Полный текст (756 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
الناس في مقادير الإكرام من الهشاشة والقيام، إلى ما شاكل ذلك، عند التلاقي. وما ينبوع التنافس في المجالس والتشاجر في المناصب عند الاجتماع. قال عالم: أقول -وبالله التوفيق لإصابة الغرض:
إن الناس متفاوتون في الأقدار بحسب أسباب الأقدار. وكل منهم يرى السبب الذي يمت به بعين التعظيم. كالنسيب يرى نسبه فيرفعه في عين نفسه فيمتلئ به، حتى إنه يرى انحطاط كل من دونه؛ سيما إن أعانه على ذلك توحده بالنسب في محلته أو دربه الذي يسكنه. فيخاطب بالسيد والشريف. ويتقاصر له من دونه في نسبه تقاصرًا يوجبهم انحطاط رتبهم عن نسبه. فيألف الإكرام من أولئك الأقوام. فيخرج إلى من يرى نفسه بنوع آخر من الفضل. كعالم بين جهال يدأب نفسه في العلوم ويجهدها في تخليص الفهوم. فيتقاصر عنه جيرته وأهل محلته وعشيرته تقاصر الجهال للعالم. فيرى لنفسه حقًا على من جهل علمه. وإن كان نسيبًا فيخرج إلى ذلك النسيب. وآخر ينقطع إلى عبادة ربه، ويتصور بإدمان الخلوة أن لا رتبة تستحق الإكرام دون رتبته، ويخل بإدمان آداب المخالطة فيخرج على ما به. وآخر يتميز بنوع حده، وغني بين فقراء ربما واساهم فأكرموه لمواساته أو للطمع فيه، فيضرعون له ضرع الطامعين للمطموع
стр. 282
فيه، فيخرج على ما به. حتى إذا جمع هؤلاء مجلس ترفع كل واحد بامتلائه بخصيصته فيقع التنافر بينهم.
والمعدل لهذه الأحوال هو العقل الذي يحصل به الإنصاف لمن أنصف، أو المسامحة لمن قصر في الحق وطفف. فالعاقل يزن نفسه بزنتها. فإن اجتمع به منصف رضي بما ظهر من إنصافه، فقد زال الخلاف بينهما. وإن اجتمع به متحيف متعجرف جاهل بمقدار غيره لامتلائه برؤية نفسه، ألان له هذا العاقل جانبه وسامحه، فترك الاقتضاء بحق نفسه، ووفى ذلك الجاهل حقه وزاده ما يرضيه به من الإكرام. فالعقل سكان كل شغب وفساد اعتدال.
ورأى العاقل، إن كان ذا سلطان ويدان، لا يسامح، بخلاف الأمثال ممن لا سلطان له. وإنما فرقت بين السلطان المتسلط وبين المماثل لأن المماثل استحببنا له التواضع والمسامحة، كيلا يقع الخلف وينشأ الشغب والفساد. فأما السلطان، فإنه إذا قوم المتأود، وحقق على المتعجرف، ورد كل إنسان عن استطالته إلى حده ورتبته، أمنت غوائل تحقيقه على رعاياه لقوته وتسلطه. فكما أنه يحقق مقادير الرجال، يقوم من تعدى عند تحقيق هذه الحال، وينتفع بتقويمه جماعة المستطيلين والمستطال عليهم. لأن المستطيل بجهالته لا يخلو من مغالب له ومصاول. وصول السلطان أحب إلينا من صول الرعايا. لأن صول السلطان يمنع المنافرة بين الرعايا.
стр. 283
وصول بعضهم على بعض بفضي إلى التهارج. وما أقبح بالعاقل أن يحوج إلى تقويم السلطان. لأنه يفضي إلى دوام تأديبه. لأنه حال الطفولة تحت أدب الوالدين مقوم بتقويمهما. وبعد أن شب وترعرع صار تحت حجر المعلم والأستاذ. فإذا كبر وشاب، صار تحت حجر السلطان، لا يستغني عن تقويمه. فمتى يخرج هذا من حجر الرجال؟ ومن كان كذا لا يكون راعيًا لنفسه قط، بل غيره يرعاه. فهذا كالسوائم. فما الذي أفاده العقل؟ وما الذي هذب منه الشرع؟ نعوذ بالله من خذلان يحمل على ترك الانحياش لله، والكون تحت تصريفع وتأديبه، والرضا بالكون تحت حجر المخلوقين والأمثال!
٢٨٢ - ما أعظم تفاوت الأحوال! بعض الحكماء الإلهيين يقولون ((في الحكمة ما يغني عن السفراء.)) فعطلوا الشرائع واقتنعوا بما توديهم إليه العقول وتؤديهم به الألباب والنهي. وبعض الفطناء جعلوا العقول مستبعدة للشرع حاكمة على أمر الدنيا وسياساتها التي لم يوجد فيها نص من شرع. وبعض السفاف عطلوا الشرائع طلبًا للراحة من الحجر والتكلف، وعطلوا العقول. فهم أبدًا في الدنيا بين استطالة الشرعيين عليهم بإقامة الحدود والإهانة بسائر العقوبات، وبين استطالة العقلاء عليهم في تقويمهم عند شطحهم وخروجهم عن سمت سياسات العقل. فهم كالبهائم، إن خليت أكلتها الوحوش، وإن صمدت
стр. 284
للأعمال وحمل الأثقال أتى عليها الكد بالهلاك والاستئصال. فسبحان القسام بين الخلق حظوظهم من المنافع والمضار!
٢٨٣ - وتذاكرنا في بعض المجالس أمر المصاب، هل الأفضل تخفره عن الناس واعتزاله، أو تكشفه وظهوره. فقال بعض الحاضرين: بل ظهوره، ليتسلى بكلام المعزين ويتشاغل عن أن يخلو به الحزن فيعمل في نفسه وينكي قلبه، خير من الانفراد. فإن المنفرد يخلو بمصابه، ويتشكل له المصاب به نصب عينيه. فلا يزال يعمل في صفاته حتى يأتي على مقاتله.
وقال آخر: بل انفراده؛ ليستريح من كلفة التجمل والتعمل. لأنه ربما أراد إظهار التجلد لحاسد، والتعمل لحكيم ناه له عن الجوع، والتباكي في غير أوان البكاء، خوف عياب له على الصبر. فإن كما في الناس عائب على الحزن والجزع، وهم أعداد من أهل الشرع والحكمة، كذلك فيهم عياب على التماسك؛ لأنهم يعدون ذلك قلة وفاء وألف وحباسة طبع وقساوة قلب؛ وكلاهما عيب. وما أشغل المصاب المحزن بحزنه عن تكلف هذه الأمور وتحمل هذه الأثقال! نعم، وفي خلال ذلك إن قصر بحق قاصد، فالويل له من القاصد ينسبه في ذلك إلى الكبر والخيلاء والعجرفة.
وجرى بين الفريقين تخليط كثير ومداخلة وشغب. فقالت الجماعة
стр. 285
لي: ماذا تقول أنت؟ قلت -وبالله التوفيق: أنا أفصل تفصيلاً يصلح بين الفريقين، لا يقتضي الجواب سواه. وإنما يقتضي الجواب تفصيلاً لاختلاف أحوال الناس في ذلك. وجواب الإجمال فيما يقتضي التفصيل، كالتفصيل لما لا يقتضي التفصيل. فأقول: من علم من نفسه الجزع، وعلم من القاصدين له إعانة النفس على الجور والجزع دون إعانة الدين على الصبر والسلوة، فالاعتزال أولى به. لأن العزلة تقطع عادته تثوير التسخط على الله سح وإنهاض النفس على جزعها. ومن علم أنه إذا خلا خلا به الشيطان وهاجت أحزانه، كان اجتماعه بمن يعلم منه التسلية والتعزية أحرى من وحدته. لأن المخالطة لبعض الناس دواء، ولبعض الناس إدواء. وفي الجملة العزلة عن الأخيار مذمومة، وعن العلماء مشؤومة، والاجتماع بهم بركة واستشفاء.
٢٨٤ - ذكر بعض العلماء في أحكام القرآن قوله تع: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾، ﴿لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق﴾. قال: فذكرها بكونها شعائر، ثم أثبت المنافع بها. وهذا يدل على جواز الانتفاع بلبنها مما يفضل عن ولدها.
