Полный текст (756 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء. فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل.
٢٢٨ - أخبرنا القاضي قال حدثنا إسماعيل قال حدثنا أبو عبد الله الفربري قال أخبرنا أبو عبد الله البخاري قال حدثنا عبد الله بن رجا قال حدثنا إسرائيل عن البراء قال: اشترى أبو بكر الصديق من عارب رحلًا بثلاثة عشر درهمًا وقال له: ((مر ابنك فليحمل إلي رحلي.)) قال عارب: ((لا حتى تحدثنا كيف صنعت أنت ورسول الله صلعم حين خرجتما من مكة والمشركون يطلبونكم.)) قال: ((ارتحلنا من مكة فأحيينا)) - أو قال: ((سرينا)) - ((ليلتنا ويومنا حتى ظهرنا. وقام قائم الظهيرة. فرميت ببصري هل أرى من ظل فآوي إليه. فإذا صخرة. فأتيتها، فنظرت بقية ظل لها. فسويته، ثم فرشت للنبي صلعم. ثم قلت له: ((اضطجع، يا نبي الله! )) فاضطجع. ثم انطلقت أنظر ما حولي هل أرى من الطلب أحدًا. فإذا أنا براعٍ يسوق غنمًا إلى الصخرة يريد منها الذي أردنا. فسألته، فقلت: ((لمن أنت يا غلام؟ )) فقال: ((لرجل من قريش)) - سماه فعرفته. فقلت: ((هل في غنمك من لبن؟ )) قال: ((نعم)) قلت: ((فهل أنت جالب لنا؟ )) فقال: ((تعم)) فأمرته، فاعتنق شاة من غنمه. ثم أمرته أن ينفض، ضرعها من الغبار؛ ثم أمرته أن ينفض كفيه.)) - وقال: ((هكذا)). وضرب إحدى
стр. 212
كفيه بالأخرى. - ((فحلب لي كثبة من لبن. وقد جعلت لرسول الله أداوة في فمها خرقة. فصببت على اللبن حتى برد أسفله. فانطلقت به إلى النبي صلعم؛ فوافيته قد استيقظ. فقلت: ((اشرب، يا رسول الله! )) فشرب حتى رضيت. ((فقت: قد آن الرحيل، يا رسول الله! )) فارتلحنا والقوم يطلبوننا؛ فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له. فقلت: ((هذا الطلب قد لحقنا، يا رسول الله! )) فقال: ((لا تحزن إن الله معنا)).
٢٢٩ - أخبرنا القاضي قال حدثنا أبو سهل أحمد بن محمد بن أحمد المكي قال حدثنا أبو عبد الله محمد بن موسى بن علي بن عيسى الرازي قال حدثنا أبو محمد جعفر بن محمد بن برهان قال حدثنا أبو يوسف قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال حدثنا الليث بعد سعد عن يحيى بن سعيد الأنصاري قال: ذكر عمر بن الخطاب ذات يوم فضل أبي بكر. فجعل يذكر مناقبه، ثم قال: وهذا سيدنا بلال حسنة من حسنات أبي بكر.
٢٣٠ - أخبرنا القاضي بإسناد ذكره قال حدثنا أبو حاتم محمد بن أدريس الرازي قال حدثنا سعيد بن أبي مريم قال أخبرنا نافع بن يزيد قال حدثنا يحيى بن أبي سيد المصري عن الفضل بن عيسى عن عمه أنه سمع أنس
стр. 213
بن مالك يقول: ((يا رحمان! يا رحيم! يا أرحم الراحمين! )) فقال له رسول الله صلع: ((سل ربك، فقد نظر إليك.))
٢٣١ - سئل حنفي عن المحرم هل يعصم على القصاص. فأجاب بأنه يعصم، لقوله تع: ﴿إن أول بيتٍ وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين﴾، ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنًا﴾.
فأجيب بأنه لا حجة في الآية؛ لأن البيت هو نفس الكعبة. وعندنا تعصمه الكعبة عن القتل.
قال: بل هل الكناية في قوله تع: ﴿دخله﴾ راجعة إلى ما فيه ﴿مقام إبراهيم﴾؟ لأنه قال: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾، وليس مقام إبراهيم في البيت، لكنه في الحرم.
قيل له: لا يجوز أن يكون المراد به مكة لوجهين، لأنه قال: ﴿للذي ببكة﴾؛ ومحال كون مكة ببكة، فيكون الشيء ظرفًا لنفسه. ولأن الحرم أكبر من مكة، لأنه من جهةٍ سبع فراسخ، ومن جهةٍ أربع فراسخ؛ ومحال كون ما هو أكبر من مكة بمكة. ولأنه ليس ههنا مذكور سوى البيت؛ فكيف نرجع الهاء إلى غير مذكور، وفي الآية مذكور ترجع الهاء إليه.
٢٣٢ - وجرى فصل في قتل المسلم بالذمي أن الإيمان آكد الحاقنين، والذمة
стр. 214
أضعفهما. والمسبب بحسب السبب. فدل على أنه مقصر في الحقن؛ والكفر هو علة الإباحة.
قال: لا تسلم أن الكفر علة الإباحة، ولا الإيمان حاقن. وإنما المبيح للقتل الحراب، ولا الأمن والعصمة بالإيمان، بل بالدار.
قيل له: الدار بجري أحكام الإسلام عصمت. فأما الدار فهي منزل، فظرف؛ وإنما بجري أحكامنا فيها صار حكمًا.
٢٣٣ - استدل حنفي في مسألة المسلمة نفسها هل لها الامتناع بعد الدخول بها
لقبض صداقها
فقال: إنما قررنا الصداق في الوطأة الأولى وإن كانت الوطآتكلها مستحقة في جميع العمر. لأننا لو أوقفنا استقرار الصداق على استيفاء جميع الوطآت المستحقة، لما استقر لها عمرها كله. فعجلنا الاستقرار لهذه العلة تمييزًا لهذا العقد عن تمييز العقود التي لا تستقر الأعواض فيها إلا بتسليم جميع العوض. وبقي ما عدا هذه الوطأة الأولى على حكم العقود كلها، وأنه لا يسلم إلا بقبض.
قيل له: إذا جعلت التسليم الأول مقررًا كتسليم جميع المبيع، فهلا جعلت الوطآت الباقية مقررة للزوج حتى إنها لا تملك الامتناع؟
قال: الذي يلزمني أن أجعل التقرير في مقابلة التقرير. فالصداق
стр. 215
مستقر عليه بالوطأة الأولى، وجميع الوطآت مستقرة له. فإذا منع هو ما تقرر عليه، جاز أن تمنع هي ما تقرر عليها.
قيل له: إلا أنه هو ما رضي بإسقاط حقه من الوطآت الباقية. وهي رضيت بإسقاط حقها، حيث سلمت قبل القبض. وحقه متعلق بعين البضع؛ وحقها متعلق بالذمة.
قال: هي إنما رضيت بتسليم نفسها في الوطأة الأولى لتقرير حقها. والوطء الثاني ليس لها فيه منفعة إلا مجرد الضرر. لأنها لا تزال تسلم، وهو يمتنع. ومتى أوجبنا التسليم في الوطآت الباقية، عدنا على الأصل الذي مهدناه في الوطأة الأولى بالإبطال. لأنا قد قررنا أن الوطئ الأول إنما قررنا به كيلا يتأخر استقرار صداقها إلى الوفاة. ومتى قلنا ((سلمي فيما بعد من الوطآت)) حصل تسليم لا يقابله تقرير عوض. فحرسنا ما نقرر لها في الوطأة الأولى لحصوص التسليم فيه بإضرار الزوج بإسقاط التسليم عنها ليسلم هو ما تقرر عليه. وأما قولكم ((إن الحق للزوج متعلق بالعين، فلهذا لم [يجز] لها الامتناع من التسليم)) باطل بما قبل تسليمها. فإن حق الزوج في العين، وحقها في الذمة. ولها أن تمتنع من التسليم حتى تتسلم الصداق كيلا يستمتع بها؛ فلا يجوز الرجوع في عين ما تسلمه، بخلاف المبيع.
