← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فأجاب الشافعي بأن القضايا لا تدل على الحكم؛ بل يكون مددها لمن ذهب إليها، وليس بحجة علي. إذ كل مجتهد يجوز عليه الخطأ. والخبر يدل على توفير الضوء، لا على أن لها حكم العينين. وتقوية الغرض لا يوجب كمال العوض؛ كقوة اليمنى على اليسرى. وكل جارحتين، إذا زالت إحداهما، توفرت القوة، وذهبت الأغذية إلى الأخرى؛ كما إذا كثرت أغصان الشجرة وأعذاق الشجرة وأعذاق النخلة، تمحق الطعم فيها. ولذلك يقلل ويخفف بإزالة بعضها، ليتوفر الماء والسماد على الباقي. وذلك لا يعطي أن يكون لها حكم العينين؛ كما لا يعطى يدًا قوية حكم اليدين. ولأن الغرض الأكبر قد اختل، وهو حراسة الجانب الذي كانت فيه. ولو كان الغرض يوفي الضوء في الوضع لخلق ذلك في غير واحدة. وإنما جعلها عينين لحكمة واضحة وهي أن ينظر من جهتين فيحرس الجانبان بهما. والذي يتضح به هذا ما يحدث من الاختلال بذهاب إحداهما من اختلال رعي السوائم وحراسة الجانب. فإن الأعور يصاب كثيرًا من الجانب الذي انطفأ سراجه وذهب ضوؤه. فالتوفر لو صح لما نفع لما اختل به تعطل إحدى الجانبين من التصرف به والانتفاع بكونه.

стр. 107

١٣٣ - وجرت مسألة المعتق نصفه هل يرث بمقدار ما فيه قال حنفي: لا يرث. ثم إنه فرض الكلام في الملك، فقال: إن الحرية لم تكمل. وأنت تكمل الملك في النصف. حتى إنه لا يكون في يده بغرض الإزالة، ويتصرف حتى بالتبرعات. فلم تدع للرق الذي فيه أثرًا. ومحال حصول الملك الكامل في حق شخص ناقص. يوضح هذا أن الرق الذي فيه وصمة توجب نقصه، فكييف يكمل بها ملكه؟ وليس يكفي أن يقع التأثير بالتنصيف فقط؛ لأن الشركة في العبد بين الجزئين الكاملين توجب التنصيف أيضًا. لكن لا بد من خصيصة في هذا المكان، الرق فيه، ووصمة الرق يمنع هذا الحكم الذي نسبه أنت. وهذا الملك التام الذي يتصرف به التصرف التام. قال الحنبلي: إن الحرية التي فيه مستقرة تامة في نفسها، وإن لم تعم رقبته. فيجب أن يعطى بها بحسبها تنصيفًا. فأما أن ينقص نقصانًا آخر، فلا. ولذلك إذا هابا المولى كان في يومه تام التصرف، كما يتصرف الأحرار، وفي يوم سيده عبد. فأما نقصان تصرفه مع تنصيفه، فلا وجه له. قال الحنفي: فلا أسلم فيه حرية مستقرة. قال الحنبلي: أريد به أنه لا يعود نصفه إلى الرق قط؛ ولا يقف

стр. 108

حصول الحرية في النصف على معنى يتأخر؛ بخلاف أم الولد، والمعتق نصفه، والمدبر، أو المكاتب الذي يعود إلى الرق. ١٣٤ - سأل سائل: هل يأثم الرجل بتلاوة القرآن على وجه من الوجوه ؟ قال حنبلي: نعم، إن الرجل ليقصد بالتلاوة شرًا، فيأثم بها لقصده. كما يؤجر بصورة المعصية، يأثم بصورة العبادة. قال له السائل: كانت مسألة صارت مسألتين: أخبرني ما صورة الطاعة التي يأثم بها، وما صورة المعصية التي يؤجر عليها. قال: الآيات يتلوها ليدعو بإشكالها إلى بدعة. كمشبه يتلو آيات الإضافات. مثل قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، ﴿تجري بأعيننا﴾، ﴿ويبقى وجه ربك﴾، ﴿يكشف عن ساقٍ﴾، يوهم بذلك ثبات الأعضاء؛ أو حلولي يوهم بقوله: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾، ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾. ألا ترى أن آدم، لما كان طينًا، لا قديم فيه، لم يسجد له؛ لما ولجته الروح القديمة، أسجد له الملائكة. فهذا كله تلاوة لكتاب الله. وكله صار وبالاً على تاليه للإضلال به، حيث أنزله الله لهدى خلقه. فأضل به هذا الخلق. ومثل ما روي في الحديث: إن الرجل ليقول "لا إله إلا الله" فيدخله النار؛ أو كما قال. فقيل: "وكيف ذلك، يا رسول الله؟ " قال: "هو أن يذكره أخوه المسلم عنده بسوء، فيقول "لا إله إلا الله" تعجبًا يستطعم الزيادة، فيعاقب على ذلك."

стр. 109

وأما صورة المعصية الذي يثاب عليه، فالكذبة يصلح بها بين الزوجين ويطفي بها النائرة بين الجنبين. فافهم هذا فأنه من فقه الأعمال. ثم قال الحنبلي: الرجل كل الرجل من قرر من نعم الله ما يخفي على كثير من خلفه ليشكروا، ومن قرر حكمة الله ليسلموا البلاية ولا يضجروا. فهذا أبدًا يصلح الخلق لله. وهذا مقام النبوة. ١٣٥ - جرت مسألة يهودي مات وخلف أخوة أحدهم مسلم هل إن رأي الحاكم المصلحة في العمل بمذهب معاذ ومعاوية وعائشة وغيرهم من التابعين بتوريث الأخ المسلم- هل يكون حكمه نافذًا صحيحًا؟ فأجاب حنبلي، فقال: هذا ينبني على أصل: هل يجوز تقليد الميت من المجتهدين أم لا؟ وفيه خلاف بين الأصوليين. ولأصحاب الشافعي فيه وجهان. ولأصحابنا أيضًا فيه وجهان .. وأجاب بعد هذه الجملة بما ينظره، بأنه إن كان الحاكم [مجتهدًا] فوافق اجتهاده اجتهاد السلف المذكورين، فذهب إلى هذا الحكم بدليلهم، لا بتقليدهم، جاز وشاع ونفذ حكمه. وكذلك إن لم يكن الحاكم مجتهدًا، لكنه وجد في عصره مجتهدًا يقلده، فحكم بذلك، صح ونفذ. فأما أن يحكم بتقليد هؤلاء المذكورين، فلا.

стр. 110

واجتمعوا وتذاكروا. فقال من نصر جواز تقليد الموتى: إن حكم مذاهبهم باقٍ؛ حتى إنه لا يجوز إحداث مذهب يخرج عن إجماع الموتى؛ كما لا يجوز إحداث مذهب يخرج عن إجماع الأحياء. ولأن الميت استقر مذهبه استقرارًا لم يبق يرجى رجوعه عنه. ولهذا اعتبر قوم في ثبوت الإجماع انقراض علماء العصر. وقال الذي منع تقليد الموتى: إن الموت يبطل حكم الشهادة. فلا يشهد على شهادة ميت. وذكر أشياء لم تتحصل فأذكرها. ١٣٦ - وجرى بجامع القصر مسألة تخالف المتبايعيين استدل فيها حنفي بقول النبي صلع: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وليس يتحقق في مسألتنا مدع إلا البائع، ولا يتحقق فيه إنكار إلا صورة. واليمين لا تثبت إلا في جنبه منكر حقيقة، لا منكر صورة. وليس من حيث كان منكرًا للعقد الذي يدعيه المشتري يكون منكرًا حقيقة. لأنه يحصل لنفسه بقوله شيئًا هو زيادة يدعيها من الثمن. والمشتري يدفع تلك الزيادة. والدفع هو المغلب في حقه. وصار بمثابة من أودع رجلًا وديعة، فأدعى المودع أنها تلفت؛ فقال صاحبها إنها لم تتلف؛ فإنه منكر، لكن لما لم يكن إنكارًا حقيقة، بل صورة، لم يخلف. ولما كان المودع منكرًا حقيقة، ثبتت اليمين في حقه حقيقة

