← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بدأ فيها بالحق وانتهى إلى الغدر؛ ومعاوية بدأ بالبغي وانتهى إلى الشرف. وليس أهل الشام كأهل العراق: علي بايع أهل العراق وهو خير منهم؛ ومعاوية بايع أهل الشام وهم خير منه. ولست أنا وأنت سواء: أنا أريد الدين، وأنت تريد الدنيا؛ وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني ولا أعرف الشيء الذي قربك. فإن كنت أردت شراً لم تنشأ به وإن كنت أردت خيراً لم تسبقنا إليه. وأجابه الفصل عن الشعر: يا عمرو حسبك من خدعٍ ووسواس ... واذهب فمالك في ترك الهدى آس ولأقكم عن طعنٍ في نحوركم ... تسخي النفوس في ضرب إبلاس ? بالسمهري وضرب في سراتكم ... نلقى الرقاب ونذري فروة الرأس هذا لدينا الذي يشفي جماجمكم ... حتى تطيعوا علياً وابن عباس إن تغفلوا الحرب نغفلها مخلسةً ... أو تبعثوها فإنا غير أنكاس قتلى العراق بقتلى الشام كافية ... هذا بهذا وما بالحق من باس ٩٣ - روي أنه دخل الفرزدق على بلال بن برد وجلساؤه يرفعون من شأن اليمن ويضعون من بني تميم. فأفاض معهم الفرزدق، فقال: ((لو لم يكن لليمن إلا واحدة، التي كانت لأبي موسى، ما احتاجوا إلى غيرها.)) قال بلال: ((إن مناقب أبي موسى كثيرة، فما الواحدة التي ذكرت؟ )) قال: ((ما

стр. 72

ولي من رسول الله ىلخي حمل. فقال: أفتراني أرفع أبا موسى عن أن يحج رسول الله صلعم؟ أجل، فقد فعل ذلك به، ولم يفعله بمن قبله ولا بعده. قال القرزدق: كان الشيخ أتقى لله من أن يقدم على نبيه بغير حذق، وأعقل من أن يجرب على رسول الله.)) وكان هذا من الفرزدق مدحاً، وهو الغاية في القدح؛ لأن بلالاً كان قد جعلها فعلة واحدة، لا قبلها ولا بعدها، ليزيل عنه بذلك وصمة صناعة الحجامة، وأنها بدرت منه لرسول الله خاصة. والفرزدق? يقصد بقوله ما كان للشيخ أن يقدم على رسول الله بغير إدمان ولا صناعة، وأن يجرب على رسول الله، كل ذلك ليقرر عليه أنه كان حجاماً، فيضع منه بالصناعة؛ فيزول حكم فضله بحجمه رسول الله صلعم. فإن صناعة الحجامة رذيلة عند العرب والعجم. فانظر هذه الفطنة. ٩٤ - وفد ابن الأحنف على معاوية فوصله. فلما انصرف إلى أبيه قال له: ((ما صنعت؟ )) قال: ((وصلني بكذا.)) قال له: ((ما أطبت إذا قللت ولا اجتنبت إذا أكثرت.)) ٩٥ - قال أعرابي لضيف نزل عليه: ((نزلت بوادٍ ممطور، وفناء معمور؛ فحط رجلك، صادفت أهلك.))

стр. 73

٩٦ - قال الحسن بن علي بن أبي طالب لحبيب بن مسلم الفهري: "لرب مسير لك في غير طاعة الله." قال: "أما مسيري إلى أبيك فلا." قال: "بلى؛ ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة. فلئن كان قام بك في دنياك، لقد قعد بك في آخرتك. فلو كنت إذ فعلت شرًا قلت خيرًا، كنت كما قال الله تع: ﴿خلطوا عملاً صالحًا وآخر سيئًا﴾. ولكنك كما قال الله تع: ﴿كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون﴾. ٩٧ - يقال: الغبن غبنان: غبن الغلاء، وغبن الرداءة. فإذا اشتريت فاستجد، تزح أحد الغبنين. ٩٨ - روي أنه أبطأ كتاب معاوية عن عتبة وهو والي مصر. فأرجف أهل مصر بموت معاوية. ثم ورد كتابه. فصعد عتبة المنبر والكتاب في يده، فقال: "يا أهل مصر! قد طالت معاتبتنا أياكم بأطراف الرماح وطبات السيوف. فأصبحنا سحا في لهاكم ما تسيغها حلوقكم، وأقذاء في أعينكم ما تطرف عليها جفونكم. أفحينما اشتدت عرى الحق عليكم عقدًا، واسترخت عقد الباطل فيكم حلا، أرجفتم بالخليفة وأردتم توهين الخلافة، وخضتم الحق إلى الباطل وأقدم عهدكم به حديثًا، فاربحوا أنفسكم إذا

стр. 74

خسرتم دينكم. فهذا كتاب أمير المؤمنين بالخبر السار عنه والعهد القريب منه. واعلموا أن سلطاننا على أبدانكم دون قلوبكم. فأصلحوا لنا ما ظهر، نكلكم إلى الله فيما بطن؛ وأظهروا خيرًا وإن أسررتم شرًا؛ فإنكم حاصدون ما أنتم زارعون. وبالله أستعين وعليه أتوكل." ٩٩ - وخطبهم يومًا فقال: "يا أهل! إن لله فيكم ذبحًا أرجو أن يوليني الله نسكه. إن الله جمعكم بأمير المؤمنين بعد الفرقة؛ فأعطى كل ذي حق حقه. فكان أذكركم إذا ذكر سخطه، وأصفحكم بعد المقدرة عن حقه، نعمة من الله عليكم بحقه. وقد بلغنا كم قول منكم أظهره عفو تقدم منا. فلا تصيروا إلى وحشة الباطل بعد أنس الحق بإحياء الفتن وإماتة السنن، فأطاكم، والله، وطأة لا رفق معها، حتى تنكروا مني ما كنتم تعرفون، ويغلظ عليكم ما كنتم تستلينون. فلا تكونوا للسيف حصيدًا. وأنا أشهد عليكم الذي يعلم خافية الأعين وما تخفي الصدور." ١٠٠ - جرت مذاكرة في صفات الله قال معتزلي لسني: أتقول، حيث أثبت لله علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا، هذه الصفات في جهات من ذاته كما في حقنا؟ قال: بالبادرة لا؛ لكن أقول كل ذاته قادرة عالمة سميعة بصيرة.

стр. 75

قال حنبلي لهما: الكلام في الله وصفاته صعب. فقد جاء في كلامكما "كل؛ " والله لا يوصف بكل، كما لا يوصف بالبعض. ولا توصف ذاته بالجهات. فهذه كلها ألفاظ هي مخاطرة. ١٠١ - عن محمد بن إسحاق قال: أنبئت أن عدي بن نضلة بن عبد العزى ممن هاجر إلى أرض الحبشة ومات بها؛ وهو الذي استعمله عمر على ميسان. فقال أبياتًا من الشعر، فعزله لأجلها، وهي: [الطويل] ألا هل أتى الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم [ ... ] ١٠٢ - [ ... ] وأولى من بذل العين. قال له معترض في أثناء الكلام: إن النماء من عين ملك الراهن؛ فإنه أحق بأن يبيع ملكه دون حبس من له حبس. قال الحنبلي: النماء منبعث من عينٍ الملك أخص بها وبالانتفاع. والرهن أخص بها حبسًا واستيثاقًا. فإذا تجدد النماء، كان للمالك ملكه وعينه. وإذا جاء النماء تجدد لكل منهما بحبسه. فكان النماء للمالك ملكًا، وللمرتهن توثقًا وحبسًا. وأما الجائفة فإنها لا يشارك فيها من لم

стр. 76

يباشرها. وأما ههنا فإن النماء من الرهن. وهو صالح أن يقع العقد عليه ابتداءً دون الثاني. فدخوله مع الثاني تبعًا دأب الأصول. ١٠٣ - استدل حنفي في مسألة من نوى الثلاث بقوله "أنت طالق" فقال: قوله "طالق" نعت لها. والمنعوت فرد غير متعدد. فكذلك النعت وجب أن لا يكون متعددًا. وذلك مثل قوله "قائم" ولفظه لفظ الخبر. ولا يصح أن يقع به ولا طلقة. وإنما أوقعنا الواحدة لمكان الضرورة حيث جعله الشرع إيقاعًا، وإن كان لفظه لفظ الخبر. فأما التعدد فلا ضرورة بنا إليه. اعترض عليه شافعي فقال: هذا من النعوت التي حكم الشرع بتعددها. كما قلت إنه خبر، وحكم الشرع بكونه إيقاعًا. فإذا كان لا يصح في اللغة أن يقول "قائم" إلا لمن ثبت في حقه القيام، و"طاهر" إلا في حق من ثبت في حقه الطهر، وههنا يقول "أنت طالق" وليست على تلك الصفة قبل قوله كذلك، أخرجه عن النعوت بالعدد كما أخرجه عن سبق الحصول للفظة. ولهذا حسن أن يقول "ثلاثًا"، ولم يحسن أن يقول "طاهر" أو "حائض" أو "قائم ثلاثًا." قال الحنفي: إنما حسن قوله "ثلاثًا" لتقدير المصدر؛ والمصادر تحتمل العدد؛ فتقديره "طلاقًا ثلاثًا." قال الله سح: ﴿لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا﴾.