٢٣٤ - قال حنبلي في مسألة المرتد: كافر؛ فلا يقضي الصلوات التي تركها حال كفره، كالأصلي.
стр. 216
قيل له: لا تسلم العلة في الأصل.
قال: الدليل قوله تع: ﴿قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. وهذا عام في كل حق سبق عليه.
قالوا له: قولك ((كافر)) بمعنى حاجد، ومشرك، وتارك لحق النعمة وهذا يقتضي التغليظ عليه لا التخفيف عنه. وإيجاب القضاء أشبه بالتغليظ.
قال: إلا أنه إذا أسلم فقد عادو الحق وشكر النعمة. فهو أهل أن يخفف عنه. ويتحقق على كافر أسلم، لأن الخلاف في القضاء بعد إسلامه.
وجرى في المسألة أن قالوا له: الأصل بطول يشق القضاء، والردة عارض لا يدوم فلا يطول؛ فلا يشق القضاء. وصار الأصل في طوله وتكرر العمليات فيه كالحيض، والردة في سرعة زوالها كالاستخاضة.
قال: لا فرق بين ما يطول وما لا يطول؛ كالإغماء مع الجنون عند الشافعي لا يلزم القضاء فيهما، وإن كان الإغماء لا يطول غالبًا.
قالوا له: فحكم المرتد حكم المسلم؛ بدليل أنه لا يقر بالجزية ولا يسترق. فإن كان هذا تغليظ عليه بالقضاء يضاهيه. وإن كان لأنه في حكم المسلمين فالمسلم إذا ترك وجب عليه القضاء.
стр. 217
وجرى فيها أيضاً أنها جحود بعد الإقرار. ومن جحد بعد إقراره كان مخاطباً بحكم الإقرار لا الجحود، بدليل إنكار سائر الحقوق بعد الإقرار.
قال: إلا أنه خرج بإنكاره عن صحة أداء ما أقر به. فصار كالمنكر الأصلي في منع صحة الأداء. فصار كالأصلي في نفي القضاء.
وجرى فيها أيضاً أن حكمه حال الردة كحكم المسلم في ضمان حقوق الآدميين. كذلك في حقوق الله.
قال: هذا لا يصح لوجهين. أحدهما أن أصلي ينتظم كل كافر أصلي، ومن جملتهم الذمي. وذاك يخاطب بحقوق الآدميين. ومعارضتك في الحربي أنه ليس من أهل ضمان حقوق الآدميين إذا أتلفها. وعكسك في المرتد يبطل علة الفرع؛ وهي عكسك بالذمي. فإنه يضمن حقوق الآدميين بالإتلاف. ولا يقضي ما ترك من الصلاة في حال كفره.
٢٣٥ - قال حنفي في أمان العبد: هو ليس من أهل القتال؛ والامان من مصالح القتال؛ وليس من أهل الولايات والشهادات.
قال حنبلي: المرأة ليست من أهل القتال، ويصح أمانها. وإذا أذن له سيده، لم يصر بإذنه من أهل القتال. لأن المانع للأهلية إنما هو الرق، وبإذن سيده ما زال الرق. ومع ذلك يصح أمانه بإذن سيده له في القتال. والولايات آكد، ولهذا يعتبر لها العدالة؛ ولا تعتبر العدالة للأمان.
стр. 218
٢٣٦ - وجدت في تعاليق بعض العلماء: لا يكون الرجل مؤمناً حتى يندرج في مدارج كل واحدة منها تبين عند معرفته كفراً لكن غير مؤاخذ به لتركه والخروج عنه. قال: وذلك أن الباحث يترامى به النظر كل مرمى كإبراهيم قال عند رؤية النجم ﴿هذا ربي﴾ وكذلك القمر والشمس، حتى انتهى به النظر إلى إثبات الفاطر. قال ابن عباس: عبد، عبد، عبد، أثر كل مذكور، وكفر البحث وزلات النظر مغفورة. وأول الإيمان خطور الباري بالبال بحسب الحال التي تكون في المكلف في أول وهلات نظره، بإخطار النظر بباله عليها. وموسى أول قوله ﴿أرني﴾ وآخر قوله ﴿سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين﴾.
٢٣٧ - استدل حنبلي في مسألة سراية القصاص بأن السراية مبنية على الجراحة حكماً، والقطع والجراح قصاصاً غير مضمون؛ يجب أن تكون السراية غير مضمونة.
قال حنفي: لا أسلم؛ بل الجراحة مضمونة بما قبلها من الجناية؛ كالمبيع مضمون بالثمن. وهذا تحقيق لمذهبي، وأنا قائل بموجبه. وذلك أن السراية مبنية على الجراحة في إيجاب الضمان.
قال: ولأنه لو كان جائزاً متعرياً عن ضمان في نفسه، لما أوجب ذلك أن يقع ما يؤول إليه ويتعدى منه مضموناً. بدليل الرمي عن قوس
стр. 219
نفسه في فضاء الله سح، وهي الأبعاد الخالية، إلى الصيد المباح الرمي إليه، بعد افتقاده لمكان لا يجتاز فيه جائز. كما أن هذا العد لسفره، وفصد المفصل بعد الخلع، وحسم وكوى بعد القطع. ومعلوم أن هناك مرمي مع الاحتياط كله بشرط السلامة. حتى لو أصاب سهمه إنساناً، ضمنه، أو بهيمة لإنسان. كذلك يجب إذا تعدى القطع هنا إلى إصابة النفس بالإتلاف، يجب أن يضمن. ولا يبنى حكم الإصابة على جواز الرمية.
قال الحنبلي: إلا أن بينهما فرقاً. وهو أن القطع وقع في محل مملوك، والرمي لا إلى محل مملوك. ومحال أن ينشؤ الضمان من التصرف في الملك.
قيل له: هذا يلزم عليه العتق الذي باشر به المالك حصته وملكه. فإنه تصرف في نفس ما يملكه بعتق يجوز له فعله. ولكنه لما سرى إلى ملك غيره، غرم قيمة ما سرى إليه وتلف بعتقه، وهو حصة شريكه. وهما سواء؛ لأن العتق صادف نفس حقه وحصته وسرى حكماً، فضمن؛ كما أنه باشر الطرف الذي ملك قطعه. فإذا سرى من المباشرة إتلافاً حسياً، أولى أن يضمن. يبين صحة هذا أن ملكه لحصته من العبد آكد من ملكه للطرف، حيث كان ذاك ملكاً حقيقياً. ومالية الحصة من العبد مالية يعاوض عنها ويتصرف فيها بأنواع التصرفات. والسراية منه حكماً؛ والسراية ههنا حساً. فإذا ضمن هناك، أولى أن يضمن هنا.
стр. 220
٢٣٨ - فصل جرى في مسألة الواجب بقتل العمد
استدل حنفي فاضل فقال: الحكمة إيجاب المثل في المتلف مهما أمكن. والمماثلة من طريق الصورة لا يمكن. فاعتبرنا إتلاف النفس مقابلة لإتلاف النفس، اشتفاء للوارث حسبما اشتفى من وليه، حفظاً لجانب أوليائه عن التكلب عليهم. والباري سح سماه حياة لما فيه طيه من حفظ الدماء. وذلك إنما تتحقق الحكمة فيه إذا تحقق البدل قتلاً ودماءً، لا ديةً ومالاً. فإن غرضية المال الغناء وسعة الحال. وما ثلم مالهم، بل ثلم شملهم، وقلت عشيرتهم وعدتهم. فالفل أشبه بالفل، والقتل أشبه بالقتل. ومهما أمكن مراعاة ذلك، فلا ينتقل عنه إلا للضرورة؛ كعفو أحد الأولياء، أو شلل اليد، أو نقصان الأصابع. فتتحقق ضرورة تنقل إلى الدية، كما تنقل ضرورة التعدد لمثل ذوات الأمثال إلى القيمة.
