← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

موضع ولايته يحكمه فقال له ((أيها الحاكم قد استوفيت ديني أو أبرأته فأطلقه))، فقال لصاحبه ((امض معه وأطلق خصمه))، هل ينفذ أذنه ويجوز له ذلك الإطلاق؟ فقلت أنا: لا يجوز. وقال غيري: يجوز. فقلت: الإطلاق للمحبوس حكم منه فلا يجوز في غير موضع ولايته؛ كالتحليف، وسماع الدعوى. فقال حنبلي: إلا أنه بتأخير الإطلاق ظالمًا. لأن الحبس عقوبة ومع زوال سبب العقوبة لا يجوز استدامتها، بخلاف الحكم باليمين وسماع الدعوى. ولأن المغلب في الحبس حق صاحب حق؛ فإذا طلب إطلاقه لم يجز للحاكم تأخير إطلاقه. قلت: أما تسميته ظالمًا بعد الإطلاق، لا يجوز؛ لأنه لم يوجد شرط الإطلاق. وإنما يكون ظالمًا إذا وجد شرط الإطلاق ولم يطلق. ومن شرط الإطلاق أن يكون في موضع ينفذ منه الحكم بالحبس والحكم بسائر وجوه الأحكام. ومعلوم أنه متى أخر الحبس أو الاستدعاء لمن استدعى عليه خصم كان ظالمًا بشرط أن يكون في موضع ولايته، فأما في غيره فلا. وأما قولك ((المغلب في الحبس حق صاحب حق)) فليس كذلك. بدليل أنه لو كان كذلك، لملك أن يمضي ويطلقه إذا استوفى منه أو أبرأه. قال: إنما لم يملك أن يطلقه وحده، لأنه يكون افتياتًا على الحاكم. قلت: وهنا متى أطلقه في غير موضع حكمه، كان مفتاتًا على صاحب الولاية في الوضع الذي حكم بالإطلاق فيه؛ ولا يكون ظالمًا- لانتظاره حصول

стр. 177

الشرط في نفوذ حكمه، كما إذا انتظر بقوله ((حكمت بكذا)) أن يصير إلى موضع حكمه. ١٨٠ - وجرت مسألة في الصوم وهي إذا وطئ في يوم من أيام رمضان وهو صائم صحيح، ثم مرض، أو جن، أو حاضت الممكنة من نفسها. فقال حنبلي: صادف وطؤه صومًا محترمًا في زمان رمضان، فلزمته الكفارة. قيل له: ليس يكفي على هذا القدر في استدعاء الحكم حتى يصادف ما يتم صومًا بانقضاء اليوم وسلامة صفاته، وهو أن يكون صومًا متعينًا، وهو بالمرض. فبينا أن الصوم ما تعين عليه، وبالجنون والحيض علمنا أنه ما تم صومه ولا صح. فصار المحل الذي تجب بهتكه العقوبة مختلًا. واختلاله أنه صار إمساكه في أول النهار باطلًا بجنونه وخارجًا عن كونه صومًا، وكذلك بحيضها. فهو كالواطئ لأمه يختل ملك العين فيها، إما نملك الواطئ جزءًا منها مشاعًا كالثلث والربع، أو كشبهة ملك له فيها، كأمة ابنه أو مكاتبه، فإنه تسقط عقوبة الجماع، وهي الحد. كذلك الكفارة عقوبة تسقط بالشبهة، وقد اختل محل سببها بما ذكرنا. يبين صحة هذا أن ههنا الإخلال أكد أن ملك العين مع العين يسمى ملكًا، ولا يسمى الإمساك في بعض يوم صومًا مع فساد باقيه بالحيض أو الجنون.

стр. 178

١٨١ - استدل حنفي على أنه لا يجوز دعوى العموم في المضمرات بأن الله سح حيث قال ﴿الحج أشهر معلومات﴾، فقال قوم: تقديره (إحرام الحج في أشهر معلومات)، )) وقال قوم ((أفعال الحج في أشهر معلومات، )) صار التفسيران مضمرين. فلو قال قائل: أنا أحمل الأمر عليهما، قيل له: الضرورة داعية إلى الإضمار؛ لأن الحج عبادة والأشهر زمان؛ فلا يجوز أن يكون الزمان عبادة، بل العبادة في زمان. فاحتجنا أن نضمر شيئًا يكون في الشهر. فلا حاجة بنا إلى إضمار شيئين. فلذلك لم يجز دعوة العموم ههنا. قيل له: الحج إحرام وأفعال. فإذا أضمرهما صار كأنه أضمر الحج في أشهر معلومات، الذي هو مجموع إحرام وأفعال. ولو صرح فقال ((الحج الذي هو إحرام وأفعال أشهر معلومات)) كان كلامًا صحيحًا؛ كذلك إذا أضمرهما جميعًا. قال: ليس هذا كلامًا صحيحًا. لأن الحج، وإن كان مجموع إحرام وأفعال، فما ذهب ذاهب إلى أن أفعاله وإحرامه جميعًا مراده بالآية. بل إضمار كل واحد منهما لمذهب خاص لا يضمر الآخر. فأما أن جعلت الأمرين جميعًا حجًا وأضمرته، كان إضمارًا واحدًا، هو الحج؛ فلا يكون عمومًا.

стр. 179

١٨٢ - شذرة في تخليل الخمر قال حنبلي: الخل، إذا لاقى الخمر، نجس. فإذا زالت الخمرية، بقي نجاسة الخل. قال له حنبلي آخر مقررًا لمذهب أبي حنيفة: معلوم أن الخل، إذا نجس بالملاقاة، كان ذلك. وعندك أن الخل قد يدفع النجاسة، حال الكثرة، عن نفسه. فكان، من قود قولك، أنه إذا لاقت قلتان من الخل الخمر، أن لا ينجس؛ فإذا زالت الشدة به بقي خلًا، لا علة لنجاسته؛ فكان على أصل طهارته؛ والخمر زالت علة نجاسته، وهي الشدة. وإنما يقول هذا من يجعل الخل ينجس بنفس الملاقاة. فلا يكون زوال الشدة مانعًا من بقاء الخل نجسًا. كما إذا نجس بملاقاة عظم الخنزير، ثم أزيل عنه، فإنه ليبقى نجسًا وإن زال ملاقيه. كذلك أكثر ما في زوال الشدة زوال علة نجاسة الملاقي. والملاقاة قد سبقت؛ فيجوز أن تتخلف النجاسة في الخل، وإن زالت علة نجاسة الملاقي؛ كما تتخلف نجاسته مع زال عظم الخنزير. فأما وأنت تقول على الرواية التي يدفع الخل النجاسة بكثرته، فينبغي أن لا تتخلف نجاسة في الخل؛ لأنه لم يوجد أكثر من الملاقاة. وإلا فالشدة ما حصلت فيه ولا انتقلت إليه، بل زالت عنه وعن الخمر الملاقية له. فعاد الخمر إلى طهارة أصله،