стр. 286
٢٨٥ - فصل في الأمر بعد الحظر
قال أصولي: مقتضيات الأمر مع عدم القرائن الصارفة له عن مقتضاه معروفة، قد أجمعنا عليها؛ كالتهديد والتعجيز والتكوين. فمن ادعى أن تقدم صيغة النهي عليها قرينة صارفة لها، فعليه الدليل.
وجرى فيها أيضًا أن قال: صيغة الحظر النهي، وصيغة الإيجاب الأمر. فإن جاز أن يدعى أن تقدم الحظر على صيغة الأمر يخرجها عن المقتضى الذي أجمعنا عليه، جاز أن يدعى أن تأخير الأمر عن صيغة النهي يخرجها عن مقتضاها، ويكون على التنزيه. وإذا تكافيا في كون كل واحدة على مقتضى في أصل الوضع مع الإطلاق، ولم يجعل كون الأمر بعد الحظر قرينة صارفة للنهي عن مقتضاه، كذلك لا يكون تأخير الأمر عن لفظ الحظر صارفًا عن مقتضاه. يوضح ذلك أن المتأخرة تقضي على المتقدمة؛ كالنسخ والتخصيص والاستثناء وغير ذلك. فإذا لم يكن ورود لفظة الأمر بعد الحظر تنبئ بها أن لفظة النهي لم تكن على الحظر، كذلك لا يكون تقدم لفظ الحظر على صيغة الأمر مخرج لها عن وضعها.
وجرى فيها أن قال من خالف هذا ودل على أنها تقتضي الإباحة،
стр. 287
قال له: لو كان كذلك، لكان الحظر بعد الأمر يقتضي أول مراتيه، وهي الكراهية. فلما اقتضى مقتضاه الأصل، بطل ما ذكرت.
٢٨٦ - استدل حنفي خراساني في مسألة النية للوضوء ، فقال: في الماء طهورية تزيل المانع من النجس وحكم النجس، بدليل قوله ﴿وأنزلنا من السماء ماءً طهورًا﴾؛ وفي جريه على المحل، مع كونه معد للطهورية، كفاية تغني عن النية، كما أغنى عن تحريك الأعضاء مع الماء وتمشية الماء.
قال له حنبلي: في الماء طهورية كما ذكرت؛ لكن في المحل تعبد حكمي يحتاج إلى زيادة على طهورية الماء، وهو ما يحصل بمثله تعبد المحل.
قال الحنفي: تسليمك أن في الماء طهورية يغني عما ذكرت من النية. لأن الطهورية وصف للماء حكمي، كما أن الري الذي في الماء طبعي. والري يحصل بنفسه حيث كان طبعه الري أروى؛ وإذا كان وصفه التطهير الحكمي طهر.
قال الحنبلي: من المال إغناء؛ وقد قال: ((أغنوهم.)) وفيه تطهير. قال في صدقة الفطر: ((طهره للصائم من الرفث.)) وقال في الزكاة: ((خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها.)) ولم يحصل ذلك من اتصاف المال به إلا بنية.
قال الحنفي: ذكر التطهير في المال بكونه صدقة. ولا يصير صدقة
стр. 288
إلا بنية. وهنا وصفه طهورًا من حيث هو ماء، لا بصفة أخرى من قبل المكلف.
٢٨٧ - شذرة في الأمر بعد الحظر
استدل مستدل على أنه يقتضي الإيجاب، كما لو لم يتقدمه حظر. لأن لفظة الحظر والأمر، كل واحدة منهما، مستقلة بنفسها. فلا تتغير عن مقتضاها بتقدم الأخرى عليها؛ كلفظة ((أوجبت)) بعد قوله ((حرمت.))
قال معترض حنبلي: ذاك صريح، وقوة الصريح تمنع أن تغيره القرينة. وهنا الأمر يقتضي الوجوب، لكن بظاهره. فجاز أن تصرفه عن ظاهره القرينة.
قال المستدل: معلوم أن قوله ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) صريح في الإيجاب. وقد أخرجته القرائن والأدلة إلى الحث والندب عن الإيجاب. فلو كان تقدم الحظر قرينة، لعمل في تغيير هذه الصيغة، وإن كانت صريحة. وكذلك الوعيد على ترك الماعون، وما شاكل ذلك، صرف عن الوعيد، وإن كان نصًا فيه إلى الحث بدلائل وقرائن.
стр. 289
٢٨٨ - فصل
أستشعر أنك غير منفك من تحمل أثقال الخلق. في حال الشبيبة مكايدة الآداب للمشايخ؛ وفي حال كبرك تحمل أثقال الصبر على الأصاغر. وهل وجد الصدور حلاوة التصدر إلا بالصبر على مرارة التخلق بالحكمة؟ وهل خلو الحكمة إلا تجرع مرارة الأدب في الصغر، ومكابدة غصص الحلم عن السفهاء حال الكبر؟ وقال أن تحصل الرئاسة لمن لا يتحمل أثقال السياسة. وفي الجملة والتفصيل، لا مستفاد إلا باتفاق حاصل. وإنما يترجح الحاصل على الإنفاق بنوع من ربح فيسهل. وإلا فالعلوم المكتسبة إنما تتحصل بإنفاق الأعمال، كما أن الرئاسة تتحصل ببذل الدرهم والدينار. وما نالت النفس قط لذة إلا بنوع نغصه. ولو علم العقلاء ما في الزهد من الراحة، لكسدت سوق الدنيا عن راغب، وتعنست بهجتها عن خاطب. وما أخذ بالعزم ولا الحزم من خاطر بنفيس ما تحصل فيما عساه لا يتحصل. وإن كانت المخاطرة علو همة، فالبخل بالحاصل نوع من الحزم
٢٨٩ - فصل
إن امرأ لو تتحصل له العبرة بين منازل الأسلاف والأحباب الدائرة، وبين رممهم في التراب عظاما ناخرة، لكشف الحجاب عن الدنيا والآخرة.
стр. 290
لو كان الحزن مكتسبا، لكان هذا من أكد أسباب الاكتساب. فكيف وهو طبع غريزي، وخلق طبعي، ولا يحركه مثل هذا المزعج المهول؟ نعم هذا ولا خلف به يتسلى، ولا عوض عنهم به يتعزى؛ بل ديار من الأهلين خالية، وأجساد في أعماق الأرضين بالية، وآثار تستحضر للنفوس وتشكل للقلوب شخوصهم مائلة. فواها على عمر مضى ليس له رجوع، وذنب ثابت ما عنه نزوع! أف لحسرة وعبرة لا تعقب يقظة وعبرة!
٢٩٠ - استدل حنبلي في إيجاب المتعة في المفوضة المطلقة قبل الدخول بقوله تع: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين﴾.
فاعترض علية مالكي، لأن مالكا يقول ((المتعة مستحبة ومنحة، ولا تجب أصلا))، والشافي في أحد قوليه يوجبها مع المهر، والحنبلي يوجبها في حق المفوضة، فقال: قرينة الآية تدل على الاستحباب، لأنه قال ﴿على المحسنين﴾، والإحسان ما كان تبرعا.
قال الحنبلي أولا: ليس الإحسان منافيا للإيجاب، فيكون من القرائن المانعة من الإيجاب. بل كل فعل واجب إحسان، وكل فاعل للواجب محسن. وقد يرد مثل ذلك ولا يدل على نفي الإيجاب، كما قال ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾؛ فسمى المهر باسم الهبة، ولم يدل
стр. 291
على عدم وجوبه. ولأنك إن تعلقت بـ ﴿المحسنين﴾، تعلقنا بقوله ﴿حقا على﴾؛ وهذا من أصرح ألفاظ الوجوب.
وكان جرى من المالكي أن قال: المتعة لم يتراضيا عليها، فيكون عوضا مسمى، ولا قابلت معوضا ولا متلفا. ولا نجد في الأصول عوضا على هذه الصفة. وإذا بطل أن يكون عوضا، صار صلة.
قال الحنبلي: النكاح في باب العوض منفرد وعوضه شرعي. ولهذا يتكمل بالموت، ويثبت مع عدم التسمية ومع فساد التسمية، ويتنصف بالطلاق قبل الدخول، ويجب مختصا بالزوج مع تساويهما في الاستمتاع. ومعلوم أن تنصفه بالطلاق قبل الدخول، لما يدخل من المعيرة؛ والمطلقة مع التفويض يلحقها من المعيرة أكثر مما يلحق غيرها؛ لأنها سمحت ببذل نفسها من غير عوض. فإذا ردها بالطلاق، ظهر زهده فيها ما يوفي على كل زهد، حيث رد إليها ما بذلته بغير عوض. فجاز أن تجب المتعة شرعا، وتقديرها بالوسع والإقتار لا يمنع وجوبها. كالنفقة الواجبة للأزواج والأقارب، فإنها صلة واجبة، جاز أن تكون المتعة لأجل الطلاق صلة واجبة.
