Полный текст (756 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
والدم حق؛ والحقوق حبس يقف. والاستيفاء حق؛ وهو أيضًُا يصح أن يقف على انفصال الحمل من المرأة القابلة.
وكان السائل عنها قابلًا لخبر ابن ملجم. فقال حنبلي: وأي حجة في فعل من كان فعله حيفًا، شهد به الإجماع، وأقر بكونه حيفًا وتعديًا فاعله؟ أما الإجماع فإن الحديث لا يكون لك فيه حجة، حتى تقرر أنه كان قصاصًا، حتى ثبت لك فيه حجة في استيفائه مع صغر البعض. والناس في القود قائلان: قائل يقول ((لا يمثل في القود ممن مثل))، وقائل يقول ((يمثل يه جزاء حيث مثل)). ولا قائل يقول: ((يمثل بمن قتل بغير مثله.)) فهذا وجه مخالفة الإجماع ويديه وحجه حاسرًا حافيًا مشهور. وإذا كان قد أقدم على هذا الوصف حيفًا، وكان غلبه طبعه ونفسه، أي ثقة تحصل به من أن يكون بادر بالقتل مع العلم بوجود مستحقه وشريكه فيه.
١٥٦ - وجرت مسألة من طلع الفجر عليه وهو مخالط لأهله
قال حنبلي: أقول إن الصوم ينعقد ولا يمنع انعقاده كونه مخالطًا. فتكون استدامته بعد طلوع الفجر مفسدة لصوم انعقد.
فطولب بالدلالة على ذلك، وقيل له: هذا أصعب من المسألة الأولى.
стр. 142
فقال: لأنها عبادة غلب فيها حظر الترك، يجب بالوطء فيها الكفارة الكبرى، وهو عتق الرقبة. فجاز أني نعقد مع الفساد؛ كالحج الذي يجب بإفساده البدنة. ولأنها بعد الإفساد يجب الإمساك عن محظوراتها. قال: ولان أوان الوطء مباح، وحصول العضو في المحل المخصوص كان على وجه مباح في زمن الإباحة، وهو الليل، فلا وجه لمنع الانعقاد بحصول مباح. فإذا ثبت الانعقاد، جاء بالدوام الإفساد؛ فوجبت الكفارة.
أخذ المعترض عليه يقول: إن الانعقاد، مع المعنى الذي يوجب الفساد بعد الانعقاد، بعيد جدًا، إن لم يكن داخلًا في المحال، إن شئت في المحسوسات، وإن شئت في الشرعيات. لأن إيجابه للإفساد في الدوام. وهو آكد حالتي الشيء المنعقد، عبادة كان أو عقدًا من العقود يدل على غاية الضمادة والمنع. فكيف يثبت معه العقد، وهو في أضعف حالتيه؟ ألا ترى في المحسوسات أن ما يوجب الهدم بعد البناء لا ينحصل مع وجوده البناء؟ والحدث لا تنعقد معه الصلاة. وعلى ذلك لا ينعقد الإيمان مع اعتقاد الشرك الذي لو طغى لرفع الإيمان.
وأما قولك ((إنه كان مباحًا)) فما علينا مما كان. ومعلوم أنه لما طلع الفجر أخذ بالنزع بالإجماع؛ وحظر عليه اللبث على تلك الحال. فلا وجه لبقاء الانعقاد مع هذه الحال. على أنه لو كان مباحًا، فإن الإباحة
стр. 143
لا تؤثر في صحة ولا منع قضاء. بدليل من أكل للضرورة جاز، وعليه القضاء، وحصل مفطرًا بالأكل.
وأنجز الكلام إلى أن ادعى الحنبلي أن النزع جماع؛ من حيث أن الجماع لا يتم إلا بنزع وإيلاج، وإدخال وإخراج.
فقال حنبلي آخر: إن النزع الذي يكون معه نية الرجوع، ذلك جماع. فأما من نزع، لا بنية الرجوع، لا يكون إلا تركًا للجماع. وما هو إلا بمثابة غسل الطيب عن إحدى يديه بإمرار يده الأخرى عليه. وكذلك الخارج من المسجد مع الجنابة مع طول المسافة، فإنه قطع لأكوان المسجد كالدخول؛ لكنه لما لم يكن بنية الرجوع كان تركًا. والذي يوضح هذا أن بعد حصول الذكر في الفرج وطلوع الفجر، أجمعنا على أنه مكلف لإخراجه ونزعه. ومحال أن يكلف ترك الجماع بما هو جماع. لمي بق إلا أن صورته صورة من يجامع. لكن ليس كل صورة يكون لها حكم الصورة الأخرى. كالنازع للثوب الذي حلف لا يلبسه، والخارج من الدار التي حلف لا يدخلها، هو في سعيه فيها خارجًا بصورة الداخل؛ لكن ليس حكمه مع نيته للانفصال عنها حكم الداخل.
قال: أليس يحصل في النزع ما يحصل في الإيلاج من لذة الجماع؟
قال حنبلي: إلا أنه داخل في ضمن فعل هو ترك. فهو كما يحصل من تطييب اليد التي يزيل بها المحرم طيبه عن اليد الأخرى التي كان طيبها. وكذلك ما يحصل له من التصرف في المسجد، وتكرار الخطو
стр. 144
فيه عند خروجه من أقصاه، حيث أصابته الجنابة، لما كان تاركًا لم يضره تكرار الخطاء حين كونه خارجًا عنه، وكذلك في حق الرجل المخالط لأهله، إذا جرى من جهتها حال جماعه ما أثار منه الحلف بالطلاق البائن أنه لا وطئها، فغنه لا مخرج له إلا بالنزع، إذ لا يحل له الدوام مع كونه موجبًا لوطء في بائن، على الخلاف المعروف بين الفقهاء من أصحاب الشافعي واحمد رحمتهما. فإذا نزع لم يك بد من حصول لذة داخلة؛ لكنه لا يكون بذلك واطئًا، بل محض التارك وعين الهاجر.
١٥٧ - وجرى فصل فيمن علم أن الفجر قد قارب طلوعه هل يباح له الوطء أو
يحرم عليه، وهل يحرم عليه الأكل ، وهذا فصل جاء في أثناء هذه
المسألة، وهو يجيء أبدًا في مسألة صوم الشك
فقال أحد المناظرين، وهو الذي نفى أن يكون الجماع مع المقاربة محرمًا: إن هذا جزء من الليل؛ وليس لنا صوم يجب في الليل. قال: وإنما الورع يقتضي ذلك.
قال الآخر: معاذ الله! بل يجب. الإمساك في كل جزئين من الطرفين، حتى يتيقن استيعاب جميع النهار بالإمساك. وهذا كما يقول في غسل
стр. 145
قصاص الشعر من الرأس في غسل الوجه ليتحقق استيعابه، ومسح شيء من بياض الوجه مع الرأس إذا قلنا يوجب استيعابه مسحًا، ووجوب فعل خمس صلوات في حق من نسي واحدة من المكتوبات لا يعيها. فكل ما لا يتحقق فعل الواجب إلا به، فإنه يجب فعله. وما لا يتحقق هجران المحظور إلا بهجرانه، يجب هجرانه. وما هذا إلا مستند إلى قول النبي صلعم: ((لكل ملك حمى، وإن محارم الله حمى، ومن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.))
١٥٨ - وجرى فصل مع مالكي ذكر أن
ولاية القصاص لا يدخلها لا امرأة ولا طفل
وعلل بأن الله سح عظم شأن الدم، وجعل استيفاءه والعفو عنه على قدر المصلحة. وإذا كان في الأولياء ذكور يحمون العشيرة برأيهم وأسيافهم، فرأوا من الرأي قتل القاتل، لما لمحوا من حاله أنهم إن عفوا عنه استلاصهم قتلًا، فاخترطوا أسيافهم عزمًا على قتله حين ظفرهم به. وقد أباحهم الحاكم قتله بما ثبت عنده من القتل بإقرار القاتل أو البينة. وكان في جملة الأولياء عجوز حاضرة، فرأت أم القاتل ولهى خائفة على ولدها من القتل فرقت، فبادرت بالعفو. فإن من حكم الشريعة أن يعول على عفو يفضي
стр. 146
إلى مفسدة عن مجرد رقة، لا رأي صحيح. بل أخرج النساء عن ذلك لهذه العلة.