стр. 180

وهو العصير، وبقي الخل على طهارة أصله حيث لم يتغير بشدة ولا غيرها. فصار كالماء، إذا انفصل عن النجاسة التي لاقته، غير متغير. مثل أن لاقاه عظم خنزير أو نجاسة لم تظهر عليه صفة من صفاتها. قال الحنبلي: فأنا لا أنصر تلك الرواية ولا أذهب إليها. وإنما علقت الكلام لأنه يجيء على من نصر تلك الرواية مليحًا، يبين أنه لا تنتصب له هذه الطريقة في مسألة تخليل الخمر. ١٨٣ - استدل شافعي في مسألة المكره على القتل بأنه إكراه لا يبيح القتل، فلا يسقط القود عن المكره؛ كالإكراه بالتهدد بإتلاف المال. قيل: قد يجوز أن يضعف المعنى عن تحصيل الإباحة ولا يقصر عن إسقاط القود، كالأبوة والملك والإسلام, فإن هذه الثلاثة تنتصب لإسقاط القود ولا يحصل بها الإباحة؛ ولأن المأثم قد يحصل مع نوع قصور في السبب الموجب للقتل؛ ولا يجب القود مع خلل وقصور في السبب. بدليل أن العصا، مع القصد للفعل، لما قصرت عن أن تقتل مثلها، لم يجب القود، وحصل المأثم. والعصا آلة الفعل. والعمدية ههنا علة إيجاب القود. قال النبي صلعم: العمد قود كله- يعني موجب للقود. وإذا ثبت أن العمدية هي العلة، ففيها قصور؛ لأن من جرد عليه السيف، وهدد بسفك

стр. 181

دمه، لا يقصد إلا دفع الشر عن نفسه. وشاهد الحال يدل على أنه ما قصد قتل من أكره على قتله، بل لو أمكنه الترك لترك. وإذا كان قصده لم يكتمل ويكمل في القتل، فالعمد هو القصد. قال المستدل: ليس في عمد القتل خلل، لأنه قصد دفع الشر عن نفسه بقتله لمن أكره على قتله. قيل له: كونه كارهًا لقتل من أكره على قتله ظاهر؛ لأنه يتألم ويجد في نفسه من ألم الفعل ما يستدل به على كراهيته. ويحسن نفي إرادته فيقول: ((والله ما أردت، لكن حملت وجبرت)). فلا أظهر من هذا الخلل؛ لأن الكراهة إن لم تزل القصد وتفقد هو تعدمه، فلا أقل من أن تعدم كماله وتمامه، وهو تقصيره وخلله. وذلك كافٍ في إسقاط ما يسقط بالشبهة. ١٨٤ - شذرة في مسألة النكاح الموقوف قال الشافعي: عقد أوقعه على الملك العين من غير ولاية ولا استنابة، فلم يقف على الإجازة، أو فلم يصح. قيل له: هو وإن كان على ملك العين، إلا أنه ملك صالح للعقد عليه. فأهلية العقد في العاقد والمعقود معه والمعقود عليه موجودة. فلم يمنع وقوفه على أذن يوجد في الثاني يستند إليه؟

стр. 182

قال الشافعي: لأن الإذن شرط، والشرط في النكاح لا يجوز تأخيرها عنه؛ كعدم العدة ... والإحرام والخلو من نكاح رابعة. قيل له: ولم جعلت هذا الإذن من شروط الصحة والشروط على ضربين: شرط للزومه، وشرط لصحته؟ فما أنكرت أن يكون هذا من شروط لزومه، فلا يمانع تقدم صحته؟ قال: النكاح لا يقع إلا لازمًا. قيل: ليس كذلك لا النكاح ولا البيع. أما البيع فإنه يقف على الخيار الشرطي والشرعي، وهو خيار العيب والمجلس. والنكاح خيار العيب، فكيف تدعي أنه لا يقع جائزًا؟ قال: أدل على أنه من شروط الصحة أنه لا يتعقبه بحسبه شيء من خصائصه. قيل له: يتعقبه يحسبه جميع خصائصه موقوفة. ولأنه إنما لم يستبح خصائصه فعلًا كيلا يسقط حق الرجوع. ومثل ذلك في البيع المشروط فيه الخيار. فإنه لا يتعقبه التصرف، ومع ذلك فهو صحيح. قيل له: قد تعقبه الملك، وههنا بخلافه.

стр. 183

١٨٥ - قال حنبلي في مسألة إقرار أحد الأخوين بثالث أقر بحق له وحق عليه؛ فإذا لم يثبت الحق الذي له، ثبت الحق الذي عليه؛ وهو المقاسمة له بما في يده من المال. قيل له: لم يقر إلا بالنسب؛ لأنه قال ((هذا أخي)). ومعلومة أنه لم يثبت كونه ابنًا لأبيه، فكيف يثبت كونه أخًا له؟ وإذا لم يثبت فلا وجه لثبوت المشاركة. وهل المشاركة إلا فرعًا لثبوت النسب؟ قال: إنما لم يثبت النسب لكونه إثبات حق على غيره. وهو واحد لا تثبت به الحقوق، ولا يتم قوله في إثباتها. فأما المشاركة فيجوز أن تثبت؛ لأن ما ذكره ليس بمحال، بل هو مجوز كونه. والمال مما يستحق بالإقرار. فهو كما لو ادعى أنه باع الشقص من غيره وقبل البيع فأنكر المدعى عليه، لا يثبت البيع مع الإنكار بمجرد دعواه، وتثبت شفعة الشريك وإن كانت الشفعة فرعًا للابتياع. ١٨٦ - قال القاضي أبو زيد في ضمان المنافع: لما لم تتحقق المماثلة بين المنافع والأعيان من جهة أن المنافع لا تبقى والاعيان ثابتة، وجب على القاضي أن لا يقضي بالتغريم بل بتأخير الحق إلى الآخرة. ولهذا ما لا تتحقق المماثلة

стр. 184

فيه يسقط فيه رأسًا؛ كالضرب والشم لا يمكن مماثلته، فيتعذر المماثلة بتأخير الاستيفاء إلى الأخرة. لأن الله سح يقدر على وزن حقه ومواراته، والقاضي لا يجد للشتم مثلًا يسيغه الشرع. فلا جرم يسقط ضمانه إسقاط ما لا وزن له ولا ضمان. قال: فإن قيل: المظلوم يجب الانتصاف له والنظر بخلاف الظالم، قيل: إلا أن ما وراء ظلمه لا يجوز التحيف فيه، ولا إسقاط حقه؛ وأخذ الثابت من الأعيان في مقابلة التالف تحيف له. قال: فإن قيل: يجبر نقص المنافع بكثرة أجزائها. فإن منافع شهر أكثر من دينار، وثبات دينار أكثر من ثبات منافع شهر. فقابلنا الكثرة بالثبات، فانجبر نقص المنافع بكثرتها. قيل: الكثرة لا عبرة بها مع تفاوت ما بين الذاتين. ككثرة الحبات وأعدادها في أحد الكرين. بل لو أتلف كرًا رزينًا فأخذ في مقابلته كرًا خفيفًا كثير الحب، كان كثرة الحب ملغي مع حراسة التساوي في الذاتين؛ ولا يساوي بين الأعيان والمنافع. فبطل أن تكون الكثرة جابرة، كما لا تجبر كثرة الحب نقصان الكيل والوزن. ولهذا حرم الشرع الربا في الجنس لتساوي أنواع الجنس؛ ولم يحرمه

стр. 185

في الجنس لتفاوت ما بين الذاتين، وإن كانت زيادة الوزن والكيل هي الربا؛ لكن لم تكن في عين الجنس ربا، وكانت في الجنس ربا. ١٨٧ - وقال في القطع والغرم لأصحاب الشافعي: إن الضمان لإتلاف الأموال لعصمة المال بمالكه. وما زالت عصمة المالك بوجوب القطع. بل وجوب القطع للعصمة وتأكيدها. فكيف يسقط ما وضع للعصمة؟ قال: صار الحق لله سح حيث جعل القطع واجبًا، وهو أكبر في العصمة من التضمين. فصار كالقود وجب بدلًا للنفس، هو أكبر من الدية. فلا تثبت الدية مع العصمة به. كذلك ههنا. ١٨٨ - فصل جرى في الحج هل هو مالي أو بدني فقال فقيه: هو مؤدي بالبدن. وأركانه كلها بدنيه. والمال متسبب به، فلا يترك نفس الأركان البدنية؛ فلا يضاف إليها ويعدل إلى المتسبب به، وهو المال، فيقال مالي؛ كما لا يقال ذلك في الطهارة والصلاة التي لا تنفك عن ثمن ماء واستتار بثوب. فقال فقيه يرد عليه ذلك ويقول بأن الحج مالي لا بدني، بدليل أن بدن المغصوب والميت لا يصلح للإيجاب ولا الفعل، ولوجود مال يؤدى