стр. 77

قال حنبلي إعانة للشافعي: إن المصادر إنما تقتضي العدد فيما يتكرر ويتقضى. فأما ما يكون نعتًا للذات حاصلاً ومحصلاً في الحال، فلا؛ مثل "طاهر". والطلاق محصل في الزوجة في حال وهو نعت، فلا يحتمل التعدد. ١٠٤ - سأل سائل عن قول النبي صلع إن الله سح يقول: "ادخلوا الجنة برحمتي" كيف يقول ذلك، ولهم الأعمال السابقة؟ وقد كان ابتلاهم بالتكاليف الشاقة، وقال ﴿ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾، و ﴿تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾. كيف يجمع بين الخبر وهذا؟ أجاب حنبلي بأن من رحمته مجازاتهم على الأعمال. وإلا فكثير لهم أن يكونوا عبيد عمل بقوت وكسوة وسكنى ومؤونة. ليس في أعمالكم أن يستحق عليها أكثر من مؤونتكم. كثير لك أن تكون عبد استخدام بالكسوة والطعام. فمن أين لك جنة لولا الرحمة؟ على أن معاملته لك ومتابعته رحمة. أنت معه كالمكاتب مع سيده اشترى نفسه منه بما له عليه من الكسب. فصار بائع ماله بماله. فجعله منعمًا يستحق عليه بذلك الولاء لما كان نفس معاملته برحمة وإنعامًا. ١٠٥ - وسأل سائل عن قول النبي صلع: "خيركم القرن الذي بعثت فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يبقي قوم لا خلاق لهم" -وروي:

стр. 78

"حثالة كحثالة التمر؛ " وقوله: "أمتي كالغيث أو كالمطر، لا يدرى أوله خير أم آخره؛ " كيف يجمع بين هذين؟ فأجاب حنبلي بأنه لا شك أنه لم يرد كل القرن الذي بعث فيه، بل يخرج منهم المنافقون والكفار ويبقى الأخيار. فكذلك خير أمته الذين أشار إليهم هم الذين قال فيهم: "واشوقاه إلى إخواني! " قالوا: "ألسنا إخوانك؟ " قال: "أنتم أصحابي؛ إخواني قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني." -وروي: "قوم يصلحون إذا أفسد الناس." -الهراب بذنبهم من شاهق إلى شاهق. فهؤلاء الذين يدعون إلى الصلاح عند فساد الناس. وهم الذين لا يدرى أهم خير، أم الذين كانوا يقاتلون على أن تكون كلمة الله هي العليا. ١٠٦ - فصل في استخراج حكمة الله وقدرته أنظر إذا أردنا نحن أن نؤلم الفيل لم يمكنا ذلك. إلا أن نعمل له آلة كبيرة لنوصل بها الألم. كالدافوقة الكبيرة، والمطرقة الثقيلة، والعاقوس الكبير المسقي. والباري إذا أراد إيلامه خلق البقة والجرجسة. والجرجسة حيوان لا يتحصل لنا منه شكل نقدر أن نصوره ولا نشكله، بل يصغر عن أن نعمل برأس القلم مثله. فوصل الألم به إلى تلك الخلقة العظيمة، والجثة الجافية الكبيرة، ليعلم العالمون أنا نقوى بالعمل لا بالآلات. وإنما

стр. 79

الآلات علامات ظاهرة. ولو كانت أعمالنا بها لكانت بحسبها. فلما كبرت عليها علم أنها بنا جاءت، لا بها. -والله أعلم. ١٠٧ - جرى بمجلس شرف الدين في جملة سماعاتنا منه حديث عن النبي صلع: من مس الحصا فقد لغا ومعناه -والله أعلم: من عبث جرى عبثه مجرى اللغو. وذلك لأنه مما يلهي عن السماع، كما يلهي عن السماع الكلام. ويحتمل أن يكون أراد بمسه تقليبه، بحيث يسمع له صوت فيكون صوته بمثابة اللغو. ١٠٨ - جرى بجامع القصر مسألة إباحة الرجعية قال فيها حنفي: هذه باقية على ملك النكاح. فكانت على ظل النكاح، كما بعد الرجعة. اعترض عليه حنبلي ينصر تحريم الرجعة، فقال: لا نسلم لك بقاء الملك على ما كان. بل قد تشعث بزوال ملكه الطلقة وصحة الرجعة. وهي نوع تلافٍ يدل على شعث وصحة الشروع في العدة. ١٠٩ - قال الحنفي: ليس ملك النكاح بحيث يقبل الشعث. لأن ملك النكاح ليس بأكثر من ملك الحل؛ إذ لا شيء من خصائص الملك فيه.

стр. 80

فلا يملك نقله بعوض، ولا مجانًا، ولا ينتقل إرثًا. ولا يستحق عوضه بالإتلاف بأن ملك النكاح باقيًا. لم يكن لقولك متشعثًا معنى. قال الحنبلي: لا يجوز أن يكون الملك في النكاح للحل؛ بل الملك مفرد، والحل حكم الملك. إذ لو كان الملك هو الحل، لما جاز أن يطرأ سبب يوجب تحريم البضع مع بقاء الملك. ومعلوم أن الإحرام والظهار والصوم والحيض عوارض توجب التحريم، ولا يزول بها الملك. فعلم أن الملك ليس يخص الحل. ١١٠ - وجرت مسألة من غضب شاة فذبحها وشواها قال حنبلي: إن ما بقي من مالية الشاة بقية مالية المالك. والذي أتلفه الغاصب من مالية الشاة يجب ضمانه. فأما الذي بقي فالمالك أحق به من الغاضب. إذ ليس للغاصب إلا أثر هو تعد؛ وللمالك عين ملك. فلا وجه لاستتباع ملك المالك بآثار تعدي الغاضب. بل أصل الذات يجب أن يستتبع الأعراض الحادثة فيها بفعل الغاصب. وما انعدم بفعل الغاصب إلا رابطة حشر ونماء، وهي الحياة. وما بقي فهو ذات وعين هي مال. فكانت على ملك المالك لأصل الذات؛ كما بعد الذبح، وقبل الشي، فإنه أتلف مالية الشاة الحية من النماء والحركة والحس والبقاء

стр. 81

من غير فساد، وبقي نفس ذات الشاة. فيجب أن يكون ما مضى مضمونًا له على الغاصب، وما بقي ملك له لكونه عين ماله. ١١١ - وجرت مسألة الرهن هل هو أمانة أو مضمون قال حنبلي: هذه العين بعضها أمانة؛ وهو ما زاد على قدر الدين. فكان جميعها أمانة. اعترض عليه حنبلي آخر فقال: هذا قول لا تشهد له الأصول؛ بل تشهد بفساده. فإن العارية أجزاؤها غير مضمونة بالإتلاف بالاستعمال. وما بقي فقد تلف. مثل المنشفة والطبقة من عين العارية مضمون بالتلف. فقد انقسمت هذه العين بين أمرين متضادين؛ بعضها لا يضمن بإتلافه، ويعضها يضمن بالتلف. وكذلك إذا نذر أضحية. فإنها عين، ثلثها هدية، وثلثها صدقة، وثلثها بأكلها وبها. ولا يقال: يجب أن تكون كلها هدية، ولا كل ما يصدقه، ولا كلها مأكولة للمالك. ولأن في مسألتنا خاصة لو كان الرهن خمسين ومائة دينارًا والدين مائة، فإن الخمسين زائدة تكون أسوة الغرماء؛ بحيث لو كان لهذا المرتهن دين آخر بغير رهن، لا نجعل هذه الزيادة رهنًا بذلك الدين، بل تكون أسوة جميع الغرماء. ولا يقال: لما كان بعض الرهن أسوة الغرماء، يكون كله كذلك.

