Полный текст (756 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فقال ((لا أرى خوفًا من جلدكم أو رجمكم، ولا أطيع إلا طمعًا في سعة الرزق، ولا أقاتل في الجهاد إلا لأجل الغنيمة، )) انحبط ثواب طاعته، ولم يحصل له ثواب في اجتناب المعصية. وبمثله لو قال ((والله إنني لا أطيع الله إلا رجاء ثوابه، ولا أترك المعاصي إلا خوفًا من عقابه، )) وهي ناره، لكان ذلك من أحسن ما تقرب به إليه، دون ما يقوله شطاح الصوفية: ((لا نعبد الله ولا نطيعه لأجل جنته، ولا خوفًا من ناره.)) فلو جعل العقوبات في الدنيا وسعة الأرزاق والغنائم قطعة من عقابه وطرفًا من ثوابه، لكان ذلك أغرى بأن تصير المقاصد منصبة إليها ولأجلها. وذلك يطعن في معتقد المكلفين ويسقط أحكام تعبداتهم؛ ولأنه يصير إيقاع عقابه في الدنيا على الأعمال كالإلجاء والسياقة إلى الطاعة بنوع من الإكراه.
قال المستدل معترضًا على هذا: أليس قد خسف ومسخ في الدنيا، وعذب بأنواع العذاب؟
قال الحنبلي المعترض: ذاك في حق الأمم السالفة التي علم أنه لم يبق منهم وفيهم ذرية تكون مسلمة. وهذه الأمة أمنها من عذاب الاستئصال. وعذاب الأمم السالفة عند إياس الأنبياء من إيمانهم وإيمان ذرياتهم نطق به القرآن. فقال لنوح: (أنه لن يؤمن من قومك ((إلا من قد آمن)، حينئذٍ فقال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا). وكان المعنى فيه أنهم لما صاروا إلى العناد، أخرجهم إلى الدار الآخرة بعذاب. فأوصل العذاب بالعذاب. فلم يتخلل أعمال بين الموت والحياة. فلا يفضي
стр. 387
إلى الإجبار. وما لم يستأصل فيه الأمم، بل بقوا بعده، كان من معجزات الأنبياء صلعهم، ليبين صدقهم فيما وعدوا به الأمم.
وأما قولك إن الذمة حقنت الدم مع الكفر ضرورة، فأي ضرورة ألجأت إلى إدخال المشركين إلى بلادنا، وصرن نساؤهم زوجات لنا؟ ما ذلك إلا لأجل الانتفاع بالجزية وكثرة الأرباح بمعاملاتهم والتجائر. ولذلك قال : (فلا تدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله). دل على أن دخولهم كان لأجل التجائر والأرباح. فلما صان البقعة عنهم، ضمن خلف ما يفوت منهم وبهم.
قال الحنبلي المعترض: ومما يشهد لما ذكرت، وأن الكفر ليس بعلة لكن الحراب علته، أن الكفر يعم الصبيان والنساء والشيوخ العتاة والعميان. فلا يقتل إلا الشباب والمتهيئين للقتال. حتى أرباب الآراء في الحرب من الشيوخ، لما كان لهم تأثير في الحرب، قتلوا. فإذا جئنا إلى ما عللت أنا به للقوم من الحراب، متى وجد من النساء والعبيد والمشايخ والعميان، قتلنا الكل ولم نحترم مع الحراب لأحد. وصار الحراب كالصيال الذي تسقط فيه موازين المكافأة. فنجوز للابن مع أبيه، والعبد مع سيده، أن يدفعه، ولو أفضى إلى قتله، وإن كان بعد القتل تظهر الموازنة وإلغاء المجازفة.
стр. 388
قال المستدل: إن النبي ﷺ كان يبدأ بالدعاية؛ فدل على أنها هي الأصل؛ ولا يبدأ بالقتال ولا القتل.
قال له المعترض: هذا عليك، لا لك. لأنهم قد كانوا كفارًا، وتكاملت علة القتل فيهم، ولم يقتلهم. وإنما بدأ ((بالدعاية لأن الأسهل فالأسهل هو الذي يبدأ به. وهم في الأصل آدميون، معهم أدوات النظر والاستدلال المانع من الإصرار على الجحد والكفر. فهو منهم، على هذه الحال، على رجاء الاستصلاح وإزالة سبب الحراب. فإذا حصل الإياس بالعناد منهم، حينئذٍ قتل. ولذلك أسقط البداية بالدعاية لمن بلغه الدعوة، وجوز البيئات.
وأما قولك أن عصم بالذمة ضرورةً، فليس كذاك. لأنه ما حقن الدماء إلا بما عاد نفعًا لنا. وبه أستدل عليك على أنه ما قتل إلا لما كان ضررًا لنا، وهو الحراب. والدلالة على أنه ما عصم إلا بما عاد نفعًا لنا هو أن الحقن بأحد أمور كلها نفع، إما هدنة على كف شرهم، أو دفع أموال. وعقد الذمة بالجزية أو الاسترقاق. وهو جعل رقابهم متمولة متبذلة في أنواع الانتفاع. وإذا [كان] الحقن للنفع لنا، تحقق أن الإراقة لدفع الضرر عنا، لا لأجل حق الله الخالص له.
وأما قولك إن القطع في السرقة لأجل أن الأموال في نفسها محترمة، فمن أبعد ما يكون. وهل رأينا مالًا قط ليس له مالك، ولا يضاف إلى
стр. 389
جهة محترمة؟ كالصيد يحترم لأجل الحرم، أو الأحرام والأملاك لحرمة المالكين. وأما الأحطاب في الدحال والقصب في الآجام لو أحرقها محرق، والمياه لو بددها مبدد، لا ضمان ولا عقوبة. فبطل كون الأموال محترمة لنفسها.
٣٥٧ - وجرت مسألة الإكراه على القتل
فقال حنفي: إن الإكراه سلب اختيار المكره. لأن المكره جعل المكره بأخفاره، وحمله على إعمال سلاحه في المكره على قتله كالآلة له. وما صار كالآلة إلا لأن المكره قائل، وليس بفاعل ولا مباشر. ونحن جميعًا نقول إنه يجب عليه القود. وما وجب عليه القود إلا والإكراه لغيره فعل تام لإيجاب القتل. إذ لو لم يكن ((تامًا، لما وجب قتله. ألا ترى أن أبا يوسف أسقط القتل عنهما لما رأى من قصور فعل المكره بكونه كالمسبب بقوله وتهديده، وقصور فعل القاتل لعدم اختياره وقصده؟ وزفر أوجب القتل على المباشر خاصة. ولما اجتمعنا جميعًا، أعني أبا حنيفة والشافعي وأحمد، على أن المكره تام الفعل لوجوب القتل عليه، علمنا أن فعله ما تم لوجوب القتل، مع كون المباشر غيره، إلا لأن المباشر صار كالآلة في الفعل.
قالوا له: فما باله أثم؟
стр. 390
قال: لأن القتل تعلق به حق الآدمي، وما خلا من استيفاء من جانب المكره، وبقي حق الله؛ فإذا لم نؤثم القاتل، أخللنا بحقه.
قالوا له: فكما جعلت المكره مستحقًا للقتل من حيث إنه القاتل حكمًا، وإن المباشر كالآلة، كان يجب أن تعود بإلحاق المأثم على من أوجبت عليه القود، دون من جعلته كالآلة، وتجعل حق الله وحق الآدمي جميعًا واجبين على من نشأ سبب القتل منه وهو المكره. ومباشرة، هو آلة فيها، لا يجوز أن يصرف حق الله إليها. وحق الله لا يثبت إلا في محل تم السبب فيه لإيجاب الحكم. ألا ترى أن حقوق الآدمي تجب مع الجنون والصغر والنوم، وحق الله يسقط في مثل هذه الأحوال؟ فإذا جعلنا المباشر كالآلة لحق الآدمي، بحيث لا يخاطب به، فأولى أن يكون كالآلة في حق الله الذي يسقط بالشبهة.
