← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

اعتبارهم أن تهتدي بحسن الطلب؛ فلابد أن يهجم بك على حقيقة المطلب. لأن من أنصف، وقف على الغرض؛ ومن سامح النظر، أو سامح نفسه أو غيره في النظر، لم تلح له حقيقة الأمر والخبر. إن كانت هذه الكليات تتعاظم بالقوة القسرية والعظم الذاتي عليك، فقد عظم شأنك عليها بما أودعته من العقل الحاكم عليها، حتى تسلطت عليها من حيث تسلطت. حبست الرياح والمياه عن جريها بحيلك، وسخنت البارد وبردت المسخن، وسكنت المتحرك وحركت الساكن، وعليت المتقاصر وقصرت المتعالي، وسقت الرياح والمياه والنيران والأراضي سياقة المستخدم لها فخدمتك. فإن جاز أن يكون لك آلهة من حيث قهرها ما منك من العقل فانطاعت لك. فإذا كان الأمر كذا فيك وفيها، فاطلب لنفسك ولها صانعا يتسلط عليك وعليها بالبناء والهدم، والتفريق والجمع؛ وأعلم أن ما شابهك من وجه، شاركك من ذلك الوجه. يا مجموعا من هذه الكليات! انظر إليك وإليها، وانتقد ما فيك، هل فات شيء منها؟ فيا مجموع تربة وماء، وحرارة وهواء! كيف يعبد الشيء نفسه؟ وجب- والله- عليك بحكم الانتقاد، وأنك مجموع هذه الشداد، إن طالبتك بلسان الشبهة أن تسجد لها وتصرف العبادة نحوها، أن تطلب منها العبادة لك بما زدت به عليها من جوهر العقل القاضي عليها. فإذا تكافيتما في الذوات، وزدت عليها بالحكمة المودعة فيك التي تقضي [على] هذه الموجودات ولا يقضي عليها شيء منها طلبت، إذا كان ولا

стр. 317

بد أن يكون عائدا ممن يستحق أن يعبده العقل. وما ذاك إلا من جمعك من هذه الأشياء، وأطلعك بالمعنى على امتلائها بالصنعة ونطقها بالحاجة إلى صانع صنعها، وعدم انفكاكها من الاستحالات. فإن وراءها محيلا يحيلها ومميزا يميزها بعد اختلاط بعضها ببعض. بينا ترى الماء سائلا هابطا، حتى تراه بخارا صاعدا. وبينا تراه بخارا صاعدا، حتى تراه ندا قاطرا هابطا. وبينا تراه في أعماق الأرض عابرا، حتى تشهده بساطا من الوشي على وجه التربة مائلا. وكان أديم الأرض صحائف، قد ملئت بفنون الطرائف، من الأخبار بالسالف والآنف، زهرها ونباتها ينطق بالفاعل، ويشهد بكونها على الصانع دلائل. فنعوذ بالله من عيون شاخصة غير بصيرة، وقلوب ناظرة غير خبيرة، صور لا يتصور مبدأها ومنتهاها، وأشكال لا يعرف ممرها من مقرها، ولا اجتيازها من مأواها، ولا المتميز عنها ممن ساواها! فما الذي استفدنا من الوجود بعدم إذا أنكلت كل وجود لم أجد فيه سبب إيجادي وهو موجدي، وعدمت نفسي يوم أن كنت عادما لما وراء حسي؟ ما أحسن ما قال شيخنا أبو القاسم العارف عبد الصمد: ((إن كنت لا أنظر فيما أنظر إلا ما أنظر، فلا نظرت! وإن كنت لا أسمع إلا ما أسمع، فلا سمعت! )) وهذا كلام من درجت له العبرة في النظر، والخبرة في الخبر؛ ودرج الطرق حتى أسرف، واستعمل أدوات المعارف حتى عرف. فهذا مقام الإنسانية. وإلا فالبهائم تسمع وترى، وإنما تميز الإنسان عنها بفهم ما جرى.

стр. 318

رزقنا الله وإياكم قلبا عارفا، ونظرا ثاقبا! - وأيضا فأني النظر يمنعنا من الوقوف مع هذه الأشكال والصور المعطلة من كل نفع وضرر، الناطقة بما وراءها من الخبر؟ - وجنبنا الاستهانة بها بحيث لا نأخذ منها أدلة العبر، والتعظيم لها حتى لا تجعل إليها ما هي معطلة عنه، ولا نعطلها عما دلت عليه. ٣٠٨ - شذرة في عتق الراهن قال حنبلي: العتق من أنفذ التصرفات. ومحله الملك. والعبد المرهون مملوك. فإذا تقابل الحق والملك، كان الملك مقدما. والملك متحقق بالعين، متخصص بها لا بملك أحد نقله عنها. وأما حق المرتهن، فإنه في معنى العين. ولهذا يملك المرتهن إعطاءه الدين من غير الرهن. فليس في قوة هذا الحق الضعيف أن يمنع المالك تصرفه بالعتق، وهو من أنقذ التصرفات. ولهذا يسري إلى ملك العين بالتصرف في ملك الإنسان نفسه. فأولى أن يسري إلى حق الغير من تصرف الإنسان في خاص ملكه. ٣٠٩ - شبهة ذكرنا شافعي، فقال: الملك مشغول بحق المرتهن، محبوس به عن تصرف الراهن. فمتى نفذنا تصرفه، أسقطنا معنى الحبس. قال:

стр. 319

وفارق الشريك، إذا أعتق حصته؛ فإنه باشر ملكا غير مشغول بحق، فنفذ. والسراية إنما تكون عن شيء ثبت، ثم سرى. فإذا كان الحق في نفس الرقبة، كما منع حق الحبس فيها من البيع. قال الحنبلي: الملك غير الحبس، وإزالة الملك غير إزالة الحبس. فهو بالعتق يزيل ملكه ويترتب إزالة الحبس سراية. قال الشافعي: بين إزالة الملك وبين الملك حائل يمنع نفوذ العتق، وهو الحجر والحبس. والملك للرقبة، والحبس للرقبة. والحبس والحجر المتمكن في الرقبة منع مباشرة محل الحق بالتصرف والحبس من نفوذ التصرف المسقط له. ٣١٠ - قال بعض الفقهاء: إذا قلتم ((قول الصحابي حجة مقدم على القياس)) فمعلوم أنه ليس يجوز أن يكون حجة بنفسه من غير اجتهاد. ولو كان كذلك، لما ترجح قول بعضهم على بعض. وإذا كان عن اجتهاد، فهو قياس الأصول. فما القياس الذي يقدم عليه إذا؟ ٣١١ - شبهة قال: إذا كانت جثث الأحياء بعد الموت تعود إلى الكلأ، ورطوبتها إلى الماء، وجسميتها اليابسة إلى التراب، وأنفاسها الهوائية إلى الهواء، يجب أن

стр. 320

تعود الروح كلا إلى السماء. قيل: هذه حدوس غير معلومة. ولا يعلم هل تعود كلا أم لا. فإن صح لك ذلك، ففي القدرة الإلهية تخليص الأجزاء وإعادة كل منها للحي جسما وروحا ورطوبة ونفسا. وهذه شبهة إبراهيم حيث رأى الجيفة تأكل منها السباع والسمك والطيور. ثم طار الطير عنها وسرح الوحش وغاص السمك، وكل منهم قد أخذ شيئا من تلك الجيفة؛ وتصير من جملة جسم ذلك الحي. فقال الله له: ﴿خذ أربعة من الطير فصرهن إليك﴾ الآية. فدل على أنه يخلص الأبعاض من الكليات ثم يعيدها. ولأنه روي في السنة أنه يحفظ الأرواح بحدتها، فجاز أن يكون بها من العناية ما لا يصرفه إلى غيرها. لأنها الجوهر اللطيف النفيس، فجاز أن تكون محفوظة عن الاختلاط، بخلاف الأجساد. ٣١٢ - نقلت من كتاب الأسرار للقاضي أبي زيد الدبوسي مسألة، قال: قال علماؤنا: النكاح أفضل من التخلي لعبادة الله. وقال الشافعي: التخلي للعبادة أفضل، إلا أن تتوق نفسه إلى النساء، ولا يجد الصبر على التخلي. واحتج بقوله تع في قصة يحيى: ﴿وسيدا وحصورا﴾. ((الحصور)) الذي لا يأتي النساء مع القدرة. فمدحه الله به. ولو كان النكاح أفضل، لما كان الحصر عنه مدحا ولا فضلا. والاستدلال الفقهي

