, وأي, لأنها على طريقة (ما) في الجنس, إلا أن (من) تدل على ما يعقل, و (أي) لتفصيل ما أجمملته (ما) , وهي مبهمة الإبهام الذي يحتمل تقدير (إن) , وهو إبهام الحروف التي لا تقوم بنفسها في البيان عن معناها, فإبهامها في الطبقة التي تلي الحرف,
стр. 793
وليس كذلك كل إبهام, لأن من الأسماء ما يستبهم بعمومه, فلا يجري مجرى الحرف, لأنه في طبقة تبعد من استبهام الحرف.
والأصل في الإبهام أن منه ما لا يظهر به شيء البتة, ولا يتخيل كقولك: جع, ومنه ما يتخيل كقولك: نعم, فيما يقع للجواب, ومنه ما يظهر ظهورًا ضعيفًا كقولك: الذي في الدار, ومنه ما يظهر أشد من هذا الظهور كقولك: أفضل, من غير أن تذكر: من كذا, فتجده كالناقص, ومنه ما يظهر على هذا النحو إلا أنه لا يقتضي متممًا كقولك: شيء, ومكان.
وكل هذه التي ذكرنا مبهمات إلا أن بعضها أشد /١٣٢ أإبهامًا من بعض, فمن, وما وأي, مبهمة إبهامًا يصلح أن يضمر معه (إن) , لأن إبهامها في المرتبة التي تلي الحرف.
وتقول: من يأتيني آتيه على تقدير: الذي يأتيني آتيه. و: من يأتني آته على تقدير: إن يأتني إنسان آته, فيصلح في هذا الموضع الصلة والجزاء.
وكذلك: ما تقول أقول, على تقدير: الذي تقول أقول, و: ما تقل أقل, على تقدير: إن تقل شيئًا أقل.
وكذلك: أيها تشاء أعطيك, على معنى: الذي تشاء أعطيك, وتنصب (أيا) بأعطيك, ويجوز: أيها تشأ أعطك, على الجزاء, وتقديره: إن تشأ شيئًا أعطك, فتنصب (أيها) بالفعل الذي يليه, ولا يجوز نصبه بالجواب, لئلا يختلط متعلق الشرط بمتعلق الجواب.
стр. 794
وقال الفرزدق:
ومن يميل أمال السيف ذروته ... حيث التقى من حفافي رأسه الشعر
فهذا على تقدير: والذي يميل أمال السيف ذروته.
فلو قلت: من يأتيني غفر الله له, جاز, ولا يصلح في مثل هذا الجزاء, لو قلت: من يأتني غفر الله له, على الدعاء, لم يجز إلا أن تقول: من يأتني فالله غفر له, أو: فغفر له الله.
وتقول: آتي من يأتيني, وأقول ما ت قول, وأعطيك أيها تشاء, فترفع على الصلاة, ولا يجوز الجزم في مثل هذا, لتقديم العامل, إلا في الضرورة, كقولك: آتيك إن تأتني, فهذا يقبح, ولا يجوز إلا في الضرورة.
ولو قلت: آتي من أتاني, لحسن في الصلاة والجزاء, إلا أنه في الصلة تكون (من) في موضع نصب, كأنك قلت: آتي الذي أتاني, وتكون في الجزاء في موضع رفع, كأنك قلت: آتي إن أتاني أحد.
وقال الهذلي:
стр. 795
فقلت له احمل فوق طوقك إنها ... مطبقة من يأتها لا يضيرها
فهذا ضرورة على حذف الفاء, كأنه قال: فهو لا يضيرها, ويجوز على التقديم والتأخير, بتقدير: إنها مطبعة لا يضيرها من يأتها, عند سيبويه, ولا يجوز ذلك عند أبي العباس, وابن السراج, ولكن حذف الفاء جائز فيه بإجماع.
/١٣٢ ب وتقول: أقول مهما تقل, وأكون حيثما تكن, وأكون أين تكن, وآتيك متى تأتني, وتلتبس بها أنى تأتها, ولا يجوز مثل هذا إلا في الضرورة, ولا سبيل إلى الصلة للعلة التي بينا قبل من أنها ظروف غير متمكنة لا يجوز أن يخبر عنه, وأن (مهما) غيرت لتلزم الجزاء.
وتقول: ما تصنع قبيح, وفي الكتاب ما تقول, ولا يجوز أن تقع (مهما) هذا الموقع, لأنها إذا كانت بمعنى (الذي) لم يحتج إلى (ما) لتقويها على العمل, إذ كانت غير عاملة, فلا تصلح (مهما) في هذا الموقع, لهذه العلة.
