Полный текст (756 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
التعريف. ولو لم تعلم ذلك حكماء العرب، لما انتسبت عند البراز واللقاء. ولاشك أنها لم تقصد إلا إضعاف قلوب المبارزين. فإن الإنسان، إذا عرف الصور المبارزة، [استولى عليه] الانخذال والاسترسال، واستشعر الهزيمة لما يلحظ من أيام المنتسب ووقعاته، وما تقدم له من سوابق الغلبة. ومن ذلك ما يفعله العقلاء من تهوين بعض الأمور. فإنما يقصدون فيها الوسط، لا الغاية والإفراط. كتأخرهم لقفز النهر. فإنه كما يتهيأ للقفز من جانب النهر حتى يفسح وراءه للتحمي، كذلك لا ينبغي أن يبعد حتى يفزع نفسه ويقطع قلبه عن الإقدام. لأن الإنسان، كما أنه يحتاج أن يتهيب ليحترز، يحتاج أن لا يفرط فينقطع. وتخليص الاعتدال والمقاومة طب العقل. وما أصعب هذا الأمر عند من خبر تغالب الأشياء وتقاومها، وانتهى كل شيء إلى ضده! وما أحسن ما بين الحق سح سلوك الوسط بقوله ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً﴾ فهو الذي ركب في الطباع الغالب، وجعل بينها واسطة تنهى عن الإسراف والإضاعة والبخل والإمساك، وهو الشرع المؤدب والعقل المجرب سح وتع.
ومن فهم هذا الفصل من كلام النبي عم أيضاً كما فهمه من الآية علم أن الأدلة متناصرة. قال النبي صلع: صادق صديقك هوناً ما، عسى أن يكون عدوك يوماً ما؛ وعاد عدوك هوناً ما، عسى أن يكون صديقك يوماً ما.
стр. 247
٢٥٤ - فصل
إن ذممت الدنيا بالغرور، فهلا مدحتها بما وعظت به من تصاريفها على مر الدهور. والله لقد تكشفت عن معايب توجب الزهد فيها، كما أبرزت عن محاسن توجب الرغبة فيها.
٢٥٥ - قال النبي صلع: من استنجى من ريح فليس منا.
٢٥٦ - ذكر بعض المحققين أن الريح الخارجة من السبيلين لا ينفك عن خروج خارج من نجاسة المعدة. قال: ومذهب الرافضة في نجاستها مذهب لا بأس به. لأن الخارج من السبيل إنما هو بخار؛ لأنه هواء يتبعه إنداء من المعدة. وكل هواء خرج من محل فيه رطوبة وحرارة، فلابد أن يكون بخاراً رطباً. والبخار الرطب هو أجزاء مائية ترقى به أجزاء نارية، فترتفع في الهواء. وتبين البخارية فيه بانعكاسه على الأجسام الصقيلة إنداءً؛ وما حتى أن يعود فيقطر. بخلاف الدخان الذي يترقى جسماً يابساً رمادياً في أجسام هوائية، فيستحيل رماداً يابساً، وهو الدخان الذي ينعقد في سقوف الأياوين وكل موقد. ورأينا بأن الريح الخارجة من
стр. 248
السبيل من محل يكون الخارج منه والمترقي بخاراً لا رماداً ولا هواءً محضاً، فذلك الأجزاء الرطبة بمجالسه لطيفة خارجة من المعدة. وكل رطوبة خرجت من المعدة من هذا المحل نجسة وإن قلت.
٢٥٧ - شذرات في تملك الكافر العبد المسلم.
قررها بعض الحنفية، فقال: لو كان ممنوعاً من الشرى، لمنع من الإيجاب والبيع؛ كما منع من تزويج المسلمة حيث منع من تزويجها، فلا يكون ولياً لها في عقد النكاح ولا زوجاً قابلاً. وكان يجب أن لا يرث المسلم؛ وتمنع حرمة الإسلام من تمليكه بالإرث، حيث منع من تملكه بالقبول.
قال له حنبلي: الإيجاب إزالة للصغار عنه، كما يقطع به الاستدامة عندك. وهي صغار يزيل به الملك عندنا. ولا يزال عنه صغار الدوام بأن يعتق عليه. كذلك لا يمنع من الإيجاب عندي. وأما التملك فهو بالقبول منسوب إليه واستدعاءً منه. فهو إذلال مخالف للإيجاب في بيعه والإرث له من موروثه. فإنه دخل حكماً لا استدعاءً.
قال الحنفي: فهذا باطل على أصل أحمد بتملك الحربي مال المسلم. فإنه وإن كان تملكاً للمال، لكن على سبيل القهر والاستطالة والاغتنام.
قال الحنبلي: ذاك جانب من مسألتنا، لأنهما في تملك المال سواء.
стр. 249
وربما كان الحربي آكد. ولهذا يستديم ملك الأموال؛ ولا تكون استدامته لتملك المال بالقهر إذلالاً. ويسقط ضمان ما أتلف من النفوس عفواً عنه وتركاً للاعتراض عليه فيما كان حال الحراب. إنما نسأله بالرجوع إلى الإسلام والدخول فيه.
٢٥٨ - مسألة حادثة
قال: غدير فيه كلب ميت؛ أيغتسل ويتوضأ منه؟ قيل- وبالله التوفيق: إن كان قليلاً، فلا. وكذلك إن كان متغيراً، فلا. وإن كان سليماً من القلة والتغير، لكنه أكثر من قلتين، فإن شئت فاغتسل فيه أو منه؛ وإن كان فوق القلتين، فاغتسل فيه بلا تفصيل وتوضأ فيه بلا تفصيل. فأما منه، فلا ترفع الماء أوزاعاً، فينقص بما رفعت منه أولاً ويبقى الباقي نجساً، لكن خذ ما يكفيك ضربة واحدة.
٢٥٩ - شذرة في قتل المكره
قال حنبلي: لما خير هذا بين أمرين- قيل له ((إن لم تقتل قتلناك)) _ ختار إحياء نفسه بقتل غيره. وهذا اختيار ترجيح. وإذا تعقب القتل
стр. 250
اختيار القتل وتعلق عليه المأثم، فقد اجتمعت موجبات القود في حقه.
قال له حنفي: إذا كان هذا اختياراً، فهلا وقع طلاقه وبيعه وردته؟ لأن القابل للطلاق مختاراً يطلق زوجته. فإذا لم ينفذ طلاقه ولا بيعه لأجل الإكراه، بطل ما اعتمدت عليه من الاختيار. وإذا كان اختياره بهذا القدر من الحكم بحيث أنه لا ينفذ معه الطلاق المبني على التغلب والسراية، كيف تحصل به العمدية المحضة التي توجب القود الذي مبناه على السقوط والدرء بالشبهة؟ ولأن صورة القتل التي وجدت منه باختيار كلا اختيار؛ لأنه محمول على الفعل. فصار بمثابة رمي رجل بحية على رجل، فقتلته. فإن صورة القتل وجدت بنهش الحية، وللحية اختيار؛ لأن كل حي إنما يقع فعله باختيار؛ لكن اختيارها، لما كان مقصراً، جعلت صورة القتل كأنها وجدت من الرامي بها على المنهوش. كذلك صورة القتل هنا مثله، ولا فرق. وأما المأثم، فإنه بحسب إيثار توقية نفسه. فهو بمثابة رجل رمى إلى رجل سهماً، وبقربه صبي؛ فرأى أنه [إن] ترك السهم ولم يتلفه بالصبي، أصابه فقتله لا محالة؛ فأخذ الطفل، واتقى به السهم، فقتله، فإنه يأثم، وإن كان القاتل إنما هو رامي السهم لا
стр. 251
المتقي. لكن الرامي يأثم مأثم القتل، والمتقي يأثم بإثم الاتقاء عن نفسه. كذلك هذا وقى نفسه بنفس المقتول.
٢٦٠ - استدل حنفي في أن الطهارة لا تفتقر إلى النية بأن الله سح خلق الماء على صفة الطهورية. قال له شافعي: لا أسلم أنه بصفة الطهورية، بل حكم الطهورية؛ والحكم يحصل بعلته؛ وعلته لا أعلم أنها قد حصلت.