стр. 321

أن النكاح عقد معاملة. فيكون الاشتغال بالعبادة أفضل من الاشتغال به في الأصل، قياسا على عقود التجارات وسائر المعاملات. لأن المعاملات شرعت لنا، والعبادات شرعت لله تع. والدليل على أن النكاح معاملة أنه مشروع صحيح من الكافر والمسلم. والعبادات لا تتأدى من الكافر. ولأن النكاح عقد شرع لقضاء الشهوة، فيكون الاشتغال بالصلاة أولى منه، قياسا على الأكل والزراعة ونحوها. وهذا لأن اقتضاء الشهوة عمل بهوى النفس، والعبادة عمل بطاعة الله. وما بعث الأنبياء إلا بخلاف هوى النفس، والدعوة إلى الطاعة. وهوى النفس حرام، وما أبيح منه إلا ما كان قواما لطاعة الله تع. إلا أنه إذا تاقت نفسه إلى النساء، جعلنا النكاح أفضل، اغتناء عن الزنا بالحلال. فإن ترك الزنا وجميع المعاصي فريضة، والاحتزاز عنها واجب، فيكون أولى من نفل العبادات. وهذا كما إذا اضطر إلى الأكل افترض عليه، وإذا زاد في مرضه كان الفطر أولى. وهذا كمن خاف السؤال لو لم يكتسب، فيكون الكسب أولى من نفل الصلاة. ولعلمائنا ما روي عن أم حبيبة أنها قالت: سمعت رسول الله تع يقول: من كان على ديني ودين داود وسليمان وإبراهيم فليتزوج؛ فإن لم يجد إليه سبيلا، فليجاهد في سبيل الله. وروى هذا الحديث ابن [أم] حبيبة. فجعل النكاح من الدين؛ وجعله مقدما من الجهاد، وقال صلعم: النكاح سنتي؛ فمن رغب عن سنتي، فليس مني. فجعله سنة مطلقة. والخصم يجعله سنة إذا تاقت نفسه. ولأنه جعله سنة بوعيده عن الرغبة

стр. 322

عنه. و ((رغب عنه)) بمعنى ((تركه)) لا اللغة. وقال الخصم: تركه أولى من فعله إذا لم تتق نفسه. وقال عم: تناكحوا وتناسلوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة وهذا أمر ظاهر للإيجاب أو الندب؛ وبين حكمته، وهو تكثير الأمة وعبادة الله. فيكون السبب لخلق عبد هو من أمة الرسول فوق دعوة عبد موجود إلى الإيمان به. ومعلوم ما جاء من الثواب في داعي عبد إلى الإيمان. فالتسبب إلى وجود مؤمن أولى. فإن قيل: النكاح عندنا سنة مرغوب فيها لا مرغوب عنها، ولكنا نقول التخلي خير منه وأفضل، وليس في هذين الخبرين بيانه، قلنا: النكاح عندنا سنة مرغوب فيها لا لوصفه. فقد جعلته من المعاملات في تعللك. وإنما نجعله سنة مرغوبا فيها لمعان تتصل بها. وعندنا النكاح في نفسه سنة، كنفل العبادات، وإن كان يتم معاملة محضة. وفي الحديث إشارة إلى أنه سنة لنفسه لا لغيره. ووجه آخر أن النبي صلع تزوج، وأنهى العدد المباح له، واشتغل بهن عن التخلي للعبادة. فثبت أنه أفضل من التخلي. فقد اختار الله تع لرسوله صلعم أفضل مناهج الدين. وكذلك رسول الله يجتهد لسلوك أفضل طريق الدين. وهم قوم من أصحابه بالتخلي وفراق زوجاتهم، فرد عليهم رسول الله صلعم بطريقه، ثم قال: وأرجو أن أكون أحشاكم الله وأعلم بما يتقي عنه. فإن قيل: كانت نفسه تواقة إلى النساء، فكان النكاح له أفضل،

стр. 323

قلنا: ولما ثبت أن الله تع خلق رسول الله على أحمد صفات عبيد الله وأوعاها لما همه، فلو كان الأفضل هو التخلي للعبادة، لخلقه غير تواق إلى النساء ليكون منهاجه في الدين على أعلى سبيله. ولأن النبي عم رد على من أراد التبتل، وغضب، وأخبر أنه [لا] رهبانية في الإسلام، ولأن في الواحدة كفاية عن الزنا، فثبت أن الزيادة إلى كمال العدد لم يكن إلا لأنه أفضل من التخلي للعبادة، إلى أن يخاف المنكر. وبهذا نطق كتاب الله تع. فإن الله تع أمر بالثلاث والأربع؛ وشرط خوف الجور، فصبر على الواحدة. فثبت أن الترك مشروع يشرط في الفعل. وفي نهي النبي عم الذين أرادوا التبتل عن التبتل والثبات عن النساء دليل واضح على فضل حال النكاح على التبتل. وجه آخر ما روي عن النبي صلعم أنه قال: من أحب المباحات إلى الله تع النكاح، وأبغضها إلى الله تع الطلاق. والطلاق مشروع لقطع النكاح، فصار مبغضا شرعا في نفسه ووصفه، لا بعارض. فعلم أن النكاح في وصفه وأصله محبوب لله، إلا بعارض جور فيه، لا أنه من المعاملات المباحة إلا لعارض. والفقه فيه أن النكاح في أصل وضعه شرع لمصالح دينية عامة. فيكون أولى معنى بنفل العبادة، قياسا على السلطنة بحق والجهاد في سبيل الله. وإنما قلنا ذلك لأنه شرع للقيام على النساء وحفظهن والنفقة عليهن. والازدواج فيه صلاح العالم، وسبب لبقائه

стр. 324

إلى يوم القيامة، وصلة بني الأقارب، وتأسيس للقرابات المحترمة بدليل قوله سح ﴿فجعله نسبا وصهرا﴾، وتكثير عباد الله وأمة الرسول، وتحقيق مباهاة الرسول بهم إلى يوم القيامة. فيكون الاشتغال به أولى من التخلي للعبادة حكما وشرعا. فتكون المصلحة العامة الدينية أولى من التخلي للعبادة؛ إلا أن يخاف الجور، فيدعه فرارا عن المعصية؛ كالخلافة والحكومة ونحوهما من أمور العامة، وكما إذا تاقت نفسه إلى النساء. وإنما قلنا ذلك لقول الله تع: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، وهم الأزواج. لأنه قال: ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾. والنفقة على الأزواج دون الأجانب. ولأنه بالإجماع الزوج هو الذي يحفظ امرأته ويمسكها حيث شاء بحق الملك لها إلا بإذنه. والنساء في جبانتهن يضعن- يعني بغير رجل يحفظهن. وإنهن لحم على وضم إلا ما ذب عنهن. وما يتم الحفظ إلا بالازدواج عادة. وكذلك النفقة لهن يلزمهم من مالهم صلة لهن. فهذه أحكام تثبت شرعا بنفس العقد قيد قضاء الشهوة والوصول إليه. وكذلك النسب. وكذلك الله تع حكم ببقاء العالم إلى يوم القيامة وعلقه بالتناسل. ولا نسل إلى ما شرع الله إلا بملك. ولا ملك على أصل ما خلق الله تع من الحرية إلا بالنكاح. فيكون النكاح هو سبب بقاء العالم شرعا، لأن غيره منهي عنه شرعا. والبقاء حكم ماض، لأنه ... شرعه لنا، علم أنه طلب منا الإيفاء بذلك السبب. إلا أنه لا ... فيصير فرضا أصله. وفيه تكثير عباد الله وأمة رسول الله وتحقيق مباهاة الرسول بالكثرة، على ما

стр. 325

قاله الرسول عم. وهذه الأمور كلها أحمد من أمور الإمارة. والأمير يقوم بمصالح الناس التي بها سكون الفتنة وقيام المعدلة. وإنه سبب لبقاء النفوس القائمة لا لوجود ما لم يوجد بعد؛ فلا يتعلق به البقاء إلى القيامة. وكذلك يرزقهم من مال بيت المال، لا ملك نفسه. ويعدم فيه صلة الأجانب وتأسيس القرابة وحفظ النساء عن الزنا. فإن قيل: الأمير [يدافع] عن الناس في مصالحهم، فكانت حسنة وضعًا، ما يملك لنفسه شيئًا. والزوج بالنكاح يملك المرأة، ويقضي شهوته منها، وسائرها التي ذكرت زوائد فيه. فتكون العبرة الأصل. فتصير من جملة المعاملات التي شرعت لحظوظنا، أو الأفعال التي أبيحت لضرورة دعوة طباعنا؛ كالأكل والشرب والنعوظ والتنفس ونحوها.- قلنا: إن الإمارة ترغب فيها النفوس لاقتضاء شهوة الجاه والولاية ونفاذ الأمر أكثر مما يرغب في النكاح لاقتضاء شهوة الفرج. ألا ترى أن الإمارة مطلوبة بين الناس بالقتال وجر العساكر بهوى النفس دون رغبة في الآخرة وطاعة الله، ولا يرغب في النكاح إلا لاقتضاء شهوة الفرج؟ ... وشهوات كبار النفوس في الجاه، ونفاذ الأمر فوق شهوات النفس في الجماع. إلا أن الشرع ما شرع الإمارة بحكمة اقتضاء الجاه والعلو في الأرض، بل ذلك إنما يكون لأهل الجنة في الآخرة؛ ولكن شرعها لإقامة مصالح الناس

