Полный текст (756 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
((فسخت الوديعة ورددتها)) أو يقول المودع ((استرجعتها.)) ولذلك لا يزيد الإيمان بفعل يخالف أوامر الشرع، ويحصل الرد من طريق القول.
فاعترض عليه حنبلي فقال: لا أسلم لك. ولا يصح لك أن توقف الرد على القول؛ بل الفعل يصلح أن يكون رداً. لأن العبرة في العقد بالمقصود به، لا بصورة اللفظ. ومعنى قول القائل ((أودعتك))، ((استحفظتك لاختياري لك لمعان فيك، وأكبر مقاصدها سداد فعلك وعفة يدك عن الخيانة؛ )) وقول المودع ((قبلت)) أي ((التزمت لك حفظ مالك.)) فصار خروجه بالتعدي الفعلي هو القادح في الغرض والرافع له بالكلية. ولذلك لو استرد العين مالكها كان رفعاً للوديعة. وأي فرق بين فعل المودع وفعل المودع وأنت عقدت على نفسك عقداً أن ما طريقه الفعل لا يرتد به القول؟ وهذا الأخذ للوديعة فعل من المالك زال به إيداعه.
وأما الإيمان، فإنه على المنصور من مذهبنا أنه يزول بالفعل والترك وإن لم يوجد القول، في رواية؛ وإن سلمت، في الواية الأخرى. فإن هناك اعتقاداً يتخلف بعد ترك الفعل ووجود الأفعال. فلو ترك الصلاة وارتكب الزنا، كان اعتقاده لإيجاب الصلاة وتحريم الزنا كافياً في بقاء الإيمان، لأنه الأصل. فأما في مسألتنا، فإنه إذا ترك الحفظ، وادرع التعدي والخيانة، لم يبق على شيء من الويعة سوى صورة يد هي متعدية ضامنة؛ فلا عبرة بها.
стр. 352
قال الحنفي: إن الإيداع بالقول مطلق. ولا يجوز أن يحمل كلام العاقل على أنه أراد بقوله للمودع ((احفط ما دمت حافظاً، فإذا تعديت فضيع ولا تحفظ؛ )) بل يريد بعد التعدي الحفظ من طريق الأولى.
قال له الحنبلي: ما ضاق الأمر علي إلى حد يكون الأمر على هذا الوجه؛ بل أنا أبين وأوضح كيف الأمر، فأقول: إن مطلق أمره يقتضي الحفظ المقيد بما دخل عليه من اختياره لحفظه، وما عرفه من أمانته. والإنسان لا يختار لماله المائع إلا إناء لا يرشح، ولجامد ماله إلا وعاء لا يشف بما فيه ولا يكشف سر ماله، ولا يختار من البيوت إلا ما يكون في وسط العمران وثيق الجدران والأبواب. فإذا عين إناءً وبيتاً ووعاءً لمتاعه، كان تعيينه مقيداً بقصد العقلاء. ثم إنه متى خرب ما حول البيت الذي كان وسط العمران فصار عرضة السراق، وأخلق الوعاء الذي فيه المائع والجامد الذي يتبدد ويضيع، جاء من تقييده اقتضاء النقلة من ذلك البيت وذلك الوعاء إلى غيره. وكذلك متى تغيرت صفات المودع من عقل وضبط إلى خرق وفساد عقل وضعف عن حفظ، تغير الأمر. وكذلك إذا حصلت الخيانة. فعلم أن الأمر بالحفظ يقيد هكذا. وإذا كان مقيداً بالعرف، زال الإيداع بتغير الحال. فلا يعود إلا بإيداع من قبل المالك.
ثم قال الحنبلي: إن الخيانة والتعدي، وإن كانت لا تضاد الإيداع، وهو القول، فإنها تضاد ما هو شرط في بقاء العقد، وهو الأمانة والحفظ.
стр. 353
وقد يرفع الشيء ما يضاد شرطه، وإن لم تضاده نفسه. وذلك أن العلم إنما ضده الجهل دون الموت؛ لكن الموت، لما ضاد شرط العلم وهو الحياة، لا جرم إذا وجد الموت في المحل المضاد للحياة التي هي مشروطة للعلم بزوال الحياة كأنها ضده، كما يزول العلم بحلول الجهل الذي هو نفس ضده.
٣٢٨ - قال بعض المفتين في مسألة من وقف على امرأتين، وشرطه أن من مات منهما رجع حقها وحصتها إلى الأخرى دون ورثة المتوفاة، وهذا الوقف له ريع ونماء يحصل منه شيء من زرع وثمر، فقبل أن يجد ويحصد ماتت إحداهما. فسارع وأفتى ألا شيء لورثة المتوفاة؛ وإن كانت الأخت ممن لا يتحجب كان لها من الريع بحصتها؛ وجميع رقبة الوقف لها بحكم شرط الواقف. فكان الصواب ما أفتى به الحنبلي.
٣٢٩ - وسأل سائل عن حالنا مع إبليس، كيف يكون لنا به قوة وهو يرانا ونحن لانراه.
فأجاب حنبلي بأنه لو كانت معاداته تحتاج إلى مناضلة ومضاربة، أضر بنا عدم رؤيته. فأما وأذيته إلقاء إلى القلوب وسوسة في الصدور، فجواب المسألة منها كما يقال. فكما أن سهامه كالخواطر العارضة يلقيها
стр. 354
بالأفكار الصحيحة الصادرة عن العقول الصاحية السليمة من الهوى، فإذا ألقى إلى النفوس ما ليس بصواب، رده الفعل بأحسن جواب.
٣٣٠ - ذكر حنبلي في الوديعة، إذا تعدى فيها ثم ردها، أن قال: نفس العزم على التعدي عندي في أحد الوجهين تضمن به الوديعة. فإذا خرج العزم إلى الفعل تميز زيادة تمييز؛ لأنه تتحقق به الخيانة. وهذا صحيح؛ لأن المودع إنما اختاره لحفظ ماله، وهو على صفة الأمانة. فإذا تغيرت حاله عن المقصود فهو كبيت اختاره لنفسه لكونه في وسط العمران، فتغيرت حاله بخراب ما حوله، فإن الحال تتغير حتى يجب على من عنده الوديعة أن يعدل عن صريح تعيين المالك، فينقلها من ذلك البيت إلى غيره.
٣٣١ - جرى في مسألة خيار الأربع
قال شافعي لحنبلي: الأول من الأيام ليس غيره بأولى أن يكون هو الرابع من كون الأول رابعاً؛ لأن الجملة واحدة؛ فلا يتخصص الأمر بكونه الرابع حتى يقف فساد العقد على مجيئه.
قال حنبلي مجيباً عن الحنفي: إنما الأربع التي يبعد أ [نه] بها كان رابعاً هي الأربعة الموجودة. فإنما إن أشرنا إلى واحد منها بأنه الأول،
стр. 355
جاز من قلب العدد كيف شئنا لاجتماع الأربعة في الوجود. فأما الأيام، فإنها سائلة إلى الوجود سيل الأزمنة فلا يتحقق الرابع إلا الأخير، كما لا يتحقق الأول إلا الموجود أولاً؛ كما أن الثالث الذي يلزم العقد به هو الأخير وجوداً، لا أي الأيام كان.
٣٣٢ - فصل جرى في المدرسة
هل القبض شرط في لزوم المعاوضات لإدخال
المعوض في ضمان مشتريه وجواز تصرفه فيه
قال حنفي يدل على منع حنبلي ومالكي لذلك، ويدعي أن التغيير كاف: إن القبوض في الأجل جعلت شيئاً لحصول الملك. بدليل الإغتنام وأخذ الحطب والحشيش والصيد. وليس لنا قول مجرد يحصل به الملك. فكيف يسقط حكم القبض مع هذه الحال؟
قال حنبلي: إن الحشيش والحطب تقدم أخذه إذن مالكه، وهو الله سح. وجعله شركة بين الناس. فلما أخذه، تخير به وتميز به. والإيجاب المجرد من البائع في عقد البيع وفي الإجارة والهبة إنما لم يحصل به الملك، لأن الرضا معتبر في ذلك. والرضا من طريق النطق لا يعتبر في أخذ الحشيش؛ لأن أخذه لأجل الحاجة، والحاجة لا يكون إلا معها رضا. فاستغنينا بدلالة الحال. وإن تعلقت بهذا، فإن لنا أقوالاً تعمل ما لا
стр. 356
تعمل الأفعال. فإن العتق يزيل الأملاك، وتخلية العبد لا يزيل ملكه عنه. والوقف بالقول يزيل الملك، وترك الأملاك لا يكون إيقافاً.