стр. 186

به وجب عند قوم وصح عند آخرين: مع أن قولك المال متسبب به غلط، لأنه جعل أصل وجوبه لوجود المال. وإنما يحسن أن يقول هذا مالكي، حيث أوجبه بمجرد وجود البدن. فأما أصحاب أبي حنيفة وأحمد والشافعي فقد اتفقوا أن شرط المال شرط للوجوب، لا لإمكان أداء ولا غيره، دل على أنه مالي حيث وجب على البدن لأجل المال وتأدية البدن، لا يدل على أنه بدني كالزكاة. فإن إعطاء الزكاة فعن البدن، والنية لإخراجها فعل جارحة من جوارح البدن. لكن لا نقول الزكاة بدنية حيث وجب الإخراج والنية لأجل المال. فأضفنا الزكاة إلى ما وجبت لأجله وهو المال، لا إلى ماأخرجت به وهو البدن. ولو غلبن فيها البدن، لسقطت عند تعذر الفعل به. فلما غلب الإيجاب لوجود المال حتى جعلنا بدن النائب كبدن المالك في الداء وألغينا عجزه عن أن يؤثر في إسقاطها، دل على أن الصحيح ما ذكرنا. ١٨٩ - قال القاضي أبوزيد في الاستجمار: ليس أصله المسح، وإنما هو موضوع للإزالة؛ ولهذا. الغسل هو الأصل فيه، وهو أفضل من التجفيف ويخالف هذا مسح الرأس. لأن الأصل فيه المسح. ولهذا لا يقوم الغسل مقامه، بل الغسل ينقضبه الفضل. والتكرار ربما جعله غسلًا، والغسل مكروه، والتكرار يؤكد الإزالة.

стр. 187

١٩٠ - وذكر احترازًا مليحًا في الدم إذا لم يسل، فقال: ذاك لا يقال خارج؛ لكنه ظاهر، وظهور الشيء لا يكون خروجًا. كمن فتح باب داره الذي يستره، يظهر للعيون، يقال ((ظاهر)) ولا يقال ((خارج)). وكذلك إذا نقض عليه أحد حيطان الدار. فكذلك الدم في العرق إذا فتح العرق وظهرت حمرة الدم؛ ولا يقال ((خارج)) إلا إذا انتقل من محله؛ ولو انتقل لسال؛ لأن من طبعه السيلان. ١٩١ - وذكر أيضًا أن الريح لا توجب الاستنجاء. لأن الرائحة، وإن كانت دالة على أجسام لطيفة، إلا أنها تابعة مخرجة لا خارجة. وغسل المحل لا يجب إلا عن خارج. ولهذا إذا كان الدم يسيرًا في أثناء بصاق أو مخاط، لا يوجب غسل المحل، لأنه مخرج؛ لأنه تبع البصاق والمخاط. ولو كان هو الأكثر، وجب؛ لأنه خارج. ١٩٢ - وقال: الغسل في الرأس محرم. فالتكرار يقرب إلى المحرم؛ وما قرب إلى المحرم مكروه. كقبلة الصائم، لما قربت من الجماع، وهو محظور في الصوم، صارت مكروهة. وفارق الاستجمار؛ يستحب تكراره لأنه يؤدي إلى المقصود، وهو الإزالة. فالتكرار مستحب لتقريبه من المستحب والأفضل.

стр. 188

١٩٣ - وقال أيضًا: قد ينعقد السبب سببًا وإن امتنع حكمه لمانع. وله شواهد من الأصول. من ذلك التضمين في الغضب سبب، عند أبي حنيفة، للملك؛ ولكنه امتنع من المدبر إذا غصبه فأبق، ضمنه ولم يملكه. فلم يمتنع الحكم الذي هو ملكه بالتضمين؛ لأجل أن السبب ما تم، لكن لعارض منع الحكم، وهو حق المدبر من العتق. وكالبيع بشرط الخيار، البيع سبب للملك، لكن الخيار اعترض، فامتنع الحكم لأجله. قال: وكذلك إذا باع عبدًا قنًا ومدبرًا بثمن. فإنه يأخذ العبد بحصته من الثمن بحسب القيمة؛ ولو لم يكن العقد قد وقع عليهما، لما جاز أن يصح العقد على القن؛ كما لو عقد عليه بحسب قيمته من الثمن. ١٩٤ - وذكر في قولهم ((مسح الرأس ركن في الطهارة فسن تثليثة كالمغسولات)) فقال: نقول بموجب؛ لأن الغرض عندنا الربع والاستيعاب للثلاثة أرباع سنة. فقد سن تثليثه. ١٩٥ - وقال على قول الشافعي في شهادة النساء على النكاح ((ليس بمال)): هذا نفي، والنفي ليس بشيء؛ فلا يوجب ما ليس بشيء حكمًا.

стр. 189

١٩٦ - قال علي بن الحسين عم: لدرهم أدخل به السوق أشتري به لحمًا أدعو عليه إخواني أحب إلي من أن أعتق نسمة. ١٩٧ - وقال النبي صلعم: أهون الناس عذابًا عند الله عبد الله بن جدعان، لأنه كان يطعم الطعام. ١٩٨ - وعن الحسين بن علي عم أنه قال: لئن أطعم أخًا لي مسلمًا أحب إلى من أن أعتق أفقًا من الناس. قيل: وكم الأفق؟ قال: عشرة آلاف. ١٩٩ - وقال: أحب الأعمال إلى الله إدخال السرور على المسلم أو إشباع جوعته أو تنفيس كربته. ٢٠٠ - قال القاضي الدبوسي: الوصف لا يكون مؤثرًا؛ لأن الوصف قول القائل. وليس قول يوجب الحكم بمجرده إلا قول من قوله حجة، وهو قول صاحب الشريعة.

стр. 190

٢٠١ - قال القاضي أبو زيد: الإيجاب من الله سح جبر لا يقف على الرجاء من المكلف، ولا على القدرة على الأداء. بدليل الحائض والنائم، لما كانا من أهل الالتزام في الذمة، لزمهما التكليف وتأخر الأداء إلى حين الإمكان. فقد بان بهذا أن تكليف الله للعبد وإيجابه عليه لا يقف على محل يصح منه الأداء حال التكليف، بل يجوز أن يسبق الخطاب والإيجاب وإن تراخى الأداء إلى حين تجديد حال تصلح للإمكان. وهذا يصلح لنا في إيجاب الصلاة والزكاة واستقرارهما. ولا يعتبر الإمكان بمضي زمان يمكن الفعل فيه، ويجعل مستقبل الزمان لإمكان الفعل والإيجاب والاستقرار سابق للإمكان بمجرد وجود ذمة المكلف صالحة للإلزام. ولهذا صح أن يكون من أهل الالتزام بالنذر في حال لا يصح فعله؛ كالحائض تنذر الصوم، والمعسر ينذر الصدقة بالمال. ٢٠٢ - وحكى القاضي أبو زيد لأصحاب الشافعي في أن العلة الطعم. وذلك أنه نوع معاملة تعلق جوازها بشرط زائد، وهي المماثلة في المعيار الشرعي. فوجب أن يكون ذلك الشرط معلولًا، بمعنى أنه أثر وحظر في المحل، كالنكاح. وبيان ذلك الشرط في النكاح الشهادة. والمعنى له حظر وأثر حفظ نشوء