стр. 326

وحفظهم والتزام أحكام الله. فصارت بما عليه لله تع طاعة لله وحسنة على ما شرعها الله تع. إلا أن الله تع جعل شهوات النفوس داعية إلى الإمارة ليتولاها المطيع والعاصي. وجعل ركنها على نهج أركان المعاملات، لئلا تفوت مصالح العامة بعدم النية، ولا تفسد الأمور التي بها قوام العالم. فكذلك النكاح مشروع من الله تع لا لاقتضاء الشهوة؛ بل شرعه للازدواج، والقيام على النساء وحفظهن. فهن على الضياع بدون تتمة من الرجال وكمال النفقة؛ فإنهن عاجزات عن التكسب والنسل الذي علق به بقاء العالم ووجود عباد الله الذين منهم الأولياء. فصار بما عليه من الأعمال لله تع طاعة وحسنة. غير أن الله تع سلط شهوات النفوس داعية ليتولاه العاصي والمطيع. وجعل ركنها ركن المعاملات. فلا تفوت هذه المصالح ولا تبدل ما حكم الله من البقاء بفساد قصد العباد. فيكون المنكر لطاعته متخلفًا عنه والعامل له كالمطيع. دل عليه إذا تاقت نفسه. فإنه إن اعتذر بأن فيه حفظًا عن الزنا، ففي نكاح الذي لا تتوق نفسه حفظ المرأة عن الزنا؛ فلا يختلفان فيه. وقد سئل رسول الله صلعم عن الجماع: أنقضي شهواتنا ونثاب عليها؟ فقال نعم؛ الحكمة التي قلناها. ألا ترى أن التسبب لرفع الهلاك عن الحي خير من صلاة النفل؟ والتسبب للوجود يكون فوقه. ثم نفضل الإمارة والنكاح على التخلي للعبادة لمعانٍ معقولة. منها أن المتخلي للعبادة عامل

стр. 327

لنفسه، والمتسبب لإقامة المصالح عامل لله تع. لأن إقامة مصالح عبيد الله على الله سح؛ كالرزق والحياة ونحوهما. والعبد نائب عن الله في إقامتها. فأما العبادة فعلى العبد. فيصير عاملًا لنفسه لا نائبًا عن ربه. فتكون النيابة فوق عمل الابتداء. كمن يقضي دين إنسان عنه محتسبًا، ويصل بصلة؛ فيكون القضاء عنه فوق الصلة له. ولأن ما على الله تع من الرزق، وبقاء العالم إلى حينه، وإقامة مصالحه، حق واجب؛ فيصير من الفروض الشرعية، لما فيه من ضروب الحسبة، على ما ذكرنا. والحسبة مما أمر بها الشرع حقًا لله سح. فيكون فوق النافلة المشروعة؛ إلا أنه من فروض الكفاية. وإذا قام المقصود من أنكحة البعض سقط عن الباقين. ولن يتصور اجتماع العالم على التبتل. ولأن التخلي للعبادة خير يخصه وخير المحتسب يتعدى إلى غيره. ولا خلاف أن في ديننا أن ولي العشرة أفضل من ولي العزلة، وولي العشرة في المخالطة والتحبب إلى الناس بالخلق خير. ونفس العشرة والمخالطة توجد من الكافر والمسلم. ولأن خيره في العادة ينقطع هو به، وخير النكاح يبقى بعد موته بولد صالح يدعو له بعد موته على ما جاء به القرآن: ﴿فهب لي من لدنك وليا﴾ ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾؛ والسنة: كل عمل ابن آدم ينقطع بموته إلا ثلاثة. وذكر ولدًا صالحًا يدعو له، وصدقة دارة؛ فقرن الولد بالصدقة. فالخصم نظر إلى ظاهرة وصف النكاح، فوجده من معاملات الناس، وإلى الحكمة الظاهرة للنفوس من فائدة اقتضاء الشهوة والصرف عن الزنا،

стр. 328

فجعل العبادة خيرًا منه، وجعله من نظير الأكل والكسب. ونحن نظرنا إلى باطن حكمه، على ما [كان] عليه دائبًا، ودأبه في تعليلات النصوص. دل عليه أن فطر المريض، إذا خاف التلف على نفسه، خير من الصوم. ففي الفطر اقتضاء شهوة. وفي الصوم خلاف لهوى النفس وطاعة الله في أصله. لأنه في حال المرض سبب تلف، والفطر سبب بقاء. فصارت الطاعة في النسل سبب. وكذلك لا يجعل صوم الوصال افضل من الصوم والفطر. لأن الوصال يضعفه عن الجهاد والقيام بمصالح الناس. إلا أنه لما وجب حين الخوف دفعًا لضرر الطبيعة توقى الضرر، على ما ذكرنا. فأما قصة يحي، فليس بحجة فيها أن التخلي لعبادة الله والصبر على النساء أمر ممدوح. وإنا لا نذمه؛ ولكن نقول النكاح على إقامة شروطه أفضل منه. كما مدح في الشرع العزلة عن الإمارة لمخالفة الحق؛ ثم كان المتولي بشروطها أفضل من العزلة عنها، أو يقول نحتمل العزلة. والترهب كان أفضل من العشرة في تلك الشريعة. ونسخ ذلك في شريعتنا. وصارت العشرة خيرًا من العزلة. وعن الفقه أنا نجعل الصلاة أولى ... لا نفضل النكاح لأنه معاملة، بل لأمور أخر بيناها. فصرنا قائلين بحكم علتهم. وكذلك الجواب عن الثاني. ولهذا المعنى جعلنا نحن الطلاق أصله مكروهًا إلا لعارض. لأنه لقطع ما هو محبوب في نفسه. وجعل الشافعي أصله مباحًا إلا بعارض ذمه الشرع يقترن إليه؛ كفسخ البيع.

стр. 329

لأنه لقطع ملك مباح، كملك الثمن. دل على صحة ما قلناه أن الله تع قال: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا﴾. فمن بالنسب والصهر كما من بأصل الخلق. وسبب النسب والصهر هو النكاح. وقد ألحق المنة بالخلق. فصار بمنزلة ما لو جعل إلينا خلق البشر. ولو تصور ذلك، كان الاشتغال به أولى من نفل العبادات. ألا ترى أن الاشتغال بدفع أسباب الهلاك عن الأحياء أولى من التخلي للعبادة، لأنه في الشرع ملحق، والإحياء قد جعل إلينا دفع أسباب الهلاك. فصار بمنزلة ما لو جعل إلينا إحياؤه. فمال الكلام فيه إلى أن النكاح أصله لقضاء [الشهوة] وغرض المصالح تبع فيه، وأصله للمصالح الشرعية، وقضاء الشهوة تبع. ٣١٣ - شذرة في جمع الطلاق قال حنفي علوي إمام، قدم إلينا حاجًا، يعرف بمحمد السمرقندي: الطلاق في الأصل مكروه عند الله مبغوض؛ كما أن النكاح محبوب ممدوح. فإذا ثبتت هذه القاعدة، فيجب أن لا نبيح منه إلا ما يحتاج الزوج إليه. والذي يحتاج إليه طلقة، فإنها تنتهي إلى إزالة الملك بانقضاء العدة. فينبغي أن يكون ما زاد عليها بحكم نفي الحاجة المبيحة على حكم الأصل من الكراهة.

стр. 330

قال شافعي: لا أسلم. بل الطلاق في الأصل مباح؛ وإنما يحرم أو يكره لعارض؛ كحيض، أو إضرار بالإلجاء إلى دفع العوض عنه لتخليص النفس، أو ما شاكل ذلك. فقد خولفت في أصل القاعدة، والحديث الذي تستدل به يدل عليك. لأنه قال: لا مباح أبغض إلى الله من الطلاق، ولا أحب إليه من العتاق. ومحال أن يجتمع له الحظر والبغض والإباحة في حالة واحدة. لم يبق إلا أنه مباح على الإطلاق، مكروه على صفة، لاستحالة بغضه على الإطلاق، وإباحته على الإطلاق، أو بغضه على صفة مباح عليها. لم يبق إلا ما ذكرنا. قال الحنفي: بل يكون مبغوضًا على الإطلاق، مباحًا على صفة هي الحاجة. بدليل أنه لو كان مبغوضًا على صفة هي الإضرار، لما اختص بذلك، ولبطل فائدة تخصيصه بذلك. لأن البيع والإجارة وسائر العقود، إذا وقعت على وجه الإضرار بالغير، كانت مبغوضة عند الله. لم يبق لتخصيص الطلاق فائدة. إلا أنه إذا طلق بغير سبب يحوجه إلى الطلاق، كان مجرده مكروهًا. فإذا احتاج، فالذي يسد حاجته طلقة. فإذا زاد ثانية صارت كالطلقة التي تغيرت في الابتداء عن حاجة، فكرهت. كما لو دخل على امرأته وهي على غاية الطاعة والمحبة والغفلة عن المضرة، فأضرها بطلاقه، فإنه يكون مكروهًا؛ كذلك الطلقة التي تزيد على قدر الحاجة. وهذا فصل جيد، فافهمه.