стр. 796
باب الأسماء التي يجازى بها الكائنة بمنزلة: الذي
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الأسماء التي يجازى بها الكائنة بمنزلة الذي, مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الاسم الذي يجازى به الكائن بمنزلة: الذي؟ وما الذي لا يجوز, ولم ذلك؟
ولم لا يجوز أن يعمل فيه ما قبله إلا وهو بمنزلة: الذي؟ وهل ذلك لأنه لا يدخل عامل الاسم على (إن) التي للجزاء, لأنها مع ما بعدها بمنزلة الجملة التي هي فعل وفاعل, ولا يدخل عامل الاسم على الفعل, وإن كانت للاستفهام, امتنعت لأن له صدر الكلام؟
وما حكم: إن من يأتيني آتيه, وكان من يأتيني آتيه, وليس من يأتيني آتيه؟ ولم وجب ذهاب الجزاء من هاهنا؟
وهل ذهابه مع: ماو ومن, وأي, كذهابه مع (إن) , لأنها مقدرة مع الأسماء التي يجازى بها؟
стр. 797
ولم لا يجوز: كان متى يأتيني زيد آتيه؟ وهل ذلك لأن (متى) وأخواتها لا توصل؟
ولم جاز: إنه من يأتنا نأته, ولم يجز: إن من يأتنا نأته؟ وهل ذلك لأن عامل الاسم يعمل في الجملة إذا وقعت موقع الخبر, ولا يعمل فيها إذا وقعت موقع المخبر عنه, لأن موقع الخبر للفائدة, وموقع المخبر عنه للبيان؟
وما الشاهد في قوله /١٣٣ أجل ثناؤه: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾.
ولم جاز: كنت من يأتني آته, ولم يجز: كان من يأتني آته, إلا على الإضمار في: كان, فتقول: كان من يأته يعطه, وليس من يأته يحببه؟
ولم جاز في الشعر: إن من يأتني آته؟
وما الشاهد في قول الأعشى:
стр. 798
إن من لام في بني بنت حسان ألمه وأعصه في الخطوب
وقول أمية بن أبي الصلت:
ولكن من لا يلق أمرًا ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل؟
ولم وجهه على إضمار الهاء في: إنه, ولكنه؟
وما الشاهد في قول الراعي:
فلو أن حق اليوم منكم إقامة ... وإن كان سرح قد مضى فتسرعا
стр. 799
ولم كان هذا الشاهد أبين في أنه لابد من إضمار الهاء؟ ولم قدره على إضمار الهاء, ولم يقدره على حذف: ما؟ وهل ذلك لأن إضمار المجهول أغلب على هذا الباب, وأجرى فيه, لأنه يجوز مع (ما) إضمار الهاء, ولا يصلح معها إضمار (ما) , ويصلح الإضمار في: كان, وليس, ولا يصلح حذف: ما؟
وهل يجوز في الكلام: قد علمت أن من يأتني آته؟ ولم جاز؟ ولم لا تخفف (أن) إلا وفيها إضمار الهاء؟ وهل يقوي ذلك أنها لا تعمل مخففة في اللفظ؟
وما الشاهد في قول الشاعر:
أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص؟
стр. 800
ولم جاز في: كان, وليس, إضمار الغائب من غير ذكر علامة له, ولم يجز إضمار المخاطب من غير ذكر علامة له؟ وهل ذلك لأن الغائب قد جرى ذكره فأغنى عن إظهار ذكر العلامة له, وليس كذلك
المخاطب والمتكلم؟ ولم لا يجوز: كان من يأتك تعطه, بمعنى: كنت, و: ليس من يأتك تعطه, بمعنى: لست, على الحذف؟ وهل ذلك لأن الفاعل لا يحذف؟
وما الشاهد في قول الأعشى:
/١٣٣ ب في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل؟
ولم لابد في (أن) من ضمير؟ وهلا كانت بمنزلة (إن) في جواز ترك الإضمار معها؟
стр. 801
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ , و ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾؟
ولم لا يقوى: قد علمت أن تقول ذاك, كما يقوى: قد علمت أن لا تقول ذاك؟
ولم ضعف: قد علمت أن عبد الله منطلق؟ وهو ذلك لذهاب العوض؟
الجواب:
الذي يجوز في الاسم الذي يجازى به الكائن بمنزلة (الذي) إجراؤه على أنه إذا وقع موقع المخبر عنه, ودخل عليه عامل الاسم على تقدير (الذي).
ولا يجوز أن يجرى في هذا الموقع على معنى الجزاء, لأنه موقع للاسم المذكور للبيان, ولا يجوز أن يعمل فيه عامل الاسم, لأنه قد وقع موقع (إن) التي
стр. 802
للجزاء, وعامل الاسم لا يدخل على عامل الفعل إذا كان لا يدخل على الفعل, لأن معناه في الاسم خاصة, فلا يدخل على الفعل, فسبيل (إن) مع الفعل كسبيل (لم) معه في أن عامل الاسم لا يدخل عليه, لأنه بمنزلة الدخول على الفعل, وعلى الجملة التي هي فعل وفاعل.