٢٩١ - شذرة في الملتجئ إلي الحرم
قال حنبلي: حيوان مضمون بالكفارة، فجاز أن يؤثر الحرم في عصمة دمه؛ كالصيد.
стр. 292
قال له حنبلي ناصرا لمذهب الشافعي، ومذنبا على بعض المتفقهة بجامع القصر: الصيد مضمون بالكفارة في الجملة، والآدمي في الجملة. وللصيد حالة لا يضمن فيها بالكفارة، فيخرج عن عصمة الحرم، وهو إذا صال. ينبغي أن يكون الآدمي، إذا خرج في حق هذا، ولي الدم، عن وجوب الكفارة، أن يخرج عن عصمة دمه عنه. ولأن الصيد آكد عصمة، فلا يستدل بعصمته بالحرم على عصمة القاتل؛ بدليل أن الصيد لا يحل تنفيره وإحواجه إلى الخروج ليصاد؛ وهذا يجوز تنفيره ليخرج فيقتل. والصيد يعصمه إحراج في غيره؛ والقاتل لا يعصمه إحرام في غيره، وهو الولي، ولا إحرام التجئ إليه، وهو إذا أحرم بالحج بعد أن قتل عمدا من يكافئه. ولأن الحرم، إن عصم دم الصيد، فقد حصل محلا للقرب بدم الأنعام هدايا وضحايا وقرانا ومتعة. فليس لك أن تلحق القاتل بعصمة الصيد إلا وتلحقه بسفك دم الهدي، وهو به أشبع. لأن سبب الإيجاب جاء من قبله. ولأن الشرع أوجب قتل الزاني المحصن والمرتد، وفي قتل هؤلاء مصالح دنيوية ومصالح دينية؛ كما أن في قتل الهدايا مصالح وطاعات. بخلاف الصيد، لأن دمه لا يجب [سفكه]، ولا وجود من جهته ما اوجب قتله. ومتى وجد منه الصول، زالت عصمته، فنفي وجوب القتل في حق الآدمي بعد فراغه من القتل لحق الصيال في حق الصيد. وذلك يسقط عصمة الصيد؛ كذلك هذا.
стр. 293
٢٩٢ - استدل حنبلي في اشتراط الكفاءة على شافعي بأننا وإياك شرطنا لصحة النكاح ولاية العصبات والحكام، وأعدمنا الصحة من الأناث احتياطا للكفاءة، خوفا من تفويتها بسوء نظر المرأة وشدة شهوتها. فإذا تحقق فقد الكفاءة، أولى أن يبطل العقد.
فأجاب حنبلي آخر مذنبا على الشافعي بأنه ليس إذا شرط الاحتياط لمعنى باعتبار شخص يمثله يحصل الاحتياط بفوت صحة العقد مع توليه للعقد، وإن فات الاحتياط المشروط لأجله. كالسفيه، منعنا أن يلي العقد، حتى لم يصح منه، لأجل ما يفوت من المال بسفه. ولو تحقق العين ونقص المال بالتجريف والتفريط في بيع الرشيد، لم يبطل عقده، وإن تحقق منه ما لأجله أبطلنا عقد السفيه.
٢٩٣ - قال حنفي: في الماء طهورية. فلا يحتاج في تطهير المحل إلى نية من جهة المكلف. فصارت الطهورية الحكمية، في غنائها عن معنى من جهة المكلف، كالري الطبعي الذي ينفعل بالماء ولا يقف على معنى من جهة الشارب.
قيل له: لا نسلم لا الدعوى ولا استشهادها. لأن الماء لا يطهر بنفسه ولا يروي بطبعه. وإنما ذلك مذهب أبي حنيفة في الحكم، ومذهب الطب
стр. 294
في الري. وإنما الله سح يحدث الري عند شربه، كما يحدث الولد عند حصول الماء في الرحم، والنبات عند حصول الحبة في الأرض. وأما الحكم في الماء، فانه أن صادف عينا فأزالها، زالت. وذلك أمر لا يختص الماء، لأن كل مزيل ناقل للنجاسة يطهر المحل الذي زالت عنه. وأما في الطهارة الحكمية، فإنها طهارة يعتريها تعبد لتخصصها بمحل يفيد التعبد، وعدم صحتها في محل لا تعبد فيه. فقولك إن فيه طهورية في هذا المكان دعوى غير مبرهنة ببرهان
٢٩٤ - فصل
قال النبي صلع: كفى بالمرء فتنة أن يشار إليه بالأصابع. قيل: ها الفتنة في ذلك؟
قلت- وبالله التوفيق- إشارة إلى المثال: الإشارة إلى الإنسان بالزهادة تفتنه بالرغبة في الاسم، وتخرجه عن قانون الزهد، وتسلخه عن حقيقته. فانه يزهو بذلك زهو المتوجد. وذلك قاتل للإنسان من طريق الأنفة من الخلق ورؤية النفس. ذلك سبب لكل بلاء، وطريق أي كل محنة؛ متى تخربق الإنسان به قبل أن يخرج من رأسه.
стр. 295
ترى الواحد من المشار إليهم إذا قيل ((هذا فلان مريض نعوده)) أو ((مات، نصلي على جنازته)) - وقد جاء في العيادة من السنن ما قد جاء، وفي صلاة الجنازة قيراط من الأجر- استراح في التقاعد عن أسباب الثواب بقوله ((عادتي)) وبقول أتباعه ((ما عادة الشيخ ذلك)) يا سبحان الله! ما أقبح عادة خرجت بصاحبها عن سمت السنة! وهل جاءت الشريعة إلا بدحض العوائد لتحصل الفوائد؟ وإن عرضت مشكلة من الحوادث الفقهية، فسئل عنها، انف أن يقول ((لا اعلم؛ )) بل قال ((يقع لي كذا وكذا.)) وهل الشريعة بالواقع؟ هيهات ما كان أحوج هذا المسكين إلي نفس طائعة خاضعة منقادة لطاعة الله كيف جاءت، وسائلة عن إحكام الله عند من كانت، حتى يعلم أن بالعزلة والانقطاع قد تقع.
فأما إذا كانت يورث كبرا وأنفة من فوائد الشرع ومقامات الطلب لها، فما أخبث هذه من طريقةّ! إنما الطريقة للرجال هي رياضة النفوس ودعكها للاستجابة لأوامر الله، والصبر على عباد الله، وإعطاء الحق من النفس لكل واحد [من] هؤلاء المساكين سعالهم من النفوس، ما لو كان على أحدهم دين حتى يستدعيهم رسول الحاكم تعجرفوا، ولو خاشنهم المستحق بالمطالبة صالوا. فأرباب الأموال عملت فيهم الأموال زهوا، وأرباب السلطنة أثرت فيهم السلطنة تسلطا، وأصحاب الزوايا كذا [بون]، والعلماء متجبرون.
فأين من يرث النبوة بالحمل لأعباء الأمة وثقال الخلق وينهض
стр. 296
بحقول الحق؟ أين من يدعو إلى الله ولا يدعو إلى نفسه قاطعا للخلق عن الله؟ أين من لم يمنعه إكرام الخلق له، ورويتهم إياه بعين [ ... ] كامل رأى النقص في نفسه، أن يتعلم ممن هو منه أعلم، ويتبع من هو بقانون الأدب أقوم، وإن انحط في عيون المتعصبين طلبا للكمال بحقائق العلم، وإن نقص في عيون الخلق الظانين فيه التمام؟ أين من خاف النقص في الفضل حسبما يخاف غيره النقص في الفرض؟ نعوذ بالله من شخص يقنع بسوق الوقت، وما يصلح لأهل زمانه، دون ما يتهيأ له من الفضل!
٢٩٥ - تذاكرنا في بعض المجالس أخبار التواتر هلي توجب علما
فقال قائل محقق: أراها لا توجب. لأن كل واحد من المخيرين لا يحصل بخبره العلم. ومحال أن يتجدد العلم بجملة كل واحد منها لا يتحصل به العلم. وهل الجملة إلا آحادها؟
قال له محقق: ولم إذا لم يثبت بخبر الواحد علم، لم يثبت بالجملة ونحن نعلم من نفوسنا بتزايد العدد سكونا بعد سكون لم يكن. وما نجده من نفوسنا لا ينفعه إنكارك.