٣٣٣ - مسألة جرت من شبهات القرآن، قوله تع
﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء﴾
وجه السؤال أن التشبيه بالضيق كيف يكون بسلوك أفتح وأوسع طريق، وهو الفضاء؟ والسماء لا يرتقي إليها إلا في بحبوحة الفضاء؛ وهذا تشبيه الشيء بما يضاده. فقال الشيخ الإمام أبو محمد بن مسلم المغربي رضه: إنما شبهه بذلك لأن مكابدة الصعود إلى أبعد مرتقى. دع السعة، فإنها لا تغني لجسم طبعه الهبوط بثقله. ومكابدة ما يضاد الطبع بالصعود لجسم طبعه الهبوط من أعظم التشبيه في الآية من هذا الوجه. لأن ضيق القلب من المكابدة في الصعود كضيقه من المكابدة في الجحود.
٣٣٤ - وجرى بمجلس نور الهدى الزيني ذي الشرفين
مسألة انعقاد النكاح بشهادة فاسقين
قال حنفي: هذا الفاسق من أهل الشهادة؛ فانعقد بحضوره النكاح؛ كالمستور.
стр. 357
اعترض عليه حنبلي بالمنع، ثم قال له: ومع دعواك أنه أهل، فاذكر خصيصة الأهلية؛ وإلا فأنت على مجرد دعوى.
قال الحنفي: الدلالة على أهلية الشهادة فيه قوله تع: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾. والأمر بالتثبت دلالة على أنه أهل. إذ لو لم يك أهلاً، لقال ((فردوا ولا تقبلوا)) كما قال في القذف: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم [ثمانين جلدة] ولا تقبلوا لهم شهادةً أبداً﴾. فلما قال ههنا ﴿تبينوا﴾ دل على أن الفاسق أهل للشهادة. وإنما أمر بالتثبت لمكان الشبهة بالتهمة. وذلك لأن الفسق لا يوجب قطعاً بكذب الفاسق. لكن يتردد الأمر في قوله. فذلك أوجب التثبت والتوقف، وليس ذلك إسماً للرد بحال.
قال الحنبلي: أما الآية، فإن لم تكن حجة لنا، فلا وجه لكونها حجة لكم. لأن التثبت ورد في الخبر؛ لأن النبأ الخبر. والفاسق لا خلاف أنه يزدجره، فما يقول بها فيما وردت فيه. ثم قوله: ﴿فتبينوا﴾؛ وذلك لا يخلوا أن يكون لبيان الأمر من الفاسق، فلا أحد يقول به، أو من غيره، فلا يكون ذلك إلا إلغاء لقوله. وقوله ﴿أن تصيبوا قوماً بجالة﴾؛ فسمى العمل بخبره، إن عمل به، جهالة. وما كان العمل به جهالة، لا يكون صاحبه أهلاً لذلك العمل.
وقال الحنبلي: معلوم أن لنا من نبحث عنه ويجب علينا [أن] نتبين أمره؛ وهو المستور، إذا شهد في الحدود والقصاص عندنا جميعاً،
стр. 358
وفي المال عندنا. والعدل، إذا طعن فيه الخصم وقال ((لي بينة بالطعن)) فإنه إذا كشف عن حاله، فكان الكشف مظهراً لفسقه، رددنا وإياك شهادته. فما يكون ظهوره عن الكشف عن حال المستور موجباً للرد، كيف لا يكون ظهوره ومعرفة الشخص به في أول وهلة موجباً للرد؟
قال الحنفي: ليس ظهور الفسق هو الموجب للرد، بل المشهور حظر عظيم.
قال الحنبلي: فوجب، إذا كان قد بان فاسقاً بعد البحث، أن لا ترد شهادته في المال. فإن قلت بذاك، أفضى إلى الوقف بعد الكشف، كما كان قبله؛ فلا يكون للكشف معنى.
٣٣٥ - جرى يجامع القصر مسألة ابتياع الكافر العبد المسلم
قال شافعي: أجمعنا على أن استدامة الملك أجد حالتيه، أعني آكد من حالة ابتدائه. ثم إن دوام ملك الكافر يزال إذا أسلم عبده. فكان المنع من ابتداء تملكه من طريق الأولى.
اعترض عليه حنفي فقال: لا أستدل عليك إلا بالدوام. فإنه نهي عنه ودام الملك. وكذلك لم ينهى عن الإبتداء ويحصل الملك.
قال الشافعي: إنما دام حكماً. ومثله في الإبتداء يحصل حكماً وهو الإرث. وهو في الحقيقة كأنه مبني على ملك الميت. وأمر بأن آلة الملك فعلاً إما ببيع أو هبة أو عتق. ومثله نهي عن تحصيل ملكه فعلاً بابتياع أو إيهاب. ومثل ذلك قد وجد في البضع حكماً، وهو بقاؤه مدة العدة.
стр. 359
٣٣٦ - وجرت مسألة بين لبن الآدميات
قال شافعي: لبن يجوز شربه، فجاز بيعه؛ كلبن الأنعام.
قال له حنفي: جواز شربه واقف على حال هي كالضرورة إليه. فمن ذلك أن الجنين يعيش ويتغذى برطوبات من الأم مخصوصة. فإذا كان في حال خروجه لطيف الخلق، محتاجاً إلى غذاء لطيف، لينبني أوائل حال خروجه ولطافة مزاجه على أواخر أحوال كمونه، فيتصل الغذاء الألطف بالألطف. وذلك مقصود كبير في الشرع؛ ولأجله منع الأب من منع الأم من أجرة الرضاع اكتفاءً بلبن شاة، وإن كان لبن الشاة يقوم به ويغذيه؛ لكن لما لم يكن حافظاً للقانون، ولا حافظاً للطباع والأخلاق، لم يجز. ولا يحل للأم ترك إرضاع الولد اعتماداً على لبن الشاة؛ بل يأثم الأب بترك التعويض للأم، أو لظئر ترضع، والإقتناع بلبن الشاة. فإذا كان كذلك، صارت الألبان، ما عدا لبن الآدميات، كالمتعدية حكماً. فأباحت ألبان الآدميات بهذه الشريطة. فصارت كالميتة التي لا تباح إلا بعدم المغذيات حساً.
قال حنبلي يساعد الشافعي على الحنفي: إن غاية ما بان في لبن الآدميات أنه غذاء القبيل من الآدميين، بل لحالة من أحوالهم. فهو كالأدوية التي تصلح لحال أمراضهم، وتكون في حالة الصحة سموماً قاتلة؛
стр. 360
كالسقمونيا، والأفيون، والإهليلج. ثم لا يمنع كونه مخصوصاً بحالة من أحوال الآدمي جواز بيعه وأخذ العوض عنه.
٣٣٧ - وجرت مسألة الآمر هل يدخل في الأمر
قال حنبلي: إن النبي صلعم إنما يأمر من قبل الله سح فيما يتعلق بالأحكام الشرعية والأوامر والنواهي. ولهذا قال: ﴿قل هو الله﴾، ﴿قل إنما أعظكم بواحدةٍ﴾، ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش﴾. ولو كان آمراً من قبل نفسه، لأسقط كل ((قل)) في القرآن. فكما تلاها دل على أنه عن غيره يقول، وهو واحد من المكلفين، فدخل فيهم.
قال له السائل: كيف يكون آمراً مأموراً والرتبة لا توحد في الواحد؟
قال الحنبلي: إنما يتعذر ذلك إذا لم يك نائباً عن غيره؛ مثل الإنسان يخاطب نفسه. فأما إذا كان مخبراً وآمراً عن غيره، صح أن يجمع الأمرين شرعاً وعزماً. ألا ترى أن النبي صلع صافح يده بيده لما أقام اليسرى من يديه مقام يد عثمان. فكانت يسراه لعثمان خيراً من يمين عثمان لنفسه. والإنسان لا يصافح نفسه. وكذلك يشتري من نفسه لابنه فيكون بائعاً مشترياً، لكن لولده وهو غيره من نفسه، كما كان متابعاً لنفسه لكن مع غيره. كذلك ههنا الأمر من الله على لسانه؛ فيكون داخلاً تحت الأمر نظراً إلى الأمر الأعلى سح، لا نظراً إلى نفسه في الأمر. فلا يبقى إلا مأموراً.