فقال حنبلي: إن الله سح جاء إلى القساة الطالبين للقود. فرقق طباعهم بالندب إلى العفو، وضمن لهم الأجر. فبان لهم رغبته، وهو المالك للأعيان والمنعم بالإيجاد، أنه يحب العفو، وعللوا قلوبهم بقوله: ﴿فمن عفا وأصلح فأجره على الله﴾. وهذا يعمل في الطباع انقلابًا على الحنق والغضب وطلب الثأر إلى الرقة. فمن يفعل كذا، كيف يخرج من الاستحقاق من خلقه في أصل الخلقة ترقيقًا، وهم النساء؟ فلو لم يرد الرحمة والعفو لما سكن الطباع عن الاشتطاط بغاية التسكين، وهو مقتضى الحكمة أن يكون المراد رد هذا الأمر إلى من يمضيه بقوة قلب؛ ثم يشرع فيما يلين الطبع ويرقق القلب ويرغب في إسقاطه بالعفو.
ثم لو كان قصده ذلك، كيف كان يعمد إلى إخراج النساء، لأنهن رقيقات مهيآت للعفو، ويقصد الرجال بالترغيب والحث على الرقة والرأفة والعفو؟ وما يفعله الترغيب في العفو في حق الرجل مفزوع منه طبعًا في حق النساء، فكيف يستقيم هذا الموضع؟
стр. 147
١٥٩ - قال بعض أهل العلم: ليس بيننا وبين البهائم إلا عدم الفهم لما ينطق به وفهم ما ينطق به. وإلا فلو وضح لنا منطقها ووضح لها منطقنا، لكانت لنا كما يكون بعضنا لبعض، وصدر عنها ما يصدر عنا من الأفعال المحكمة. والدلالة على ذلك أنه لما كشف لسليمان عن معاني مرادها بما أوزعه الله سح من فهم منطقها أخبرنا بما لا يستطيع الواحد منا، بل الحكيم منا. فمن ذلك قوله سح ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون﴾؛ ﴿قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم﴾ - أمر لهن- ﴿لا يحطمنكم سليمان وجنوده﴾، بيان علة الأمر، وهي توقيتهن من الضرر. وقوله عن الهدهد ﴿ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين﴾. وهذا صرف الآية إليه بتأخره عما ندب له. ثم قال: ﴿لأعذبنه﴾، وهذا وعيد، والوعيد لا يلحق إلا بمكلف لأمر يمتنع منه، ﴿أو ليأتيني بسلطان مبين﴾. وهذا يعطي أن ليس بيننا وبينهم إلا إيهام الألفاظ؛ فيصير كالعجمة في حق الآدمي. وإذا لم يكن بيننا وبينهم إلا العجمة، ثبت أنهم مكلفون. ولهذا قال سليمان للهدهد: ﴿اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم﴾ - يعني توار. وهذه أوامر مصروفة نحو الهدهد ومناه. وقد قال الله تع ما يدل على ذلك، وهو قوله: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم
стр. 148
أمثالكم﴾. ومعلوم أنه لم يرد أمثالًا في الصور؛ لم يبق إلا أنها في خاص من خصائص الإنسانية، وهي الفهوم والفطن. وقال: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾. وقال: ﴿إلا أمم أمثالكم﴾. وقال [صلعم]: لولا أن الكلاب أمة لأمرت بقتلها.
قال حنبلي: هذا كلام يفوح منه القول بالتناسخ. وما تعلقتم به من هدهد سليمان فذاك يجوز أن يخص كرامةً له وتسخيرًا له؛ كما قال في حق داود: ﴿يا جبال أوبي معه﴾. وقال ﴿إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق﴾. وقال: ﴿وألنا له الحديد﴾. فإذا كانت الأشياء تخرج عن طباعها تسخيرًا جاز أن يخص بعض الحيوان البهيم بأن يخلع عليه ما يخرجه عن البهيمة تسخيرًا وكرامة؛ كما سبح الحصا في يد نبينا صلع، وحن إليه الجذع، وجاءته النخلة منقادة. ولا يدل ذلك على أن جنس النخيل مكلف مستجيب مأمور، ولا الأجذاع حنانة كلها.
قال الحنبلي: وقد نطق الكتاب العزيز بذلك، فقال: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره﴾. ترى صارت مكلفة، أم مسخرة، خارجة عن سمت النار والماء الذي لم يسخر له؟ والتسخير هو أن الباري يتولى إجراءها عند أمره فيتبع أمر سليمان تكوين الرحمن لجريها؛ كذلك في حق البهائم.- والله أعلم.
стр. 149
١٦٠ - استدل شافعي في مسألة الآجل هل يحل بالموت
فقال: إن الدين قضاؤه من حقوق الميت. وحقوق الميت مقدمة على حقوق الورثة. ولو نفينا الآجل، لما كان نفعًا للميت، بل مضرة عليه؛ ولا نفعًا للورثة، لأن الدين لا ينتقل إلى ذمتهم والمال فلا يتأجل. فإن تصرفوا، كان خطرًا بأن يتلف وينقاد منه مرتهنه أبدًا. وإن تأخر طال ارتهانها. قال صلع: وما يغنيه صلاة عليه وذمته مرتهنة في قبره بدينه.
اعترض حنبلي فقال: إن ضرره لا وجه له؛ لأنه لا يطالب في الآخرة بما لم يطالب به في الدنيا. ولا تتعجل مطالبته به في الدنيا. وأما الخبر فحجة لي؛ لأنه لما قبل الضمان وهو موسع لمحل الحق، لا أنه ناقل عن ذمة الميت، لكن بكون الذمة مشغولة، ولهذا قال بعد قضاء الدين ((الآن بردت عليه جلده، الآن فككت رهانه)) فبان بذلك أن الحق كان مؤخرًا إلى حين أداء الدين من جهة الضامن. ولم يوقف صلاته عليه على الأداء. فقد بان أنه جعل الضمان المتأخر قضاء الدين بعده إلى حين الأداء، بحيث جوز صلاته له وجعلها نافعة له. فإذا كان حصول احه
стр. 150
هي ذمة الغير مع تأخير تحققه، ولم يسأل عن ذمة الضامن ولا عن حاله أواجد هو أم معسر، وتقدم وصلى، علم أن تأخير الدين مع وجود احه هي التركة أولى أن يجوز التأخير معها. ولو كان التأخير مضرة عليه مع الأجل، لكان مضرة عليه من غير آجل؛ بل بمجرد كون ذمته مرتهنة. والضمان قد يتأخر معه الأداء.
١٦١ - واستدل حنفي في مسألة نماء المبيع المنفصل هل يمنع الرد
فقال: إن الأم ثبت لها حكم هي كونها مملوكة بالبيع وهي مبيعة، وإن بعد العهد بالملاقطة بالبيع. وإذا كانت مبيعة، فذلك حكم يظهر بجواز الإقالة. وليست الإقالة إلا فسخ للبيع. فلو لم يكن البيع متمكنًا، لما حصل الفسخ. وكل حكم يمكن في الأم كذا كان ساريًا إلى الولد. فالولد مملوك بالبيع. فلا يجوز أن يفسخ في الأم دونه.
اعترض الحنبلي فقال: إن الأمة قد انعدم في حقها البيع حقيقة، وبقي حكم البيع فيها، كما ذكرت. والولد أبعد، لأنه ما تناوله البيع. والأم إن لم تكن الآن مبيعة حقيقة، فقد كان تناولها البيع. وقد ظهر حكم بعده عن الأم لو تلفت أو تلف بعضها منع ذلك التلف الرد بالعيب. والولد لو تلف لم يمنع تلفه رد الأم بالعيب. فقد بان بهذا تبعيده عن الأم في معنى تقرر حكم البيع فيه. على أنك إن جعلته في حكم المملوك
стр. 151
بالبيع، أو بحكم البيع، بحيث يمنع الرد استيفاءه، فاجعله في حكم المملوك بحكم البيع في جواز رده مع الأم. فأما من يمنع الرد مع إمساكه، ويمنع الرد مع رده، فلا وجه له.