стр. 111

وصورة. وثبتت اليمين في حقه، لأنه مدعٍ صورة، واليمين تثبت أبدًا في حق المدعي صورة. قال الحنبلي: ما الدعوى في حق كل واحد إلا معنى، لا صورة. وكذلك الإنكار. لأن كل واحد يدعي عقدًا، وينكره الآخر. لأنه لا يمكن أن تكون العين الواحدة بمائة، بخمسين، فيكون كل ثمنها مائة، وكل ثمنها خمسين. وإذا كانت الدعوى لعقد بمائة، ليس بقي الدعوى لعقد بخمسين؛ فكل واحد مدعٍ عقدًا، وكل واحد منكر للعقد الذي يدعيه الأخر. وأما قولك إن الإنكار صورة لا يوجب إثبات اليمين في جنبه المنكر صورة، فإنك قد أثبت البينة في جنبه من الدعوى في جنبته صورة، وهو المشترى. وإذا جاز أن تكون الدعوى صورة تثبت في جنبتها البينة، جاز أن يكون الإنكار صورة تثبت بها اليمين. وأما الوديعة فإن المودع أمين في جنبه المودع. فلذلك قبلت يمينه، لقوة جنبته بكونه أمينًا؛ وقبلت بينته، لأنه يدعي إثبات أمرٍ الأصل عدمه. لأنه أقر بالوديعة وادعى تلفها. والأصل البقاء الذي يخالف قوله؛ بخلاف المنكر الذي يدعى براءة ذمته، وينكر إثبات الحق، والأصل يوافق قوله. وإنما لم يسمع يمين صاحب الوديعة. لأنه يريد إثبات حق على غيره بقوله ما تلفت؛ وهو أمينة، فلا يقبل قوله عليه.

стр. 112

١٣٧ - وجرت مسألة الزنا هل يثبت تحريم المصاهرة قال حنبلي: الموجب للتحريم البغضة. وذلك يحصل بالحرام، كما يحصل بالحلال. فهو بمثابة الرضاع، لما أنشر العظم وأنبت اللحم، وإن كان اللبن غصبًا، أو كانت الظئر مغصوبة، أو كان اللبن نجسًا. والبعضية حقيقة وحسًا لا تحتاج في تحصيل التحريم إلى إباحة، بدليل جانب الأم. قال شافعي: أما البعضية، فإنها غير محكوم بثبوتها؛ بدليل أن القصاص يجري بين هذا المولود من الزنا وبين الزاني. والبعض لا يقبل به أصله. والنفقة غير واجبة. والإنسان يجب عليه مرمة أبغاضه وإمدادها بما تقوم به. وهذا صحيح. فإن التردد بين أن يكون بعضًا، وبين أن لا يكون، مسقط لما يسقط بالشبهة، وهو القود. ألا ترى أن قاتلًا لو اختلط بين جماعة غير قاتلين، فإنه لا يقتل واحد منهم؟ فما بالك ههنا قتلت الزاني بالمخلوق من الزنا؟ قال الحنبلي: إن سقوط القود ووجوب الأنفاق من أحكام النسب. والنسب لم يثبت ههنا. وهو أقصى ما يثبت من أحكام الوطء. وليس

стр. 113

إذا لم يثبت الأعلى من أحكام البعضية لم يثبت الأدنى. ألا ترى أن اللعان يزيل النسب ولا يقوى على إزالة التحريم؟ فيخرج باللعان أن يكون ثبتًا، ولا يخرج إلى حيز الأجانب المباحات. وكذلك الرضاع، يجعلها ثبتًا في باب التحريم، ولا يجعلها ثبتًا في وجوب الإنفاق، وعدم جري القصاص بين الأب والأم جميعًا من الرضاع. ١٣٨ - وسئل حنبلي عن تصرفات الصبي فقال: يصح. لأنه بلغ به التمييز العقلي إلى الرضا بأن يكون مصليًا وحاجًا. ومن بلغ به التمييز هذا المبلغ: لا يجوز أن يصان عن تصرفه المال. اعترض عليه بأن الصلاة لم يتحقق فيها ما تحقق في البيع من الحجر، بل وسع الشرع فيها. لأن عندك يؤمر بها لسبع، ولا يصح من الولي عنه. وهنا تحقق معنى الحجر بحيث لو باع الولي عليه وهو مراهق صح بيع الولي. ولا يصح بيع الولي لمال الصبي إلا وهو محجور. لأن غير المحجور لا تباع أمواله عليه؛ ولأن العبادات المالية أشبه بالبيع. وما صح أن يتولاها إخراجًا إن كان عينًا، ولا قبضًا للمال فيها إن كان فقيرًا. ولأن الشرع يبيح بالمال، وظن به في حق الأطفال، ومر بهم في باب العبادات.

стр. 114

١٣٩ - جرت مسألة الإمام المسافر إذا حدث به ما أحوجه إلى استخلاف غيره واستخلف مقيمًا، هل يجب على المسافرين الإتمام بحكم متابعة هذا الإمام الثاني، أم يكونون بحكم القصر بمتابعة الأول قال حنفي: إن حكم الأول وحكم إمامته باق بعد خروجه، والثاني تبع له. ومحال أن يسقط حكم متابعة الأول تغليبًا للثاني، مع كونه تابعًا له. والدلالة على بقاء تبعيته أنه لو كان قد سها سهوًا يوجب الجبران، لكان السجود الجابر لازمًا للمأمورين. ومن كان ملتزمًا لجبران تبعه فيه، لم يقطعه عنه تبعية الثاني الذي لم يدخل على صلاته نقصان. كذلك في باب تبعيته في قصر الصلاة. قال حنبلي مجيبًا عن هذا: إن الأول بقيت تبعتيته حكمًا فيما ذكرت من حكم الإمام وسد الخلل. وذلك الإمام قد خرج. ولعله نائم يغط. وهذا الإمام قد طرأت إمامته، وصار المأموم تابعًا له، بحيث لو يعمل الحدث بطلت صلاتهم؛ ولو سها، دخل النقض بسهوه على صلاتهم أيضًا. فلم يلغ حكم تبعيته وهي الطارئة. وأبدًا إنما يبني الحكم على الإتمام فيما يتجدد من الأحوال. بدليل دخول المسافر في صلاة المقيم، وقدوم

стр. 115

المسافر بعد شروعه في القصر إذا دخلت به السفينة؛ كل ذلك يوجب الإتمام. كذلك تجدد إتباع هذا الإمام. ١٤٠ - حادثة رجل حلف بالطلاق أنه ليس ولد آدم؛ لأنه قد قال بعض المفسرين إن قوله تع ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتًا﴾ أنه كان في بعض الأزمان يخلق الله من الطين قومًا لا بالتوالد. فقال حنبلي هذا ليس طريفا صحيحا. لأنه لو كان ذلك كذلك، لكان نسل آدم انقطع، وصار هؤلاء المخلوقون آباء من بعدهم، حتى انقطع نسل آدم. وهذا أمر يحتاج إلى نقل متواتر، لا يكفي فيه قول بعض المفسرين. ولكن الخلاص لهذا الخلاف من وجه آخر. وهو أن آدم وحواء إنسانان؛ وليس واحدا منهما ولد آدم ولا غيره؛ إذ لا والد لهما. فقد خرج من الناس اثنان ليسا بولدين لآدم. فبر في يمينه- والله أعلم. ١٤١ - قال بعض أهل العلم من المغاربة: قولهم "نسخت الكتاب" ليس من نسخ القرآن والأحكام في شيء. لأن الناسخ للكتاب يكتب مثل ما فيه؛ فيحصل بكتبه كتابان؛ فزيد كتاب إلى كتاب.