стр. 191

العالم. والطعم به حفظ الموجودين. وهو قوام العالم. فأحدهما للإنشاء والخلق، والثاني لقيام الأود وحفظ الجسد. فأجاب بأن هذا يعطي ضد ما وضعت الليل لأجله؛ لأن الحظر في النفس للطعم لحاجة كل حي إليه، والحاجة انتصبته في الشرع علة لتحصيل الإباحة، لا للحظر. فهذا فساد وضع. ٢٠٣ - شذرة ذكرها القاضي أبو زيد في الثمن وأنه لا يتعين فقال: وضعية الثمن إيجادًا بالعقد وإيجابًا في الذمة. كما أن وضعية المثمن على أنه عين معينة. إلا أن في السلم صار المثمن دينًا. والثمن معتبر القبض لأجل الضرورة. وليس الثمن ما يثبت في الذمة للضرورة. بدليل أن من دراهمه حاضرة كثيرة يشتري في ذمته، وبعد ثبوت الثمن في الذمة لا يحصل له حكم الدين من المثمن؛ حتى إن المسلم فيه يصير دينًا لا يجوز تصرفه إلى غيره. والثمن في الذمة يجوز صرفه إلى غيره. فيكون له في ذمة إنسان ثمنًا، مائة درهم مثلاً ما، فيعاوضه عنها قبل القبض بعشرة دنانير. ولا يجوز مثل ذلك في المسلم فيه وإن كان دينًا. فعلم أن محل الثمن هو الذمة في أصل الوضع؛ ولا يجوز إخراجها عن وضعها بتعيين المكلف.

стр. 192

٢٠٤ - وذكر أيضًا في تعليق حرمة المصاهرة على الزنا لأصحاب الشافعي أن الزنا عدوان محض، ولهذا أوجب الحد. والنكاح مباح محض، ولهذا يحمد عليه. وتحريم المصاهرة كرامة ترتيب على النكاح، فكيف يتعلق بما هو عدوان؟ فأجاب بأن الزنا، من حيث هو عدوان، لا يتعلق عليه تحريم المصاهرة، بل وجوبالعقوبة، وهو اقتضاء شهوة الفرج. ومن حيث هو حرث للنسل تعلق عليه حرمة المصاهرة. وهذا الحرث يحصل بالوطء وإن لم يقصده الزاني. فحيث لم ينفك الحرث من قضاء شهوة الفرج، لا جرم تعلق تحريم المصاهرة على الحرث، وتعلق الحد بقضاء وطر الفرج. ٢٠٥ - وجرى في أثناء كلام يتعلق ب مسألة الفسخ بإفلاس المشتري بالثمن فقال: يقول أصحاب الشافعي ((تعذر أحد العوضين يوجب الفسخ لتعذر التسليم في المبيع بتلفه)) فقال: على ذلك محينا التعذر لتسليم المبيع بمنع انعقاد البيع. والقدرة على دفع الثمن ليس بشرط. فلم يعتبر ما القدرة عليه شرط في صحة العقد مما ليس القدرة عليه شرط في صحة العقد.

стр. 193

٢٠٦ - وقال القاضي الدبوسي، قيما نقلت من كتابه حين قرأه على الشيخ أبو عمرو الفقيه، في مسألة التملك بتضمين الغصب للغاصب: قال أصحاب الشافعي ((الغصب عدوان محض فلا تملك به)). فأجاب بأن استيلاد أمة ابنه والأمة المشتركة عدوان محض وتملك به. قال: فإن قالوا ((ذاك لنوع شبة في الملك)) قيل: والتضمين سبب للملك لأنه لما ملك عليه القيمة ملك المقوم. وبعضهم يقول ((الملك حصل بالاستيلاد وليس بعدوان)). فقال: ومثله الملك عندهم يحصل بالتضمين وليس بعدوان. إنما التضمين حكم الشرع، كما أن العلوق فعل صاحب الشرع سح. ٢٠٧ - فصل في نسخ الحكم قبل وقت فعله قال معتزلي في مجلس حضرناه للنظر بحضرة القاضي الأجل أبي جعفر البخاري: هذا يؤدي إلى البداء، ويعرض المكلف باعتقاد الجهل، ويقتضي أن يأمر بفعل يقتضي بالأمر أن يكون حسنًا، وينهي عنه فيقضي أن يكون قبيحًا. قال: وفارق هذا إذا أمر به، ثم فعل، فنهى عن فعله دفعة أخرى. لأنه لا يمتنع أن يكون حسنًا في الوقت الذي أمر به ففعل، ويصير

стр. 194

قبيحًا بحكم أنه مفسدة في وقت آخر. فأما أن يأمر به، فقبل أن يفعل ينهي عنه فيصير قبيحًا، فمحال. قيل له: لا يمتنع أن يكون الأمر به لاختيار المكلف وحصول إضمار الطاعة له بتحصيل الاعتقاد للإيجاب والعزم على الفعل عند مجيء الوقت. وذلك كله طاعة. ولهذا قال الله تع لإبراهيم بعزمه وتصميمه على ذبح ابنه: ﴿قد صدقت الرؤيا﴾. وأما اعتقاد الجهل لنوع مصلحة، فلا يمتنع؛ لأن الجهل إنما هو قبيح لا لنفسه. فهو كالكذب قبيح، لكن يحسن لدفع ما هو أقبح منه. كمن سأل عن نبي ليقتله. فإن القائل ((ها هوفي البيت)) صادق؛ لكن الصدق حسن إلا في هذا الموضع. وقوله ((ليس هو [في البيت])) مع كونه في البيت كذب؛ لكن الكذبقبيح إلا لدفع ما هو أقبح منه، وهو قتل النبي، فكذلك الجهل قبيح؛ لكنه إذا حصل به طاعة الله، واندفعت به معصيته، وصمم معه على عزم الطاعة، صار حسنًا، لتحصيل ما يوفي على قبح الجهل. على أن الله سح إذا أمر بصلاة موقتة، وأمات المكلف لها قبل وفيها، فإنه كان يعتقد الفعل والحياة إلى وقت الفعل؛ ولما قطع عنه، بإن أنه اعتقد جهلًا؛ لكنه كان حسنًا لإثابته على إضمار الطاعة، واعتقاد وجوبها، والعزم على فعلها.

стр. 195

٢٠٨ - قال القاضي أبو زيد: ومتى كان أحد وصفي القياس علة ذاتية في جلب الحكم، كان الوصف الآخر لغوًا. وهذا مثل قول من قال في مس الذكر، وأنه ينقض الوضوء لأنه مس ذكره، فأشبه لو مسه وبال. فإن البول لما كان علة للنقض كافية، لم يجز أن يعلق الحكم على وصف معها. قال: المعلل لالنفي، مثل قوله ((ليس بمال)) و ((وليس بكذا)) فهذا تعليل بنفي، فلا يصح؛ لأنه ليس بشيء في نفسه. قيل له: أليس محمد صاحبكم - أعني ابن الحسن - قال في العنبر ((ليس مما أوجف عليه بخيل ولا ركاب فلا يخمس))، وقال في ولد المغصوبة ((ليس بمغصوب))، فاستدل بالنفي؟ فقال: إن محمدًا أخرج ذلك مخرج الدلالة، ويجوز أن يستدل على نفي الشيء بنفي شواهده؛ كقول القائل ((ليس زيد في الدار، لأنه لا دابة على الباب))؛ و ((لا مطر، لأنه ليس على الأرض بلل))؛ إلى ما شاكل ذلك. كذلك يقال: ((إذا لم ينفذ الطلاق المكلف، دل على أنه لا عقد))؛ و ((إذالم يوجف على العنبر بخيل، فليس بغنيمة)). فأما التعليل بالنفي، فلا يجوز. وقال أيضًا بأن السبب يأخذ تارة حكم العلة في تحصيل الحكم،