стр. 82

أخذ المستدل يعتذر عن العارية، فقال: أما الأجزاء فإنه بالتلف باستعماله لا يضمنها. لأن الإذن له في الاستعمال إذن في ضمنه الإذن في إتلاف الأجزاء. لأن استعمال الأعيان على الدوام لا ينفك عن إتلاف الأجزاء. فأما إذا تلفت بغير استعمال، فذاك تلف بغير ما أذن فيه. قال الحنبلي المعترض: فلا فرق بين تلفه وإتلافه بالاستعمال. ألا ترى أن من دفع إلى إنسان طعامًا، فقال له "كله"، أو شرابًا فقال له "اشرب هذا"، أو حطبًا فقال له "أشجره في تنورك"، إرفاقًا له وإباحة بهذه الأعيان، كما أرفقه بمنافع العارية، فإنه إن أكل الطعام وشرب الشراب وشجر الحطب، لم يضمن. ولو لم يفعل ذلك، لكنه تلف الطعام بأن سقط عليه غراب أو جارح فأخذه، أو استلبه كلب، فإنه لا يضمنه أيضًا. لأنه أخذه للإتلاف؛ فلا يضمنه بالتلف، وهو إتلاف العين. وهل يجوز لعاقل أن يقول "إذا أتلفت العين، فلا ضمان عليك؛ وإن تلفت العين بفعل الله، فعليك الضمان"؟ ١١٢ - جرت مذاكرة بين معتزلي وآخر يدعي مذهب الأشعري فقال الأشعري: إن الكلام من كمال صفات الحي. والله سح حي، قادر، عالم. فمن كمال الصفة له أن يكون متكلمًا. اعترض عليه الآخر، فقال: نعم. ولكن المتكلم من كان فاعلاً

стр. 83

للكلام المخرج ما في النفس من جميع ما يسنح فيها. ومتى لم يكن قادرًا على إظهار ما في نفسه من سوانحه، وما يعرض له من الشؤون العارضة في النفس، [لم يكن متكلمًا]. والباري قادر على إظهار ما يريده من خلقه بما يفعله من الكلام، فكما القادر منا كذلك. إلا أن الكلام مفعول في أدواتنا من حيث أن دوات الكلام فينا. وذاتنا قابلة للانفعال من الاصطكاك. والباري منزه عن ذلك؛ إذ ليس بجسم. فاختلافنا وإياه من حيث أدوات الكلام. فأما أصل الكلام والغرض به فحاصل في حقه على ما يليق به، وحاصل في حقنا على ما يليق بنا. وصار الكلام، من جهة كونه مخرجًا ومظهرًا ما في النفس، كالإشارة باليد والرمز بالعين. والخط بالكتب. والله سح قادر على إيصال ذلك إلى الأحياء بفعله هذه الأشياء، كما أن الواحد منا قادر على ذلك. فقد ثبت الكلام كمالاً في حقه. ولم يقف على ما يقوله الأشعري من الكلام القائم في النفس الذي لا يحصل به غرض المتكلم في أصل الوضع. ١١٣ - وجرت مسألة هل المغلب في الزكاة أنها حق لله أو حق للآدمي فقال حنبلي: الذي يليق بأصولنا أنها للآدمي. لأنها [تدفع] إليه يتصرف بها وينتفع؛ ولأجل حاجته إليها يجوز تقديمها على وقت إيجابها. وما طريقه حق لله لا يحتمل تغيير الأوقات؛ لأن المصالح معذوقة بتقاديره

стр. 84

ومواقيته. لاسيما ومن أصل أبي حنيفة، وفي رواية لنا، جواز العدول عن عين المال إلى القيمة، نظرًا إلى ما هو قصد الآدمي من الإغناء. وسد الخلة بالقيمة لا بنفس العين؛ لأن المالية هي المغنية السادة للخلة. اعترض عليه حنفي فقال: ليس كلامنا إلا في الإيجاب. والحول إنما هو معتبر لتنمية المال، إذ كان من شرط الزكاة ن يكون المال ناميًا. فجعل الحول كعين النماء؛ كما جعلت المدة المعتبرة في السفر كعين المشقة في تعلق الرخص بها. فإذا انقضى الحول بينا أن التقديم كان على عين الحول، لا على الإيجاب. بل بينا أن الإخراج كان بعد الإيجاب. قال حنبلي آخر: والذي ينبغي أن يقال في كونها حقًا لله أنه يجب لها النية. ولو تحقق حقًا لآدمي لما احتيج إلى النية لله سح والدفع إلى الإمام الذي هو نائب عن الله سح في القصر، ولا تصرف إلا إلى مصارف تليق بأن يكون الحق لله. فلا يجري دفعها إلى كافر. ١١٤ - جرى في عين الأعور قال حنبلي: إن الضوء يتوفر على عينه بالسنة الواردة في ذلك، وبما يقوله أهل الطب، من وجهين. أحدهما أن العمل والإدمان في جارحة يقويها. كالذي يعمل بيسرى يديه تصير كاليمين. ولأن الضوء إذا خرج من جهتين تمحق؛ فإذا انبعث من روزنة واحدة توفر. كقوله تع: ﴿كمشكاة

стр. 85

فيها مصباح﴾، وهي الكوة المتدانية الأقطار. فإذا كان كذلك صار كأنه أذهب ضوء العينين جميعًا. فأجاب حنبلي على هذا وقال: إن الشرع لم يبن الزيادة في الدية على التزايد في القوى والتوفر فيها. بدليل أنه سوى بين اليمنى واليسرى في كل جارحتين، وإن كانت اليمنى أقوى. وكذلك كل جارحة صحيحة مع مريضة، وضعيفة مع قوية، تتساويان في البدل. وهذا لمعنى. وذلك أن المغلب الصورة، لا الصفة والقوة. وهي، وإن قوي ضوؤها، جارحة واحدة من جارحتين، وواحدة من اثنتين. ١١٥ - وجرى من حنبلي في التلاوة قال: "هي الصوت." قال له محقق: "هي صوت الآدمي؟ " قال: "نعم." قال: "فكان يجب أن يكون على الوجه الذي سمعه الأنبياء -صلوات الله عليهم -. هذا يقول: "كالرعد الذي لا يترجع"؛ وهذا يقول: "كالصواعق"؛ وهذا يقول: "كجر السلسلة". ونبينا صلع يقول: (أسمعه أحيانًا كصوت الجرس). فإذا سمعنا صوت التالي لا على هذا الوجه، ولا بهذا الوصف، علمنا أنه ليس هذا ذاك." ثم قال له: "هل تتجاسر أن تقول عند قراءة القارئ "هذا صوت الله وليس بصوت للقارئ"؟ فإن قلت "نعم" وركنت، أستفت عليك

стр. 86

الفقهاء؛ فلا تجد إلا إجماعهم على تخطئتك. ولست بحيث يلتفت إلى قولك ويترك الإجماع لأجلك، أو ممن يقف الإجماع على موافقتك." ١١٦ - وجرى يوماً بالمدرسة النظامية ذكر الاجتهاد في مسألة تولية القضاء للعامي فقال المتكلم الناصر لمذهب أبي حنيفة: وأين المجتهد؟ هذا أمر يعود فيسد باب القضاء. قال له حنبلي بسرعة جوابين قاطعين. أحدهما أن قال: إن انسد باب القضاء بقولنا من حيث قلنا "يحتاج الحاكم أن يكون مجتهدًا" انسد باب القضاء ووقف من حيث قولكم إنه لا ينفذ حكم الحاكم العامي إلا باستفتاء مجتهد. فإذا كنت تدعي تعذر المجتهد، ولابد لك من مجتهد يقلده الحاكم، ولست ممن يقول اليوم لا يصح الحكم، بل تقول يصح، فالمجتهد الذي وجدته لنفاذ حكم الحاكم بفتواه أبطل قولك في دعوى تعذر المجتهد لصحة حكمه في نفسه باجتهاده. على أن هذا قول باطل من وجه آخر. وهو أنه يقال لك "هل يتعطل الإجماع في عصر من الأعصار؟ " فإن قلت "نعم" أبطلت دليلاً من أدلة الشرع، وزعمت أن الله قد رفع دليلاً معصومًا من أدلة الشرع. لا سيما في شريعة لا يتداركها نبي معصوم، كالأمم السالفة. وسمعت بعض الأئمة يقول: لا يتحقق قول النبي صلعم "العلماء ورثة الأنبياء" إلا في هذه