стр. 116

قال بعض أهل العلم: فلا بد أن يكون فيه معنى. ليكن على أقل الأحوال مجازًا؛ لأنهم لا ينطبقون بما لا حقيقة له ولا هو مجاز. ولا سيما والقرآن قد ورد بقوله: ﴿إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون﴾. ولا شك أنه ورد في التفسير، بالنقل الصحيح، أن الملائكة النازلة لرفع الأعمال تنقل مثال ما في اللوح، مما يلقيه إليهم الحفظة وملائكة اللوح. فإذا نزلوا وجدوا أعمال المكتوبة أعمالهم على ما نقلوا وسطروا. والعرب والقرآن جميعًا لا يتفق تسميتهم ذلك استنساخًا إلا وفيه معنى الرفع. فلابد لذلك من معنى يستخرج منه. وليس ذلك إلا لأن الناسخ يتصور صورة المحكي، فإذا سطرها سبق يسطره لها تصورها في نفسه. وذلك رفع للمثال، ونقل له من محله إلى النفس، ثم إلى الطرس. فاستعاروا لرفع المثال رفع الشيء بأصله. ولهذا صرحوا باسم النقل، فقالوا ((نقلت العلم عن فلان)) أي ((قلت مثاله تعلمًا وتلقفا)) إذ لو كان نقلا حقيقة، لعاد المنقول عنه علمه جاهلًا. ١٤٢ - وذكر بعض أهل العلم في قول عائشة رضها إن فيما أنزل الله تع عشر رضعات معدودات نسخن بخمس معلومات. فمات رسول الله وهي مما يتلى في القرآن. قال: ولا يجوز أن يتلى في كتاب الله بعد وفاة رسول

стр. 117

الله، لأنه لم يبق بعد وفاته صلع وحي ينزل. فبم ينسخ الحكم المتلو؟ فلا بد من أن يكون المراد به (يتلى) في حق من لم يسمع النسخ) كما صليت ركعتين في مدينة رسول الله معا في حق من لم يسمع نسخ القبلة. فلا وجه له إلا ذلك؛ إذ كان العدد في الرضاع ليس بمتلو في كتاب الله لفظًا ولا معنى. ١٤٣ - جرى بمجلس الظفرية عمد الصبي هل هو خطأ في الحكم أم له حكم العمد قال شافعي: له حكم العمد في إيجاب تغليظ الدية وتعلقها في ماله، لا متحملة ولا مؤجلة ولا مخففة بالسن. ثم استدل على ذلك بأنه من أهل القصد، ويتعلق على أفعاله الضمان والغرامات والكفارات؛ فكان عليه الدية المغلظة كالبالغ. اعترض عليه مالكي يري مثل مذهب أبي حنيفة، إذ هو مذهب مالك وأحمد، فقال: هذا يعطي أصل الضمان الذي لا على وجه العقوبة. وذلك يتعلق بفعل المخطئ من البلغ. وكلامنا في تغليظ لا يجب إلا عقوبة عندي. ولذلك أحرم الإرث بالقتل وأضر به على الصلاة. وأنا وأنت جميعًا نعززه على هذا الفعل. والتعزيز عقوبة على البدن قائمة بنفسها. فلئن يكون من أهل العقوبة بوصف في المال وهو التغليظ، بوصفه ستًا وحلولًا أولى.

стр. 118

قال المالكي، وحنفي إمام ساعده لموافقته، وحنبلي أيضًا ساعده: إن العقوبات أكد من اللوم. واللوم والعقوبة فرعان على الخطاب بالأمر وارتكب النهي، قوبل باللوم والتوبيخ، ثم العقوبة. فإذا كان الصبي غير مخاطب شرعًا، كيف يكون معاقبًا شرعًا؟ لم يبق إلا أ، ما يقع من الضرب له يقع أدبا لا عقوبة، كما يحسن ضرب البهيمة على النفار دون العثار. كما روى: ويضرب الطفل والمجنون. والفرق بين الأدب والعقوبة واضح بين المحققين. وذلك أن الأدب يقع منبها على الفعل والترك؛ والعقوبة تقع عن المؤاخذة والمجازاة. وبيني في حق الآدمي أنها تقع لتشفي الغيظ والغضب عن المسيء الذي وقعت به العقوبة؛ وفي حق الله سح يوقع العقوبة موصيا بنفي الرحمة، بدليل قوله: ﴿ولا تأخذكم رأفة بهما في دين الله﴾. فالعقوبة مؤاخذة ومكافأة على الإحرام والغرامات جبرًا للمحل الذي أختل بالجناية. والأدب إصلاح للمحل المؤدب. وما الأدب من العقوبة إلا كالمداواة للمحل المريض من الحدود. فإن الحدود واقعة موقع المجازاة. والتعليل والتمريض واقع موقع المداواة. كذلك الأدب مع العقوبة. وأما الكفارات فقد يجب في حق البالغ في فعل يستحق بمثله العقوبة، وهو الخطأ.

стр. 119

١٤٤ - وجرت مسألة الشفعة هل يستحقها الكافر على المسلم قال شافعي: حق وضع لدفع الضرر عن المال، فكان ثابتًا في حق الذمي على المسلم؛ كخيار الرد بالعيب. اعترض عليه حنبلي فقال: هذا ساقط بالسنة. وهو قول النبي صلعن: ((لا شفعة لنصراني)) ولأنه لا يجوز اعتبار الكافر بالمسلم في حق العقار. بدليل الاستعلاء في البنيان، هو انتفاع بالمال، ولا يجوز، تقصيرا لشأنه في خالص ملكه. وكذلك إحياء الموات في دار الإسلام. ولأنه في حكم الساكن، عند الشافعي، بدليل إيجاب الجزية عنده عن الذمي بعد الإسلام، عند الشافعي، بدليل إيجاب الجزية عنده عن الذمي بعد الإسلام، وفي تركته بعد الموت. وكل ذلك لأنه سكن في الإسلام حولًا. ومن يكون سكناه بأجرة لا يقاوم أرباب الأملاك للدار وينتزعها منهم والنبي صلعم يقول: ((لا تتركوا لهم سروات الطرق؛ وإذا لقبتموهم في طريق فألجثوهم إلى أضيقة)) وهذا يعود إلى معنى؛ وهو أنهم نار تكون علينا بحكم العهد. فوجب أن يكونوا في الدار وأملاكها قاصري التسلط، مجموعين عن التبسط. بخلاف المنقولات، فإنهم يجوز أن يمتازوا بتحسينها، أعني الأقمشة والرحل والحري وسائر المستعملات. ولا يملكون الاستعلاء. وما ذلك إلا لأمر يختص العقار. وهو ما ذكرنا من أن الأصل الدار، وهم ساكنون لا مالكون حقيقة. والاستعلاء من حقوق الملك الحاضر. فمنع منه لما فيه

стр. 120

من حظ المسلم صورة. فالمنع له من إزالة يده وملكه عن الشقص المنيع أولى. ١٤٥ - جرى بمجلسنا بدرب الكود مسألة الشيوخ والرهبان هل يفتلون استدل شافعي بأنه حر مكلف، فقتل بالكفر، كالثاب. طولب بصحته، فقال: لأن القتل لأجل الكفر؛ وهذا موجود في حق الشيخ والزمن والأعمى. اعترض حنبلي لمذهبه، ولأحدى الروايتين عن مالك، فقال: إنك لما طولبت بصحة الدلالة ذكرت لما لم يتضمنه الدليل. لأن وصفي دليلك الحرية والتكليف. وبدلالتك على الصحة تضمنت قيام الكفر وتعليلك به. وإذا كانت علتك الكفر بالله، فلماذا تذكر الحرية والتكليف، وتعتبر أيضًا البلوغ والذكورية؟ ومنعت قتل الذمي وهو كافر، والمستأمن وهو كافر. فهذه العلة لو كانت عاملة مؤثرة لهذا الحكم لأوجبت القتل في كل محل. ألا ترى أن كفر الردة أثر عندك في إيجاب القتل للنساء والعبيد والإماء حيث قتل به الشيوخ والعميان؟ قال الشافعي المستدل: إنما لم أقتل النساء والصبيان لأنهم يصيرون لنا أموالًا بنفس السبي. فكان الحكمة في ذلك مع الكفر أنه يتعجل

стр. 121

الانتفاع برقهم، والاستمتاع بالنساء، والاستخدام والتمول للصبيان. ثم الانتفاع بالذمة بأخذ الجزية. فهذا عاجل، ويرجى في الآجل أن يستجيبوا للإسلام. لأن الأطفال إذا مرنوا على مشاهدة جموع المسلمين، وسمعوا ما يتلى من آيات الله، استجابوا للإسلام. وكذلك النساء سريعات الانقياد ... لم توضع إلا ... ، فقد سمعوا بالنبوات والكتب، وعرفوا سماء النبوة وحلاوة الأتباع للشرائع. فهذا علة إسقاط القتل عنهم مع قيام الكفر فيهم. والله سح صرح بتعليق القتال والقتل على الكفر. ثم جعل زوال الكفر بالإسلام غاية لرفع القتال والقتل عنهم بقوله: ((حتى يقولوا لا إله إلا الله)) وأما الشيوخ والعميان وأصحاب الصوامع فإنهم كفار. ولم يوجد في حقهم مانع من القتل؛ بدليل أن أكثر ما فيهم أنهم تعطلوا عن القتال. وليس القتال علة لقتل الكفار، ولا شرطا؛ بدليل المرتدين من الشيوخ والرهبان والعميان. أجاب الحنبلي بأن قال: أما الكفر، إن جعلته علة، لم يحسن بك أن تعتبر له محلًا مخصوصًا. لأنه الغاية في الهتك، حيث كان كفرًا بالخالق المنعم بالإيجاد، ثم الإرشاد. فاعتبار الذكورية والحرية والبلوغ لا وجه له.