قال الحنفي: إن الله سح يقول ﴿وينزل عليكم من السماء ماءً ليطهركم به﴾. وقوله ((يطهر)) إضافة لفعل التطهير إليه. فلا يحتاج إلى نية في حصول ما عزي إليه من التطهير.
قال حنبلي مذنباً على الشافعي: إن الله سح وتع، كما جعل الماء طهوراً، جعل التراب طهوراً، ومروره على الأعضاء لم يوجب طهارة إلا بشرط هو النية.
قال الحنفي: لا أسلم، على قول بعض أصحابنا.
قال الحنبلي: ولأن كونه طهوراً إنما هو آلة للتطهير فقط. فأما أن يكون مطهراً بنفسه، فلا معنى في اللفظ يدل عليه.
قال الحنفي: المحل يقبل التطهير. والماء مطهر. وما وراء ذلك لا يحتاج إليه في حصول التطهير؛ كما أنه لما كان مروياً؛ حساً ولا
стр. 252
يحتاج إلى شيء في حصول الري، ولما كان الخبز مشبعاً، كذلك فلما وصفه الباري بصفة الطهورية، والمحل يقبلها، فلا وجه لتأخير حصول التطهير مع مروره على بدن المتطهر.
٢٦١ - فصل
ما أعجب شأن العارف، وأعجب شأن الخلق معه! تبذل التجار منهم في طلب الأرباح وتعبئة الأموال، ولم يعابوا، وتبذل المحبون والعشاق والمتيمون في محبة الأشخاص، ولم يلاموا؛ وتبذل قوم في محبة الخيل والطيور والصيد، ولم يعابوا؛ تبذل قوم في عبادة بارئهم، فكير اللوام والعذال، واستهجنت منهم الأحوال والأقوال؛ وقيل فيهم كل مقول، ونسبوا إلى كل عظيم من الخطأ ومهول، وقيل ((مالهم عقول)). ومعلوم أن المتبذل في الله لا يلام عقلاً، لأنه ليس فوق إنعامه إنعام، ولا على إحسانه إحسان؛ نعمة تنهال، وبره لم يزل ولا يزال؛ يمدح على القيل وهو المعطي، ويرضى باليسير وهو الموفي. إنكم لفي قول مختلف. لا أرى لك ثبات قدم على ندم، ولا وجود، ولا موجود. ما لهذا خلقت، ولا بهذا أمرت. فارجع وأنب واستغفر وتب؛ فقد رحل إخوانك سابقين، وبقيت أنت مع المتخلفين!
стр. 253
٢٦٢ - ذكر القاضي أبو زيد في كتاب الأسرار الكبير: قال أبو حنيفة في أخبار المسح على الخفين: هي سنة قريبة من التواتر، حتى قال أبو يوسف يجوز نسخ القرآن بمثل أخبار المسح.
وقال القاضي أبو زيد: مشقة خلع الخف آكد من مشقة غسل الرأس. ثم غسل الرأس سقط تخفيفًا إلى المسح، كذلك غسل الرجل.
وقال أيضًا: الشريعة جعلت الخف بدلًا من الرجل في سراية الحدث إليه. قال: ولم تسقط المسح غسلًا واجبًا بحال؟ حتى إنه إذا أحدث وهو متخفف، فالحدث ما تعدى عن الخف، بل حل حال اللبس كما تحل الرجال حال انكشافها. وهذه دعوى منه لا بد من دليل يرجحها على قول من قال: إن الحدث في الرجل، لكن مسح الخف يسري إلى رفع حدثها. وترجيحها على ما يقع أن الحدث أبدًا يسري و ...
٢٦٣ - وذكر القاضي أبو زيد في مسألة نية الطهارة فصلًا جيدًا فقال: إن الله سح جعل الماء طهورًا، كما قال سح: ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾. والطهور اسم لما يحصل به الطهارة؛ فإذا أصاب الأعضاء النجسة طهرها،
стр. 254
لأنه حكمه بخلق الله سح. ولا يتبدل بقصده وعدم قصده. كما إذا شرب روي، قصد أو لم يقصد؛ وكما يطهر عن النجاسة الحقيقية، قصد أو لم يقصد؛ وكما يطهر عن النجاسة الحقيقية، قصد أو لم يقصد؛ وكما يحصل في الجائع شبع بأكل الطعام، قصد أو لو يقصد.
قال: فإن قيل: نعم، هذا مستقيم في المشاهدات؛ فأما في الحكميات، فلا. لأن الأحكام تثبت شرعًا وتنتفي شرعًا. ألا ترى أنكم إذا قلتم ((إن الخل يزيل النجاسة ولا يزيل الحدث)) عللتم بأن الحدث أمر شرعي لا قياسي؟ قيل في الجواب عن هذا: إن ثبوت طهارة النجس باستعمال الطهورية أمر حقيقي؛ كحصول الري بشربه، وكما في نجاسة ترى.
قال: فإن قيل: عضو المحدث ليس بنجس، وإنما هو حكم غير معقول؛ قيل في الجواب عنه: هو في حكم النجس عرفًا وشرعًا؛ لأن حكم النجاسة في حق صلاة مانعة عنها يزول بالماء، وهذا الحكم ثابت بالحدث. ولما ثبت، صار الزوال إلى الطهارة بالماء حكمًا بطبع الماء الطهور.
فإن الخل طهور لا لعينه. فإن الله تع لم يمسه طهورًا لعينه، بل لمعناه، وهو إزالة عين النجاسة. ولم يثبت ذلك بعضو المحدث. قال: وهذا سر المسألة وموضع مزل القدم. قال: فإن قيل: في الوضوء مسح، والمسح
стр. 255
غير مطهر بنفسه، قيل: الماء مطهر بنفسه، لأنه يغسلها؛ إلا أنه إذا قل حتى لم يكن شيئًا ضعف عن التطهر للنجاسة الحقيقية، لأن تطهيرها إزالة عينها؛ وفيما نحن فيه النجاسة ضعيفة، لأنه حكم دون العين، فاستغنى عن الإزالة. فصار البلل كالماء الذي يقدر على الإزالة في إفادة الطهر.
٢٦٤ - تذاكرنا في بعض مجالس الفضلاء في شأن غلام بلغ من خدمة سيد كان يخدمه جهده. ثم وقع سيده في ورطة. وكان يتهافت ويخاطر في محبته وخدمته بنفسه وماله وولده، ولا يتستر ولا يراقب. وآخر من غلمانه كان يخدمه ويتعهده في شدته وحال طلب السلطان له. غير أنه كان يتستر ويتصاون، ولا يظهر ما يفعله. ثم إن السيد زالت عنه الشدة، وعادت إليه النعمة. أيهما ينبغي أن يزيد في إكرامه: المتهافت، أم المتماسك؟ [فقلت: المتماسك] لأنه أنبأ تماسكه في الخدمة عن عقل وحكمة، حيث أكرم غيره، وحفظ نفسه. وهذا القول اختياري. والحكمة والعقل يوجبان إكرامًا بحسبهما. وقال غيري: ينبغي أن يكرم المتهافت، ويزيده إكرامًا على المتماسك. وعلل من نصر هذه الطريقة بأن تهافته أنبأ عن إفراط محبته، وحصل في طي ذلك المخاطرة بنفسه. ومن خاطر بعصمته في حقه وجب له بحسب ما بذل.
стр. 256
فبينما نحن كذلك إذ دخل الموضع حشوي جاهل. فحكينا له ما جرى بعد أن سأل ((فيم أنتم؟ )) فقال: عندي غير ذلك. فقلنا: أفدنا. فقال: اتركوا الناس مع الله فإنهما جميعًا فضوليان، الذي تهافت والذي تماسك. والله المنعم بما يشاء، المانع ما يشاء، يقضي الآجال وقت ما يشاء. فطلب المفاضلة فيما أدخلا أنفسهما فيه طلب باطل. إذ لا فضل فيما فعلاه جميعًا.