قال حنبلي: الوضع الشرعي، كما أنه حقق ما ذكرت، لم يحصل منحتماً انحتاماً يحقق القود، حتى شرعه مما يسقط بالشبهة في أصل الوضع؛ حتى لو رجع الشاهدان به، سقط القتل بعد أن كان واجباً في الظاهر؛ بخلاف وضع إيجاب الأموال. وبعد إيجابه وتحققه وسلامته من خلل الشبهة يسقط بالعفو. وسقوطه بالعفو مع الندب إلى العفو، بقوله: ﴿وأن تعفوا أقرب للتقوى﴾. وهذا يزيل تحقق إيجاد القتل
стр. 221
وانحتامه وتشريعه على وجهٍ تردد بين الإيجاب والإسقاط رأساً؛ لئن يسقط الحكمة في وضعه وتردده بين إيجاده وبين أخذ المال، أولى أن لا يخرجه عن الحكمة في وضعه، لما ذكرت أولاً. وأما تشبيهك له بذوات الأمثال، غلط. وقولك إنه لا ينتقل إلا لضرورة غلط أيضاً. لأنك قد كان يمكنك استيفاء ما وجدت من الإيضاح بمقدار الرأس الصغير، وإيجابك بحصة ما فات مالاً وأرشاً، كما يأخذ ما يجد من المثل في الطعام، ويعدل إلى قيمة ما فات. فلما أسقطت القصاص في الموجود من المحل المقدور عليه، ولم تدع الضرورة إلى ذلك، ولم يكن ذلك طاعناً في الوضع الشرعي والحكمة المقصودة، وهي الحياة، كذلك إيجاب أحد أمرين لا يكون كذلك.
٢٣٩ - شذرة
قال حنبلي في ضمان الصيد إذا قتله القارن: إن الصيد واحد، والضمان ضمان مال، فلا يتضاعف الضمان فيه.
قال له حنفي: إذا جاز أن يكون ضمان مال، ويكبر بكبر النسك الذي يضمن لأجله، حتى إن إفساد الحج فيه بدنة، وفي العمرة شاة، جاز أن يتغلظ باجتماع إحرامين.
قال الحنبلي: الصيد واحد، والمضمون له واحد، والمتلف واحد. فلم ثنينا الضمان؟
стр. 222
قال الحنفي: لنثني الحرمة التي فيه.
وهذا كما غلظت الدية بالحرمات التي اجتمعت فيه من حرمة الإجرام والشهر الحرام والمحرمية.
٢٤٠ - وجرى فصل تقابلا فيه؛ فقال الحنفي: حرمة القرآن حرمتان، فيجب أن تعطى في قتل الصيد كل واحدة حكمها.
فقال الحنبلي: محرمة الحرم والإحرام لا يزيد باجتماعهما الضمان، وإن كانت كل واحدة حال الإقدار يضمن لأجلها الصيد ضماناً يخصها.
قال الحنفي: حرمة الإحرام تابعة للإحرام. وأخذ يعظم شأن الإحرام بتحريم الطيب والترفهات.
قابله الحنبلي فقال: بل حرمة الحرم آكد وأعظم، بدليل تحريم الشجر.
قال الحنفي: الإحرام حرم الشعر الذي هو في جسد المحرم؛ كما حرم الحرم الشجر، وزاد الإحرام بتحريم الترفهات. ووطء الزوجة والأمة وطء في الملك، وحرمه الإحرام؛ ولم يحرم الاستمتاع في الحرم ولا الترفهات فيه بأن كونن حرمة البقعة تبعاً. وحرم قطع الشجر لكونه معاقل الصيد.
وكان ينبغي أن يقرر على الحنفي أن حرمة الإحرام متبوعة، لا تابعة، في باب ضمان الإتلاف للصيد. لأن الله جعله حرماً وأمناً يعصم به الدماء
стр. 223
المستحقة عندنا جميعاً. والإحرام لا يعصم سوى الصيد. وإذا كان في باب الأمر كذلك، لم يجعل تبعاً في عصمة الصيد. فأما المحظورات من الترفهات، فتلك حرمت كيلا يدعو إلى الوطء المفسد للحج. وذلك لا يتصور في الحرمة الحاصلة للبقعة. فأما حرمة الصيد، فإنهما جميعاً عاصمتان: الإحرام أمن، والحرم أمن للصيد. فلا ينبغي أن يتداخل الضمان على قولك. فإن تداخلا، تداخلا في باب الإحرام بتسكين.
٢٤١ - قال حنفي في مسألة قتل المسلم بالذمي ، وقد أنجز الكلام فيها إلى فصل أن سبب الحقن فيها يختلف، فهذا أمان وهذا إيمان، فقال: لكنهما في الحقن سواء، وهو عصمة الدم المؤيدة. وتعليق الحكم على الحقن أولى من تعليقه على سبب الحقن. فإن الغرض الحقن، والسبب متطرق به إلى المقصود والغرض. وصار هذا بمثابة العلة، وعلة العلة. فإن الحكم يعزى إلى العلة التي هي إلى الغرض أقرب، وبالحكم ألصق. كالقتل عمداً هو علة إيجاب القود على المكافئ، وإن كان إيجاب القود حكماً يستند إلى القتل العمد. والقتل العمد أوجب لعلة هي الحكمة؛ وهي عصمة الدماء وإحياء النفوس. ويبين أن هذه الحكمة علة العلة أنه يحسن أن يقال للحاكم: ((لم يقتل هذا؟ )) فيقول: ((أقتله لأنه قتل
стр. 224
ولي هذا عمداً)). فيقال له: ((ولم إذا قتل عمداً يقتل؟ )) فيقول: ((لأن في قتل هذا قوداً حيث قتل عمداً حياة)). ويتلو الآية: ﴿ولكم في القصاص حياة﴾. ثم لا يعلق إيجاب القتل قوداً على الحكمة، بل على القتل عمداً، وتعلق العلة على الحكمة. كذلك لا يغير التساوي ههنا الذي هو شرط القصاص إلى سبب الحقن، بل إلى الأقرب، وهو الحقن نفسه.
قال الحنفي: ولأن إسناد هذا إلى سبب فاسد. لأن هذا لو كان صحيحاً، لوجب أن لا يقطع المسلم بسرقة ماله. لأنه كما يشترط لمساواة الدم والنفس سبب الحقن على ما قررت، يعتبر لكمال الحرز السبب العاصم للمال. ثم العاصم لمال الذمي في دار الإسلام إنما هو أمان وعهد إلى أن يجيء إلى الحرز الموضوع عرفاً. ثم إنك تركت اقترافهما في العاصم الأول. فإن مال المسلم انعصم بإيمان، ومال الذمي انعصم بعهد وأمان؛ لكنهما لما تساويا في الحرز الثاني، وهو المتواضع عرفاً لإحراز الأموال، قطعت المال بسرقة مال كل واحد منهما لاستوائهما في الحرز الثاني، وهو الذي وضع حرزاً للمال عرفاً، وألغيت اختلافهما في الإحراز الأول، والعاصم الأول وهو الإيمان في هذا، والأمان لهذا. كذلك، بحكم هذا التقرير، يجب عليك أن تلغي السبب الأول، وهو الحاقن الأول، وهو إيمان هذا وأمان هذا، وتعتبر في التساوي حقنهما المؤيد.
стр. 225
قال: مع أن التساوي الذي حصل في الحقن يؤذن بحصول التساوي في الحاقن. لأن الحكم يتبع السبب. فإذا قررت وسلمت أن الذمي والمسلم قد تساوياً في الحقن، فهو إذعان منك أن السببين متساويين؛ إذ محال أن يوجب السببان المختلفان حكماً متفاوتاً أو مختلفاً.
٢٤٢ - استدل حنبلي في الوقف، لا يحتاج إلى حكم الحاكم بأنه إزالة ملك، فلا يقف على حكم الحاكم؛ كسائر الإزالات.
قال له حنفي فاضل قدم علينا: لا أسلم أنه إزالة؛ لأن الإزالة لا تكون بحسب شرطه، وتحتاج إلى رضا من يزول الملك إليه. ومحال دخول المال في ملك العين بإدخال العين؛ ولأن لفظه لفظ التحبيس، فلا يصلح للإزالة.