قال: فهؤلاء النصارى واليهود ينقلون قتل عيسى؛ وهم عدد لو أخبرونا عن بلد أثبتناه. وجاء القرآن بتكذيبهم، فقال ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾.
стр. 297
قال له قائل: فما كذبهم القرآن إذا. لأن الشبه إذا ألقي على الجثة صارت كعيسى. فما كذبوا في الصورة وما يدركه العيان؛ لكن كذبوا في الاسم، والاسم لا عبرة به.
قال له قائل من الحاضرين: هذا يسد علينا طريق العلم والثقة بالإحساس. لأنه إذا كان يجوز تقليب الصور إلى أمثالها، فما الثقة والأمن من جهة الحاسة؟ ونحن مع هذا القول في عيسى [ما الذي يؤمنا من] أن يكون الله سح قد قلب صورة زيد وعمرو إلى أمثال ذلك.
قال له رجل عالم: يؤمنا من ذلك أن الله لا يفعل ذلك في غير زمن النبوات، لئلا يسد علينا باب العلم بالحقائق. وفعله في بعض الأحايين على طريق اللطف لا يسد علينا باب العلم؛ كقلب الأعيان في حق الأنبياء لا يسد علينا باب العلم في غير زمنهم.
٢٩٦ - فصل
من الظلم الصرف والبغي البحت مطالبتك صفو الود من ممزوج الخلق. إن علمت أن في العالم من هو صرف، فاطلب منه الصرف. هذه الأطعمة والأشربة، حلوها وحامضها ومرها، لا يعطيك ما يشهيك أو يشفيك، إلا ويكسبك ما يمرضك أو يوهنك، لما في مطاوي اللذة من الطبع الأصلي والمزج العنصري. فما بالك تطلب من يحلو لك شهي مودته وطيب أنسه ودعة رضاه، ولا يمرك سورة غضبه وغائلة ملله وقوارص حده
стр. 298
وفورة سخطه؟ تريد في مزاجه نار ولا يحرق، وما فيه ماء لا يلين، وما فيه طين ولا يثقل، وما فيه هواء لا يبرد. بلى- والله- إن أهاجته النار وحركته السخونة برده الهواء، وإن برده الهواء سخنته النار، وإن خف بالروح ثقل بالجسد، وإن عدل بالعقل جار بالهوى، وإن صفا بالجوهر تكدر بالمدر، وإن تواضع بالطين تكبر بالنار.
وليس خيار الناس بأكثر من الأدوية، ولا شرارهم بأدون من السموم، ولا متوسطهم بخارج عن طبع الأغذية. فما خلص من مركبات النبات والحيوانات دواء وشفاء أعقب علة وداء. فالمقبض من الحبوب والنبات، إن قطع الذرب، أورث القولنج؛ والمسهل من الحموضات المحتدة، إن دفع وسهل، أعقب السحوج؛ والحار الرطب، إن أزال التقليص والبنج، أورث الإرخاء والتمدد. فإذا كانت الأدوية كذا، فكيف بالسموم؟ وأما المتوسط من الأغذية، فهي من معفن أو مبرد أو مسخن. فإذا كانت الأغذية كذا، وهى القوت، ومنها البناء مع المزج في أصل الخلقة، فما وجه مطالبتنا بالصفو؟
وهذا الخالق الكريم المنزه الذات عن التركيب والأخلاط، لأنه واحد، لكن لا وصلة بيننا وبين ذاته، وإنما انتفاعنا بأفعاله، وما خلصت لنا أفعاله، بينا يغني يفقر، وبينا يعافي يمرض، وبينا يضحك يبكي، وبينا يحيي يميت، إلى أمثال ذلك من أفعاله المختلفة في العالم. لسنا منها
стр. 299
على ثابت ولا لابث. في زمان الإنشاء في كل يوم تجدد وصفا، وفي أيام الكبر وعلو السن في كل يوم تهدم ساقا وتحيل نعتا وتغير وصفا. فهذا حكم الصانع الفرد الممد؛ فكيف بالمصنوع المركب المستمد؟
ثم دع الأغيار وتعال إلى نفسك. بينا تجود عليها بدرهمك ودينارك تشهيا وإلذاذا، وتطعمها الشهي، وتسمعها الأصوات والنغم، وتمرحها في سوابغ النعم، حتى تبخل عليها بالحبة وتكسرها بالبخل والشح عن أيسر شهوة. وكأنك بهذه الحال الطارئة غير تلك الأفعال الأولة. ومن كان مع نفسه كذا، أيحسن أن يطالب غيره له بما لا يجده من نفسه ولا ربه ولا أبيه ولا ابنه؟ وأني لك أن تأخذ صفو الناس عفوا عن كدرهم وتقنع منهم بالمجاملة غير مطالب بصدق ودهم، ثم انسب التغيير إليك؟ فإن الملل علة معلومة وطبيعة معروفة. فإذا وجدت نفسك لا تسمح بعد المسامحة، ولا تقنع بالمجاملة بل تقتضي المخالصة، فاعلم أن مللا طرأ. فاستقصيت بعد أن كانت مسامحا في ابتداء ودك. ومن لم يثبت هو مع نفسه على حال، عذر غيره في تقلب الأحوال.
وأول الفوائد لك في هذا قلة المبالاة والمناقشة؛ فإنها تنغص العيش وتمره. واعلم أن العيش كل العيش إدراج المودات درجا، والنغصة كل النغصة البحث والاستقصاء. فما بقى مع الاستقصاء صديق قط.
стр. 300
وما لم تجده من غيرك، فلا تتشاغل بالتعجب من عدمه حتى تجده من نفسك. فإن لم تجد خلفا تحمده في غيرك، ووجدت نفسك تتطلبه، فاكتسبه لنفسك. فما أحسن أن تكون الفضائل لك! فإن عجزت نفسك عن تحصيل ذلك، فكن عاذرا لمن عدمتها فيه ومنه. لأنك تجده قد أجهد نفسه في طلبها، فعجز كعجزك. واعلم أن المطالب أقل من الطلب. ففي نفوس العقلاء أمور تعتلج واقتضاءات تختلج، لا يقفون منها على طائل، ولا يجدون إليها مع توفر حيلهم وجودة آرائهم سبيلا. فكن أسوتهم، وتسل بهم. فما منهم إلا من رام الحياة الدائمة فما حظي، ورام دوام الوصلة بأحبابه فما ملي، وأحب استقامة الأحوال والصحة والاعتدال فما أعطي؛ فكن واحدا منهم أو كن جانبا عنهم. وقال بعض المشايخ: أرفق، يا هذا، فالاستقصاء فرقة.
٢٩٧ - تذاكرنا في رائحة اللفاح والبطيخ الشمام، فوجدنا أن رائحة اللفاح أطيب، فقلنا: هل هذا الأمر يعود إلى اللفاح في نفسه؟ فقال قائل: لا، بل لأنه في البطيخ شهوتين، شهوة غذائية وشهوة الشم؛ وهما يتجاذبان؛ وشهوة الغذاء أقواهما، لأن النفس للغذاء أطيب منها لشم الريح. ففي الشهوتين تجاذب تنقض إحداهما بالأخرى. وليس كذلك اللفاح؛ لأن هناك شهوة واحدة؛ فتوفر درك الحس فيها، فوجدت متوفرة.
стр. 301
٢٩٨ - كنا في بعض الخلوات نتذاكر شرف الآدمي وسرعة هلاكه وفساده بعد كونه. فقال بعض من حضر: أليس حجر لا يحس ولا يدري بالوجود وبالموجود يبقى عشرة آلاف سنة حجرا، وهذا الحيوان الشريف يبقى سنوات ويتحلل؟
فقال له إنسان ينتحل علم الأوائل ويعجبه البحث عن الحقائق، وهو متدين، جيد الاعتقاد في الشرائع: يا هذا! ذاك السريع الفساد هو الدائم البقاء بعينه. والذي عجبت من سرعة تحلله هو الذي عجبت من طول مكثه.