٣٥٨ - قال بعض الفقهاء: ما أكثر ما أدخل المفسرون في النسخ ما ليس منه! كقولهم: (اتقوا الله حق تقاته). قالوا: نسخت بقوله: (فاتقوا الله ما استطعتم). وقوله، لما عظم ذلك عليهم، لما قال: (حق تقاته)، فكان نسخًا. والعلماء من الفقهاء والأصوليين أنكروا ذلك إنكارًا شديدًا وقالوا: مهما أمكن أن يكون تفسيرًا فلا يجعل نسخًا، وقد أمكن أن يكون القوم ظنوا أن (حق تقاته) يزيد على ما يدخل تحت استطاعتهم، حيث سألوه
стр. 391
فقال ﴿حق تقاته﴾ أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. فلما انضم هذا القول إلى ظنونهم، أزال الباري سح الإشكال، وفسر كلامه بما أرد من الحق وعناه، مثلما فسر قوله: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾. ولم يكن ذلك نسخًا، بل كان تفسيرًا وبيانًا لمقدار الحق. كذلك ذكر مقدار الحق ههنا بالاستطاعة. فبطل ما ادعوه من النسخ.
٣٥٩ - قول النبي صلعم عند العقبة ((إن الزمان قد استدار
كهيئة يوم خلق الله السماوات والأرض)) وما معناه؟
قال العلماء: إنما أراد ما شهد به سياق الخبر. وهو أنه قال إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا في كتاب الله، منها أربعة حرم، فأخبر أن الشهور اثنا عشر شهرًا، وأن منها أربعة حرم. والجاهلية بدلت وغيرت بما كانوا وضعوه من النسيء، وغيروا شهرًا، فكان شهر. فلما جاءت شريعته صلعم أزال تغييرهم وأعاد تحريم ما حرمه الله من غير تبديل ولا تغيير. فعادت الشهور على ما كانت يوم خلق الله السماوات والأرض.- والله أعلم.
٣٦٠ - استدل حنبلي في مسألة الخلوة بقوله: قضت السنة أن من أغلق بابًا أو أرخى سترًا فعليه المهر، دخل أو لم يدخل.
стр. 392
فاعترض حنبلي لسائل شافعي ذنب عليه، فقال: فلابد من إضمار. أنت تضمر ((أرخى سترًا وراءه خلوةً بها، )) ونحن نضمر ((أرخى سترًا واستمتع بها)). وليس إضماركم بأولى من إضمارنا.
وجرى إلزام التسليم من جهة من عليه الدم لنفسه إلى ولي الدم، وأنه يمكن ولا يكون جاريًا مجرى الاستيفاء.
فقال حنبلي: ليس التسليم بغير العقد، من تسليمٍ صدر عن عقد، بشيء. لأن القاتل، لو مكن من نفسه ثم مات، أو لم يمكن منها لكن أجاب، لما أنفذ إليه الولي يطالبه بالتسليم، بـ ((أنني مستجيب لتسليم نفسي)) ثم ما يسلم، يسقط عندنا وعند الشافعي بموته البدل، بل عدلنا من القود المتعذر بموت الجاني إلى البدل الآخر، وهو المال. وهنا لو مات الزوج أو الزوجة، كما العوض واستقر لكمال الألفة مع عدم المتعة، كذلك جاز أن تكون خلوته بها مع البدل يقرر المهر، لمكان كمال البذلة منها وإن عدمت المتعة.
٣٦١ - قال عالم ينطق بال حكمة: لنا أمران، أحدهما لا تحمد عاقبته إلا بالكثرة والشركة، والآخر لا يصلح إلا بالوحدة، وتفسده الشركة. فالأول
стр. 393
الرأي. فإن المشورة أمر بها القرآن، واتفق العقلاء أجمع على الاجتماع لها والمشاركة فيها. والثاني الإمارة والملك، لا يتم صلاحه ويؤمن فساده إلا بالوحدة. والقرآن شهد بذلك حيث قال: ﴿لو كان فيهما آلهةٌ إلا الله لفسدتا﴾ وقال قائلهم يوم السقيفة، لما قالت الأنصار ((منا أمير ومنكم أمير)): ((سيفان في غمدٍ لا يصطلحان أبدًا)).
٣٦٢ - جرى فصل في مسألة الزكاة في مال الصبي
قال حنبلي: الصبي من أهل المؤاساة في ماله، بدليل نفقة الأقارب، فكان في مؤاساة أهل دينه كذلك، لقرب ما بين الدين والقرابة من جهة الرحم.
قال له حنفي: أنا لا أمنع معنى المؤاساة في صرفها، لاعتبار الحاجة والفقر الذي هو أهل للمؤاساة. لكن المغلب التعبد، لأنه مال يستحقه الله سح. ولذلك نعتبر له إخلاص النية، ويتعقب ذلك التطهير، بقوله: ﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾. والتطهير فعل الله وهو نفع ديني لا يتحصل إلا من الله وهو سابق لنفع النفقة. لأن التطهير يحصل بالدفع، ولو إلى ساعي الإمام. ثم يتعقب ذلك نفع الفقراء بالإغناء ورم الشعث. فدل على أن المغلب التعبد. فإذا كان هذا هو المغلب، بطل التعلق بالمؤاساة لكونه من أهل المؤاساة، ووجب إخراجه منها لخروجه من أهل التعبد الذي قد بينا أنه هو المغلب دون المؤاساة.
стр. 394
٣٦٣ - وجرت [مذاكرة] في مسألة الأعيان قبل ورود الشرع ما حكمها
قال حنبلي ينصر أحد الوجوه الثلاثة: إن أصلنا أن العقل لا يبيح ولا يحظر. فإذا كان الشرع لم يرد بإباحة ولا حظر، تعذر طريق الإباحة والحظر. فإذا تعذر طريقهما، فلا وجه للفتوى بواحد منهما، لأنه لا يبقى لنا طريق إلا الحدس والحزر. ولا يرضى ذلك لأحكام الله سح طريقًا.
اعترض معترض، فقال: لا أسلم هذا الأصل، بل العقل لا قضايا، من جملتها الإباحة والحظر. ومما قضى به العقل، مما لا خلاف فيه، ولا يمكن المخالفة فيه لأهل الإثبات، قضاؤه بحدث العالم وأن له حادثًا وصانعًا. ومن قضاياه أن كل محدث فلابد له من محدث. ومن قضاياه أن إحكام الصنعة لا يحدث إلا من عالم، لأن من الإتقان إعدادًا لمستقبل، ولا بعد المستقبلات إلا عالم بالثاني والمآل. ومما قضى به تصديق الرسل- صلوات الله عليهم- بما أوجبته دلالة صدقهم، وهي المعجزات. فلابد بعد هذا كله أن يترتب على قضائه بالصانع بكونه عالمًا وبتصديق الرسل أن يقضي على أقل الأحوال بحسن تصديقهم. لأن الصحة حكم والحسن حكم. فكيف يرضاه لأحد الحكمين، ولا يرضاه للآخر؟ وكيف يعطل قضاياه في أحكام أفعالنا، وما عطلناه بل أعملناه في أحكام أفعال الصانع؟
стр. 395
ولأن هذه المقالة تقرب من السفسطة. لأن أصحاب سوفسطا عطلوا الحواس عن دركها. وأنتم عطلتم العقل عن دركه. وخصيصة العقل الفرق بين الجائز والمحال، والواجب الجائز، والحسن والقبح.
ومعنا كلام يدل على أن إجماع العقلاء على ما قلنا. وذلك أنهم أجمعوا على أنه ما ورد الشرع بما يخالف العقل. فلو لم يكن للعقل قضايا، ففي أي شيء تحصل الموافقة أو المخالفة؟ إذ لا موافقة ولا مخالفة إلا لما له حكم وقضية. ألا ترى أن قائلًا لو قال ((إن فلانًا الفقيه لا يفتي إلا بما يوافق فلانًا)) لم يعط ذلك إلا موافقته لمن له فتوى ومقالة. ومن كان عاطلًا عن الحكم فلا موافقة له ولا مخالفة.
ولو لم يكن في العقل حسن وقبح، من أين كنا نعلم التنبيه؟ وليس الأولى في النهي عن التأفيف إلا كون العقل عالمًا بطبقة قبح الضرب والشتم، وأنها طبقة عليا تنبه عند نهي الشارع عن طبقة التأفيف وهي دونها في القبح.