قال الحنبلي: هو إزالة بدليل أنه لا تنصرف قيمته عند الإتلاف إليه. واللفظ يقتضي التمليك، وهو الصدقة المحبسة والمؤيدة. فهي صدقة على صفة. والتحبيس إنما هو بمعنى أنه حبس من صار إليه ووقف عليه عن إزالة الملك فيه والمعاوضة عليه. ولهذا قال النبي صلعم لعمر، لما قال له ((إني ملكت حائطاً)): ((حبس الأصل وسبل الثمرة)). وأما رضا من يوقف عليه، فليس يلزم؛ لأنني ما قلت ((انتقل الملك إلي)) ولا
стр. 226
قلت ((زال إلي)) وإنما قلت ((إزالة ملك)). وليس من ضرورة الإزالة أن تزول إلي؛ بدليل ما قال أبو حنيفة في البيع بشرط الخيار للمشتري دون البائع: يزيل ملك البائع إيجابه البات ولا يدخل في ملك المشتري لقبوله مع استيفاء الاستدراك.
جواب آخر، قال: ولأنك إذا راعيت في انتقال الملك إلى الغير رضاه، فكيف تلغي قول المكلف في إخراج ملكه؟ بل يجب من حيث اعتبرت دخول الملك برضا من نقل إليه أن يكتفي بالإيجاب من المالك برضاه في إزالة ملكه.
جواب آخر: إن الحاكم أيضاً غير، فكان يجب أن حكمه أيضاً لا ينقل؛ لأن حكم الحاكم تنفيذ لقول صالح للحكم الذي هو زوال الملك عن الرقبة. فأما إذا لم يكن صالحاً في نفسه للإزالة، لم يحصل بتنفيذ الحاكم إزالة؛ لأن التنفيذ والحكم يظهران ما في قوة الكلمة من الحكم. ألا ترى أن لفظ الإباحة والإعارة وغير ذلك، لما لم يكن في قوتها إزالة الملك، لم يزل الملك؟ فلو انضم إليها أي شيء انضم من حكم وغيره.
стр. 227
٢٤٣ - شذرة في الماء المزال به النجاسة
قال حنبلي: المنفصل عنه، وهو البلل الباقي في الثوب، طاهر.
أبطله عليه حنفي بالمنزوح: فإنه نجس، والمنزوح منه طاهر. كذلك المذي ينفصل عن المني، لأنه جزؤه؛ وهو نجس، والمني طاهر. فبطل ما قلت.
قال الحنبلي: إنما يكون ذلك في نزح ماء من نابع، وهو الآبار والعيون. ولا يتصور ذلك في ماء واقف أن يكون كله متغيراً، فينزح منه، ويبقى الباقي لا بصفته. لأن الصفة، وهي التغيير، إذا عمت الواقف، كان محالاً أن يزول التغيير بنزح بعضه. وإذا ثبت هذا، فالمنزوح لما استتبع المتغير وبقي الباقي غير متغير، علمنا أن المتغير زال. فإن بقي منه شيء، غلبه النابع بالمكاثرة. فالمكاثرة بالنابع ظهر فيما عساه بقي؛ والمنزوح هو النجس كله؛ وفارق الثوب. فإن الماء الذي نزل وقطر عنه يغض البلل الذي تخلف في الثوب، ومحال كون البعض طاهراً والبعض نجساً.
قال الحنفي: فالإزالة لا يمكن إلا كذا. فعفونا عن البلل استحساناً. وأما المنفصل، فلا حاجة بنا إلى تطهيره.
стр. 228
قيل: بل الحاجة داعية في الأراضي إلى ذلك بمثل ما احتجنا إليه في الثوب. وهو أن البلل في الثوب حكم بطهارته، لأنه يشق اعتبار عصره، بل لا يمكن إخراجه عن الثوب بالكلية. وكذاك في الأرض؛ حاجتنا إلى تطهيرها يمنع من حكمنا بنجاسة المنفصل عن بعضها إلى بعض، وعن بقعة منها إلى بقعة. فنكون كأننا ما عملنا شيئاً؛ إذ طهرنا محلاً منها، ونجسنا محلاً آخر. فالعلة واحدة.
٢٤٤ - قال القاضي أبو زيد: فأما علة العلة وسبب السبب فمثاله الشرى لذي الرحم. الشرى سبب للملك، والملك سبب للعتق؛ فصار العتق بواسطة الملك مضافاً إلى الشرى؛ فصار الشرى إعتاقاً.
قال في المنقل: الحجر والعصا موضوعان لغير القتل. كما أن الحديد موضوع للقتل. فإذا صنع من الحديد إبرة، والإبرة لا تكون وضعاً منا للقتل بل للخياطة، لم يكن في قوى صنعتنا وفعلنا أن نخرجها عن وضع الأصل. حتى إنك أوجبت القتل بها عبرة بالوضع، لا بصنعتنا. فكذلك إن وجد القتل بالحجر، لم يوجب القود، تمسكاً بالوضع في الأصل، وتركاً لفعلنا. بل نحن أسعد؛ لأن القصاص تسقط بالشبهة، وغلبت الإيجاب
стр. 229
في الإبرة تغليباً لحكم الوضع الأصلي، دون الصناعة؛ فلئن نتعلق نحن بالأصل في وضع الحجر لغير القتل، فبسقط القتل أولى.
قال: ولأنه لو قال ((لله علي أن أعتكف صائماً)) للزمه الصوم. وقوله ((صائماً)) صفة للشخص المعتكف، لا الاعتكاف. مثل قوله ((راكناً وقائماً)). ولو قال (قائماً وراكناً)) لم يلزم. لأنها حال الشخص، لا حال الاعتكاف. والالتزام إنما هو من الناذر التزام للعبادة التي هي الاعتكاف؛ فلا يلزم بصفة ترجع إلى الشخص. فلما لزم أن يوقعه صائماً، علمنا بأن الصوم شرط للاعتكاف أو صفة له. ألا ترى أنه إذا قال ((شهر كذا)) و (في المسجد الحرام)) و ((في بيت المقدس)) لزم، لكون المكان والشهر الحرام صفة للاعتكاف. ولما كان القيام والركون صفة للناذر لم يلزم الاعتكاف صائماً، علمنا أن الصوم صفة من صفات الاعتكاف اللازمة. إذ لا يلزم بالنذر إلا ما يتحقق تعبداً في الشرع. بدليل أصل النذر، لا يصح إلا فيما يكون متعبداً به شرعاً. وكذلك الأوصاف لا تلزم في النذر إلا بأن تكون واجبة فيه شرعاً.
قال: وفي إسناد الحكم إلى علته وسائط كثيرة. معلوم أن الرمي يتوسط بينه وبين الإصابة الوتر والقوس والاعتماد، وخروجه من كون إلى كون، إلى أن ينتقل إلى محل الإصابة. لكن لما كانت الوسائط فيها مختارة، وإن كان حز رقبة الصيد وقتله حصل بعلة حد السهم واعتماده،
стр. 230
لكن جعلنا الحكم متعلقاً بعلة هذه العلة، وهو الرمي. فصار كأنه هو الذي حز رقبة المرمي، صيداً كان أو غيره.
وعلى هذا أبداً يعلق الحكم على علة العلة، ما لم يكن تعليقها على ما يباشر الحكم من العلة. بخلاف القود يجب بالقتل عمداً وهو العلة، ولا يعلق حكمه على العلة، وهي قصد الحياة. لأنه ممكن تعليق الحكم على قتل العمد، لكونها صادرة عن مختار هو القاتل. بخلاف قطع السهم، ليس بمختار؛ فاحتجنا أن نلجئ الحكم إلى الرمي، لأنه من مختار.
وعقد الباب في ذلك فقال: فأبداً نضيف إلى علة العلة إذا لم يكن تعليق الحكم على العلة؛ كالسفر علة المشقة، لأنه هو الموجب لها؛ والرخصة تتعلق بالمشقة، لكنا لما رأينا المشقة تتفاوت بنتفاوت الناس منعاً، ولا يتقدر، علقنا الرخصة على السفر الذي يتقدر ويتحقق. وكذاك المرض يوجب الخوف على النفس ويبيح الفطر؛ فعلقنا الإباحة للفطر على المرض، لأن الخوف لا يتحقق لنا علمه. غير أنا لما علمنا أنه سبب للخوف علقنا الحكم عليه، وهو الترخص بالإفطار.