стр. 196

وتارة يأخذ حكم الشرط. فأما العلة فإنها موجبة. وشبه السبب بالطريق، والعلة بالمشي. فالطريق سبب من حيث كان موصلًا إلى الغرض، كالحبل؛ والمشي هو العلة لأن به حصل الوصول حقيقة. فهو بين الشرط والعلة، وهو إلى العلة أميل في بعض الأحكام. قال: والعلة ما حل المحل بغير اختيار، فغيره. منه سموا المرض علة، لأنه حل المحل فتغير به. ولهذا سموا الشرب عللًا، فقالوا ((سقيته عللًا بعد نهل)). قال: ولهذا سميت المرأة علة لكثرة الحوادث المختلفة فيها، كالحيض والنفاس والولادة؛ والكلام معلل ومعتل إذا كان يعتريه التغيير. وقال: إن العلل الشرعية إنماهيعللبفعل الفاعل لا بذاتها، حتى لا يكون شركًا مع الله. وهذا الكلام منه يعطي أيضًا في العقليات أنها غير موجبة بذاتها؛ لأن النار لا تحرق بطبعها، لكن بفعل الله سح الإحراق فيها؛ لأن هذه الأشياء أعلام، والله الفاعل حقيقة. ولو جعلناها فاعلة حقيقة، لكان الله سح علمًا، وهي الفاعلة. ومعاذ الله أن نقول ذلك! وهذا يدل على أن الرجل لم يكن قدريًا. قال: ولا يجوز أن نجعل العلل موجبة، لأنه شرك؛ وإنما نجعلها موجبة بفعل الله فيها أعلامًا على الأحكام في أنفسها. واستشهد على ذلك بالأجزية من الحدود والتعزيز والقصاص وثواب الجنة وعذاب النار؛ لا يقول وجب بفعل العبد، ولا أوجبه العبد، بل الله سح أوجب الثواب.

стр. 197

وفعل العبد مستحق به الجزاء؛ فالفعل يوجب الجزاء بمعنى أنه يستحق به. وفعل الله سح أوجبه بمعنى فعله وخلقه وأصار إليه. فالباري موجب من حيث أنه فاعل؛ والعبد مستوجب من حيث أنهاستحق من الله العقاب وسائر الأجزية. ٢٠٩ - فصل كلامي على جاحدي النبوات إن جاء الحكماء بما واطأ العقل، كقول القائل منهم للتلاميذ استثارة للرحمة والرأفة: ((يا هؤلاء! لا تجعلوا بطونكم مقابر الحيوان! ألا تستحون؟ هذا الحيوان البهيم أسير في أيديكم، يحب الحياةكما تحبون، ويؤلمه من الحديد والحجر والخشب ما منه تألمون، وأنتم عليه متسلطون! )) فقد قابل ذلك ما جاءت به الرسل مما أبهر العقل من الأمور الخارقة. وليس حكمة المخلوق بأكثر من حكمة الخالق. والحكيم سح قد آلم الحيوان البهيم ولم يطعن ذلك عند الحكماء في حكمته. فتشريعه لإيلام الحيوان لا يكون طاعنًا في حكمته؛ لأن التعليلي لإماتة الحيوان بحكمة إما ظاهرة أو باطنة؛ وكذلك تشريع ذبحه. فإذا لم يطعن في الحكمة عندكم إماتة الحيوان يفعله، لم يطعن في الشرع عندنا تشريع قتل الحيوان وذبحه.

стр. 198

٢١٠ - مسألة جرت في مجلس بباب المراتب سئل حنبلي عن الأعذار المعلومة هل يفسخ بها عقد الإجارة. فقال: المحل متهيئ ممكن. فقال حنفي فاضل قدم من بخارى: ولم اكتفيت في لزوم العقد بإمكان المحل وتهيئه للانتفاع؟ قال الحنبلي: هذا العقد في الأصل مما لا يقتضيه القياس، لأنه على معدوم. والمعدوم ليس بشيء فتقابله الأعواض، ولا يقدر على تسليمه. وإنما يوجد، فيعدم عقيب الوجود. وإنما سوغ الشرع العقد عليه لأجل الحاجة من جانبي المتعاقدين؛ لأن لأرباب الأموال أعيان لا تتسع جاتهم إلى منافعها، وبهم حاجة إلى العوض عنها، فيوجدونها. ومن لا قدرة له على شرى الأعيان يحتاج إلى الكري. فإذا كان كذلك، وكان المحل متهيئًا للانتفاع، فقد وجد ما عقد لأجله العقد، وهو تمكين المحل من الإيجاد للمنافع التي وقعت الحاجة إليها. قيل له: فقد عدمت الحاجة في جانب المستأجر، حيث تجدد عذره المانع له من الاستيفاء وأغناه عن ملك المنفعة، فزال الشرط الذي لأجله جوز العقد. قال الحنبلي: ليس العقد موضوعًا لحاجة تخص. لكنه في الأصل

стр. 199

مجوز لحاجة تعم. وبالعذر تجدد غناء يخص، فلا يؤثر في الحاجة العامة التي وضع لأجلها العقد. قيل له: لا يجوز أن تكون الإباحة في حق غني لا يوجد في حقه؛ لأن حاجة غيري لا توجب الإباحة في حقي لما وضعت إباحته لأجل الحاجة. قال الحنبلي: ليست العلة حاجة تخص، بل حاجة تعم. يبين صحة هذا أن من يملك ألف خان، وإن كان غنيًا، فما يملكه من منافع الأعيان مراعاة للحاجة العامة. ولو كان الاعتبار بما يخص من الحاجة، لما ساغ له العقد من الغنى الذي يخصه. ألا ترى أن الإباحة لأجل الضرورة، لو كانت عمت في بادية أو برية، أباحت الميتة في حق كل المضطرين؟ فلو نذر واحد من أهل البادية بالغنى عن أكلها، لما أبيح له الأكل لضرورة غيره. ولما جاز ههنا للغني عن المنافع أن يكتري ويستأجر مع غنى يخصه دل على أنه ما أباحه ذلك إلا للحاجة العامة التي ذكرناها. وهذا يشير الأصول كلها، المعاوضات والعبادات. فإن عقد السلم أبيح على المعدوم لحاجة أهل الثمار إلى الثمن وحاجة أهل الثمن إلى استرخاص الثمر. ثم يجوز ذلك في حق الأغنياء بالأثمان أن يسلفوا على ثمارهم، ولأهل الثمار أن يسلموا في ثمار غيرهم. وكذلك رخصة السفر تعم المتودع والمتبذل مراعاةً