فعجب الرجل من كلامه. فاستقل عقله حيث لاح من كلامه أن الإنسان هو الحجر. فبان للقائل تعجب السامع. فأخذ يبين عن حقيقة ما قال ويبرهن دعواه، فقال: إن الماء القاطر من الجو مطرا ونداء، هو المتصاعد بخارا. وإن الخمر المشتهى المسكر هو الخل الحامض، والجميع عصير العنب. فالأعيان كذلك؛ تارة بالاستحالة شيء، وبالأفراد شيء. فالعصير بما هو مشتد، خمر؛ وبما هو حامض، خل؛ وبما هو مستحيل غذاء للمتغذي به وشرابا، لحم ودم. والأثقال بما هي أثقال، رجيع؛ وبما هي مطعومة الزروع والثمار. ثمار. والطين بالنشافة والطبخ، فخار؛ وباستحالة الدهر وتكرر طلوع الشمس، أحجار. فكذلك جسد الآدمي بمرور الأيام،
стр. 302
مدر؛ وبتكرر الأمطار والشموس، حجر. فالإنسان، بما هو صورة مخصوصة وصفات مخصوصة، فاسد قليل اللبث؛ وبما هو حجر، طويل اللبث. فبان صحة ما ذكرت، وهذا الذي أردت.
ثم قال: وهل لنا إلا هذه الكرة الطين، فهي التربة للزرع، وهى أجساد الحيوانات، وهى الإزهار والنباتات، وللشمس والهواء والماء إمدادات وإعانات. فالصور المختلفة، والصفات مستحيلة، والأصول بما هي أصول باقية لابثة. فإن كانت نياحة من ينوح على الصور والأشكال، فحق له أن ينوح على قلة اللبث وقصر زمان البقاء والمكث. فأنا مصيب في قولي ((الإنسان هو الحجر)) كإصابتي في قولي ((الخل والخمر هو عصير العنب، )) حيث كانت العين واحدة. وتأسفك إصابة أيضا حيث تلهفت على فساد ما كان الإنسان به إنسانا. فهو بما هو إنسان غير لابث، وبما هو حجر لابث. فالتأسف إذا على الصورة والهيئة.
٢٩٩ - وذكر آخر في بعض بروزنا إلى المقابر والصحراء: هل الجسد بعد الموت منتفع أو مستضر؟
فقال بعض القوم: هو بحكم ما صار جزءا له، وهي الأرض. فما يتسلط على الأرض من إنبات أو يبس أو خصب أو جدب تسلط عليه. وما انتفى عن الأرض، فهو منتف عنه. هذا بحكم البرهان العقلي، حيث
стр. 303
وجدنا ما بان من الأطراف حال الحياة مع ما بقى من الجملة، كحجر بالإضافة إلى إنسان. فلا الإنسان يحس بألم إن ضرب الحجر أو أحرق، ولا بلذة إن قرب من الحجر ما يوجب لذة للحي. فالعضو البائن مع بقاء الجملة أقرب من الروح إلى الجسد مع خروجها من الجثة.
وقال آخر: ولم نحكم بهذا ولا نسلم إلى الله سح وتع القدرة على إيلامه، وإن بانت عنه الروح، ألما يخصه؟
قال: اعتقاد هذا جهل. والجهل يبعد عن الله. والتقرب إلى الله بالحكمة. وإن جاز أن اعتقد ذلك، فتحت على نفسي تجويز إحساس الأرض. وهل الميت إلا أرض؟ وهل الأرض إلا أجساد الأموات؟ فما لنا واعتقاد الجهالات والمحالات؟
قال له قائل: الحكم قد أيد صادقا بالإعجاز. فقال في القبرين إنهما يعذبان وما يعذبان بكبيرة. فتصديقي للصادق في خبره أولى بي من تصديقك في حدسك أو استدلالك.
قال: صدق الصادق. ولعله أراد الحقيقة، ولعله أراد المجاز. فالقول يدخله المجاز، والعقول لا يدخل عليها المحال. فلعله أراد أنهما يعذبان ((سيعذبان)) كقوله: ﴿إنك ميت﴾؛ وقوله ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا﴾. ومعلوم أن ما أكلوه أطايب الطعام دون النار، لكنه لما كان ماله إلى النار سماه نارا.
قال له المعترض: في الحديث ما ينفي هذا؛ لأنه أخذ جريدة فوضعها
стр. 304
في القبر، وقال: سألت الله أن يخفف عنهما العذاب حتى تيبس الجريدة. وروي: لعل الله أن يخفف عنهما إلى أن تيبس.
قال: إنما تكلمت مسامحة؛ وإلا فنحن في أصول وأدلتها أدلة العقول. فلا نترك الأدلة القاطعة لأخبار مظنونة.
ثم عادوا إلى المنافرة بالمعقولات. فقال الناصر للسنة: وإذا كان الباري يوصل الآلام إلى المزدوجات والمركبات فما المانع من إيصالها إلى الآحاد المفردات؟
قال له المستدل بالمعقولات: ما قولك هذا إلا كقول من قال ((إذا كان الزامر ينفخ في الزمر فيخرج ذلك الصوت الملهي المشهي، فلم لا يزمر الزمر بنفسه؟ )) ولا يتحدد صوت المزمار بنفخ الإنسان بنفسه من غير زمر. وإذا كان لكل حقيقة بنية مخصوصة، فلا يجوز تصور وجود مانع إخلال البنية. وهذا يشير إلى معنى. وذلك أنا كما نحرص على إثبات كونه سح قادرا، نحن أحرص على إثباته حكيما. ولو كانت الآلام واللذات والأصوات وغير ذلك تتصور من غير هذه الأبنية المخصوصة، ثم بناها الباري على هذه الصورة، لكان فعله للصورة عبثا؛ إذ كان المراد يستقل دونها. وليس العبث إلا ما لم يقتض وجوده حكمة.
قال له المجيب عن شبهة: قد يفعل الباري ما يستقل الفعل دونه،
стр. 305
ولا يكون عبثا؛ لأنه لا يخلو من حكمة، إنما في الفعل، أو مصلحة للمكلفين. هذا بمثابة خلقه للسماء بغير عمد بحسب القدرة، ودحو الأرض بأوتاد هي الجبال بيان الحكمة. ولهذا قال: ﴿أن تميد بكم﴾؛ وقد قال: ﴿يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾.
٣٠٠ - شبهة
قال بعض الخلعاء يوما معترضا بحضرة قوم خلعاء: قادر على نفعي، لم يؤخره ولا يضره أن ينفعني؟
قلت- وبالله التوفيق: إن كانت قدرته سح متأتية، فحكمته مطلقة. فلم تعترض عليه وأنت مقيد بالجهل بمصالحك؟ ثم إن كانت المنافع لا تضره، فقد كانت مضرة بك إذا عجلت. ومصلحتك حالك التي أنت عليها. وقد رأيت أحوال أقوام عجلت لهم منافعهم كيف تسلطوا وانبسطوا.
٣٠١ - قال حنبلي متكلم محقق يوما: إنما اشتد جحد الناس أو تأكدت شبهتهم في البعث لمحبتهم لنفوسهم وحب الحياة. وكل ضنين بشيء، إذا خرج عن يده، لا تخوفا من الفقد، وتمسكا من النفس، واستعجالا للرد. هذا إذا كان الأخذ نقلا مع السلامة. ألا ترى الشقيق الأول كيف قال في حق المحبوب، وهو مع الإخوة بني الأب: ﴿وأخاف أن يأكله
стр. 306
الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ أخرجه وما يحدث نفسه بالرجوع. وقال في الأخير: ﴿بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل﴾. فكيف إذا رأى الناس هدم البنية وبشاعة النقلة مع تقطيع الأوصال والتلاشي والانهدام؟ فمن ههنا كثرت شبهتهم في البعث.
فينبغي أن يعالج هذا الشك بترك النظر إلى التحلل وفساد المادة، وينظر إلى قوة الفاعل وما صنعه في المبدأ، كيف دفع إلينا صورا محبوبة من تراب بحكم النظر الفكري، ومن نطفة وعلقة بحكم النظر الحسي. فمن أهدى لنا من نطف أولادا قرة أعين قادر أن يرد علينا من رمم قرة أعين؛ بل الرجعة أولى، لأن الكريم تبرع بالهبات؛ فأما الرجعة فوعدا عليه حقا، كما قال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعملون﴾.