أخذ الحنفي يقول: لو رددته مع الأم لما خلا أن ترده تبعًا لها، فلا يجوز؛ لأنه يصلح أن يكون أصلًا في البيع، وأصلًا في الفسخ. ولا يجوز أن يكون أصلًا في الفسخ، لأنه لم يتناوله العقد حقيقة.
قال له الحنبلي: ولم لا يتبع في الفسخ لكونه نازعًا عن أصل تناوله البيع حقيقة، وانحطت رتبته عن أصله من حيث أنه لم يتناوله البيع حقيقة؟ فإذا كان مع تبليغك به حد الأم في كونه مملوكًا بحكم البيع، هلا جعلته بحيث يكون كالأم من حيث يفسخ عليه البيع مع الأم؟ فإن قصرته ههنا ورفعته هناك، فليس لك هذا المتصرف والتخير.
١٦٢ - جرى في مسألة المكره على القتل
قال حنفي: لما قتل المكره مع كونه لا يباشر القتل، لم يقتل القاتل مع كونه باشر؛ لأننا بينا أن الفعل منه صار فعلًا للمكره حكمًا.
قال حنبلي: لا يجوز أن يصير فعلًا له حكمًا مع كون القاتل مأثومًا ظالمًا. وأكثر ما فيه قتل غير القاتل. لأنه تسبب إلى إثارة دواعي من
стр. 152
أكرهه وأحفزه. وذلك لا يمنع وجوب القتل عليهما، كما قلنا. وأبو حنيفة في الرد والمباشر بكونه ناصرًا له ومكثرًا واجبه له إن عجز عن أهل العاقلة. فجعل هذا القدر موجبًا لعموم القتل على الجميع، وإن تقاصر فعل أحدهما على الآخر. كذلك ههنا.
أخذ الحنفي يقول: أنا لا أقتل إلا بقطع الطريق لا بالقتل. ولذلك أقتل وإن كان القتل لمن لا يكافي فيتقدم شرط القود. وأنا أوجب القتل. قال الحنبلي: إلا أنك لا تقتل بالإجماع والنهب حتى يوجد قتل ينضم إلى ذلك، سواء جعلته أصلًا في السبب أو شرطًا. ومع ذلك سويت بين المباشرة والمكره.
وقرر ذلك فقال: كما أن المكره بإكراه وإزعاج دواعيه بما هدد به من القتل أو أزعج به من الإيلام بالضرب، كذلك هذا المكثر بقوته وسلاحه أنشأ في قلب المباشر للقتل قوة لم تكن له مع الواحدة. كما أنشأ هذا المكره في طباع المكره حذرًا على نفسه، فوقاها بقتل الغير شحًا بنفسه وتوقية لها بأيسر الأمرين، وهو صرف القتل عنها إلى غيره. وهذا القتل مما بني على قتل المتساعدين، حتى قتلنا الجماعة بالواحد. فأخذنا بكل جراحة من واحد نفسًا تامةً؛ لأن الأمر فيه بني على التناصر. ولذلك قال عمر: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لأفديتهم به.)).
стр. 153
وكان قد قرر الحنفي أن القتل من المكره بتقرير ضمان المال إذا أكره على إتلافه عليه، دون المباشر لإتلاف المال.
فقال الحنبلي: عندي على أحد الوجهين يشتركان في الضمان حسبما جعلتهما شريكين في القتل. وإن سلمت على الوجه الآخر، فلأن المال لا يكمل فيه الضمان على كل واحد من الجمعين، حتى في المحاربة التي بني الأمر فيها على التعاضد والتناصر لا يغرم الرد والمباشر أو جماعة المباشرين كل واحد مالًا كاملًا. والنفوس تتكمل القتل بأيسر جراحة توجد من الشريك في القتل.
كل ذلك حسمًا لمادة القتل؛ بخلاف المال الذي هو أهون من أمر الدم.
١٦٣ - سئل حنبلي عن شهادة العبيد، فقال: عدل ومكلف؛ فلا ترد شهادته، كالحر.
قالوا له: لم اكتفيت بهذين الوصفين؟
قال: العدالة لصحة القول والثقة إليه، والتكليف يوجب كونه أهلًا. والزيادة احتياط لا يحتاج إليه ركنًا، كالورع والعلم.
قالوا له: أما علمت أن الرق وصمة في المروءة، فهو كالحر المبتذل
стр. 154
المسقط للمروءة؟ وإنما لا تتم له مروءة، لأنه بحكم غيره استخدامًا وابتذالًا.
وموضع الوصمة والنقص أنه لم يجعل محصنًا؛ فلا حد حدًا كاملًا، ولا حد قاذفه، ولا رجم، ولا جلد مائة، ولا حصى ولا إقامة، وهو أثر من آثار الكفر.
قال الحنبلي: أما البذلة بالخدمة فهي بذلة بطاعة تجب عليه بحكم إلزام الشرع له طاعة سيده. وذلك لا يجعل وصمة بنقصه إن لم يجعل قربه تكملة. فإن في الحديث: ثلاثة يؤتهم الله أجرهم مرتين. ذكر منهم من كان على دين نبي ثم أدركه الإسلام فأسلم، وعبد أطاع الله، وأطاع سيده. وما هذا سبيله، فهو ملزوم إليه بإيجابه عليه. فيصير بمثابة بذلة الحج تجردًا في الطرقات، وهرولة في السعي. ولو فعل مثل ذلك على رؤوس الأشهاد وخذف بالحصى في مجامع الناس، كما يخذف بسوق منا عند العقبات، لطعن ذلك في مروءته ولا يطعن في الحج، لما كان واجبًا على المحرم.
وأما الوقار بترك قانون العبيد هو المعصية، فكيف بغير شيء لو تركه لإثم. ألا ترى أن الأمة، لما تقنعت، قال لها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: ابرزي واكشفي عنك القناع ولا تشهي بالحرائر. فالبذلة، إذا وافقت الشرع، كالوقار؛ بل هي عين الوقار.
стр. 155
وأما كونه أثر الكفر لكنه في الإسلام مستدام ابتلاءً ومحنة. والمحن الإلهية لا تطعن في الديانة.
وأما كمال الحد يتطلب له الكمال الذي لا يطعن عدمه في الشهادة بدليل إحصان الرحم وهو السوية عدلها أثر الرحم. وما أثر في الشهادة. والحدود وقعت بحسب تأثرها نقضًا في الفضل وطعنًا في القدر. ورتبة العبد منحطة عن رتبة الحر. ولا يعتبر الفضل الشهادة ولا هي من قبالها؛ بدليل أن الفاسق الثيب يرجم ويكمل حده إذا كان حرًا، ولا تقبل شهادته.
وأما الولايات فليس عن صاحبنا فيها رواية أعرفها. ولو سلمتها كان القضاء يعتبر له الذكورية ولا تعتبر الشهادة. والإمامة يعتبر لها الشرف والاجتهاد وغير ذلك من الأوصاف. وإنما كان كذلك لأن المقام مقام حشمة وهيبة وطاعة. وإلى هذا أشار قائل السلف إن هذا الأمر لا يصلح إلا لهذا الحي من قريش لأن العرب لا تدين إلا لهم. والعبد محقور أبدًا. وبهذا الطريق منعنا قضاء المرأة وإمامتها، لأنها إن برزت حقرت، وإن اختفت واستترت خفيت عليها الأنوار وأبهمت.
وأما مسألتنا فإن طريق هذا الأمر صحة القول، وهذا بهذه الصفة. ولذلك قبل خبره وفتواه. وقد قال النبي صلعم: ((يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالبين وانتحال المبطلين.))
стр. 156
١٦٤ - استدل الشيخ الإمام شمس الإسلام عماد الدين كيا
رسول الملك بكيارق إلى الإمام المستظهر بالله- أدام الله سلطانهما-
في مسألة المكره هل يقتل
فقال: هذا قاتل حكمًا، فوجب عليه القود.
اعترض عليه الإمام الشاشي، فقال: لا نسلم لك أنه قاتل حكمًا، بل مباشرة فقط. فإن الدليل عليه أنه أثم، وما أثم إلا بالقتل الحكمي؛ إذ الإثم من أحكام القتل.
قال: لا أسلم أنه أثم مأثم القتل، لكن أثم بتوقية نفسه به.