стр. 122

فأما اعتذارك عن النساء والصبيان والمعاهدين بالمنفوع والأموال، فليس بصحيح. لأن نظرنا نحن إلى التعطل بالشيخوخة والزمانة والرهبنة عن الفساد والقتال أشبه وأحسن. لأن الشر والفساد والحرب علل القرآن به، والتمول والانتفاع لم يعلل به. فقال سح: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم﴾؛ ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة﴾. ولو كان الكفر علة لما حسن أن تذكر معه هذه الأمور التي هي دون الكفر؛ كما لا يحسن أن يعلل في زان وجب رجمه بقبلته للأجنبية ومسه لها ونظرة إليها؛ ولا في بيع الحرير بكونه ع=غانيا، ولا في إبطال نكاح الأخت من الرضاع بإحرامها. ولأن النبي صلع صرف عن هذه العلة ولم يقل في المرأة التي وجدها مقتولة [ ... ] وقال ((ما بالها تقتل وهي لا تقاتل؟ )) ولم يقل ((ما بالها قتلت وهي تصير مالًا ورقيقا للمسلمين؟ )) وأبو بكر الصديق قال: ((ستجدون أقواما غلقوا على نفوسهم الأبواب، فدعوهم وما ندبوا نفوسهم له.)) وفي الرواية المشهورة ((واستبقوا- وروى ((واستحيوا)) - شرخهم)) والحديث في الصحيحين: ((إذا لقيتم عدوا لله، فاستعينوا عليهم بالله وادعوهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ فإن أجابوكم، وإلا فقاتلوهم)) وساق الحديث: ((ولا تحرقوا نخلا، ولا تغرقوا نخلا، ولا تقتلوا شيخا هما، ولا امرأة)) وإذا تقابل تعلينا في إسقاط قتل النساء والصبيان وتعليلكم، كان تعليلنا بأنهم ليسوا من أهل

стр. 123

الحراب أحسن، لما ذكرنا من النطق وتلونا من كتاب الله وسنة رسوله، ولما يذكر من المعنى، وأن الفساد يصلح أن يكون علة. ولذلك تقتل به المسلم. والكف عنه يصلح أن يكون علة للمنع من القتل. فأما النفع بالمال، فلا يسوي أن يكون علة لمنع القتل الواجب بالكفر. ألا تراه بعد تمكنه من المحل بقتل به المرتد. قال الشافعي: فقد تكرر: قد تكرر ذكرك للمرتد. ولا يجوز أن يدخل ذكره فيما نحن فيه، لأننا فيه سواء. فأنت لا تقتل شيخًا ولا أعمى ولا زمنا؛ ونحن لا نقتل امرأة ولا عبدًا، ونقتل الأعمى. وجميعا نقتل بالردة من لا نقتله بالكفر الأصلي. فأنت تقتل الشيوخ والرهبان والزمني والعميان. فليس كفر الردة مما نحن فيه بشيء. فكما أنك ما أسقطت قتل المرتد عن الأعمى والشيخ الهم، بل قتلته مع كونه مأمون الجنية بتعطله، بأن أنك قتلته بالكفر واطرحت كفاية شره. ونحن قتلنا العبد والأمة مع تمكن المالية فيهما؛ ولم تعصم دمه بمنقوعة. هذا يعطي أن كفر الردة ليس من كفر المحاربين بسبيل. ١٤٦ - وجرت مسألة التعدي في الوديعة إذا إزالة هل يزول الضمان قال الشافعي: إن المعقود عليه زال وانعدم. فلا يعود العقد إلا بعد إعادته من جهة عاقدة. كما لو جحدها، ثم عاد وأقر بها.

стр. 124

اعترض عليه مالكي فقال: إن الذي زال إنما هو حفظ في حال، وهو مما يقبل التجزئة، بأن يقول ((أودعتك يوما ويوما لا. ((ولم إذا زال الحفظ يرتفع العقد؟ ونحن نعلم أنه قد تختل أحكام في العقود، لكنها لا ترتفع إلا بما وضع لحلها. وما الجناية والتعدي إلا ضد الحفظ، لا ضد العقد، وهو الاستحفاظ، بل الاستحفاظ عام في جميع الزمان. ولا يجوز أن يكون قوله ((أحفظ)) مقدرا بالحفظ: ((فإذا أزلت الحفظ فلا تحفظ.)) بل يكون المقدر: ((فإن تركت الحفظ، فعاوده ولا تستدمه)). قال الشافعي: إنه إذا ترك الحفظ صار ضامنا. والضمان حكم يضاد الحفظ، فضاد الاستئمان. وهذا هو غاية. لأن الاستئمان مقيد: ((ما دمت حافظا، فإذا أزلت الحفظ فردها إلي)). وتجدد الحفظ في المستقبل لا يجوز أن يقضي بإعادة ما زال بالتعدي. وقولك ((أن العقد ما زال))، وهل العقد إلا التزام عدة جميله، والاستئمان إلى عهد المودع؟ فإذا زال ما كان مضمون العدة، ولم يحصل الوفاء، فأي عقد بقى مع حقر الذمة وإخلاف العدة؟

стр. 125

١٤٧ - وجرت مسألة الإفطار في رمضان بالأكل هل توجب الكفارة قال حنبلي: إن الوطء تأكد والجماع تغلظ، بحيث لا يجوز أن يجتمع هو وغيره في عبادة أو ملك العين إلا ويتأكد؛ كما انفرد من بين سائر محظورات الإحرام بإفساد الحج وإيجاب الكفارة العظمى .. وفي ملك العين إذا اجتمع مع غيره انفرد بإيجاب الحد. فهذا في الأحكام. ومن ذلك أنه حرم الخلوة بالأجانب من النساء، والتعرض والتحرش بالآماء والزوجات في نهار رمضان. ولم يمنع من الخلوة بطعام غير المشتهي مع الجوع الذي بلغ الغاية والمنتهى؛ ولا الخلوة بالماء البارد مع شدة الحر والعطش. وما ذلك إلا لأن هوائج الطبع عند شهوة الجماع لا يقنع فيها بضابط الحظر، حتى ينضم إليه زاجر من خارج، وهو تخير في مال أو عقوبة في بدن. ولذلك تيم العشاق، وقالوا في هذا الشأن الأشعار؛ وجن به مجنون بين عامر، ولم يشاهد. وما سمعنا برجل تاه في القفار، وبالغ في الأشعار، لأجل شمه لرائحة هريس، أو كبيس، أو سكباج وبطيخ! ولا نصب الله على أكل ذلك رادعًا، ولا قامعًا. ولهذه الخصيصة تترفع بإيجاب الكفارة دون الأكل.

стр. 126

١٤٨ - قال حنبلي في قوله صلع ((إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدوا بالعشاء وإذا حضرت الصلاة والخلاء فابدوا بالخلاء)) ما أبله قومًا قالوا: ((بدأ بحظوظنا قبل حقوقه.)) فأعدوا هذا رفقًا بطباعهم وتقديمًا لحظوظهم. وكلا أن يكون الشرع قصد ذلك. وإنما الفقه أنه أحب أن لا يدخلوا الصلاة بقلوب مشغولة بطلب الغذاء، أو دفع الأذى؛ فلا يتكامل الخشوع ولا تحضر القلوب. فدفع المشغلات توفرًا على قيام الإنسان بحقوق العبادات. مثل قوله ((لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان)) طلبًا للاعتدال، لئلا يحصل الميل لمكان نفور الطبع، لأنه معيار الحق. ونحن نصون معيار الأثمان والمأكولات عن العين التي تخل بحقيقة وزنه. فكيف بميزان الشرائع والحقوق؟ فهذا فقه الحديث، وعليه قاس الناس صيانة الشاهد عن أن يكون عدوًا، وان يكون أبًا. لأن تمثل الغضب غير لابث، ولكنه نفور يمنع تحقيق النظر. فكيف بهوى النفس في الأولاد ومحبة إيصال الخير إليهم؟ فلم يبق الشرع تمسكه الأديان والعدالات العارضة عن أن يوقع التهمة بأربابها لأجل الطباع الموضوعة فيهم. فافهم هذا؛ فإنه من أحسن فقه الحديث.

