Полный текст (756 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
غير محله المعتاد، وليس يقف وقوع الطلاق على المحل المعتاد، كما لا يقف وقوعه على الزمان المعتبر شرعًا، وهو الطهر الذي لم يجامعها فيه، بل وقع في حال الحيض والطهر المجامع فيه، ووقع مع جميعه، مع كون هذه الأحوال أحوال بدعة لا أحوال سنة.
قال الحنفي: أنا اعتبرت محلًا يصلح لإيقاع الطلاق أصلًا. والجزء المعين لا يصلح للعقد ولا للطلاق. وإنما أوقع الطلاق بإضافته إلى ما يجري مجرى الجملة، كالجزء السابع، أو يعبر به عن الجملة. وأنا لما جعلت تقدير الطلاق في قوله ((اعتدي))، اعتبرت النية، وأنت لا تعتبر النية. فبطل اعتبار التقدير عندك في هذه الصورة، بخلاف ما ألزمتني من قوله ((اعتدي)). وأما قولك إن الطلاق لا يعتبر له حال، فكذلك لا يعتبر له محل مخصوص من الزوجة، فغير صحيح. لأن ذاك يختص الطلاق، لأن بيع الأمة في حال الاستبراء والبيع المحرم أو المكروه في وقت النداء يصح وينفذ.
قال الحنبلي: أما قولك في مذهبي لا أحتاج إلى النية، وتحتاج أنت في قوله ((اعتدي)) إلى النية، فماذا علتك من مذهبي؟ إنما أنا ألزمتك حيث نفيت وقوع الطلاق أن يوقعه الوجه الذي ذكرته. وهو لازم لك وإن لم أقل أنا بذلك على الوجه الذي تقوله أنت في ((اعتدي)). وكون الطلاق لا يختص بذلك، بل البيع مثله، لا يمنع إلزامي لك ذلك في الطلاق. فالجوابان جميعًا لا يفصل بينهما على قانون الجدل.
стр. 422
٣٨٤ - واستدل حنفي في وجود بعض ماء الطهور
هل يلزم استعماله مع التيمم
فقال: عدم الماء الذي يحصل به المقصود باستعماله، فلم يجب استعماله؛ كما لو كان محتاجًا إلى شربه لعطشه.
اعترض عليه حنبلي، فقال: ينتقض بالماء المشكوك في طهارته، وهو سؤر الحمار. فإنه لا يتحصل به الغرض، وهو يقين رفع الحدث لاستباحة الصلاة. ويلزم استعماله مع التيمم. وهل يفرق الحال بين قصور الماء عن رفع الحدث لعدم يقين طهارته، أو لقلته وقصور مقداره؟ ولأن رفع الحدث يجب بحسب القدرة، بدليل أنه إذا كان بعض أعضائه مجبورًا، أو بعضها بالخف مستورًا، أو بعضها مكشوفًا، وجب الغسل في المكشوف ومسح المستور؛ كذلك ههنا يجب غسل ما وجد له الماء، والمسح بالتراب عما لم يمسه الماء. وكذلك لو عدم بعض الأعضاء، فإنه لا يسقط غسل ما بقى منها، وإن كان الحدث لا يتبعض. لكن لما تبعض محل الحدث غسل ما وجد، كذلك إذا كان الماء يتبعض يجب أن يستعمل منه ما وجد. وهذا صحيح. لأن الحدث، وإن كان لا يتبعض، إلا أنا جعلنا ما يتبعض من محله موجبًا غسل ما بقي منه، كذلك الماء الطهور المستعمل فيه، إذا كان متبعضًا ووجد بعضه، وجب استعماله وإن كان الحدث في نفسه لا يتبعض. على أن الحدث بنفسه قد يتبعض
стр. 423
بتبعض محله. وهو إذا مسح على الخفين، ثم نزعهما، حصل الخلع لحدث يختص الرجلين.
وكان الحنبلي ألزم الحنفي إذا أهريق الماء في أثناء الطهارة فإنه يتيمم بناء على ما يحصل من رفع الحدث عن بعض أعضائه. فقال الحنفي: لا أسلم. بل لا يكون التيمم عما بقي، بل عن جميع الأعضاء. لأنه لما أهريق تبينا أنه لم يرتفع حدث ما غسل من أعضائه. كما تبين في كل جملة لا يتم ((إلا بكمالها، ولا يسقط عن المكلف إلا بانقضائها. مثل الصلاة إذا أتى ببعض ركعاتها، والزكاة إذا وجد بعض أجزاء نصابها، والحد إذا وجد بعض شروط أداته الزاد دون الراحلة أو الراحلة دون الزاد. والبينة إذا وجد بعض شهودها، وكل علة ذات أوصاف، وكل جملة ذات أجزاء وأبعاض، لا يكون بعضها في الغرض عاملًا كل الغرض ولا بعضه، كذلك ههنا. والجامع بينها وبين هذه الأصول التي ذكرتها أنه لو غسل جميع أعضاء حدثه إلا لمعة، كان جميع الموانع باقية ببقاء تلك اللمعة. فلا صلاة، لا مس مصحف، ولا قراءة، إذا كان جنبًا. وحكم الحدث باقٍ فيما غسل لأجل اللمعة التي لم يغسلها؛ كما أن إيجاب الزكاة غير حاصل بوجود أربعين من الغنم سوى جزء في شاة منها لا يملكه، لم يتحصل له ملكه؛ وشاهد وامرأة بالحق لا يفوته إلا شهادة امرأة أخرى لا يثبت به شيء من الحق. وعلى هذا. وإذا كان حكم الطهارة كذا،
стр. 424
صار تكليفنا له استعمال الماء في بعض الأعضاء، مع عدم حصول الغرض أو بعضه، عبثًا؛ فلا وجه لتكليفه. بخلاف إزالة بعض النجاسة عن المحل بما يجده من بعض الماء الذي يخص ذلك المحل. وكذلك بعض الستارة؛ لأن ذلك مما يتبعض. ولهذا يرتفع المانع عن المحل الذي ستره بعض السترة ويثبت حكمه.
قال الحنبلي: قولكم ((إنني لا أسلم رفع الحدث عما غسله من الأعضاء)) باطل بما لو وجد الماء فإنه ينبني على ما غسل؛ ولو لم يكن قد ارتفع الحدث عنها، لما صح البناء عليها بغسل ما وجد.
٣٨٥ - جرى بمجلسنا بالظفرية مسألة مفردة وهي من وجد مضطرً إلى طعامه،
فطلب منه الطعام الفاضل، أو الماء الفاضل، فمنعه فمات،
هل يجب عليه ضمان
قال شافعي: حفظ ماله؛ فلا يضمن ((تلف المضطر إلى ماله. كما لو احتاج إلى مائه لإطفاء حريق وقع في داره. وهذا لمعنى؛ وهو أنه أكثر ما فيه أنه منع تخليصه من الضرر الذي هو فيه. فأشبه إذا كاد يغرق فلم يخلصه مع قدرته على تخليصه، أو رأى أعمى يتردى في بئر، وهو قادر على توقيته منها، فلم يوقه حتى تردى وغرق في البئر.