стр. 331

٣١٤ - من الأسرار مسألة قال القاضي أبو زيد الدبوسي: وأما الحرة العاقلة البالغة، إذا زوجت، فيجوز عند أبي حنيفة، وقول أبي يوسف الآخر. كذلك تثبت لها ولاية تزويج قرابتها، إذا لم يبق ولي من جهة الرجال. وكذلك الخال، تثبت له ولاية التزويج، إذا لم يبق من جهة الأب قريب، في قول أبي حنيفة، وقول أبي يوسف الآخر. احتج أبو حنيفة في الأصل لجواز نكاحها لنفسها بنفسها: إن هذا العقد وهذا النكاح بمهر المثل خالص حقها قبل الولي؛ بدليل أنها إذا طلبت، لزم الولي إيفاؤه إياها؛ وإذا أبت، لم تكره عليه؛ كدين الإنسان قبل آخر. فثبت أنه خالص حقها. لأن الشرع جعل المباشرة إلى الولي، كمباشرة إيفاء الدين. فكانت مباشرة الولي للخروج عما عليه لصاحب الحق. فإذا كان صاحب الحق ممن يجب الإيفاء بطلبه، فإذا استوفاه صاحب الحق بنفسه، من غير طلب بعد الاستيفاء، لم ينقض عليه؛ كصاحب الدين إذا دخل حرز الغريم واستوفى حقه بغير إذنه. وهذا لأنه في الحقيقة ما أبطل من حق الغريم شيئًا؛ إنما أسقط عنه مباشرة كانت تلزمه. فكذلك في مسألتنا هذه. ألا ترى إن تبرع عنه بقضاء الدين، يصح؛ لأنه لم يبطل من حقه شيئًا. وكذلك الإبراء

стр. 332

يصح من غير قبول، لهذا المعنى. بخلاف الصغير، لو فعل ذلك بنفسه؛ لأن الإيفاء لا يجب تطلبه. فعلم أن الصغير مولى عليه لنقصان رأيه، وأنه لا عبرة به وإن وجد، إلا بدلالة الخطاب أو إذن الولي الذي جعل إليه النظر في أمره. فلم يبطل تصرفه بغير رأي معتبر شرعًا. وبالبلوغ يزول حجر الشرع. فتصير العبرة لمن كان يعرف الرأي به في العقل والتمييز. ألا ترى أن طلبها يصح، فيبقى الحجر بعد ذلك، كما ثبت للولي حق المباشرة، وأمرت المرأة بالطلب منه، وذكرنا أنه غير مانع. فإن قيل: استيفاء الدين يكون من حبس حقه وأنه شيء محسوس ثبت بالعقل، فاستقام أن يقال إنه حصل بفعل صاحب الدين. فأما النكاح، فإنه يتم حكمًا شرعيًا والمباشر حسًا لا يوقف على الحكم.- قلنا: إن استيفاء الدين، لو حصل من الصبي، لم يصح؛ لأن التمليك بذلك الاستيفاء أمر حكمي لا حسي. كذلك في النكاح والقبض حسي، كالقول في باب العقد حسي؛ فثبت أنه لا فرق بينهما. فإن العلة ما قلنا: إن الحجر بحق الغير إنما يثبت إذا كان حقًا له، لا حقًا عليه. فإن قيل: أصل النكاح للمرأة. وإنما نقل إلى الولي لنقصان فيها، كما في الصغيرة. بخلاف الدين لأنه نقص بالعين، وإنه ملك الغريم، فكان الإيفاء إليه أنه ملكه في الأصل، لا أنه ملك صاحب الدين ونقل إليه لنقصان حاله. هذه شبهة المسألة.-قلنا: لم تنقل إلى ولاية المباشرة لنقصانها، بدليل أن الإيفاء يجب بطلها ويبطل بردها. والرأي

стр. 333

لا يحتاج إليه للمباشرة نفسها. فإنه عبارة عما لا يوجب حكمها باختلاف الناس. وإنما احتيج إلى الرأي لاختيار الزوج الذي يقع به التفاوت في أغراض النكاح. فلما كان ولاية الاختيار إليها، علم أن الناقل ليس نقصان رأيها صيانة لباب النكاح وأغراضه، لكن الغضاضة تلحق الولي بأن تنسب إلى الرعونة والوقاحة بمباشرة العقد على نفسها غارة؛ كما منع الرجل من الخطبة على خطبة أخيه، كي لا تلحق الأول وحشة. ولأن نهينا عن لمباشرة لمعنى لا يتصل بالعقد؛ فلم يدل على فساد المباشرة. ولم يكن الحجز عن النكاح بذهاب الولاية عنها أصلًا، بل لمراعاة حق الغير، لا يتعلق به الجواز. فكذلك فيما نحن فيه. والدليل عليه ما ذكرنا أن النكاح من جملة مصالح النساء، كما هو في جانب الرجال، وكما في المال. فثبت ولاية التصرف لصاحبها بالبلوغ عن عقد، كما في جانب الرجل. ثم الحجر إنما يثبت قياسًا من الوجه الذي ثبت في المال والنكاح. وذلك من الوجه الذي قلناه، وهو الشرى على سوم أخيه، كما أشرنا. فالحجر من ذا الجانب، لا أن يثبت بنقصان فيها بعد البلوغ عن عقل أو رأي، بل لمراعاة حق الغير. فتبين أن الحرة البالغة، على أصل أبي حنيفة رحه، يكون مولًى عليها نكاحًا بنقصان الأنوثة، وأن الولاية تنتقل إليها. ولكنها منعت عن التصرفات بها بنفسها، وأمرت بالطلب من الولي، وجعلت له ولاية المباشرة لصيانتها عن الرقاحة. وللولي مراعاة لحق المولى عليه ودفع الغضاضة الحاصلة بالوقاحة. فصارت مولًى عليها بباب من أبواب المروءة. فكانت بالاجتهاد. وإذا

стр. 334

ثبت لها ولاية المباشرة بالبلوغ، ثبت التعدي إلى الغير عند شروطه، وهو بحجر المولى عليه كما في الذكر. لأن الولايات على الغير لا تثبت بعلة في المولى عليه، بل هي الولاية التي ملكها الإنسان بحريته على نفسه وماله. ثم يصلح شرعًا للتصرف على غيره، إذ عجز الغير بنفسه. وليكن التعين لذلك بأسباب مخصوص من سلطنة أو قرابة ونحوها. وليس النكاح كالطلاق. لأن ولاية العقد بحكم ملك الإنسان؛ والحر والحرة فيه سواء. والطلاق بحكم ملك النكاح. وذلك للرجل دون المرأة، على ما نذكر بعد حين، إذا كان تعريفًا بسبب آخر يشتركان فيه. كالعيب عند الخصم، وإسلام أحدهما عندنا. قال أبو حنيفة -رحمة الله عليه- في الأصل: أرأيت لو أعتقت الحرة امرأة، تملك تزويجها، والولاء ثابت لها كما للرجل؛ ووافق محمد عليه. فكذلك باب النسب؛ وإذا مات الرجل، تعينت به. فأما عذر محمد أنه لا يكون عصبة، ساقط. فإنها تستحق جميع المال، إذا لم بكن عصبة، بحكم القرابة. كالعصبة، على ما بينا، في باب المواريث. وتبين بهذا أن الحجر ليس لعظم خطر النكاح. فإنها ملكت إنكاح معتقتها لما لم تثب فيه إلى الوحاقة، ولم يلحق الولي بذلك غضاضة. وأما الجواب عن فساد يقع بمباشرتهن، وأن ذلك الوهم ثابت للولي

