Полный текст (908 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الجواب عن الباب الثاني:
الذي يجوز في الجزاء [الذي] يدخل عليه القسم أن يكون جواب القسم يكفي من جواب الجزاء.
ولا يجوز أن يكفي جواب الجزاء من جواب القسم, لأن القسم لما وقع في صدر الكلام كان أحق بالجواب, لأن الكلام مبني عليه, وليس كذلك لو وقع متأخرًا, أو متوسطًا, لأن هذا الموقع موقع الاستدراك بالشيء بعد /١٤٢ ب ما بني الكلام على غيره.
وتقول: والله إن أتيتني لا أفعل, فهذا جواب القسم, وقد كفى من جواب الجزاء.
ولا يجوز: والله إن تأتني آتك, كما لا يجوز: والله زيد منطلق, لأن القسم يلغى متقدما.
ولو قلت: والله من يأتني آته, كان محالًا, لأنك ناقضت بوضع الكلام موضع الجواب على ما يوجب الاتصال, وهو على الانقطاع من القسم, فهذا محال كما قال سيبويه على هذا الوجه من أنه يلغى متقدما, وقد ألغيته متقدما.
وذكر سيبويه الألف بأنها لغو على معنى أن دخولها كخروجها, وليس كذلك القسم متقدما, ودليله: أزيد منطلق, ولا يجوز: والله زيد منطلق, حتى يغير
стр. 842
الكلام بما يؤذن بالجواب.
وتقول: أنا والله إن تأتني لا آتك, فتلغي القسم, لأنه متوسط.
وتقول: لئن أتيتني لا أفعل, فهذا حسن, لأنك لم تعمل (إن) , ولا يحسن: لئن تأتني لا أفعل, لأنك أعملت (إن) من غير جواب لها.
وتقول: والله إن أتيتني آتيك, على حذف (لا) , كأنك [قلت]: لا آتيك, ولا يجوز على الإيجاب, لأن الإيجاب في مثل هذا: لآتينك, فوقع حذف (لا) في النفي, لأنه أحمل للحذف, وأقل فيما يحذف.
وقال الفرزدق:
وأنتم لهذا الناس كالقبلة التي ... بها أن يضل الناس يهدى ضلالها
هكذا أنشده الفرزدق: (أن) بالفتح, ولم يأت بإن التي للجزاء, فرارا من القبح في
стр. 843
جزم الشرط دون الجواب المذكور بالفعل, فوجه على وجه حسن, وهو معنى: لأن يضل الناس يهدى ضلالها.
ولا يجوز أن يجازى بان, لأنها موصولة, وحرف الجزاء لا يوصل, لما بينا قبل.
стр. 844
باب إعراب الفعل بين الجزمين
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في إعراب الفعل بين الجزمين, مما لا يجوز.
/١٤٣ أمسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في إعراب الفعل بين الجزمين؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟ ولم لا يجوز النصب على الصرف إلا ضعيفًا, ويقوى بعد التمام؟
وما الفعل الذي يرتفع بين الجزمين؟ ولم وجب في الحال الرفع الجزمين؟
وما الفعل الذي ينجزم بين الجزمين؟ ولم وجب في التابع للأول؟
وما حكم: إن تأتني تسألني أعطك, وإن تأتني تمشي أمش معك؟ ولم جاز في الثاني وجهان: تمشي, وتمش بالجزم؟ ولم يجز في الأول إلا الرفع؟ وهل ذلك لأنه لا يصلح فيه البدل؟
стр. 845
وما الشاهد في قول زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يومًا من الدهر يسأم؟
ولم لا يجوز فيه إلا الرفع؟ وهل ذلك لأنه خبر: يزل؟ وهل كل ما وقع موقع الاسم من الفعل فهو رفع؟
وما الشاهد في قول الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد؟
ولم لا يجوز إلا بالرفع؟
стр. 846
وما الشاهد في قول عبيد الله بن الحر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا؟
ولم جاز في (نلمم) الرفع, والجزم؟
وما الشاهد في قول بعض بني أسد:
إن يبخلوا أو يجبنوا ... أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجلين كأنهم لم يفعلوا؟
стр. 847
فلم جاز (يغدوا) بالجزم على البدل من: لا يحفلوا؟ وهل ذلك لأن غدوهم مرجلين يفسر أنهم لم يحفلوا؟ وهل يجوز بالرفع في مثله من الكلام؟ ولم جاز؟