فدهشنا من كلامه. وسكتوا؛ فبادرت أنا لأعلمه مقداره من الحمق، لئلا يظن أنه قال شيئًا، ولئلا يغتر بكلامه بعض الحاضرين ممن يناسب عقله فيوهمه كلامه أنه صالح أن يعد جوابًا ثالثًا: فقلت: يا شيخ! هذا كلام من يسقط الخطاب الشرعي والحكم العقلي، ويرى أن الأمر سدى؛ ولا عقل يرجح به بين فضل الفاضل ونقص الناقص؛ ولا حقيقة يميزها العقل بفضل أو نقص. فما أشبه أن تكون مسفسطًا! وإلا فأين الرأي عن أبي بكر وتركه لنبي الله مع الله، لا يحرسه، ولا يحوطه، ولا يهاجر، ولا يدخل معه الغار، ولا يسد كوة الحريش برجله معه، ولا يذب عنه؟ وأين هذا الرأي عن الأنبياء حيث بلغوا وألحوا، وطالت مدة بلاغهم؟ وأين الله سح عن هذه الحكمة حيث أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وحذر وأنذر، ونهى وأمر، وفضل السابقين بالإنفاق والقتال على الذين لحقوا
стр. 257
في ذلك بمن تقدمهم فيه حيث يقول: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا﴾؟ وقدم العقلاء أهل الفضل والتفضل، وأخر أهل التقصير والتعطل.
وهلا تركتنا مع الله في حالنا، ولم تسل عما كنا فيه؟ ولعل كلامك في هذا فضول، وأنت فيه منقوص مفضول. فسكت هنية، وقال: ما قرأت من الهندسة شيئًا! فضحك الجماعة به، وتفرقنا لرقاعته عن المجلس، لئلا ينقطع بما لا ينفع.
وقلت لما نهضنا: سبحان من لا يخلي مجلسًا من ثقيل ينغصه، أو أحمق يفسده، أو محتشم يقبض أهله عن الانبساط! فقال لي قائل كان طيب: ((المجالس عندك على الحقيقة ما هي؟ )) قلت: ((هي المجالس الجامعة للعقلاء المتحابين المتناصفين؛ حتى إذا جرت مذاكرة، أو حدثت حادثة، لم يشبها ضغينة فتفسد، ولا تحاسد فتخرج عن التحقيق وتبعد. وإنما اعتبرت العقل لأنه أداة التمييز؛ وإنما اعتبرت التحاب لأنه يزيل العنت والعناد، فخرج الكلام صافيًا.))
قالوا: ((فهل وجدت ذلك قط، أم تقوله بالاستدلال دون الوجدان؟ )) قلت: لا يجوز أن يصح هذا في الدنيا، لأنها دار الشوائب والنوائب.
стр. 258
وإنما هي أمنية لأمر لا يستحيل كونه. وما كان أحق بذلك أهل العلم الذين يتطلبون الحقائق ويرومون رضا الخالق!
٢٦٥ - وتذاكرنا يومًا آخر ملازمة أهل الميت لقبره
فقلت أنا عذرًا لهم: إنهم أحباب فارقوا بمعانٍ، وهي الأرواح والأخلاق والنطق والحس. ولم يبق عندنا منهم أثر سوى الصور التي في الحفر. ولو أمكن تركها على وجه الأرض لتركت؛ ولكنها منعت بسوء الرائحة والاستحالات الجثثية. فأودعت في الترب، وبه حفظت. والذي بلغ إليه الجهد والطاقة والوسع ملازمة تلك الوهاد، التي تضمنت تلك الأجساد، من الأسلاف والأولاد. ولا عيب على عاقل ألف كلاً، ففاته معظم ذلك الكل، ووجد بعضه، فلزم ما وجد لعجزه عما فقد؛ ولم يترك ما قدر على وصاله وقربه، لما عجز عن وصله ببعده. وكيف لا يعذر من تمسك ببقعة تضمنت قالب الروح وهيكل النفس، وهو وطن لتلك الجوهرة العجيبة والنكتة الغريبة؟ ومعلوم تمسك النفس بآثار الظاعنين، كالديار والجدار. وقد شببت الشعراء في أشعارها بآثار القدور والأحواض وتخاطيط البيوت ومراتع النعم. وما ذلك إلا لوجد في النفس وشغف في القلب بآثار المألوفين. ومن أنكر ما اصطلح عليه العقلاء، فقد قال النكر وأبدع في القول.
стр. 259
فأما مذهبي أنا الملازمة لباب من أخذ المألوف مني وسلبني، وهو الذي أعطاني في الأول ووهبني، ملازمًة أطلب منه فيها جمع ما شت من الشمل، ووصل ما قطع من الحبل، تعويلًا على وعد ... السلام الجامعة لشمل أهل الإسلام. وأقول، بدلًا من تعداد المعددين على القبور، ما يسلي قلبي ويروح روحي:
سيدي! لا أعرف بولدي أو والدي سواك. من عندك جاء وإليك رجع. وفيما بين وهبته وسلبته قد ألفته وألفني وأنست به وأنت آنستني. وأنا أعلم قدرتك على الإعادة حسبما ابتدأت. فبعزتك ألا سكنت نيران شوقي إليه بجمعي وإياه على ما كنا من طيب العيش! فطالما كنا نتذاكر الثقة بوعدك حتى تركنا كثيرًا من نقود العيش، ونتذاكر وعيدك حتى خفنا فهجرنا ملذوذ الطبع. فيا كامل الحكمة! بلغنا آمالنا فيك! ويا كامل القدرة! أعدنا إعادةً تظفرنا فيها بما رجوناه من فضلك! وها أنا على بابك أيها الكريم أقتضيك بما لا يعزب عنك، ولا غناء لي عنه. فلا تخيب قصدي في وعدي، ولا قصد سعيي في عقدي. واحفظ لي عندك روح هذا المفقود الذي كنت بالأنس معه على أكمل لذة وأتم نعمة. وها هو اليوم
стр. 260
رهين هذه الحفرة، وأنا في أثره. فلا أزال أطالبك بما أتيني من أدوات الطلب حتى تنفذ أو تقف بي على المطلب. يا ملك الدنيا والآخرة! ارحم هذه الأعظم الناخرة. يا حنان، يا منان! يا من منّ بالإيجاد قبل الإشاقة بالوعد! من بالإعادة، فقد شوقتنا إلى البعث.
٢٦٦ - فصل تذكير
من كان عبقًا بالأذكار بحيث إن عطس قال ((الحمد لله))، وإن مات له ميت قال ((إنا لله، )) وإن قدم بين يديه طعام ليأكل قال ((بسم الله، )) وإن أخبر فلم يصدق قال ((أقسم بالله، )) وإن عرضت له حاجة قال ((يارب، )) وإن مسه الضر نادى، وإن أظلم عليه الليل ناجى، لا يكون في الأفعال كذا، [بل] عن الأوامر متخلف، وبالنواهي كلف شغف، ومع الرسم لا يقف.
المؤذن ينادي إلى الصلاة وأنت معرض؛ وحول الزكاة قد حال وأنت في وجه الفقير معبس، وللزكاة غير مخرج. وإن اتجه نحوك حق، كنت بالتأويل مسقطًا. وما هذه حال من صدرت تلك الأقوال عنه بحقيقة وجد، لكن باستعارة لفظ. وهذا لا يعمل مع الله عملًا، لأنه كالتملق؛ وذلك إنما ينفق على من لا يعول إلا على الظاهر. وهو بالعكس في حق الباري؛ لأنه لا ينظر إلا إلى المقاصد والسرائر. الظواهر عنده صور منحبطة
стр. 261
إن لم تصدر عن مقاصد صافية خالصة. ألم تسمعه يقول: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾؟ من يسمعك عبق اللسان بذكره في القسم والدعاء والأكل والشرب وعند الحاجة وعند كل حركة وسكنة يحسبك محبًا أو متخصصًا؛ فإذا خبرك في باب التكليف عرفك.