قال: التوقية للنفس محثوث عليها ومندوب إليها؛ فلا ينصرف المأثم إليها، بل إلى القتل المنهي عنه.
١٦٥ - واستدل مالكي في مسألة الأدب إذا وطئ أمة ابنه السرية
وأه يلزمه كمال قيمتها، ولا يقف على استيلادها، بناءً على أصلهم؛ وأن كل جناية عطلت المقصود أوجبت كمال القيمة؛ كقطع ذنب بغل القاضي، أو زكاته التي تجعل ركوبه له شهرة لا جمالًا، وما شاكل ذلك. فقال: فوت عليه المقصود من التسري، فكان عليه كمال القيمة.
стр. 157
اعترض عليه حنبلي فقال: ليس هذا تفويتًا لمقصود المحل، بل تفويت مقصود الإضافة إلى الابن خاصة. واليم لا يراعى فيها إلا المالية الراجعة إلى العين. والأمة، بعد الوطء، فيها مالية المتعة والخدمة، تستباح تمليكًا وتزويجًا، ويؤخذ عنها الأعواض. والعبرة في التقويم بأهل الخبرة. وأهل الخبرة إنما يقومون بحكم الرغبات العامة، لا الخاصة؛ بدليل أن المقوم لا يقول: ((إن هذا الحمار المقطوع ذنبه لمن؟ )) ((وهذه الأمة الموطوءة من وطئها؟ )) بل يقوم بحكم ما فيها. لأن التقويم جبر وموازنة. ولهذا لا يقوم الماء بحكم عطش صاحبه، ولا السكنجبين بحكم مرض صاحبه، ولا بحكم غناء صاحبه بالعافية، بل بحكم رغبة عموم الناس فيه. وكذلك الرمح الذي بيد الكمي ويحمي به ويذب عن حلته وحرمه، والقلم يكتب به حساب معاملة، إذا كسره كاسر قوم بحكم ما يساوي سائر الرماح المماثلة له، ولا يقوم بحكم الحال الحاضرة، ولا بحكم المالك، بل بحكمه في نفسه.
١٦٦ - وجرى في مسألة الكفارة هل تجب بالقتل بالأسباب
قال شافعي: قتل يوجب ضمان الدية، فأوجب الكفارة؛ كقتل الخطأ.
قال حنفي: إن الكفارة تتعلق بالقتل؛ والحافز ليس بقاتل، فلا
стр. 158
قتل. والدية تتعلق بعين القاتل، وهم العاقلة. والكفارة تتعدد بعدد القاتلين، والقتل واحد. والدية لا يتكون إلا واحدة، بحسب توحد القتل. والذي يوضح أن الحفر ليس بقتل أنه لا يصلح لقصد إنسان معين؛ بل ربما حفر البئر، فوقع هو فيها. فأمر يصلح لفاعله، كما يصلح لغيره، كيف يكون قتلًا؟
١٦٧ - وجرت مسألة ذكاة الجنين بتذكية أمه
قال حنفي: له حياة تخصه، فلم يتبعه غيره في الذكاة.
قالوا له: لكنه لا يستقل بالحياة التي تخصه؛ لأنه مستمد لقوى الحياة من الأم؛ فهو كالعضو. ولذلك يستقل بالعتق ويتبع ويستقل بالإيصاء به؛ ومع ذلك يتبع. ولأنه ذو حياة لا يقدر على حلقه ولبته. والذكاء بحسب القدرة موسعة. بدليل أنه أقيم الطرف منها الذي بمكان التوجيه مقام الحلق واللبة في غير المقدور عليه. وهذا دأب الزكاة. إذا توحش الأهلي، صار في حكم الوحشي؛ وإذا كان الرأس منحيًا، عقر الحيوان في غيره. فإذا كانت جملة الجنين خافية كامنة، وكان مستورًا بكمية من حلقة الأصل، والشرع نسخ بإتلاف المال على أربابه، حتى
стр. 159
إنه أمر باستصلاح الجلود الميتة بأخذ ما حول الفأرة الميتة في السمن وتخليل الخمر، كل ذلك للمال واستصلاحًا. ثم [لما] وجدناه أباح ذبح الأم، مع العلم بأنه لا بقاء للجنين بعد أمه، علم أنه أباح الجنين.
١٦٨ - فصل
قال بعض العقلاء: الصبر على سفهاء العشيرة والطائفة خير من استئصالهم. فإنه لا عز لقوم قل سفهاؤهم، فكيف إذا عدموا؟ والصبر على الصلحاء من العشيرة. فإن الحشمة بهم توجب الصبر عليهم. فلا حشمة لقوم لا صلحاء لهم. والجاهل من أفنى سفهاء قومه ضيقًا عن حملهم، وكسر صلحاء قومه خوفًا من استطالتهم.
١٦٩ - جرى بدار هندوجا الشاطئية مسألة شهادة العبيد
فاستدل فيها شمس الأئمة عماد الدين، رسول الملك إلى المستظهر بالله أمير المؤمنين- حفظ الله مجده- فقال: المروءة بإجماعنا معتبرة مشترطة لقبول الشهادة. ولا مروءة للعبيد لتمرنهم على البذلة والخدمة فيما يوقرون سادتهم. فيصير ذلك دأبهم. ومن لا مروءة له لا يؤمن إقدامه على الكذب.
اعترض عليه حنبلي فقال: إن البذلة التي تعتري العبد لا ينبغي أن
стр. 160
تسقط المروءة، فلا تطعن في العدالة؛ لأنها بحكم ما دفع إليه امتحانًا من الشرع بطاعة المولى. والدفوع إليه من البذلة شرعًا أو إلزامًا ظلمًا لا يخرج عن العدالة ولا يطعن في المروءة. بدليل العدل الذي يوجد في الأسر من عسكر الإمام، إما أن يتسلط عليه أهل البغي، أو قطاع الطريق؛ والمبتذل في الحج تكشفًا عن المحيط، وهرولة بين الناس، وخذفًا بالحصار في مجامع الناس- كل ذلك لما كان نسكًا بحكم إيجاب الشرع، والأول تعديًا بطريق البغي، لا جرم لم يطعن في المروءة ولا العدالة. وهذا المعنى واضح. وذلك أن المبتذل المطرح لقانون المروءة إنما ترد شهادته لأنه لا يؤمن أن لا يأنف من الكذب، كما لم يأنف من الدنايا التي سلكها بطوع نفسه. فأما إذا حمل عليها وكان فاعلًا لها بحكم غيره لا بطوع نفسه، فإنه لا يظن به أنه يفتعل الكذب بطوع نفسه حيث ظلم أو التزم. ألا ترى أن من أكره على الردة نطقًا وأكره على أكل الخنزير وشرب الخمور بأن كان أسيرًا في دار الحرب، لا يقال إنه لما دام على ارتكاب محظور دينه حملًا عليه وإلجاءً إليه، يظن به أنه يفعل ذلك طوعًا حتى يسيء ظننا فيه وتقوى تهمتنا له في شهادة أو خبر؛ بل بقينا على الثقة به لما كان عليه من العدالة الأصلية.
قال الرسول الإمام وهو المعروف بكيا الهراس: إن اضطراب المروءة لا يختلف الحال فيها بين الواجب والمباح. ولذلك جعلنا الصنائع الزرية،
стр. 161
كالحياكة والحجامة، طاعنة في المروءة، وإن كانت مباحة في حق الحر، مانعة من المروءة، طاعنة في العدالة. وكذلك جعلناها طاعنة في حق العبد، وإن كانت طاعة سيده واجبه في ذلك.
قال: وهذا يعود إلى معنى. وهو أن الشرع جعل الشهادة مضبوطة بشاهدين عدلين حرين إجماعًا. والعدد يزيد على غلبة الظن. فإن الواحد يكفي بدليل الخبر في باب الديانات. فإذا ضبط الشهادة بذلك، ارتفعت عن جواز التوسع بها والتصرف، بحسب المقايسة والعدول من جنس إلى جنس.
أجاب الحنبلي فقال: وكيف لا يختلف ذلك بالمباح الذي إذا أقدم الإنسان عليه بطوع نفسه دل على أنه قد يقدم بطوع نفسه على ما يلائمه من النسخ في الخبر والتجريب في باب الشهادة. فأما ما يحمل عليه [فإنه] لا يدل على أنه قد يقدم عليه. وأما الصنائع الزرية، إذا حمل العبد عليها في خدمة السيد، فلا يطعن في عدالته.