وهل يجوز: إن تأتنا تسألنا نعطك؟ ولم لا يجوز على قصد السؤال, ويجوز على الغلط والنسيان؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾؟ فعلام انجزم /١٤٣ ب الأول؟ وعلام انجزم الثاني؟ ولم كان الأول هو الجواب والثاني بدلًا منه؟ ولم لا يجوز أن يكون الثاني هو الجواب, والأول بدلًا منه؟ وهل ذلك لأن لقي الأثام هو مضاعفة العذاب, وليس يفعل ذلك؟
وما حكم: إن تأتنا نحسن إليك نعطك ونحملك؟ ولم كان الأول على الجواب, والثاني على البدل من الجواب؟
وما حكم: إن تأتني آتك أقل ذاك؟ ولم لا يجوز؟
стр. 848
وهل يجوز: إن تأتني آتيك أقل ذاك؟
وما حكم: إن تأتني ثم تسألني أعطك؟ ولم لا يجوز إلا بالجزم؟ وإن تأتني فتسألني أعطك, وإن تأتني وتسألني أعطك؟ ولم لا يجوز فيه الرفع على الحال كما تقول: إن تأتني وأنت تسألني أعطك, ومتى تأته وأنت تعشو إلى ضوء ناره؟ وهل ذلك لأن الواو تدخل مع الاسم في هذا للحال, ولا تدخل مع الفعل, لاستغناء الفعل الذي للحال عن الواو؟
وما حكم: إن تأتني فتحدثني أحدثك, وإن تأتني وتحدثني أحدثك؟ ولم لا يجوز بالنصب إلا على ضعف؟ ولم جاز أصلًا مع أنه واجب؟
وما الشاهد في قول ابن زهير:
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض يزلق
стр. 849
ولم كان النصب في هذا جيدًا؟ وهل ذلك لأجل النفي؟
وما حكم: إن تأتني فأحدثك؟ ولم لا يجوز إلا بالرفع؟
ولم جاز: إن يكن إتيان فحديث, على الرفع بالابتداء, ولم يجز على الرفع بالعطف؟
وما حكم: إن تأتني آتك فأحدثك؟ ولم جاز (فأحدثك) بالجزم, والرفع؟
وهل الجزم للعطف على الجواب, والرفع على الاستئناف؟
ولم جاز بالنصب في الفاء, والواو, ولم يجز في: ثم؟ ولم لا يصلح الصرف في: ثم, كما جاز في الواو؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾؟ وهل
стр. 850
/١٤٤ أذلك شاهد على أنه يجوز بعد التمام الرفع والجزم؟
وما الشاهد في: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ بعد قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾؟ ولم جاز في بعض القراءة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ .
وما حكم: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك, وإن تأتني فأنا آتيك وأحسن إليك, وقوله جل وعز: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾؟ وهل يجوز الجزم في مثل هذا؟
وقوله جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟ ولم جاز في بعض القراءة: ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾؟
стр. 851
وما حكم: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل؟ وهل يجوز فيه الجزم؟
وما حكم: إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك؟ وهل يجوز بالجزم في: وأحسن إليك؟ ولم جاز؟
ولم حسن: إن أتيتني لم آتك, ولم يحسن: إن أتيتني [لا] آتك؟ [وهل ذلك لأن (لم آتك) بمنزلة: إن أتيتني أتيتك, و (لا آتك) بمنزلة: إن أتيتني آتك]؟
ولم ضعف (فعلت) مع: أفعل, و [أفعل] مع: فعلت, و (لم أفعل) مع: يفعل و (لا أفعل) مع: فعل؟ وهل ذلك لخروجه عن المشاكلة؟
ولم جاز: أفعل إن شاء الله, على الإيجاب, وهو مشروط؟
стр. 852
وما الشاهد في قول الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرا ومسحبا
وتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
وهل ذلك شاهد في: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟
الجواب:
الذي يجوز في إعراب الفعل بين الجزمين إجراؤه على الرفع بوقوعه موقع الاسم خبرًا, أو حالًا, وعلى الجزم بالإتباع للأول, وعلى النصب بالصرف, إذا صح التقدير في كل واحد منها, إلا أن الصرف يضعف بين الجزمين, لأنه في الشرط الذي يشبه الواجب من جهة أنه واقع على الشرط, ويشبه / ١٤٤ ب غير الواجب من جهة أنه يجوز أن لا يقع, فإذا جاء بعد تمام الكلام قوي الصرف, لأنه
стр. 853
أحمل للتأويل إذا جاء بعد التمام.