стр. 361
٣٣٨ - جرت مسألة الخراج هل يجمع معه العشر
قال حنبليّ: إن الخراج يجب لأجل التمكين من الانتفاع بالأرض؛ فهو كالأجرة. والعشر يجب في عين الخارج، فلا يتنافى وجوبها؛ كربع عشر مال التجارة، وأجرة المتجر.
((اعترض حنفي فقال: هذا يسقط مع النص، وهو قول النبي ﷺ : لايجتمع عشر وخراج في أرض المسلم. والواجب من العشر لأجل الأرض؛ وكذلك العشر؛ فلا يجب حقان لسبب واحد.
قال الحنبلي: أما الخبر فضعيف؛ لأنه يرويه يحي بن عنيسة؛ وقيل إسحق بن عنيسة. ولو صح فإنما نحمله بالقياس ونصرفه عن ظاهرة إلى أنه لا يجب ابتداء على أرض المسلم، فلا يجتمع مع العشر. وأما قولك يجب لأجل سبب واحد، فليس كذاك. لأن الخراج يجب لأجل التمكين في الزرع، والعشر لا يجب إلا في عين الزرع.
٣٣٩ - جرى في مسألة اعتبار المقدار لنفي نجاسة الماء
قال حنبلي: لما اعتبر النبي ﷺ الرائحة والطعم، وتارة اعتبر المقدار، علم أنه ما عول على كثرة الماء. وهذا دلالة على فساد مذهب أبي حنيفة.
стр. 362
فاعترض حنبلي لمذهب أبي حنيفة، فقال: لما اعتبر، إنما نص على الرائحة والطعم فقط، فقال: ((خلق الماء طهورًا لا ينجسه شئ، إلا ما غير طعمه أو ريحه.)) ولم يذكر اللون. فقست اللون على الطعم والريح لكونه عرضًا دالًا على المزج، وعلى كونه شائعًا في الماء ظاهرًا عليه.
وقد كان ينبغي أن تبنيه على زيادة الثقل أيضًا، لأنه دال على جسم الماء وذاته. والذات آكد من الصفة. والمقدار من الثقل شاهد آكد من الريح والطعم واللون؛ لأن الريح والطعم قد يتغير لأجل المجاورة. وأما الثقل والوزن، فلا يتحصل إلا بزيادة جسم النجاسة وذاتها. فأما إن كنت تقف على نفس المنصوص، وهو الطعم والريح، ولا تتعدى إلى اللون الذي لم ينطق به، فتبنيه أيضًا بالطعم والريح على الثقل والوزن، لأنه أدل من الأعراض.
٣٤٠ - واستدل حنبلي في القصر وأنه رخصة - بقوله تعالى-: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا [من الصلاة] إن خفتم﴾. فوجه الدلالة [ ... ]
٣٤١ - [ ... ] ((إذا كانت إعانة على المقاصد الشرعية، لا نطعن في فضائلها المشروعة. والله جعل شهوة الطبع حاثة لحصول ما هو طريق النسل.
стр. 363
فلا مطعن بها على المقصود الشرعي، كالتطيب واللباس وإظهار التجمل بين الناس لصلاة الجمعة والعيدين؛ وكذلك الأكل والشرب والبعال في أيام التشريق، والسحور وتأخيره، وتعجيل الإفطار، وأخذ الغنائم في الجهاد. وكان استعمال ذلك مساويًا للعبادات التي فيها الشقاء والتعب وتهجر فيها الراحة. وذلك لأن التعبد هو سلوك ما يندب العبد إليه من مشقة أو رفاهية. وكذلك الولايات، من الإمامة والقضاء والإمارة، لها من اللذة الطبيعية في طاعة الرعايا وامتثال الأوامر وسرعة الاستجابة والاستطالة؛ كل ذلك من لذات النفوس. ومع ذلك لما كان فيها من حفظ الحوزة وحماية البيضة وغير ذلك من المصالح، كان الحظر فيها ساقطًا. ولم تكن حرمة من ولي من الصحابة وفضله بأنقص من رتبة من اعتزل منهم؛ بل علي عم، مع تكشفه بقتاله في الفتنة، أفضل من ابن عمر، مع اعتزاله عنها. والنصرة لدين الله، والحرب لإعلاء كلمة الله، أفضل من الرهبانية التي لم تأت بها شريعتنا. وليلة من ليالي أبي بكر أيام الردة أفضل من كل ليلة لمتعبدي الصحابة ومنقطعيهم إلى الزوايا. وصارت لذات النفوس في ذلك ساقطة الحكم؛ ومجاهدتها لتحصيل الإخلاص لله فيه زيادة ثواب. وهو جهادهم للنفس.
стр. 364
٣٤٢ - وجرت مسألة الأجير المشترك
قال فيها شافعي: إن السلعة التي يقصرها في يده أمانة، وعمله مأخوذ عليه بحسب طاقته وبحسب عرف الناس. فما لم يحكم أهل الصناعة أنه مفرط، فلا وجه لإيجاب الضمان.
قال له حنفي: ليس الضمان هنا من باب التفريط حتى تقول هو أمانة. وما تعدى؛ بل يجب أن يعول على أنه قد أوفى ما ضمن ((العمل. ومعلوم أنه لم يوف ما ضمن من العمل، لأن الضمان كان لعمل سليم من خرق؛ وما سلم ذلك. وليس يخلو أن يكون الضمان لعمل هو الدق المعتاد، أو لثقل الثوب وبياضه بالدق المعتاد. ولا هذا حصل في مواضع التخريق، بل زال أصل الثوب ولم تحصل فيه الصفة التي هي بياضه وصقالته. فأين ما ضمنه من العمل مع هذا الخلل؟ وما هو إلا بمثابة من باع صبرة نقية الظاهر دغلة الباطن، فيها من المدر والدغل ما يخالف. وكذلك إذا رأى في الثوب المبيع خروقًا لم يعلم بها البائع، فإن ذلك كله مضمون. ولا يقال إنه لما لم يتعد البائع لا يستحق المشتري الرجوع. كذلك في العمل مثله. لأنه في البيع ضمن سلامة المبيع من العيوب، وفي العمل ضمن سلامة العمل؛ وما سلم العمل. وكيف يسلم وقد ذهب المحل؟ وأشبه من المبيع مسألة المفضاة، وضرب المعلم الصبي. فإنه يضمن أرش الإفضاء، ويقدر فيه أن الزوج زاد في النكاية والاعتمادات. فهلا قدرت
стр. 365
ههنا أنه توالى الدق على محل واحد بغفلة أو سهوة، ويتوالى الدق بجماء الثوب فيحترق. لأن الاحتكاك يورث التهاب المتحاكين من الأخشاب والحديد والحجارة. فكيف مما يكون بينهما من الثوب الذي يصير بينهما، كحراق المقادح في سرعة الاحتراق.
قال الشافعي: ولعله لضعف محل من الثوب لم يحتمل الدق.
قيل له: وهل يجب العمل إلا بحسب المحل؟ فإذا أعطى المحل الذي لا يحتمل [الدق] دقًا لا يحتمله، كان جناية. وليس من شرط الضمان أن يكون معتمدًا ذلك. بل نفس إيقاع الفعل على وجه لا يسلم معه المحل من جناية يكفي في الضمان؛ كالرمي إلى الهدف، والوطء، وضرب الصبي في المكتب، لا يقال ((لعل ذلك لرخاوة المحل، وضعف جسم الصبي، )) لكن يجعل نفس الضرب مضمونًا فيه السلامة.
قال الشافعي: فيقابل هذا موت الدابة المستأجرة وسلخ ظهرها بالركوب، والأجير المنفرد ((إذا جنى في عمله.
قال الحنفي: أما المنفرد، فإن العقد على الزمان دون العمل. ولهذا لو مضى الزمان بلا عمل، استحق الأجرة. والدابة مستوفى منها، لا موفى فيها.
قالوا له أصحاب الشافعي: العقد على العمل والزمان مكنى له. وكيف يعقد الناس على مضي الزمان؟ ولهذا يقول ((استأجرتك يومًا للخياطة)) فيذكر اليوم ظرفًا، والخياطة هي المعقود عليها. والدابة معقود على منافعها، استوفى استيفاء معتادًا. فإذا انسلخ ظهرها، ولم يقدر فيه أنه اعتمد أو
стр. 366
فعل ما يقتضي الجناية، علم أنه لما استوفى العمل لم يضمن ما تجدد به. كذلك ههنا، لما قال أهل الخبرة بالدق ((دق مثل هذا الثوب)) سقط حكم ما جناه الدق.