стр. 87

الشريعة. وإلا ففي سائر الشرائع الأنبياء ورثة الأنبياء. فإن قلت: "لا بل لنا إجماع، " قيل لك: "وهل يثمر الإجماع باتفاق المجتهدين من أهل العصر؟ وأنت تقول "ما لنا مجتهد واحد"؛ فأين اتفاق المجتهدين وما لنا واحد منهم؟ " فبطل هذا. فأفحم ذلك الإنسان، وجعل يهذي بهذيان لا ينسبك منه إلا الاستعباد لتكثير شروط لا تعتبر الاجتهاد. فيقول: من الذي يتسع له العمر لفهم اللغة والعربية والفقه وأحكام القرآن وأصول الفقه؟ وإنما كان أصحاب رسول الله والسلف الأول -رضوان الله عليهم -أهل لسان لا يحتاجون أن يتعلموا اللغة العربية. فخفف ذلك وسهله عليهم كونهم من أهل ذلك. ١١٧ - شذرة في الذي قطع أصبع إنسان فتآكلت إلى جنبها أخرى وسقطت قال مستدل شافعي: إن الأطراف مباشرة بالجنايات. والنفوس لا يمكن مباشرتها. فجعل القصاص واجبًا في النفوس من طرائق السراية حتى لا تهدر الدماء. ولا حاجة بنا إلى وضع القصاص في الأطراف من طريق السراية. لأن قصد الجناية عليها لا يقع إلا من طريق المباشرة غالبًا. والسراية أمر نادر لا يقع غالبًا. والقصاص مما يسقط بالشبهة. اعترض حنبلي فقال: إن النفوس لها طريق يجري مجرى المباشرة لها.

стр. 88

وهي مواضع المقاتل والجراحات الموجبة. ولم يقصر إيجاب القصاص على مباشرتها؛ بل أوجبت القصصاص بالجراحة في مواضع الغالب منها السلامة. ولهذا شرع الله سح وتع القصاص فيها. ولو كان الغالب تلف النفس، لما جاز أن يضع القود بالجناية عليها. لأن بناء الأمر في القود على تجنب الحيف؛ بدليل إسقاطه للقود في الجائفة والمأمومة والهاشمة. فبطل ما ذكرت. وإن القود يقع على طريق واحد، وهو الأخص في باب النفس. كذلك في الأطراف وجب أن لا يقف على الأخص بها، وهو المباشرة. ١١٨ - قال حنفي في العارية: معلوم أن ما أباحه الإنسان من طعامه لغيره إذا سلمه إليه وقال له "كل هذا" فأكله، لم يضمن. كما إذا سلم إليه العارية فاستعملها فتلفت بعمله فيها، لم يضمن. ولو أنه تلف الطعام الذي أعطاه ليتلفه بأكله، فلم يتلف بأكله، بل تلف بآفة سماوية، لم يضمن. كذلك يجب أن تكون العارية، ولا فرق. قال حنبلي: إن العارية قبضها ليردها. ولو بقي منها بقية كان عليه فيها ضمان الرد. والطعام لا يجب عليه في بقيته ضمان الرد. فكل فرق لك بين ضمان الرد في العارية، وسقوط ضمانه في الطعام الذي أباحه له، هو فرقنا في أصل ضمانها.

стр. 89

١١٩ - جرى بمجلسنا في الظفرية مسألة آلة اللهو هل يجب ضمان إحراقها قال الشافعي: صناعة لم تخرجها عن المالية؛ فلا تسقط قيمتها بالإتلاف. كالصور المرصوعة في الساج وعلى الحيطان المجسمة. فإنه لو نقض الحائط أو غرقه وأحرق الساج أو غرقه ضمنه ساذجًا. كذلك أخشاب الطنابير والمزمار والعيدان. اعترض عليه حنبلي فقال: لا أسلم، بل قد زالت المالية بما صرفت إليه من الصورة المعدة للهو. كما سقطت مالية المرتد بردته في إسقاط ضمانها بالإتلاف؛ وكما سقطت مالية العصير بشدته؛ وكما سقط ضمان مالية المنبوذات من الأشياء. وإن كان مثلها يتمول في العادة ويضمن، لكنه لما نبذها سقط حكم ضمانها على متلفها؛ كذلك من صرف الأخشاب والرق والوتر، كل ذلك في صورة موضوعة للهو. فقد نبذها فيما لا ضمان له، فصار غير مضمون في نفسه. قال الشافعي: إن الصورة عرض عارض على هذه المالية الثابتة. وما استحال بها عن كونه على صورته المحسوسة وماليته المرغوبة. ويمكن فصل الصورة عن هذه الأعيان المتمولة. وذلك يزيل التهيؤ للهو عنها، ويخرجها عما يفسد. ومن أمكنة دفع المضرة بهذا القدر اليسير، فجاوزه إلى المضرة الكبيرة بإتلاف أصل المادة، فقد أسرف إسرافًا يوجب الضمان. كما قلنا

стр. 90

في دفع الصائل بالأصعب المفضي إلى نفسه، مع إمكان دفعه بالأسهل الذي لا يفضي إلى نفسه. قال الحنبلي: هذا يلزم عليه ما ذكرت من الأصول. فإن المرتد يمكن في الثلاثة أيام المهلة أن تزال شبهته. فلو عدل العالم القادر على علاج شبهته إلى قتله كان مفتاتًا، لكن لا ضمان عليه. فكذلك ههنا، لو خلع لم يضمن، ولو عدل إلى الإحراق لم يضمن. وفارق الصائل. فإنه بالصول لم يصر في حكم السباع. فإن صار عقورًا معروفًا بذلك لم يضمن؛ وصار بمثابة نفس الكلب العقور والأسد والحية والعقرب. ١٢٠ - وجرت مسألة إذا كان بعض أولياء الدم صغيرًا قال حنفي: هذا الكبير، وكل واحد من الكبار، يستحق الدم على الكمال؛ لأن الدم لا يتبعض. والسبب الذي يستحق به ولاية القصاص لا يتبعض؛ وهو القرابة. والاستيفاء لا يتبعض. فلا بد من قولنا باستحقاق كل واحد منهم الحق بكماله؛ فجاز له الاستيفاء. كما قلنا في عقد النكاح، لما كانت القرابة التي تستحق بها الولاية لا تتبعض، والبضع لا يتبعض، والعقد لا يتبعض، كان الحق في الولاية على الكمال لكل واحد من الأولياء. اعترض عليه حنبلي فقال: إن دعواك أن الحق كله لكل واحد منهم، واستدلالك عليه بأن السبب المستحق به والدم والاستيفاء كل واحد من