اعترض عليه حنبلي ينفرد بهذه المسألة، فقال: إنه إن حفظ هذا المالك ماله، فقد منع هذا المضطر إلى الطعام والشارب حقه وواجبه؛ ولذلك
стр. 425
يأثم. ولذلك جاز للمضطر مغالبته على فاضل طعامه ومائه ويأخذه. وإن دافعه عنه، فآل الدفاع إلى نفسه، لم يضمن لمضطر نفس رب الماء والطعام. وإن تعلقت لإسقاط الضمان بحفظ المالك لماله، تعلقت في إيجاب الضمان في منع المضطر من حقه الذي أحاله لله به عليه. ومثل هذا المنع سبب إتلاف النفس. وليس هو بأقل من نفث في عقد وعقد وتر وتسليك إبر، وهو السحر الذي يموت عقيبه؛ ولا بأقل من حفر بئر في طريق هو شرط في هوي الواقع فيها، وثقله علة هبوطه، وخلاء أعماق البئر شرط لذلك، وكان سببًا للضمان. ومن علق الضمان على الأسباب، ولم يجعل منع الماء من الظمآن سببًا صالحًا لإيجاب الضمان، فقد أبعد النجعة وأسقط القياس. ولأن الشافعي قد قال لو حبس إنسانًا في بيت فلم يمكنه من طعام ولا شراب حتى مات أقيد به. فأي فرق بين حبسه عن القوام وبين حبس القوام عنه؟ وأما ما ورددت إليه من المسائل والأصول فلا أسلمه. فإن من كان معه قوى فاضلة يمكنه التخليص بها من الغرق والوقوع، كمن معه أموال فاضلة يستنقذ من العطش وفرط الجوع. فلابد من بذلها للمضطر إليها؛ فإن منعها ضمن. وأما إطفاء الحريق، واستسقاء البساتين، فتلك أموال لا يجب بذل الماء والرفق والسماد لها. والحيوان يجب له البذل؛ ومتى لم يبذل أثم. -والله أعلم.
стр. 426
٣٨٦ - ((وجرت مسألة المخالع إذا شرط على الزوجة الرجعة
قال مالكي: إن الزوجة إنما تبذل العوض لانخلاع عاجل، وهو المطلق، ولانخلاع يتقرب إليه ونية في الآجل بانهدام ملك الزوج بالطلاق. فإذا شرطت لها الرجعة علمنا أنها قصدت هذا النوع من الانخلاع؛ وهو قربها من الخروج عن ملكه؛ إذ الراجعة لا تمنع هذا المقصود. ألا ترى أن العبد يبذل العوض عن زوال رق السيد ناجزًا وآجلًا بالكتابة. فالناجز شرى نفسه من سيده، والآجل إيقاف عتقه على تخوم مخصوصة.
اعترض عليه حنفي فقال: إن استخلاص نفسها منه بلفظ الانخلاع يقتضي الناجز لا الأجل. وما الانخلاع في اللغة إلا الانفصال، كخلع اللباس والخف. والاستثناء بالرجعة تخرجه عن الانخلاع، لأنها تكون زوجه. فهو بمثابة ذكر البينونة مع استثناء الرجعة. فإن البينونة كما تحصل ناجزة بإيقاع العدد في الحال تقع آجلة؛ فهدم العدد المقرب إليها في المال. ثم إن الاستثناء لا يعمل في البينونة، هذا بحيث تقع وتثبت الرجعة بالاستثناء. وهو أن يقول ((أنت بائن، ولي الرجعة.)) كذلك قوله ((خالعتك، ولي الرجعة.))
стр. 427
٣٨٧ - وجرت مسألة من قال ((واحدة من نسائي طالق))
التي [اختلفت] فيها المذاهب
فمذهبنا أنه يقع الطلاق على واحدة لا يعينها، وتخرجها القرعة. ومذهب مالك: يعق على الكل. كما نقول نحن فيمن قال ((امرأتي طالق)) يقع على الكل. ومذهب الشافعي: يقع على واحدة، ويعين من شاء منهن. ومذهب أبي حنيفة: يكون طلاقًا معلقًا، فيصح طلاقًا غير نافذ في محل. كأنه قال ((طلاقي واقع على من أعينه من زوجاتي.)) فإذا عين، نفذ في ((المحل بعد أن كان معلقًا؛ كقوله ((إن دخلت واحدة من زوجاتي الدار فهي طالق.))
قال فيها حنفي: إن الطلاق المضاف إلى محل منكر لا يجوز أن يكون واقعًا. لأن وقوعه ونفوذه لا يكون إلا معرفًا للمحل الذي نفذ فيها ووقع عليه. إذا لا يكون التنكير في محل مخصوص إلا إذا كان غير قائل للتعليق؛ كقوله ((بعتك قفيزًا من هذه الصبرة.)) فإنه لما لم يكن وقوع البيع معلقًا على محل يقع فيه في الثاني، تعجل نفوذه في قفيز منها. وههنا يصح إيقاع الطلاق معلقًا على دخول الدار وقدوم زيد؛ كذلك يقف معلقًا ويصح موقوفًا على نفوذ في محل بالتغيير لذلك المحل، على التقدير الذي بينا.
قال الحنبلي: لفظ الإيقاع موجود من أهله في محل يحتمل النفوذ
стр. 428
ويقبله. وليس في اللفظ أكثر من تنكير المحل. وذلك لا يقتضي إلا بيان المحل الذي وقع فيه. فأما أن يقتضي وقوف النفوذ عليه، فلا. بدليل أنه لو كان له زوجتان، فماتت إحداهما، تعين الطلاق في الأخرى عند أبي حنيفة. ومعلوم أنه لو كان النفوذ موقوفًا على تعيين الزوج، لتعذر الوقوع والنفوذ بتعذر تعيينه. فلما تعين النفوذ في الباقية، ولا تعيين وجد من جهة الزوج، بطل دعواك. ولا يجوز أن يكون التنكير لمحل الوقوع كالتعليق الذي ذكرت على الشروط. بدليل أن ذاك لا يمنع الوطء، وهذا يمنع وطء واحدة منهن. فإن وطئ، تعين النفوذ في الأخرى، إن كانتا اثنتين؛ وإن وطئ الثلاث، تعين في الرابعة. ولأن التعيين إنما هو كالميزة والقسمة والإقرار؛ فإذا عين، كان التعيين لبيان النافذ فيها طلاقه. والذي يوضح أن هذا اللفظ كقوله ((بعتك قفيزًا من هذه الصبرة، )) أنهما استويا في تخصص البيع بما يبقى من الفقزان بعد تلف جميع قفزان الصبرة ويبقى قفيز واحد؛ كما يتخصص بالزوجة الباقية إذا تلف جميع من عداها.
٣٨٨ - حادثة
((رجل قال لزوجته: ((قد حلفت أن لا أدخل المحلة الفلانية.)) فقالت له: ((كيف قلت؟ )) فقال: ((قلت زوجتي طالق ثلاثًا إذا دخلتها.)) وكان
стр. 429
كاذبًا. فاستفتي في ذلك. فقال فقيه شافعي: يقع. وقال الجماعة: لا يقع؛ إنما هو حاكٍ؛ فهو كما لو حكاه عن غيره.
٣٨٩ - وسأل سائل عما روي في الحديث وأن عمر رضه خرج وقد جمعهم على قارئ واحد بعد أن كانوا [ ... ]. فقال: نعم البدعة؛ والتي تنامون عنها خير من التي تقومون. فما مراده بذلك وصلاة الجماعة خير من صلاة الفرادى؟ قال حنبلي: إنما أراد بذلك أن صلاة آخر الليل أفضل؛ وهي الناشئة بعد الهجعة، ويحصل فيها تاليًا، والتالي بنفسه أفضل من السامع لتلاوة غيره.
٣٩٠ - استدل شافعي لإباحة الجلالة، فقال: الأصل جواز أكل الأنعام. فمن ادعى تحريمها بعد الحل، فعليه الدليل.
فاعترض من نصر مذهب أحمد لتحريمها، فقال: الأصل أن لا إباحة لأكل الحيوان. فمن ادعى إباحة هذه، فعليه الدليل.
قال الشافعي: بعد ورود قوله ﴿وأحلت لكم الأنعام﴾ لم يبق منه ولا حظر ولا توقف. فمن ادعى تحريمه بعد ورود هذه الإباحة، فعليه الدليل.
قالوا له: الإباحة التي وردت مجمع على تقييدها بشروط وأسباب تنضم إلى ذبحها. فمن ادعى الإطلاق بعد التقييد، فعليه الدليل.