стр. 127

١٤٩ - ذكر بعض أهل العلم أن تعاليل القائسين للأحكام والمعللين للأفعال أفسدت من الشريعة أكثر مما أصلحت، ونبهت العقول على ما لم تكن به شعرت. ولم يك في القياس والتعليل ما يرضي العقول من هذه الإقناعيات التي قامت بإزائها اعتراضات الأوائل وجدل المتكلمين. قال له قائل: فما الحيلة في ذلك؟ قال حنبلي: يكفي أن يكون الإنسان مستطرحًا على باب التسليم للحكيم الأزلي - جلت عظمته - بلا اعتراض يحوج إلى الاعتلال. قال له العالم: يا هذا! تطلبون من الناس الإمساك عما لم يستطع الأنبياء الإمساك عنه! أليس هذا الكليم يقول لعالم قد اعلمه الباري أنه آتاه علمًا من لدنه: ﴿أخرقتها لتغرق أهلها﴾، ﴿أقتلت نفسًا زاكية بغير نفس﴾. ليس في العقول أن تصبر عن الاعتراض وهي معايير التحسين والتقبيح. والباري سح لم يقل له ((ليس لك هذا، ولا جواب لاعتراضك)) بل عدل إلى إجابته بمثل ما نطق به العلماء من التعاليل الإقناعية التي لا ترضي هؤلاء الذين زعمت أنهم يعترضون. فإنا إذا قلنا لهم: ((كسر السفينة لئلا تؤخذ في الصخرة))، و ((قتل الغلام لئلا يبلغ فيكفر ويكفر أهله))، تضاحكوا بهذه التعاليل، وأخلدوا إلى التعطيل، وقالوا: ((أليس كان في سعة القدرة منع الفساد بغير فساد؟ فما بال هذا العلاج بالإفساد؟ )) ومعلوم أن الله سح قنع به بيانًا لحكمة الكسر والقتل؛

стр. 128

وموسى قنع به عذرًا لما وقع. فإذا لم يقنع به آحاد أهل وقتنا، كان ذلك تعطيلًا لتعاليل الشرع. فإذا عاد الواحد بعد هذا الرد للتعليل يقول ((أنا أرجع إلى الرضا والتسليم)) قلنا له: ((إنما يكون هذا منك حسنًا إذا كان اطراحك لكل علة نطق بها مخلوق واستخرجها متكلم. فأما إذا كنت تقول ((أنا لا أرضى بهذا التعليل الذي صرح به الشرع)) وكان عدم رضاك، لأنه عذر غير شاف في العقل، فلا فرق بين قولك هذا لرد تعليل الشرع وبين قولك هذا في أفعاله التي لم يكشف عن التعليل لها. فإما أن تسلم الكل، الأفعال المعللة بعلل الشرع وغير المعللة، وترضي بعلل الشرع وبيان وجه الحكمة التي بينها، وإما أن لا ترضي بالكل، ثم تقول (أنا أسلم). فلا تسليم مع ردك التعليل؛ كما لا تسليم مع ردك للأخبار. لأن الجميع منه سح. فأما أن تقول (أنا أسلم أفعاله، وأرضي بها كيف كانت، ولا أرضي بتعليله)، فلا فرق بين ردك لفعله، أو لمصلحة فعله التي بينها وكشف عنها ورضي بها.)) ومثال أذكره لإبطال هذا المذهب: إن قائلًا لو قال ((أنا أثق إلى حكمة هذا الطبيب، فأي شيء طبني به من دواء أو فصد سلمته لحكمته))، حسن هذا القول منه. فإذا فصده ذلك الطبيب فصدة منكرة، فقال له هذا المسلم ((لم فصدتني هذه الفصدة؟ )) فقال ((لكذا وكذا)) - أمر ذكر به من الأمراض وادعى أنه يصلح له الفصدة المنكرة، فقال المدعي الثقة إلى حكمته ((ما هذا تعليل يرضي ولا يقوم لك به عندي العذر، )) لعد مناقضًا في قوله، حيث ادعى جملة الحكمة والتسليم لها، ثم إنه اعترض

стр. 129

على التعليل الصادر عن الفاعل بالحكمة. فيعطي هذا أن من وجبت الثقة به في الفعل وجب أن تحصل الثقة به في تعليل الفعل. - والله أعلم. وهذا كثير مما يجيء في اعتراضات أهل الظاهر المبطلين للمعاني والأقيسة. فإذا قال القائل ((إن الله أوجب قطع القلفة لئلا تجتمع تحتها النجاسات، )) فيقول الواحد منهم ((أليس قولنا نحن إن هذا ابتلاء أحسن من قولكم هذا؟ من جهة أنكم إذا عللتم بمثل هذا، تطرق عليكم قول المعترض بالعقول: (فقد كان يعلم ذلك، فهلا خلق البشرة مكشوفة بلا قلفة، أو الجلدة مقلصة كمن طهرته القمرة؟ ) فبقيتم ولا جواب لكم.)) ثم يؤكد ذلك عليهم بأن يقول: ((أليس غاية ما كان لنا من الاستدلال على أن الله تع عالم هو إعداد كل شيء من الأشياء لحاجة؟ فمن اعتد الأشياء بحسب الحاجات المركبة في الأحياء [لا] يغرب عنه إعدام أشياء تحتاج الأحياء إلى إزالتها.)) فيقال لهذا الظاهري العاتب على المعنوي: ((أليس قد صح في الآثار فروي أن النبي صلعم فلق صدره وأخرج قلبه وغسله وأخرج منه مثل النكتة السوداء فقيل (هذا حظ شيطان)؟ أو ليس يمكن أن يقال - وقد كان عالمًا وقادرًا: (فلم خلق ما احتيج إلى إزالته)؟ )) وكذلك ورد في تفسير ﴿فمحونا آية الليل﴾ أن القمر كان كالشمس في الإشراق. فأمر جبريل فمسحه برائشة من جناحه. فذلك قوله: ﴿فمحونا آية الليل﴾، وهذا هو النمش الذي يوجد في بهجة القمر.)) يقال: ((فهلًا

стр. 130

خلقه قبل ذلك على صفة لا تؤذي أهل الليل؟ )) فإن كان هذا وأشباهه مما روى وصح، حسن أن يقال في القلفة ما قيل ويعلل فيها بما علل. ولا ينبغي أن يمتنع من تعليل قد ورد بمثله الكتاب. (على أنه قد قيل إن البشرة محل لذة الجماع، واللطافة فيها تورث لطافة الحس. ولو كانت مكشوفة منذ خلقت لحشت وخشنت فتعذر الإدراك فيها. ولذلك قيل إن الروم ألذ جماعًا من غيرهم، لأنهم يجدون لذة الجماع بكمرة لم تنكشف لمباشرة الهواء. فيه ألطف إدراكًا. - والله أعلم.). ١٥٠ - فصل في قوله تع ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد﴾ قال حنبلي: نقول جملة، ثم نشرح ذلك تفصيلًا يكشف عن ذلك. فالجملة أنه مخلوق في مكابدة الخروج من الأم إلى الفساح؛ ثم مكابدة اجتذاب اللبن من البدن؛ ثم مكابدة الرضاع والتربية؛ ثم مكابدة الأعراض والأمراض؛ ثم مكابدة الآداب؛ وبعد ذلك مكابدة المعاش. فبينما تراه في صورة بهيمة يحرث، ثم يسني ويسدف، ثم يسمد ويسقي، ثم يراعي وينظر، ثم يحصد، ثم يدوس، ثم يذري وينقي، ثم يطحن، ثم يعجن، ثم يخبز. فلو رآه من لا يعرف الغرض الأقصى لأدهشه ذلك، وظن أنه من الأغراض الفاخرة. فإذا به لأكلة غايتها