فينبغي للعاقل إذا غلب عليه الإياس من الرجعة، أو خامره فيها شك، أن يفزع من مطالعة البنية المهدومة إلى القوة البانية لها في أول وهلة، ويستحضر المني المستحيل في الرحم وينظر حاله. فإذا رأى استبعاد تصويره، نظر إلى بنية الأطفال من ذلك الماء الذي كاد أن يظن أن تصويره محال. فإذا رأى تسلط القدرة على البدأة، سهل عليه الإيمان بالرجعة. والله أعلم بدواء كل شبهة.
سبحان ﴿الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾ - ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾، أقام الصورة والبنية. ثم أخطر بالبال عند الكمال السبب في الإيجاد تطلب المصور الخالق، فوجده بآثار الصنعة. فهدايته تقويم،
стр. 307
ثم تعليم إيجاد، ثم إيجاد تركيب، ثم تهذيب تصفية، ثم تعلية. ﴿أعطى كل شيء خلقه﴾، صورته، ﴿ثم هدى﴾، إلى الجهة التي سالت منها الصور وجاءت من عندها الخلق؛ ﴿كل شيء خلقه﴾، خلقه، إقامة الصحة والأدوات، ﴿ثم هدى﴾، لطرق الاستدلالات؛ ﴿أعطى كل شيء خلقه ثم هدى﴾، منه البداية، ومنه الهداية. فالطلب من غيره ضلال، والإجابة من سواه محال.
٣٠٢ - شذرة في قوله سح: ﴿فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري﴾، ﴿قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا﴾، ﴿ألا تتبعن أفعصيت أمري﴾، ﴿قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن يقول﴾.
فموسى عتب، وهارون اعتذر، لا بالقدر. ما جرى على لسان موسى عذر لأخيه بقدر باريه، ولا جرى على لسان هارون اعتذار بالقدر. والسامري لما قال له ﴿فما خطبك يا سامري﴾، قال: ﴿وكذلك سولت لي نفسي﴾. فتعلموا من الأنبياء، ولا تحدثوا ما لم يسمع من ذكر القضاء والقدر.
٣٠٣ - فصل
في قوله سح: ﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون﴾. انتقد أهل المسكنة والضعف عن المال لبقية كانت معه من القوى حيث فقد المال. فوجد من دون تلك الأمة امرأتين معهما ذود من الغنم
стр. 308
في أواخر الناس. ﴿قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء﴾، إذا شرب أهل السقاية وصدروا عنها رووا، ﴿وأبونا شيخ كبير﴾. كذا من ضعف ناصره. وغاب آخر عن بلوغ الأغراض والآداب. حركته أخلاق النبوة، فرفع الصخرة ومد واستقى فأمد. ﴿ثم تولى إلى الظل﴾ فاستمد طلبا للكسر، وما عنده من البعثة خبر. فلما رجعنا إلى الشيخ قبل أوانهما، أنكر شأنهما. فلما وصفاه، عرفه بالوصف وشهده بالنعت فاستدعاه. فلما أضافه وأدناه وخطبه واصطفاه وقضى الأجل فوقاه، سار بأهله وناداه مفاجأة من غير مواعدة ولا مواطأة: ((يا راعي غنم كنعان! يا موسى بن عمران! )) وما دار بخلده ما جرى من ذلك الشأن. سبحان من يختص برحمته من يشاء، ولا يضيع أجر المحسنين! سبحان من تحجب بنعوت جلاله عن أن ينال ويتحلى بأفعاله وتأثيراته بكل حال! قلب العصا، ودك الجبل، وقلب اليد بيضاء، وأظهر نارا حمراء على عوسجة خضراء، ليعلم موسى أن الكلام لمن هذه أفعاله.
٣٠٤ - شذرة في المماثلة بالقصاص
ذكرها حنبلي في مناظرة بعض الشافعية، فقال: طلب المماثلة في الآلة يفضي إلى التفاوت البين. وإذا خيف فيه الحيف، وجب أن يعدل عنه إلى المحدد الذي يزيل الحيف.
قال: ووجه الحيف أنك تعدل عن طلب إزهاق النفس إلى طلب الآلة
стр. 309
التي تحصل بها الآلام. وقد علم أن الآلات الموجبة تتقارب في الإزهاق. فأما الحجر والنار والتغريق فليس تتحقق المماثلة فيه؛ لأن بين فدغ حجر وفدغ حجر، وطرح في ماء وطرح في ماء، وإلقاء في نار وإلقاء في نار أخرى، تفاوت في التعذيب. فالمساواة في التعذيب لا يمكن؛ وإنما المساواة في المأخوذ ممكن؛ وهو إزهاق النفس. فعدلنا نحن إلى أوحى الآلات، لأن فيه إزهاقا للنفس. وغاية ما يكون في ذلك أن تسقط بعض الآلام؛ والإسقاط مندوب إليه. وما عدا المحدد الموحي لا نأمن فيه الحيف. إذ ليس لنا آلة تنصف في الآلام وتسوي. لنا آلة تسوي فيما قصدناه؛ وهو الإزهاق وإبانة العضو. ومن سلك القصاص مع أمن الحيف كان أسلم ممن سلك القصاص مع خوف الحيف. والزيادة في الاستقصاء. ولهذا لم يجعل الشرع القصاص جاريا إلا في إبانة عضو من مفصل، أو جراحة تنتهي إلى عظم؛ فلا تنقل ولا تهشم. وألغى القصاص في الهاشمة والجائفة وفيما قبل الموضحة من الدامية والناشرة والمتلاحمة والسمحاق، لما فيها من خوف الحيف. وإن كنا نعلم أن ولي الدم يريد الاشتفاء ولا يقنع بالدية، لكن نقلناه إلى الدية عما فيه الاشتفاء، خوفا من مقابلة الظلم وهو الجراح بمثله، وهو الحيف في القصاص، كذلك ههنا تتعذر المساواة في الآلام لاختلاف الآلات في ذلك حدا. ألا ترى أن القاتل أولا، وهو المتعدي، إذا ضرب ضربة بسيف، فأبان الرأس، فضرب ولي الدم، أو حداد الإمام، ضربة كضربته في القوة وبالسيف نفسه في الموضع فلم يقطع، كرر
стр. 310
الضربات، وفي تكرارها من الآلام ما يوفي على الضربة الواحدة. لكنا ألغينا الآلام جانبا وعولنا على طلب إزهاق النفس. فإذا فعلنا في حق القاتل، ينبغي أن نلغي في حق المقتول قصاصا ولا نعتمد المماثلة في الآلام وأسبابها، بل نقصد ونعتمد إزهاق النفس وتقويتها لنكون قد عدلنا.
قيل: إنما ضربنا ضربات ضرورة، لأن النفس لم تزهق بواحدة.
قال: لو كان الاعتبار بالآلام والمساواة فيها، لوجب إذا ضربنا ضربة مثل ضربته في القوة وبمثل السيف وبيد مثل يد القاتل في التعود للضرب والقوة، فلم تزهق النفس وكانت مثلها في سعتها ومساحتها، أن نعدل بعد ذلك إلى الدية، لتعذر التساوي وما يفضي إلى زيادة والحيف باستئناف ضربات أخرى، كما عدلنا عند الإجابة والقطع من غير مفصل إلى الدية خوف الحيف وتشظية العظام. فلما ألغينا مقدار الضرب والآلام اعتمادا على إزهاق النفس في حق المقتول قصاصا، وإن كان القاتل ما ضرب إلا ضربة واحدة، بطل اعتبارهم لتساوي الآلام وصح اعتبارنا للتساوي في إزهاق النفس وإبانة العضو.
٣٠٥ - فصل
المخاصمة موازنة. فمتى خاصم الإنسان قبل موازنة الحال بالحال، غلب وخسر. فمن أشكال الرجال ما يكون مخاصمة عنه، ومن أشكالهم
стр. 311
ما يكون وبالا عليه. فمن الناس من يكون له سمت وعليه مسحة من تواضع وذل. فمتى خاصمه من عليه سيماء الجلادة، كان الناس كلهم مع صاحب السمت، لما يغلب على ظنهم من ضعف ذلك السمتيت ووقاره وفورة ذلك الجلد وتسلطه. فمخاصم ذلك السمتيت معينا على نفسه، حيث حمل الناس بخصومته على ظهره. ومن خاصم الناس خصم. ومن اعتمد على ما يعمله من نفسه وبراءته، لم يكد ينفعه علمه ما لم يجعل عليه شاهد من برائته. وكم وقعت التهم بالصور والأشكال، وبعدت عن المجرمين لصور وأشكال!