стр. 430
٣٩١ - مما ورد في استصحاب الحال هل هو الدليل أو مجرد يجحف وبقاء على حال نفي أو إثبات وأنه مخبر عن نفسه بأنه على تلك الحال لما أوجبه المقام عليها من دليل أو عدم دليل. فالنفي يكفي فيه البقاء على حكم الأصل. والأصل النفي. والإثبات إذا ثبت بدليل، حصل التمسك به؛ فلا يجوز تركه إلا بصارف يصرف عنه من نسخ. وما هو إلا بمثابة ((قول المتصرف في الأملاك: ((هذا الملك تصرفي وتصرف آبائي؛ فمن ادعى استحقاقه، فعليه الدليل.))
٣٩٢ - جرى بمجلس الشيخ الإمام إبراهيم الدهستاني
مسألة الحلى
فقال مالكي: لا تجب فيه الزكاة. لأنه أعد للاستعمال والتجمل. فلو وجبت الزكاة فيه، لاقنه؛ إذ لا فائدة ولا نماء فيه.
واعترض حنفي، فقال: هذا لا يصح على مذهب مالك. لأن عنده أن الإعداد لا يمنع وجوب الزكاة، بدليل أن العوامل لا تجب في الزكاة السوم، ولا يمنع إعدادها للاستعمال من وجوب الزكاة في العين. والذهب والفضة تنميان بهما أحق بإيجاب الزكاة لأجل العين، ولا يمنع من إيجابها الإعداد.
стр. 431
أجاب المالكي بأن قال: إن الأنعام تنمي بنفسها، فلا يمنع العمل نماءها. والذهب والفضة لا تنمي بذاتها، بل بتقليبها، والإعداد للبس والزينة يمنع التقليب.
قالوا له: هذا كلام من لا يعرف العوامل. فإن العوامل يشغلها العمل عن النزو. ولهذا ترى ألف فدان في قرية لا تنمي عجلًا واحدًا. والجمالون يكون مع الأغنياء منهم ألف جمل وألف ناقة لا يتبعها فصيل واحد. كل ذلك لكون العمل مشغلًا ومعجفًا. وكذلك جمال البزازين نوق وجمال، ولا ترى فيها ما يولد؛ وإن ولدت، فالعمل [لا] يورثها من نقصان ذواتها مالًا تفي به ما نمت من نتاجها وأولادها. والبهائم بخلاف الآدميين. فإن العوام وأهل المهن والصنائع يولدون ويكثر أولادهم؛ والمترفون وأرباب الرفاهية يتحسرون على الأولاد فلا يرزقون.
٣٩٣ - هل يتأجل والحال من الديون بتأجيل المتداينين والمتقارضين
قال شافعي: لا يتأجل. لأنه تبرع مطلق، فلا يمنع من الرجوع فيه قبضه والتصرف فيه؛ كإباحة الطعام وعارية الأعيان. يوضح هذا أن القرض في الحقيقة ((ليس بتمليك عندنا. ولهذا يسترجعه؛ ولهذا لا يملك به
стр. 432
الإماء لئلا يطأ بإعطاء ليس فيه حقيقة التمليك. والعارية كذلك. وإن قدرها بمدة رجع قبل انقضاء المدة.
٣٩٤ - وجرت مسألة نقصان النصاب في وسط الحول
قال حنبلي: اختل السبب الموجب للزكاة، وهو الغناء. ومعلوم أن نقصان الحول الذي هو أجل ورفق، وليس بسبب، يمنع إيجاب الزكاة. فالنصاب الذي به يحصل الغناء أولى أن يمنع ويخل بإيجابها.
اعترض إمام حنفي فقال: لا عبرة باختلاله بعد انعقاده. ولا شك أنه انعقد عليه الحول؛ وهو سبب تام. وجاء وقت الحكم، وهو الإخراج؛ وهو سبب تام. فلماذا تعتبر إتمامه وكماله في الوسط؟ ألا ترى أن المضاربة على ألف إذا خسرت فبقي منها درهم واحد لم يؤثر في بطلانها، وبقيت عبرةً بانعقادها. ولأن العدد أحسب أنه أوصاف لعلة، فإذا اختلت، ولم يتبعض الحكم ببقاء ما بقي منها، وجب بقاؤها؛ ولم يجز انعدام الحكم مع بقاء بعض أوصاف العلة. وإنما اعتبرنا كون النصاب تامًا في الابتداء لأنه وقت الانعقاد، ووقت حؤول الحول وتمامه لأنه وقت الإخراج. فأما وسط الحول، فلا وقت وجوب إخراج ولا وقت انعقاد، فلا عبرة به. ولذلك لم يعتبر عموم السوم في جميع الحول؛ بل كان إذا أسامها أكثر السنة وجبت زكاة السوم. وكذلك لو اختل العدد في السوم بأن علف شاة أو شاتين في أثناء الحول، لم يمنع إيجاب الزكاة؛ كذلك النقصان.
стр. 433
أجاب الحنبلي: وأي انعقاد حصل والشرط ما تم، وهو مرور الحول على المال؛ وإنما هو مراعى. فإن تم الحول، وهو تام في الحول، علمنا أنه كان انعقد الحول على النصاب. وإن لم يكمل الحول على نصاب تام تبينا أنه ما انعقد. وما ذلك إلا بمثابة اختلال شروط الصلاة ((في إثباتها، واختلال شروط العقود قبل تمامها. وقولك إن الاختلال حصل إقرار منك بأن السبب حصل ثم اختل، كلام لا يلزم. لأن السبب قد يسمى سببًا بظاهر دوام شرطه؛ مثل قولكم: قد وجد السبب في أول الحول. وإن كان موقوفًا على أن يكون تامًا في آخر جزء من أجزائه، فكل ما يصح به قولكم من وجود السبب، وهو كمال النصاب في أوله مترقبًا به تمامه في آخره، يصح به قولنا إنه وجد السبب في أوله بشرط دوام التمام في جميع الحول ودوامه.
وأما قولك ((لماذا يعتبر تمام النصاب في الوسط مع تكامله في الطرفين حال الانعقاد وحال الإخراج، )) فهذا عندي من أعظم الغفلة. فإن الفقيه إذا تأمل وضع الزكاة رأى أن الشرع عني بأرباب الأموال باعتبار مقدار من المال يحصل به الغناء ويحتمل المؤاساة. ثم اعتبار صفة يكون المال عليها ناميًا؛ وهو التجائر في العروض والمواشي النامية بذاتها دون الأموال التي لا نماء لها ولا هي مرصدة للنماء. ثم لم يكفه ذاك كله حتى اعتبر قلة المؤنة. فتارة أسقط الزكاة لمؤنة العلف، وتارة قلل الزكاة للمؤنة والكلف، بحيث أوجب نصف العشر في الزرع والثمر. فإذا كان على
стр. 434
هذا الوصف، بطل نظرك للفقراء باكتفائك لتمام النصاب في الطرفين دون الوسط، وتركك للنظر لأرباب الأموال، بحيث تعفو عن تمام النصاب في الوسط؛ والوسط الزمان الأطول. فإن أول الحول لحظة، وآخره لحظة، ومرور الزمان أكثره على شاة أو شاتين لا يبقى رفقًا؛ لأن الرفق بطول الزمان المار على مال كالآجال إنما تتم رفقًا إذا مرت على ديون في الذمم. فأما أن تمضي الأزمان والآجال على غير المقدار، فإنها تمضي خالية من ارتفاق، فتقع فارغة من مقصودها، فتخرج عن الآجال. فهذا من أهم ما روعي؛ وهو المعول عليه، من حيث إن الله سح علم أن الأموال مواسم ((لكل مال، ونوع من الأموال موسم تتحصل فيه الأرباح.