والفعل الذي يرتفع بين الجزمين هو الواقع موقع الاسم.
والفعل الذي ينجزم بين الجزمين في الشرط والجواب هو التابع للأول.
وتقول: إن تأتني تسألني أعطك, بالرفع, لأنه في موضع: إن تأتني سائلًا أعطك. وإن تأتني تمشي أمش معك, بالرفع على أنه في موضع: إن تأتني ماشيًا. ويجوز بالجزم على البدل, كأنك قلت: إن تمش أمش معك, لأن المشي إتيان ولا يجوز مثل ذلك في الأول, لأن السؤال ليس بإتيان.
وقال زهير:
ومن لا يزل يستحمل الناس نفسه ... ولا يغنها يومًا من الدهر يسأم
برفع: يستحمل, لأنه في موضع الاسم خبرًا ليزل.
وقال الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
стр. 854
بالرفع, لأنه في موضع: متى تأته عاشيًا.
وقال عبيد الله بن الحر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبًا جزلًا ونارًا تأججا
فهذا يصلح فيه الجزم والرفع, كأنه قال: متى تأته ملما.
وقال بعض بني أسد:
إن يبخلوا أو يجبنوا ... أو يغدروا لا يحفلوا
يغدوا عليك مرجلين كأنهم لم يفعلوا
على البدل من: لا يحفلوا, لأن غدوهم مرجلين هو أنهم لا يحفلون, ويجوز بالرفع على الاستئناف, لأن الكلام قبله قد تم, ويجوز الرفع على الحال كأنه قال: غادين عليك مرجلين.
وتقول: إن تأتنا تسألنا نعطك, ولا يجوز في (تسألنا) الجزم.
وفي التنزيل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ فهذا على أن ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ هو / ١٤٥ أالجواب,
стр. 855
و (يضاعف) بدل منه, لأن لقي الأثام هو مضاعفة للعذاب, ولا يصلح فيه البدل من الأول, لأنه ليس به.
وتقول: إن تأتنا نحسن إليك نعطك ونحملك, فـ (نحسن) هو الجواب, و (نعطك) بدل منه.
ولا يجوز: إن تأتني آتك أقل ذاك, لأن القول ليس بإتيان, ولكن يجوز: إن تأتني آتيك أقل ذاك, على معنى: إن تأتني في حال إتياني إياك أقل ذاك.
وتقول: إن تأتني ثم تسألني أعطك, بالجزم لا غير, لأن الكلام ما تم, وكذلك: إن تأتني وتسألني أعطك.
ولا يجوز بالرفع على الحال, لأن واو الحال لا يحتاج إليها في الفعل, وإنما تقع مع الاسم كقولك: ضربته وزيد قائم.
وتقول: إن تأتني فتحدثني أحدثك, فيجوز بالنصب والجزم, وكذلك: إن تأتني وتحدثني أحدثك.
وقال زهير:
стр. 856
ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبته في مستوى الأرض يزلق
فهذا جيد, لأنه جواب النفي, وجواب الجزاء: يزلق.
وتقول: إن يكن إتيان فحديث, فيجوز الرفع على الابتداء, ولا يجوز على العطف, لأن الكلام ناقص بالعطف.
وتقول: إن تأتني آتك فأحدثك, بالجزم على العطف, ويجوز بالرفع على الاستئناف, وبالنصب على الصرف.
ولا يجوز الصرف في (ثم) , لأنه ليس لها وجه يقتضي التفريع بالصرف كما للفاء والواو, إذ الفاء ترتب بغير مهملة, فخرجت إلى الجواب, لموافقته معناها في هذا, والواو لجمع النهي الثاني والأول, أو الأمر, أو
ما جرى هذا المجرى في الفعل, فخرجت إلى الجمع بين الفعلين اللذين نهي عنهما في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن, فخرجت عن جمع معنى العطف إلى جمع من غير عطف.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ , وفيه: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ , فهذا شاهد على أنه يجوز بعد التمام /
ب الرفع والجزم.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ , وفي بعض القراءة ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾؟ فهذا شاهد في جواز الجزم والنصب على الصرف بعد تمام الكلام.