стр. 335

في حق الاعتراض والمرافعة إلى القاضي حتى يبرئ مما صنعت، فإن كانت استوفت شروط النكاح، أقرها على ذلك؛ وإن أخلت، رده. ولما ارتفع الفساد بضرب هذا الأمر، ثم ثبت أمرًا زائدًا، بخلاف حال عدم الشهود، فإنا متى جوزنا النكاح لدونهم لم يبق لأحد ولاية الموافقة لأجل عدم الحجة. فأما فيما نحن [فيه]، فدعوى الولي الخلل في باب نشوء اختيارها مسموع، والقاضي يحضرها ويتأمل في ذلك. لأن الشهود شرط على المتعاقدين حقًا للشرط، صيانة للعرض. ومباشرة الولي العقد حق جعل لها قبله، بدليل ما ذكرنا، حتى لا تثب إلى الوقاحة فتملك الإبطال [ ... ] ٣١٥ - [ ... ] آكد في تحصيل التكليف وثواب اعتناق الأمر من حيث يحصل به تقدم التوطين للنفس على أداء الحق، أي حق كان، فيقع الثواب بذلك. ثم يجيء البيان بمقدار المأمور به، فيحصل ثواب الامتثال. قالوا له: إلا أنه يتعجل الجهل. وما ذكرته من الاعتقاد فليس من خصائص الأمر، بل يجب قبل الأمر بطريق الإيمان. فإن الإيمان يوجب ذلك. فيجب على كل مؤمن أن يوطن نفسه [على] أن أي شيء أمر به من قبل الله سح أطاعه فيه وسارع إليه. وكلامنا فيما يختص الأمر، وليس إلا المستدعى من الفعل. فأما الاعتقاد والعزم، فلا. على أن ما يورث من الجهل لا يفي به ما ذكرت من الاعتقاد والعزم. قال الحنبلي: أما قولكم إن الاعتقاد والعزم ليس من خصائص الأمر،

стр. 336

لكنه يحصل ويسبق بنفس الإيمان، فليس بكلام صحيح. لأن الإيمان أصل، وتوطين النفس على أن ما يرد من الأوامر يمتثله فرع من فروعه. وذاك اعتقاد جملي، فعلق على ما عساه يكون من الأمر في الثاني. ونحن نتكلم في أمر قد ورد بفعل مجمل أوجبه اعتقاد وجوبه. فأين هذا من ذاك؟ وهذه الطريقة أحسن طريقة تجيء على أصلنا، من حيث إنما يجوز ورود النسخ للشيء قبل وقت فعله. فإذا نسخ، علمنا أنه ما كان المقصود بالأمر به إلا ما يحصل للمتكلف؛ وما يحصل له مع النسخ قبل وقت الفعل إلا الاعتقاد والعزم. فعلى هذا قد بان أن العزم والاعتقاد مقصودان بالأمر، حيث أجزنا النسخ قبل وقت فعل المأمور به، وقولكم إنه من حكم الإيمان. فهذا يؤكد ما ذهبنا إليه. لأنه إذا جاز أن يكون بأصل الإيمان يجب الاعتقاد لاعتناق ما يرد به الأمر، فكيف لا يجب مع ورود الأمر اعتقاد ما يحصل من بيان المأمور به؟ وأما قولكم إنه يفضي إلى التجهيل، فليس بتجهيل له عن علمٍ علمه؛ وإنما هو تدريج في تحصيل العلم له. والتدريج هو إعلام لشيء بعد شيء. وليس من شرط العلم أن يقع جملة واحدة؛ بل الاستدلالي يقع بمقدمة بعد مقدمة. فأول ما يقع العلم بالنظر الأول في حال العالم، حدث العالم؛ ثم إثبات الصانع بنظر ثاني. وكذلك النظر في إحياء الميت، أنه دال على صدق من قام ذلك على يديه. ثم النظر الثاني أن لا يجوز أن يكون هو الفاعل له، بل هو مؤيد به. وعلى هذا أبدًا.

стр. 337

٣١٦ - فصل جرى بجامع المنصور في مسألة غرامة خمر الذمي بإتلاف المسلم استدل فيها حنبلي، فقال: مائع نجس؛ فلا يجب غرامته على متلفة، كالدم. اعترض عليه حنبلي، فقال: أي تأثير لقولك ((مائع؟ )) وكم جامد لا يجوز بيعه، ولا يجب ضمانه؟ وكم مائع طاهر لا يجب ضمانه؟ كلبن الآدميات. وسائر الحشرات جامدة طاهرة ولا يجوز بيعها. فإذا لم يكن له تأثير، لم يجلب الحكم. على أنه لو كان عدم الضمان يتبع النجاسة، والنجاسة تجلب نفي الضمان، لكان الحمار والبغل وسباع البهائم التي يصطاد بها، كالفهد وجوارح الطير، مضمونة، في إحدى الروايتين، ولا تكون مبيعة رواية واحدة ومذهبًا واحدًا. فلما كان حكمها في النجاسة والطهارة مختلفًا فيه على مذهبين، وبيعها وضمانها مذهبًا واحدًا، بطل أن يكون أخذك لإسقاط الضمان من النجاسة أخذًا صحيحًا. فإذا ثبت بهذه الجملة أن علتك لا تؤثر الحكم، قابلناك الآن بما يؤثر إيجاب الضمان. وذلك أن هذه الخمر، وإن كانت نجسة، إلا أنها شراب يعتدونه مالًا وشرابًا، ويقرون عليه، ويحمي الإمام عنه كما يحمي عن سائر أموالهم بالضرب والتعزير لمن يقصد التفتيش عليها والتنفير ويريقها. ومن حفظ الذمة في إقرارهم عليها أن يضمن مريقها ومتلفها.

стр. 338

قال المستدل: لا عبرة باعتقادهم؛ وإنما الاعتبار باعتقادنا. ونحن لا نعتقدها مالًا، ولا نعتدها شرابًا. قال الحنبلي المعترض: لا شك أن من مذهب أحمد تحريم عوض كل محرم. حتى إنه حرم أعواض بعض المباحات، لكونها دنايا. واستدل في تحريم عوض الحرام بقول النبي صلع: لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرك شيئًا حرم ثمنه. وفي تحريم عوض الدنايا قوله: كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث. ومعلوم أن عمر رضه لما وضع على جواز أموال أهل الحرب العشر، وعلى أموال أهل الذمة نصف العشر، قال في الخمر إذا خير بها العشارين: لا تأخذوا منها؛ لكن ولوهم بيعها، وخذوا العشر من أثمانها. ولا يجوز أن يكون جواز ذلك في حقنا إلا وقد أجريت مجرى الأموال المباحة في حقهم؛ إذ لا إباحة في حقنا. فلا يبقى موافقة بين قول النبي ((إن الله إذا حرم شيئًا حرم ثمنه)) وقول عمر ((ولوهم بيعها وكلوا العشر من أثمانها، )) إلا أن يكون تقدير ذلك ((وكلوا العشر من أثمانها، فإنه ثمن ما هو مباح عندهم.)) فالعبرة باعتقادهم؛ إذ لو كان الاعتبار ياعتقادنا، لكان حملًا من عمر للمهاجرين والأنصار على استباحة شيء هو ثمن ما حرم الله. وذلك حمل لهم على ما يدخلون به تحت اللعن. وحاشاه! قيل له: فما الذي يكون جوابك عن هذا إن ألزموكه أصحاب أبي حنيفة؟ وكيف تجمع بين الخبر وقول عمر؟

стр. 339

قال: إنا لا نأخذه ثمنًا، لكن نأخذه بحكم الخراج. وذلك كما نأخذ الغنائم، وإن كانت أثمان الخنازير ومهور الزواني. وهذا لا يعطي مناقضة لقول النبي صلعم ((إن الله إذا حرم شيئًا على قوم حرم ثمنه عليهم)) وأما أن تعطي ((حرم ثمنه على غيرهم)) فليس وعمر يقول ((ولوهم بيعها حتى إذا أخذوا هم أثمانها خذوا العشر من أثمانها.)) فسماه ثمنًا بالإضافة إلى بيعهم؛ وهي بالإضافة إلينا ليست ثمنًا. ٣١٧ - استدل حنبلي في مسألة الجمع لأجل المرض، فقال: عذر يؤثر في صفة الصلاة، فأثر في وقتها؛ كالسفر والخوف. فاعترض عليه حنبلي آخر، فقال: إن المرض جعل الله سح وتع الصلاة بحسبه. كيف أمكن المريض أن يصلي، صلى. فالصلاة إذا قدمت أو أخرت أخل فيها بوظيفة الوقت. وما ذلك إلا تعجيل الإخلال بمقصود، لأجل ما أسقطه الله عن المكلف في وقته. وذلك لا يجوز؛ كما لا يجوز الجمع بين صلاة الظهر والعصر في الحضر، تقديمًا لصلاة العصر إلى الظهر؛ حتى لا تدخل العصر عليه في السفر، فيحتاج إلى تغييرها. كذلك أكثر ما في هذا التعجيل اغتنام صلاة جالسًا، خوفًا من أن يكون في وقتها ضعيفًا لشدة المرض بنوبة ثانية، فيصلي مضطجعًا. وذلك ترك لحق الشرع من الوقت لأجل حق الشرع من التمام. والشرع لا يوجب في الوقت الذي يضعف به عن القعود أو القيام إلا الصلاة بحسب حاله. فكيف يسقط وقتًا خوطب بإشغاله بعبادة وتخلية فيها لأجل انتهاز عمل