قال الحنبلي: إنني لم أعطل العقل عما له وعما يجب له، ولا أعطيه ما لا يستحقه. فحده درك المعلومات، لأنه عندي ضرب من العلوم الضرورية. وليس من ضرورة العلم أن يدرك الوجوب والحسن والقبح، كما أنه ليس في قوى الحواس المدركة للمطاعم والمشارب والعقاقير، فتعلم
стр. 396
ألوانها وطعومها وأراييحها، أن تدرك مضارها ومنافعها وخواصها، بل تدرك مداركها منها، وتقف في حدها إلى أن يجيئها [الحكم] من قبيل معنىً زائدٍ عليها: وهي التجارب، أو النقل من المجربين، أو الوحي والإلهام للمرسلين. فالإباحة والحظر ليست بأكثر من المنع لمضرة ومفسدة وغائلة غير محمودة أو سلامة عاقبة في تناوله. وهذه الأحكام للأعيان، كالمضار والمنافع والخواص في العقاقير. وكما لا نكون بسلب علم ذلك بدرك الحواس باخسين للحواس حظها ولا مسفسطين فيها، كذلك إذا وفينا العقول حظها من قضاياها العلمية لما تدركه من الاستدلال، ولم نعطها فوق حقها من التحريم والإباحة والإيجاب، لا نكون مسفسطين، بل نكون آخذين بالجزم، حيث جرينا في موضع الجري، ووقفنا في موضع الوقف.
قال المعترض: فقد بخست العقل حظه. فإن في قواه أن يخبر ويعلم بالنظر الذي قضى به على إثبات الصانع، والقول بأنه عالم، والعلم بصدق الصادق عنه. ويمثل ذلك النظر الصحيح نظر في هذه الأعيان، مأكولة ومشروبة، ومركوبة وملبوسة، وجالبة للنفع ودافعة للضر.
فقسم الأمر فيها ثلاثة أقسام، فقال: لا يخلو أن يكون خلقها لنفسه، أو لنا، أو عبثاً. لا يجوز أن يكون لنفسه، إذ لا يليق بذاته الضر ولا النفع- تعالى عن ذلك! ولا يجوز أن يكون عبثاً، لما ثبت من حكمته وما نطق
стр. 397
به كتابه العزيز: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلًا﴾. لم يبق إلا أنه خلقها لنا. وشاهد خلقها لنا ظاهر. وهو أنها بحسب حوائجنا وأمزجتنا حامض وحلو ومر، ومسهل ومقبض، ومروٍ ومشبع، وإلى ما شاكل ذلك. فكل شيء معد لمعنى من أمزجتنا وعوارض أحوالنا. والإناث للذكور كالحلقة للزرفين. والبهائم كلٌ منها لمعنى من مركب ومحلب، على ما ذكره الله سح. ثم نطق بذلك وصرح به، فقال: ﴿خلقها لكم﴾، ﴿وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض﴾. وساق الآيات. وما كان في النظر كذا لا يعطل. وما جلبه الاستدلال العقلي لا يهمل ويطرح. فقد بان أنه من قوى العقل.
فأجاب الحنبلي المستدل بأنك فرطت في التقسيم، وأسقطت قسمًا هو الذي علقنا عليه الحكم. وهو الوقف. وهو أنه خلقها كذلك بلوى لنا وامتحاناً. والدليل على ذلك أنه لو كان دليلك ونظرك الذي أبديته موجباً كونها مباحةً لنا، حيث كان الباري لا ينتفع ولا يستضر، ولا ينتقص ولا يفتقر وأنه غني، لكان هذا موجبًا قبح منعه لنا. لأن المانع منا للاستظلال بظل جداره، والاصطلاء والاستضاءة بناره، وغرفة من نهره لبل رمق عطشان، يكون بخيلاً مذموماً، لما ذكرت من غنائه عن ذلك وعدم استضراره بالانتفاع به.
стр. 398
وكل الأعيان بالإضافة إلى قدرته وغنائه أحسن وأهون من ضوء النار وظل الجدار، بالإضافة إلى آحادنا. لكنه، مع ذلك كله، جاء الشرع عنه على ألسنة الصادقين بتحريم أعيان، وكراهة أعيان، وإباحة أعيان. فقد بان بذلك أنه لم يبق وجه للمنع إلا أحد أمرين. إما امتحانًا وابتلاءً، أو لمصالح علمها في المنع والحظر لبعضها، والإباحة لبعضها، وتحريم بعضها في وقت، وإباحته بعينه في غير ذلك الوقت، ونقل الأحكام بالنسخ من إباحة إلى حظر، وإيجاب إلى إسقاط، وإلى أمثال ذلك. فإذا كان كذلك، وقد ورد على هذا الوجه، صارت الدنيا وما فيها من العقار والأعيان كدكان عطار فيه أنواع من الأشربة والأدوية التي لا تصلح إلا لنا، غير أنا بالمضر منها من النافع غير عالمين، والصالح المزاج بعضنا دون بعض جاهلين، وبالإقدام على تناول بعضها غير آمنين. فلم يك بد لنا من الوقف إلى أن يجيء الإذن من جهة العالم بالضار منها من النافع، كما لا يجوز الإقدام على عقار من تلك العقاقير إلا بإذن طبيب حاذق وصيدلاني عارف يعرف هذا عين الدواء، ويعرف هذا ما يصلح له.- والله أعلم.
قال المعترض: فهذا يوجب أن نتوقف في زمن النبوات عن الإقدام على مداومة الأفعال، خوفًا من التحريم بالنسخ، ولأن العقل قد قطع على أن الماء البارد والخبز المشبع نافع بعاجل الحال، ويتوهم الضرر والتحريم، فلا يعطل العقل عن قضية عاجلة لتجويز قضية تخالفها آجلة.
стр. 399
قال الحنبلي: أما التمسك بالحكم الذي ثبت شرعًا، فذلك متحقق بطريقة المعصوم. والترك له والعدول عنه لا يجوز إلا بنطق مثله. ولو اطرحناه بالتوهم لتعطل أكثر أحكام الشرع.
وأما قولك إن الماء متحقق منفعته، فلا عبرة بطلب النفس وحنينها إلى الماء وعلمنا بأنه يروي. لأن الماء الذي تتطلبه النفس لحاجتها إليه قد يكون مسمومًا سم ساعة. فيحصل الضرر عاجلًا، وتقطع المنافع الآجلة. ولو جاز أن ننظر إلى مثل هذا، لنظرنا إليه بعد نهي التسارع عن التناول، فنقول: نحن نتحقق نفع الماء البارد في نهار آب، فلا نتعجل الامتناع منه بالصوم المقشف للأكباد لأجل ثواب آجل ودفع عذاب آجل. فلما لم يجز الاعتماد على ذلك بعد النهي، كذلك لا يجوز مع تجويز الحظر من جهة الشرع.- والله أعلم.
٣٦٤ - جرى بمجلس الشيخ الإمام إبراهيم الدهستاني
مسألة تقديم الزكاة قبل [حؤول] الحول
قال شافعي مستدل على مذهبه، وهو مذهب الجماعة سوى مالك، فقال الشافعي: إن القصد بالزكاة في أول وضعها المؤاساة. بدليل أنه قصد بها محال الإرفاق والحاجة بين فقر ومسكنة وصاحب جعالة لفك رقبته من الرق. وإذا امتنع من أدائها، أخذت منه قهرًا عندنا جميعًا،
стр. 400
وعند أبي حنيفة يحبس حتى يخرجها، فغلب فيها طريق المؤاساة. فالتعجيل أحسن في المؤاساة وأنفع للفقراء. وإنما جعل للتأخير رفقاً برب المال إلا الرفق بالفقراء، كان ذلك أحسن. فلا وجه للمنع منه.
اعترض مالكي فقال: إن المؤاساة آخر أمرها. وإلا فالتعبد هو أول وهلاتها وأكبر مقاصدها. ولذلك تجب النية وإخلاص القصد، ولاسيما على قولكم. وإنه لا يجوز إخراج القيم، بل يقف على ما ورد به النص مع حصول المؤاساة بالقيم ولهذا لو دفع المال إلى الفقير، فقبل ارتفاقه به هلك، لم يجب على رب المال غرامة. ولو كان المغلب المؤاساة، لغرمها، ما لم يتحقق سد خلله بها، كما نقول في نفقة الأقارب.
وقال من ينصر طريقة أبي زيد- أن المغلب سياسة الدنيا في الحدود، وأنها ليست آخرته لله سح: إن مراعاة الشرع في العبادات صورها لإقامة سياسة الدين. لأننا نضرب المكلف ليصلي، وقوم ينخسونه بالحديد إلى أن يموت أو يصلي. وهل هذا إلا عناية بصور العبادات ليظهر امتثال أمر الشرع؟ وإلا فلو كان المغلب التعبد، كان متى امتنع، تركناه إطراحًا له، حيث لم يحصل طائعًا باعتقاده ونيته.