قال: وكذلك النوم يوجب النقض للطهارة، لا لكونه علة معنىً؛ لكن العلة معنى هي خروج الخارج بواسطة استطلاق الوكاء بالنوم. لكنا لما لم يكن لنا طريق إلى استطلاقه، علقنا النقض على النوم الذي تحققناه،
стр. 231
دون الخارج الذي لا نتحققه. لكن جعلنا تعليق النقض على النوم لغالب وجود علة النقض من طريق المعنى، وهو الخارج.
قال: وكذلك الاستبراء، علته المعنوية هي كون الماء في الرحم بوطء السيد الأول، لا حدوث الملك. لكنا لما لم يمكن أن نقف على شغل الرحم، جعلنا حدوث الملك علة لإيجاب الاستبراء للرحم، كيلا تختلط المياه. فصار الملك علة حكماً، لا معنىً، وشغل الرحم علة معنىً.
٢٤٥ - فصل
إذا كانت المذاهب تنتصر بوصلة هي الدولة والكثرة، أو حشمة الإنعام، فلا عبرة بها. إنما المذهب ما نصره دليله؛ حتى إذا انكشف بوحدته ساذجاً من ناصر محتشم ومال مبذول، كان طاهراً بصورته في الصحة والسلامة من الدخل والاعتراضات؛ كالجوهر الذي لا يحتاج إلى صقالة وتزويق، والحسن الذي لا يحتاج إلى تحسين. ونعوذ بالله من مذهب لا ينتصر إلا بوصلة. فذاك الذي إذا زال ناصره أفلس الذاهب إليه من الانتصار بدليل، أو وضوح تعليل. والدين من خلص الدلالة من الدولة، والصحة من النصرة بالرجال، وقلما يعول في دينه على الرجال.
стр. 232
٢٤٦ - فصل
ما أكثر المدعين في الأسماء، والمتنطعين فيها، ويلهجون بها ويقولون ((الاسم هو هو))، أو ((غيره)) أو ((صفة له)) ولا يحققون القول. وتحقيق الكلام في هذا الباب أنهم إن كانوا يعنون بالأسماء قول القائل فما أبعد هذا! وهل عاقل يقول إن القول هو القائل؟ وقولنا الله هو الذات الأزلية، الخالق، الباري. وإنما القول التسمية. والقول لقائله؛ فإن كان كلام الله، كان قديماً، بما ثبت من قدم كلامه. وإن كان الاسم كلام آدمي، مثل تسميات المسميات، كانت محدثة، من حيث هي كلام محدث. وإنما يتكلم الناس في الاسم هل هو المسمى، ويخلطون التسمية بالاسم بالمسمى.
فنقول: الأسماء، من حيث كونها كلاماً لله سح سمى بها نفسه، صفة لله، من حيث كونها كلامه. ثم هي منقسمة في معانيها التي تحتها على ثلاثة أقسام: منها ما يعبر به عن الذات؛ كذات، وشيء، وموجود. فهذا معناه الذات نفسها. وهذا مثل قولهم: الحد هو المحدود. فقولنا العلم [هو] معرفة المعلوم على ما هو به؛ فمعرفة المعلوم على ما هو به هي العلم. والحيوان الناطق المنتصب الضحاك البكاء هو الآدمي؛ والآدمي هو الحيوان الناطق الذي ينتظم ما ذكرنا من الأوصاف. ولا يمكن أن يدعى في قولنا ذات، وموجود، وشيء، أنه صفة ولا غير؛ لأن من قال ((الاسم
стр. 233
صفة ((للمسمى)) لو قال ((الذات صفة للذات)) كان قائلاً إن الشيء صفة لنفسه. ولو قال ((هو غيره)) لكان الشيء غيراً لنفسه. فالجميع لا يصح. لم يبق إلا أن الاسم الراجع إلى نفس الشيء هو الشيء؛ كما أن حد الشيء هو الشيء، والمحدود هو الحد. ولهذا حدوا الحد بأنه قول وخبر ينبئ عن حقيقة الشيء. وقال قوم حققوا القول: لا يكون حداً للشيء لكن عبارة عن الحد. لكن حد الشيء هو ما أثبت منه ذات وتركبت منه طبيعة. وقيل: ما تركبت منه طبيعة الشيء وأثبت منه ذاته. فخلافهم في الحد والمحدود نحو من خلافهم في الاسم والمسمى؛ إلا أن الحد أخص بالمحدود من الاسم بالمسمى، حيث كان الحد. فهذا حكم الاسم الراجع إلى الذات.
فأما القسم الثاني من الأسماء، فاسم دال على صفة ومشتق منها؛ كعالم، وقادر، وحي، مشتق من علم، وقدرة، وحياة؛ أو من حال هو سح عليها، على قول من يثبت الأوصاف والأحوال. فهذا اسم صفة؛ إلا أن ((عالم)) لا يقال هو نفس العلم، بخلاف ما قلنا في الأول. لأن العالم اسم لمن وصفه العلم، أو من ثبت كونه عالماً. فهو اسم لحال هو عليها أو صفة هو عليها. فهذا يحسن أن يقال اسم صفة للمسمى.
وأما القسم الثالث من الأسماء، فهو المشتق من فعل؛ كخالق، ورازق. فهذا اسم مشتق من فعل هو الخلق والرزق. وإلى هذا أشار أحمد
стр. 234
رضه بقوله ((الله هو الله)) يخص هذا الاسم- والله أعلم- لكون اسماً لا مشتقاً من فعل ولا من صفة؛ بل هو اسم خاص.
٢٤٧ - استدل بعض أصحاب الحديث علي بآيات الإضلال في كتاب الله سح. فأجابه شيخ معتزلي متقدم إليهم بالجانب الغربي يعرف بابن التبان في الكرخ بمجلس عقد ببعض دروبها، فقال: آيات الإضلال مطلقة؛ أعني التي استدللت بها. ولنا آيات مقيدة تقضي عليها.
وحقق فصلاً مليحاً، فقال: قد سمعنا، كما سمعت، آي الإضلال المطلق، وآي الإضلال المقيد. وأنا أتلو بعضها. وسمعنا كما سمعت آي التوبيخ والتعنيف والزجر والتهديد والنهي والذم على من أعرض وضل عن الهدى. ولاشك عندي وعندك في أن كلام الله سح وتع لا يتناقض. فلابد لي ولك من تخليص أنفسنا عن القول بتناقض كتاب الله بضرب من الجمع بأدلة الجمع. إما أن تكون دلالة الجمع في قوة اللفظ ومعاني الآي، أو في سياقها قبلها أو بعدها، أو تكون بعضها شاهداً لبعض بمعنىً يستخرجه العلم؛ فتوجبه اللغة أو دلالة العقل.
ووجدنا أنه قال- : ﴿يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين﴾. ثم وصف الفاسقين ﴿الذين ينقضون
стр. 235
عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض﴾. ولو لم تكن شواهد الآية، لكفى العاقل عذراً؛ لأنه سح لما كرر ذكر الإضلال في كتابه، تبين بنفيه الإضلال عن كل أحد إلا من كانت هذه صفته. فثبت أن الإضلال نوع جزاء ومقابلة إلى أن يجيء تبين ما الإضلال. ولا يجوز أن يكون المراد به الإضلال عن الهدى، وهو قد بين أنه أصل الهدى؛ وهو الكتاب الذي سماه نوراً وضياءً وهدى. لم يبق إلا أنهم ضلوا به وفيه. وسماه إضلالاً ... هذا لو لم يكن إلا هذه الآية. فكيف وهناك آيات كثيرة، مثل قوله ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾؟
٢٤٨ - استدل حنبلي في أن الزيادة في دين الرهن لا تلحق به. فقال: إن الرهن اشتغل بالحق، وبكل جزء منه؛ حيث تناوله العقد، وتناول كل جزء منه. والشغل يمنع من فراغ محل يتعلق عليه الحبس الثاني. فصار محل العقد الثاني منعدماً بالعقد الأول.