стр. 91

هذه الأشياء لا يتبعض، فحيث لم يتبعض ألجئت إلى أن جعلت لكل واحد منهم كل الحق، كلام لا يصح. لأنك إذا أحلت تبعيض ذلك، فقد انتقلت من محال إلى ترك حقيقة أيضًا ومحال. لأنك جعلت للشيء الواحد كلات عدة. وليس للشيء الواحد، والحقيقة الواحدة، إلا كل واحد. فكيف تنتقل عن أمر محال إلى محال مثله؟ وإنما ينتقل الإنسان من محال إلى ممكن. ولا يمكن أن يكون للحكم الواحد والحقيقة كلات عدة. ولربما أمكن أن يجعل الدم أجزاء معددة من حيث عدد المستحقين. ولهذا قسم على الوارث قسمة الميراث، فقيل "للزوجة ثمن الدم" ولم يقل "كل الدم." ولذلك خرج عند بذلة المنقسم، وهو الدية، إلى انقسام المواريث على ما بينا. نعم، ثم إنه انقسم انقسامًا لا يشهد لما ذكرت. ثم إن [ليس] لكل واحد كل الحق بكماله. لأنه لو كان كذلك لكان يوجب التساوي في الذمة لتساويهم في الكلات التي ادعيتها. ولم يجز أن يترجح حق أحدهم بزيادة. فلما تفاضلوا بطل ما ادعيت. على أن بعد هذا كله يقال إنك حيث تركت الحقيقة، وادعيت أن لكل واحد من الأعداد والآحاد من القرابات والأولياء كل الحق بكماله، فقد أقررت بهذه المقدمة أنه ليس كل المستحقين، وجعلت من ليس كل المستحقين له استيفاء كل الحق. فيقال لك: فقد تعوق غرضك حيث فزعت من عدم التبعيض إلى جعل كل الحق لواحد جعلته كأنه كل المستحقين، وليس هو في الحقيقة كل المستحقين. فإذا تركت الحقيقة

стр. 92

هكذا، وجعلت الواحد كأنه الجماعة، جعلنا نحن الواحد كأنه جزء بعض، وأن الجماعة كأنهم واحد؛ وكنا نحن بهذا التقدير وهذا الترك للحقيقة أسعد، لأنا ضاهينا به أصل وضع القصاص. وهو أن أصله أنه لا يثبت مع الشبهة؛ وأنه إذا ثبت فإنه على التعرض للإسقاط بالندب إلى العفو؛ وبسقوطه بعفو واحد من الجماعة يسقط بعفوه حق الباقين. ولو كان لكل واحد جميع الحق، لكان الكل الذي جعل لمن لم يعف كأنه كل آخر. ووجه ترجيح ما ذهبت أنا إليه أنه إذا كان جميع الأولياء كالواحد في الحق، وهذا الواحد كالبعض، صار الاستيفاء لا يجوز إلا عند اجتماع الكل ومع اختلاف الآراء. فهذا رقيق لا يستوفي، وهذا قاسٍ يطلب التشفي بترجيح الإسقاط. لأن رقتنا لواحد منهم على القاتل يوجب إيقاف الحق، وعلى الإيقاف وضع على البدار. ويشهد لذلك إجماعنا على أنه لا يستوفي مع غيبة غائب طلبًا للبدار. فكذلك لا يجعل الواحد الكبير كالمنفرد بالحق طلبًا للبدار وتحصيل الاستيفاء. ووجب الصبر حتى يبلغ الأصاغر. بخلاف النكاح، فإنه أمر بني على البدار. فتزويج البنت عورة تستر. ولهذا جعلت في الندب إلى تعجيل نكاحها كمواراة الميت وتجهيزه إلى قبره. ولو أوقفنا النكاح على جميع العصبات، لوقف وخرج عن أصله. فالعلة التي لأجلها راعيت اجتماع الجماعة ههنا، راعيت عدم اجتماعهم على النكاح. لأن ههنا راعيت الاجتماع ليقف، وراعيت عدم اجتماعهم هناك في النكاح لئلا يقف.

стр. 93

١٢١ - وجرت بيع عروض المفلس وقضاء دينه منها إذا امتنع من البيع فجرى فيها أن امتداد اليد إلى المال قضاءً منه عند امتناعه غير مبتدع من الحكام. كبيع الدراهم بدنانير، وبيع الدنانير بدراهم. يوضح هذا أن اليد إذا قصرت عن مال العين قصرت عن كل مال. وإذا امتدت امتدت إلى كل مال. بدليل مال الميت ومال الصغير والمجنون. قال الحنفي: لو كان الإفلاس موجبًا للحجر لأوجبه حكمًا من غير قضاء، كالجنون. والدراهم والدنانير كالجنس الواحد في كونهما أثمان للأشياء. قال: ولأن الإنسان أقدر على نفسه من غيره؛ فلو ملك الحاكم أن يحجر عليه في أمواله، لملك أن يحجر هو على نفسه في أمواله. قال الشافعي: الدراهم والدنانير جنسان؛ بدليل جواز التفاضل بينهما. ويتعين عندك أحدهما بحيث يملك الامتناع من دفع الآخر عنه إذا جعل ثمنًا في بيع أو إجارة أو مهر. وإنما لم يصر محجورًا بغير قضاء، بخلاف الجنون والصغر. لأن ذاك غير مختلف فيه، وهذا مختلف فيه. فالقضاء لهذا ليزيل الخلاف وصار حجرًا لجنون. كفرقة الرضاع والارتداد والطلاق لا يفتقر إلى الحكم. وهذا لأجل الاختلاف وسوغان الاجتهاد، كالفرقة في حق العنين، يفتقر إلى حكم الحاكم. وقولك إنه أقدر على نفسه قول غير صحيح. لأن الإنسان لا يملك من نفسه ما يملكه الحاكم عليه؛ كفرقة العنين وفرقة اللعان عندكم. ولأن الإنسان يشفق على نفسه؛ فقد لا يمنعها، ولا يحجرها لحقوق الغير. والحاكم نائب عن الله، فهو

стр. 94

المستوفي من غير ميل إلى أحد؛ فكان أحق بالقدرة والتسلط في اتقاء الحقوق. والمغلب ههنا في بيع هذا المال، إن كان من عليه الدين، فلا يراد منه؛ وإن كان لمن له الدين، فلاتقائه حقه ممن عساه لا يوفيه. والظاهر بامتناعه أنه لا يوفيه. والتصرف في ماله أقرب تناولاً من التصرف في ذاته بجنسه. لأن المال إلى القضاء منه أقرب من ذات الحر إلى الجنس. ١٢٢ - قال بعض الخبراء بالزمان وأهله: إن حسن الظن في هذا الزمان وأهله عجز، والرجاء لهم طمع، والثقة بهم فساد تصور. ومن تكشفت له أحوالهم، وأنس بهم وإليهم، فما يؤتى إلا من قبل نفسه. والله سح وتع يرى من عهدة بلائه ومصابه. لأنه سح قص قصص الأوائل، وما تم منهم وعليهم، وكشف أحوال الثواني بالملابسة لهم ممن لم يردعه الخبر، ولا حذره النظر. فهو كالفراشة تطيش في الضياء وتنغمس في اللهبة فتحرق نفسها. فلا رحم الله من هذه صفته، يقتحم النار بصره. ١٢٣ - جرى بمجلسنا بدرب الكرد مسألة تلف المال بعد حلول الحلول قال حنبلي: قد أجمعنا على وجوب الزكاة بوجود سببها، وهو الغناء بالنصاب

стр. 95

في حولها. فلا يعتبر بقاء المال لاستقرار الوجوب؛ كما لو أتلفها هو بنفسه. اعترض حنفي فقال: أنا أستفسرك ما الواجب. قال الحنبلي: شاة من خمس من الإبل، أو من أربعين شاة. قال: ولم قلت إن الواجب شاة؟ قال: لقول النبي صلع: في أربعين شاة شاة. قال الحنفي: ليس فيه نص وجوب. قال الحنبلي: لا يجوز أن يكون أراد بقوله فيها إلا بيان قدر الزكاة، حيث قال: "خذ من أموالهم صدقة." فكأنه قال: "الذي أمرت بأخذه من كل أربعين شاة شاة." قال الحنفي: الوجوب يتعلق بما هو الواجب. والواجب على المكلف إنما هو أفعاله التي يجعل بها ممتثلاً. وهي التي تدخل عليه الابتلاء والاختيار. وبها تستخرج جواهر النفوس في طاعة أمر باريها. وليس ذلك إلا الإخراج للمال ومفارقته، دون أن يكون الواجب الأعيان. أجاب الحنبلي عن هذا، فقال: إن الذي يشهد له وضع الزكاة أن الوجوب تعلق بالمال، لا بالإخراج. لأن الله سح أوجب شكر النعمة عن المال؛ وجعل الغناء المعتبر لأجل المؤاساة منه غناء بمال مخصوص نام؛ واعتبر له زمانًا بتكامل النماء في مثله. وجبر نقصان السنن في المخرج بمال يصير به تمامًا. وهذا كله يدل على أن الواجب مال، لا عمل.