стр. 401
٣٦٥ - وجرت مسألة المماثلة
قال حنبلي ينصر إحدى الروايتين: إن الأطراف إذا قطعت، وزهقت النفس، صارت نفسًا وسقط حكم الأطراف. بدليل أن الدية تكون واحدة. ويمثله لو تفرقت واندمل كل طرف، وجبت ديات. وإذا ثبت هذا في الدية، كان في باب البدل الآخر، وهو القصاص الذي يسقط بالشبهة، أولى.
اعترض عليه حنبلي آخر، للرواية الأخرى ولمذهب الشافعي، فقال إن القصاص وضع مجازاةً وعقوبةً حافظًا للدماء، كما قال سح: ﴿ولكم في القصاص حياةٌ﴾. وكما أن بنا حاجة أن نحقن أصل الدم، بنا حاجة أن نعصم عن وصفه، وهو المثلة. وقد أشار النبي إلى ذلك، فقال: من حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه. وهذا تخصيص منه للصفة بالمقابلة.
٣٦٦ - وجرت مسألة من استحق دمه
فقطع ولي الدم يده ثم عفا
وفيها المذاهب الأربعة. الشافعي يسقط الضمان في اليد، وأحمد يوجب الدية- أعني دية اليد، وكل عضو يقطعه، ثم يعفو عن النفس، ومالك يوجب القود فيه، وأبو حنيفة، إن عفا، أوجب الدية.
قال فيها حنفي: قطع محرم، فأوجب الضمان.
стр. 402
اعترض شافعي فقال: باطل بقطع يد المرتد، فإنه لا يحل للإمام ولا لآحاد الرعية، ومع ذلك فلا ضمان فيه. وكذلك إذا قطع المستحق عليه القود في التعزيز، ثم عفا عنه، ثم قتله، فإنه قطع لا يجوز ولا يجري فيه الضمان.
قال حنبلي: مذهب أحمد أحسن المذاهب. لأنه جعل التصرف في طرف نفس مستحقة شبهة لإسقاط القود، ووضعه الحديدة في غير المحل المستحق. لأن من له النفس ليس له أخذها واستيفاؤها بقطع الطرف، وكان هذا تعد يوجب مثله الضمان.
قال مالكي حاضر: مذهبنا أحسن المذاهب. لأن الطرف جملة بنفسه، ليس بعضًا للنفس، بخلاف الأصبع من اليد المستحق قطعها، لأنه بعضه. وإذا لم يكن بعضًا للنفس، كان قطع الطرف استيفاء أو إتلافًا لمحل يقبل إتلافه إيجاب القصاص من غير استحقاق له، فوجب القصاص.
قال له الحنبلي: هو وإن لم يكن بعضًا، إلا أنه في محل لا يخلو من نفس. ولهذا لو تلفت النفس، كان قتلًا حصل به استيفاء القود المستحق في النفس. فلا يجوز أن يكون في محل مستحق. وهو وإن لم يكن بعضًا، إلا أنه تبع له يتلف بتلف النفس، ولا يتخلف بعدها. ثم مع هذه الشبهة يستحق القود فيه.
قال الشافعي: القطع وجد في حالٍ أنتج لهذا القاطع إتلاف النفس،
стр. 403
فلا وجه لضمانه، كما لو لم يعف. ولأن العفو الذي حقن طرأ بعد قطع اليد، فلم يوجب ضمان اليد، كإسلام المرتد بعد قطع يده، ودخول الصيد الحرم بعد أن قطع قاطع طرفه. فإنه لما كان دخول الصيد إلى الحرم وإسلام المرتد بعد قطع الطرف غير موجب للضمان، كذلك العفو هنا بعد قطع اليد.
قالوا له: الإسلام ودخول الحرم لم يوجد من جهة القاطع.
قال الشافعي: إلا أنه، وإن كان من جهته، لا يوجب، كما لو قطع الطرف، ثم عفا، ثم مات المقطوع.
قال الحنفي: الطرف تابع للنفس، وقد صارت النفس مضمونة بالعفو. ولهذا، لو قتله بعد العفو، ضمنه. وإذا صارت النفس مضمونة، تبعها الطرف.
قال الشافعي: هو تابع للنفس قبل القطع. فأما بعده، فلا. لأنه حصل مثبتًا له، ثم طرأ العفو، فعاد العفو إلى ما بقي دون الطرف. وما سقط قبل العفو لم يؤثر فيه العفو، كالإبراء بعد الاستيفاء.
٣٦٧ - فصل في قوله تع: ﴿فبظلمٍ من الذين هادوا حرمنا عليهم طيباتٍ أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا﴾، ﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾. فأخبر سح وتع أنه يحرم المباحات في زمان النبوات عقوبة على أكل المحرمات. والآن، فلم يبق طريق
стр. 404
للنسخ، فيحرم عليك، لكن احذر لا يحرمك. فإنه، كما يمنع بالتحريم منعًا شرعيًا، يمنع بالفقر تارة، مع وجود المشتهيات وتعذر الأثمان، وتارة يوجد المال، ثم يسلط على الأبدان أنواع الأمراض المانعة مع تأتي الأثمان وإباحة الشرائع. هذا من بعض عقوباته العاجلة. احذر لا يوقع فيك علة تستقذرك الزوجات والأولاد. من بعض أجناده الجذام القاطع بينك وبين سائر الأنام. قال سح: ﴿يمحق الله الربا﴾، ومن محقه إخراج المال في غير وجهه بجمعه، وبثمنه بالربا يخرجه من يدك على أحلى ما يكون في قلبك إلى العطارين والصيادلة والأطباء، لا في مستحليً، ولكن في حشائش مرة وتقطيع العروق وفتح الدمل. وتخرج ما جمعت منه في أكره مكروه. هذا من بعض محقه للربا. وإلا فيقلب الأسعار حتى لا يعود إليك رأس المال. هو إذا محق، محق، كما أنه إذا بارك، بارك.
تطلب الزيادة بالطريق الذي نهاك عنه، يحرمك الزيادة من حيث جرت العادة به. لا زرع يزكو، ولا بضاعة تربح. هذا جزاء عبد خالف مولاه بشهوة، لا حاجة.
٣٦٨ - سأل سائل: كيف ساغ لعيسى أن يقول: ﴿والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيًا﴾؟
قيل له: أولًا، ليس هذا نطقه، وإنما نطق، لأن لسان مثله في
стр. 405
السن التي كان فيها ليس بآلة للنطق. وإنما هو كاليد والرجل التي تستنطق يوم القيامة. وإذا كان مستنطقاً، كان الباري هو الذي أخبر عن حاله في المستقبل، وأنه يموت، ويوم يبعث يكون على حال السلامة، وما هو إلا كقول النبي نطقا من طريق الوحي: أنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر. هذا نطق عن الوحي، إذ لا اطلاع له بنفسه، ولا استدلال له على حاله يوم البعث.
٣٦٩ - وسئل حنبلي عن قول بعض أصحاب الشافعي من المجتهدين ((إن مني الخصي نجس)) مع قولنا ((مني الفحل طاهر)) وما وجه ذلك. فقال الحنبلي: إن شيخنا أبا الفضل الهمذاني ذكر أنه يحتمل أن يكون يختلط مخرج البول والمني، فينجس بملاقاة مجرى البول. وأنا أقول إن المني إنما كان طاهرًا، لأنه صار إلى حالة يخلق منه الآدمي، وهو طاهر. وإذا كان في حق الخصي، لم ينطبخ كما يجب، فيكون مبتدأ، فهو كالمذي والدم الذي لم يستحل منيًا، والعلقة، على قول من يقول بنجاستها، قبل أن تستحيل مضغة. فإذا كان لنا مبادئ نجسة، فهذا لعدم الانطباخ
стр. 406
أقرب إلى الدم وأبعد من المني. فكان إلى نجاسة الدم أميل منه إلى طهارة المني. ولهذا لا يخلق منه في الغالب ولدًا.
٣٧٠ - حادثة رجل اشترى جارية فوجد بعض أسنانها مقلوعاً
واشترى عبدًا فوجده أقلف
فقال شافعي: ذلك عيب يوجب الرد.