وأنا عندي بأن المقومات والأثمان سواء في اعتبار كمال النصاب لهذه العلة. فإذا كان وضع الحول لهذا، وجب أن يقع رفقًا إذا مضى على نصاب. وفارق ما ذكرت من السوم الذي إذا انحرم أثناء الحول لم ينحرم وجوب الزكاة. لأن المواشي لا تخلوا في كل حول من أيام تحبس لأجل السيل، أو غارة الخيل، أو الريح العاصف؛ فتمكن في البيوت وتحفظ في الأديار. والآحاد منها قد تتخلف لثقل حملها أو مرض يعتريها؛ فلا تلحق الغنم في السعي إلى المرعى. فلو أننا اعتبرنا دوام العلف في جميع الجوامع هذه القواطع، لسقطت الزكاة رأسًا عن كل نصاب من الماشية.
стр. 435
فأما نقصان النصاب فإنه فقير. وحول يمضي على مال فقير لا يرفع مضيه المال فيجعله كالسام. وكيف يكون ذاك؟ ولو كان النصاب تامًا حتى لا يتم الحول ولو بقي منه يوم، لم تجب الزكاة.
وأما مسألة المضاربة، فإن ما بقي من البضاعة، ولو درهم، صالح أن تعقد عليه المضاربة ابتداء؛ فجاز أن يبقى عليه. والدوام آكد من الابتداء. فأما الناقص عن المائتين والعشرين دينارًا، والأربعين شاة، لا يبتدأ عليه انعقاد الحول؛ فلا يبقى ما يصلح لانعقاد الحول عليه ابتداء. ولو بقي من مال المضاربة درهم واحد، صلح لانعقاد المضاربة عليه. وأما قولك إن العدد كأوصاف العلة، فهب أن الأمر كذلك، إلا أنها في مسألتنا مشروط. وإذا اختل الوصف الواحد، فوجد الشرط مع اختلال الوصف، لم يجد نفعًا ولم يحصل معلول العلة؛ كما لو حصل تكامل الإحصان على وطء لم يكمل بأوصافه زنا؛ فإنه لا يجلب حكم الزنا.
٣٩٥ - وجرى في أثناء المسألة أن قال حنفي: أليس لو علق عتق عبده بدخول الدار فباعه، فزال ملكه عنه بالبيع، ثم عاد ودخل في ملكه بابتياع أو إرث أو هبة، ودخل الدار، وقع العتق، لما وجد انعقاد الصفة في ملكه، لم يضره توسط زوال الملك؟ كذلك لما تكامل النصاب ((في طرفي
стр. 436
الحول لم يضر اختلال الغناء وتشعث النصاب في الوسط؛ وهو ما بين الطرفين: الأول للانعقاد، والأخير للإخراج.
قال الحنبلي المستدل: أما العتق فإنه ينعقد وصفه وشرطه على ملك يوجد في الثاني، على الحطر والعرى، وعلى ما بعد زوال الملك وهو التدبير والوصية، وعلى حمل ما خلق. ومبنى الزكاة على تكامل شروطها واستيفاء أسباب وجوبها. فليس اختلال نصابها والملك فيها من اختلال الملك في العتق بشيء؛ هذا مع التسليم لمسألة العتق، وأن كان لي في عود الصفة روايتان، ولأن الغرض هناك ((لا دخلت الدار وأنت في ملكي.)) وإلا فالعاقل لا يمنع ما لا يملكه، إذ لا فائدة له في ذلك. ومخرجه مخرج الأيمان. والأيمان لا يقع إلا على المستقبلات. فأما الماضيات، فلا تنعقد عليها الأيمان عندنا، ولا عندك. وهي أيمان الغموس.
٣٩٦ - وجرت مسألة المال المغصوب والضمان في الجملة
فقال حنفي: يجب أن يحقق قبل الكلام مذهبنا. فعندنا أن كل مال كان المالك قادرًا على التوصل إلى أخذه وجبت فيه الزكاة. إنما المسألة في غاصبٍ لا يقدر المالك على انتزاع المال من يده، وبحر لا وصول إلى قعره، وما شاكل ذلك. فيكون المال كالهالك بالإضافة إلى المالك؛ حيث انقطعت علاقة تسلط المالك عليه. فليس بملك له من كل وجه؛
стр. 437
بل هو ملك حكمًا، لا مملوك يدًا ولا تصرفًا. والملك المجرد لا يكفي في إيجاب الزكاة؛ كمال مكاتبه، والمال الذي في يد من عليه من الدين ما يستوعبه، والذي يوضح قصور ملكه بانعدام تصرفه بعدم القدرة على توصله.
قال الحنبلي المعترض، وهو المستدل ((في المسألة التي قبلها، فقال: معلوم أن كون الملك الذي تجب لأجله الزكاة لا يعتبر كون المالك مالكًا له من كل وجه؛ بدليل أن ابن السبيل لا يمكنه التصرف في ماله، وهو قاصر اليد عن التصرف فيه. ومع ذلك تجب فيه الزكاة مع كونه جعل فقيرًا في استحقاق أخذ الزكاة. وليس تعتبر الزكاة إلا أصل الملك دون التصرف. مع أنه يمكنه التصرف ببيعه لمن له قدرة عليه، وإن كانت قدرة المشتري ليست قدرة المالك. وكذلك المال الذي ضل عنه في نفس داره وملكه؛ فإنه لا تسلط له عليه، وتجب فيه الزكاة.
٣٩٧ - جرى بمجلس نور الهدى الزينبي
مسألة فسخ النكاح بالإعسار بالنفقة
قال حنبلي: إنما يراد النكاح لدوام العشرة والألفة. ولا ألفة ولا عشرة مع العسرة بالقوام. فلا مخلص لها منه إلا بالفسخ عليه.
اعترض إمام حنفي، فقال: هذا نظر إلى جانب الزوجة. وقد تقابل ضرران. ضرر الزوج وهو بالفسخ أكثر من ضرر الزوجة بالصبر والمهلة
стр. 438
والإنظار، لأمور أربعة. أحدها أن الزوج له ملك ناجز حاضر؛ وحق الزوجة مستقبل منتظر. والثاني أن ملك الزوج يزال عن البضع؛ والبضع أنفس من المال؛ بل بينه وبين المال من الرتبة ما بين الدم والمال. والبضع لا مندوحة له من غيرها؛ ولها مندوحة عن ماله إلى ما يفرضه الحاكم ويستدينه لها من مال غيره. والبضع لا يمكن بعد إزالته أو يستدرك بالقضاء. والمال يمكن استدراكه بقضاء ما فات منه. فلا يجوز أن يلحق بالزوج هذا الإضرار العظيم لأجل ضرر يسير في حق الزوجة.
أجاب الحنبلي، ((فقال: أما إنك إذا رجحت بين البضع والمال بهذا، رجحنا بأن الضرر اللاحق بتعذر النفقة يضره بما لا غنى عنه. ولهذا وجب للأقارب والأرحام ومضرة الزوج بما عنه مندوحة، وهو الإبضاع. وذلك لم يجب للأقارب كما لم تجب الزوائد من الشهوات. ولأن الزوج حابس، والزوجة محبوسة، والضرر مزال عنها من جانب الزوج؛ وأبدًا المزال عنه الضرر يقنع في حقه بأيسر ضرر، والمزال ضرره يزال ضرره وإن كثر لحوق الضرر به. بدليل الصائل على المال يدفع ضرره عنه ولو آل إلى النفس. ولا يقال إن من صال لطلب النفس يدفع بالسلاح، ومن صال لطلب المال يدفع بتخريق الثياب وكسر الأسلحة، ولا يدفع بإضرار في النفس، ولا يقف الإضرار بنفسه على إضراره بالنفس. بل لو علم منه القوة ببدن على أخذ بيضة من يد صاحبها ومالكها، ولم
стр. 439
يمكن صاحب البيضة دفع ذلك القوي عنه بيده ومحض بدنه حتى يأخذ الأسلحة، تناول السلاح دفعًا لذلك الصائل. وكذلك من له سهم من مائة سهم من ضيعة، يأخذ به بقية الضيعة بالشفعة لدفع الضرر اليسير. والمتبرع ملكه، وهو المشتري ضرره، أوفر. حتى إن أبا حنيفة زاد علينا وعلى أصحاب الشافعي بأن قال: وإن كان أحدث شيئًا، أزاله الشفيع من غير جبر ولا غرامة؛ كل ذلك نظرًا إلى الضرر المدفوع دون الضرر الداخل على المدفوع ضرره. فكذلك ههنا.