٣٤٣ - وسئل مالكي عن شهادة الزوج مع ثلاثة أجانب بالزنا، فقال: شهد بخيانة له على أمينة، فصار كما لو شهد على المودعة مالًا بالخيانة فيه مع شاهد؛ فإنه لا يتم بشهادته بينة. كذلك ههنا.
اعترض عليه شافعي، فقال: قد بينا على سائل مخالف في المسألة أن التهمة تتحقق في المودعة؛ ولئن تتحقق ههنا [أولى]، لأن معه رادع بردعه عن الكذب؛ وهو ما يلحقه من عار قذفها بالزنا، فضلًا عن تحقيق الزنا عليها، وباطل به إذا لاعنها. فإن اللعان قوله، سواء كان شهادة أو متنًا. ومع ذلك يسمع في حقها ويبنى عليه حكم نفي الفراش والنسب.
قال المالكي: أما الحرص على نفي معيرة النسب، وبيان الخيانة عليها التي توجب غاية المعيرة عليه إن ساكنها، وإلحاق النسب الكاذب به فمثل هذا لا يقاومه الإشفاق عليها، لكونها زوجه، كما لا يقاوم تهمة الأبوة ((تهمة العداوة. فإنه يسمع من الأب، ولا يقال هناك عداوة. ولا يقاوم إشفاق الأبوة تهمة الفسق، بحيث إنه يشهد على ابنه مع فسقه.
قالوا له: أين العداوة مع الأبوة؟ ومتى اجتمعا قط؟ وإذا أردت أنه لا تتأتى عداوة من أب لابنه، فانصر الأب على ابنه بكلمة مؤدبة، ولو
стр. 367
دعوة أو لطمة، وانظر ما يظهر من الأب في حقك من المقت والعتب والنفور! إنما هو سخط بحكم فورة غضب ووراءها إشفاق الطبع، مثل ما يظهر من الإنسان من لطم أو صك في صدر. فإذا جاء إنسان وفعل ما يقتضي مساعدته، مثل أن لطمه أخرى، ظهر الغضب والسخط على فاعل ذلك.
وقال هو: أما قولكم إنه لا تساعده نفسه على الشهادة على زوجته، لما يدخل عليه من الأنفة والغيرة والعار، فمثل هذا لا يدفع التهمة الحاصلة؛ كإشفاق الأبوة لا يمنع تهمة الفسق في الأب، حتى إنه إذا شهد على ابنه لا يقال إن غاية ما يتهم به في الشهادة عليه مع الفسق أن يكذب على من يشهد عليه. ومعلوم أن طبعه وإشفاقه الطبيعي يمنعه من الكذب. ثم لم يعمل هذا القدر من الإشفاق في مقاومة تهمة الفسق حتى تجبر الشهادة على الابن. كذلك لا يقاوم ما تعلقت به من إشفاق العار على نفسه بزنا زوجته ما يحصل من تهمته في شهادته عليها بالخيانة له في أمانته، حيث [هي] محل إيداع مائه وحفظ أولاده وتحصين فرجها الذي هو محل استمتاعه.
٣٤٤ - شذرة
هو رب حقيقة. هل كنت أنت عبدًا له حقيقةً؟ هل في الوجود من كان لله قط كما كان الله له؟
стр. 368
٣٤٥ - شذرة في التخلي
ما صار هذا التخلي قط عزيمة معينة، ولا واجب على وجه الإمارة والنكاح. لأن النكاح له حالة وجوب وتعيين. فإن من لم يصلح للقضاء والإمارة، غيره تعين عليه الولاية. من وجد السعة وخاف العنت وجب عليه [ ... ]
٣٤٦ - [ ... ] ((فيكون ذلك محصلًا بكسبه لله، جاز أن يكون مفوتًا على الله بكسبه. ولا يكون ذلك معجزًا لله ، بل يكون بحسب سائر المخالفات لله، هي معاصٍ وخروج عن طاعته. ولا تعجزه لقدرته على المنع قبل إيقاع الفعل وقدرته على الانتقام بعد الفعل. فالتفويت على الله من العبد اسم ذم يستحق به منه السخط والعقوبة؛ لا أنه يقدح في قدرته، أو ملكه؛ على حسب طاعته يكون موافقة لأمره ، لا يزيده على ما له من ملكه وغنائه. إذ لا يتحقق في حقه نفع ولا ضر.
٣٤٧ - فصل تجاراه قوم من أهل الفطنة
وليس علم دراسة
ذكروا القضاء والقدر، وتناوشوا فيه، وكاد يجري مخاشنة. فقال لهم حنبلي من أهل العلم: يا هؤلاء! أنا أكشف لكم القدر من علومكم، وما لا تزالون تلهجون
стр. 369
به في كلامكم. وهو ما جاء لا بمقدار قدركم، ولا بزنة اجتهادكم وجنائكم. وهو الذي يسمونه في حق النساء بختًا، وفي حق التجار رزقًا، وفي حق السلاطين نصرًا. وما يجئ بمقدار الاستطاعة واطراد العادة لا تسمونه بشئ يقتضي الإضافة إلى الله. فإذا جاء الحظ من الزوج لوحشة الخلق، بلا جهاز ولا رشوة، قلت ((بختها.)) وما يجئ من الأرباح، بغير سفر ولا موسم ولا جودة سلعة ولا تصنيعها ولا تحسينها، قلتم ((رزقًا.)) وما يجئ من ظفر من مقل بمكثر قوي، تقولون ((هذا نصر.)) وما يجئ من سلامة، مع سقطة من شاهق وجراح خارق وغرق وحرق، بخلاف ما تقع معه السلامة، تقولون ((هذا أجل.)) فكأنكم قلتم ((رزق الله لا يقدر أحد يمنعه، وأجل لا يقدر أحد يقطعه.)) فهذا قدر وقضاء تنطقون به بألسنتكم. ثم إذا قيل لكم (([ما] القدر)) قلتم ((لا ندري ما القدر.)) فاستحسن ((الجماعة ذلك واذعنوا به. ثم قال: هذا منثور في سور القرآن وآياته بأحسن نطق وأفصحه وأبينه.
٣٤٨ - احتج بعض من لا يرى الكرامات بان قال: معلوم أن الأعصار لا تخلو من صلحاء. فّا شاعت الكرامات، وهي ما يخرج عن العادات، صارت بكثرتها وشياعها عادات؛ فطعنت في المعجزات. لأن عماد العجز هو الخرق للعادة. فما يصير عادة، يخرج عن كونه خارقًا.
стр. 370
قال له حنبلي: هذا باطل بالمعجزات نفسها. فإنها كثرت بكثرة الأنبياء- صلوات الله عليهم. ثم لم تصر عادات، بل كانت مع كثرتها قبيلًا خارقًا ونمطًا خارجًا عن العادات.
قال له المتكلم الأول: هذا القبيل، وهو المعجز، لا يجئ إلا بالتحدي؛ والكرامة تجئ من غير تحد. فإذا كثرت، صارت عادة مستقرة؛ فتطعن في المعجزات، إذ تصير صادرة عن وجود مستمر، لا تخرج عن كونها عادة بذلك الاستمرار.
ووجدت لبعض من جحد الكرامات أنها متى وجدت أفسدت اعتقاد المكرم وغيره. فإنه يزول تعظيم المعجزات من النفوس، لأنها تصير مألوفة. ومتى صارت مألوفة، خرجت عن الدهش بها والتعظيم لها.
٣٤٩ - قال حنبلي: كل ما يرد من وراء القدر والعادات فهو منبه على الله وألطافه. ولقد روي أن البقر، حيث أجدبت أرض بيت المقدس، خارت نحو السماء. فأنبع الله لها العين المعروفة بعين البقر. وروي فيما صحت به الرواية أن سليمان ﵇ خرج للاستسقاء. فوجد نملة رافعة قوائمها نحو السماء، وهي تقول: اللهم! إنا خلقك، ليس بنا غناء عن رزقك؛ فاسقنا. فقال: ارجعوا، فقد سقيتم بدعوة غيركم. فإذا كان الله يأتي بالألطاف بطلب البهائم، فلا يحسن إنكار ألطافه بالخواص من عباده،
стр. 371
((إيقاظًا للقلوب وتبينًا للإيمان في النفوس. فلا معنى لقولكم تبرد في القلوب بدوامه، بل تحقق الإيمان باستمراره. فكل ما جاء من الله منبه عليه ﷻ .