وأجاب حنبلي بأنهما إن كانا صغيرين، فلا يملك المشتري الفسخ. وعلل بأن الصغير جرت العادة بأنه يثغر ويعود سنه، وجرت العادة بأن يكون غير مجبوب. والغالب منه، في حق الأطفال، السلامة. فهو كما لو ابتاع عبدًا، فبان سارقًا، أو ممن يأبق أو يبول في الفراش. فإنه إذا كان صغيرًا، لم تك هذه عيوبًا يفسخ بها البيع، ويملك بها الرد، بخلاف ما لو كان كبيرًا.
قالوا له: أكثر ما في الصغر أنه يعود. وهذا لا يمنع أن يكون عيبًا بعاجل الحال، كما لو اشتراه فوجد به جرحًا يندمل غالبًا، ويبرأ عن غير شين. وكذلك إذا اشتراه فوجد به حمى أو صداع، فإنه يملك الفسخ. وذلك اعتبارًا بحاله. لا بثاني حاله.
قال الحنبلي: إنما الاعتبار بما ذكرت من الثاني دون الحال، وإلا فالبول في الفراش عيب في الحال في الجارية والغلام. والدليل عليه في
стр. 407
حق البالغ، عندنا وعند الشافعي، وفي الجارية خاصة، عند أبي حنيفة، ثم كان لأجل الصغر، وأنه يرجى زواله في ثاني الحال بحكم العادة، ليس بعيب يرد به المبيع. وكذلك عدم النطق في حق الصغير جعل في حق الصغير، عند أبي حنيفة، مانعًا عن كمال القصاص وجري القصاص، ولا يكون عيبًا يوجب الرد في حق الطفل وإن منع كمال الدية في حقه. وكذلك إذا قلع سن صغير لم يثغر، فإنه يجب دية السن المقدرة، لأنه يعود في العادة نظرًا إلى ثاني الحال، وإن كان جناية، وتعييبًا في الحال، وتشنيعًا للخلقة، وتقبيحًا للفم والمبسم، ومشعثًا لآلة النطق، ومخلًا بصحة الكلام، لفساد حروف الصغير، وهي السين والصاد.
٣٧١ - فصل
الأمراض مواسم العقلاء يستدركون بها ما فات من فوارطهم وزلاتهم، إن كانوا من أرباب الزلات، ويستزيدون من طاعاتهم إن لم يكونوا أرباب زلات، ويعتدونها، إن خلصوا منها بالمعافاة، حياة بعد الممات. فمن كانت أمراضه كذا، اغتنم في الصحة صحة، فقام من مرضه سليم النفس والدين. والكامد ينفق على الأدوية، ويعالج الحمية، ويوفي الطب الأجر، وليس عنده من علاج دينه خبر. فذاك ينصرع بالمرض انصراع السكران، ويفيق من مرضه إفاقة الإعداد لسكر ثانٍ.
стр. 408
٣٧٢ - فصل
احذر ممن إذا غلبت عليه حال من الأحوال، استحال حتى لم يظهر فيه تقييد العقل عن الشطح، وإن غضب، تأسد، فلم يبق فيه ما يكفه عن الصول، وإن اعتراه النهم، خرج بصورة رخم ساقطًا على ما وجد من المطاعم، لا يلوي عن تناول المستقذرات في الطبع والمكروهات في الشرع، وإن عرض بها طالب الحق ومقتضي الشرع راغ روغان الثعلب، لا يمزج روغانه ثبات، ولا إصغاء إلى إذعان، ولا استجابة لهذا الشأن. فهذا لا يدخر عنده الإحسان، لأنه كالوعاء المخترق، ولا يرجى منه الخير. فاحذر معاشرة أمثاله، فإنها من أعظم الأخطار. ومجموع هذا في كلمة: لا تعاشر متلونًا.
٣٧٣ - جرى في بعض مجالس المذاكرة أن قال قائل: الحمار حرام. فقال له حنبلي: ليس كل حمار، ولا عند كل مفتٍ. فحمار الوحش حمار، وليس بحرام. ومالك مفتٍ وإمام، ويفتي بإباحته على الإطلاق.
قال قائل: فهل كل من يفتي بتحريم الحمار يفتي بتحريم البغل؟
قال الحنبلي: لا، بل لنا بغل مباح، على مذهبنا ومذهب الشافعي وأبي حنيفة، مع قولنا بأن الحمار الأهلي حرام. وذلك يتصور في بغل مخصوص، وهو فرس نزا على أتان وحشية فأولدها. فإنه يولدها بغلًا
стр. 409
مركباً بين حيوانين مباحين، الفرس وحمار الوحش.
٣٧٤ - قال حنفي في مسألة الدين يسقط الزكاة: إنا أجمعنا على أن عبد خدمته وثوب بذلته ودار سكناه، كل هذه، لما كانت معدة لحوائجه، إذ كان المخلوق مناط الحاجات، كان المعد لحاجته، لما استوعبته حاجته، لم يجب فيه زكاة. وهذا الدين مشغل لذمته بحقين له في دنياه وآخرته. فكان ما في يده من المال مستوعباً في هذه الحاجة، فلا وجه لإيجاب الزكاة فيه.
٣٧٥ - وجرى فيها أيضًا أن قال الحنفي: هذا يأخذ الزكاة بحكم الحاجة. فكيف يؤخذ منه الزكاة بحكم الغناء؟
قال الشافعي: ليس يمتنع أن يكون غنيًا بما في يده، بحكم أنه مال زكائي حال عليه الحول. ويأخذها بحكم أنه يبرئ ذمته، وهو إلى إبراءٍ محتاج. وهذا، كما قال أبو حنيفة، يأخذ العشر ويخرج العشر ولو من عشر بسرات. فيخرج العشر بحكم ما له من القليل الذي لا يوجب له الغناء، ويخرج عشره بحكم أنه ملك مالًا له عشر. وكذلك ابن السبيل يأخذ العشر وريع العشر، ويخرج من ماله في بلده ذلك من سائر أمواله.
قال الحنفي: فالمعنى الذي حققت به حاجته إلى إبراء ذمته من عزمه
стр. 410
ودينه هو الذي جعل ماله وغناءه كلا مال ولا غناء. من حيث إن إبراء ذمته حاجة ماسة، أمس وأوحى وأسرع من حاجته إلى استخدام عبيده في مستقبل الحال. وقولك إنه غني بماله لا يمكن أن يعود فيجعله غنيًا بما حاجته مستوعبة أو ماسة إليه. وهل يجوز أن يقال إنه غني بعبيده وخدمه ومراكبه ودوره، بحيث يجب فيها زكاة مع وجود حاجته إليها وإعداده لها لخواص أغراضه؟
وأما العشر فليس بزكاة، عند أبي حنيفة. ومن كان عنده، وهو أحمد، فإنه لا يوجب فيه مع الدين، في إحدى روايتيه. وابن السبيل فقير يدًا، غني مالًا. وهو أن جسده في بلد الغربة وماله في بلده. فيأخذ ما يتبلغ به لفقر يده، ويخرج عن المال. وههنا المال والبدن مجتمعان، وهو على ماله يعول في قضاء دينه وإبراء ذمته، فيجده. ولو عول على ماله في بلد الغربة، لما وجده مرفقًا ولا معينًا. فأين هذا من ذاك؟
٣٧٦ - فصل
إذا عجب من أمر أخبر به عن الله تعجب استبعاد، كان ذلك قادحًا في المعرفة. فإن كان التعجب في حق نفسه بأن يكون الخبر بإكرام، وهو يرى نفسه دون ذاك، فليس بنقص قادح. مثال الأول: ﴿أنى يكون لي
стр. 411
غلامٌ وقد بلغني الكبر﴾، ﴿أنى يكون لي ولدٌ ولم يمسسني بشرٌ﴾، ﴿ءألد وأنا عجوزٌ وهذا بعلي شيخًا﴾، ﴿أنى يحيي هذه الله بعد موتها﴾. هذا كله قادح. وقد بان من جوابه حيث قبل العجبين من أمر الله. وقال الآخر: ﴿هو على هينٌ وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئًا﴾. وقال الثاني: أو قد ذكرت هناك.
٣٧٧ - جرت مسألة تولي ابن العم طرفي العقد
تزويجها لنفسه
فقال مالكي: فيه السببان: القرابة الصالحة لتزويجها، وكونه أهلًا لنكاحها. فوجب أن يصح.