стр. 857
وتقول: إن تأتني فهو خير لك وأكرمك, فيجوز فيه ثلاثة أوجه: الرفع بالعطف على موضع ما بعد الفاء, والجزم بالعطف على موضع الفاء, والنصب على الصرف. وكذلك: إن تأتني فأنا آتيك وأحسن إليك.
وفي التنزيل: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ , فهذا على ما بعد الفاء.
ويجوز في مثله الجزم كما قال جل وعز: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ بالجزم والرفع, قرئ بهما جميعًا.
وتقول: إن تأتني فلن أوذيك وأستقبلك بالجميل, بالرفع والجزم, ولا يجوز النصب بالعطف, لأنه لا يجتمع نفي الاستقبال بالجميع مع نفي الأذى, لأنه لو قال: لن أستقبلك بالجميل, لدل على الأذى, ولا يصلح النصب على الصرف, لما فيه من الإبهام.
وتقول: إن أتيتني لم آتك وأحسن إليك, فيجوز بالرفع, والجزم, والنصب, إلا أن الجزم على العطف يضعف, لأن (لم آتك) إذا عطف عليه, صار بمنزلة: إن أتيتني لم أحسن إليك, وهذا ضعيف في الكلام.
ويضعف (أفعل) مع: فعلت, ومع: لم أفعل, لخروجه عن المشاكلة.
وتقول: أفعل إن شاء الله, فيدل على وقوع الفعل, لأن (إن شاء الله) مخرجه
стр. 858
هاهنا مخرج الشرط, وليس بشرط, وإنما هو كلام يتبرك به في صلة كلام غيره, فكأنه قال: أفعل ذلك, وليس بمنزلة: أفعل إن شاء زيد, لأن هذا شرط على ما توجبه صورته.
وقال الأعشى:
ومن يغترب عن قومه لا يزل يرى ... مصارع مظلوم مجرًا ومسحبا
/١٤٦ أوتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كبكبا
فنصب: وتدفن, على الصرف, وهو حسن, لأنه جاء بعد تمام الكلام كما جاء ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
стр. 859
باب الجواب بالجزم [لما] لم يذكر فيه حرف الجزاء
الغض فيه:
أن يبين ما يجوز في الجواب بالجزم لما لم يذكر فيه حرف الجزاء مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الجواب بالجزم لما لم يذكر فيه حرف الجزاء؟ وما الذي لا يجوز؟ ولم ذلك؟
ولم لا يجوز الجواب بالجزم إلا لما فيه معنى الجزاء؟ وهل ذلك لأن الجواب بالجزم يدل على تعليق الفعل؟
وما قسمة الكلام الذي جوابه بالجزم؟ ولم جاز في الأمر, والنهي, والاستفهام, والعرض, والتمني؟
ولم جاز جواب النفي بالفاء, ولم يجز جوابه بالجزم؟ وهل ذلك لأن الفاء في الجواب للصرف عن الإشراك في الفعل إلى معنى المصدر, والجواب بالجزم لتعليق الفعل؟
وما حكم: ائتني أكرمك؟ وما عامل الجزم في: أكرمك؟ وهل هو الأمر على
стр. 860
طريق الخلف من حرف الجزاء؟
ولم جاز أن يعمل الفعل في الفعل على جهة الخلف, ولم يجز على غير ذلك؟
وما حكم: لا تفعل يكن خيرًا لك؟ ولم جاز حذف مثل هذا؟
وما حكم: ألا تأتيني أحدثك, وأين تكون أزرك؟
ولم لا يكون الجواب بالجزم إلا لما فيه معنى الطلب؟ وهل ذلك لأن ما فيه معنى الطلب يقتضي الجزاء على وقوع المطلوب؟ وهل الذي يصلح جوابه بالجزم هو ما فيه معنى الطلب إذا لم يذكر حرف الجزاء لأن معنى الطلب يقتضي الجزاء؟
وما حكم: ألا ماء أشربه؟ وهل تقديره: ألا ماء /١٤٦ ب فإن يكن لي أشربه, وليته عندنا يحدثنا, أي: فإن يكن عندنا يحدثنا؟