ليس تعظيم الله كثرة اذكاره باللسان. إنما التعظيم لله سح بحسن الاستجابة والامتثال. ليس تعظيم شعائر الله أن تسمن البدن للهدايا والنحر بمنا؛ تعظيم شعائر الله أن تحك البدن في خلوة، فتخاف بحك الموضع قطع شعرة، فتحكه بباطن كفك. نعم، وتكون أفعالك متناسبة. من يحترم لله في الإحرام بحيث لا يشفي نفسه من حك جسده، لا يشتفي من أخيه المسلم حال غضبه، ولا يشفي النفس من محظورات الشرع في الخلوة. حرمة الاحترام آكد من حرمة الإحرام. من هجر المحيط في الإجرام لا يلبس إذا رجع إلى بيته لباس الفجور والآثام: الابريسم المحض، أو الثوب الغصب، أو المبتاع بالمال الغصب.
الباري موجود بكل معنى وبكل حال. ولا تخصص حشمته ومواقيته ببعض الأماكن والأحوال. من يلصق جبهته بالأرض في القبلة، ويقبل حجرًا في الله، ويعدو حول بيته من غير أن يظهر له في ذلك حكمة وعلة،
стр. 262
لا يتعجرف على الحاكم إذا دعاه إلى استخلاص حق عبد الله، ولا يجور سنة في أهواء نفسه مع مخالفة الله. هذه أفعال مصانع أو صانع. وإلا فالإخلاص يوجب تسوية الأحوال في حق العمال.
إذا نظرت إلى حقائق التكليف، عرفت أنه كلفك ضد ما تميل [إليه] الطباع بالكلية. استعبد عقلك بالتسليم والتحكيم فيما تحتك عندك فيه الشبه المعترضة، ليخضع العقل له بكونه عبدًا حكمه خالقه وكلفه الاستدلال عليه بآثار صنعته. وكلف [النفوس] الرقة والرأفة أن تذبح الحيوان وتتقرب إليه بإزهاق النفوس في أجل؛ فكلفها الرقة في بعض الحيوان الذي اطمأنت على اصطياده في كل مكان. وكلف الأعضاء الخضوع والسجود والكف عما تميل إليه عبثًا وتناولًا وكمشًا. وأعد للطاعة أوفى جزاء وأسبغ عطاء.
٢٦٧ - استدل حنفي على طهارة لبن الميتة بأنه لاقى نجاسة معفوًا عنها، وهي نجاسة الباطن. وقد قال الله سح وتع ﴿من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين﴾.
فأجاب حنبلي بأن نجاسة الباطن معفو عنها ما دامت باطنة بمعنى
стр. 263
تصح الصلاة فيها محمولة. فأما أن تحكم بطهارة ما لا فيها وانفصل. فكلا؛ بدليل المخ في العظم. والآية لا حجة فيها للطهارة. لأنها خرجت مخرج التمدح بالقدرة على إخراج اللبن توكيدًا من بين مستقذرين مستجنبين. ولهذا قال ﴿سائغًا للشاربين﴾، ولم يعرض لذكر الطهارة والتمدح بالفضل، كما قال ﴿يخرج الحي من الميت﴾، وكما قال ﴿يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل﴾. وإلا فالتمدح بالحكم والوضع الشرعي فلا وجه له؛ لأنه ليس بمعجز في حقنا أن نقول، إذا لم يعترضنا معترض: ((هذا نجس، وهذا طاهر.))
٢٦٨ - فصل في مسألة الأمر
قال حنبلي: إن العرب وضعت الأسماء للأعيان، ووضعت الملفوظات للأفعال. فكما وضعت للأسد والبعير والحمار أسامي هي حقائق فيها مستعارة لما يوجد فيه بعض معانيها، كذلك وضعت للإخبار ((زيد في الدار، )) وللأمر ((ادخل الدار، )) وللنهي ((لا تدخل الدار.)) والوضع بنفسه كاف عن القرائن في باب الأسماء، وهي الأوضاع على الأعيان؛ كذلك في أوضاع الأفعال. قال: ولأنا رأينا شيوخ العرب تحسن عقوبة من توقف عن لفظة الاستدعاء من سيده، فعلمنا أن الاستدعاء موضوع للأمر من غير قرينة.
стр. 264
قال أشعري: هذا إثبات اللغة بالقياس؛ وذلك لا يجوز. وأما السيد من العرب، إذا قال لعبده، فهناك قرينة دلت على أنه استدعاء، وهي حاجة الحي إلى ما يستدعيه. ومتى خلا من حاجة كان غير معلوم أمرًا، على ما بينا. وكلامنا في الصيغة المتجردة.
قال الحنبلي: ليس هذا قياسًا؛ لكنه استقراء لكلام العرب وأوضاعها. والاستقراء ليس بقياس؛ لكنه استدلال بلغة العرب. والقياس هو وضع اسم لمعنىً عدم نص اللغة فيه، ووجد معنىً يضمها على غيره فيه. ولهذا من استقرأ أوامر النبي فرآها متبعة بمعنى، فعلم أن ذلك مقتضاها، لا يكون قائسًا. بيانه لو قال النبي صلع لرجل ((صل)) فقام وكبر وقرأ وركع وسجد، والنبي عم يراه ويقره، علمنا أن الصلاة هي ما فعل، لا الدعاء الموضوع في اللغة. كذلك لما رأينا أهل اللغة ضربوا العبد وحسنوا ضربه عند امتناعه من طاعة السيد فيما استدعاه منه، علمنا أن الاستدعاء هو ما وجد من اللفظ خاصة.
وأما قولك إن الحاجة قرينة، فلا استدعاء في حق حكيم عاقل إلا لحاجة إذًا، فاستحال تجرد الصيغة عن قرينة. ولأن أوامر الله سح، إن عريت عن حاجة منه سح لاستحالة الحاجة عليه، فما عريت عن حاجة عباده إلى طاعته لما يؤول إليه من إثابتهم ونفعهم بذلك. وما أحوجهم إلى بقاء الأبد في نعيم لا ينفد، فكان ذلك قرينة؛ فما يخلو الاستدعاء من قرينة تفيد فائدة. وكيف لا، والباري تمدح بأن أفعاله لا تتعطل عن الفوائد، حتى ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا﴾.
стр. 265
وقال: ﴿عبثًا﴾. والعبث والباطل ما خلا عن فائدة للفاعل أو لغيره. والباري منزه عن الفوائد لنفسه؛ لأنه الغني الذي لا تتصور عليه الحاجة. لكن خلقه يحتاجون إلى فوائده. فاستحال خلو الاستدعاء عن قرينة؛ فوجب أن يستحيل مذهبك، وهو القول بالوقف.
٢٦٩ - شذرة
قال حنبلي في الزكاة المعجلة إلى المسكين إذا ارتد أو مات أو استغنى من غيرها قبل الحول: معلوم أن القصد من الدفع إغناء الفقير. فإذا حصل المقصود وجب أن يحصل الإجزاء؛ كما لو استغنى بها وبأرباحها. ولا يكون مانعًا من وقوع الفرض؛ لأنه من المحال أن يمنع المقصود حصول المقصود.
قال حنبلي معترضًا عليه لأصحاب الشافعي وناصرًا لقولهم: فرق بين أن يحصل الغناء بها وبين حصول الغناء بغيرها. بدليل أن نقصان النصاب في حق الغني، إذا كان بالمخرج، لم يمنع وقوع المعجل موقعه. ولو كان بتلف بعض المال وبغير المخرج في الجملة، كان مانعًا. فإذا افترق الحال بين نقصان المال بما قدمه وعجله، وبين نقصانه بغيره، جاز أن يفترق الحال بين غناء الفقير بها وبين غنائه بغيرها.
стр. 266
٢٧٠ - وجرى في المسألة من الحنبلي المستدل فيها أن قال: أليس لو قدم عتق العبد في الكفارة وهو مسلم -أعني العبد -حين العتق، ثم ارتد قبل حنث المكفر، أو قبل موت المخروج، وبعد خرج الخارج له، فإنه لا يمنع ردته في الثاني وقوع العتق عن التكفير؟ كذلك ههنا.