стр. 131

معالجة خروج الأذى. وقد سبقها تشكله وتصوره بصورة أنواع من البهائم؛ تارة بصورة بقرة، وتارة بصورة حمار، وتارة بصورة سبع، وتارة بصورة طائر. وخروجه في أبواب من الحيل وضروب من الخداع والمصاولة والذل والضراعة. فهذا نوع من المكابدة في نوع من الأغراض، وهو الأكل. فكيف بمقاساة الخلق: بين حاسد وباغض، وغاصب وناهب، ومواثب ومواشي، وكاذب وخادع؛ والبهيم: بين لاسع وناهش، ورافس وناطح؛ ومضار الأغذية: بين مسهل وعاصم وقابض، ومحمي ومبرد، ومرطب ومجفف، ومورم ومدقق؛ والأزمنة: بين حار وبارد ومعتدل؟ فهذا مبسوط الكبد. ومجموعه أنها حياة منغصة، مشوبة بالأذايا. ثم إنها منقطعة. فالعاقل من طلب من الله العافية الصافية الدائمة. فلا يغسل هذا الكبد، إلا ذلك العيش الدائم على الأبد. وما هذا إلا كما قال الشاعر: كما قال الحمام لقوس راٍم ... لقد جمعت من شتى لأمري فإن الصائد جمع بين خشب وعصب وعظم وغرًا وتوز ووتر. والغرض كله صيد حمامة. وكما قدروا من القول إن لو كانت الوحوش قائلة: ((إن هذا الملك الواسع الملك، الكثير العساكر، الشديد البطش، جمع عساكره، وأخرج زينته، وبرز أكلبه وفهوده وصقوره وبزاته، وبث خيله ورجله، وملأ الصحاري والفضاء، وترك ما وراءه من النعيم والقصور وكثرة الأموال ولذيذ الأطعمة والأغذية وقصدنا، ونحن حيوان لا نؤذي أحدًا،

стр. 132

لا مخلب ولا منسر ولا ناب ولا ظفر، بل مصورون بصور الأنعام السائمة، ولا نضايق في طعام ولا شراب، نرعى نبات البر ونشرب ماء الغدران المجتمع من القطر. فهل الخروج إلينا بالأسلحة، وتخريش الجوارح والسباع، إلا عين البغي ومحض الظلم؟ )) فإذا عمل أمثال هذه التوبيخات على ألسنة البهائم، فانقطع العذر، فكيف بتوبيخات القرآن في العدول عن الأمر الإلهي؟ وعلى هذا كل تصاريفكم، معاشر الناطقين، خارجة عن نمط الشرع ومقتضى العقول. والبهيم معكم متعب لسوء تصاريفكم فيه. ثم لا تقنعون مع هذه التصاريف القذرة والحياة المشوبة المنغصة حتى تستكثرون من الأثقال المزيدة في الأذايا والمكثرة من البلايا. ١٥١ - جرى مجاراة ومقابسة في معنى تفضيل الرفاهية والدعة والراحة على التعب والكلف ومعاناة أثقال المخالطة فقال عالم: ملاك الأمر الرفاهية والدعة والراحة، إذ ليس في الوجود ما يسوي التعب ومدارة الخلق. وقال آخر: ليس العيش النطقي الخارج عن طباع التراب والجمادية إلا المخالطة والمعالجة. والراحة كسب العطلة. وما خلق الإنسان على هذه الصفات الشريفة والأعضاء المهيأة للأعمال النفيسة للتعطل. فتعطيل

стр. 133

الله سح كتعطيل نعمة كلها من الأموال والحيوان والنبات، وكتعطيل القلوب عن الأفكار والاعتبار والتأمل. ومعلوم أن الله سح ما مدح إلا على الأعمال العائدة بصلاح الأديان والأحوال. ولو أراد إجمام الناس عن العمل لتولى لهم الجزئيات، كما تولى لهم الكليات. فلما وكلها إليهم ومدحهم بما منحهم، فقال: ﴿وعلمناه صنعة لبوٍس لكم لتحصنكم من بأسكم﴾، كما قال في حق سليمان: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره﴾، وقال في حق الآخر: ﴿وأسلنا له عين القطر﴾، فتارة علم وتارة سخر وتارة سهل بقوله: ﴿وألنا له الحديد﴾ ﴿أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾، ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا﴾، وهذا عمل ﴿وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله﴾، ﴿فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه﴾، وأشباهه من الآي الحاثة على إعمال الأدوات لتحصيل الفضائل وتحصيل الكفايات. وكما أنه أراد إظهار حكمته في آثار صنعته أراد أن يظهر ما طوى من الجواهر في خليقته. وغاية ما يتعلق به قائل: ((أفضل أنه يعدم كد الجسم وأتعابه في درك الفضائل. وما يفي إجمام الجسم عن الأتعاب وحظوته بالرفاهية عن الاكتساب ببقائه على طبيعته الأولى شكلًا ممثلًا من طين مودعًا عن الأعمال.)) انظر كم بين سيف في غمده، وفرس في قيده، ولسان في فمه، وقلم في دواته، وماء في مصنعه؛ وبين سيف في يد كمي يضرب به الهام حماية لجانبه، ونصرتة لعشريته، وفرس يجول بين الصفين كرًا وفرًا بفارس كاشف

стр. 134

لكربة قومه، أو جالب لنفع أهله، معظمًا لحرمة الله، ناصرًا لدعوة الله، ولسان ناطق بحق لا يكشفه إلا بيانه، أو يمدح ممدوح يهذبه كرمه أو ذامًا به من ارتكب مفسدة يكسره عنه ذمه أو وعيده، وقلم بخط زجرًا عن فساد، ويصلح بين طائفتين بما يجريه من لطافة وعذوبة تخرج عن الضمائر الصحيحة في تخاطيط المداد. فإذا كانت الأعضاء والأدوات إنما يتضح شرفها بالأفعال، فكيف بشرف هذا الحيوان الفاضل بالتعطل عن الأعمال؟ انظر ما بين السوائم والعوامل، وبين الراعي والمرعي، وبين الزاق والمزقوق، وبين العائل والمعول، وكيف قال النبي صلعم حيث وصفت صلاة رجل صحب أصحابه في سفر بكثرة صلاة وصيام فقال: ((ومن أين يأكل؟ )) قالوا: ((كلنا كنا نعوله.)) فقال: ((كلكم خير منه.)) انظر محل المعيشة من الزوجة والبكر من البنت في باب فضيلة الحد توفي على فضل المعطل عن أسباب النسل. انظر ما بين الساج والزراع، وما بين الغمام الهاطل والعاطل. انظر ما بين العقم والولود. انظر محل الشمس وقت كسوفها إلى محلها في شروقها. وجملة هذا وتفصيله أن الباري سمي العاطل عبثًا وباطلًا. وذكر لكل خلق ٥ حكمة ليخرجه بها عن حكم التعطل عن الفائدة. والله إن البحر إذا ركد عد جوبة. والجبل لو لم يعلق عليه أنه وتد لصار صكه ومعرا. والريح لما خلت من لقاح قيل فيها العقيم. والجنة وصفت بما وصفت، ثم حملت حال عطلتها عن التنعم بها بأن قيل أعدت فإعدادها تجميلها.

стр. 135

وخلقت الملائكة خلقة الاستقلال عن الأعمال التي يحتاج إليها الآدميون من التسكع للقوام واللذات والحاجات. ربطوا بأعمال بين حملة للعرش، وقبض لأرواح الخلق، وكيل لماء السحاب، وتسليطًا على بلاد مسخوطة بأنواع العذاب، وحفظًا لأعمال المكلفين، وكتبة للأقدار، وهابطين بالوحي، وخزنة للجنان، وزبانية للنيران. فمتى خلق جوادًا أو حيوانًا للعطلة حتى تكون العطلة فضيلة؟ والله ما سمت العرب المائدة إلا بالطعام، ولا الرمح إلا بالسنان، ولا الكأس إلا بالشراب؛ وإلا فالمائدة المعطلة خوان، والرمح بلا سنان قناة، والكأس بلا شراب زجاجة. فافهم ذلك والسلام. ولا يحملك حب الراحة لأجل رذيلة الكسل على تفضيل التعطل على الأكساب والعمل. فإنك لا تجد لذلك شبهة، فضلًا عن حجة. اعترض على هذه الجملة آخر، فقال: والله ما الأعمال في العمال إلا امتهان وابتذال. وما العامل حال عمله أو استعماله إلا بمثابة هذه الآلات من الرحى والجاون والمنجل والفأس والسيف، وما شاكل ذلك من أدوات الأعمال. والإجمام للأنفس عن الابتذال أفضل. وإنما فضلت الصناعة في حق القديم سح لأنه سح فاعل لا ينفعل ولا يبتذل. وإلى ذلك أشار سح بقوله: ﴿وما مسنا من لغوب﴾. فأما من كانت الأعمال تنهكه والأفعال تحلله وتهدمه فأي فضل له في الأعمال؟ وإنما المنافع لغيره به. ولذلك لما كانت الجنة أكمل، قال سح: ﴿لا يمسهم فيها نصب﴾. وإنما مدحت الأعمال لمكان الحاجات؛ والغناء أفضل. ولذلك