стр. 340

كامل بعدما توجه نحوه؟ وإنما يتوجه نحوه في الثاني بحسب حاله، فيسقط وقتًا واجبًا إشغاله لاغتنام تمام لا يجب ولا وجب بعد. وإنما الواجب منه بحسب الحال والاستطاعة. والوقت أكبر مراعى في الشرع. بدليل أنه إذا عدم الماء والتراب صلى على حسب حاله إشغالًا للوقت. وكذلك إذا أكل ثم قامت الشهادة برؤية الهلال؛ أو أكل للمرض أو السفر، فزال المرض وقدم إلى بلده، كان عليه إتمام ما بقي من الوقت إمساكًا لحرمة الوقت، ولا صوم. وإذا كان الوقت بهذه المثابة من الحفظ له والاعتناء به، بطل تفويته مع القدرة على حفظه وإيقاع وظيفته فيه، لأجل مراعاة إتمام أفعال بعدما تحقق وجوبها، فضلًا عن إتمامها. وأنا أعتقد، بعد هذه الطريقة، أن الجمع لا يجوز لأجل المرض. فإنها طريقة وقعت لي في الباطن. وللمستدل أن يقول: إذا جاز أن نفوت الوقت الذي قد عظمته وتتقدم عليه لأجل فضيلة الجماعة، فتفويته لمراعاة كمال الأركان وحفظ هيئاتها أولى. فجميع ما ذكرته باطل بتجويزك الجمع اغتنامًا لفضيلة الجماعة. ٣١٨ - قول علي عم: ((اطعنوا الوخز واضربوا البتر وغضوا أبصاركم وأصواتكم؛ فإن الصوت في الحرب فشل.)) فما قصد بقوله ((الوخز؟ )) قيل: لا تبالغوا

стр. 341

بالطعن في قتال أهل الإسلام، لئلا يستقصى فيه. ولذلك نهى الشرع عن اتباعهم مدبرهم، والتجهز على جريحهم. ولا يتبع مدبرهم. فلذلك أمر بضرب البتر وطعن الوخز لئلا يستقصى [فيه]. ٣١٩ - جرى بمجلس الظفرية مسألة المسلم من الأقارب قبل قسمة الميراث استدل فيها شافعي، فقال: زوال المانع من الإرث بعد الموت لا يؤثر في استحقاق الإرث؛ كعتق العبد. اعترض حنبلي لمذهبه، وهي مفردة له في إحدى الروايتين عن أحمد، فقال: هذه المسألة معولي فيها على قضية عثمان. وهي الظاهر من مذهب على عم. فإنه ذكر أهل الفرائض من مذهبه أن كل مانع زال قبل القسمة، فإنه يورث الشخص الذي زال عنه؛ كالعبد يعتق، والكافر يسلم. وليس يقتضى القياس ذلك. فكان الظاهر أنه نقل منهما، لا رأي لهما. وأما القياس، فإن تكلمت عليه، فإنه ليس إذا لم يكن من الإرث، وتجدد له الأهلية، لم يستحق؛ بدليل أن الحمل قد يكون نطفة، أو علقة، أو مصورًا، لكن لم تجر فيه الروح، ثم إذا ولد كان له حظ من الإرث مضافًا إلى وقت كان ليس بأهل أن يملك رأسًا. وكذلك عند الشافعي أن ما يصير إلى بيت المال من مال من لا وارث له يكون إرثًا. ثم إنه قد تجدد

стр. 342

إسلام، وعتق قوم، ويكون الاستحقاق حاصلًا من حين الوقت الذي بم يكونوا أهلًا، أو ولاة بسند، ويكون مستحقًا في الحال. وكلاهما يوجب أن يكون ما عولت عليه ليس بمعول. قال الشافعي: أما القضايا من الصحابة، فلا حجة. لأنه قضاء ممن يجوز عليه الخطأ. وقول النبي صلعم ((أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم [اهتديتم])) يريد به في الفتوى لمن ليس بمجتهد من العوام؛ والاقتداء بهم من طريق العمل بالاجتهاد للمجتهدين، وهم الذين كانوا لا يقلد بعضهم بعضًا. فالاقتداء بهم من المجتهدين أن لا يقلد أحد منهم أحدًا من الصحابة ولا غيرهم. والنبي صلع يقول: نصر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها؛ فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه. فنهى عن نقل حديثه بالمعنى. فكيف يظن بأصحاب رسول الله أن يخلون بألفاظ الرسول صلع، ثم يقضون، مع كونه آخذًا عليهم أن لا يخلوا بصفة الألفاظ في نقلهم؟ وأما الحمل، فإنه لما ورث، عزل له واستوفي بالمال لأجله. والكافر لا يعزل له، ولا لو كان مرتدًا توقف البركة له ليسلم، وإن كان إسلامه مرجوًا. وإنما وقعت المال لأجل الحمل لأن الشرع جعله في حكم الموجود، لأنه مار إلى الحياة والكمال؛ ولم يجعل الكافر في حكم المسلم في باب الإرث. ولهذا جعل من أهل أن يوصى له، ويوقف عليه، ويعتبر له، ويجب النفقة له ولأجله في حق المطلقات البوائن الحوامل، وحصل له حكم العتق بعتق

стр. 343

أمه، وإن لم يكن على حال متحقق ولوج الروح فيه. وحكم الإسلام من إسلام أحد أبويه لا يعتبر له كمال الخلقة. وأما بيت المال، فهو مأخوذ له التركات إعدادًا لأهل الإسلام، ولكل مصلحة، وما تتسلسل المصلحة به. ويكون الدوام لا يراعي فيه من وجد ولم يوجد. لأن ذلك لا ينضبط؛ ولعدم الضبط أثر في الإرث. كالمجهول موته، مثل الغرقى والهدمى، لما جهل فيه قبل وبعد، كانت مذاهب الناس فيه بحسب الحال. كذلك ههنا؛ يموت قوم، ويسلم قوم، ويولد قوم؛ وليس الأيام بحيث ينضبط له ذلك مع اتساع أقطار الإسلام. فجعل المال معدًا للكل، وسقط فيه حكم السابق والمسبوق. وهذا عاونه به حنبلي يفهم ما يقول، وساعده على مذهبه بحكم ما وقع له من المداخلة للحنبلي والمساعدة للشافعي. ٣٢٠ - وجرت مسألة القاتل إذا التجأ إلى الحرم فاستدل مالكي، فقال: أفرض الكلام في قتل المرتد، فأقول: إن إراقة دم المرتد إراقة دم لحق الله تع. فلا يكون الموضع المختص به سح مانعًا منه؛ كدم الهدايا والضحايا. اعترض حنبلي فقال: بئس الاعتبار اعتبرت، حيث جمعت بين دم إذا أريق في الحرم، وطعن في أحد مناريه وشرفيه وهو الأمن، ودم إذا لم يرق، سقط أحد شرفيه وهو كونه توسعة على أهل الحرم، وكالضيافة

стр. 344

لأهله والنازلين فيه. وهذا هو الشرف المعتد به عند العرب، الذمام والضيافة. والمعنى الذي انعصم به دم الصيد والمرتد. والواجب إراقته في غير الحرم. فيحفظ بذلك أمنه وتوسعته. وإراقة الدماء المعرف بها احترام، وإجمامه عن قتل الملتجئ احترام أيضًا؛ فجمعنا بينهما. والصيد مذعور مطلوب، تطلبه الملوك بخيلها ورجلها وجوارحها والقانصون تارةً حاجةً وتارةً مرحًا وبطرًا. فإذا صار إلى الحرم، كان ملتجئًا. بخلاف الأنعام التي هي في القبضة بعد الأكل محروس بمالكه فاستغني عن حراسته بأمن الحرم. قال المالكي: الطالب بالدم مستجير يستحق؛ فهو أحق بإجابته إلى قضاء حقه واستيفائه من ظالم مستجير. قال الحنبلي: الاستجارة يمكن العمل بها، وهو إيقاع العصمة ما دام في الحرم مراعاة لحرمته؛ كما يراعى حرمة الحمل إلى أن ينفصل من الأم، يراعى حرمة الحرم إلى أن ينفصل هذا القاتل منه. ويقضى حق المستحق للدم إذا خرج. فتحصل قضاء الحقين أولى من إسقاط حق الأمن ومراعاة حق ولي الدم. ولهذا روعي حرمة الحرم بعصمة الصيد عن القتل المباح في الأصل. فصار في الحرم ذا حرمة كحرمة الناطق محقونًا مضمونًا بالكفارة؛ فلئن يعصم الحرم حرمة دم الآدمي المحقون في الأصل، ويعيده إلى أصل الحقن عن إباحة دم عرض عليه، أولى.