قال له حنفي ناصراً لمذهب أبي يوسف: الشغل لا يمنع الشغل، وإن كان مستوعباً؛ كتعلق الجناية على الرهن، وهو إذا كان عبداً فجنى بعد رهنه، والجناية على الجناية، وإن كان محبوساً بالأولى. ولأنه، إن
стр. 236
كان محبوساً بالأولى، إلا أنه يتسع كما أنه يصح أن يرهنه بدرهم في الأول. ثم يصح أن يرهنه بعشرة. وهذا يدل على أنه يتسع في الثاني. ألا ترى أن في الحسيات لما كان المحل لا يتسع إلا لحجر واحد، أو لجوهر واحد، لا يصح أن يقبل حجرين وجوهرين. فلما قبل في الأول عشرة، كما قبل واحداً في عقد وحد، كذلك جاز أن يقبل الحبس بدرهم بعد درهم. ألا ترى أن المحل الذي يضيق عن جسم مخصوص، والمكان الذي لا يتسع إلا لدرهم من طريق الحس، لا يتسع في الحال لدرهم ولا في الثاني.
قال: ولأنك ما تنكر على من قال لك إن العقد الثاني أوجب تفريغاً ليقبل الشغل بالدين الثاني، وهو إن صار فسخاً. وهذا قولنا في الزيادة في الثمن إنها أوجبت فسخاً للعقد الأول، وانعقد بها عقد ثان.
قال الحنبلي: الشغل يمنع الشغل حساً وحكماً. وذلك أن الشغل هو استيعاب المحل بحكم الحبس هنا، وبالملك في البيع، وبالكتابة في المكاتب، وبالحل في النكاح، إلى أمثال ذلك من أحكام العقود المعلقة على الأعيان في الحسن. إذا امتلأ محل بجسم امتنع أن يحله جسم آخر. لأن المكان مشغول، والجسم لا يدخل على الجسم. وعلة ذلك أن المداخلة إنما هي دخول الجسم في بعد خالٍ؛ والجسم ليس بخالٍ، وإن كان بعداً؛ والملأ لا يملأ، كما أن الفراغ لا يفرغ؛ لكن الملأ يفرغ، والبعد الفارغ يمتلئ.
стр. 237
وأما الجناية فتتعلق برقبة الجاني حكماً، وهي أقوى مما يتعلق بالمحل عقداً. فصار حق الجناية في قوته كالحجر. والرهن بمثابة الهواء، ولو ملى الزق هواءً لم يمنع دخول الحجر لتخلخل الهواء أو اصطكاك الحجر.
قيل: إلا أن الحجر لا يدخل على المحل المملوء بالهواء إلا ويخرج هواء يحل محله. وإلا فليس يداخل الحجر الهواء، ولا يداخل الهواء الحجر. وهنا لما طرأت الجناية من المرهون، لم يخرج العبد عن شغله بحق الرهن ودينه، بل كان على ما هو عليه من الشغل؛ وتعلق حق الجناية به، فاشتغل شغلاً ثانياً. ولأنه لو كانت العلة ما ذكرت من ضعف حق الرهن وقوة الجناية، لوجب أن لا يصح طروء حق جناية على جناية؛ كما لا يصح في الحسيات، ودخول حجر على محل قد اشتغل بحجر لتساويهما. فلما صح دخول شغل على شغل مع تساويهما في القوة، وهو شغل العبد الجاني بجناية طارئة، بطل ما ذكرت.
قال الحنبلي: والعقد الأول ثبت لرمزية السبق وشغل المحل وطروء العقد الثاني. وهو مساوي العقد الأول لفظاً ومعنىً؛ إن لم يوجب شغلاً لا يوجب تفريغاً، وإن أوجب شغلاً فلا فراغ؛ فيقبل الشغل بما قررت. وإن قلت إنه يوجب تفريغاً، فيجب أن يوجب تفريغ جميع المحل، ويصير محبوساً بالثاني. لأنه كما كان المرهون في الأول قبل العقد فارغاً،
стр. 238
قبل الاشتغال كله لما طرأ عقد الحبس عليه. فإذا كان جمعه بالرهن الأول مشغولاً، وجاء العقد الثاني، وهو صالح للتفريغ، كان يجب أن يفرغ جميعه حيث كان الشغل عاماً لجميعه.
قال الحنبلي: ولأن لفظ الرهن عقد صالح للاشتغال بالحبس. هذا هو الوضع بأصل الشرع واللغة. ولا يجوز إخراجه عن وصفه إلى الفسخ والتفريغ الذي هو ضد الشغل. ومن ادعى ذلك فعليه الدليل.
قال الحنفي في أثناء كلامه: ولأن هذا كما قلت في الزيادة في الصداق، فإنه يكون فسخاً لعقد الصداق الأول.
قال الحنبلي: أنا أقول إن عقد النكاح لحقت فيه زيادة الصداق. ولأن المهر جعل تحلة، لا عوضاً حقيقة. وإنما كان تحلة لنص القرآن وتحته معنى التحلة. لأن الزوجين تساوياً في الانتفاع؛ والحل بكل واحد منهما حل لصاحبه. يدل على ذلك تسوية القرآن بينهما ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ فصار العوض من قبل الزوج زيادة للمرأة على انتفاعها واستمتاعها؛ فكان تحلة لها. وتنصفه قبل الدخول بالطلاق تعليل التحلة بحسب ما حصل في حقها من البذلة. وهي في الجملة تحلة يقابلها ما ليس بمال.
стр. 239
٢٤٩ - فصل جرى في مسألة شرى الكافر العبد المسلم
قال حنفي: الكافر أهل للإيجاب، والعبد أهل للتملك [لأ] جل المالية التي فيه. والقابل أهل للقبول والاستيجاب. ولا وجه لمنع صحة العقد. إلا ان الذل الداخل ببذله الاستخدام منعنا منه بمنع الاستدامة.
قال له حنبلي: الأهلية منوطة بالإضافة؛ كما يمتنع لمعنى يرجع إلى نفس العين الموصوفة بالأهلية. بدليل أن الخمر ليست مالاً في حق المسلم، وكانت عندك مالاً للكافر بحكم الإضافة. والصيد ليس بمال في حق المحرم؛ وإن كان مالاً في حق المحل، وفي نفسه، لكنا جعلنا عقد المحرم عليه. وعقد المسلم على الخمر كعقد المجنون، ليس بأهل للعقد. كذلك جاز أن يجعل هذا.
قال: وأجود من هذا التحقيق أني أقول بأنه أهل لدوام الملك. والعبد المسلم فيه مالية تصلح لدوام الملك، وأهلية لدوام الملك. ثم انتصب الصغار والذل بابتذالة مانعة من الاستدامة في محل هو أهل لدوام ملكه في حق شخص هو أهل أن يدوم ملكه. جاز أن يكون في الابتداء كذلك. وأما تعويلك على أن الذل يحصل بالاستخدام الحاصل بالدوام، غلط. بل صورة الاستخدام وحقيقته مع عدم الملك لا يمنع منها بأن يكون المسلم
стр. 240
أجيراً للكافر. وأما الملك نفسه وصحة العقد الذي يترتب عليه ملكه هو الإذلال. وذلك أن الرق أصله إذلال وصغار؛ ولهذا لا يثبت إلا إثر الكفر. فيكون عقوبة في البالغ، محنةً وابتلاءً في الطفل؛ إما له في نفسه، أو لأبويه. والتملك بنقل الملك فيه إذلال؛ لأن نقل الملك فيه يوجب ذلاً بالمساومة، وبصفقات الأسواق، وانتقال الأيدي واختلافها عليه. ولهذا لما كان الاستمتاع ذلاً، كان نفس عقد النكاح ذلاً؛ وكان العقد آكد من الدوام. لأنه قد يدوم العقد على المسلمة، ما دامت في عدتها، إذا كان إسلامها تحت الكافر ويمنع من ابتداء العقد لحظة.