٣٥٠ - جرى بمجلسنا بالظفرية مسألة من قطع أصبعًا
من يد غيره فسرت الجناية إلى أصبع أخرى
فسقطت هل يجب القصاص فيهما
والناس على ثلاثة مذاهب. فأبو حنيفة لا يوجب فيهما؛ والشافعي يوجب في المقطوعة دون الساقطة بالسراية؛ وأحمد يوجب القود فيهما.
قال شافعي: إن الخلاف فيها، وفي الذي يقطع نصف الكوع، ثم تسقط اليد بالآكلة سراية، فأقول لم يبن يده، فلم يقطع يده؛ كما لو قطع البعض، وقطع غيره ما بقي؛ ولا فرق. لأنه لم يبن فعل غيره عن فعله في باب الأطراف مع تمييز القطع والتجزئة.
اعترض حنبلي فقال: إن كان ما باشر بالقطع، فقد سقطت اليد بمباشرته وسراية قطعه. وذلك يبنى بعضه على بعض؛ لأن سراية فعله كعين فعله. بدليل الجراحة، إذا سرت إلى النفس، وكذلك إذا ضرب رأسه فأوضحه، أو لم يوضحه، فذهب ضوء بصره، فإنه يجب القود في الموضحة التي باشرها، وفي ضوء العين الذي لم يباشر محله بالجناية.
стр. 372
قال الشافعي: إن الجراحة في أي موضع كانت من البدن فصادفت محل النفس. وذلك كافٍ في إيجاب القود في النفس. إذ كانت النفس لا يمكن مباشرتها. وحكم البصر كذلك؛ لأنه لا يباشر، وإنما يذهب بالجناية على محله؛ فهو كالنفس. وقد يقصد ذهاب البصر بضرب الرأس؛ كما يقصد إزهاق النفس بجراحة البدن أي موضع صادفه منه، ((لمعنى؛ وهو أن من قصد قطع السباحة، فما قصد قطع الوسطى. وإذا عدم القصد، زال معنى العمد.
قال الحنبلي: العمد إلى أصل الجناية معتبر دون عينها وتفاصيلها. ولذلك جرى القصاص بين الجاني والمجني عليه، إذا ضرب يده فقطعها ولم يقصدها. وهو إذا قصد ضربه بالسيف، يومى إلى رأسه، فاتقى المضروب بيده فانقطعت، قطعت يد الضارب بقصده أصل الضرب، لا كيفية الضرب ومحله.
وأما قولك إن الضوء كالنفس، ليس بصحيح. لأن النفس جميع البدن محل لها. فأي موضع جرح أصابها وأنكى فيها، أو سرى إليها. والحدقة محل مخصوص بالبصر. فكان يجب أن تخص بالقصاص الجناية التي يعتمد بها محل البصر، دون ما يتعدى إليه ويسري من مباشرة الرأس .. على أن النفس لا يصح عذرك فيها، وأن إزهاقها لا يمكن إلا من طريق
стр. 373
السراية. لأن لها محالًا موحية ومقاتل مخصوصة. وما أوقفت القود على تلك الجنايات، مثل قطع الرأس وإخراج الحشوة وقطع الشرايين؛ بل جعلت القطع والإيضاح قتلًا. وما جعل الشرع الأمرين سواء. فإنه منع أن تقع عقوبة في مقتل إذا لم توجب نفسًا؛ بل قصد بقطع السارق مفصلًا يكون الغالب معه السلامة، وحرر الإيضاح قصاصًا، لأنه لا يتعدى إلى غيره ولا يتجاوز إلى ما لا يستحق. فكان يجب، لما لم يوضع هذين - أعني قطع الطرف والإيضاح- لإزهاق النفس، أن لا يجري فيه القصاص، بل يقف القصاص على الجراح الموحي إما للمحل، مثل المقاتل، أو كقطع الحلقوم والأوداج، كما اختص الذبح. فلما لم يقف إيجاب القود في النفس على هذا، علم أن القود في النفس بسراية القطع، والقود في العين بسراية ((دق الرأس أو إيضاحه، لازمان لك؛ حيث لم يكن العدول عن محل البصر وعن محل توحية النفس شبهة، لكونهما مقصرين عن المباشرة كتقصير الآلة.
٣٥١ - وجرى في مسألة يمين الكافر هل ينعقد
قال حنفي: لا ينعقد يمينه لإيجاب الكفارة. لأن الكفارة [ ... ] بدليل افتقارها إلى النية ودخول الصوم، وكونها مطهرة كما تطهر الزكاة.
стр. 374
وما كان سببًا لعبادة لا ينعقد سببًا في حق الكافر؛ كدخول الوقت لإيجاب الصلاة، وحؤول الحول لإيجاب الزكاة.
اعترض حنبلي فقال: أنت معول في هذه الطريقة على موجب حلها. وهو غير صحيح على أصلك. فإن المغلب في الكفارة عندك الحنث دون اليمين. ومقتضى اليمين الوفاء والبر، دون النقض والحنث. والدليل عليه أنها تأكيد خبره بقسم معظم. ومن أخبر، فالظاهر من خبره الصدق، لا الكذب. ولو تردد بينهما، رجحه القسم إلى جانب الصدق. وهو، مع كفره، من أهل الوفاء؛ بدليل أنه يعقد الأمان، ويعقد له الأمان. والذمة ثقة بوفائه؛ كما يوثق بالوفاء له. ويصح يمينه بمجالس حكام المسلمين ثقة بقوله وتعويلًا على قسمه لإسقاط دعوى خصمه. وإن كان مسلمًا، حتى لو كان مجوسيًا يعظم الشمس لم نحلفه بها، بل بالله تعالى. فإن نظرت إلى الحنث كان نظرًا ثانيًا، وترك النظر إلى الأول والأقصد، دون الآخر والتابع. على أن مراعاة الكفارة والحنث لو صح، لكان في الكفارة من ثبوت العقوبة ما يصلح أن ينعقد يمين الكافر لإيجابه. لأنها وإن كان فيها تعبد، إلا أنه ليس يتمحض. وما كان بهذه المثابة لا يغلب عليه غيره ويسقط هو في نفسه. بدليل أن الحد وضع زجرًا وعقوبة. فإن صادف ((محلًا مصرًا على الجريمة، أقيم بحكم أنه عقوبة. وإن صادف محلًا تاب وغفرت جريمته وزال جميع أحكامها من الفسق والهجران
стр. 375
وانحطاطه عن الولايات، أقيم الحد بحكم أنه محنة، مع كون الحد يسقط بالشبهة، ولا يستوفى مع أقل شبهة عارضة؛ كهبة النصاب في السرقة.
أجاب الحنفي فقال: أما الانعقاد فحاصل، لكن لا لإيجاب الكفارة. حتى إنه لو حلف كافرًا وحنث مسلمًا، لم يجب كفارة اليمين التي عقدها حال كفره بمخالفته لها حال إسلامه. وأما الحد، فإنه وجب لله لمعالجة إقامته في هذه الدار سياسةً وصرفًا عن المفاسد، لا على طريق الجزاء الذي يستحقه في مقابلة الحربة. لأن هذه دار تكليف لا يشوبها جزاء. والجزاء للآخرة التي [هي] دار جزاء لا يشوبها تكليف. وذلك لأن الله لا يخاف الفوت فيعجل الجزاء في دار تكليفه. وإنما عجل الحدود للصرف، وحفظ الكل عن إفساد الأنساب والفرش. والذي يشهد لذلك أنه عرضها للإسقاط بالشبهة، وجعل وعيده مؤجلًا إلى دار الآخرة. فإذا تاب المجرم من جريمته، بقي استيفاء الحد زجرًا لعين المحدود، محنة للمحدود. والزجر يحصل بإقامته مع التوبة أكثر.