стр. 345

٣٢١ - وجرى فيها فصل وذلك من بعض أجوبة الحنبلي للمالكي، قال: إن الأمان من طريق اللفظ حقن الدماء الواجب إراقتها. وهي دماء أهل الحرب المقبلين على القتال والقتل. فكذلك ما وضعه علماً وملجأً وأمناً. جبان يعمل في تأخير القتل أولى؛ لأن الأمن يحصل من جهة القول على التأبيد، فأمن الله أولى أن يحصل على التأقيت. ٣٢٢ - وجرت مسألة من كرر الطعام على مسكين واحد عشرة أيام في كفارة اليمين وستين يوماً في كفارة الظهار فقال حنفي ينظر الإجزاء على الإطلاق، ويخالف مذهب الشافعي الذي منع على الإطلاق؛ ومذهب أحمد يجوز مع الإعواز، ولا يجوز مع وجود عدد المساكين: إن الحق لله، والفقر المصرف، والمصرف لا يراعى استيعابه؛ كالكعبة في استقبالها في الصلاة لا تستوعب؛ كذلك المساكين. اعترض عليه شافعي فقال: إن مانعتك أن الحق لله، وقلت إن المغلب المساكين ماذا تقول؟ قال الحنفي: أقول إن التكفير جزاء ومقابلة لهتك حرمة قسم باسم الله، أو هتك صوم وجب لله، أو كلمة تزوير نهى عنها الله. فلم تكن المقابلة على ذلك إلا الله.

стр. 346

قالوا له: فلو كان لله كما ادعيت، وقد أحال لحقه تصرفاً معدداً، لم لا يراعى المصرف كما روعي في تعداد الأيام بالإعطاء، دون أن يعطيه الإطعام كله في وقت واحد لعشرة أيام؟ وهذا فيك تعرض بالعدد، ومراعاتنا نحن أحسن، حيث تعرضنا لمراعاة عدد نطق به الشرع. وليس العدد خلواً من معنى، حتى يلغيه ويعول على كون المصرف واحداً. والدليل على ذلك أن التعداد يحصل به اتساع المؤاساة بإشباع عدة أكباد. ولربما أخطأ الواحد باطناً عن أن يكون مستحقاً لنوع من الأنواع يخرج به عن الإستحقاق. ولئن أخطأ هذا في الواحد، لم يخطئ في ستين. وبكثرة الأعداد أخذ في باب التجزيء أبو حنيفة. قال الحنفي: إنما راعيت الأيام ولم أجوز إعطاءه حالة واحدة. لأن المسكنة تتحقق في كل يوم، ولا تتحقق فيه إذا أسلف إطعام عدة أيام. لأنه لا يكون مسكيناً إلا في يوم واحد. قالوا له: فلو كان هذا صحيحاً لوجب أن يمنعه من أخذ مذاخر من كفاة أخرى لأنه قد استغنى. ٣٢٣ - جرى بمجلس الشيخ الإمام إبراهيم الدهستاني مسألة عقد النكاح وثبوته بشاهد وامرأتين قال شافعي: هذا له حظر يترقى به عن رتبة المال، فلا يثبت إلا

стр. 347

بشهادة الرجال؛ كالحدود والقصاص، وكشف انحطاط المال عنه. وحظره بترتيبه أنه لا يستباح بالإباحة، والمال يستباح بالإمالة والبذل. اعترض عليه حنبلي لنصرة إحدى روايتيه، فقال: هذه طريقة فاسدة؛ حيث اقتضت أن تجعل طبقات الشهادات بحسب طبقات الثابت بها والمشهود به. وليس الأصول على ذلك. بدليل أن الحدود والقصاص طبقات. فحد السرقة يسقط بالرجوع بعد الإقرار، ويسقط بالرجوع من الشهود بعد الشهادة والحكم جميعاً؛ بحيث لا يستوفى بعد رجوع المقر والشهود. واستحقاق اليد أو النفس قصاصاً لا يسقط بالرجوع بعد الإقرار، ولا رجوع الشهود؛ وهما في رتبة البينة سواء. على أني أشاركك في حجتك، فأقول: إن غلبت رتبة النكاح عن المال طلباً لرفع الشهادة فيه، فقد سلكت سلوكاً تفسد به على نفسك هذه الطريقة؛ حيث وقعت النكاح إلى الرتبة التي لا يستحقها، وهي رتبة الحدود والقصاص وهي قبيل يسقط بالشبهة كلها، والنكاح يثبت مع الشبهة، وهو إذا رجع الشهود عنه بعد أن شهدوا به. فإن طلبت ترقيته عن المال، لأجل ما ذكرت به من علو رتبة النكاح عن المال، منعتك من ترقيته إلى العقوبات لأجل انحطاط النكاح عن رتبتها. على أن الشبهة التي أوردتها أنا في باب الرجوع أمس وألصق من شبهة الأنوثة؛ لأن التردد تارة شهادة بالإثبات، وتارة رجوع آكد من شبهة الأنوثة. وقولك إن البضع لا يستباح بالبذل، بل هو بالمال أشبه من

стр. 348

العقوبات. لأن البضع يستابح بالبذل، لكن بذلاً على صفة؛ وهو بذل بعوض. وفي الأصل العقوبات لا تستباح ببذل عوض، ولا بغير عوض. ولا سيما عندك يحصل بذلاً بالتفويض بغير مهر. فلا يبق لك، مع كون البضع ساوي المال في البذل بعوض، إلا تميزه بما ذكرت، وأنه لا يستباح بغير عوض؛ فيبطل بطبقات المال. فالربونات والأثمان المختصة بالصرف تختص بما يحجر الشرع به. ولم نختلف في باب الشهادة على أن النكاح قد أعطيته حقه من التمييز بالشهادة، وهو اشتراطها. فأما اعتبار مزية أخرى هي الذكورية، فلا وجه له. ٣٢٤ - وجرى في هذه المسألة أن قال حنبلي: ولعمري إن الشهادات، وإن كانت مراتب، إلا أنها بحسب الحاجة. فإن اشتدت حاجة الناس، وشق إقامة بينة عليا في أمر تعم البلوى به، [فإنه] يحتاج إلى إثباته ببينة سهلة، لأجل غموض المشهود به؛ مثل مسامحة الشرع في شهادة النساء في الولادة، والعيوب تحت الثياب، ومثل شهادة الواحد في الهلال، ومثل قول المقومين في الغرامات، وقبول كل فريق فيما يعانيه، لئلا يضيق الأمر وتقف الأحكام. فأما النكاح، فإنه ليس من قبيل لا يحتاج إلى إثباته. بل هو مما تدعو الحاجة إلى إثباته، والشهادة فيه مشروطة. فلا وجه لإيقاف انعقاده على الرجلين ولا الحرين. ولهذا عقدته

стр. 349

أنا بالعبدين، وعقده الجماعة ممن اعتبر الشهادة [بالأنوثة] وبالذكورية بالمستورين دون المعدلين. ٣٢٥ - فصل في قوله تع ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾ ذهب كثير من الوعاظ والقصاص إلى أنها خاصة في صلحاء عباده والأنبياء. وليس على ما وقع لهم. لأن ظاهر القرآن يشهد بأنه لا سلطان له على الكفار، حيث قال سح: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان﴾. فأقر في آخر الأمر بنفي السلطان تصديقاً لقوله سح في أول الأمر: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان﴾. ولأن السلطان الذي نفاه يعم؛ إذ ليس كل مستجيب له يكون له عليه سلطان. لأن الشيطان يسول ويغير ويخلف فيكذب. ومن كان أمره كذا لم يك سلطاناً. إنما السلطان من أمر وكشف أمره وحرمه فأطيع، دون أن يدلس ويلبس. فإن من سول كان متلصصاً وخادعاً وغاراً، لا سلطاناً. ٣٢٦ - وذكر فيها أيضاً- أعني مسألة النكاح بشاهد وامرأتين- أن تميزه على سائر الأموال لا يعطي تميزه في الشهادة. بدليل الأموال بعضها مع بعض، كالصرف والسلم. وأموال الربا ميزها الشرع بنوع شرط وحجر.