على أن هذا المال الذي تزدريه هو الذي عظمت البضع بإيجابه وتقديره. والذي رضي به الشرع عوضًا عن إبضاع، ونقل إبضاع النساء إلى الرجال به؛ وفي مقابلته لم يحقره إلى حد يمنع من إعادته إليهن الإعسار به ولتعذره. فهو عظيم خطير في تملك الإبضاع به، حقير في باب منع الإزالة للأملاك عن الإبضاع لتعذره. ثم إنك مقابل بما ذكرت ((من إزالة يد الزوج عن الآجل، وهو البضع، لفوات الزوجة الأقل مما تتناوله من النفقة، وهو المال. فكل فرق ذكرته باطل بهذا.
٣٩٨ - جرى بجامع القصر
مسألة الشرط الفاسد
إذا حذف وأسقط هل يتخلف العقد صحيحًا
قال حنفي: إن النهي عاد إلى غير العقد، وهو الشرط، فأثر في
стр. 440
غير العقد، وهو الوصف؛ ولم يقدح في الأصل. وهذه موازنة صحيحة. وهي أن النهي إنما يعدم الوصف ولم يعدم الأصل. فأعدم الوصف، ولم يعدم الأصل.
اعترض عليه حنبلي فقال: إن هذه الموازنة تعطي أن ينقطع الشرط عن العقد، كما قال أحمد صاحبنا في إحدى روايتيه. فأبطل الشرط ونفى العقد على أصل الصحة. فأما أن يقول بأن النهي صدم الشرط فأبطل الوصف، فلا وجه له. على أن أصول الشريعة لم تعتمد هذه الموازنة؛ بل جعلت العوارض من الأوصاف مبطلة للعقود مخرجة للعاقدين والمعقود [عليه] عن أهلية الصحية. فالعصير أصل والصيد أصل في باب المالية وأهلية العقد، والآدمي أصل في صحة العقد والتملك والتمليك. جاءت أوصاف غيرت الأصول. فالتخمير جعل العصير كالبول؛ والدم والصيد صار بدخوله الحرم كالخنزير في امتناع أهلية العقد؛ والإحرام إذا طرأ على المحل جعله كالميت بالإضافة إلى امتناع ابتياع الصيد؛ وكذلك الكفر بالإضافة إلى نكاح المسلمة كالميت أو البهيمة. وإذا كانت الأوصاف العارضة على الأصول الثابتة، وهي الآدمية في العاقدين، والجواهر المنتفع بها في المعقود عليه، تجعلها كأنها عدم، فلا وجه لاحتقار الوصف. وكيف تقول ذلك ((والأعيان لا تصير مالًا إلا بالصفات، ولا تنعدم ماليتها إلا بخروجها عن الصفات المخصوصة؟
стр. 441
٣٩٩ - وجرت مسألة تعيين النية لصوم شهر رمضان
فقال حنبلي ينصر أصح الروايتين عن أحمد، فقال: الصوم عبادة تنقسم نفلًا وفروضًا وقضاءً وأداء؛ فافتقر إلى تعيين النية، كالصلاة.
فقال له حنبلي يحقق ما يقول: أنت سئلت عن صوم رمضان في حق المقيم السليم. وهذا الصوم المسؤول عنه لا ينقسم. فكيف تعلل لأصل الصوم وأنت مسؤول عن نوع من الصوم مخصوص؟ فما مثلك إلا مثل من سئل عن كفارة صوم رمضان، فعلل لأصل الكفارات؛ أو عن حد القذف، فعلل لجنس الحدود. على أنه حيث انقسم واحتمل التردد احتاج إلى التعيين، عند أبي حنيفة. فكل صوم كان بالصفة التي ذكرت من انقسامه وتردده كان لأجل ذلك التردد والانقسام مفتقرًا إلى نية معينة؛ كصوم القضاء والكفارة والنذر. والعلة منتقضة بالحج. فإنه عبادة تنقسم إلى فرض ونفل وقضاء وأداء، ولا تفتقر إلى تعيين النية. وأما الصلاة فإنها انقطعت عن هذه العبادة من جهة أنه ليس لها وقت تتعين فيه تعيينًا لا يصح فيه، حتى لو ضاق وقتها فأتى فيه بالنافلة صحت.
قال الحنبلي على هذا الأخير: لا أسلم؛ لأنه يكون كالغاصب للوقت
стр. 442
والمصلي فيه. فإن الوقت لما ضاق بحيث لا يتسع إلا لفرضه، فوضع فيه غير فرضه، كان غاصبًا لوقته، فلم يصح فيه النفل.
٤٠٠ - وجرت مسألة الماء المتغير بالزعفران
قال حنبلي ينصر إحدى الروايتين: أفرض الكلام في الماء الذي يقع فيه الباقلاء، وأقيس على ((الماء المطبوخ فيه البقلاء، فأقول إن المنقوع [الذي] انتشرت فيه أجزاء الباقلاء أشبه المطبوخ فيه الباقلاء.
اعترض عليه معترض فقال: المطبوخ استحال وصار أدمًا؛ فوزانه أن يستحيل الماء باللون صبغًا، أو بالريح طيبًا؛ فلا يجوز الوضوء به عندي.
قال: ليس يقف المنع على الاستحالة. بدليل النجاسة، إن أحالت الطعام أو العصير، نجسته؛ وإن غيرت نجست وإن لم تحصل الإحالة. ولأنه ما من متغير إلا وهو يغير الثوب إلى لون تغييره. كما أنه ما من طبخ لمأكول في الماء إلا ويصطبغ به؛ كالأرز والباقلاء والعدس. فإن منعت الوضوء بالمطبوخ لكونه أدمًا، فامتنع هذا لكونه صبغًا. على أن كون المائع أدمًا ليس يمنع أن يبقى معه كونه طهورًا؛ كما أنه في أصل وضعه خلق شرابًا، ولم يمنع إعداده شرابًا من كونه طهورًا في أصل الوضع، جاز أن يخرج إلى كونه أدمًا ولا يخرج بذلك عن بقاء طهوريته. فلا وجه لإزالة طهوريته لأجل الائتدام به. -والله أعلم.
стр. 443
٤٠١ - فصل جرى فيه القدر
قال قدري: إن كان القدر موجبًا فعل المقدور في حق الخلق فإنه، على ما تحقق بين العلماء، ما علمه الله من أفعال العباد. وكما أنه علم ذلك، كتبه في اللوح ليظهر لملائكته علمه للأمر قبل كونه، فتسبح بحمده وتعلم مقدار ما اتصف به سح وتكلم به في كتبه التوراة والإنجيل والقرآن. وكلامه صفة، ومن صفته الصدق الذي لا يجوز عليه سواه. وكما أنه لا يمكن الخلق أن يفعلوا خلاف ما علمه لئلا ينقلب عليه سح جهلًا، ولا يفعلوا خلاف ما أخبر به لاستحالة أن يعود خبره كذبًا، كذلك لا يجوز أن يفعل هو ما علم سواه ولا يفعل إلا ما أخبر به فيفضي إلى أنه ما تم له الوصف إلا بالخلق، وأن فعله في حجر علمه وخبره. فالقدر قاض على أفعاله وأفعال خلقه.