قال الحنفي: ملك الكافر للعبد المسلم بخلاف الخمر والصيد في حق المسلم والمحرم. بدليل أنه لا يملك بيع الصيد لما لم يملك قبوله، ولا يملك بيع الخمر لما لم يملك قبوله. وهنا يملك البيع للعبد المسلم. ولأنه لو كان نفس الملك ذلاً، لما ثبت بحكم الشرع، وهو الإرث. ولما ثبت بحكم الشرع بطل أن يكون ذلاً. لأن الشرع لا يحكم بإذلال الكافر للمسلم. فلما لم يمنع من ابتداء الملك بالإرث ومنع الاستدامة دل على ما ذكرنا من أن الذل إنما هو في الاستدامة دون الابتداء.
стр. 241
٢٥٠ - وجرى فيها فصل تملك الأب على الدوام
فقال الحنفي: الدليل على أن الذل إنما هو الدوام، لا نفس الملك، أن شرف الأبوة لم يمنع تملك الابن لأبيه؛ ولكن منع من دوامه، بحيث أنه حكم الشرع بملكه له، وزوال ملكه عقيب تملكه.
قال الحنبلي: ذلك شراء موضوع للعتق، لا للإذلال؛ فهو يخرجه به من الذل.
قال له الحنفي: هذا نفس إلزامي. لأنه إذا كان شراء الأب صحيحاً، ولا يملك الدوام، علم أن الملك نفسه ليس بذل. وإنما صار ليس بذل لأنه لا يدوم. ومعنى قولك إنه عتق، وإنه وضع للعتق، بمعنى أنه ملك وضع على وجه لا يدوم، فانتفى عنه الذل لعدم الدوام.
قال الحنبلي: لا بل لأنه يعتق، وعندك هنا يباع.
قال الحنفي: فالبيع لا يمنع منه عندك في حق الكافر للعبد المسلم؛ بل يجوز عندك. فهو كعتق الأب عقيب الملك.
قال الحنفي: ولأنك قد قررت أن نفس التملك ذل، فكيف يذل أباه وهو لحظة؟ بل لا يجوز أن يذله لحظة، ولو أعزه بها أبداً، ولو أفضت إلى عز الأبد. ألا ترى أنه لو كان أبوه عبداً لرجل فقال السيد ((إن صفعت أباك عبدي فهو حر)) فإنه لا يحل للابن أن يصفع أباه ليعتق
стр. 242
بوجود الشرط، لما كان الشرط إذلالاً واستقلالاً لأبيه. فلو كان التملك ذلاً، لكان ممنوعاً منه في حق أبيه. كما منع من إيجاد شرط يعتق عقيبه أبوه، إذا كان الشرط في نفسه ذلاً وإن كان مفضياً إلى عز.
٢٥١ - استدل شافعي في مسألة الأمر، وأنه لا يقتضي الإرادة، بإن قال القائل ((أمرت ولم أرد)) لم يعد مناقضاً؛ ولو كان من متقضاها ذلك، لعد مناقضاً؛ كما إذا قال ((أردت ولم أرد)) أو ((أمرت ولم آمر)).
قال له حنبلي معترضاً لمن خالف فيها: هذا يلزم عليه الإيجاب على أصلك. فإنه يحسن أن يقول ((أمرت ولم أوجب)) وإن كان مقتضى الأمر المطلق الإيجاب.
قال الشافعي: الأمر عندي يقتضي الإيجاب. والندب تحته. فإذا نفى الإيجاب نفى أمراً ندب في أحد الوجهين. لأن عندي في أحد الوجهين أن المندوب مأمور به.
قال الحنبلي: قد بطلت الطريقة بما ذكرنا. وعذرك أطم من الأول. لأن الندب إذا كان أمراً، وهو أقل أحوال الأمر، حملك للفطة الأمر مع الإطلاق على أعلى مقتضاها إقدام على غير متحقق. لأن الإطلاق مما له محتملان، أعلى وأدنى، يجب أن يحمل على الأدنى منهما. كالإقرار
стр. 243
بعدد مبهم بأن يقول له ((علي دراهم)) فإنه يحمل عند تعذر التفسير بموت المقر على ثلاثة، وهي أقل الأعداد. ولأن الندب، إذا كان أمراً، فلا يخلو أن يكون الإيجاب حقيقة. وهو مجاز لما فيه من نوع استدعاء؛ أو يكون الأمر صيغة تقتضي استدعاء تبين، كالأسماء المشتركة. فإن كان كالأول، فإنه مصروف مجازاً؛ فلا يقال بأنه أمر حقيقة. وليس هذا مذهبك؛ بل في العموم والندب يكون بعد التخصيص حقيقة. فما بقي على خلاف في الباقي. ويكون حقيقة في الندب بعد الصرف إليه. ولا يجوز أن يكون من الأسماء المشتركة، لأنه كان يجب مع الإطلاق أن يقف. كما قال غيرك أنها تقتضي الوقف، كما لو قال: يتربصن بأنفسهن ثلاثة، فرووا: لم تترجح القروء في الطهر على الحيض.
٢٥٢ - شذرة في الزيادة في الثمن
قال حنفي: تلحق بأن قول المكلفين وتراضيهما لا يلغى مهما أمكن. ومن ضرورة تنفيذ قولهما أن تجعل الزيادة فاسخة للعقد الأول؛ ثم تلحق الزيادة بالثمن، وينعقد العقد حكماً على الزيادة والمزيد.
قال له حنبلي: فقولنا الأول يجب أن يتأكد بحكم أنه السابق، وقد انبرم. فتنفيذ الثاني لفسخه لا وجه له، سيما واللفظ غير صالح
стр. 244
للفسخ لأنه ليس بإقالة، وإنما هو إلحاق. وما دعواك في أن الزيادة في ثمن البيع تقتضي الفسخ إلا لدعواك أن الزيادة في العبادة تقتضي الفسخ. وليس في اللفظين جميعاً صلاحية للرفع والإزالة. وإنما فيهما إثبات. إلا أن الشرع قبل الإثبات بلفظة؛ لأنه ما دامت النبوة باقية فالشريعة للزيادات والرفع قابلة. فأما البيع، فبعد انبرامه لا يجوز أن يفسخ إلا بلفظ صالح للفسخ. فإن راعيت قول المتعاقدين وتراضيهما في الثاني لينفذه فسخاً، فراع قولهما في العقد وتراضيهما بحيث لا يجيئك فيه ما يفسخه، سيما بقول لا يصلح ولم يوضع للفسخ.
٢٥٣ - فصل تذاكرنا به في بعض المجالس
وأن الإفراط في الاحتياط تضييع في الحقيقة
عقلاً وفقهاً وعادةً
أما [في] العقل، فإن الإنسان إذا دقق في تحري الاحتياط، كثر شكه واستشعاره في الناس؛ ففاتته الأرباح في التجارات، والنصرة في الحروب. لأن الإقدام على الذمم، وبيع النسيئة، والأسفار، أسباب لمصادفة الأرباح الجمة. ومن تجعد واستشعر الجنايات في المداينات، والغرق في البحر، وقطع الطريق على الظهر، قلت نهضاته، فوقفت تجاراته، ففاتته الأرباح.
стр. 245
من استشعر في الحرب من قلة العدو، كميناً وراء الصف، وأعداداً ممدة للعدو في الحرب، فاته باستشعاره اختلاس الفرصة في النكاية في العدو مع القلة؛ فصار عليه كميناً من نفسه)).
وأما في الفقه، فمن أودع وديعة في صندوق فقفله بقفلين، فقال بعض أصحاب الشافعي: يضمنه بالسرق. لأنه لما أكد الإحراز، أوهم نفاسة المحرز وعظم قيمته. لأن اللص يعلم أنه لا يزاد الإحراز إلا على الأنفس. فيكون إغراءً له بالأخذ من القافل بزيادة قفل.