وما حكم: ألا تنزل تصب خيرًا؟ وهل تقديره: فإنك إن تنزل تصب خيرًا؟
стр. 861
ولم جاز ترك الجواب في الأمر وأخواته, ولم يجز ترك الجواب في (إن) وأخواتها؟
وهل تقدير: أين بيتك أزرك: إن أعلم مكان بيتك أزرك؟
ولم صار: لو نزلت, بمنزلة: انزل؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِه﴾ , فلما انقضت الآية قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾؟
ولم جاز الجواب بالجزم في هذا, وإنما هو جزاء الإيمان لا جزاء الدلالة على تجارة تنجي من العقوبة؟ وهل ذلك لأن فيه معنى: أتؤمنون بالله ورسوله, إذ كان المطلوب [منهم] في دلالة هذا الكلام هو الإيمان؟
وما حكم: أتيتنا أمس نعطك اليوم؟ ولم جاز الجزم على الاستفهام المحض, ولم يجز على التقرير بأنه قد أتى أمس جزم الجواب؟ وهل ذلك لأنه يخرج عن تعليق الفعل ومعنى الطلب, لأنه لا يطلب فعل ما وقع؟
стр. 862
ولم جاز في التقرير: أأتيتنا أمس فنعطيك اليوم؟ [وهل ذلك لأن الفاء تخرجه عن التقرير إلى الصرف عن ذلك, بمعنى: إنه من أجل إتيانك أمس نعطيك اليوم, ولا يجوز: قد أتيتنا أمس فنعطيك اليوم] , لأنها لا تجد في هذا صرفًا عن الإشراك مع الفعل كما يكون في: أتيتنا؟ وما نظير ذلك من جواب النفي؟
وما الشاهد في قول رجل من بني تغلب:
ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي ... محارمنا لا يبؤ الدم بالدم
ولم جاز فيه الجواب بالجزم, وليس باستفهام؟ وهل ذلك لأن فيه معنى الطلب؟
وما الشاهد في قول الراجز:
متى أنام لا يؤرقني الكري؟
стр. 863
/١٤٧ أوما معنى قوله: «كأنه لم يعد نومه في هذه الحال نومًا»؟ وهل ذلك ليفرق بين الحال والجواب, إذ لو رفع, فقال: لا يؤرقني الكري, لكان قد عد نومه في هذه الحال نومًا, إلا أنه نوم غير طيب, لتقطعه؟
وما وجه إشمام بعض العرب الرفع في هذا؟ وهل ذلك على الحال؟
وهل يجوز: ائتني آتيك؟ وما الفرق بينه وبين الجزم في المعنى؟
وما الشاهد في قول الأخطل:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يمضي لمقدار
وهل هو على الحال, أو الاستئناف؟
وقول الأنصاري:
стр. 864
يا مال والحق عنده فقفوا ... تؤتون فيه الوفاء معترفا
ولم جاز هذا على الحال, والاستئناف, ولم يجز الأول على الاستئناف؟ .
وقول معروف:
كونوا كمن آسى أخاه بنفسه ... نعيش جميعًا أو نموت كلانا؟
стр. 865
ولم جاز على خبر (كونوا) , وعلى الاستئناف؟
وما حكم: لا تدن من الأسد يأكلك؟ ولم لا يجوز بالجزم, ويجوز بالرفع؟ ولم جاز: لاتدن من الأسد فيأكلك؟ وهل ذلك لأن الفاء توجب الصرف عن العطف على الفعل إلى تأويل المصدر, كأنه قيل: لا يكن دنو من الأسد فأكل من أجل الدنو, والرفع على معنى: فإنه يأكلك؟
ولم جاز: ما أتيتنا فتحدثنا, على جواب النفي, ولم يجز: ما أتيتنا تحدثنا, بالجزم على جواب النفي؟
وما الشاهد في قول بعض العرب: لا تذهب به تغلب عليه؟ وهل هو شاهد في: لا تدن من الأسد يأكلك, بالرفع؟
وما حكم: ذره يقل ذاك؟ ولم جاز بالجزم والرفع؟ ولم جاز الرفع على وجهين: الحال, والاستئناف؟ .