قيل له: العتق إتلاف للرق. وما أتلف في العبادة لا يسترجع! بخلاف المخرج ههنا؛ فإنه نقل، وهو على حكم الملك عندك. بخلاف ما قال أبو حنيفة؛ فإن عنده ليس على حكم الملك. ولهذا اعتبر أبو حنيفة أن يكون المعجل غير منقص للنصاب. ولم تعتبر ذلك، بل قلت يجوز تعجيل ما ينقص به النصاب عند حؤول الحول. وإذا كان على حكم الملك، جاز أن يرجع فيه عند فوات الشرط، بدليل ما لو عجل الأرش؛ وهذا أشبه. فإنه لو عجل أرش السن أو ضوء العين، فعادت السن ونبتت وعاد ضوء العين، رجع فيه؛ كذلك ههنا؛ لأنه أخذه بحكم الظاهر، وهنا أخذه بحكم الظاهر أخذا غير قاطع لملك الدافع بالكلية.
٢٧١ - شذرة في الكلب للماء الطاهر من الإبدال
إنها تساوي المبدلات؛ لأنها جعلت سادة تسدها. والموازنة من الشرع في البدلية لا تخطئ المماثلة. فإن تعذرت المماثلة، أبدلها بخير بنوع زيادة؛ كإعداد الإبل في الدية لما عدمت المماثلة وتعذرت بكون القتل
стр. 267
غير صالح لإيجاب القصاص. وخبر التيمم عندهم بالنية، وعندنا بالتعيين؛ وخبر الكتابة بدلالة حال أو نية.
٢٧٢ - شذرة في الأمر هل يدل على الوجوب أو يقتضيه
قال معتزلي في بعض مجالس النظر: ليس في قوة اللفظة إلا الاستدعاء.
ومعنى الإيجاب هو استحقاق الذم والعقاب بالترك، واستحقاق الإثابة بالطاعة والامتثال. ولو كان ذلك من مقتضى اللفظة، لوجب أن لا يصح نقلها من الأعلى إلى الأدنى. ومعلوم أن الأدنى يأتي بالصيغة، فيكون سؤالاً للأعلى. ولو كان مقتضاها ما ذكرتم، لما صح نقلها رأسًا، وكان متى أتى بها الأدنى استهجنت واستحال معناها. فكانت تصير بمثابة قول الأدنى والواحد من الرعية الحاكي من ولاية حكم الأعلى: ((حكمت عليك، )) و ((فرضت، )) و ((أوجبت، )) و ((ألزمتك.)) فإنه لما كانت قوة اللفظة الإلزام والحتم والحكم، وفيها استدعاء، لا جرم لم نقل، إذا جاء بها الأدنى، ((كانت في حقه سؤالاً واستدعاءً خاليًا من إلزام وانحبط الإلزام منها؛ )) بل نقول ((يكون لغوا من الكلام.)) وكذلك إذا نقلت ألفاظ المدحة من عالم وشريف وجليل وحكيم إلى سفيه وضيع، استحالت عن وضعها وصارت مجانة وهزؤًا. فلما جئنا إلى هذه اللفظة، وكانت من الأدنى استدعاء أيضًا على صفة، هو السؤال، ومن النائب استدعاءً على صفة، علم أنه
стр. 268
ليس في قواها الإيجاب، لكن في قواها الاستدعاء. ألا ترى أنه لما لم يكن في معناها ومقتضاها الترك ولا الكف، لا جرم إذا نقلت بدلالة الحال إلى المهدد والمعجز، صارت زجرًا عن الفعل في حقه، فاستحالت إلى ضدها.
قال له مجيب حنبلي من أهل العلم بالأصول: أنا لا أقول إن في قوة اللفظة وجوب العقاب على المخالفة. لكن ذاك حكم يترتب على كونها تقتضي الاستدعاء الحتم. فلما نقلت إلى الدني الرتبة، وليس في قوة حاله وتسلطه أن يحتم أمره واستدعاءه على سلطانه وأبيه وسيده، كانت اللفظة بمقتضاها الأول في الوضع، وهو الاستدعاء خاصة دون الإيجاب، وانحبط الإيجاب لمكان عدم الرتبة.
قال المعتزلي: الله أكبر! فهذا الكلام منك شاهد عليك بأن الصيغة في أصل وضعها للاستدعاء والإيجاب زائد من زوائدها الصالح لها بدلالة وقرينة هي غيرها. قال: وأنا أوضح ذلك. وهو أن السامع إذا سمع هذه الصيغة من وراء جدار، ولا شاهد حال من لفظ ولا قرينة ولا علم، لم يدر أسؤال هي أم أمر، أو تهديد، أو تعجيز. فإنه يحملها على ظاهر محتملاتها من الاستدعاء. ولا يوجب ذلك توقفه بإجماع منا جميعًا؛ خلاف الأشاعرة. وأما الإيجاب، فأمر زائد على الاستدعاء؛ فعلم أنه لا يثبت بمجرد الصيغة، لكن بدلالة.
стр. 269
قال له الحنبلي: من حيث حملت الصيغة على الأمر مع احتمالها السؤال، وهو أقل ما يحتمله من رتب الاستدعاء، جاز أن تحمل على الإيجاب دون الندب، وإن كان الإيجاب أعلى محتمليها.
قال المعتزلي: هذا كلام من يظنني أقول بأني أحكم على الصيغة التي أسمعها من شخص من وراء جدار بأنها أمر. كلا؛ بل تقتضي الاستدعاء؛ إذ لا علم لي بالرتبة. والرتبة من شروط كونها أمرًا. قال: وإنما أقول إنني، بعد علمي بأنها أمر بالرتبة، لا أحملها على الإيجاب إلا بدلالة.
قال له الحنبلي: فإذا عدمت العلم بالرتبة لعدم شاهد حال، أو قرينة من لفظ، لم حكمت بكونها استدعاء ومعلوم أنها مستعملة بنفسها في ضده، وهو الزجر؟
قال المعتزلي: هذا لا ينفعل. لأنا أجمعنا على فساد ذلك، وأنه لا تقتضيه اللفظة، لكن القرينة تخرجه إلى الضد بدلالة. فأما كون الأمر أمرًا لا بد فيه من الرتبة ليتحقق أمرًا، فإذا تحقق أمرًا، لم نعلمه أمرًا على صفة زائدة، وهو الحتم، إلا بقرينة تدل؛ ومع الإطلاق لا قرينة.
قال الحنبلي على أصل القاعدة: الاستدعاء المطلق يقتضي إيجاب المستدعى. وذلك لا يحصل إلا باستدعاء على صفة هو الحتم والإيجاب.
стр. 270
قال له المعتزلي: ولم قلت ذلك، وما أنكرت على من قال إن الندب والحث يكفي في اقتضاء إيجاب المستدعى؟
قال له الحنبلي: لو كفى ذاك في الأمر لكفى التنزيه في النهي، ولم يحتج إلى الحتم وإيجاب الترك. ولم نقل إن التنزيه والكراهة كافية في كف المكلف، فنحمله على أقل محتمليه؛ كذلك لا نقول الندب كافٍ في استدعاء المأمور به، ولا نحمله على الإيجاب.
قال الحنبلي: وأما وصف السفيه بالحكمة والجاهل بالعلم يكون استهزاء ويستحيل؛ لأن اللفظ موضوع للمدحة، لكن لا بد من محل صالح يعلق عليه. فصار مع عدم المحلية مستحيلاً إلى التهزؤ؛ كوزانه من مسألتنا قول الباري لنا: ﴿كونوا حجارةً أو حديدًا﴾، ﴿لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون﴾، ﴿ذق إنك أنت العزيز الحكيم﴾. هذا تعجيز، لا استدعاء؛ وهو بصيغة الاستدعاء. وإنما صار تعجيزًا لاستحالة معنى الاستدعاء من المحل.