стр. 136

جعل الباري الحاجة وصمة دلت على الخلق. قال سح- في صفة عيسى ومريم: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾. ومدح نفسه بالغناء فقال: ﴿سبحانه هو الغني﴾. قال العالم المفضل للأعمال على البطالات والراحات: دعنا من ذكر الغني، فإن الغناء تمام وكمال. لكن كلامنا في مخلوق على الحاجة، تمم نفسه بطلب العناء. وليس العجب من غني وجب له صفة الغناء؛ العجب من مخلوق على الحاجة وهو يكتسب الغناء بأفعاله ويسد خلله بأعماله واحتياله. فبمثل هذه الأعمال يشرف الرجال. وهل يكون أحسن ممن خلق ناقصًا فتمم نفسه، ومحتاجًا فأغناها؟ وهل أحال الباري المحاويج إلا على الأغنياء؟ فإذا صان الفقير نفسه عن الحوالة على غيره، واستعمل جوهره الذي أودعه الله فيه في استغنائه عن المحال عليه، كان أحسن حالًا وأكثر جمالًا ممن قنع لنفسه بقبول الحوالة، وكونه من جملة من تكون يده السفلى، ويد المعطي العليا. ١٥٢ - حكمة ((لا ينبغي للملك، ولا لصدر من الصدور، أن يظهر من الغضب إلا بحسب ما أعد له من العقوبة. فإن كانت بطشته دون غضبه، حقر غضبه واستهين بسخطه وانكشف عجزه. وقد قال الناس في ذلك: ((إذا ما غضب السوقي، فالحبة ترضيه.))

стр. 137

١٥٣ - جرى في مسألة المتعدي في الوديعة إذا أزال التعدي هل يزول الضمان قال حنفي: إن العقد قول والتزام بالقول. فلا ينحل بفعل؛ وإنما ينحل بالقول، وهو الجحد. قال حنبلي: وما الذي يوجب حل القول بالقول؟ ولم لا ينحل ويزول بالفعل، والفعل آكد من القول؟ أو لا يعلم أن الإحرام ينعقد بالتلبية والنية، ولا يفسد بقوله ((فسخت)) وهو قول، ويفسد بالوطء وهو فعل؟ والنكاح ينعقد بقول وينحل بقول هو الردة والطلاق وشرى الزوجة؛ ويزول بفعل هو الرضاع ووطء أم الزوجة. ١٥٤ - جرى بجامع القصر مسألة شرى القريب إذا نواه عن كفارته هل يجزيه قال حنبلي: إن الله جعل انعتاق الأب بابتياع الابن جزاء. وعتق الكفارة يقع جزاء أيضًا ليكفر الذنب ويطهر المكفر، أو عقوبة له. والانعتاق أحق بالسبق المانع من وقوع العتق. لأنه يتخصص ويتعين بالمحل؛ ولأنه يقع حكمًا لا يحتاج إلى لفظ ولا نية. فصار الانعتاق عند وجود شرطه، وهو البيع، وتقدم علة الانعتاق، وهو الأبوة، إنعام وقوعه عن الكفارة.

стр. 138

اعترض حنفي فقال: الانعتاق بالأبوة والقرابة في الجملة إنما يحصل عند الشرى أو بالشرى المطلق. فأما الشرى المقيد بنية العتق عن الكفارة، فما ثبت به الانعتاق ولا يثبت. ولا نسلم لك أن الانعتاق يقع جزاء. ولا يصح من أصلك أن يقع جزاء. لأنه حكم من جهة الشرع. والجزاء ما كان فعلًا أو كسبًا من جهة المجازي. فأما فعل الله سح في حق شخص، كيف يقع جزاء عن إنعام منعم على شخص؟ ومعلوم أن الطفل، إذا كان أبوه مملوكًا لأخيه من أمه، فمات وورثه الطفل عتق عليه. فأي كسب حصل من الطفل حتى يقع عتق الأب عليه جزاء؟ قال الحنبلي: أما قولك إن الابتياع إذا كان مطلقًا انعتق به القريب، وهذا مقيد، فليس بصحيح، لأن التقييد لا يصح؛ لأن النية ليس من قواها أن تمنع انعتاقًا يقع حكمًا عند شرطه. كما إذا صرفه بالنية عن الشرط اللفظي؛ وهو إ ذا قال له ((إذا ابتعتك فأنت حر)) ثم ابتاعه بنوي به عن كفارته، فإنه ينعتق بالشرط، ولا ينصرف إلى الكفارة بالنية. وأما منعك أن يكون الانعتاق بالشرى شرطًا، فلا يمكن. لأن النبي صلعم قال: لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا، فيشتريه، فيعتقه. وهذا حسن. لأن الوالد تسبب إلى وجود الابن بالنكاح والجماع، والله خلق. وههنا ابتاع أباه. وهذا تسبب منه، والله أعتق. وكما أن الابن كان في العدم، فوجد عند كسبه، فالأب حال رقه كان عدمًا في الحكم

стр. 139

والتصرفات، فانعتق فصار وجودًا عقيب تسبب الابن بكسبه. ولا يمكن رد الخبر، ولا جحد المجازاة. فالابتياع على مذهبينا نفي الإرث. فليس من حيث كان ليس له فيه كسب، لكن هو تخسير في ماله بإزالة ملكه عن الأب. فيجوز أن يجعله الشرع جزاء من حيث أنه خسره في ماله لحصول عتق الأب. فيجوز أن يعتد الشرع له بذلك جزاء عن إنعام أبيه؛ كما اعتد للسيد مع أخذ العوض في الكتابة إنعامًا جازاه عليه بالولاء. وكذلك النفقة تجب في مال الطفل العي لأبيه المحتاج، وهي نوع مكافأة، وإن كان لا يقصد الولد بذلك، ولا له فيه كسب، بل قنع بالتخسير في ماله. وكذلك لحوق الولد بالمشرقي من المغرب حكمًا. فجاز أن تكون العتاقة حكمًا جزاء. وألا فبينهما من المسافة ما يمنع تحقق اكتسابه للولد. لأنك لا تعتبر مدة السير، وما من يقدر لتقع من شخص في شخص، وبينهما مسافة، إلا بتقدير مسيرة إليه واجتماعه به. مثل مداواته إن كان طبيبًا، وجنايته عليه إن كان جانيًا، ورميه نحوه إن كان راميًا. فإنه لا يتحقق حسًا ولا حكمًا يؤاخذ به ويجازى، إلا إذا قدرت بينهما الصلة والاجتماع ووصول السهم. وههنا ما اعتبرت في لحوق الولد ذلك. فيجوز أن يكون الإرث مع عدم الكسب فيه جزاء مع عدم التسبب. والكسب في مقابلة لحوق ولد المشرقية بالمغربي حكمًا لا تقديرًا معتادًا. وكذلك اعتد الباري بزكاة إعطاء وأداء مع أخذنا لها على مذهبنا، وحبسكم له حتى

стр. 140

يخرجها. والجميع يعدم الاكتساب؛ لأنه يخرج الأخذ عن أن يكون عطاء على هذا الوجه بالعلة على المال عندنا، وبلزوم الحبس والإخراج عندكم. ١٥٥ - وجرت مسألة الصغير والكبير إذا اجتمعا في استحقاق الدم قال مالكي: لا يستحق صغير ولا مرأة دم العمد، ولا ولاية لها، وإن انفرد الآن. هذا على أصل لنا؛ وهو أن ذلك ولاية. فأقول: إن الدم من أعظم الحقوق التي للآدمي. فلا يجوز أن يملكها ولا يرثها قاصر الرأي؛ فكيف بعديم الرأي، وهو الصبي. لأنه أمر يحتاج إلى نظر ومهلة ورأي صحيح. ونذلك ينعدم كماله في الإناث والمراهقين. وأحله في حق الأطفال، فصار كولاية النكاح. اعترض حنبلي فقال: إن الدم يقبل الاستحقاق. فأنت تقول ولاية، ونحن نقول ملك وإرث. والذي نقوله أقرب. لأن الدم يستوفى تارة، ويصالح عنه بمال أخرى، ويستحق بعفو المستحق له. كما تسقط الديون والصغار من أهل الاستحقاق لأنهم نهيه يصيرون إلى الرأي والنظر إن كان يقصد النظر، والتشفي إن كان المغلب التشفي. والمرور إلى ذلك يجعل كالحصول. بدليل عزل الإرث له، وصحة الوصية له وبه، ولحوق العتق تنجيزًا وتعليقًا، تعويلًا على التهيؤ والمرور إلى التمام.