стр. 350

واستوت في باب الثبوت بشهادة رجل وامرأتين. وكان شافعي يعلق فيها بأن النكاح له حظر، وميزه على غيره. فألزمه حنبلي هذا الفصل. وهي طبقات عقود الأموال فضل بعضها على بعض. ومع ذلك لم يفضل بعضها على بعض في باب الشهادة، بل ثبت كلها على اختلاف درجاتها بشاهد وامرأتين. وقال أيضاً: إني قد أعطيت النكاح حقه، وهو أن جعلنا الشهادة شرطاً في انعقاده. قال الشافعي: هذا ميزه في حال العقد؛ فأين الميزة في حال إثباته؟ قال حنبلي: حال عقده هو أقوى حالتيه في باب الشروط؛ وحال إثباته تابع. ولذلك ثبت بالإقرار من الزوجين؛ ولا ينعقد بتراضيهما فقط. فإذا أعطى العقد الميزة في الشهادة حال انعقاده، كفى وأغنى؛ وصار حال الإثبات تبعاً. ٣٢٧ - جرى في مجلس درب الدواب مسألة من جار في الوديعة ثم عاود الحفظ هل يعود مودعاً أو يكون على ضمان الوديعة قال حنفي إمام: إن الإيداع عقد هو قول، والتعدي في العين المودعة فعل. والقول لا يرتد بالفعل؛ إذ ليس بينهما مناسبة فيكون مثله، ولا مضادة فيكون رده. وإنما رد القول جحد العقد، أو رده بالقول بأن يقول

стр. 351

((فسخت الوديعة ورددتها)) أو يقول المودع ((استرجعتها.)) ولذلك لا يزيد الإيمان بفعل يخالف أوامر الشرع، ويحصل الرد من طريق القول. فاعترض عليه حنبلي فقال: لا أسلم لك. ولا يصح لك أن توقف الرد على القول؛ بل الفعل يصلح أن يكون رداً. لأن العبرة في العقد بالمقصود به، لا بصورة اللفظ. ومعنى قول القائل ((أودعتك))، ((استحفظتك لاختياري لك لمعان فيك، وأكبر مقاصدها سداد فعلك وعفة يدك عن الخيانة؛ )) وقول المودع ((قبلت)) أي ((التزمت لك حفظ مالك.)) فصار خروجه بالتعدي الفعلي هو القادح في الغرض والرافع له بالكلية. ولذلك لو استرد العين مالكها كان رفعاً للوديعة. وأي فرق بين فعل المودع وفعل المودع وأنت عقدت على نفسك عقداً أن ما طريقه الفعل لا يرتد به القول؟ وهذا الأخذ للوديعة فعل من المالك زال به إيداعه. وأما الإيمان، فإنه على المنصور من مذهبنا أنه يزول بالفعل والترك وإن لم يوجد القول، في رواية؛ وإن سلمت، في الواية الأخرى. فإن هناك اعتقاداً يتخلف بعد ترك الفعل ووجود الأفعال. فلو ترك الصلاة وارتكب الزنا، كان اعتقاده لإيجاب الصلاة وتحريم الزنا كافياً في بقاء الإيمان، لأنه الأصل. فأما في مسألتنا، فإنه إذا ترك الحفظ، وادرع التعدي والخيانة، لم يبق على شيء من الويعة سوى صورة يد هي متعدية ضامنة؛ فلا عبرة بها.

стр. 352

قال الحنفي: إن الإيداع بالقول مطلق. ولا يجوز أن يحمل كلام العاقل على أنه أراد بقوله للمودع ((احفط ما دمت حافظاً، فإذا تعديت فضيع ولا تحفظ؛ )) بل يريد بعد التعدي الحفظ من طريق الأولى. قال له الحنبلي: ما ضاق الأمر علي إلى حد يكون الأمر على هذا الوجه؛ بل أنا أبين وأوضح كيف الأمر، فأقول: إن مطلق أمره يقتضي الحفظ المقيد بما دخل عليه من اختياره لحفظه، وما عرفه من أمانته. والإنسان لا يختار لماله المائع إلا إناء لا يرشح، ولجامد ماله إلا وعاء لا يشف بما فيه ولا يكشف سر ماله، ولا يختار من البيوت إلا ما يكون في وسط العمران وثيق الجدران والأبواب. فإذا عين إناءً وبيتاً ووعاءً لمتاعه، كان تعيينه مقيداً بقصد العقلاء. ثم إنه متى خرب ما حول البيت الذي كان وسط العمران فصار عرضة السراق، وأخلق الوعاء الذي فيه المائع والجامد الذي يتبدد ويضيع، جاء من تقييده اقتضاء النقلة من ذلك البيت وذلك الوعاء إلى غيره. وكذلك متى تغيرت صفات المودع من عقل وضبط إلى خرق وفساد عقل وضعف عن حفظ، تغير الأمر. وكذلك إذا حصلت الخيانة. فعلم أن الأمر بالحفظ يقيد هكذا. وإذا كان مقيداً بالعرف، زال الإيداع بتغير الحال. فلا يعود إلا بإيداع من قبل المالك. ثم قال الحنبلي: إن الخيانة والتعدي، وإن كانت لا تضاد الإيداع، وهو القول، فإنها تضاد ما هو شرط في بقاء العقد، وهو الأمانة والحفظ.

стр. 353

وقد يرفع الشيء ما يضاد شرطه، وإن لم تضاده نفسه. وذلك أن العلم إنما ضده الجهل دون الموت؛ لكن الموت، لما ضاد شرط العلم وهو الحياة، لا جرم إذا وجد الموت في المحل المضاد للحياة التي هي مشروطة للعلم بزوال الحياة كأنها ضده، كما يزول العلم بحلول الجهل الذي هو نفس ضده. ٣٢٨ - قال بعض المفتين في مسألة من وقف على امرأتين، وشرطه أن من مات منهما رجع حقها وحصتها إلى الأخرى دون ورثة المتوفاة، وهذا الوقف له ريع ونماء يحصل منه شيء من زرع وثمر، فقبل أن يجد ويحصد ماتت إحداهما. فسارع وأفتى ألا شيء لورثة المتوفاة؛ وإن كانت الأخت ممن لا يتحجب كان لها من الريع بحصتها؛ وجميع رقبة الوقف لها بحكم شرط الواقف. فكان الصواب ما أفتى به الحنبلي. ٣٢٩ - وسأل سائل عن حالنا مع إبليس، كيف يكون لنا به قوة وهو يرانا ونحن لانراه. فأجاب حنبلي بأنه لو كانت معاداته تحتاج إلى مناضلة ومضاربة، أضر بنا عدم رؤيته. فأما وأذيته إلقاء إلى القلوب وسوسة في الصدور، فجواب المسألة منها كما يقال. فكما أن سهامه كالخواطر العارضة يلقيها

стр. 354

بالأفكار الصحيحة الصادرة عن العقول الصاحية السليمة من الهوى، فإذا ألقى إلى النفوس ما ليس بصواب، رده الفعل بأحسن جواب. ٣٣٠ - ذكر حنبلي في الوديعة، إذا تعدى فيها ثم ردها، أن قال: نفس العزم على التعدي عندي في أحد الوجهين تضمن به الوديعة. فإذا خرج العزم إلى الفعل تميز زيادة تمييز؛ لأنه تتحقق به الخيانة. وهذا صحيح؛ لأن المودع إنما اختاره لحفظ ماله، وهو على صفة الأمانة. فإذا تغيرت حاله عن المقصود فهو كبيت اختاره لنفسه لكونه في وسط العمران، فتغيرت حاله بخراب ما حوله، فإن الحال تتغير حتى يجب على من عنده الوديعة أن يعدل عن صريح تعيين المالك، فينقلها من ذلك البيت إلى غيره. ٣٣١ - جرى في مسألة خيار الأربع قال شافعي لحنبلي: الأول من الأيام ليس غيره بأولى أن يكون هو الرابع من كون الأول رابعاً؛ لأن الجملة واحدة؛ فلا يتخصص الأمر بكونه الرابع حتى يقف فساد العقد على مجيئه. قال حنبلي مجيباً عن الحنفي: إنما الأربع التي يبعد أ [نه] بها كان رابعاً هي الأربعة الموجودة. فإنما إن أشرنا إلى واحد منها بأنه الأول،

стр. 355

جاز من قلب العدد كيف شئنا لاجتماع الأربعة في الوجود. فأما الأيام، فإنها سائلة إلى الوجود سيل الأزمنة فلا يتحقق الرابع إلا الأخير، كما لا يتحقق الأول إلا الموجود أولاً؛ كما أن الثالث الذي يلزم العقد به هو الأخير وجوداً، لا أي الأيام كان. ٣٣٢ - فصل جرى في المدرسة هل القبض شرط في لزوم المعاوضات لإدخال المعوض في ضمان مشتريه وجواز تصرفه فيه قال حنفي يدل على منع حنبلي ومالكي لذلك، ويدعي أن التغيير كاف: إن القبوض في الأجل جعلت شيئاً لحصول الملك. بدليل الإغتنام وأخذ الحطب والحشيش والصيد. وليس لنا قول مجرد يحصل به الملك. فكيف يسقط حكم القبض مع هذه الحال؟ قال حنبلي: إن الحشيش والحطب تقدم أخذه إذن مالكه، وهو الله سح. وجعله شركة بين الناس. فلما أخذه، تخير به وتميز به. والإيجاب المجرد من البائع في عقد البيع وفي الإجارة والهبة إنما لم يحصل به الملك، لأن الرضا معتبر في ذلك. والرضا من طريق النطق لا يعتبر في أخذ الحشيش؛ لأن أخذه لأجل الحاجة، والحاجة لا يكون إلا معها رضا. فاستغنينا بدلالة الحال. وإن تعلقت بهذا، فإن لنا أقوالاً تعمل ما لا
следующие страницы →