стр. 200

للكل دون الجزء. وكذلك سائر المصالح الجزئيات بقطع اليد بسرقة ربع دينار أو دينار لحراسة سائر الأموال. قال الحنبلي أيضًا: ولأن العقد في الأصل وضع للحاجة، ثم بعد انعقاده لم يوقف الانتفاع على المحتاج، ولا على تصرف الحاجة وهو الانتفاع؛ بل يجوز لغيره الانتفاع به استنابة أو إعارة إجارة. ويجوز فيه طلب المرابحة، كما يجوز في الأعيان الموجودة. وليس هذا من صفات ما يقف على الحاجة الخاصة. ألا ترى أن عقد النكاح، لما عقد عليه لأجل الحاجة إلى النشوء والانتفاع الذي لا يمكن إلا في الملك، وقف على الزوج، ولم تدخله عقود المرابحات ولا دخله التجارات. وكذلك الفرض، لما أمر [به] لأجل الحاجة لم تدخله الأرباح. فلما جعل هذا بعد انعقاده تراعى فيه الحاجة الأصلية التي لأجلها وضع العقد، وهي الحاجة العامة، يجب أن لا يراعي في ثبوت نسخة زوال الحاجة الخاصة، سيما في حال استدامته بعد انعقاده. قال: فإذا ثبت هذا، فأكثر ما أوجب العذر غناؤه بنفسه عن الاستيفاء بنفسه. وذلك ليس بأكثر ممن استأجر ليربح في المنافع بإجارتها بأكثر مما استأجرها، أو ليبذلها لغيره طلبًا للمنة بإعارتها والتبرع بها. وإذا كان الأمر على هذه الصفة، فلا حاجة بنا إلى إثبات الفسخ مع كون المنافع

стр. 201

مملوكة، والمحل باذل ممكن متهيئ، والاستيفاء بغيره ممكن، والمعاوضة صائرة. فإذا أخلدنا إلى الفسخ، أخلدنا إلى الخروج من العقد بما لا يكون مثله موجبًا للفسخ. قال: ولأنك إن راعيت جانب المستأجر حيث تعذر عليه، راعينا جانب المؤجر حيث لم يتعذر منه الإيفاء. والمراعى جانب المؤجر في إمكان التسليم. لا جانب المستأجر في تعذر التسليم. كالبيع ما دام المبيع على صفة يمكن تسليمه وهو سليم، فلا يفسخ لأجل تعذر التسليم؛ سيما في طعام اشتراه إنسان ليأكله، فاعتل ومرض، فإنه لما كان الطعام على صفة المالية والتسليم، لم يفسخ العقد لأجل تعذر التسليم المبيع لا بفسخ العقد. ٢١١ - شذرة في مسئلة آلة اللهو قال شافعي: لو خلع الملاهي وقلع الأوتار صار الباقي مضمونًا. فدل على أن فيها مالية ظهرت بالضمان بعد تفكيكيها. فوجب أن يضمن بإتلاف التأليف والأعيان معًا. بدليل أن كل غير مضمون لا فرق بين جمع الإتلاف فيه وتفريقه، كالخمر والميتة والدم. وكل مضمون لا فرق بين إتلافه ضربة واحدة وبين تفريق إتلاف أجزائه. قال له حنبلي: اعتبار الجمع بالتفريق فاسد. لأن التفريق يجعل الباقي بعد تقديم التفكيك مالًا مخلصًا من اللهو. وإذا أتلفه ضربة واحدة، لم يتخلص المال عن الصفة التي توجب كون الذات آلة للهو، وفرق

стр. 202

بينهما. بدليل أن من دبغ جلد الإنسان، فأزال الرطوبة عنه، بقي الجلد مالًا؛ فلو أتلفه، ضمنه؛ ولو أتلفه وهو ميت، لم يضمنه؛ لأنه لم يتخلص عنه ما أخرجه عن حيز المالية. وكذلك لو خلط الماء النجس حتى كثر وزال تغييره، وأتلفه، ضمنه؛ ولو أتلفه ابتداءً لم يضمنه. وكذلك الخمر إذا أتلفها فانتقلت خلًا وأتلفها، ضمنها، ولو أتلفها ابتداءً لم يضمن. ولو باعها على ما هي عليه، لم يصح البيع، ولو فككها وباع، صح البيع. قال الشافعي: هي آلة للهو بتأليف مميز عن المالية. فهو أشبه شبهًا بالجارية المغنية. فإن الغناء، لما كان صفة فيها، لم يمنع بيعها ساذجة وضمانها ساذجة. وكذا أقول إن بيعها لأجل التأليف بثمن يوازي التأليف لا يصح. وبيعها بثمن يوازي أعيانها ساذجة يصح. وكذلك إتلافها تضمن به ساذجة. وإذا كان في هذه العين مالية فارق مسائل الاستشهاد. فإن الخمر كلها ليست مالًا، بل عينها محرمة نجسة؛ فلذلك لم تضمن؛ لأن الضمان إنما يقابل مالية، ولا مالية في الخمر. وكذلك الجلد؛ وإنما إذا استحال انقلبت العين فضمنت. والخل عين أخرى. قال الشافعي أيضًا: ولأن إتلاف آلة اللهو إنما هو حسبه وإنكار. ومهما أمكننا دفع المنكر بالأسهل، فدفعناه بالأشد، ضمنًا. بدليل من صال على أنسان، وأمكنه أن يدفعه عن نفسه بالأسهل فدفعه بالأشد، كالحجر

стр. 203

والحديد، فمات، ضمنه. كذلك ههنا يمكن حل الأوتار والملاهي وإبقاء العين الصالحة لغير اللهو. فإذا عدل عن التفكيك إلى الإتلاف بالكلية، يجب أن يضمن. قال الحنبلي: ليس التأليف متميزًا عن المالية؛ لأن الصليب والوثن والطنبور لا مالية فيه عندي؛ لأن الخشب تابع للصنعة، والمقصود الصنعة والتابع لا عبرة به في باب الضمان. كالكلب فيه منفعة مقصودة، لكن عينه نجسة. والماء فيه نوع استصلاح. والجلد كذلك، ولا يضمن ما فيه من المالية. والعبد المرتد فيه مالية يكشف عنها البيع. فإن بيعه يصح، والملك عليه ثابت. والملك في حق المالك لا يثبت إلا على ما هو مال. ومع ذلك إذا أتلفه متلف، لا يضمن. وقولك ((إذا أمكنه أن يفكك فأتلف، ضمن)) باطل بالمرتد. فإن الاستتابة واجبة، وهي استصلاح. والقتل لا يملكه إلا الإمام. فلو جاء عامي من آحاد الرعايا قبل استصلاحة بالاستتابة، ترك الرفق والأسهل وقتل، لم يضمن. وقتل آحاد الرعايا قبل الاستتابة للمرتد، ومن غير استتابة من الإمام، تقدم للأصعب على الأسهل، ولا يضمن. وفارق المغنية؛ لأن الأمة لا معصية في حقها إلا فعل الغناء. فأما هي، فإنها في نفسها ذات خالية من صفة المعصية. وهذه الآلة صورتها على صورة اللهو، لا تنفك الصورة عن المادة.

стр. 204

٢١٢ - شذرة القسامة هل يسمع فيها أيمان المدعين استدل حنبلي بأن النبي صلعم، لما رفع إليه شأن الأنصاري الذي وجد تقليب خيبر، قال لهم: ((تحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ )) فقالوا له: ((كيف نحلف على ما لا نعلم؟ )) قال: ((فتبرئكم يهود بأيمانها.)) فقالوا: ((كيف نرضى يمين من لا إيمان له؟ )) قال: ((ليس لكم إلا ذلك.)) ووداه بمائة ناقة. فوجه الدلالة أنه عرض الأيمان على المدعين. ولا يعرض على قوم ما ليس بحجة في حقهم. ٢١٣ - نقلت من بعض الكتب أن غسل الوجه بالماء البارد، عقيب الخروج من الحمام، يبقي طراوة الوجه مع كبر السن. ٢١٤ - شذرة قال بعض الفقهاء: النكاح يخالف سائر العقود، بدليل تنصف العوض فيه قبل الدخول وتكميله بالموت. قال له قائل: ما خالف بكماله بالموت الإجارة؛ لأن بالموت كملت المدة وانتهت. فهو كما تستقر الأجرة وتتكمل بإنتهاء مدة الإجارة.