وأما قولك ((في الشهادة نوع تعبد)) فإنه محروس مع قبولنا شهادة العبيد. إذ لا يطعن ذلك في قانونه. لأن النساء دخلن في الشهادة، مع شهادة الشرع عليهن بقلة عقلهن ونقصانه ونقصان دينهن. والعبد نقصه محنة من الله لا يعتريه نوع تهمة. وإنما نقصه نقص هو مدفوع إليه، وبذلته كذلك هو مدفوع إليها.
стр. 162
١٧٠ - جرى بدار هندوجا الشاطئية مسألة صول الفحل
قال حنفي: أتلف مالًا معصومًا.
قال الشيخ الإمام كيا: لا أسلم أنه أتلف.
قال الحنفي: إنما أريد به الإتلاف حقيقة وحسًا. ولا مزية في إتلاف هذا الجمل الصائل بهذه الآلة الصادرة عن هذا المصول عليه. فلا يظن بمنصف أدرك ذلك أو علمه أن يجحده حقيقة. اللهم إلا أن يريد جحد الإتلاف حكمًا. فمدعي ذلك يحتاج إلى دليل. وإلا فأنا لا أنكر أن الإتلاف قد ينتفي حكمًا.
قال الشيخ الإمام كيا الهراس الملقب بشمس الأئمة عماد الدين: فإذا كان هذا مرادك، وأنه أتلف حسًا، فهذا باطل بمن أكره على إتلاف مال غيره. فإنه هو المتلف حسًا وحقيقة؛ لكن لا يستقر عليه الضمان. وبالحربي إذا أكره مسلمًا على إتلاف مال مسلم، فإنه أتلف حقيقة وحسًا. ولا ضمان رأسًا، لا على المتلف، ولا على المكره وهو الحربي.
قال: وهذا صحيح في الانطباق على وصفك. لأن الفعل من المكره صدر عن انبعاث دواع أهاجها من أكرهه على الإتلاف. وهذا الجمل الصائل أهاج دواعي من صال عليه لدفعه عن نفسه. وهذا آكد في الإهاجة. لأن هذا أهاج الدواعي بفعله، طلبًا لأذية النفس، والمكره أهاج الدواعي بتهدده. وفي مسألتنا يصول عليه.
стр. 163
قال الحنفي: أما أصل تعليلي فصحيح. وإن كل إتلاف لمال الغير حقيقة لا يعرى عن ضمان. فإذا قامت الدلالة في موضع على إسقاط الضمان، لم يجز أن يبقى الضمان ههنا مع كون الإتلاف لمال الغير حقيقة.
وكان أورد في هذه المسألة آخر فصولًا، منها أن قال: إن المالية التي كانت في الجمل زالت بالصيال؛ كما زالت مالية الله سح في صيد الحرم إذا صال؛ وكما سقط حق الله من ضمان الظفر إذا قام فآذى؛ والشعر إذا نبت في العين، لما صار مؤذيًا، زالت حرمته. ولما صار الصيد صائلًا زالت ماليته المضمونة لله سح، فكذلك حق الآدمي وماليته في الصيد. وعلى كل هذا أذى متناشئ من محل تسقط حرمته إن كان ذو حرمة، كالآدمي، والمالية إن كان مالًا، كالصيد. والشعر لما كان غير مؤذ، يضمن؛ لأن إزالته برفه ضمن. فإذا صار دفعًا للأذى والإضرار خرج عن حيز الضمان، وفارق أذية الاضطرار والجوع، لأنها ناشئة من الإنسان لا من المحل المأكول؛ فلذلك كان ضامنًا.
١٧١ - جرى بالمدرسة النظامية يوم حضر رسول الملك إلى الإمام المستظهر بالله-
حفظ الله مجده وأعز نصره وخذل أعدائه- المعروف بشمس
الإسلام كيا الهراس- حفظه الله- وكافة مشايخ أهل العلم رضهم- مسألة النية في الطهارة
استدل فيها الشيخ الإمام أبو الحسن العبدري- حفظه الله- فقال:
стр. 164
تطهير حكمي؛ فافتقر إلى النية، كالحدود والكفارات. يوضح هذا أنه تعبد لله تطهر به المحل. فإذا لم يحصل في أحدهما إلا بالنية، كذلك الآخر.
اعترض الشيخ الإمام إبراهيم الدهستاني فقال: لعمري إنه تطهير. وكفي بحصوله مجرى الماء الذي جعله الشرع طهورًا بطبعه عن أن ينضم إليه قصد قاصد أو نية ناو لتحصيل التطهر به. كما أنه لما وضع للري طبعًا لم يحتج في حصول الري به إلى نية، كذلك التطهير؛ لأنه فعل الماء وتأثيره الذي وضعه الشرع فيه وخلقه الله له.
قال الشيخ العبدري: إن جاز أن يقال إنه يفعل بما وضع فيه، فهو التنظيف وإزالة العين المستقذرة شرعًا والمنجسة؛ كالإيلام في سوط الإمام، والإشباع في صاع المتصدق بالطعام تكفيرًا وزكاة. لكن تطهير الذنوب لا يحصل إلا بنية من الإمام وتوبة المحدود. فما تمشى السوط ولا الطعام في التطهير من الذنوب إلا بأعمال القلوب. كذلك تطهير الجسم ههنا من الأحداث لا يحصل إلا بالنيات والقصود.
قال الشيخ إبراهيم: المجلود يتطهر بمضي سوط الإمام عليه. فإن لم يتطهر لعدم التوبة، لم يخرج أن يكون الجلد مضرًا به لا يحتاج إلى إعادته. فليكن ههنا وقوع الماء وجريه على محل الحدث مسقطًا فرض الغسل، محصلًا
стр. 165
للإجزاء والاعتداد المغني عن الإعادة. فإن أردت الثواب الذي تتطهر به الذنوب، فذلك لا يتحصل عندي إلا بالنية، كما لا يتحصل عندك إلا بالصلاة في الثوب المباح والتطهر المباح. فإن توضأ بالماء المغصوب، فلا ثواب على الطهارة؛ لكن يرتفع الحدث ويحصل الاعتداد.
١٧٢ - وجرت مسألة العبد هل يضمن بقيمته بالغًا ما بلغ
فاستدل فيها كيا، وهو الشيخ الإمام الرسول من جهة الملك إلى الإمام- أعز الله نصرهما- فقال: في العبد مالية مضمونة بالإتلاف. فكان ضمانها بالغًا ما بلغت في تقويم المقومين، كالثوب والفرس.
اعترض عليه الشيخ الإمام زين الإسلام أبو عبد الله الطبري فقال: ضمانه ضمان دم ونفس. والإتلاف إنما باشر النفس؛ وإنما تلفت المالية ضمنًا. ولذلك دخل القصاص على إتلاف العبيد؛ إذ لا يجري القصاص في الأموال. فإذا كان القصاص من خصائص النفوس والدماء، علم أن الضمان بالتقويم عارض دخيل. فوجب أن يكون محصورًا في ضمن الدم، لا يزيد على ما قدره الله في بذل الدم. كما قلنا في الموضحة في الخبر، إذ قوم المقوم ما دونها من الشجاج التي لا مقدر فيها تقويمًا يبلغ المقدر حظيناه. كذلك ههنا.
стр. 166
قال الشيخ الإمام كيا: دع يكون المتلف نفسًا؛ فكأن النفس ليست مالًا للسيد. بل هي مال السيد؛ إذ المالية لا تتم في العبد وسائر الحيوانات إلا بحصول النفس متمولة. وتقدير الشرع لنفس الحر في الأكثر لا يوجب تقديرها في حق العبد. كما أن ما نقص عن الدية في باب العبد لا يتقدر، وإن كان الأقل والأكثر يتقدر.
قال له قائل: النفس رباط للمالية التي في العبد يتصرف في مالية العبد بشرط قيام النفس. فأما أن تكون النفس مملوكة له، فلا؛ بدليل أنه لا يتصرف فيها بإتلاف، ولا يقبل إقراره عليها.