стр. 866
وما الشاهد في ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾؟ وهل يجوز في مثله الرفع؟ وما الفرق بين الجزم والرفع؟ وهل ذلك أن الرفع يوجب لزوم الأمر في حال دون حال, والجزم يوجب لزومه في كل حال؟
وما الشاهد في: ذرهم في طغيانهم يعمهون؟
وما الشاهد في قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾؟ ولم جاز الرفع على الحال والاستئناف, ولم يجز على [صفة]: يبس؟
وما حكم: قم يدعوك؟ ولم كان الرفع على: قم فإنه يدعوك؟ ولم جاز فيه الجزم؟
وما الشاهد في قول الأخطل:
стр. 867
كروا إلى حرتيكم تعمرونهما ... كما تكر إلى أوطانها البقر؟
ولم جاز رفعه على الحال, والاستئناف؟
وما حكم: مره يحفرها, وقل له يقل ذاك, وفي التنزيل: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾؟
ولم جاز: مره يحفرها, بالرفع على الاستئناف, وعلى الحال, وعلى: مره أن يحرفها؟
ولم إذا حذفت (أن) ارتفع الفعل؟ وهل ذلك لأنه بمنزلة: عسينا نفعل, والأصل: عسينا أن نفعل, فإذا حذفت (أن) وقع (نفعل) موقع الاسم, كأنه قال:
стр. 868
عسينا فاعلين, في مخرج الكلام, والمعنى معنى: عسينا أن نفعل؟
وما الشاهد في قول طرفة:
ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي؟
وهل هو على: الزاجري أن أحضر الوغى, بدليل العطف؟
وما تأويل: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ﴾؟ ولم جعل ﴿تَأْمُرُونِي﴾ اعتراضًا بين كلامين, كأنك قلت: زيد بلغني يقول ذاك؟ وهل إلغاؤه في الإعراب كإلغاء (ظننت) بين الاسم والخبر؟ ولم أجازه على:
стр. 869
... أيهذا الزاجري أحضر الوغى
مع شذوذه؟ وهل ذلك لأن الشذوذ عن قياس النظائر لا يقبح إذا لم يشذ في الاستعمال, / ١٤٨ أأو الوجه الذي يحسن جوازه, لأنه حينئذ بمنزلة: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾؟ وهل تقديره على هذا: أفتأمروني أعبد غير الله, على مخرج الحال, ومعنى (أن) , ففيه وجهان؟
وما وجوه الطلب حتى اختلفت الصيغ فيها؟
الجواب:
الذي يجوز في الجواب بالجزم لما لم يذكر فيه حرف الشرط إجراؤه على ما فيه معنى الطلب [بتعليق الفعل, لأنه يكون بمنزلة الجزاء في الشرط وجوابه, وذلك لأن ما فيه معنى الطلب] يقتضي الجزاء.
ولا يجوز الجواب بالجزم إلا لما فيه معنى الجزاء على تعليق الفعل, لأنه دليل على ذلك.
وقسمه الكلام الذي جوابه بالجزم على خمسة أوجه: أمر, ونهي,
стр. 870
واستفهام, وعرض, وتمن.
ولا يجوز جواب النفي بالجزم, لأنه يدل على تعليق الفعل, والنفي قد وقع بانتفاء الفعل على القطع, ولكن يجوز جواب النفي بالفاء, لأنه على الصرف عن الإشراك في الفعل إلى الدلالة على أنه مسبب الفعل.
وتقول: ائتني أكرمك, فهذا جواب الأمر, وعامل الجزم في (أكرمك) محذوف, بتقدير: فإنك إن تأتني أكرمك, والأمر خلف منه, ولا يعمل الفعل في الفعل, ولكن قد يكون خلفًا من العامل بدلالته عليه.
стр. 871
وتقول: لا تفعل يكن خبرًا, وتقديره: فإنك إن لا تفعل يكن خيرًا.
وتقول: ألا تأتيني أحدثك, كأنك قلت: إن تأتني أحدثك, لأن المطلوب منه الإتيان, وإن كان في مخرج الاستفهام.
وتقول: أين تكون أزرك, [وتقديره: إن أعرف مكانك أزرك, أو إن تخبرني بموضعك أزرك] , فإنما الجواب مضمون بوقوع المطلوب.
وتقول: ألا ماء أشربه, وتقديره: إن يكن لي أشربه, لأنه المطلوب في التمني, وكذلك: ليته عندنا يحدثنا, تقديره: إن يكن عندنا. وألا تنزل تصب خيرًا, وتقديره: إن تنزل تصب خيرًا.
ويجوز ترك الجواب في الأمر /١٤٨ ب وأخواته, لأن المعتمد فيه على معنى الأمر, وهو دال على الجواب على طريق التبع.