فالعاقل من لم يقنع في الأحكام بفراسته. وقد خوفنا الله من الحكم بالفراسة والظاهر بما ذكره لنا من قصة صواع العزيز، ودم قميص يوسف، وبكاء إخوته عند دعواهم أنه أكله الذئب. فأي حكم يبقى عند العاقل لهذه الظواهر مع إيقاف الباري لنا على مخالفة البواطن؟
ولقائل أن يقول: إن كانت هذه القصص تمنع من الحكم بالظواهر، فالحكم بتخريق القميص من دبر يحمل ويحث على أخذ الجنايات من الأمارات والدلائل الظاهرة. ولو سلم لأحد الحكم بما يقع له، لكان رسول الله يحكم بها. وقد قال: إنكم لتختصمون إلي، ولعل أحدكم ألحن بقصته من صاحبه؛ فمن قطعت له بشيء فلا يأخذه، إنما أقطع له قطعة من النار فلا يأخذها.
стр. 312
٣٠٦ - استدل حنفي في مسألة السلم في الحيوان بأنه مما لا تضبط مقاصده بالصفات؛ فهو كالوالي.
قال حنبلي: لا نسلم؛ بل تضبط غالب مقاصده ومعظمها التي لا يبقى بعدها إلا معفو عنه، وهو ما وراء المشاهدة في بيع الأعيان.
قال الحنفي: معلوم أن الصفات لا تنتظم جواهر الرجال. وقد يذكر الطول والضخامة والهزال، ويكون بين رجل بهذه الصفات وبين آخر مثله تفاوت يأخذ من العوض مأخذا عظيما؛ كما يصف القد والوزن في اللؤلو، ويكون بين مثل لولؤتين في ذلك المقدار ما يعظم قدره من العوض. بخلاف الأطعمة والأشربة والثياب؛ فإنه لا يكون بين النوع الجيد الموصوف بأقصى صفاته تفاوت إلا بقيمة تافهة، لا بتطلب النفس ذلك القدر.
قال الحنبلي: القدر الذي تشير إليه يفوت الناظر أيضا. فإن الأمانة والثقة والدماثة وجودة العمل لا يجعل اختياره إلا باستعمال الحيوان، ليظهر جوهر الخيل في شيرها وعدوها، وجوهر العبيد في امتحانهم بالأعمال وحفظ الأموال. ثم لا يعتبر وراء الرؤية معرفة لهذه الأحوال والجواهر. ومعلوم أنا لسنا نطلب بالصفات إلا أن تأتي على ما يدركه العيان. فمن يتطلب ما وراء ذلك، يوقف هذا العقد؛ وهو عقد تدعو الحاجة إليه.
стр. 313
قال الحنفي: قد تطلب في أوصاف السلم ما لا نطلب في الرؤية. بدليل أن الرؤية لا تدرك من الرمان والبطيخ حلاوة وحموضة، ولا من الجوز بقشرة صحة وزنوخة. ولا من الجوهر في حق الناظر، وليس من أهل الصناعة، ما يدركه أهل الخبرة. ثم العقد صحيح في بيوع الأعيان بالرؤية ولازم عندنا. ومع ذلك لا يصح السلم على وجه يجهل فيه ما جهله مع العيان. ولأنه قد صح بيع اللؤلؤ بالعيان وما صح السلم فيها وإن كان وصف المعترف أولى من نظر غير المعترف. ويصح بيع اللؤلؤ من غير الخبير بصفاته المعترف أولى من نظر غير المعترف. ويصح بيع اللؤلؤ من غير الخبير بصفاته وجوهره، ولا يصح السلم فيه لتقصير الواصف عن مقصوده.
قال الحنبلي: أما اللؤلؤ فإنه قل من يشتريه إلا البطرين الطالبين لزوائد العيش؛ بخلاف الحيوان، فإن الحاجة إليه داعية.
قيل: فيجب أن لا يصحح العقد عليه، لقلة حاجة الناس إليه، إلا ممن يخبر جواهر.
٣٠٧ - فصل
ما علم من سافر ورأى عجائب البحار واتساعها، وعواصف الرياح وشدة هبوبها وجريانها، وشوامخ الجبال وعظم علوها وتصاعدها في أجوائها، وعمق الأودية وأسفالها، وشدة جري السيول إليها، واكفهار البراري وتضوح قيعانها، وصعود السحاب وانتشاره في أعالي الأجواء وظلمتها به وانطباقها،
стр. 314
وزمجرة الرعود في خلالها، وتبعق الصواعق ولمعان البروق عند احتداد حركاتها واصطكاكها، وغرائب الوحوش والطيور واختلاف خلقها، وتراجع نغمها وأصواتها، - بمثابة من لم ير سوى نفسه وبيته وسماء داره وفساح بلده. ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق﴾. فإذا رأى المسافر أو اطلع العالم على هذه الموجودات، عظم في عقله السبب الذي صدرت هذه الأشياء عنه وعن فعله، وتصاغرت عنده نفسه بإضافتها إلى هذه الكليات، وعلم أنها جزء من كل، وقليل من كثير، وعظم الله سح بآثاره، وعلمه بآثاره وأخباره.
يا ذاكري بالدلائل! تلمح آثاري وحقق النظر في صناعي وإتقاني، فأرجع البصر، هل ترى من فطور؟ ثم أرجع البصر كرتين. بحقي عليك إن فاتتك العبرة من أول نظرة، فكرر النظر مع إحضاره قوة الفكر. انظر ماذا تدرك من الخير بحياتك، سائل الأشياء عني وتسمع جوابك بمسامع الفكرة تدرك الجواب، وتسمع بلسان العبرة. قل للأرض الفسيحة الأريضة ((من دحاك؟ )) وللجبال ((من أرساك؟ )) وللمياه والرياح ((من أجراك؟ )) فإن تعاظمت عليك فسولت لك نفسك بتعاطيها أنها كائنة بنفسها ومكونة لما لطف عنها، فارم بطرفك نحو العوار الذي فيها، والاستحالات التي تطرقت عليها. فإن قال لسان الشبهة عن الشمس ((أنا هو)) فأجبه بلسان الحكمة الذي إذا تعاظم الشيء عند النفس حقق مقداره،
стр. 315
فقل ((فما بال الأفول بعد الشروق؟ )) وإن تجبرت الريح في عيان النفس المسولة، فقال لسان الشبهة ((أنا هو)) قل بلسان العبرة ((فما بال الركود؟ ))
ما أشد محنة التكليف! والناظر إلى أسباب التعريف، إن قصر عن مطالعة الآثار، قصرت عنده الأخبار، وإن حقق في النظر، تعاظمت الأشياء عنده فكاد أن يقف معها عن المؤثر. ولا خلاص إلا بلزوم طريق التحقيق لكل منظور فيه. وما أوقع الشبه للعقلاء إلا البوادر والقنوع بالأوائل عن الأواخر. فتعلم من الحكماء المتقدمين كيف أداموا النظر حتى انكشف لهم الخبر. ﴿رأى كوكبا﴾، فبادره نظره، و ﴿قال هذا ربي﴾، لمكان علوه وإشراقه وتشعشع أنواره والكمال الذي نظر فيه ببادرة النظر إليه. ثم استدام النظر فما لبث أن وقف على العوار وتغيير الأحوال. وهو أن أفل بعد شروقه، وغاب بعد طاوعه. فرجع إلى نفسه، فرأى أن الأسباب التي كانت له ثابتة من العلو والشروق قد عادت زائلة. كما أن الناظر، وهو إبراهيم الخليل- صلوات الله عليه، رأى نفسه خارجا من حال كان عليها إلى حال يؤول إليها. فرأى أحوال الطالع غير ثابتة، كما أن أحواله غير ثابتة، فقال: ﴿لا أحب الآفلين﴾، لا أرضى أن يكون إلهي مثلي في بعض أوصافي. وعاد يطلب له ولذلك الكوكب صانعا لا يدخل عليه من التغير والاستحالة ما دخل عليهما. فاستقرأ القمر والشمس، فرأى الحال فيهما حال الكوكب، فنطق نطق المستدل بما شاهد على ما غاب، فقال: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض﴾.