أجاب الحنبلي عن هذا، فقال: أما الحدود فجزاء معجل؛ ودار الدنيا صالحة لاستيفاء بعض حق الله من العقوبة. فإنه تواعد ووعد. فإذا أذاقنا طائلًا من العذاب كان أبلغ، وطائلًا من النعيم بتمليك الغنائم والمنافع، ونفر بالخسف والمسخ والاستئصال بأنواع [العذاب]، وتواعد هذه
стр. 376
الأمة بأنه لا تقوم الساعة حتى تكون ريح صفراء وخسف ومسخ، فأي وجه لإنكار تعجيل عقابه في دار تكليفه؟ وقولك إنه ((لا يخاف الفوت، )) فإن تعلقت في ذلك بتعليل، أفلست من تعليل تنصبه لعذاب الآخرة. فإنه لا ممن يشتفي، ((ولا ينتفع بالمقابلة، ولا يستضر بترك الآلام والعقاب. وهو غني عن التعذيب، والعصاة محتاجون إلى العفو. فلا يبقى لتعذيبه وجه من وجوه تعود إليه. فإذا أسقطت التعجيل، لأجل أنه لا يخاف الفوت، وجب عليك إسقاط أصل التعذيب، لأنه لا يستدرك به أمرًا من الأمور التي وضع العقلاء التعذيب لأجلها. ولأنك إن قنعت بأن إقامة الحدود زجرًا لعين المحدود، وهو الزجر الكلي، فقل ههنا يجب التكفير تخسيرًا في المال، يرتدع به عن الحنث غير الحانث من الكفار. ولأنه لا يجوز أن يراعى في عقوبة محل قد عفي عن جريمته زجرًا للغير. والاعتبار في العقوبات بالمحل الجاني. فإذا عفا الله عن الجناية، والحد حق لله، هدر جانب غير المحدود. ألا ترى أن القصاص وضع لإحياء النفوس عمومًا، ولاشتفاء الولي خصوصًا؟ ولو عفا الولي، سقط حقه وسقط الزجر المحيي للكل تبعًا. وعفو الله في باب التائب، كعفو الولي في حق القاتل.
وأما قولك إن الحدود سقطت بالشبهة، فهو الحجة. لأنه إذا أسقطها
стр. 377
بالشبهة، ومنع إيجابها مع الشبهة، ولم يراع إقامتها مع الشبهة، ولا أقامها بعد إعراض الشبهة لأجل الزجر، بل أسقطها عن المحل رأسًا، كذلك وجب أن لا يقال: أسقط عقوبته بالتوبة، ثم جعل إقامة الحد على المحل بعد التوبة لأجل الكل ولأجل الزجر العام. ولو جاز أن يزجر العموم بإقامة حد على محل لا يستحق، لجاز أن يقيم الحد مراعاة لإقامته، لمكان الزجر في محل عرضت عليه شبهة. إذ ليس تعمل الشبهة العارضة أكثر من عمل التوبة الماحية. والتوبة كالإسلام أسقطت ووجبت ما قضى. فلم يبق إلا ما ذكرنا، وأنه ابتلاء للمحل ومحنة. وبمل حسن محنة التائب بالحد، كما حسن إمراضه بأنواع الأمراض، حسنت الكفارة تخسيرًا للكافر وإن أسقط جانب التعبد لكونه ((لا يليق به، توفيرًا على اليمين حقها، أو على الحنث حقه، حيث ما خلت من هتك لحرمة القسم.
قال الحنفي: فما هو عليه من الكفر أكثر من أن يحتمل عقوبة لما ينحط مأثمه عن رتبة الكفر.
قال الحنبلي: الإيمان أعلى رتبة في باب الأجزية بالثواب. ثم لا يمنع ذلك من التحاق طاعات به ينحط ثوابها عنه. كذلك لا يمنع التحاق مأثم ينحط عن مأثم الكفر بعذاب الكفر ومأثمه.
стр. 378
٣٥٢ - جرى بمجلسنا عند الشيخ الإمام إبراهيم الدهستاني - حفظه الله-
مسألة شهادة الأعمى وتحمله للشهادة بالصوت
قال شافعي: إن الأصل أن لا يجوز قول الغير على الغير. لكن قبلت الشهادة لأجل الحاجة. واحتيط فيها، حتى اعتبرت العدالة، ونفي كل تهمة، من عداوة، وقرابة توجب التهمة، وشركة. ثم اعتبر العدد. ولم يقنع بواحد حسبما قنع في باب أخبار الديانات. وليس شهادة الأعمى على الصوت إلا إهمالًا وإغفالًا. لأن الصوت قد يشبه بالصوت ويشتبه. فتارة يتعمل المصوت لتغييره، وتارة يشتبه بصوت غيره. والمشاهدة بخلاف ذلك. فالصوت كالخط.
قال حنبلي قولًا يعضد قول الشافعي. وهو أن تحلية الشاهد للنساء لم يقنع فيه بالصوت، حتى استفضى إلى كشف الوجه وافتقاد حليته، مع كون المرأة مصونة. فلو كان الصوت مقنعًا، لقنع به في باب تحلية الشاهد والمعامل.
اعترض عليه حنبلي، فقال: بل الأصل ضد ما ذكرت. لأن الأصل في الناس السلامة في الخلقة وصحة الفطرة. ((والكذب عور وعيب يتجدد من سوء الظن ووسخ الجيب. وإذا ثبت هذا، كان قبول كل قول هو الأصل. لأن الأصل أنه حق وصدق، لا باطل وكذب. ولو انحططنا رتبة فقلنا إن القياس ما ذكرت، فإن قبول قول الغير على الغير على مراتب لا يلزم
стр. 379
الوقوف في القبول على أعلاها، وهو الاختيار وطول المخالطة، بحيث لا تنسى الصورة ولا يختل العلم؛ ولم نعتبر ذلك. ثم إن مراتب الشهادات أعلاها أربع، وأدناها قول الواحد والمرأتين، أو الواحد ويمين. فليس بين الصوت والمشاهدة من التفاوت في إدراك المشهود عليه بأكثر من تفاوت ما بين الشاهد واليمين، والشاهد من الذكرين. فقد تساويا في قبولهما على المال وفي حقوق الأموال.
وقال له أيضًا: أليس عندك، يا شافعي، أن ما يتحمله في حال بصره يؤديه حال ضرره، ووقت الأداء هو المغلب والآكد؟
قال شافعي: إن التحمل هو الحال التي تحتاج إلى تحقق المشهود به. فإذا عرفت المشهود عليه، وتحقق الأمر الذي يشهد به، لم يحتج وقت الأداء إلا [إلى] ذكر اسمه. ونسبه يرفع من اسمه ونسبه ما لا يبقى معه اختلاط ولا اشتباه بغيره. ولا يحتاج إلى الإشارة إليه، ولا النظر إليه. إذ ذلك سبق حال التحمل. فمتى بقي اشتباه، بحيث كان في البلد من يجتمع معه في اسمه واسم أبيه وجده، ولم يكن الشاهد قد حلاه بحلية تخصه، كان ذلك تعذرًا. وليس نضمن على أنفسنا أن الحقوق لا يتعذر إثباتها؛ بل قد تتعذر طرق الإثبات فتقف الحقوق.
стр. 380
٣٥٣ - وجرت مسألة شريك الأب
فقال حنفي: زهقت نفس المقتول عن فعلين لا يجب القود بأحدهما، فلا يجب القود على الآخر؛ كما لو كان أحدهما مخطئًا.
اعترض عليه شافعي، فقال: ((بل فعلهما موجب. وإنما في الأب شرف نبا الاستيفاء عنه لأجله. فصار كاثنين عامدين رميًا بسهمين نحو رجل، ومات أحد الراميين قبل وقوع السهمين فيه؛ ثم وقعا، فمات المرمي. فإن الحي يجب قتله قودًا. ولا يسقط قتله لأجل سقوط القتل عن شريكه؛ حيث كان سقوط القود للموت، وهو معنى نبا عن المحل الاستيفاء لأجله.
قال الحنفي: لا معنى للقول بوجوب القود على محل لا يستوفى منه الواجب. وإنما الوجوب للاستيفاء. ولأن وجوب القود في الأصل إنما كان لحياة النفس. وفي طبع الأب المركوز فيه، وحنوه على الولد، ما يغنيه عن رادع من خارج يمنعه من قتله. وما ذلك إلا بمثابة ما ركز في الطبع من معافة المستقذرات المغنية عن صارف عقوبة أو حد يردع به الإنسان عن ربه؛ بخلاف الخمور التي ركز في الطبع الميل إليها.