جئنا إلى مسألتنا. معلوم أن الصيغة صالحة للاستدعاء إيجابًا إذا كانت من الأعلى للأدنى. والأدنى صالح أن يوجب عليه الأعلى. فإذا نقلناها إلى الأدنى وعلقناها على الأعلى فهي استدعاء. لكن المحل لا يصلح لإيجاب من هو دونه عليه. فحملناها على استدعاء على صفة يكون الأعلى مخيرًا
стр. 271
بين إجابته وبين تركه. فأعطينا اللفظة حقها، وأعطينا اللافظ بها والمستدعى منه حقه. فإن كان أهلاً أن يوجب أوجبنا، وإلا لم نوجب. ولا يدل ذلك على أن الإيجاب من زوائد معاني اللفظة، لكن من مقتضاها الذي يحتاج إلى محل؛ كما أن أصل الصيغة هي استدعاء، ولا يتحقق أمرًا إلا بالرتبة. ولا نقول نحن، ولا أنت، إن الرتبة قرينة جعلت اللفظة بعد أن لم تكن أمرًا أمرًا، بل قلنا هي شرط لكون الصيغة أمرًا. كذلك إذا علقت على الأعلى كانت سؤالاً، لا أنها خرجت بالقرينة عن موضوعها فاستحالت سؤالاً.
٢٧٣ - فصل وعظي من معنى المسألة
أنت أبدًا تنسى نفسك وقدرك عند كلامك في الله واعتراضك عليه. ولو ذكرت مقدارك بالإضافة إليه، تكلمت كلامًا صغيرًا بحسبك، ولا تتكلم كبارًا بقول ((لم)) و ((كيف))، و ((لو صنع هذا لكان أحسن وأتقن، )) و ((لو قال كذا لكان أفصح.)) العامة تقول: ((لعن الله صبيًا أكبر من أبيه.)) ولكن ما أوقع اللعن في حق عبد أكبر من سيده، ومخلوق يتكبر على خالقه، ومحكم يتحاكم على محكمه! ما بلغ علمك إلى الحد الذي يزري على علوم الشرع، وتدابير هذا الرب سح. ولكن هذا كله وأمثاله دخل من باب جهلك بنفسك. ولو علمت مقدارك لعلمت مقدار
стр. 272
صانعك، إما تعظيمًا لنفسك، فعظم من صنعها، أو استزراءً بها، فلا تتحاكم على محكمها. فأنت في كلا الحلين معظمًا لنفسك أو مقللاً لها. لا ينبغي أن تبدر منك بادرة اعتراض عليه ولا تحكم؛ لكن يجب عليك بحكم الصيغة أن تسلم لأفعاله وتحكم حكمته.
٢٧٤ - فصل
عجبي ممن ينتحل نحلة الإسلام، ويزعم أنه على دين محمد صلعم، وهو يعلم محل الصديق من الدين، وتأثيره في الإسلام، بالسبق إلى التصديق والإنفاق بالهجرة والنصرة وما أيد به هذه الملة، حتى عجز الأهل عن مقامه وتقاعدوا عن إقدامه، ثم إنه يقدم عليه شخصًا أو يفضل عليه أحدًا. ما هو -والله -إلا الزندقة التي أوجبت بغض من اختبر هذا الأمر. ومحال محبة شخص أو ملة مع التقاصر بمقيمهما وناصرهما. ما أثر -والله -بغضه أو تنقصه إلا بغض ما قام به. ولا معيار التدين عندي إلا نحل ذلك الشيخ الكريم والشخص النبيل العظيم. وما أثق من نفسي بخلة ربما كانت منجية لي إلا تعظيمه وتوقيره؛ ولا قويت -والله -منتي في أمر ديني وأنست إلى معجزات نبي عم إلا حيث كان مثل ذلك الشيخ
стр. 273
ناظرًا لي. وكفاني به ناظرًا ومعتبرًا ومنتقدًا. فهو -والله -لي أكثر من نظري وعيني.
٢٧٥ - فصل
من أعظم الذنوب وأقبحها أن تغر أخاك بفعل، حتى إذا فعله عدت بفعله ذامًا ومعيرًا. وهذا عقوبته من الله عظيمة، ومقابلته سريعة. لأن الله سح جعلك أهدى إلى الخير والشر بقوة الرأي. فصرفت القوة التي هي نعمة الله عليك إلى إغواء أخيك وغروره؛ حتى إذا وقع في ورطته، واستحكمت مصيبته بما دلست عليه من أمر، زدته بالمعيرة بلاء. والله مطلع، وهو المعطي السالب. ومن أحد عقوباته استرجاع نعمته وتركك تتعثر في أمورك وتتخبط عشواء في آرائك. فالله الله في أذية عباده! فإنه بالمرصاد.
٢٧٦ - فصل
سيدي! قد تدبرت الخلق فما رأيت منهم إلا صانعًا أو مصانعًا. ورأيت جل غرضهم وأكبر همهم الدنيا. وكل منهم قد اعتمد على ذخيرة. فهذا يذخر العقار، وهذا يذخر العقار؛ فهذا يقتني الدرهم والدينار، وهذا يذخر معارف الرجال. ورأيت كلاً منهم عند الموت يفزع إلى اسمك
стр. 274
وتوحيدك والتعلق بأذيال عفوك. فرأيتهم بعين الإفلاس من الرأي، حيث لم يقدموا من أمرهم ما أخروا، وتعجلوا من التعلق بك ما أجلوا.
فكنت، إذا فرح الناس بموجودهم منك وعنوا بما آتيتهم من لدنك، غنيًا بوجودك، معولاً على شهودك، مذخرًا لك في شدائدي، معولاً عليك في أوابدي. فما خاب قط أملي فيك، ولا رجائي في لطفك؛ بل وجدتك في شدائد الدنيا آخذًا بضبعي؛ إن عثرت أنعشت، وإن افتقرت أغنيت وإن سقمت عافيت وشفيت، وإن تشردت آويت، وإن عطشت أرويت، وإن جعت أطعمت، وإن ضللت هديت. فأنبأني عنك عاجل أمري، وحدثتني آمالي فيك عن تواني أحوالي معك.
فها أنا لا أرجو سواك، ولا آمل غيرك، ولا تعبد أطماعي أحدًا من خلقك. وطالما عبدت لأنني كنت بصورة من استقرئ طرق الطلب حتى وجدت، وأنحت عن طريق سليم إليك حتى ظفرت، ولم أجد ذلك إلا في خبري بخلقك وأنهم مفاليس من كل ضر ونفع. ومع ذلك فأنا أستغفر الله من وقوفي معهم حال تصفحي لأحوالهم، وأنا أشهد ان لا إله إلا الله من شركي حال الاعتماد عليهم اختبارًا لهم، وأقطع زنانير الإضافات إليهم.
стр. 275
٢٧٧ - فصل في المندوب
١. استدل حنبلي ناصرًا لمذهب الكرخي والرازي، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي، وأنه ليس بأمر، وإنما يتجوز به في الأمر، فقال: خصيصة الأمر في حق من يعتقد أن مقتضاه الوجوب استحقاق الذم والعقوبة على مخالفته وتسمية التارك عاصيًا. ومحال أن تزول الخصيصة وتبقى حقيقة الاسم.
قال له حنبلي ينصر مذهب أحمد: ما أنكرت على من قال بأن الوجوب غايته وأن الأمر مستقل بما تحته ودونه. كالعموم يقتضي استغراق الجنس بالكلية، ويبقى عمومًا وإن أخرج منه ما يخرج.
قال المستدل: فقد بان بكلامك هذا أن الأمر يستقل بالندب مع حذف الإيجاب عنه وإسقاطه منه. وهذا متى حققته على نفسك، أوجبت عليك أن لا تجعل مطلق الأمر يقتضيه. لإنه قد بان أنه صفة زائدة على كونه أمرًا. ولو كان زائدًا، لاحتاج في أصل ثبوته إلى قرينة. كالجودة والبياض في الدراهم، لما كان صفة زائدة على المقدار في عشرة دراهم، احتاج إلى أن يقول ((عشرة نقية أو بيضاء.)) فتكون الدراهم جملة تلزم بقوله ((عشرة، )) والصفة فيها من البياض والنقاء تثبت بالقرينة، ومع الإطلاق لا يقتضي إلا ما فسرته من القدر إذا لم يكن قرينة من لفظ ولا عرف، كنقد بلد
стр. 276
أو غيره. فإذا زالت الصفة بقرينة، لم يختل من اسم الجملة شيء. فإذا زال درهم، اختل اسم العشرة. فلما كان الوجوب مقتضى إطلاق هذه الصيغة من غير قرينة، علم أنه ليس من زوائدها. وإذا لم يكن من زوائدها، فمحال أن تخرج عن كونها موجبة إلى كونها نادبة إلا وتختل عن الاسم، فتخرج عن أن تكون أمرًا حقيقة. إذ لو كان الوجوب من زوائدها التي تزول وهي بحالها حقيقة في الأمر، لكان يثبت بإطلاقها الندب؛ إذ هو حقيقة أمر. وفارق العموم، لأن الصيغة الصالحة لجميع الجنس ابتداءً تصلح لبعض الجنس في الابتداء، فجاز أن تبقى على بعض الجنس في الانتهاء. وليس بموضوع حقيقة بجماعة مخصوصة. ولهذا يحسن أن يقال ((من عندك، )) و ((من)) من حروف العموم، فتقول ((عندي زيد وعمرو)) ويكون جوابا صحيحًا.