اعترض عليه حنبلي، فقال: غاية ما تدعي من القرابة أنها سبب لتزويج بنت عمه من الأجنبي. وكونه سببًا هناك لا يعطي كونه سببًا لتزويجها من نفسه. لأنه لا يكمل النظر لها مع كونه مزوجًا لها من نفسه. لأن طلبه للحظ لنفسه لمحبته لها يوفي على النظر لغيره، بل يعمي عن عيوب نفسه، فلا يزال يستر عيوب نفسه ويتغاضى عنها لتحصيل الغرض لها. فكمال القرابة لا يغني مع وجود سبب التهمة. ألا ترى أن الأب العدل تكامل فيه سبب الشهادة في حق غيره، ولا تقبل شهادته لولده لكونه متهمًا بإشفاق الأبوة للبنوة؟
стр. 412
٣٧٨ - وجرت مسألة شهود القتل إذا رجعوا
قال حنبلي: لا يخول أن يكونوا مسببين والولي المباشر، فكان يجب أن لا يضمنوا. لأن أصحاب السبب لا ضمان عليهم مع أرباب المباشرة، كما لا قصاص عليهم مع وجود المباشرين. وإن كانوا في حكم المباشرين، فلم لا يقتلون؟ ومعلوم أن عند أبي حنيفة أن الولي لو قال ((عمدتإلى الكذب في الدعوى))، وقال الشاهدان ((عمدنا الكذب في الشهادة))، وقال الحاكم ((علمت ذلك وحكمت)) فلا يقتل واحد من الجميع. ولو أن الولي أقام على الدعوى ورجع الشهود غرم الشهود الدية، ولم يغرم الولي شيئًا.
٣٧٩ - وجرت في مسألة جنين الأمة
قال حنفي: يعتبر بنفسه. فإن كان ذكرًا، وجب عليه نصف عشر قيمته، لو كان حيًا، وإن كان أنثى، وجب عليه عشر قيمتها في نفسها. وذهب أحمد رضه والشافعي- رحمة الله عليه- إلى ضمانه بعشر قيمة الأم. ولا يعتبر بأمه، لأنه مجني عليه. فكان الاعتبار في الجناية بمحل الجناية، كسائر محال الجنايات.
قال حنبلي معترضًا عليه: أنا أقول إن الجناية أول ما صادفت الأم،
стр. 413
فأثر فيها قبل تأثيرها في الجنين ما حصل من الآلام التي أثرت في أعضائها الشريفة. وهو، في كونه لطيفًا باطنًا، يروي بريها ويعطش بعطشها ويتدنق بتدنقها. ويؤثر ذلك أثرًا ظاهرًا. حتى إنه يسقط غير كامل، قبل أوان خرجوه. وما ذاك إلا لشدة تعدي التدنق والتشوق إلى الرائحة، مثل رائحة البطيخ والسكباج والشواء الحار. وإذا حميت الأم، حمي الجنين. وإذا كان جاريًا من هذا الوجه مجرى الأعضاء الباطنة فيها، ونحن في جناية، أول ما تقع المباشرة بالأم فيها. فكيف يتحقق كون الجنين محلًا للجناية وغاية ما ينتهي إليها إنما هو كالسراية؟ فلا تتحقق العبرة بالجناية على الجنين وأول ما أصابت وباشرت الأم. وهذا فصل حسن يجبر خاطر الحنبلي. وهو من أفقه الفقه. وإذا جرى مجرى الأعضاء كانت العبرة بأصله. فهذا من جهة الحقيقة. ومن حيث الأحكام، سراية العتق منها إليه ومنه إليها في باب الاستيلاد أعتقها ولدها. وإذا ضربها ضارب فماتت، وسقط الجنين ميتًا، فعمهما الموت، يقطع بأن الجناية قد عمت. ومع ذلك لا يختص الجنين عندهمبضمان. وخالفونا في ذلك. ولا يعتبر بقيمته بالغة ما بلغت، بل ينقص من قيمته عندهم. ولنا ما يعتبر بنفسه في باب تقويمه عند إتلافه ينقص ويحط من قيمته إلى بعضها. ولنا ما يعتبر بغيره فيحط من قيمة ذلك الغير، وهي الأعضاء.
قال الحنفي: هو نفس قائم بذاته. بدليل ضمانه بالكفارة، وكونه
стр. 414
يورث عنه، وأن ضمانه يكون لورثته لا لأمه خاصة. ولو كان كالأعضاء، لكان ضمان جنين الحرة لها، كما أن الأمة لسيدها، ولكان يدخل في ضمان غيره، كالأعضاء. فلما لم يدخل بدله في بدل غيره، بخلاف الأعضاء، فإنه لا يجب لها كفارة ولا تملك. والجنين حكم تملكه لبدله، حيث كان موروثًا عنه. ثم إن بدله لا يدخل في بدل غيره. وهذه أحكام كلها تشهد بأن له حكم النفس والذات المنفردة، لا حكم الأعضاء التابعة. ولست أقول في جنين الحرة أنه يجب فيه عشر دية أمه، ولا نصف عشر دية أبيه، لكن أوجب فيه نصف عشر دية نفسه.
قال الحنبلي: لو اعتبر بنفسه، لاعتبر بقيمته بالغًا ما بلغ. فلما لم يعتبر بقيمته، دل على أنه لا عبرة به، ولا تحقق حكم المحلية فيه، ولوجب أن تكون الأنثى على النصف من الذكر، كالحرين، أو يكون ضمانها سواء بالغًا ما بلغ، كالعبد والأمة. فلا بحكم النفوس الحرة ألحقته، ولا بحكم العبيد والإماء جعلته. فأين العبرة به، وبكونه محلًا متلفًا، وأنت تضمنه ببعض قيمته؟ وأما إيجاب الكفارة والإرث عنه ضمان نفسه، فلا عبرة به في باب الضمان. ألا ترى أنه تجب الكفارة بإلقائه ميتًا إذا ماتت الأم، ولا ضمان فيه عندك؟ وهب أنه كان له حكم النفس المستقلة، من حيث ذكرت أنت، وكان له حكم الأبعاض والأجزاء، من حيث ذكرت أنا، فقد أعطيته أنا حكم الأمرين، حيث قلت بالتردد، لأنني
стр. 415
ضمنته في الجملة كما يضمنالأحياء وبمقدر. ثم أعطيته حكم الأعضاء حيث اعتبرته بغيره.
٣٨٠ - فصل جرى
أيما آكد التعصيب أو الفرض
فقال فقيه: التعصيب آكد. لأنه يستوعب التركة كلها تارة. وليس الذي فرض استيعاب التركة والعصبة يعصب غيره، فيتعدى تعصيبه إلى غيره. فيعصب الإخوة والبنين وبني الابن، والبنات يعصبن الأخوات ويتعصبن. وليس يتعدى فرض ذي فرض إلى غيره، ولا يجعل ذو فرض عن ذي فرض ذا فرض.
قال فقيه آخر: الفروض آكد. ولذلك إذا استوعبت كانت الفضلة للعصبة. فهم بمثابة الغلمان، لهم فضلات الموائد. بهذا نطق الشرع. فقال صلعم: ما أثبت الفرائض، فلا ولي عصبة ذكر. ولذلك تسقط أقوى عصبة، وهي البنوة، عند استيعاب ذوي الفروض. فإذا اتفق زوج وابنتان، وأبوان وابن ابن، لم يرث ابن الابن شيئًا، إذا لم يبق له شيء.
стр. 416
٣٨١ - جرى بباب المراتب المحروس زاده الله شرفاً وعزًا
في مسألة الحد في القذف هل هو حق لآدمي
قال شافعي: عقوبة تقف على مطالبة آدمي بها، فكانت حقًا لآدمي، كالقصاص.
اعترض حنبلي ذنب على حنفي فقال: إيقافه على مطالبة آدمي به، ما الذي يمنع من كونه حقًا لله سح وجعل إلى بعض عبيده المطالبة به، كما أن حد السرقة حق لله وجعل مطالبة الآدمي بالمال شرطًا؟ على أنني أقابل هذا الذي ذكرته من الخصيصة بخصائص حقوق الله فيه، وهو كونه حدًا ومنع الآدمي من استيفائه بنفسه، وكونه لا يسقط حده إذا أذن الآدمي في سبه بأن يقول له ((اقذفني))، بخلال القصاص الذي يسقط بقوله ((اجرحني)) و ((اقطع طرفي)) و ((اقتلني)). وإنه يختلف بالرق والحريةكما تختلف الحدود والديون. والقصاص لا يختلف باختلاف المستوفى منه.