ولا يجوز ترك الجواب في الشرط, لأنه منعقد على أن الفعل الثاني يجب بوجوب الأول على جهة المعتمد, كما أن الفاعل معتمد والمفعول تبع في البيان, فكذلك جواب الأمر وأخواته تبع في البيان, وجواب الشرط معتمد, وكل معتمد
стр. 872
في الكلام لا يجوز تركه, لأن الكلام يكون به ناقصًا, وكل تبع للمعتمد فإنه يجوز تركه إلا أن يعرض مانع في بعض الكلام.
وفي التنزيل: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ , فلما انقضت الآية, قال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ على طريق الجواب, لما فيه من معنى: هل تؤمنون يغفر لكم, لأن الدلالة على النجاة من أجل
الإيمان, فلهذا كان بمنزلة: هل تؤمنون, وفيه معنى: آمنوا, لأن المطلوب منهم هو الإيمان, لا الإخبار بأنهم يطلبون الدلالة, وهو كما تقول: لو نزلت, ففيه معنى: انزل, ومعنى: ألا تنزل, وهو على مخرج التمني.
وتقول: أتيتنا أمس نعطك اليوم, فهذا جائز على الاستفهام, فإن كان تقريرًا لم يجز الجزم في: نعطك, لأن التقرير قد بطل فيه تعليق الفعل بالدليل على أنه قد وقع, ولكن يجوز الرفع في التقرير, فتقول: أتيتنا أمس نعطيك اليوم,
стр. 873
ويجوز الجواب بالفاء على الصرف عن التقرير إلى إيجاب الإعطاء من غير تقرير عليه, ولكن يقع من أجل الأول.
ولا يجوز: قد أتيتنا أمس فنعطيك اليوم, لأنه ليس يصح فيه معنى الصرف, وإنما يجب الثاني بالأول إذ صح فيه معنى الصرف.
وقال رجل من بني تغلب:
ألا تنتهي عنا ملوك وتتقي ... محارمنا لا يبؤ الدم بالدم
فهذا جواب النهي في المعنى بمخرج الاستفهام, كأنه قال: لا تستجيبوا محارمنا /١٤٩ أ, أو انتهوا عن محارمنا.
وقال الراجز:
стр. 874
متى أنام لا يؤرقني الكري
فهو جواب التمني بمخرج الاستفهام, ولذلك لم يعد نومه في هذه الحال نومًا, ولو رفع على ما ينشده بعض العرب, لكان قد اعتد بنومه, لأن الرفع على معنى الحال.
وقال الأخطل:
وقال رائدهم أرسوا نزاولها ... فكل حتف امرئ يمضي لمقدار
فهذا رفع على الاستئناف.
وقال الأنصاري:
يا مال والحق عنده فقفوا ... تؤتون فيه الوفاء معترفا
فهذا يصلح على الحال, والاستئناف.
وقال معروف:
كونوا كم آسى أخاه بنفسه ... نعيش جميعًا أو نموت كلانا
فهذا يصلح على خبر: كونوا, وعلى الاستئناف.
стр. 875
وتقول: لاتدن من الأسد يأكلك, أي: فإنه يأكلك, ولا يجوز بالجزم, من قبل أنه يجعل تبعده من الأسد سببًا لأكله, وهذا لا يكون ولا يصح أن يقدر على: لا تدن من الأسد فإنك إن تدن منه يأكلك, من أجل أن المطلوب منه الانتهاء بالتباعد, فإنما يقدر الجواب بذلك المطلوب.
ويجوز: لاتدن من الأسد فيأكلك, لأنه صرف عن معنى النهي إلى معنى: لا يكون دنو من الأسد فأكل, كما تقول: لا يكن إعطاء زيد فعمرو.
وتقول: ما أتيتنا فتحدثنا, على الصرف, ولا يجوز: ما أتيتنا تحدثنا, على جواب النفي بالجزم.
وقال بعض العرب: لا تذهب به تغلب عليه, بالرفع, فهذا شاهد على: لا تدن من الأسد يأكلك.
وتقول: ذره يقل ذاك, بالجزم على الجوب, ويجوز: ذره يقول ذلك, على الحال, والاستئناف.
стр. 876
وفي التنزيل: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ /١٤٩ ب ولو رفع لجاز على معنى الحال, والاستئناف.