ولا يدخل عليها إذا كانت استفهامًا, لأن للاستفهام صدر الكلام, فالجزاء والاستفهام يمتنع كل واحد منهما أن يبني على عامل الاسم الذي يخرج الاستفهام عن صدر الكلام, ويخرج الجزاء عن أن يكون للفائدة.
ويصلح أن يقع الجزاء موقع الخبر, ويعمل فيه عامل الاسم في ذلك الموقع, ولا يعمل فيه في موقع الاسم المخبر عنه, لأن موقع الخبر للفائدة, وموقع المخبر عنه للبيان, والموقع الأول هو موقع المخبر عنه, والموقع الذي هو للبيان.
وتقول: إن من يأتيني آتيه, وكان من يأتيني آتيه, وليس من يأتيني آتيه, فيذهب الجزاء في كل هذا, وكذلك في: ما, وأي, كذهابه مع (إن) , لأنها مقدرة مع الأسماء التي يجازى بها.
والأسماء التي /١٣٤ أيجازى بها على وجهين: منها ما يصلح أن يخرج إلى معنى: الذي, ومنها ما لا يصلح.
стр. 803
فما, ومن, وأي, يصلح أن تخرج إلى معنى: الذي, لأنها على طريقة الجنس, يجوز أن يخبر عنها.
ومتى, وأين, وأنى, وحيثما, وإذا ما, وإذا ما, لا يصلح إن تخرج إلى معنى: الذي, لأنها ظروف غير متمكنة, والظرف الذي ليس بمتمكن لا يجوز الإخبار عنه.
فأما (مهما) فهي مغيرة بما يقتضيه الجزاء, فلم يجز أن تخرج عنه إلى معنى: الذي ولا الاستفهام إلا بأن ترد إلى أصلها, وهو: ما.
وتقول: إنه من يأتنا نأته, فيجوز الجزاء في هذا الموضع, لأنه في موضع الخبر.
ولا يجوز إن من يأتنا نأته لأنه في موقع الاسم.
وفي التنزيل: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ , فهذا شاهد في أنه يجوز الجزاء في موقع الخبر.
وتقول: كنت من يأتني آته, ولا يجوز: كان من يأتني آته, من غير إضمار في: كان, ولكن تقول: كان من يأته يعطه, على الإضمار في: كان, وليس من
стр. 804
يأته يحببه, على الإضمار في: ليس.
وقال الأعشى:
إن من لام في بني بنت حسان ألمه وأعصه في الخطوب
فهذا على إضمار الهاء, بتقدير: إنه من لام, ولا يجوز إلا في الضرورة, وإنما جاز فيها تشبيهًا بما يحذف [من الكلام] لكثرة الاستعمال إلى حد لا يخل به الحذف.
وقال أمية بن أبي الصلت:
ولكن من لا يلق أمرًا ينوبه ... بعدته ينزل به وهو أعزل
فهذا على الإضمار, بتقدير: ولكنه.
وقال الراعي:
فلو أن حق اليوم منكم إقامة ... وإن كان سرح قد مضى فتسرعا
فهذا أبين في أنه لابد من الإضمار في (أن) لدخولها على الفعل في اللفظ, ولا يجوز تقديره على حذف (ما) , لأن الهاء أغلب على الباب, وأجرى في النظائر, إذا كان يصلح مع: ما, وليس, وكان.
ويجوز في الكلام: قد علمت أن من يأتني آته /١٢٤ ب لأن (أن) لا تخفف
стр. 805
إلا على إضمار الهاء, وهي مع ذلك غير عاملة في اللفظ, فوقع: من يأتني آته, موقع الخبر, وإنما لم تخفف إلا على إضمار الهاء, لما تقتضيه حالها من تغيير الكلام إلى معنى المصدر مع التأكيد الذي فيها, فلم يجز أن تلغى من العمل كما يلغى ما هو للتأكيد فقط, فلذلك قدر معها الهاء, لئلا يقع بها الإخلال في الحذف والإلغاء من العمل, مع ما يقتضى لها أن تعمل في اللفظ كما هي عاملة في المعنى بتغييرها الكلام إلى المصدر, وليس كذلك (إن) المخففة, لأن دخولها كخروجه إلا بمقدار التأكيد, فصلح أن تلغى في التخفيف, ولم يصلح في: أن.
وقال الشاعر: أكاشره وأعلم أن كلانا ... على ما ساء صحابه حريص
فهذا على الإضمار, بتقدير: وأعلم أنه كلانا.