٤٠٢ - ((فصل
العذر لا يقوم إلا لقصور في المعتذر بأن يقول إن جنى: ((ما علمت، )) أو تقاعد عن حق ((لم أعلم بتوجهه علي، )) أو ((علمت لكن ما استطعت.)) قال هذا لقائل: وأرى الرزق عني كالمتقاعس، والحظ في حقي وسنان أو ناعس، والدنيا والآخرة نعما، وأنا وأمثالي نتدبق قوما. والمالك يقول: ﴿وإن من شيء إلا عندنا خزائنه﴾؛ ويقول: ﴿وله كل شيء﴾. فإذا سد باب العذر ببيان قدرته وسلطانه وغنائه، لم يبق عندي إلا السخط يمنعني.
стр. 444
فكيف أداوي هذا الداء العضال في إزالة السخط عن مانعي مع الغناء والكمال؟
قال حنبلي: قد دخل عليك السهو عن قسم هو الدواء لمثل هذا الداء. فظننت أنه لا يقوم العذر إلا بالعجز من جهة المانع، ونسيت أن أجد ما يقوم به العذر الحكمة البالغة التي هي عائدة بالمنع لمكان إصلاح الممنوع. ألا تراه لو أفصح بالقول بذلك، فقال ((ما منعتك عن إعواز مني، لكن لمصلحة لك، )) فإن فات القصور في المانع لم يفت القصور في الممنوع. كالأب الغني يمنع ولده الحلواء والزهومات تطيبًا، فلا يلام. والأب الفقير يمنع فلا يلام. فيجتمعان في عدم اللوم، ويختلفان في العلة التي لأجلها قام العذر. فمن هذه الغلطات يدهى الناس. والخليع العامي، لسرعة جرأته على الله وقلة مبالاته، يتسخط لمكان أنه لم يلحظ إلا الغناء والمنع، والقدرة والمنع. فجعل أوصاف الله سح عللًا لتسخطه؛ ولم يتعرض للوصف الأعظم، وهو الحكمة، ليداوي سخطه أو يعدمه. وصفة المداواة أنه إذا سولت له النفس أنه ممنوع مع الغناء فما العذر، قال لها ((هو حكيم في منعه لي، فمن أين يجيء الاعتراض مني واللوم؟ ))
هذا هو قانون العقلاء المتمسكين بالأديان، إذا صح منهم العرفان. فهو بوصف الغناء أهل أن يبطل منه كل شيء، وهو بوصف الحكمة أهل أن يسلم له كل شيء.
стр. 445
٤٠٣ - ((سئل سائل عن الحديث الذي سأل وفد من وفود العرب رسول الله صلعم، وكانوا قد أتوه بزكاة أموالهم: ((إن لم ندركك، يا رسول الله، فإلى من ندفع زكاة أموالنا؟ )) فقال: ((إلى أبي بكر.)) فقالوا: ((إن لم ندرك أبا بكر؟ )) قال: ((إلى عمر بن الخطاب.)) قالوا: ((فإن لم ندركه؟ )) قال: ((إلى عثمان.)) قالوا: ((فإن لم ندرك عثمان؟ )) قال: ((فإن لم تدرك عثمان، فاستطعت أن تموت، فمت.)) وكان السائل يشير إلى أن أيام علي غير محمودة، أو أنه ليس بأهل لدفع الزكاة. فقال الحنبلي المسؤول عن ذاك: يجب أن تعلم أنه إنما أراد بقوله ((إن استطعت أن تموت فمت)) ((لئلا تكون ممن يكون في الفتنة عليه)) لا ((لئلا تدفع زكاتك إليه.)) ونعوذ بالله ممن يعتقد ذلك مع ما شهد له النبي صلع بأنه على الحق، وكفر الخوارج وجعلهم مارقة، وحكم على قاتل عمار الفئة الباغية؛ فكيف يعتقد مسلم ذم أيامه وولايته؟
٤٠٤ - جرى بمجلسنا بالظفرية
مسألة المأذون له في بعض التجارات
قال حنفي: معلوم أن ما عاد بنفع السيد لا يحتاج فيه إلى إذنه؛ كالاتهاب، والاصطياد، وغير ذلك من الاحتطاب والاحتشاش. وإنما يحتاج إلى إذن السيد فيما فيه ضرر عليه. فيكون إذنه إطلاقًا فيما لا يملك عليه من الإضرار إلا بإذنه. وهذا أصل واضح تشد له الأصول. فإنه
стр. 446
لا يحتاج إلى إذنه في ترويحه عند الكرب، وإسبال الظل عليه عند طلوع الشمس في شدة الحر، ولا في استقائه الماء إذا ظمئ واستطرح في القصر، ولا إيقافه على الطريق إذا ضل. ولا يفتقر إلى إذنه في أخذ يده أو بجمته إذا كان يغرق في البحر، ولا في جذبه عن بئر يقع فيها، أو ترديه من عال إلى سفل. كل ذلك لا يحتاج إلى إذنه فيه لما كان محض النفع. ويحتاج ((إلى إذنه في أكل طعامه، وشرب شرابه، وركوب دابته، ولبس ثيابه، لما كان فيه نوع إضرار. فإذا ثبتت هذه القاعدة، فالإذن في التجارة أفاد إطلاق العبد في رقبته وتصرفه، فسواء حصل في البز أو العطر، هما سواء. والعبد يتصرف بعقله وآدميته. وإنما علقة الملك كانت مانعة له، عارضة عليه. فإذا فك السيد حجره فيما ضرره معلوم، وهو رقبته وتصرفه، كان البز والعطر سواء. فلا فائدة في العمل بالتقييد بتصرف مخصوص.
قال حنبلي اعترض على هذه الجملة: إني قائل بموجب ما تعلقت به. فإن السيد إنما يأذن فيما فيه ضرر، لا لعين الضرر؛ إذ ليس ذلك من دأب العقلاء؛ بل يعتمد النفع الموفي. ولو أنه وجد مجتلبًا من غير ضرر لاجتلبه، لكن لا يمكن اجتلاب النفع بعبده مع تقييده. كالجوارح من الطير والسباع الكواسب التي لا يمكن أن تصطاد وترتاد إلا بتخلية أرسانها وأسباقها. كذلك العبد يزيل عنه نوعًا من الحجر ليجلب
стр. 447
بذلك طرفًا من الخير والكسب. فإذا كان أصل إذنه كذا، بما يليق بحال العقلاء، وجب أن يكون تخصيصه لنوع معتمدًا لما يعرف من حذق العبد في ذلك النوع فيوفي نفع ما عرف من حذقه على إطلاقه وضرره بتمليكه تصرفه. فإذا أخرجنا التخصيص إلى العموم، والتقييد إلى الإطلاق، فوتنا السيد غرضه الذي قصده، فصيرنا إنما قصد الضرر. وإذا كان أصل الإذن معتبرًا لما ذكرت، كان وصف الإذن معتبرًا إذ كلام المكلف لا يلغى. وإذا تعلقت بأن العبد يتصرف بآدميته، قابلناك بأن السيد يتصرف الإذن المخصوص المقيد بآدميته وملكيته. فإذا لم يلغ تصرف العبد لمكان عقله، فأولى أن يلغى تخصيص السيد لمكان عقله، وملكيته أولى.
٤٠٥ - وجرت مسألة الإجارة هل تبطل بالموت
قال شافعي: عقد لازم، فلا يرتفع مع بقاء المعقود عليه؛ كالبيع.
قال ((له حنفي: أنا لا أسلم أن ههنا عقدًا على المنافع رأسًا؛ فكيف أسلم وصفه باللزوم؟ وإنما لم يكن منعقدًا على المنافع لأنها معدومة، على طريقة قوم من أصحابنا، وعلى طريق آخر، لأنها عقيب وجودها تعدم؛ لأنها لا بقاء لها لمصادفة العقد لها. فأوقعت على محلها وبموت المؤجر انتقل المحل إلى الوارث، وتجددت المنافع من ذلك المحل على ملكه.