قال الآخر: العموم لازم لك إذا سلمته. فإنه لا يقع في الابتداء من غير قرينة إلا على العموم والشمول في جميع الجنس. وإذا أزالت القرينة بعضه، بقي في بعض من الجملة. وما هو تحت الجملة كمال حقيقة. ولا يكون ما انتقص منه جاعلاً فيما بقي مجازًا، وإن كان قد أخرج التخصيص ما كان به شاملاً لكل جنس وبقاه على بعض الجملة. والبعض تحت الكل، كما أن الندب تحت الإيجاب.
стр. 277
٢٧٨ - فصل
قال الله سح وتع: ﴿واجعلوا بيوتكم قبلةً﴾، قبلة جهة للطاعات ومستقبلاً لله سح في العبادات. ومن كان مأمورًا أن يجعل بيته قبلة، وهو موضع الغفلة ومناخ البطالة، أولى أن يعقل عن الله أن يجعل مواطن العبادات محترمة عن تبديلها بأمور الدنيا. وأرى أهل زماننا جعلوا مساجدهم متاجر وأشواقًا، وجعلوا بيوتهم قبورًا.
٢٧٩ - شذرة في الأمر إذا صرف عن الوجوب إلى الندب
قال أصولي ينصر مذهب من بقاه على كونه أمرًا: معلوم أن صيغة الأمر تقتضي الثواب على الفعل والعقوبة على الترك. فإذا زال بالقرينة استحقاق الذم والعقاب بالترك، بقي كونه يقتضي الإثابة. فبقي على بعض ما اقتضاه. وذلك لا يمنع كونه حقيقة فيما بقي. كالعموم يقتضي، في قوله ﴿اقتلوا المشركين﴾، مثلاً ما، قتل الكتابيين والوثنيين. فإذا جاء التخصيص فأخرج بعض ما دخل تحته واقتضاه، وهم أهل الكتاب، بقي متناولاً لبعض ما اقتضاه ودخل تحته، وهم الوثنيون، بقي حقيقة في الباقي غير مجاز فيه.
стр. 278
قال المتكلم له: لا أسلم، وأقول بما قال عيسى بن أبان والمعتزلة: يصير مجازًا فيما بقي. وكيف يكون الخصوص، وهو ضد العموم، حقيقة؟ وبالدليل الذي جعلت الندب مجازًا أجعل الخصوص مجازًا. وإن سلمت نظرًا في العموم لا أسلم أن مقتضى صيغة الأمر الإثابة؛ بل العقاب على الترك هو مقتضاها. لأن الإيجاب هو الأمر الحتم الملزم للمستدعى منه المستدعى من الفعل، والعقاب على تركه من خصيصة إلزامه وإيجابه وانحتامه. فأما الإثابة فلا تلزم. فإن طاعة الأدنى للأعلى فيما استدعاه منه، سيما إذا كان في حق العبد مع سيده، والابن مع أبيه، وحق المكلف مع الله سح، فإنه بالمخالفة يستحق العقاب، وبالطاعة لا يستحق عليه الثواب؛ لكن الإثابة تابعة للاستجابة تفضلاً. فليس من ضرورة الأمر الإثابة، ومن ضرورته العقوبة والذم على المخالفة لاستحقاق الطاعة على المستدعى منه. وفارق العموم. فإن كل واحد من المشركين مستحق دخوله في صيغة قوله ﴿اقتلوا المشركين﴾؛ لأنها صيغة جمع تشمل كل من اتصف بهذه الصفة، وهو الشرك. فإذا أخرج الخصوص بعض الأشخاص بقي الجمع برمته في ثلاث، وفي كل جملة تصلح للابتداء أن تسمى مشركين. ولم يبق بعد إخراج اللفظة عن أن يستحق الذم على مخالفتها ما يقتضي نوعًا من العقاب والذم، فلا يبقى حقيقة.
стр. 279
قال: ولأن التقرير الذي ذكرت ببطل به إذا زالت الرتبة بمزيل، وهو إن صار اللافظ بها أدنى والمستدعى منه أعلى بأن انحطت رتبة المستدعي وعظمت رتبة المستدعى منه، فإنها تبقى أيضًا على بعض ما اقتضت، وهو كونها استدعاء، وتخرج عن حقيقة الأمر؛ بخلاف العموم، فإنه لا يخرج عن الحقيقة إلى المجاز، مهما بقي جملة يقال فيها ((عم يعم.)) فلما لم يبق بعد زوال الرتبة من الاستدعاء أمر حقيقة، كذلك لا يبقى بعد زوال استحقاق الذم بمخالفة الصيغة أمر حقيقة.
قال: إنما لم يبق استحقاق اسم الأمر بعد صرفه إلى السؤال، لأنه لم يبق ما يكون الاستجابة له طاعة.
قاله له: إلا أنه بقي ما يكون الاستجابة له موافقة واستجابة ومتابعة وإعطاء. وذلك من آثار الاستدعاء.
٢٨٠ - فصل
قد عرف محل الأقوال والأفعال بالوحي في حق أقوام عاصروا النبوات. هذا يقول في عظم نخر ((هذا يحيا)). فينزل الله تع فيه ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه﴾. وهذا يقول: ﴿أنى يحي هذه الله بعد موتها﴾، فيميته الله مائة عام ثم يبعثه فيقول: ﴿أولم تؤمن﴾. وهذا يرفع صوته، فيقال: ﴿لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي﴾ إلى قوله: ﴿أن تخبط أعمالكم﴾. فلو كان الوحي متصلاً، لساءك ما ينزل فيك عند فرطاتك وغلطاتك وتهجمك بالاعتراض والقول الذي لا تحتمله الحكمة منك. فإن
стр. 280
فاتك الوحي في جواب كلماتك وتصرفاتك، فلا تفوتك موازنة ما تقول وتفعل بما نزل في مثله العتبى أو العقوبة. فإذا وازنت علمت أن لك عند الله جوابًا لم يفتك منه إلا تعجيله، وأنه مؤجل لك إلى وقت يسوءك الموافقة فضلاً عن المقابلة.
ولو أنصفت نفسك اليوم، لكان في حوادث الأيام من دلائل القدرة ومتقنات الحكمة ما يكون لك جوابًا ولشبهتك مزيلاً. فإذا خطر على قلبك أو جرى في قولك ﴿أنى يحي﴾ كانت سحائب السماء بوابلها ألسنا ناطقة بالتهجين لك، حيث حيا بها عشب الأرض ونباتها وزهرها، حتى عادت عيونًا محدقة وذواتًا محققة تشهد لصانعها بالقدرة، ولمحكمها ومتقنها بالحكمة.
وما أغناك عن التدبر بسواك! يكفيك ما أحيا منك وأمات فيك من أعضاء وصفات وقوى وأخلاق. تمسي على صفة فتصبح بغيرها؛ وتصبح بخلق فتمسي وقد عدمته. ذاك الذي أمات الأشخاص، وفرق الأجزاء، وأعدم الصفات. وهو المعيد لما أمات، والمفيد لما أفات.