٣٥٤ - وجرت مسألة الإكراه على الطلاق
قال مالكي: لا يقع؛ لأنه قارن بلفظه بالطلاق ما يشهد بعدم القصد، فصار كالنوم.
стр. 381
اعترض عليه حنفي، فقال: إن أردت أنه قارنه ما دل على عدم قصده للحكم، فمسلم. لكنه ليس يحتاج حكم الطلاق إلى قصده؛ فلا يؤثر عدم القصد. وإن أردت ما دل على عدم قصده للفظ الطلاق، فلا نسلم؛ ولا يمكنك تحقيق ذلك. فإن اللفظ لا يصدر عن لافظ إلا عن قصد. وكذلك كل فعل صدر عن حي.
قال المالكي: لا قصد للمكره. فإن الإكراه أحفزه وأزعج دواعيه إلى القول. فصار كأنه إنما نطق بما صدر عن المكره له، لا باختيار نشأ من قبل طبعه ونفسه.
قال الحنفي: إن إثارة الدواعي بما فعله المكره أوجبت أن إنشاء المكره ((قول صانع به؛ فهو كما يبذله عند الإكراه من المال، فإنه يكون يدفعه مصانعًا. كذلك ما يبذله من القول إنما يقصد به إرضاء المكره ودفع شره. ومن قصد دفع الشر بشئ فقد قصده؛ ولا يبقى ما لم يقصده إلا الوقوع؛ وذلك هو الحكم. والدلالة على أنه قاصد أنه يحسن أن يصوب أو يلام. فمن يصوبه يقول له ((نعم ما فعلت! كيف آثرت طلاق زوجتك على قتل نفسك، ودفعت بالشر الشرين أكبرهما.)) ومن يلومه يقول له ((هلا قلت (زوجتي طالق) وقلت سرًا بحيث تسمع نفسك (إن شاء الله)؟ )) وإذا كنت بحيث يصوب ويلام، علم أنه قاصد. ألا
стр. 382
ترى أن المدفوع على مال إنسان أو نفسه لا يلام على ما يجنيه بنفسه، حيث صار كالآلة لدافعه؟
قال المالكي: أما الإكراه فإنه يقصر قصد المقاصد، ويجعله كأنه يقول حاكيًا ما يقول له المكره. ويكفي في نفي الوقوع قصور القصد، لا سلبه رأسًا. كما نقول في قصد الصبي والمجنون؛ فإن له قصدًا في اللفظ، بحيث إذا تلفظ بالبيع صح، وتكون مشارفة الولي لإلزامه. ولا يكفي ذلك القصد القصير الضعيف لإيقاع الطلاق، مع كونه قصد اللفظ.
قال الحنفي: أما أن تعول على عدم القصد، فلا يصح لك، لما قدمنا لك من الكلام. وإن قلت بقاصر القصد، فلا يطلب لوقوع الطلاق كمال القصد، ويكفيه القصد القاصر؛ بدليل الهازل. وإن غلبت فعل المكره كما غلبت في باب الإكراه على إتلاف المال، فاجعل للافظ آلة. ولا يصح لك ذلك؛ لأن لسان القائل لا يجوز أن يكون آلة وأداة للمكره بأن يدفعه على أواني زجاج فيكسرها. فلا جرم، لما كان كذلك، [أن] يقرر ضمان المال على المكره دون المكره.
قال المالكي: ((في باب المال يكفي القصد القاصر، بدليل إتلاف الصبي. ويكفي عدم القصد، بدليل النائم. وفي مسألتنا لا ينفذ إلا من قاصد تام القصد؛ وهذا ناقص القصد. وأما الإكراه على إتلاف المال، فإن المغلب المكره. فهو كالدافع مع الحافر.
стр. 383
قالوا له: فإذا كان ضمان المال يتأتى في باب الفعل القاصر، فهلا كان المكره والمكره سواء في باب الضمان؟
٣٥٥ - جرى بمجلس درب الدواب مسألة
من قال هو يهودي إن فعل كذا
قال شافعي: لم يحلف بالله، ولا بصفة من صفاته، ولا باسم من أسمائه؛ فلم يك حالفًا، كما لو حلف بالرسول والكعبة.
قال له مذنب على حنفي: لا نسلم؛ بل تقدير كلامه ((هتكت حرمة اسم الله، وقلت في الله ما لا ينبغي أن يقال، إن فعلت كذا.)) والأصل لا يعود إلى الله، بل إلى خلق من خلق الله.
٣٥٦ - وجرت مسألة قتل المسلم بالذمي
استدل حنبلي مجود فقال: الكفر في الأصل هو الموجب للقتل. والذمة حاقنة، ولكن لأجل الضرورة. ويجب أن تعطى بمقدارها وحدها. وليس من حدها أن يقتل المسلم لأجل المحقون بها، كالمستأمن.
اعترض عليه حنبلي ذنب عن حنفي، وله قدم في النظر وتجويد طريقتي العراق وخراسان، فقال: لا أسلم أن الكفر موجب للقتل. وإنما
стр. 384
الموجب للقتل الحراب والفساد في الأرض. وذلك بعينه إذا وجد في حق المسلمين، وجب القتال لهم والقتل. ولو انحطت عن هذه الرتبة إلى مرتبة أخرى، وهو أن الكفر أوجب، لكن في قوة الذمة ما يعصم عصمة ويحقن حقنًا، فوجب قتل القاتل الذمي وإن كان مسلمًا؛ إذ كانت تحقن الذميين مع قيام الكفر. والإسلام لا يحقن إلا مع زوال الكفر ((عندك، على ما ذكرت. ولأن الذمة كما عصمت المال عصمت الدم؛ وكما عصمت الدم عصمت المال. لكن عصمة المال إنما كانت لأجل احترام المال بمالكه، لا لحرمته في نفسه. فإذا بلغ الحق للمال الغاية، وهو إيجاب قطع يد المسلم بسرقته، فأولى أن يبلغ حقن النفوس الغاية في حقنها بقتل المسلم بقتله. فالطرق للمال كالنفس للنفس.
أجاب المستدل بأن قال: إن الله علق القتل بوصف الشرك. فالظاهر أنه علة له. فقال: (اقتلوا المشركين) وقال [صلعم]: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله.)) والغاية تدل على أن ما قبلها بخلافه. فلما قال ((فإذا قالوها عصموا مني دماءهم)) دل على أن إراقة دمائهم كانت للجحد بها. ولأن الفساد والحراب الذي تشير إليه هو نتيجة الكفر، والكفر أصله وموجبه. وأبدًا إنما يعلق الحكم على الأصل والناتج والمؤثر؛ كالحد يعلق على الشرب الذي هو المثير للمفسدة والعربدة،
стр. 385
دون أن يعلق على العربدة والمفسدة نفسها. وقولك إن الذمة حقنت مع عين الكفر، فإنما كان كذلك للضرورة. وأبدًا ما يحصل للضرورة يكون مع السبب الموجب للتحريم؛ كالميتة، على نجاستها، تؤكل للضرورة. وأما القطع بالمال فلحرمة المال، لا لحرمة مالكه، وعرضًا؛ حتى إنه يقطع ثبوته مال المستأمن.
أجاب الحنبلي المعترض [على] الحنبلي بأن قال: أما الشرك، فلا يجوز أن يكون سببًا ولا علة لإيجاب القتل، لوجوه أذكرها. احدها أن القرآن نطق بتعليل يشهد لما ذكرت. فقال : (ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرةٍ)، (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق). ثم أبان عن فساد الكفر، فقال: (يخرجون ((الرسول وإياكم)؛ وقال: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم). فهذه الآي أصرح بالتعليل من جعل اسم الشرك علة.