стр. 205

قال: إنما تكمل الأجرة بانقضاء مدة الإجارة بعد التمكين والتسليم. وفي النكاح، لو ماتت المراة في بيت أبيها وما سلمت إليه، كمل المهر؛ ولو ماتت طفلة مثلها، لا يصح تسليمه كذلك؛ بخلاف الإجارة، فهو عقد على المفارقة لسائر العقود في عوضه وشروطه كلها. ٢١٥ - شذرة فيمن دخل عليه وقت الصلاة ومعه ماء قادر على استعماله من غير أن يكون محتاجًا إليه فأهراقه وتيمم وصلى قال: يعيد؛ لأنه لما أراقه مع قدرته على استعماله، كان كالموجود في حقه؛ بمثابة من قتل موروثه، لا يرثه، ويجعل كالحي في حقه. إلا أننا أوجبنا عليه التعذر للتيمم، وبقينا الصلاة في ذمته لتعديه في حصول التعذر. ٢١٦ - قوله تع: ﴿بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق﴾. يدل ذلك على أن لنا استكبارًا بحق. وهو الاستعلاء والتعاظم على أهل البغي والكفر والظلم. فذلك استكبار بحق. ولهذا لما رأى النبي صلع رجلًا يخطر بين الصفين في مشيته، فقال: إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا المقام

стр. 206

أو المكان. وكان من أسماء الله ((المتكبر)) اسم مدحة؛ لأنه عظيم متكبر بالحق؛ لأنه يتكبر على العصاة والكفار. ٢١٧ - سمعت في بعض الأحاديث عن النبي صلعم: لا تكرهوا مرضاكم على الطعام والشراب، فإن الله يطعمهم ويسقيتهم. وهذا محمول على الأغني؛ كما قال صلعم: لست كأحدكم؛ إني أظل عند ربي فيطعمني ويسقيني. ٢١٨ - أخبرنا القاضي الإمام أبو جعفر محمد بن أحمد بن حامد بن عبيد البخاري قال حدثنا أبو محمد إسماعيل بن الحسين بن علي البخاري إملاءً في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة قال حدثنا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان المروزي قال حدثنا أبو عمران موسى بن سهل الوشاء قال حدثنا يزيد بن هرون عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عند عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله! كيف تعرف من لم تر من أمتك يوم القيامة؟ قال: هم غر محجلون بلق من آثار الوضوء. ٢١٩ - وأخبرنا القاضي الإمام أبو جعفر قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن العباس العصمي قال حدثنا أحمد بن إسحاق بن البهلول القاضي قال حدثنا أبي عن منصور بن عكرمة عن أبي عروبة عن

стр. 207

قتادة عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله صلعم وأبو بكر وعمر وعثمان علي جري. فتحرك الجري؛ فضربة رسول الله صلع برجله وقال: اسكن، جري، فأنما عليك نبي وصديق وشهيدان. ٢٢٠ - وأخبرنا القاضي أبو جعفر أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن خلف العدل إملاءً سنة تسع وتسعين وثلاثمائة قال حدثنا أبو سعيد الهيثم بن كليب بن شريح بن معقل الشاشي قال حدثنا محمد بن عبيد الله بن المنادي قال حدثنا روح بن عبادة قال حدثنا شعبة قال حدثنا عثمان بن المغيرة عن فلان بن أسماء ويقال أسماء بن حلم الفزازي قال: قال علي بن أبي طالب: كنت إذا سمعت من رسول الله صلعم حديثًا نفعني الله به ما شاء أن ينفعني فإذا حدثني رجل من أصحاب رسول، الله استحلفته؛ فإذا حلف لي، صدقته. وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر أن رسول الله صلعم قال: ما من عبد مسلم يذنب ذنبًا، ثم يقوم فيتوضأ، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله من ذلك الذنب، إلا غفر الله له. ثم لا قوله : ﴿ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيمًا﴾. وتلا: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله﴾.

стр. 208

٢٢١ - وأخبرنا القاضي أبو جعفر حدثنا إبراهيم قال حدثنا الهيثم قال حدثنا عيسى بن أحمد العشاري قال حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا يونس بن إبي إسحق عن عبد الملك بن عمير عن عبد الله بن الزبير قال: خطبنا عمر بن الخطاب بالجابةي فقال: إن رسول الله صلع قام فينا مقامي فيكم فقال: أكرموا أصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وينشؤ الكذب؛ حتى إن الرجل يحلف من غير أن يستحلف، ويشهد قبل أن يستشهد. فمن سره أن ينال بحبوحة الجنة، فعليه بالجماعة؛ فإن يد الله تع على الجماعة؛ وإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد. ألا لا يخلون رجل بامرأة، فإن ثالثهم الشيطان. ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن. ٢٢٢ - أخبرنا القاضي أبو جعفر حدثنا أبو بكر محمد بن إسحاق بن حمزة الشاذكوني إملاءً قال حدثنا أبو حفص أحمد بن أحمد بن حمدان قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الملقب براهويه قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا أبو حبيب عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلعم: دعاء الوالد لولده مثل دعاء النبي لأمته.

стр. 209

٢٢٣ - أخبرنا القاضي أبو جعفر حدثنا أبو نصر أحمد بن الحسن بن الحسين البخاري المعروف بالكلاباذي إملاءً في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة حدثنا أحمد بن أحمد قال حدثنا أبو عمرو أحمد بن نصر بن إبراهيم قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال حدثنا النضر بن شميل قال حدثنا شعبة عن توبة العنبري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلعم يصل شعبان برمضان. ٢٢٤ - أخبرنا القاضي أبو جعفر أخبرنا إسماعيل بن محمد بن أحمد بن صاحب الكائي في سنة سبع وتسعين وثلاثمائة إملاءً قال أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن نصر بن عنبر بن جرير قال أخبرنا أحمد بن مصعب قال حدثنا وكيع بن الجراج قال حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عند ابن عباس قال: قال رسول الله صلعم: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الفراغ والصحة. ٢٢٥ - وأخبرنا القاضي [أبو جعفر أخبرنا] إسماعيل قال حدثنا محمد بن يوسف الفربري قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا شعبة عن الحكم عن ابن أبي ليلى

стр. 210

عن علي أن فاطمة شكت ما تلقى في يدها من الرحى. فأتت النبي صلعم تسأله خادمًا، فلم تجده؛ فذكرت ذلك لعائشة. فلما جاء، أخبرته. قالت: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا. فذهبت أقوم، فقال: ((مكانك.)) فجلس بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، فقال: ((ألا أدلكما على ما هو خير لكما من الخادم إذا أويتما إلى فراشكما؟ )) أو قال: ((إذا أخذتما مضاجعكما؟ فكبرا أربعًا وثلاثين، وسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين. فهذا خير لكما من خادم.)). ٢٢٦ - وأخبرنا القاضي قال أخبرنا محمد بن يوسف الفربري قال أخبرنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري قال حدثنا مسدد قال حدثنا يحيى بن سعيد قال حدثنا هشام قال حدثني أبي عن عائشة قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تعرفه قريش في الجاهلية. وكان النبي صلعم يصومه. فلما قدم المدينة، صامه وأمر بصيامه. فلما نزل رمضان، كان من شاء صامه ومن شاء لا يصومه. ٢٢٧ - وأخبرنا القاضي حدثنا إسماعيل أخبرنا الفربري أخبرنا البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن خالد - يعني بن يزيد - عن سعيد بن أبي هلال عن نعيم المجمر قال: رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد. فتوضأ، وقال: إني سمعت رسول الله صلع يقول: إن أمتي يدعون يوم