فتعلم، أيها المستدل، ولا يمنعك ضلال قوم في أفكارهم لقصور
стр. 316
اعتبارهم أن تهتدي بحسن الطلب؛ فلابد أن يهجم بك على حقيقة المطلب. لأن من أنصف، وقف على الغرض؛ ومن سامح النظر، أو سامح نفسه أو غيره في النظر، لم تلح له حقيقة الأمر والخبر. إن كانت هذه الكليات تتعاظم بالقوة القسرية والعظم الذاتي عليك، فقد عظم شأنك عليها بما أودعته من العقل الحاكم عليها، حتى تسلطت عليها من حيث تسلطت. حبست الرياح والمياه عن جريها بحيلك، وسخنت البارد وبردت المسخن، وسكنت المتحرك وحركت الساكن، وعليت المتقاصر وقصرت المتعالي، وسقت الرياح والمياه والنيران والأراضي سياقة المستخدم لها فخدمتك. فإن جاز أن يكون لك آلهة من حيث قهرها ما منك من العقل فانطاعت لك. فإذا كان الأمر كذا فيك وفيها، فاطلب لنفسك ولها صانعا يتسلط عليك وعليها بالبناء والهدم، والتفريق والجمع؛ وأعلم أن ما شابهك من وجه، شاركك من ذلك الوجه.
يا مجموعا من هذه الكليات! انظر إليك وإليها، وانتقد ما فيك، هل فات شيء منها؟ فيا مجموع تربة وماء، وحرارة وهواء! كيف يعبد الشيء نفسه؟ وجب- والله- عليك بحكم الانتقاد، وأنك مجموع هذه الشداد، إن طالبتك بلسان الشبهة أن تسجد لها وتصرف العبادة نحوها، أن تطلب منها العبادة لك بما زدت به عليها من جوهر العقل القاضي عليها. فإذا تكافيتما في الذوات، وزدت عليها بالحكمة المودعة فيك التي تقضي [على] هذه الموجودات ولا يقضي عليها شيء منها طلبت، إذا كان ولا
стр. 317
بد أن يكون عائدا ممن يستحق أن يعبده العقل. وما ذاك إلا من جمعك من هذه الأشياء، وأطلعك بالمعنى على امتلائها بالصنعة ونطقها بالحاجة إلى صانع صنعها، وعدم انفكاكها من الاستحالات. فإن وراءها محيلا يحيلها ومميزا يميزها بعد اختلاط بعضها ببعض. بينا ترى الماء سائلا هابطا، حتى تراه بخارا صاعدا. وبينا تراه بخارا صاعدا، حتى تراه ندا قاطرا هابطا. وبينا تراه في أعماق الأرض عابرا، حتى تشهده بساطا من الوشي على وجه التربة مائلا. وكان أديم الأرض صحائف، قد ملئت بفنون الطرائف، من الأخبار بالسالف والآنف، زهرها ونباتها ينطق بالفاعل، ويشهد بكونها على الصانع دلائل.
فنعوذ بالله من عيون شاخصة غير بصيرة، وقلوب ناظرة غير خبيرة، صور لا يتصور مبدأها ومنتهاها، وأشكال لا يعرف ممرها من مقرها، ولا اجتيازها من مأواها، ولا المتميز عنها ممن ساواها! فما الذي استفدنا من الوجود بعدم إذا أنكلت كل وجود لم أجد فيه سبب إيجادي وهو موجدي، وعدمت نفسي يوم أن كنت عادما لما وراء حسي؟ ما أحسن ما قال شيخنا أبو القاسم العارف عبد الصمد: ((إن كنت لا أنظر فيما أنظر إلا ما أنظر، فلا نظرت! وإن كنت لا أسمع إلا ما أسمع، فلا سمعت! )) وهذا كلام من درجت له العبرة في النظر، والخبرة في الخبر؛ ودرج الطرق حتى أسرف، واستعمل أدوات المعارف حتى عرف. فهذا مقام الإنسانية. وإلا فالبهائم تسمع وترى، وإنما تميز الإنسان عنها بفهم ما جرى.
стр. 318
رزقنا الله وإياكم قلبا عارفا، ونظرا ثاقبا! - وأيضا فأني النظر يمنعنا من الوقوف مع هذه الأشكال والصور المعطلة من كل نفع وضرر، الناطقة بما وراءها من الخبر؟ - وجنبنا الاستهانة بها بحيث لا نأخذ منها أدلة العبر، والتعظيم لها حتى لا تجعل إليها ما هي معطلة عنه، ولا نعطلها عما دلت عليه.
٣٠٨ - شذرة في عتق الراهن
قال حنبلي: العتق من أنفذ التصرفات. ومحله الملك. والعبد المرهون مملوك. فإذا تقابل الحق والملك، كان الملك مقدما. والملك متحقق بالعين، متخصص بها لا بملك أحد نقله عنها. وأما حق المرتهن، فإنه في معنى العين. ولهذا يملك المرتهن إعطاءه الدين من غير الرهن. فليس في قوة هذا الحق الضعيف أن يمنع المالك تصرفه بالعتق، وهو من أنقذ التصرفات. ولهذا يسري إلى ملك العين بالتصرف في ملك الإنسان نفسه. فأولى أن يسري إلى حق الغير من تصرف الإنسان في خاص ملكه.
٣٠٩ - شبهة
ذكرنا شافعي، فقال: الملك مشغول بحق المرتهن، محبوس به عن تصرف الراهن. فمتى نفذنا تصرفه، أسقطنا معنى الحبس. قال:
стр. 319
وفارق الشريك، إذا أعتق حصته؛ فإنه باشر ملكا غير مشغول بحق، فنفذ. والسراية إنما تكون عن شيء ثبت، ثم سرى. فإذا كان الحق في نفس الرقبة، كما منع حق الحبس فيها من البيع.
قال الحنبلي: الملك غير الحبس، وإزالة الملك غير إزالة الحبس. فهو بالعتق يزيل ملكه ويترتب إزالة الحبس سراية.
قال الشافعي: بين إزالة الملك وبين الملك حائل يمنع نفوذ العتق، وهو الحجر والحبس. والملك للرقبة، والحبس للرقبة. والحبس والحجر المتمكن في الرقبة منع مباشرة محل الحق بالتصرف والحبس من نفوذ التصرف المسقط له.
٣١٠ - قال بعض الفقهاء: إذا قلتم ((قول الصحابي حجة مقدم على القياس)) فمعلوم أنه ليس يجوز أن يكون حجة بنفسه من غير اجتهاد. ولو كان كذلك، لما ترجح قول بعضهم على بعض. وإذا كان عن اجتهاد، فهو قياس الأصول. فما القياس الذي يقدم عليه إذا؟
٣١١ - شبهة
قال: إذا كانت جثث الأحياء بعد الموت تعود إلى الكلأ، ورطوبتها إلى الماء، وجسميتها اليابسة إلى التراب، وأنفاسها الهوائية إلى الهواء، يجب أن
стр. 320
تعود الروح كلا إلى السماء.
قيل: هذه حدوس غير معلومة. ولا يعلم هل تعود كلا أم لا. فإن صح لك ذلك، ففي القدرة الإلهية تخليص الأجزاء وإعادة كل منها للحي جسما وروحا ورطوبة ونفسا. وهذه شبهة إبراهيم حيث رأى الجيفة تأكل منها السباع والسمك والطيور. ثم طار الطير عنها وسرح الوحش وغاص السمك، وكل منهم قد أخذ شيئا من تلك الجيفة؛ وتصير من جملة جسم ذلك الحي. فقال الله له: ﴿خذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ الآية. فدل على أنه يخلص الأبعاض من الكليات ثم يعيدها. ولأنه روي في السنة أنه يحفظ الأرواح بحدتها، فجاز أن يكون بها من العناية ما لا يصرفه إلى غيرها. لأنها الجوهر اللطيف النفيس، فجاز أن تكون محفوظة عن الاختلاط، بخلاف الأجساد.
٣١٢ - نقلت من كتاب الأسرار للقاضي أبي زيد الدبوسي مسألة، قال: قال علماؤنا: النكاح أفضل من التخلي لعبادة الله. وقال الشافعي: التخلي للعبادة أفضل، إلا أن تتوق نفسه إلى النساء، ولا يجد الصبر على التخلي. واحتج بقوله تع في قصة يحيى: ﴿وسيدا وحصورا﴾. ((الحصور)) الذي لا يأتي النساء مع القدرة. فمدحه الله به. ولو كان النكاح أفضل، لما كان الحصر عنه مدحا ولا فضلا. والاستدلال الفقهي
следующие страницы →