стр. 448
فلا وجه لاستحقاق المستأجر لها، ولا وجه لتجددها على ملكه.
قال له شافعي: المنافع يقع العقد عليها، وهي صالحة لانعقاده عليها. بدليل إنها توجد متعاقبة يخلف الشيء منها الشيء. والماضي منها ليس بينه وبين المتجدد فصل من عدم؛ بل المتجدد إثر المنعدم كجريان الماء وذؤابة الذبالة في السراج. والعقد أيضًا إنما هو قول القائلين المتعاقدين. ولا بقاء للإيجاب عند وجود القبول. لكن لما وجد القبول عقيب الإيجاب بلا فصل يقطع، صار كأنه قول متصل غير منفصل. فانطبق القول عل المنافع انطباق الشيء على نظيره. والذي يوضح انعقاد العقد عليها جواز عقد المؤجر على ما استأجره، وجواز شرط تعجيل العوض. ولو كان كما ذكرت منقضيًا، لجاز أن نقدم بقاءه لوقوع العقد عليه، كما قدرنا كون الجنين حيًا لوقوع الأحكام عليه، لكنه جعل كالحي لمروره إلى الحياة، كذلك جعل المنافع كأنها حية ناطقة.
قال: والذي يوضح أن الشرط لتعجيل العوض لا يجوز أن يجعل العوض معجلًا في مقابلة شهر لا يليه شهر الإجارة، بل يعقد على شوال في شعبان بعوض شرط يعجله، فإنه لا يتعجل.
٤٠٦ - جرى بمجلسنا بدار الشيخ الإمام الدهستاني بدرب الشاكرية
مسألة الزكاة هل تجب على المضارب فيما يحصل له من الربح قبل القسمة
قال حنبلي: تجب؛ لأنه ((لما ملك المطالبة بالقسمة وبجبر حقه.
стр. 449
دل على أنه مالك؛ إذ لا تجب القسمة لملك انفرد عن ملك الغير.
اعترض حنبلي لمذهب الشافعي وأنه لا يملكه، فقال: إن تعلقت بهذا المقدار في حصول الملك، تعلق عليك في نفي الملك بخصيصتين أخص من هذا يدل على نفي الملك. وهي أن القدر من الربح معد وقاية لرأس المال متى خسر بتقلب الأسعار وقى به وجبر. ولو كان ملكًا للمضارب، لما وقى به ملك غيره، وهو رب المال. فلما جعل وقايةً له، علم أنه ليس بملك له. ولأنه لو كان قد حكم بملكه له فوجب، إذا مضى عليه الحول، زكاة، لكان إذا تجدد ربح في الربح يكون شريكًا في ذلك، يستحق بقسط ملكه من الربح بحكم الشركة، منضمًا إلى ما يستحقه من الربح بالعمل في المضاربة. وليس يقف استحقاق الربح بالشركة على عقد، بل لو أخلط مالان، وتجدد فيهما ربح، كان الربح بينهما بحسب المقدار من غير عقد. وههنا على زعمك شركة بين المضارب ورب المال في هذا المقدار من الربح. فما بال النماء لا يكون بينهما بحسبه؟ فقد دل إعداده لتوقية مال العين، بحيث لا يستحق إلا بعد تمام رأس المال، على أنه ليس بملك للمضارب. ولما لم يكن ما يتحصل من الربح مستحقًا، علم أنه لم يتم ملكًا. -والله أعلم.
٤٠٧ - وجرى في مسألة الإسلام هل يعتبر في إحصان الرجم
قال حنفي: إن كمال العقوبة يعتبر لها كما الأحكام. ومن كمال
стр. 450
الأحكام رتبة الدين. والأصول تشهد لذلك. فمن ذلك أن حرمة البنوة وزوجات البنوة جعل الوعيد لمكان الحرمة متضاعفًا، وجع القتل العمد مغلظ الدية، وجعل حد الحر ضعف حد العبد. وإذا كانت الفضائل على هذه الصفة، ففضيلة الإسلام لكمال حد الرجم وكمال الإحصان أحق ما كان معتبرًا فيه وله الإسلام الذي هو أصل الكلام.
قال له ((شافعي: إلا أن تأثير الحرية آكد في هذا الباب؛ فعملت ما لم يعمل الإسلام. وذلك أن الإسلام في حق العبد موجود وحده لا يكمل جلدًا، والكفر موجود في حق الحر وحده يكمل جلدًا. فإذا كان الإسلام، مع ما قررت من تعاظمه، وكونه الأقصى في الفضل، ما عمل مع الرق، وهو أثر الكفر، ما يزيل نقصه، فكيف يدعى أنه هو المؤثر؟ بل قد بان أنه لا أثر له في باب تكمل العقوبات، وأن الأثر كله للحرية.
٤٠٨ - جاءت فتوى في رجل حضر مجلس حاكم، وفيه جماعة من الشهود، فحكم بإقرار بوقف وأشهد على نفسه بحكمه. واتفق أن لذلك الرجل الحاضر خط بشرط وقضية قبل ذلك الوقف. كتبه بحكم الصناعة، ولم يك شاهدًا. واتفق أنه صار شاهدًا، أو احتاج من له علقة بالوقف وحق فيه إلى شهادته ما شهده من حكم الحاكم وقضيته. فطالبه بإقامة شهادته. فهل يتعين عليه ذلك، وهل إن امتنع من الشهادة لأجل خطه الذي كتبه
стр. 451
بالشرط المتقدم أم لا؟ فأجاب بالبادرة جماعة أن ذلك يتعين عليه، وإن لم يجبه إلى ما سأل كان ذلك قادحًا في شهادته وعدالته.
فقال حنبلي: في هذا الإطلاق خطأ من ثلاثة أوجه. أحدها أنهم أطلقوا تعيين الشهادة عليه، وكيف يتعين ولا تفصيل؟ ويقال: إذا لم تتم بينة المدعي إلا بشهادته، تعين؛ فأما إن كان هناك غيره ممن يشهد عند الحاكم، لم يتعين. وهو بمثابة فروض الكفايات التي إن كان من يقوم بها، فلا يتعين؛ فإذا امتنع الكل، أو كان لهم عذر، تعين عليه. وإن امتنع هو بعد ذلك، فسق، وفسق الكل؛ كما يقال: إذا ترك أهل القرية جميعهم فرض الكفاية، فلا يعتد بشهادتهم إن استجابوا بعد ذلك، إلا بعد إحداث توبة. فهذا من هذا الوجه.
الوجه ((الثاني أنه قد يكون عاميًا يعتقد أن خطه بالشرط يمنه من إقامة الشهادة بما ينافي ذلك الشرط. فلا يطلق عليه الفسق والخطأ بذلك حتى يقيد بالعلم. وإنه إذا بان له بالفتيا أنه لا يمنع الخط الأول شهادته، فامتنع بعد بيان الفقهاء له ذلك، أثم وفسق.
الوجه الثالث أنه قد لا تجب عليه الشهادة ما لم يكن الحاكم أشهده. فإن العادة أن الحاكم يشهد على حكمه وإمضائه من حضره من شهوده. وفي اعتبار الاسترعاء مذهبان. أحدهما أنه يعتبر، ومذهب قوم أنه لا يعتبر؛ حتى إنه يقبل شهادة المستحفي.
стр. 452
٤٠٩ - جرى بالمدرسة النظامية
مسألة نماء الرهن المنفصل
قال حنبلي: هذا الرهن حبس، هو حق تمكن في الرقبة. والولد من أجزائها فتبعها فيه وفي البيع عند المحل؛ كما قلنا في السمن، وكل نماء متصل.