ويجوز في: كان, وليس, إضمار الغائب من غير ذكر علامة له, لأن تقدم الذكر قد أغنى عن إظهار علامة, وليس كذلك المخاطب, والمتكلم, ولا يجوز حذف علامة المخاطب, أو المتكلم, لأن الفاعل لا يحذف, فليس يجوز: كان من تأته تعطه, على معنى: كنت من تأته تعطه.
وقال الأعشى:
في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن هالك كل من يحفى وينتعل
فهذا لا يجوز إلا على: أنه هالك, لما بينا من لزوم الإضمار في (أن) , وإن دخلت على الاسم, وهو يضعف قليلًا, لذهاب العروض, وهو مع الفعل أضعف, لأنه
стр. 806
ذهب العوض, وولي مالم يكن يصلح أن يليه في الأصل.
وفي التنزيل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ﴾ , و ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾ , فهذا حسن للعوض.
ولا يحسن: قد علمت أن يقول ذاك, لسقوط العوض, فهو في دون منزلة: قد علمت أن لا يقول ذاك, وأقوى منه: قد علمت أن عبد الله منطلق, لأنه وإن ذهب العوض, فقد دخل على /١٣٥ أالاسم الذي حقه أن يدخل عليه في الأصل.
стр. 807
باب الحروف التي يمتنع بعدها الجزاء
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الحروف التي يمتنع بعدها الجزاء وليست عاملة, مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الحروف التي يمتنع بعدها الجزاء مع أنها ليست عاملة؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز امتناع الجزاء بعد كل حرف يطلب الاسم؟ وهل ذلك لأنه قد يكون بمنزلة الابتداء في طلب الاسم, ولا يمتنع فيه حرف الجزاء؟
ولم وجب أن كل موضع تمتنع منه (إن) التي للجزاء فإنه تمتنع منه الأسماء التي يجازى بها؟
ولم امتنعت (إن) بعد: إذ, وإذا؟ وهل ذلك لأنها تطلب الإضافة إلى ما يبينها, لشدة إبهامها, و (إن) تعلق الكلام تعليقًا يخرجه من أن يبين بيان المضاف إليه؟ .
стр. 808
ولم امتنعت (إن) بعد: ما؟ وهل ذلك لأن لها صدر الكلام كما للعامل, مع شبهها بليس التي لا تصلح بعدها: إن؟
وما حكم: أتذكر إذ من يأتينا نأتيه, وما من يأتينا نأتيه, وما من يأتينا فنحن نأتيه؟
ولم صارت (إذ) في هذا بمنزلة (إن) وعوامل الأسماء؟ وهل ذلك لأنها تطلب ما هو للبيان كما تطلب عوامل الأسماء, لأن المضاف إليه إنما يذكر للبيان, وقد نقص بيان (إن) عن منزلة الفعل المطلق, فقبح في هذا الموضع؟
ولم جاز في الشعر أن يجازى بعد هذه الحروف, فتقول: أتذكر إذ من يأتنا نأته؟ وهل ذلك لأنها غير عاملة؟
стр. 809
وما الشاهد في قول لبيد:
على حين من تلبث عليه ذنوبه ... يرث شربه إذ في المقام تدابر
وهل يجوز: أتذكر إذ إن تأتنا نأتك, في الشعر؟ ولم جاز؟
وما حكم: أتذكر /١٣٥ ب إذ نحن من يأتنا نأته؟ ولم حسن الجزاء بعد (نحن) , ولم يحسن بعد: حين, ولا بعد: إذ؟ وما نظير ذلك من فضل (نحن) بين: إذ, ومن, كما فصل الاسم بين: كان, ومن؟
وما حكم: مررت به فإذا من يأتيه يعطيه؟ ولم جاز بالجزم في الكلام مع (إذا) التي للمفاجأة, ولم يجز مع (إذا) التي لغير المفاجأة؟
وما حكم: لا من يأتك تعطه, ولا من يعطك تأته؟ ولم جاز الجزاء بعد: لا, ولم يجز بعد: ما؟ وهل ذلك لأن (لا) تقع في حشو الكلام, فلا تمنع العامل أن
стр. 810
يعمل فيما بعدها, حتى كأنها ليست في الكلام, فلم تمنع هاهنا كما لم تمنع هناك؟
وما الشاهد في قول ابن مقبل:
وقدر ككف القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من يأتها يتدسم
وهل يجوز: لا إن أتيناك أعطيتنا, ولا إن قعدنا عنك عرضت علينا
وما حكم: ما أنا ببخيل ولكن إن تأتني أعطك؟ ولم حسن الجزاء هاهنا؟
وهل ذلك لأنه موضع ابتداء من غير مانع كإذا التي للمفاجأة؟
وما الشاهد في قول طرفة:
ولست بحلال التلاع مخافة ... ولكن متى يسترفد القوم أرفد
следующие страницы →