стр. 96

ألا ترى أن عبادات البدن اعتبر لها صفات، وصحة تتعلق بالأبدان، ورفاهية، وما شاكل ذلك. ومما يدل على صحة هذا أن الواجب يزيد بزيادة المال، وينقص بنقصانه؛ وأن تنقيص المال بالإخراج هو الذي يشق دون العمل، وهو الأداء؛ وأن الأداء ينوب فيه الإمام عندنا إن امتنع رب المال، ولا ينوب عنه بمال غير ماله. وعندكم يحبسه ليخرج المال. فالمال هو الذي يحصل به غناء أرباب الزكوات وإغناء الأصناف والجهات. وهو الذي جعل كالمعوض الذي يزيد العوض به وينقص بنقصانه. فعدد المضاعفة في الأجر بحسب عدده، لا بحسب العمل فيه. وصار الواجب من المال كالمبيع، والثواب كالثمن، وإخراج الزكاة كالتسليم. والتسليم طريق لدفع الواجب بالعقد، لا أنه الواجب بالعقد. فالإيجاب من الشرع كالعقد، والمزكي والله سح وتع كالمتبايعين، والمخرج كالمبيع، والثواب كالثمن. ومما يوضح أن الواجب المال، وأنه المغلب لا الإخراج، أن الإخراج والأداء، لو ناب فيه نائب تطوعًا، لأجزأ رب المال. وبمثله لا يجري إخراج مال الغير تطوعًا عن زكاة هذا رب المال. ١٢٤ - فرع قال حنبلي: قد ثبت من مذهب أصحابنا أنه إذا أدرك الإمام في تشهد الجمعة أنه يصلي أربعًا. واختلفوا ماذا ينوي، الجمعة أو الظهر؟

стр. 97

فإن كان الإمام أقامها على مذهب أحمد قبل الزوال، فهل يصليها أربعًا؟ وهل ينوي الظهر؟ قال الحنبلي: لا يجوز أن يصليها ولا ينويها ظهرًا. وينعدم الوجه الآخر. لأن الوقت لا يصلح لفعل الظهر ولا لإيجابها تقديمًا ولا أداءً، ولا لعذر ولا لغيره. فإذا ثبت ذلك فإن دخل نوى جمعة وصلاها ركعتين. ولا يعتد بها جمعة، لأنه لم يدرك منها ما يعتد به. ١٢٥ - ذكر حنبلي محقق لما يقول شذرة في الجلالة فقال: إن التغذية قد يحصل بها التغذي والتغذية. والدليل عليه أن التحريم الحكمي في الأمر صير المرتضعة بلبنها كأن فيها جزء من أجزاء الأم، أو كأنها جزء منها. فصارت أختًا لابن المرضعة. فالتحريم الذي في عين النجاسة جاز أن يجعل المتغذي به من الحيوان الطاهر كأن فيه جزءًا من أعيان النجاسة. وهذا أجود من كل ما ذكره أصحابنا. ١٢٦ - استدل حنبلي لصحة رواية إسقاط العدد في غسل النجاسات ما عدا الولوغ بقول النبي صلعم لأسماء، لما سألته عن دم الحيض يصيب الثوب: "حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء." فوجه الدلالة أنه أمرها بالحت

стр. 98

والقرص لكونهما معينين على الغسل الواجب، ومقربين إلى الإزالة، وليسا واجبين. وبعيد من المبعوث للبيان المهيأ للإيضاح أن يغفل صلعم ذكر الواجب في قصة عنى فيها بذكر المستحب. وهذا غاية الإيهام: أن الحت والقرص واجبين، والدفعة الثانية والثالثة غير واجبة. اعترض عليه حنبلي آخر فقال: غير ممتنع أن يذكر المستحب، ويكل الواجب إلى دليل آخر. ألا تراه لما سألته أيضًا السائلة عن غسل الجنابة، فقال: "أما أنا فأحثي على رأسي ثلاث حثيات من ماء." ومعلوم أن العدد في غسل الجنابة ليس بواجب إجماعًا. وتعميم الجسد لازم واجب. فذكر التكرار وأغفل الاستيعاب اعتمادًا على قوله: "تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وأنقوا البشرة." ١٢٧ - استدل حنبلي على أن الأجساد لا تعذب إلا وقت إعادة الروح إليها، وهو وقت المساءلة، بآية عجيبة في هذا المعنى. وهي قوله سح إخبارًا عن تعذيبه لأهل النار: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب﴾. قال: فوجه الدلالة أن الله سح أخبر أن جلودهم إذا نضجت، ونضجها اختلال صفتها التي بتكاملها يحصل الحس، فإن تجديدها جلودًا غير نضيجة فعل لذوق العذاب. فلو كان ذوق العذاب مع

стр. 99

النضج حاصلاً، لما كان لتعليله بذوق العذاب بتجديدها معنى. فلما ربط التبديل بذكر ذوق العذاب، دل على أن ذلك علة لذوق العذاب، أو شرط لذوقه. وإذا كان النضج يقلل الذوق للعذاب، ويختل به الحس، دل على أن بعدم الروح وزهوقها عنه أولى أن ينعدم الحس. ١٢٨ - فصل قال حنبلي ــ وسمع واعظًا يزري على الدنيا ونعيمها، ويزعم أنها كالميتة، وأهلها كالكلاب عليها، وأغرق في هذا وأمثاله: بيني وبين هذا المزري على أبناء الدنيا، والمستخف بخير منها، جوعة تذله وتصرعه؛ حتى أوقفت الكليم عم يقول في ظل شجرة: ﴿رب إني لما أنزلت إلي من خيرٍ فقير﴾. ويترك أمثالنا اليوم على أبواب أرباب الأموال الأنذال، بذل الطلب، مع التحجب عنا، والإيقاف لنا على الدهاليز، كالأيتام على أبواب الأوصياء. وأدنى شبق وعشق يبذلنا بقول العزل، والوقوف في أقبية البيوت والروازن، واليتيم والهيمان واللهج بالنساء والمردان، حتى يخلع العذار، ويرفض الوقار، ويكشف الأسرار، في النثر والأشعار. وأدنى مصاب يصيبنا في الأموال والأولاد يجعلنا كالنسوة الثواكل نتفًا للشعور، وتخريقًا للجيوب، وصكا للخدود. وأيسر شبهة تعرض، إما من طريق

стр. 100

الأفعال، أو الاشتباه في الأقوال، ننطق بالاعتراض، ونخرج عن طريق الاستسلام، والتسليم إلى التسخط على من لنا طريق إلى الاعتراض عليه. يشهد لذلك يوم عمر. والقضايا دأب الصحابة، وطرحهم في الشكوك الموبقة بما كان تحته شبهة تزيلها كلمة أقال لكم العام وحشوه من خمر اوترنه وترا، ونفخة في مزمار، ويختل الوقار. وبقلبه خلاعة. وأدنى غضب يعترض يهيج من غليان دم القلب، طلب الانتقام على الذنب، حتى يصير كالسبع الضاري، والأسد الصائل، ممن تحيله الحاجات. والغناء كذا؛ كيف يزري على أهل الدنيا. كان لنا شيخ بدرب الديوان يعرف بابن زيدان، له حلقة بجامع المهدي يتكلم فيها بالمعارف والمواجيد ولسان التصوف، وكان شطاحًا بالإضافة إلى أصحاب الأحوال. وإلى جنب حلقته حلقة الشيخ الدياب من أصحاب عبد الصمد. فقال ابن زيدان له: أقوام الجواري عندهم كهذه السواري. فقال الدياب: والله إن هذاك بلي بعشق مغنية حمل وراءها طبلها. أما رأيت صاحب الشرع كيف عزل وأبعد عن مقامات الرأي والعقل والتعبد للرب؟ فقال: "إذا حضرت الصلاة والعشاء، فابدوا بالعشاء." ليس هذا لما يعتقده البله من أنه تقديم لحظ النفس على حق الرب؛ لكن لعلمه بأن الجائع لا يصلح لخدمة الحق. فاشتغال الشيء الذي يحتاج إلى اجتماعه