فقال: وليس من خصيصة الملك الإتلاف ولا الإقرار. بدليل أن أرواح البهيم لا يملك إزهاقها إلا المأكول منها على وجه واحد، وهو المأكلة. والبضع يملك؛ ولا يملك الروح بمليكه، ولا يصح إقراره به لغيره إذا ادعي غيره الزوجية؛ ولا يملك سوى الاستمتاع به؛ ولا على الإطلاق، بل في وقت تخلو فيه المرأة من حيض ونفاس وإحرام وصيام وعدة.
وكان حنبلي قد قال ههنا ما هو أقضى من هذا في باب تمول النفس وتملكها. وهو أن الرق المضروب على الآدميين إنما كان لكفرهم نعمة خالقهم. إذ جعلهم مالكين لكل شيء، وهو المالك لهم ولكل الأعيان. فلما صرفوا العبادة إلى غيره، جعلهم كالبهائم مملوكين لغيره. وذلك إنما كان بنفوسهم، وهي الأصل في الشكر والكفر، فكانت هي الأصل في العقوبة
стр. 167
والإذلال والاسترقاق. فكانت بالتمول أحق من سائر الأشياء والأعيان، وصار غيرها تبعًا لها.
١٧٣ - وجرت مسألة تخليل الخمر
استدل فيها حنبلي بحديث أبي طلحة وأن النبي صلع قال: ((أرقها.)) قال: ((أفلا أخللها؟ )) قال: ((لا، أرقها.))
اعترض معترض لمذهب أبي حنيفة فعارض بالحديث وأن النبي صلع قال: ((يطهر الدباغ الجلد كما يطهر الخل الخمر؛ )) وبما روي عن النبي صلع: ((تخلل الخمر أو تخل فتطهر كما يدبغ الجلد فيطهر.)) فشبهها بالجلد وذلك يطهر بالمعالجة؛ كذلك ما شبهه به.
قال: ولأني أحمل خبرك على أنه كان في مبدأ الأمر، وذلك يقتضي التغليظ والتشديد. ولذلك أمر بشق الزقاق وكسر الدنان؛ وكان كذلك. ثم زال التعليظ بإتلاف الأموال. ويكون حملي له على هذا بدليل، هو أنه استصلاح فاسد وتطهير نجس. فأشبه مكاثرة الماء ودباغ الجلد.
قال الحنبلي: أما الحديث الأول فمطعون به في رواته. والثاني والأول جميعًا قال فيهما أحمد: ((ليس في الدباغ حديث يصح، وأصحهما حديث ابن عكيم.))
стр. 168
على أني أقول: ليس في جميع ما ذكرت ما يصلح لنسخ ما رويت في حديث أبي طلحة؛ لأنه في الصحاح والمسانيد والسنن صحيح، عمل به سادات الفقهاء وأصحاب الحديث. والخبران مع ضعفهما، فالتأويل متسلط عليهما وسائق إليهما. فإنه يحتمل [أن يطهر الدباغ] كما يطهر التخليل. وسمي الفعل باسم الفاعل، كما سمى القائل قوًا سمى المخلل خلا. وإنه كما قال قائلهم في الظبية التي اصطيد خشفها: ((وترتع أحيانًا حتى إذا أذكرت، فإنما هي إقبال وإدبار.)) وتقديره: ((فإنما هي مقبلة ومدبرة.)) فسمى الفاعل بالفعل. وأما الخبر الثاني فإنه لم يسم فاعله. ويجوز أن يكون المراد بالفاعل للتخليل هو الله سح. وكيف يجوز أن ينسخ مع التأويل وإمكان الجمع؟
وأما قولك ((أحمله على أنه كان في مبدأ الأمر)) فأنا أوافقك على أن هذا كان في أول الأمر، ويكفيني هذا منك. ولكن الذي تجدد بعد هذا الحكم الثابت ما يصلح للنسخ. فإن عولت على الاحتمال، وأن الأمر تراخى بعد ذلك، وعولت في ذلك على نسخ شق الزقاق وكسر الدنان، فما أبعد هذا! وهل ثبت ذلك عن النبي؟ لا، بل هم سارعوا وشقوا وكسروا حرصًا على طاعته ومسارعة إلى موافقة أمره. فخافوا على أنفسهم وأتلفوا أوعيتها زهدًا فيها وفي ظروفها، وبيان أنهم لا عودة لهم إليها، فاستأصلوا ظروفها كسرًا وشقًا. وهذا دأب كل نادم على فعله. كما مسح سليمان أعناق
стр. 169
الخيل وأطرافها. ولم يثبت أن النبي عم آمر به. ولو ثبت، لما صح نسخ ذلك، بدلالة أن ينسخ قرينة. والقرائن لا يعمل بها في الإيجاب، فيكف يعمل بها في النسخ؟
فقال: لما نسخ الشق والكسر نسخت الإراقة. وقولك إنه كان يحتاج في ذلك الوقت واستغنى عنه الآن فليس كذاك. لأن الحكم بتنجيسها وإقامة الحد على شاربها باق وتفسيق شاربها وتكفير مستحلها. هذه كلها أحكام التغليظ، وهي باقية. فلا وجه لدعواك.
وأما القياس الذي ذكرته فلا يصلح أن يعترض على الحديث. فإن النبي صلع يقول: ((أرقها)). وإن لو كنت أبا طلحة لما حسن بك أن تقول ((هذا استصلاح فاسد وتطهير نجس فيكف أريقها؟ )) فإذا [جاء] عنه صلع ما قال لأبي طلحة، وجب عليك الانقياد بالإراقة وترك المعارضة.
على أن ما ذكرته ليس بقياس صحيح؛ لأن إصلاحه طريق لإفساد المستصلح. فإن للخمر رائحة ساحرة للشراب، ساخرة بعقول الشيوخ والشباب، متحكمة في الطباع. حتى قيل ما سمع من الأشعار، حتى وصف ريحها ولونها، وسميت شقيقة الروح والنفس. فلا يؤمن أن تدعوه ملابستها إلى أن يكرع منها، فيفسد هو قبل أن يصلحها. وما ذلك إلا بمثابة خلوة المعلم للقرآن بجارية أجنبية حسناء، والمداوي من الطب للمريضة من الأجانب
стр. 170
الحسان. فإننا نمنعه من ذلك لما فيه من التغرير بنفسه. فلا يفي صلاح الخمر بفساد مسلم وإزالة عدالته.- والله [أعلم].
١٧٤ - تجارى قوم ذكر الاستدلال على كون الباري عالمًا
بإحكام أفعاله وإتقان صنائعه
فوجه عليه بعض الأصوليين أربعة أسئلة. أحدها أن بعض الأفعال المحكمة قد تصدر على وجه الإتقان في بعض الأحيان. مثل خروج خط يخرج بحروف صحيحة عن يد غير كاتب، والإصابة بالسهم من غير رام، كما يقال: ((رمية من غير رام)).
والثاني أنه قد تصدر الأفعال المحكمة [ممن لا حكمة له]. وحقيقة الإحكام مناسبة الأفعال والإعداد لما يكون سادًا لما يعرض من الحاجات في ثاني الحال. مثل العناكب والنحل والنمل، في إحكام أعشاش وأجحرة وأقوات لأزمان مستقبلة، كالمسدير وبيوت النمل التي تحفظ فيها أقواتهن عن المياه والعفن، ونفرهن موضع نبات الحبة لئلا تنبت. ومثل عش العقعق ببابين، وبيت اليربوع بباب لخروجه ودخوله، وباب لفراره وهربه، وإلى أمثال ذلك. ولا حكمة لهذه الحيوانات.
السؤال الثالث، قالوا: لا يخلو أن يكون الباري قادرًا على فعل الفعل المثبط، أو قادرًا على الحكم المتقن فقط، غير قادر على غير المحكم.
стр. 171
فإن قلتم ((لا يقدر إلا على المحكم)) صار كالملجأ، أو كالطبع الذي لا يصدر عنه إلا فعل على وجه واحد. وإن قلتم ((يقدر على المثبط غير المحكم)) فإذا صدر غير المحكم عنه، على أنه عالم.