وأما في العادة والحس، فإن الحزام، إذا شد يده على بعض الحزمات الأخيرة، استرخت التي قبلها؛ لأن المحزوم يلطف. وقد قالت العامة: ((شدة الشد يرخي)). وهذا كلام سخيف اللفظ خطير المعنى، أتيت به أنا في صورة حسنة، وهي قولي: ((الإفراط في الاحتياط تضييع)). وذلك أن الوصية للمحارب بالتحرز من خصمه وبيان فضله في الحرب يوجب إيقاظاً له؛ لكنه إذا أكثر، أوجب جوراً في الطبع. فإن النفس، كما أنها قد تغلب بترك التحرز، قد تقدم مع الجهالة بحال الخصم، وتجبن عند
стр. 246
التعريف. ولو لم تعلم ذلك حكماء العرب، لما انتسبت عند البراز واللقاء. ولاشك أنها لم تقصد إلا إضعاف قلوب المبارزين. فإن الإنسان، إذا عرف الصور المبارزة، [استولى عليه] الانخذال والاسترسال، واستشعر الهزيمة لما يلحظ من أيام المنتسب ووقعاته، وما تقدم له من سوابق الغلبة. ومن ذلك ما يفعله العقلاء من تهوين بعض الأمور. فإنما يقصدون فيها الوسط، لا الغاية والإفراط. كتأخرهم لقفز النهر. فإنه كما يتهيأ للقفز من جانب النهر حتى يفسح وراءه للتحمي، كذلك لا ينبغي أن يبعد حتى يفزع نفسه ويقطع قلبه عن الإقدام. لأن الإنسان، كما أنه يحتاج أن يتهيب ليحترز، يحتاج أن لا يفرط فينقطع. وتخليص الاعتدال والمقاومة طب العقل. وما أصعب هذا الأمر عند من خبر تغالب الأشياء وتقاومها، وانتهى كل شيء إلى ضده! وما أحسن ما بين الحق سح سلوك الوسط بقوله ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ فهو الذي ركب في الطباع الغالب، وجعل بينها واسطة تنهى عن الإسراف والإضاعة والبخل والإمساك، وهو الشرع المؤدب والعقل المجرب سح وتع.
ومن فهم هذا الفصل من كلام النبي عم أيضاً كما فهمه من الآية علم أن الأدلة متناصرة. قال النبي صلع: صادق صديقك هوناً ما، عسى أن يكون عدوك يوماً ما؛ وعاد عدوك هوناً ما، عسى أن يكون صديقك يوماً ما.
стр. 247
٢٥٤ - فصل
إن ذممت الدنيا بالغرور، فهلا مدحتها بما وعظت به من تصاريفها على مر الدهور. والله لقد تكشفت عن معايب توجب الزهد فيها، كما أبرزت عن محاسن توجب الرغبة فيها.
٢٥٥ - قال النبي صلع: من استنجى من ريح فليس منا.
٢٥٦ - ذكر بعض المحققين أن الريح الخارجة من السبيلين لا ينفك عن خروج خارج من نجاسة المعدة. قال: ومذهب الرافضة في نجاستها مذهب لا بأس به. لأن الخارج من السبيل إنما هو بخار؛ لأنه هواء يتبعه إنداء من المعدة. وكل هواء خرج من محل فيه رطوبة وحرارة، فلابد أن يكون بخاراً رطباً. والبخار الرطب هو أجزاء مائية ترقى به أجزاء نارية، فترتفع في الهواء. وتبين البخارية فيه بانعكاسه على الأجسام الصقيلة إنداءً؛ وما حتى أن يعود فيقطر. بخلاف الدخان الذي يترقى جسماً يابساً رمادياً في أجسام هوائية، فيستحيل رماداً يابساً، وهو الدخان الذي ينعقد في سقوف الأياوين وكل موقد. ورأينا بأن الريح الخارجة من
стр. 248
السبيل من محل يكون الخارج منه والمترقي بخاراً لا رماداً ولا هواءً محضاً، فذلك الأجزاء الرطبة بمجالسه لطيفة خارجة من المعدة. وكل رطوبة خرجت من المعدة من هذا المحل نجسة وإن قلت.
٢٥٧ - شذرات في تملك الكافر العبد المسلم.
قررها بعض الحنفية، فقال: لو كان ممنوعاً من الشرى، لمنع من الإيجاب والبيع؛ كما منع من تزويج المسلمة حيث منع من تزويجها، فلا يكون ولياً لها في عقد النكاح ولا زوجاً قابلاً. وكان يجب أن لا يرث المسلم؛ وتمنع حرمة الإسلام من تمليكه بالإرث، حيث منع من تملكه بالقبول.
قال له حنبلي: الإيجاب إزالة للصغار عنه، كما يقطع به الاستدامة عندك. وهي صغار يزيل به الملك عندنا. ولا يزال عنه صغار الدوام بأن يعتق عليه. كذلك لا يمنع من الإيجاب عندي. وأما التملك فهو بالقبول منسوب إليه واستدعاءً منه. فهو إذلال مخالف للإيجاب في بيعه والإرث له من موروثه. فإنه دخل حكماً لا استدعاءً.
قال الحنفي: فهذا باطل على أصل أحمد بتملك الحربي مال المسلم. فإنه وإن كان تملكاً للمال، لكن على سبيل القهر والاستطالة والاغتنام.
قال الحنبلي: ذاك جانب من مسألتنا، لأنهما في تملك المال سواء.
стр. 249
وربما كان الحربي آكد. ولهذا يستديم ملك الأموال؛ ولا تكون استدامته لتملك المال بالقهر إذلالاً. ويسقط ضمان ما أتلف من النفوس عفواً عنه وتركاً للاعتراض عليه فيما كان حال الحراب. إنما نسأله بالرجوع إلى الإسلام والدخول فيه.
٢٥٨ - مسألة حادثة
قال: غدير فيه كلب ميت؛ أيغتسل ويتوضأ منه؟ قيل- وبالله التوفيق: إن كان قليلاً، فلا. وكذلك إن كان متغيراً، فلا. وإن كان سليماً من القلة والتغير، لكنه أكثر من قلتين، فإن شئت فاغتسل فيه أو منه؛ وإن كان فوق القلتين، فاغتسل فيه بلا تفصيل وتوضأ فيه بلا تفصيل. فأما منه، فلا ترفع الماء أوزاعاً، فينقص بما رفعت منه أولاً ويبقى الباقي نجساً، لكن خذ ما يكفيك ضربة واحدة.
٢٥٩ - شذرة في قتل المكره
قال حنبلي: لما خير هذا بين أمرين- قيل له ((إن لم تقتل قتلناك)) _ ختار إحياء نفسه بقتل غيره. وهذا اختيار ترجيح. وإذا تعقب القتل
стр. 250
اختيار القتل وتعلق عليه المأثم، فقد اجتمعت موجبات القود في حقه.
قال له حنفي: إذا كان هذا اختياراً، فهلا وقع طلاقه وبيعه وردته؟ لأن القابل للطلاق مختاراً يطلق زوجته. فإذا لم ينفذ طلاقه ولا بيعه لأجل الإكراه، بطل ما اعتمدت عليه من الاختيار. وإذا كان اختياره بهذا القدر من الحكم بحيث أنه لا ينفذ معه الطلاق المبني على التغلب والسراية، كيف تحصل به العمدية المحضة التي توجب القود الذي مبناه على السقوط والدرء بالشبهة؟ ولأن صورة القتل التي وجدت منه باختيار كلا اختيار؛ لأنه محمول على الفعل. فصار بمثابة رمي رجل بحية على رجل، فقتلته. فإن صورة القتل وجدت بنهش الحية، وللحية اختيار؛ لأن كل حي إنما يقع فعله باختيار؛ لكن اختيارها، لما كان مقصراً، جعلت صورة القتل كأنها وجدت من الرامي بها على المنهوش. كذلك صورة القتل هنا مثله، ولا فرق. وأما المأثم، فإنه بحسب إيثار توقية نفسه. فهو بمثابة رجل رمى إلى رجل سهماً، وبقربه صبي؛ فرأى أنه [إن] ترك السهم ولم يتلفه بالصبي، أصابه فقتله لا محالة؛ فأخذ الطفل، واتقى به السهم، فقتله، فإنه يأثم، وإن كان القاتل إنما هو رامي السهم لا
следующие страницы →