стр. 141

والدم حق؛ والحقوق حبس يقف. والاستيفاء حق؛ وهو أيضًُا يصح أن يقف على انفصال الحمل من المرأة القابلة. وكان السائل عنها قابلًا لخبر ابن ملجم. فقال حنبلي: وأي حجة في فعل من كان فعله حيفًا، شهد به الإجماع، وأقر بكونه حيفًا وتعديًا فاعله؟ أما الإجماع فإن الحديث لا يكون لك فيه حجة، حتى تقرر أنه كان قصاصًا، حتى ثبت لك فيه حجة في استيفائه مع صغر البعض. والناس في القود قائلان: قائل يقول ((لا يمثل في القود ممن مثل))، وقائل يقول ((يمثل يه جزاء حيث مثل)). ولا قائل يقول: ((يمثل بمن قتل بغير مثله.)) فهذا وجه مخالفة الإجماع ويديه وحجه حاسرًا حافيًا مشهور. وإذا كان قد أقدم على هذا الوصف حيفًا، وكان غلبه طبعه ونفسه، أي ثقة تحصل به من أن يكون بادر بالقتل مع العلم بوجود مستحقه وشريكه فيه. ١٥٦ - وجرت مسألة من طلع الفجر عليه وهو مخالط لأهله قال حنبلي: أقول إن الصوم ينعقد ولا يمنع انعقاده كونه مخالطًا. فتكون استدامته بعد طلوع الفجر مفسدة لصوم انعقد. فطولب بالدلالة على ذلك، وقيل له: هذا أصعب من المسألة الأولى.

стр. 142

فقال: لأنها عبادة غلب فيها حظر الترك، يجب بالوطء فيها الكفارة الكبرى، وهو عتق الرقبة. فجاز أني نعقد مع الفساد؛ كالحج الذي يجب بإفساده البدنة. ولأنها بعد الإفساد يجب الإمساك عن محظوراتها. قال: ولان أوان الوطء مباح، وحصول العضو في المحل المخصوص كان على وجه مباح في زمن الإباحة، وهو الليل، فلا وجه لمنع الانعقاد بحصول مباح. فإذا ثبت الانعقاد، جاء بالدوام الإفساد؛ فوجبت الكفارة. أخذ المعترض عليه يقول: إن الانعقاد، مع المعنى الذي يوجب الفساد بعد الانعقاد، بعيد جدًا، إن لم يكن داخلًا في المحال، إن شئت في المحسوسات، وإن شئت في الشرعيات. لأن إيجابه للإفساد في الدوام. وهو آكد حالتي الشيء المنعقد، عبادة كان أو عقدًا من العقود يدل على غاية الضمادة والمنع. فكيف يثبت معه العقد، وهو في أضعف حالتيه؟ ألا ترى في المحسوسات أن ما يوجب الهدم بعد البناء لا ينحصل مع وجوده البناء؟ والحدث لا تنعقد معه الصلاة. وعلى ذلك لا ينعقد الإيمان مع اعتقاد الشرك الذي لو طغى لرفع الإيمان. وأما قولك ((إنه كان مباحًا)) فما علينا مما كان. ومعلوم أنه لما طلع الفجر أخذ بالنزع بالإجماع؛ وحظر عليه اللبث على تلك الحال. فلا وجه لبقاء الانعقاد مع هذه الحال. على أنه لو كان مباحًا، فإن الإباحة

стр. 143

لا تؤثر في صحة ولا منع قضاء. بدليل من أكل للضرورة جاز، وعليه القضاء، وحصل مفطرًا بالأكل. وأنجز الكلام إلى أن ادعى الحنبلي أن النزع جماع؛ من حيث أن الجماع لا يتم إلا بنزع وإيلاج، وإدخال وإخراج. فقال حنبلي آخر: إن النزع الذي يكون معه نية الرجوع، ذلك جماع. فأما من نزع، لا بنية الرجوع، لا يكون إلا تركًا للجماع. وما هو إلا بمثابة غسل الطيب عن إحدى يديه بإمرار يده الأخرى عليه. وكذلك الخارج من المسجد مع الجنابة مع طول المسافة، فإنه قطع لأكوان المسجد كالدخول؛ لكنه لما لم يكن بنية الرجوع كان تركًا. والذي يوضح هذا أن بعد حصول الذكر في الفرج وطلوع الفجر، أجمعنا على أنه مكلف لإخراجه ونزعه. ومحال أن يكلف ترك الجماع بما هو جماع. لمي بق إلا أن صورته صورة من يجامع. لكن ليس كل صورة يكون لها حكم الصورة الأخرى. كالنازع للثوب الذي حلف لا يلبسه، والخارج من الدار التي حلف لا يدخلها، هو في سعيه فيها خارجًا بصورة الداخل؛ لكن ليس حكمه مع نيته للانفصال عنها حكم الداخل. قال: أليس يحصل في النزع ما يحصل في الإيلاج من لذة الجماع؟ قال حنبلي: إلا أنه داخل في ضمن فعل هو ترك. فهو كما يحصل من تطييب اليد التي يزيل بها المحرم طيبه عن اليد الأخرى التي كان طيبها. وكذلك ما يحصل له من التصرف في المسجد، وتكرار الخطو

стр. 144

فيه عند خروجه من أقصاه، حيث أصابته الجنابة، لما كان تاركًا لم يضره تكرار الخطاء حين كونه خارجًا عنه، وكذلك في حق الرجل المخالط لأهله، إذا جرى من جهتها حال جماعه ما أثار منه الحلف بالطلاق البائن أنه لا وطئها، فغنه لا مخرج له إلا بالنزع، إذ لا يحل له الدوام مع كونه موجبًا لوطء في بائن، على الخلاف المعروف بين الفقهاء من أصحاب الشافعي واحمد رحمتهما. فإذا نزع لم يك بد من حصول لذة داخلة؛ لكنه لا يكون بذلك واطئًا، بل محض التارك وعين الهاجر. ١٥٧ - وجرى فصل فيمن علم أن الفجر قد قارب طلوعه هل يباح له الوطء أو يحرم عليه، وهل يحرم عليه الأكل ، وهذا فصل جاء في أثناء هذه المسألة، وهو يجيء أبدًا في مسألة صوم الشك فقال أحد المناظرين، وهو الذي نفى أن يكون الجماع مع المقاربة محرمًا: إن هذا جزء من الليل؛ وليس لنا صوم يجب في الليل. قال: وإنما الورع يقتضي ذلك. قال الآخر: معاذ الله! بل يجب. الإمساك في كل جزئين من الطرفين، حتى يتيقن استيعاب جميع النهار بالإمساك. وهذا كما يقول في غسل

стр. 145

قصاص الشعر من الرأس في غسل الوجه ليتحقق استيعابه، ومسح شيء من بياض الوجه مع الرأس إذا قلنا يوجب استيعابه مسحًا، ووجوب فعل خمس صلوات في حق من نسي واحدة من المكتوبات لا يعيها. فكل ما لا يتحقق فعل الواجب إلا به، فإنه يجب فعله. وما لا يتحقق هجران المحظور إلا بهجرانه، يجب هجرانه. وما هذا إلا مستند إلى قول النبي صلعم: ((لكل ملك حمى، وإن محارم الله حمى، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.)) ١٥٨ - وجرى فصل مع مالكي ذكر أن ولاية القصاص لا يدخلها لا امرأة ولا طفل وعلل بأن الله سح عظم شأن الدم، وجعل استيفاءه والعفو عنه على قدر المصلحة. وإذا كان في الأولياء ذكور يحمون العشيرة برأيهم وأسيافهم، فرأوا من الرأي قتل القاتل، لما لمحوا من حاله أنهم إن عفوا عنه استلاصهم قتلًا، فاخترطوا أسيافهم عزمًا على قتله حين ظفرهم به. وقد أباحهم الحاكم قتله بما ثبت عنده من القتل بإقرار القاتل أو البينة. وكان في جملة الأولياء عجوز حاضرة، فرأت أم القاتل ولهى خائفة على ولدها من القتل فرقت، فبادرت بالعفو. فإن من حكم الشريعة أن يعول على عفو يفضي
следующие страницы →