قال الشافعي المستدل: إن الحقوق قد انقسمت. فعلامة ما كان منها لله كون المتولي له والمطالب به هو الإمام نائبه في سياسات الشرع، وعلامة حقوق الآدمي كون الآدمي هو المطلب بها المستوفي لها المبرئ منها، وإن تعاوض عنها صلحًا بالمال، كما قلنا جميعًا في القصاص، وكما قال مالك حيث جعله حقًا للآدمي تعاوض عنه بالمال. وأما إنه [للآدمي]، لو كان حقًا لله تع، لما كان لوقوفه على مطالبة الآدمي به وجه.
стр. 417
قال الحنبلي: قد أنكرت هذا منك، وإنما وقف على مطالبة الآدمي به، لأن هذا الحد مما يسقط بالشبهة. وعساه إذا سكت، يعلم من نفسه أنه في الباطن على ما قاله القاذف. فإن الزنا أمر يستسر به، ولا يعلمه إلا الله سح. وإذا سكت، لم يعلم أن الحد واجب لجواز أن يكون القاذف غير كاذب.
اعترض معترض على هذا، فقال: فهذا ليس بصحيح. لأن سكوته يجوز أن يكون لأن المطالبة تحوج الإمام إلى إقامة الحد. وإقامة الحد يشيع به القذف. ولعل أكثر أهل [الزنا] يؤثرون العفو والصفح، حتى لا يشيع ويذيع الطاعن في عرضهم والقذف لهم بالقبيح والفاحش.
قال الحنبلي المعترض: فالإشكال حاصل في الشبهة متمكنةً بكونه يجوز أن يكون سكوته لهذا أو لغيره.
٣٨٢ - جرت مسألة الطول
فقال مالكي: هذا قادر على صيانة جزئه وبعضه عن الاسترقاق، فأشبه من تحته حرة.
اعترض عليه حنبلي تذنيبًا على حنفي، فقال: إن قدرته على صيانة ما به من الاسترقاق لا تحرم عليه نكاح الأمة التي عساه ينعقد ولده منها
стр. 418
رقيقًا. كما أن قدرته على إزالة وصمة الرق عن نفسه وأبيه وابنه، مع تحقق وصمة الرق فيهم وفيه، لا يجب بها صرف المال في ابتياع نفسه من سيده، لا بكسبه ببذل الكتابة وابتغائها، ولا بفعل شرطٍ جعل السيد عتقه موقوفًا عليه. فلو قال له سيده، ((إن دخلت الدار فأنت حر))، وقال سيد أبيه له، وهو حر غني، ((إن دفعت إلي دينارً فأبوك حر))، لم يلزمه ذلك. فإذا كانت هذه الوصمة وهذه الرذيلة، إذا تمكنت في ذاته أو في أبيه وابنه، لم يلزمه التوصل إلى إزالتها، فأحرى أن لا يلزمه تجنب ما يفضي إلى حصولها في بعضه. أولا ترى أن الشرع حكم بإزالة الرق عن أبيه وذي رحمه أجمع عند قوم إذا ملكهم، وأوجب عليه الإنفاق إذا كانوا محاويج، ولم يجب التسبب إلى إزالة وصمة الرق عن نفسه وولده، فكذلك لم يحرم عليه عقد يفضي إلى استرقاق ولده. ولأن هذا أمر يشترك به المعسر والموسر والعبد، ثم المعسر لا يحرم عليه نكاح الأمة مع كون ذلك مفضيًا إلى استرقاق ولده، فإن عللت واعتذرت بحاجته، فكان يجب أن لا تبيحه إلا من يستمع بها فيقضي وطره منها دون أن تكون محلًا للعلوق. وذلك دأب الضرورات، كالضرورة إلى الأكل والشرب لا تبيح إلا قدر ما يقوت دون الشهوات. فلو أكل الميتة للضرورة، وأراد أن يتحلى مع أكل الميتة بفالوذج عقد بشحم الميتة، أو بعسل نجس، لم يبح ذلك. وهنا
стр. 419
يباح له التزويج بالأمة الشابة مع إمكانه أن يعف نفسه بمن جازت سن الحمل، وبمن لم تبلغ أوان الحمل، ويأتي في الموضع المكروه، على رواية عن مالك. إذ ليس ذلك محلًا للحراثة، وهو محل للمتعة. فهلا أوجبت عليه تجنب محل الحراثة، وقنعت في حقه بمجرد ما يعفه؟
قال: العجوز تهيج الشهوة ولا تعف.
قال الحنبلي: لو كان كذلك لما وجب الحد بوطء العجز، كما لم يجب بشرب البول والماء والنجس. فلما وجب بالزنا بالعجائز من الحدود ما يجب بالزنا بالشواب، بطل ما ذكرتم.
قال الحنبلي: وكان يجب، إذا كان تحته أمه كان تزوجها لعدم طول الحرة، ثم إنه وجد الطول، أن يبطل نكاح الأمة أو يجب طلاقها أو اعتزالها، حيث كان غنيًا بما تجدد من الطول عن إرقاق ولده. وهذا مما لا محيص عنه ولا عذر. ألا ترى أن من عدم الحلال من الطعام، ثم وجد الميتة، فإنه يأكلها، فلو وجد بعد أكلها والشروع في تناول قدرة على الطعام الحلال، وجب رفض الميتة؟ وكذلك جميع الأبدال التي تباح لأجل الضرورة.
أخذ المستدل يغير العبارة على المعترض ويقول: إن الحرية فضل، والفضائل لا يجب تحصيلها. فكذلك لم يجب أن يتسبب لتحصيل الحرية لنفسه ولأبيه وابنه.
فقال المعترض: إذا كان الفضل لا يحصل إلا بإزالة وصمة ورذيلة،
стр. 420
وجب باندراجه في طي إيجاب إزالة الرذيلة. ألا ترى أنه لما وجب إزالة الفسق، وجب وإن كان لا ينفصل عن تحصيل فضل هو العدالة؟ وهذا الرق رذيلة لا يزول إلا ويحصل فضل الحرية. وأكثر ما في الفرق بين تجنب نكاح الإماء لتوقي رذيلة الرق في ولده وجزئه، وبين إزالة الرذيلة عنه وعن ولده، أن الإزالة رفع للرذيلة بعد حصولها. ومنع نكاح للأمة توقي من رذيلة تحلق ببعضه. والشريعة سوت بين الأمرين، بدليل أنها أوجبت التترس من السهام قبل وقوعها، وأوجبت إزالتها عن الأبدان بعد وقوعها، إذا قيدت وعطلت. فلو وجب توقي الرق في البعض، لأوجبت الشريعة إزالته عن الكل والبعض والنفس ومن يجري مجرى النفس.
٣٨٣ - استدل حنفي بجامع القصر في
مسألة إضافة الطلاق إلى اليد
قال: أضاف الطلاق إلى غير محله، فلم يقع، كما لو أضافه إلى الشعر.
اعترض عليه حنبلي، فقال: إن أردت به أن اليد غير محل بنفسه، فلم لا تقول بوقوعه من طريق التقديرلإيقاعه على الجملة الفائض على الأطراف منها؟ فيكون التقدير في اللفظ ((يدك طالق لطلاق أوقعته على جملتك)). وذلك التقدير في الطلاق غير ممتنع، كما إذا قال ((اعتدي))، وكان تقديره ((اعتدي لطلاق أوقعته عليك))، وقوله ((استتري))، ويكون تقديره ((لطلاق أوقعته عليك)). ولأن أكثر ما في قولك أنه إضافة إلى
стр. 421
غير محله المعتاد، وليس يقف وقوع الطلاق على المحل المعتاد، كما لا يقف وقوعه على الزمان المعتبر شرعًا، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه، بل وقع في حال الحيض والطهر المجامع فيه، ووقع مع جميعه، مع كون هذه الأحوال أحوال بدعة لا أحوال سنة.