وفي التنزيل: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ , فالرفع على: غير خائف, ويجوز فيه الاستئناف, ولا يكون على صفة (يبس) لأنه لا عائد فيه إلى الموصوف.
وتقول: قم يدعوك, بالرفع على كلام الناس: فإنه يدعوك, ولو أردت: إنك إن قمت دعاك, جزمت.
وقال الأخطل:
كروا إلى حرتيكم تعمرونهما ... كما تكر إلى أوطانها البقر
فهذا يصلح على الحال, والاستئناف.
وتقول: مره يحفرها, بالجزم على الجواب, ويجوز الرفع على ثلاثة أوجه: مره يحفرها, على الحال, وعلى الاستئناف, ويجوز على: مره أن يحفرها, كما قال طرفة:
ألا يهد الزاجري أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
فحذف (أن) وتقديره: أن أحضر الوغى, ودليله: وأن أشهد اللذات.
وفي التنزيل: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ , وفيه وجهان من التأويل:
стр. 877
أحدهما: أن يكون ﴿تَأْمُرُونِي﴾ اعتراضًا بين الفعل ومعموله, كأنه قيل: أفغير الله أعبد أيها الجاهلون, كما تقول: زيد - بلغني - يقول ذاك.
والوجه الثاني: أن يكون بتقدير: أفتأمروني أعبد غير الله, على معنى: أعبد غير الله, على معنى: أن أعبد غير الله, إلا أنه لما سقطت (أن) , ارتفع الفعل, ولم يمنع أن يعمل فيما قبله, لأن مخرجه حينئذ مخرج الحال, كأنه قيل: أفتأمروني عابدًا غير الله, وقدم على هذا التقدير, ولا يمتنع هذا التأويل, وإن شذ عن قياس النظائر, لأنه لم يشذ في الاستعمال, فحسن علته وقوتها [كحسن ﴿استحوذ﴾] , وذلك لوضوح الدلالة عليه, مع الإيجاز بحذفه.
ووجوه الطلب في خمسة أقسام التي ذكرناها مختلفة, فالطلب في الأمر للفعل من غير الآمر, والطلب /١٥٠ أفي النهي انتهاء الفعل من المنهي, والطلب
стр. 878
في الاستفهام الخبر من المخاطب, والطلب في العرض هو الفعل على [جهة] , عرض ذلك من غير إلزام يقبح تركه, والطلب في التمني المعني للتروح به, ولذلك جاز تمني الماضي.
стр. 879
باب الحروف التي لها جواب كجواب الأمر
الغرض فيه:
أن يبين ما يجوز في الحروف التي لها جواب كجواب الأمر مما لا يجوز.
مسائل هذا الباب:
ما الذي يجوز في الحروف التي لها جواب كجواب الأمر؟ وما الذي لا يجوز؟
ولم ذلك؟
ولم لا يجوز الجواب بالجزم إلا لما ليس بواجب؟
وما حكم: حسبك, وكفيك, وشرعك؟
ولم جاز: حسبك ينم الناس؟
ولم جاز: اتقى الله امرؤ وفعل خيرًا يثب عليه؟ ومن أين دخله معنى الأمر؟
وهل ذلك لأن الحكمة تدعو إليه؟
стр. 880
ولم لا يجوز: أحسن زيد وفعل خيرًا يثب عليه, كما جاز في الأول؟ وهل ذلك لأن التقوى أجمع لخصال الخير؟
وما الشاهد في قوله جل وعز: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾؟ وما وجه الجزم؟ وما وجه القراءة بالنصب؟ ولم حمل الجزم على قول زهير:
بدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئًا إذا كان جائيًا؟
وهل ذلك لأنه محمول على تقدير, إلا أن بيت زهير على تقدير متوهم لم يقع فيه عامل لفظ, ولا موضع, والآية على تقدير متحقق قد وقع فيه عامل موضع, كقولك: لولا أخرتني إلى أجل قريب أصدق وأكن من الصالحين, فهو في الآية قوي حسن, وفي البيت ضعيف, لهذه العلة, وإنما وجه الاستشهاد على أنه إذا جاز في المتوهم, فهو في المتحقق من /١٥٠ ب التقدير أجوز, ولولا ذلك القبح هذا الاستشهاد؟
وما الشاهد في قول عمرو بن عمار الطائي:
следующие страницы →