السؤال الرابع أنه قد صدر إلى الوجود غير المحكم من الأفعال؛ فهلا دل المثبط منها على النقيض، وهو الجهل أو عدم العلم؟
أجاب حنبلي فقال: أما الإتقان، فليس لنا، على من أثبت أن أفعال الآدميين خلق فيه. وخروج الفعل المحكم بغير قصد من أحد أدلتنا على كون الأفعال خلقًا لله سح. و [مقالة] أهل الإتقان أخس المقالات عندنا.
وأما ما يصدر عن الهوام والبهائم فإنه يصدر عن أحد طريقين: إما إلهام من الله وهو الحكيم العالم فما صدرت إلا عنه، ويشهد لذلك قوله تع: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، بمعنى ألهمها. وأما قولكم: ((هل ما يصدر منه المحكم لا يقدر على غيره)) كلا! بل الباري قادر على أن يفعل المثبط؛ غير أنه إذا فعله لم يصدر عن جهل ولا عدم علم وحكمة؛ لكنه قصد به المعنى المحكم، وإن كانت صورته من طريق الحس مثبطة. ودلك مثل المرض العارض على الصحة، والتشويه المضاد للتحسين، إما محنة وابتلاء ليعوض عليه بالنعيم الدائم، أو ليعلم به ضده وهو الإحكام، ويعرف العباد مقدار النعمة بالإحكام والإتقان. ولو لم يكن قادرًا على المثبت لما بان فضل الحكمة وهو المنع منه بالحكمة.
стр. 172
وأما وجود المثبط وما دل على نقيض العلم، فإنه ما خلا من معنى محكم متقن؛ مثل مصلحة توفي على ذلك في الدنيا، من الاعتبار والاختيار وظهور النعمة والشكر على السلامة في حق من سلم من تفاوت الخلق ونقصان الأعضاء؛ كما يحصل من تنقيص البنية في حق الطب طلبًا لسلامة الأصل.
١٧٥ - تعلق من يرى حمل المطلب على المقيد بقوله تع: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾، وقوله في موضع آخر: ﴿وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾، وقوله: ﴿ممن ترضون من الشهداء﴾. فحملنا المطلق على المقيد فجعلناه كالقائل: ((واستشهدوا عدلين مرضيين من رجالكم.))
فاعترض حنبلي بأن قال: ومن أين لكم أن اعتبار العدالة كان لأجل التقييد؟ ولم لا يكون للإجماع على اعتبارها في سائر الشهادات؟
قال المستدل: فالإجماع إنما فضل لأجل حملهم المطلق على المقيد.
قال الحنبلي: هذا من أبعد الدعوى. وكيف يكون الإجماع حاصلًا على ذلك، واختلاف الأمة ثابت في هذه المسألة؟ ولم لا يقال إن المعتبر للعدالة إنما اعتبرها لاستنباط معنى أوجب اعتبارها في المطلق؟ وهو أن العدالة إنما اعتبرت لتبعد عن الكذب وقول الزور؛ وإن الفاسق لارتكابه
стр. 173
محظور دينه في أفعاله لا يؤمن منه ارتكاب محظور دينه في أقواله. ويحتمل أن يكون اعتبارهم العدالة لسنة رويت عن النبي صلعم.
١٧٦ - قال بعض الأصوليين: إن الأشعري لم يترك لنفسه دلالة على الصانع، ولا دلالة على صحة الشرائع. فأما إثبات الصانع فإنه مبني على احتياج المحدث وافتقاره إلى محدث. وليس في الشاهد عنده محدث لبناء ولا نجارة ولا غير ذلك. وصحة إرسال الرسل مبني على الثقة بالمعجز. ووجه الثقة أن الله لا يقم الإعجاز دلالة إلا على يدي صادق غير كاذب عليه. وما ترك لنفسه ثقة بالرسل حيث قال ((لا يقبح شيء صدر من جهة الله من إضلال وسد لباب العلم بمعرفة صحة الرسالة.)) فلم يبعد تجويز تأييد الكذب بالمعجز، لأن ذلك ليس بأكثر من الإضلال.
١٧٧ - رأيت في بعض الأحاديث المأثورة أن العباس- رضوان الله عليه- دخل إلى النبي صلع وإلى جنبه أبو بكر الصديق. فقام أبو بكر ورفع العباس بأن جعل له فرجة جلس فيها بينه وبين النبي صلع. فقال له النبي: ((إنما يعرف الفضل لأهله أهل الفضل.)) ثم جعل يكلم العباس خفية بصوت خفي. فقال أبو بكر لمن يليه: ((قد عرض بالنبي علة.)) فلما
стр. 174
نهض العباس قال: ((يا رسول الله! ما هذا الذي عرض بك؟ )) قال: ((ما عرض بي شيء.)) قال: ((رأيتك تتكلم ضعيفًا.)) قال: ((إن جبريل أمرني أن لا أرفع صوتي على العباس، كما أمركم أن لا ترفعوا أصواتكم فوق صوتي.))
١٧٨ - قال شافعي في مسألة بيع ما لم يره: الصفات مقصودة، فالجهالة بها تؤثر في صحة العقد، كالأعيان.
قال له حنفي فاضل: الصفات مقصودة في العادة، لكن ليست مقصودة بالعقد. إنما القصد بالعقد بيع العين. فالجهالة بالمقصود في العادة، لكن ليس بمقصود بالعقد، لا تؤثر؛ كالمنافع، لا شك أنها مقصودة، لكن لم يكن عقد البيع مقصودًا بالمنافع ولا على المنافع الجهالة، لأنها لا تمنع صحة العقد، ولأنه ليس الصفات بأكثر قصد به من الأعيان والأجزاء في مواضع العيوب.
قال له حنبلي: المنافع تدرك بمعرفة الأوصاف ومشاهدة الأعيان. ومواضع العيب معلوم ما فات بها من السلامة بما فيه سليم. فيصير السليم يصف بمعرفة صفته صفة الجزاء الفائت بالعيب. لأن ذراعًا من ثوب يعلم مقداره وصفته وجودته ورداءته بما بقي منه. فيصير كأنه وصف موضع العيب وشاهد ما بقي. والصفة في جميع المبيع توجب ما توجبه الرؤية في صحة العقد عندنا. وهو أحد القولين فيها للشافعي. فوصف مواضع الصحة لمواضع العيب نفت الجهالة. فهو كما لو اشترى صبرة على
стр. 175
أنها عشرة أقفزة، فباتت تسعة، لم يبطل البيع وثبت الخيار لأن القفيز المقصود كلية الموجود منها؛ فيوجب الفسخ ولا يوجب بطلان البيع.
ثم أجاب عن قوله إن الاعتبار بجهالة مقصود البيع لا مقصود العرف، كالمنافع. فبمشاهدة العين تعرف منافعها غالبًا. يبين صحة هذا أن عقد الإجارة الذي يختص المنافع يكفي فيه مشاهدة المحل المنتفع به، وهو الأعيان. ولأن الأوصاف من الاختصاص بهذا العقد ما ليس للمنافع وغيرها من المقاصد أنه جعل لها عقد بيع يخصها، وهو السلم. ولأن الإحاطة بالصفات مع الجهالة بالعين لهدم تعيينها يوجب صحة العقد، كبيع قفيز من صبرة؛ فإنه مجهول العين لعدم التعيين. لكنه لما كان معروف الصفات بالمشاهدة لجملة الصبرة صح، والصفة لباطنها بظهور ظاهرها ورأسها صححت البيع في باطنها. لأن الظاهر من بيع المسلم عدم التدليس ونزهه من التزوير. فظاهرها يصف باطنها. ولذلك لم يوجب فقد الرؤية فقد صفة البيع وهو لزومه.
١٧٩ - وجرت مسألة بمجلس القاضي الأجل الإمام أبي جعفر البخاري
المعروف بقاضي حلب بباب المراتب
إذا حضر الحاكم في غير موضع ولايته فجاءه رجل له محبوس في
стр. 176
موضع ولايته يحكمه فقال له ((أيها الحاكم قد استوفيت ديني أو أبرأته فأطلقه))، فقال لصاحبه ((امض معه وأطلق خصمه))، هل ينفذ أذنه ويجوز له ذلك الإطلاق؟ فقلت أنا: لا يجوز. وقال غيري: يجوز. فقلت: الإطلاق للمحبوس حكم منه فلا يجوز في غير موضع ولايته؛ كالتحليف، وسماع الدعوى.