قال الحنفي: أنا اعتبرت محلًا يصلح لإيقاع الطلاق أصلًا. والجزء المعين لا يصلح للعقد ولا للطلاق. وإنما أوقع الطلاق بإضافته إلى ما يجري مجرى الجملة، كالجزء السابع، أو يعبر به عن الجملة. وأنا لما جعلت تقدير الطلاق في قوله ((اعتدي))، اعتبرت النية، وأنت لا تعتبر النية. فبطل اعتبار التقدير عندك في هذه الصورة، بخلاف ما ألزمتني من قوله ((اعتدي)). وأما قولك إن الطلاق لا يعتبر له حال، فكذلك لا يعتبر له محل مخصوص من الزوجة، فغير صحيح. لأن ذاك يختص الطلاق، لأن بيع الأمة في حال الاستبراء والبيع المحرم أو المكروه في وقت النداء يصح وينفذ.
قال الحنبلي: أما قولك في مذهبي لا أحتاج إلى النية، وتحتاج أنت في قوله ((اعتدي)) إلى النية، فماذا علتك من مذهبي؟ إنما أنا ألزمتك حيث نفيت وقوع الطلاق أن يوقعه الوجه الذي ذكرته. وهو لازم لك وإن لم أقل أنا بذلك على الوجه الذي تقوله أنت في ((اعتدي)). وكون الطلاق لا يختص بذلك، بل البيع مثله، لا يمنع إلزامي لك ذلك في الطلاق. فالجوابان جميعًا لا يفصل بينهما على قانون الجدل.
стр. 422
٣٨٤ - واستدل حنفي في وجود بعض ماء الطهور
هل يلزم استعماله مع التيمم
فقال: عدم الماء الذي يحصل به المقصود باستعماله، فلم يجب استعماله؛ كما لو كان محتاجًا إلى شربه لعطشه.
اعترض عليه حنبلي، فقال: ينتقض بالماء المشكوك في طهارته، وهو سؤر الحمار. فإنه لا يتحصل به الغرض، وهو يقين رفع الحدث لاستباحة الصلاة. ويلزم استعماله مع التيمم. وهل يفرق الحال بين قصور الماء عن رفع الحدث لعدم يقين طهارته، أو لقلته وقصور مقداره؟ ولأن رفع الحدث يجب بحسب القدرة، بدليل أنه إذا كان بعض أعضائه مجبورًا، أو بعضها بالخف مستورًا، أو بعضها مكشوفًا، وجب الغسل في المكشوف ومسح المستور؛ كذلك ههنا يجب غسل ما وجد له الماء، والمسح بالتراب عما لم يمسه الماء. وكذلك لو عدم بعض الأعضاء، فإنه لا يسقط غسل ما بقى منها، وإن كان الحدث لا يتبعض. لكن لما تبعض محل الحدث غسل ما وجد، كذلك إذا كان الماء يتبعض يجب أن يستعمل منه ما وجد. وهذا صحيح. لأن الحدث، وإن كان لا يتبعض، إلا أنا جعلنا ما يتبعض من محله موجبًا غسل ما بقي منه، كذلك الماء الطهور المستعمل فيه، إذا كان متبعضًا ووجد بعضه، وجب استعماله وإن كان الحدث في نفسه لا يتبعض. على أن الحدث بنفسه قد يتبعض
стр. 423
بتبعض محله. وهو إذا مسح على الخفين، ثم نزعهما، حصل الخلع لحدث يختص الرجلين.
وكان الحنبلي ألزم الحنفي إذا أهريق الماء في أثناء الطهارة فإنه يتيمم بناء على ما يحصل من رفع الحدث عن بعض أعضائه. فقال الحنفي: لا أسلم. بل لا يكون التيمم عما بقي، بل عن جميع الأعضاء. لأنه لما أهريق تبينا أنه لم يرتفع حدث ما غسل من أعضائه. كما تبين في كل جملة لا يتم ((إلا بكمالها، ولا يسقط عن المكلف إلا بانقضائها. مثل الصلاة إذا أتى ببعض ركعاتها، والزكاة إذا وجد بعض أجزاء نصابها، والحد إذا وجد بعض شروط أداته الزاد دون الراحلة أو الراحلة دون الزاد. والبينة إذا وجد بعض شهودها، وكل علة ذات أوصاف، وكل جملة ذات أجزاء وأبعاض، لا يكون بعضها في الغرض عاملًا كل الغرض ولا بعضه، كذلك ههنا. والجامع بينها وبين هذه الأصول التي ذكرتها أنه لو غسل جميع أعضاء حدثه إلا لمعة، كان جميع الموانع باقية ببقاء تلك اللمعة. فلا صلاة، لا مس مصحف، ولا قراءة، إذا كان جنبًا. وحكم الحدث باقٍ فيما غسل لأجل اللمعة التي لم يغسلها؛ كما أن إيجاب الزكاة غير حاصل بوجود أربعين من الغنم سوى جزء في شاة منها لا يملكه، لم يتحصل له ملكه؛ وشاهد وامرأة بالحق لا يفوته إلا شهادة امرأة أخرى لا يثبت به شيء من الحق. وعلى هذا. وإذا كان حكم الطهارة كذا،
стр. 424
صار تكليفنا له استعمال الماء في بعض الأعضاء، مع عدم حصول الغرض أو بعضه، عبثًا؛ فلا وجه لتكليفه. بخلاف إزالة بعض النجاسة عن المحل بما يجده من بعض الماء الذي يخص ذلك المحل. وكذلك بعض الستارة؛ لأن ذلك مما يتبعض. ولهذا يرتفع المانع عن المحل الذي ستره بعض السترة ويثبت حكمه.
قال الحنبلي: قولكم ((إنني لا أسلم رفع الحدث عما غسله من الأعضاء)) باطل بما لو وجد الماء فإنه ينبني على ما غسل؛ ولو لم يكن قد ارتفع الحدث عنها، لما صح البناء عليها بغسل ما وجد.
٣٨٥ - جرى بمجلسنا بالظفرية مسألة مفردة وهي من وجد مضطرً إلى طعامه،
فطلب منه الطعام الفاضل، أو الماء الفاضل، فمنعه فمات،
هل يجب عليه ضمان
قال شافعي: حفظ ماله؛ فلا يضمن ((تلف المضطر إلى ماله. كما لو احتاج إلى مائه لإطفاء حريق وقع في داره. وهذا لمعنى؛ وهو أنه أكثر ما فيه أنه منع تخليصه من الضرر الذي هو فيه. فأشبه إذا كاد يغرق فلم يخلصه مع قدرته على تخليصه، أو رأى أعمى يتردى في بئر، وهو قادر على توقيته منها، فلم يوقه حتى تردى وغرق في البئر.
اعترض عليه حنبلي ينفرد بهذه المسألة، فقال: إنه إن حفظ هذا المالك ماله، فقد منع هذا المضطر إلى الطعام والشارب حقه وواجبه؛ ولذلك
стр. 425
يأثم. ولذلك جاز للمضطر مغالبته على فاضل طعامه ومائه ويأخذه. وإن دافعه عنه، فآل الدفاع إلى نفسه، لم يضمن لمضطر نفس رب الماء والطعام. وإن تعلقت لإسقاط الضمان بحفظ المالك لماله، تعلقت في إيجاب الضمان في منع المضطر من حقه الذي أحاله لله به عليه. ومثل هذا المنع سبب إتلاف النفس. وليس هو بأقل من نفث في عقد وعقد وتر وتسليك إبر، وهو السحر الذي يموت عقيبه؛ ولا بأقل من حفر بئر في طريق هو شرط في هوي الواقع فيها، وثقله علة هبوطه، وخلاء أعماق البئر شرط لذلك، وكان سببًا للضمان. ومن علق الضمان على الأسباب، ولم يجعل منع الماء من الظمآن سببًا صالحًا لإيجاب الضمان، فقد أبعد النجعة وأسقط القياس. ولأن الشافعي قد قال لو حبس إنسانًا في بيت فلم يمكنه من طعام ولا شراب حتى مات أقيد به. فأي فرق بين حبسه عن القوام وبين حبس القوام عنه؟ وأما ما ورددت إليه من المسائل والأصول فلا أسلمه. فإن من كان معه قوى فاضلة يمكنه التخليص بها من الغرق والوقوع، كمن معه أموال فاضلة يستنقذ من العطش وفرط الجوع. فلابد من بذلها للمضطر إليها؛ فإن منعها ضمن. وأما إطفاء الحريق، واستسقاء البساتين، فتلك أموال لا يجب بذل الماء والرفق والسماد لها. والحيوان يجب له البذل؛ ومتى لم يبذل أثم. -والله أعلم.
следующие страницы →