стр. 101

بتلك الكسرة هو الذي أبعده عن الحضرة، ليكون همه مجموعًا في تلك اللحظة. فإن الدواعي المتوثبة مشوشة للهم. وكذلك قوله: "لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان، " كرامةً للمنصب أن يقوم فيه مشوش الأدوات. وعلى هذا أبدًا. حتى إنه عزل الآباء عن شهادتهم للأبناء لمكان شغفهم بالأولاد. ومغلوب بالطبع لا يجعل معيارًا في الشرع. فعلى هذا كل مهون في الشرع عظيم في الطبع. وتهوين الشرع له علاج ومداواة. فلا ينبغي للواعظ والناهي أن يدخل فيه مدخل المقاواة. فإن الحمية مقاومة للطبيعة. ولا تقاوم إلا بما هو أقوى. وليس عند هؤلاء من اليقين ما يهون عندهم المحسوسات العاجلة. فينبغي أن يسلك معهم مسلك اللطف والمداراة، وتعظيم أمر الآخرة، ولذاتها الموفية على لذات الدنيا. فأما أن تحقر اللذات، وتجعل كالمزابل والميتات، ويجعل أهلها كالكلاب، فهذا لا يقوله إلا من أتلفته الحمية وجعلته شلوًا. فأما من يزاحمهم على اللذات والاستكثار بما يوفي على الكفايات، لا يحسن به أن يستخف ويستزري بمن يطلب ما يطلب، ويرغب فيما يرغب. إذا رأونا العوام على أبواب أرباب الموال مطرحين، ولعل أكثرهم بما يقتنعون به من أجور أعمالهم وأكسابهم عنهم يتعففون، فإذا لم يزروا علينا، فأولى أن لا نزري عليهم. لأن العلوم توجب علينا ظلف النفوس عن الدنايا. فإذا لم تقيدنا العلوم عن طلب

стр. 102

الدنيا، فأولى أن لا نزري على العوام الذين لا رابط لهم ولا ضابط. ١٢٩ - جرى في مسألة من أدرك التشهد من صلاة الجمعة قال حنفي: هذا إدراك يلزم به المسافر صلاة الإقامة إذا أدركه في التشهد؛ فلزم به المسبوق صلاة الجمعة، كإدراك ركعة. يوضح هذا أن المتابعة هي الموجبة والملزمة لهذا الإتمام؛ يجب أن تكون المتابعة ههنا موجبة لصلاة الإمام، وهي الجمعة. قال حنبلي: إن المغلب هو الإتمام دون الإتباع. ولهذا لو اتبع المقيم المسافر لم يصل صلاة مسافر تبعًا للإمام؛ بل يصلي صلاة المقيم تغليبًا للإتمام. وكذلك لو دخلت به السفينة، وقد بقي عليه من صلاة التشهد، لزمه الإتمام تغليبًا للإتمام، بحكم الحال التي صار إليها، لا بحكم الإتباع لإمام. قال حنبلي آخر نصر مذهب الحنفي وساعده، حيث أفحمه هذا الاعتراض من الحنبلي: يا هذا! إن صلاة الجمعة هي الإتمام في الحقيقة وإنما أنت تنظر إلى قلة ركعاتها، وكونها على النصف. وهي في الحقيقة الأوفى والتامة الكاملة على الظهر. والدليل عليه أن الشرع أجراها مجرى صلاة الحضر في لزوم الإتباع للإمام فيها، وزادها عليها؛ حتى إن من فرضه الظهر في يوم الجمعة، وهم النساء والعبيد والمسافرون، إذا دخلوا مع إمام الجمعة، أجزأهم الركعتان وسقط عنهم الظهر. فإذا جرت الجمعة

стр. 103

في لزوم المتابعة مجرى الصلاة التامة في حق الإمام المقيم، وكانت صلاة المقيم إدراك التشهد منها كافٍ في إلزام، كذلك إدراك التشهد مع الإمام في الجمعة يجري مجرى إدراك ذلك المقدار من صلاة المسافر في لزوم الإتباع للإمام. ١٣٠ - فصل كما لا يحسن في سياسة الملك العفو عمن سعى على الدولة بالخروج على السلطان، لا يحسن أيضًا أن يعفى عمن ابتدع في الأديان. لأن فساد الأديان بالابتداع كفساد الدول بالخروج على الملك والاستتباع. فالمبتدعون خوارج الشرائع. ١٣١ - جرت بباب المراتب المرحوس أدام الله ظله ببقاء الإمام العباسية والإمامة المستظهرية مسألة الكتابة بعد موت المكاتب قال مالكي: مذهب مالك أنها تبقى بشرط أن يخلف وفاء، وهو بشرط أبي حنيفة. ويزيد عليه بأن يكون قد بقي من يؤدي، إما ولد المكاتب، أو عبد كان شاركه في عقد الكتابة. واستدل على ذلك بأنه قد بقي علقة من علق العقد؛ وهي الوفاء في حق الميت، وإمكان الأداء في حق الحي.

стр. 104

وهذا عقد وضع لتحصيل الحرية المغلبة المبنية على التحصيل دون التعطيل. ولهذا لم يعتبر لحصول العتق في هذا العقد كمال السبب، وهو الصحة؛ بل حصلناه جميعًا بالكتابة الفاسدة. ولم نحصله بالبيع الفاسد، بحيث يقع منه العتق، حيث لم يكن البيع موضوعًا للعتق؛ وكان عقد الكتابة موضوعًا للعتق. اعترض حنبلي فقال: هذا، وإن كان طريقًا لتحصيل العتق، إلا أنه إذا أدى بعض نجوم الكتابة، وعجز عن الباقي، أو مات، فإنه لا يعتق منه بإزاء ما أدى من النجوم. ومعلوم تكامل السبب؛ وهي الكتابة الصحيحة مع بعض الأداء. ولكنا أحبطنا ما أدى، وأسقطنا حكمه، واعتدناه رقا قنا كما كان لأجل العجز، ولو عن درهم من نجم. فهلا نظر الشرع ههنا إلى تحصيل الحرية وإلغاء التمام في باب العوض. فلما لم يفعل ذاك، علم بطلان المعنى الذي عليه عولت. ولأن العتق يستحق بالأداء، لا بالوفاء، لأن يختلف الوفاء لحصول المال في اليد. وحصوله في يد المكاتب قبل أدائه لا يكون سببًا لعتقه، ولا شرطًا تامًا. ولا يجوز أن يبقى شرطًا لأجل تحصيل العتق في العين، وهو الولد أو الشريط، إلا بعد أن يكون سببًا صالحًا لعتق الأصل. فإذا كان الأصل -وهو الأمة لو ماتت وخلفت وفاء -لم يحصل عتقها بما خلفته، فأولى أن لا يحصل الوفاء الذي خلفه شرطًا لعتق الولد أو الشريك، وهو عين للأصل أو فرع للأصل. والعتق بالأصل أخص. فإذا لم يحصل العتق للأخص، فأولى أن لا يحصل للأبعد.

стр. 105

١٣٢ - وجرت مسألة عين الأعور وهل يوجب كمال الدية فاستدل شافعي يخالف مذهب مالك وأحمد، ويوافق مذهب أبي حنيفة، في إيجاب النصف، فقال: كل شيئين كان الواجب بإتلافهما معًا الدية، وجبت في أحدهما بعد ذهاب الآخر نصف الدية؛ كاليدين والرجلين. طولب بصحة العلة، فقال: لأن ما في البدن منه اثنان، فإن الغرض الذي لأجله خلقا لا يتم إلا بتساعدهما وتعاضدهما. وهذا يعطي أن كل واحد منهما بحدته ناقص عن تحصيل الغرض بنفسه. فلا يعطى كمال العوض مع كونه لا يعطي كمال الغرض. بخلاف الأنف والذكر، فإن كل واحد منهما مستقل بالغرض الذي خلق له. أخذ الحنبلي يقول: إن عثمان قضى بذلك؛ وهو مذهب عمر، وعلي، وابن عمر. وليس مما يقتضيه القياس. فالظاهر أنهم عملوا بذلك توقيفًا. وقد روي في ذلك حديث يعطي أنه ليس من قبيل اليدين؛ وأن النبي صلع قال: إن الله، إذا أذهب ضوء إحدى العينين، نقله إلى الأخرى. ولهذا يبلغ بإحداهما من الأغراض ما يبلغ بالعينين من النظر بالحذاء، ونقط المصاحف، وانتقاد الدراهم، وغير ذلك، بخلاف إحدى اليدين والرجلين.