فقال حنبلي: إلا أنه بتأخير الإطلاق ظالمًا. لأن الحبس عقوبة ومع زوال سبب العقوبة لا يجوز استدامتها، بخلاف الحكم باليمين وسماع الدعوى. ولأن المغلب في الحبس حق صاحب حق؛ فإذا طلب إطلاقه لم يجز للحاكم تأخير إطلاقه.
قلت: أما تسميته ظالمًا بعد الإطلاق، لا يجوز؛ لأنه لم يوجد شرط الإطلاق. وإنما يكون ظالمًا إذا وجد شرط الإطلاق ولم يطلق. ومن شرط الإطلاق أن يكون في موضع ينفذ منه الحكم بالحبس والحكم بسائر وجوه الأحكام. ومعلوم أنه متى أخر الحبس أو الاستدعاء لمن استدعى عليه خصم كان ظالمًا بشرط أن يكون في موضع ولايته، فأما في غيره فلا. وأما قولك ((المغلب في الحبس حق صاحب حق)) فليس كذلك. بدليل أنه لو كان كذلك، لملك أن يمضي ويطلقه إذا استوفى منه أو أبرأه.
قال: إنما لم يملك أن يطلقه وحده، لأنه يكون افتياتًا على الحاكم.
قلت: وهنا متى أطلقه في غير موضع حكمه، كان مفتاتًا على صاحب الولاية في الوضع الذي حكم بالإطلاق فيه؛ ولا يكون ظالمًا- لانتظاره حصول
стр. 177
الشرط في نفوذ حكمه، كما إذا انتظر بقوله ((حكمت بكذا)) أن يصير إلى موضع حكمه.
١٨٠ - وجرت مسألة في الصوم
وهي إذا وطئ في يوم من أيام رمضان وهو صائم صحيح، ثم مرض، أو جن، أو حاضت الممكنة من نفسها. فقال حنبلي: صادف وطؤه صومًا محترمًا في زمان رمضان، فلزمته الكفارة.
قيل له: ليس يكفي على هذا القدر في استدعاء الحكم حتى يصادف ما يتم صومًا بانقضاء اليوم وسلامة صفاته، وهو أن يكون صومًا متعينًا، وهو بالمرض. فبينا أن الصوم ما تعين عليه، وبالجنون والحيض علمنا أنه ما تم صومه ولا صح. فصار المحل الذي تجب بهتكه العقوبة مختلًا. واختلاله أنه صار إمساكه في أول النهار باطلًا بجنونه وخارجًا عن كونه صومًا، وكذلك بحيضها. فهو كالواطئ لأمه يختل ملك العين فيها، إما نملك الواطئ جزءًا منها مشاعًا كالثلث والربع، أو كشبهة ملك له فيها، كأمة ابنه أو مكاتبه، فإنه تسقط عقوبة الجماع، وهي الحد. كذلك الكفارة عقوبة تسقط بالشبهة، وقد اختل محل سببها بما ذكرنا. يبين صحة هذا أن ههنا الإخلال أكد أن ملك العين مع العين يسمى ملكًا، ولا يسمى الإمساك في بعض يوم صومًا مع فساد باقيه بالحيض أو الجنون.
стр. 178
١٨١ - استدل حنفي على أنه لا يجوز دعوى العموم في المضمرات بأن الله سح حيث قال ﴿الحج أشهر معلومات﴾، فقال قوم: تقديره (إحرام الحج في أشهر معلومات)، )) وقال قوم ((أفعال الحج في أشهر معلومات، )) صار التفسيران مضمرين. فلو قال قائل: أنا أحمل الأمر عليهما، قيل له: الضرورة داعية إلى الإضمار؛ لأن الحج عبادة والأشهر زمان؛ فلا يجوز أن يكون الزمان عبادة، بل العبادة في زمان. فاحتجنا أن نضمر شيئًا يكون في الشهر. فلا حاجة بنا إلى إضمار شيئين. فلذلك لم يجز دعوة العموم ههنا.
قيل له: الحج إحرام وأفعال. فإذا أضمرهما صار كأنه أضمر الحج في أشهر معلومات، الذي هو مجموع إحرام وأفعال. ولو صرح فقال ((الحج الذي هو إحرام وأفعال أشهر معلومات)) كان كلامًا صحيحًا؛ كذلك إذا أضمرهما جميعًا.
قال: ليس هذا كلامًا صحيحًا. لأن الحج، وإن كان مجموع إحرام وأفعال، فما ذهب ذاهب إلى أن أفعاله وإحرامه جميعًا مراده بالآية. بل إضمار كل واحد منهما لمذهب خاص لا يضمر الآخر. فأما أن جعلت الأمرين جميعًا حجًا وأضمرته، كان إضمارًا واحدًا، هو الحج؛ فلا يكون عمومًا.
стр. 179
١٨٢ - شذرة في تخليل الخمر
قال حنبلي: الخل، إذا لاقى الخمر، نجس. فإذا زالت الخمرية، بقي نجاسة الخل.
قال له حنبلي آخر مقررًا لمذهب أبي حنيفة: معلوم أن الخل، إذا نجس بالملاقاة، كان ذلك. وعندك أن الخل قد يدفع النجاسة، حال الكثرة، عن نفسه. فكان، من قود قولك، أنه إذا لاقت قلتان من الخل الخمر، أن لا ينجس؛ فإذا زالت الشدة به بقي خلًا، لا علة لنجاسته؛ فكان على أصل طهارته؛ والخمر زالت علة نجاسته، وهي الشدة.
وإنما يقول هذا من يجعل الخل ينجس بنفس الملاقاة. فلا يكون زوال الشدة مانعًا من بقاء الخل نجسًا. كما إذا نجس بملاقاة عظم الخنزير، ثم أزيل عنه، فإنه ليبقى نجسًا وإن زال ملاقيه. كذلك أكثر ما في زوال الشدة زوال علة نجاسة الملاقي. والملاقاة قد سبقت؛ فيجوز أن تتخلف النجاسة في الخل، وإن زالت علة نجاسة الملاقي؛ كما تتخلف نجاسته مع زال عظم الخنزير. فأما وأنت تقول على الرواية التي يدفع الخل النجاسة بكثرته، فينبغي أن لا تتخلف نجاسة في الخل؛ لأنه لم يوجد أكثر من الملاقاة. وإلا فالشدة ما حصلت فيه ولا انتقلت إليه، بل زالت عنه وعن الخمر الملاقية له. فعاد الخمر إلى طهارة أصله،
стр. 180
وهو العصير، وبقي الخل على طهارة أصله حيث لم يتغير بشدة ولا غيرها. فصار كالماء، إذا انفصل عن النجاسة التي لاقته، غير متغير. مثل أن لاقاه عظم خنزير أو نجاسة لم تظهر عليه صفة من صفاتها.
قال الحنبلي: فأنا لا أنصر تلك الرواية ولا أذهب إليها. وإنما علقت الكلام لأنه يجيء على من نصر تلك الرواية مليحًا، يبين أنه لا تنتصب له هذه الطريقة في مسألة تخليل الخمر.
١٨٣ - استدل شافعي في مسألة المكره على القتل بأنه إكراه لا يبيح القتل، فلا يسقط القود عن المكره؛ كالإكراه بالتهدد بإتلاف المال.
قيل: قد يجوز أن يضعف المعنى عن تحصيل الإباحة ولا يقصر عن إسقاط القود، كالأبوة والملك والإسلام, فإن هذه الثلاثة تنتصب لإسقاط القود ولا يحصل بها الإباحة؛ ولأن المأثم قد يحصل مع نوع قصور في السبب الموجب للقتل؛ ولا يجب القود مع خلل وقصور في السبب. بدليل أن العصا، مع القصد للفعل، لما قصرت عن أن تقتل مثلها، لم يجب القود، وحصل المأثم. والعصا آلة الفعل. والعمدية ههنا علة إيجاب القود. قال النبي صلعم: العمد قود كله- يعني موجب للقود. وإذا ثبت أن العمدية هي العلة، ففيها قصور؛ لأن من جرد عليه السيف، وهدد بسفك
следующие страницы →