٢٨١ - تذاكرنا في بعض مجالس المذاكرات والمقابسات من أين يجيء تنافر
стр. 281
الناس في مقادير الإكرام من الهشاشة والقيام، إلى ما شاكل ذلك، عند التلاقي. وما ينبوع التنافس في المجالس والتشاجر في المناصب عند الاجتماع. قال عالم: أقول -وبالله التوفيق لإصابة الغرض:
إن الناس متفاوتون في الأقدار بحسب أسباب الأقدار. وكل منهم يرى السبب الذي يمت به بعين التعظيم. كالنسيب يرى نسبه فيرفعه في عين نفسه فيمتلئ به، حتى إنه يرى انحطاط كل من دونه؛ سيما إن أعانه على ذلك توحده بالنسب في محلته أو دربه الذي يسكنه. فيخاطب بالسيد والشريف. ويتقاصر له من دونه في نسبه تقاصرًا يوجبهم انحطاط رتبهم عن نسبه. فيألف الإكرام من أولئك الأقوام. فيخرج إلى من يرى نفسه بنوع آخر من الفضل. كعالم بين جهال يدأب نفسه في العلوم ويجهدها في تخليص الفهوم. فيتقاصر عنه جيرته وأهل محلته وعشيرته تقاصر الجهال للعالم. فيرى لنفسه حقًا على من جهل علمه. وإن كان نسيبًا فيخرج إلى ذلك النسيب. وآخر ينقطع إلى عبادة ربه، ويتصور بإدمان الخلوة أن لا رتبة تستحق الإكرام دون رتبته، ويخل بإدمان آداب المخالطة فيخرج على ما به. وآخر يتميز بنوع حده، وغني بين فقراء ربما واساهم فأكرموه لمواساته أو للطمع فيه، فيضرعون له ضرع الطامعين للمطموع
стр. 282
فيه، فيخرج على ما به. حتى إذا جمع هؤلاء مجلس ترفع كل واحد بامتلائه بخصيصته فيقع التنافر بينهم.
والمعدل لهذه الأحوال هو العقل الذي يحصل به الإنصاف لمن أنصف، أو المسامحة لمن قصر في الحق وطفف. فالعاقل يزن نفسه بزنتها. فإن اجتمع به منصف رضي بما ظهر من إنصافه، فقد زال الخلاف بينهما. وإن اجتمع به متحيف متعجرف جاهل بمقدار غيره لامتلائه برؤية نفسه، ألان له هذا العاقل جانبه وسامحه، فترك الاقتضاء بحق نفسه، ووفى ذلك الجاهل حقه وزاده ما يرضيه به من الإكرام. فالعقل سكان كل شغب وفساد اعتدال.
ورأى العاقل، إن كان ذا سلطان ويدان، لا يسامح، بخلاف الأمثال ممن لا سلطان له. وإنما فرقت بين السلطان المتسلط وبين المماثل لأن المماثل استحببنا له التواضع والمسامحة، كيلا يقع الخلف وينشأ الشغب والفساد. فأما السلطان، فإنه إذا قوم المتأود، وحقق على المتعجرف، ورد كل إنسان عن استطالته إلى حده ورتبته، أمنت غوائل تحقيقه على رعاياه لقوته وتسلطه. فكما أنه يحقق مقادير الرجال، يقوم من تعدى عند تحقيق هذه الحال، وينتفع بتقويمه جماعة المستطيلين والمستطال عليهم. لأن المستطيل بجهالته لا يخلو من مغالب له ومصاول. وصول السلطان أحب إلينا من صول الرعايا. لأن صول السلطان يمنع المنافرة بين الرعايا.
стр. 283
وصول بعضهم على بعض بفضي إلى التهارج. وما أقبح بالعاقل أن يحوج إلى تقويم السلطان. لأنه يفضي إلى دوام تأديبه. لأنه حال الطفولة تحت أدب الوالدين مقوم بتقويمهما. وبعد أن شب وترعرع صار تحت حجر المعلم والأستاذ. فإذا كبر وشاب، صار تحت حجر السلطان، لا يستغني عن تقويمه. فمتى يخرج هذا من حجر الرجال؟ ومن كان كذا لا يكون راعيًا لنفسه قط، بل غيره يرعاه. فهذا كالسوائم. فما الذي أفاده العقل؟ وما الذي هذب منه الشرع؟ نعوذ بالله من خذلان يحمل على ترك الانحياش لله، والكون تحت تصريفع وتأديبه، والرضا بالكون تحت حجر المخلوقين والأمثال!
٢٨٢ - ما أعظم تفاوت الأحوال! بعض الحكماء الإلهيين يقولون ((في الحكمة ما يغني عن السفراء.)) فعطلوا الشرائع واقتنعوا بما توديهم إليه العقول وتؤديهم به الألباب والنهي. وبعض الفطناء جعلوا العقول مستبعدة للشرع حاكمة على أمر الدنيا وسياساتها التي لم يوجد فيها نص من شرع. وبعض السفاف عطلوا الشرائع طلبًا للراحة من الحجر والتكلف، وعطلوا العقول. فهم أبدًا في الدنيا بين استطالة الشرعيين عليهم بإقامة الحدود والإهانة بسائر العقوبات، وبين استطالة العقلاء عليهم في تقويمهم عند شطحهم وخروجهم عن سمت سياسات العقل. فهم كالبهائم، إن خليت أكلتها الوحوش، وإن صمدت
стр. 284
للأعمال وحمل الأثقال أتى عليها الكد بالهلاك والاستئصال. فسبحان القسام بين الخلق حظوظهم من المنافع والمضار!
٢٨٣ - وتذاكرنا في بعض المجالس أمر المصاب، هل الأفضل تخفره عن الناس واعتزاله، أو تكشفه وظهوره. فقال بعض الحاضرين: بل ظهوره، ليتسلى بكلام المعزين ويتشاغل عن أن يخلو به الحزن فيعمل في نفسه وينكي قلبه، خير من الانفراد. فإن المنفرد يخلو بمصابه، ويتشكل له المصاب به نصب عينيه. فلا يزال يعمل في صفاته حتى يأتي على مقاتله.
وقال آخر: بل انفراده؛ ليستريح من كلفة التجمل والتعمل. لأنه ربما أراد إظهار التجلد لحاسد، والتعمل لحكيم ناه له عن الجوع، والتباكي في غير أوان البكاء، خوف عياب له على الصبر. فإن كما في الناس عائب على الحزن والجزع، وهم أعداد من أهل الشرع والحكمة، كذلك فيهم عياب على التماسك؛ لأنهم يعدون ذلك قلة وفاء وألف وحباسة طبع وقساوة قلب؛ وكلاهما عيب. وما أشغل المصاب المحزن بحزنه عن تكلف هذه الأمور وتحمل هذه الأثقال! نعم، وفي خلال ذلك إن قصر بحق قاصد، فالويل له من القاصد ينسبه في ذلك إلى الكبر والخيلاء والعجرفة.
وجرى بين الفريقين تخليط كثير ومداخلة وشغب. فقالت الجماعة
стр. 285
لي: ماذا تقول أنت؟ قلت -وبالله التوفيق: أنا أفصل تفصيلاً يصلح بين الفريقين، لا يقتضي الجواب سواه. وإنما يقتضي الجواب تفصيلاً لاختلاف أحوال الناس في ذلك. وجواب الإجمال فيما يقتضي التفصيل، كالتفصيل لما لا يقتضي التفصيل. فأقول: من علم من نفسه الجزع، وعلم من القاصدين له إعانة النفس على الجور والجزع دون إعانة الدين على الصبر والسلوة، فالاعتزال أولى به. لأن العزلة تقطع عادته تثوير التسخط على الله سح وإنهاض النفس على جزعها. ومن علم أنه إذا خلا خلا به الشيطان وهاجت أحزانه، كان اجتماعه بمن يعلم منه التسلية والتعزية أحرى من وحدته. لأن المخالطة لبعض الناس دواء، ولبعض الناس إدواء. وفي الجملة العزلة عن الأخيار مذمومة، وعن العلماء مشؤومة، والاجتماع بهم بركة واستشفاء.
٢٨٤ - ذكر بعض العلماء في أحكام القرآن قوله تع: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. قال: فذكرها بكونها شعائر، ثم أثبت المنافع بها. وهذا يدل على جواز الانتفاع بلبنها مما يفضل عن ولدها.
следующие страницы →