стр. 211

القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء. فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل. ٢٢٨ - أخبرنا القاضي قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا أبو عبد الله الفربري قال أخبرنا أبو عبد الله البخاري قال حدثنا عبد الله بن رجا قال حدثنا إسرائيل عن البراء قال: اشترى أبو بكر الصديق من عارب رحلًا بثلاثة عشر درهمًا وقال له: ((مر ابنك فليحمل إلي رحلي.)) قال عارب: ((لا حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلعم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم.)) قال: ((ارتحلنا من مكة فأحيينا)) - أو قال: ((سرينا)) - ((ليلتنا ويومنا حتى ظهرنا. وقام قائم الظهيرة. فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه. فإذا صخرة. فأتيتها، فنظرت بقية ظل لها. فسويته، ثم فرشت للنبي صلعم. ثم قلت له: ((اضطجع، يا نبي الله! )) فاضطجع. ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا. فإذا أنا براعٍ يسوق غنمًا إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا. فسألته، فقلت: ((لمن أنت يا غلام؟ )) فقال: ((لرجل من قريش)) - سماه فعرفته. فقلت: ((هل في غنمك من لبن؟ )) قال: ((نعم)) قلت: ((فهل أنت جالب لنا؟ )) فقال: ((تعم)) فأمرته، فاعتنق شاة من غنمه. ثم أمرته أن ينفض، ضرعها من الغبار؛ ثم أمرته أن ينفض كفيه.)) - وقال: ((هكذا)). وضرب إحدى

стр. 212

كفيه بالأخرى. - ((فحلب لي كثبة من لبن. وقد جعلت لرسول الله أداوة في فمها خرقة. فصببت على اللبن حتى برد أسفله. فانطلقت به إلى النبي صلعم؛ فوافيته قد استيقظ. فقلت: ((اشرب، يا رسول الله! )) فشرب حتى رضيت. ((فقت: قد آن الرحيل، يا رسول الله! )) فارتلحنا والقوم يطلبوننا؛ فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: ((هذا الطلب قد لحقنا، يا رسول الله! )) فقال: ((لا تحزن إن الله معنا)). ٢٢٩ - أخبرنا القاضي قال حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن أحمد المكي قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن موسى بن علي بن عيسى الرازي قال حدثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن برهان قال حدثنا أبو يوسف قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث بعد سعد عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ذكر عمر بن الخطاب ذات يوم فضل أبي بكر. فجعل يذكر مناقبه، ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنة من حسنات أبي بكر. ٢٣٠ - أخبرنا القاضي بإسناد ذكره قال حدثنا أبو حاتم محمد بن أدريس الرازي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا نافع بن يزيد قال حدثنا يحيى بن أبي سيد المصري عن الفضل بن عيسى عن عمه أنه سمع أنس

стр. 213

بن مالك يقول: ((يا رحمان! يا رحيم! يا أرحم الراحمين! )) فقال له رسول الله صلع: ((سل ربك، فقد نظر إليك.)) ٢٣١ - سئل حنفي عن المحرم هل يعصم على القصاص. فأجاب بأنه يعصم، لقوله تع: ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين﴾، ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا﴾. فأجيب بأنه لا حجة في الآية؛ لأن البيت هو نفس الكعبة. وعندنا تعصمه الكعبة عن القتل. قال: بل هل الكناية في قوله تع: ﴿دخله﴾ راجعة إلى ما فيه ﴿مقام إبراهيم﴾؟ لأنه قال: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾، وليس مقام إبراهيم في البيت، لكنه في الحرم. قيل له: لا يجوز أن يكون المراد به مكة لوجهين، لأنه قال: ﴿للذي ببكة﴾؛ ومحال كون مكة ببكة، فيكون الشيء ظرفًا لنفسه. ولأن الحرم أكبر من مكة، لأنه من جهةٍ سبع فراسخ، ومن جهةٍ أربع فراسخ؛ ومحال كون ما هو أكبر من مكة بمكة. ولأنه ليس ههنا مذكور سوى البيت؛ فكيف نرجع الهاء إلى غير مذكور، وفي الآية مذكور ترجع الهاء إليه. ٢٣٢ - وجرى فصل في قتل المسلم بالذمي أن الإيمان آكد الحاقنين، والذمة

стр. 214

أضعفهما. والمسبب بحسب السبب. فدل على أنه مقصر في الحقن؛ والكفر هو علة الإباحة. قال: لا تسلم أن الكفر علة الإباحة، ولا الإيمان حاقن. وإنما المبيح للقتل الحراب، ولا الأمن والعصمة بالإيمان، بل بالدار. قيل له: الدار بجري أحكام الإسلام عصمت. فأما الدار فهي منزل، فظرف؛ وإنما بجري أحكامنا فيها صار حكمًا. ٢٣٣ - استدل حنفي في مسألة المسلمة نفسها هل لها الامتناع بعد الدخول بها لقبض صداقها فقال: إنما قررنا الصداق في الوطأة الأولى وإن كانت الوطآتكلها مستحقة في جميع العمر. لأننا لو أوقفنا استقرار الصداق على استيفاء جميع الوطآت المستحقة، لما استقر لها عمرها كله. فعجلنا الاستقرار لهذه العلة تمييزًا لهذا العقد عن تمييز العقود التي لا تستقر الأعواض فيها إلا بتسليم جميع العوض. وبقي ما عدا هذه الوطأة الأولى على حكم العقود كلها، وأنه لا يسلم إلا بقبض. قيل له: إذا جعلت التسليم الأول مقررًا كتسليم جميع المبيع، فهلا جعلت الوطآت الباقية مقررة للزوج حتى إنها لا تملك الامتناع؟ قال: الذي يلزمني أن أجعل التقرير في مقابلة التقرير. فالصداق

стр. 215

مستقر عليه بالوطأة الأولى، وجميع الوطآت مستقرة له. فإذا منع هو ما تقرر عليه، جاز أن تمنع هي ما تقرر عليها. قيل له: إلا أنه هو ما رضي بإسقاط حقه من الوطآت الباقية. وهي رضيت بإسقاط حقها، حيث سلمت قبل القبض. وحقه متعلق بعين البضع؛ وحقها متعلق بالذمة. قال: هي إنما رضيت بتسليم نفسها في الوطأة الأولى لتقرير حقها. والوطء الثاني ليس لها فيه منفعة إلا مجرد الضرر. لأنها لا تزال تسلم، وهو يمتنع. ومتى أوجبنا التسليم في الوطآت الباقية، عدنا على الأصل الذي مهدناه في الوطأة الأولى بالإبطال. لأنا قد قررنا أن الوطئ الأول إنما قررنا به كيلا يتأخر استقرار صداقها إلى الوفاة. ومتى قلنا ((سلمي فيما بعد من الوطآت)) حصل تسليم لا يقابله تقرير عوض. فحرسنا ما نقرر لها في الوطأة الأولى لحصوص التسليم فيه بإضرار الزوج بإسقاط التسليم عنها ليسلم هو ما تقرر عليه. وأما قولكم ((إن الحق للزوج متعلق بالعين، فلهذا لم [يجز] لها الامتناع من التسليم)) باطل بما قبل تسليمها. فإن حق الزوج في العين، وحقها في الذمة. ولها أن تمتنع من التسليم حتى تتسلم الصداق كيلا يستمتع بها؛ فلا يجوز الرجوع في عين ما تسلمه، بخلاف المبيع. ٢٣٤ - قال حنبلي في مسألة المرتد: كافر؛ فلا يقضي الصلوات التي تركها حال كفره، كالأصلي.
следующие страницы →