стр. 106

فأجاب الشافعي بأن القضايا لا تدل على الحكم؛ بل يكون مددها لمن ذهب إليها، وليس بحجة علي. إذ كل مجتهد يجوز عليه الخطأ. والخبر يدل على توفير الضوء، لا على أن لها حكم العينين. وتقوية الغرض لا يوجب كمال العوض؛ كقوة اليمنى على اليسرى. وكل جارحتين، إذا زالت إحداهما، توفرت القوة، وذهبت الأغذية إلى الأخرى؛ كما إذا كثرت أغصان الشجرة وأعذاق الشجرة وأعذاق النخلة، تمحق الطعم فيها. ولذلك يقلل ويخفف بإزالة بعضها، ليتوفر الماء والسماد على الباقي. وذلك لا يعطي أن يكون لها حكم العينين؛ كما لا يعطى يدًا قوية حكم اليدين. ولأن الغرض الأكبر قد اختل، وهو حراسة الجانب الذي كانت فيه. ولو كان الغرض يوفي الضوء في الوضع لخلق ذلك في غير واحدة. وإنما جعلها عينين لحكمة واضحة وهي أن ينظر من جهتين فيحرس الجانبان بهما. والذي يتضح به هذا ما يحدث من الاختلال بذهاب إحداهما من اختلال رعي السوائم وحراسة الجانب. فإن الأعور يصاب كثيرًا من الجانب الذي انطفأ سراجه وذهب ضوؤه. فالتوفر لو صح لما نفع لما اختل به تعطل إحدى الجانبين من التصرف به والانتفاع بكونه.

стр. 107

١٣٣ - وجرت مسألة المعتق نصفه هل يرث بمقدار ما فيه قال حنفي: لا يرث. ثم إنه فرض الكلام في الملك، فقال: إن الحرية لم تكمل. وأنت تكمل الملك في النصف. حتى إنه لا يكون في يده بغرض الإزالة، ويتصرف حتى بالتبرعات. فلم تدع للرق الذي فيه أثرًا. ومحال حصول الملك الكامل في حق شخص ناقص. يوضح هذا أن الرق الذي فيه وصمة توجب نقصه، فكييف يكمل بها ملكه؟ وليس يكفي أن يقع التأثير بالتنصيف فقط؛ لأن الشركة في العبد بين الجزئين الكاملين توجب التنصيف أيضًا. لكن لا بد من خصيصة في هذا المكان، الرق فيه، ووصمة الرق يمنع هذا الحكم الذي نسبه أنت. وهذا الملك التام الذي يتصرف به التصرف التام. قال الحنبلي: إن الحرية التي فيه مستقرة تامة في نفسها، وإن لم تعم رقبته. فيجب أن يعطى بها بحسبها تنصيفًا. فأما أن ينقص نقصانًا آخر، فلا. ولذلك إذا هابا المولى كان في يومه تام التصرف، كما يتصرف الأحرار، وفي يوم سيده عبد. فأما نقصان تصرفه مع تنصيفه، فلا وجه له. قال الحنفي: فلا أسلم فيه حرية مستقرة. قال الحنبلي: أريد به أنه لا يعود نصفه إلى الرق قط؛ ولا يقف

стр. 108

حصول الحرية في النصف على معنى يتأخر؛ بخلاف أم الولد، والمعتق نصفه، والمدبر، أو المكاتب الذي يعود إلى الرق. ١٣٤ - سأل سائل: هل يأثم الرجل بتلاوة القرآن على وجه من الوجوه ؟ قال حنبلي: نعم، إن الرجل ليقصد بالتلاوة شرًا، فيأثم بها لقصده. كما يؤجر بصورة المعصية، يأثم بصورة العبادة. قال له السائل: كانت مسألة صارت مسألتين: أخبرني ما صورة الطاعة التي يأثم بها، وما صورة المعصية التي يؤجر عليها. قال: الآيات يتلوها ليدعو بإشكالها إلى بدعة. كمشبه يتلو آيات الإضافات. مثل قوله: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾، ﴿تجري بأعيننا﴾، ﴿ويبقى وجه ربك﴾، ﴿يكشف عن ساقٍ﴾، يوهم بذلك ثبات الأعضاء؛ أو حلولي يوهم بقوله: ﴿فنفخنا فيه من روحنا﴾، ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي﴾. ألا ترى أن آدم، لما كان طينًا، لا قديم فيه، لم يسجد له؛ لما ولجته الروح القديمة، أسجد له الملائكة. فهذا كله تلاوة لكتاب الله. وكله صار وبالاً على تاليه للإضلال به، حيث أنزله الله لهدى خلقه. فأضل به هذا الخلق. ومثل ما روي في الحديث: إن الرجل ليقول "لا إله إلا الله" فيدخله النار؛ أو كما قال. فقيل: "وكيف ذلك، يا رسول الله؟ " قال: "هو أن يذكره أخوه المسلم عنده بسوء، فيقول "لا إله إلا الله" تعجبًا يستطعم الزيادة، فيعاقب على ذلك."

стр. 109

وأما صورة المعصية الذي يثاب عليه، فالكذبة يصلح بها بين الزوجين ويطفي بها النائرة بين الجنبين. فافهم هذا فأنه من فقه الأعمال. ثم قال الحنبلي: الرجل كل الرجل من قرر من نعم الله ما يخفي على كثير من خلفه ليشكروا، ومن قرر حكمة الله ليسلموا البلاية ولا يضجروا. فهذا أبدًا يصلح الخلق لله. وهذا مقام النبوة. ١٣٥ - جرت مسألة يهودي مات وخلف أخوة أحدهم مسلم هل إن رأي الحاكم المصلحة في العمل بمذهب معاذ ومعاوية وعائشة وغيرهم من التابعين بتوريث الأخ المسلم- هل يكون حكمه نافذًا صحيحًا؟ فأجاب حنبلي، فقال: هذا ينبني على أصل: هل يجوز تقليد الميت من المجتهدين أم لا؟ وفيه خلاف بين الأصوليين. ولأصحاب الشافعي فيه وجهان. ولأصحابنا أيضًا فيه وجهان .. وأجاب بعد هذه الجملة بما ينظره، بأنه إن كان الحاكم [مجتهدًا] فوافق اجتهاده اجتهاد السلف المذكورين، فذهب إلى هذا الحكم بدليلهم، لا بتقليدهم، جاز وشاع ونفذ حكمه. وكذلك إن لم يكن الحاكم مجتهدًا، لكنه وجد في عصره مجتهدًا يقلده، فحكم بذلك، صح ونفذ. فأما أن يحكم بتقليد هؤلاء المذكورين، فلا.

стр. 110

واجتمعوا وتذاكروا. فقال من نصر جواز تقليد الموتى: إن حكم مذاهبهم باقٍ؛ حتى إنه لا يجوز إحداث مذهب يخرج عن إجماع الموتى؛ كما لا يجوز إحداث مذهب يخرج عن إجماع الأحياء. ولأن الميت استقر مذهبه استقرارًا لم يبق يرجى رجوعه عنه. ولهذا اعتبر قوم في ثبوت الإجماع انقراض علماء العصر. وقال الذي منع تقليد الموتى: إن الموت يبطل حكم الشهادة. فلا يشهد على شهادة ميت. وذكر أشياء لم تتحصل فأذكرها. ١٣٦ - وجرى بجامع القصر مسألة تخالف المتبايعيين استدل فيها حنفي بقول النبي صلع: البينة على المدعي، واليمين على من أنكر. وليس يتحقق في مسألتنا مدع إلا البائع، ولا يتحقق فيه إنكار إلا صورة. واليمين لا تثبت إلا في جنبه منكر حقيقة، لا منكر صورة. وليس من حيث كان منكرًا للعقد الذي يدعيه المشتري يكون منكرًا حقيقة. لأنه يحصل لنفسه بقوله شيئًا هو زيادة يدعيها من الثمن. والمشتري يدفع تلك الزيادة. والدفع هو المغلب في حقه. وصار بمثابة من أودع رجلًا وديعة، فأدعى المودع أنها تلفت؛ فقال صاحبها إنها لم تتلف؛ فإنه منكر، لكن لما لم يكن إنكارًا حقيقة، بل صورة، لم يخلف. ولما كان المودع منكرًا حقيقة، ثبتت اليمين في حقه حقيقة
следующие страницы →