ومما يدل على أن الكفر لا يجوز أن يكون علة أن الكفر محض حق الله ، وهو أكبر حرم في حق الله. فكيف يعجل جزاءه في دار التكليف، ودار التكليف دار لا يصلح إلا للمصالح وإقامة السياسات للمكلفين؟ وذلك ليخلص اجتناب المحظورات لأجل عقاب الآخرة والائتمار بالعبادات رجاء ثواب الآخرة. والذي يكشف عن صحة هذا أن المكلف لو صرح
стр. 386
فقال ((لا أرى خوفًا من جلدكم أو رجمكم، ولا أطيع إلا طمعًا في سعة الرزق، ولا أقاتل في الجهاد إلا لأجل الغنيمة، )) انحبط ثواب طاعته، ولم يحصل له ثواب في اجتناب المعصية. وبمثله لو قال ((والله إنني لا أطيع الله إلا رجاء ثوابه، ولا أترك المعاصي إلا خوفًا من عقابه، )) وهي ناره، لكان ذلك من أحسن ما تقرب به إليه، دون ما يقوله شطاح الصوفية: ((لا نعبد الله ولا نطيعه لأجل جنته، ولا خوفًا من ناره.)) فلو جعل العقوبات في الدنيا وسعة الأرزاق والغنائم قطعة من عقابه وطرفًا من ثوابه، لكان ذلك أغرى بأن تصير المقاصد منصبة إليها ولأجلها. وذلك يطعن في معتقد المكلفين ويسقط أحكام تعبداتهم؛ ولأنه يصير إيقاع عقابه في الدنيا على الأعمال كالإلجاء والسياقة إلى الطاعة بنوع من الإكراه.
قال المستدل معترضًا على هذا: أليس قد خسف ومسخ في الدنيا، وعذب بأنواع العذاب؟
قال الحنبلي المعترض: ذاك في حق الأمم السالفة التي علم أنه لم يبق منهم وفيهم ذرية تكون مسلمة. وهذه الأمة أمنها من عذاب الاستئصال. وعذاب الأمم السالفة عند إياس الأنبياء من إيمانهم وإيمان ذرياتهم نطق به القرآن. فقال لنوح: (أنه لن يؤمن من قومك ((إلا من قد آمن)، حينئذٍ فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا). وكان المعنى فيه أنهم لما صاروا إلى العناد، أخرجهم إلى الدار الآخرة بعذاب. فأوصل العذاب بالعذاب. فلم يتخلل أعمال بين الموت والحياة. فلا يفضي
стр. 387
إلى الإجبار. وما لم يستأصل فيه الأمم، بل بقوا بعده، كان من معجزات الأنبياء صلعهم، ليبين صدقهم فيما وعدوا به الأمم.
وأما قولك إن الذمة حقنت الدم مع الكفر ضرورة، فأي ضرورة ألجأت إلى إدخال المشركين إلى بلادنا، وصرن نساؤهم زوجات لنا؟ ما ذلك إلا لأجل الانتفاع بالجزية وكثرة الأرباح بمعاملاتهم والتجائر. ولذلك قال : (فلا تدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله). دل على أن دخولهم كان لأجل التجائر والأرباح. فلما صان البقعة عنهم، ضمن خلف ما يفوت منهم وبهم.
قال الحنبلي المعترض: ومما يشهد لما ذكرت، وأن الكفر ليس بعلة لكن الحراب علته، أن الكفر يعم الصبيان والنساء والشيوخ العتاة والعميان. فلا يقتل إلا الشباب والمتهيئين للقتال. حتى أرباب الآراء في الحرب من الشيوخ، لما كان لهم تأثير في الحرب، قتلوا. فإذا جئنا إلى ما عللت أنا به للقوم من الحراب، متى وجد من النساء والعبيد والمشايخ والعميان، قتلنا الكل ولم نحترم مع الحراب لأحد. وصار الحراب كالصيال الذي تسقط فيه موازين المكافأة. فنجوز للابن مع أبيه، والعبد مع سيده، أن يدفعه، ولو أفضى إلى قتله، وإن كان بعد القتل تظهر الموازنة وإلغاء المجازفة.
стр. 388
قال المستدل: إن النبي ﷺ كان يبدأ بالدعاية؛ فدل على أنها هي الأصل؛ ولا يبدأ بالقتال ولا القتل.
قال له المعترض: هذا عليك، لا لك. لأنهم قد كانوا كفارًا، وتكاملت علة القتل فيهم، ولم يقتلهم. وإنما بدأ ((بالدعاية لأن الأسهل فالأسهل هو الذي يبدأ به. وهم في الأصل آدميون، معهم أدوات النظر والاستدلال المانع من الإصرار على الجحد والكفر. فهو منهم، على هذه الحال، على رجاء الاستصلاح وإزالة سبب الحراب. فإذا حصل الإياس بالعناد منهم، حينئذٍ قتل. ولذلك أسقط البداية بالدعاية لمن بلغه الدعوة، وجوز البيئات.
وأما قولك أن عصم بالذمة ضرورةً، فليس كذاك. لأنه ما حقن الدماء إلا بما عاد نفعًا لنا. وبه أستدل عليك على أنه ما قتل إلا لما كان ضررًا لنا، وهو الحراب. والدلالة على أنه ما عصم إلا بما عاد نفعًا لنا هو أن الحقن بأحد أمور كلها نفع، إما هدنة على كف شرهم، أو دفع أموال. وعقد الذمة بالجزية أو الاسترقاق. وهو جعل رقابهم متمولة متبذلة في أنواع الانتفاع. وإذا [كان] الحقن للنفع لنا، تحقق أن الإراقة لدفع الضرر عنا، لا لأجل حق الله الخالص له.
وأما قولك إن القطع في السرقة لأجل أن الأموال في نفسها محترمة، فمن أبعد ما يكون. وهل رأينا مالًا قط ليس له مالك، ولا يضاف إلى
стр. 389
جهة محترمة؟ كالصيد يحترم لأجل الحرم، أو الأحرام والأملاك لحرمة المالكين. وأما الأحطاب في الدحال والقصب في الآجام لو أحرقها محرق، والمياه لو بددها مبدد، لا ضمان ولا عقوبة. فبطل كون الأموال محترمة لنفسها.
٣٥٧ - وجرت مسألة الإكراه على القتل
فقال حنفي: إن الإكراه سلب اختيار المكره. لأن المكره جعل المكره بأخفاره، وحمله على إعمال سلاحه في المكره على قتله كالآلة له. وما صار كالآلة إلا لأن المكره قائل، وليس بفاعل ولا مباشر. ونحن جميعًا نقول إنه يجب عليه القود. وما وجب عليه القود إلا والإكراه لغيره فعل تام لإيجاب القتل. إذ لو لم يكن ((تامًا، لما وجب قتله. ألا ترى أن أبا يوسف أسقط القتل عنهما لما رأى من قصور فعل المكره بكونه كالمسبب بقوله وتهديده، وقصور فعل القاتل لعدم اختياره وقصده؟ وزفر أوجب القتل على المباشر خاصة. ولما اجتمعنا جميعًا، أعني أبا حنيفة والشافعي وأحمد، على أن المكره تام الفعل لوجوب القتل عليه، علمنا أن فعله ما تم لوجوب القتل، مع كون المباشر غيره، إلا لأن المباشر صار كالآلة في الفعل.
قالوا له: فما باله أثم؟
стр. 390
قال: لأن القتل تعلق به حق الآدمي، وما خلا من استيفاء من جانب المكره، وبقي حق الله؛ فإذا لم نؤثم القاتل، أخللنا بحقه.
قالوا له: فكما جعلت المكره مستحقًا للقتل من حيث إنه القاتل حكمًا، وإن المباشر كالآلة، كان يجب أن تعود بإلحاق المأثم على من أوجبت عليه القود، دون من جعلته كالآلة، وتجعل حق الله وحق الآدمي جميعًا واجبين على من نشأ سبب القتل منه وهو المكره. ومباشرة، هو آلة فيها، لا يجوز أن يصرف حق الله إليها. وحق الله لا يثبت إلا في محل تم السبب فيه لإيجاب الحكم. ألا ترى أن حقوق الآدمي تجب مع الجنون والصغر والنوم، وحق الله يسقط في مثل هذه الأحوال؟ فإذا جعلنا المباشر كالآلة لحق الآدمي، بحيث لا يخاطب به، فأولى أن يكون كالآلة في حق الله الذي يسقط بالشبهة.
٣٥٨ - قال بعض الفقهاء: ما أكثر ما أدخل المفسرون في النسخ ما ليس منه! كقولهم: (اتقوا الله حق تقاته). قالوا: نسخت بقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم). وقوله، لما عظم ذلك عليهم، لما قال: (حق تقاته)، فكان نسخًا. والعلماء من الفقهاء والأصوليين أنكروا ذلك إنكارًا شديدًا وقالوا: مهما أمكن أن يكون تفسيرًا فلا يجعل نسخًا، وقد أمكن أن يكون القوم ظنوا أن (حق تقاته) يزيد على ما يدخل تحت استطاعتهم، حيث سألوه
следующие страницы →