قال له شافعي: وكم من حق يتمكن من الرقبة ولا يستتبع الولد! فلم جعلت هذا تابعًا؟ ونحن نعلم أن الإجارة حق تمكن من الأم، وهي العين المستأجرة، ولا يتبع فيه الولد. وكذلك الجناية حتى تتعلق برقبة الجانية، ولا تستتبع الولد. ولأن العقد في الحقيقة وقع على بذل العين دون العين، وما تجدد من نماء العين المنفصل، لم يكن موجودًا حين العقد، فكيف يجوز أن يدخل تحته وما كان حين العقد موجودًا أصلًا ورأسًا.
قال الحنبلي: أما بيع الولد للأم من المكاتبة وأم الولد والمدبرة والأضحية، مع كون السخال والأولاد غير صالحة لما تعلق بالأمهات، لأن الطفلة لا تكون في نفسها أم ولد، ولا السخلة تكون أضحية، ثم تبعت الأم، والتبعية ههنا أحق، حيث صلحت السلخة والطفلة لوقوع العقد عليها ابتداء، والأجزاء إلى العين أقرب من بذل العين، فوجب أن تكون الأجزاء بالبيع أحرى [ ... ]
стр. 453
٤١٠ - [ ... ] ((أنه بدأ باشتراط الضرب في الأرض، وهو سبب لحصول مشقة تحتاج إلى نوع رفاهية ورخصة. ثم ثنى بنفي الجناح. وهذا لا يكون إلا للتخفيف دون العزائم والإيجاب. وقوله ﴿أن تقصروا﴾ لفظ موضوع لتقليل كثير وتقصير طويل وتخفيف ثقيل. ثم ختم بعذر فقال ﴿إن خفتم﴾؛ فصار إيجاب فعل بين رخصتين: سفر، وخوف. فلما نسخ الخوف، دهش عمر من ذلك؛ حيث رأى النبي يقصر مع الأمن. فسأله عن ذلك؛ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. وهذا في الإيجاب سهولة وإسقاط؛ كما قال سح في حق الدم: ﴿فمن تصدق به فهو كفارة له﴾ -يعني عفا عنه وأسقطه.
استدل حنبلي في أن الماء الكثير الذي هو الغدران هو المعتبر دون التغيير؛ خلافك. وإحدى الروايات عن أحمد هو أن الماء القليل يمكن حفظه في الأوعية وبالأغطية. وقد ثبت أن الكثير لا يمكن حفظه؛ لعدم إمكان الحفظ تأثير في الطهارة. بدليل أن الهر علل النبي صلع في طهارتها بأنها طوافة. ومعنى ذلك ومحصوله أنه لا يمكن حفظ المائعات منها. وهذا موجود في الماء الكثير الذي لا يمكن حفظه من النجاسات وورود الحيوانات تتريا منه وتولى فيه.
٤١١ - قال بعض المنتقدين: إن الله، إذا أعاد الخلق. أعاد أذكارهم معهم؛
стр. 454
حتى أخبر عنهم أن القائل منهم يقول: ﴿إني كان لي قرين﴾. لماذا أعاد الأذكار؟
فقال حنبلي بسرعة جواب: إنه كان وعدهم بالبعث بعد إياسهم وشكوكهم فيه. فلو أنساهم لما علموا عند البعث صدق الوعد، وظنوا أنه، أو اعتقدوا أنه، ابتداء خلق. وإنما طاب العيش بتحقيق الوعد. ويعذب الكفار بحسرة الفوت، وما سبقوا به من موجبات الوعيد بالتكذيب. فكان ذكر ((مضافرة لعيون الأبرار، وحسرة في قلوب الكفار.
ثم قال: سبحان الله! لا يحسن أن نتكلف استخراج علة ذلك مع كون الباري فصح بالتعليل، فقال: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدًا عليه حقًا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. ثم قال: ﴿ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين﴾. وهذا لا يحصل إلا بإحياء أذكارهم؛ إذ لو أنساهم لما علموا ما فيه اختلفوا، ولا علموا أنهم كانوا كاذبين.
٤١٢ - جرى بمجلس الشيخ الإمام إبراهيم الدهستاني
مسألة الواجب بقتل العمد
قال مالكي: الأصل في المقابلة المماثلة. ولا مماثلة بين المال والنفس. فثبت أن المال لا يجب عن الدم على سبيل الأصل في البدلية.
اعترض عليه حنبلي ينصر إحدى روايتيه: أين ضمان الدم من ضمان
стр. 455
الأصول كلها؟ وإنما تشير بالأصل إلى ضمان الأموال ذوات الأمثال. وتلك تضمن بالأمثال جبرًا وأخذًا، لا إتلافًا. وهذا يوجد إتلافًا وزجرًا. ثم إنه ينقطع عن الزاجرات في الأصول، وهي الحدود، لكونه لا ينحتم كانحتامها. فتلك لا يحل بعد ثبوتها إسقاطها؛ وهذا، الأفضل إسقاطه؛ والمندوب إليه العفو عنه. وتلك لا يصالح عنها بالمال، ولا يجب المال في مقابلة ما وقع منها شبهة وخطأ؛ ولا يقابلها مال لحق الله سح كما يقابل هذا، وهو الكفارة. وإذا كان كذلك لم يتمحض مالًا كذوات الأمثال ولم يتمحض زجرًا كالحدود والزواجر الموضوعة للصرف عن الفساد. فكان ما ذهبنا إليه من التردد بين بدلين، مال ودم، أولى من مذهبك المتمحض للعقوبة. لأن الواجب المتردد أشبه بالموجب المتردد. ولو كان الله سح قد بناه على الزجر، لما ندب إلى العفو، ووعد عليه بجزيل الأجر. ثم جعل أقل أولياء الدم، إذا عفا، سقط [ ... ]
٤١٣ - [ ... ] ((وحق الولي صيانة عن الغضاضة، وأنه لا يتصل بالنكاح فلا يفسد النكاح لتركه. والقياس ما قاله أبو حنيفة رحه، والاحتياط فيما قاله محمد. والدليل في ذلك أن المنع من الجواز ابتداءً إلا بإذن الولي أصوب من التعويل على الصيانة بالمرافعة إلى الحاكم. وربما يشعر الولي، وربما لم يشعر بحسب المرافعة، وربما لا. فيصير المنع على هذا الطريق إلا بإذن الولي لصيانة العقد. كالشهود. وهذا الفساد لا يقع في صحة الطلب من
стр. 456
الولي. فكانت الولاية من الولي أهلًا للطلب. والنصوص تدل من كتاب الله تع على ما قاله أبو حنيفة، قوله تع: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾؛ ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾؛ ﴿أن يتراجعا﴾؛ ﴿فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾. وحقيقة هذه الإضافات على المباشرة، دون الطلب والأمر. ومن ذلك قوله: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها﴾. وهذه دلالة واضحة؛ لأنه ليس في الآية ذكر ولي.
وكذلك الأخبار. فما روي عن عائشة رضها نص لا يحتمل التأويل. وإنه صحيح؛ رواه محمد وأثبته ي التصانيف. فلا يكون ما روي من الطعن فيه مقبولًا. ويحتمل أن الطاعن لم يثبت عنده بطريقة؛ وجهل طريقة مجيئه لا يدل على فساد طريق الثبوت عند من أثبته بطريقة. ويروى لأبي حنفية أخبار أخرى أنه خطب أم سلمة، فقالت: ((إن أوليائي غيب.)) فقال عم: ((ليس منهم من يكرهني.)) ثم قال لعمر ابنها: ((قم فزوج أمك مني.)) ففعل. فيكون بغير ولي. وعند محمد يحتمل أنه كان بالغًا؛ ويحتمل أن رسول الله كان مخصوصًا بالولاية، على ما نص عليه القرآن: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾؛ ولأنه كان سلطانا؛ وكان مخصوصًا بالإشفاق، معصومًا عن الخيانة والتهمة. والولاية تثبت بالسلطنة كما تثبت بالقرابة؛ والتقدم يثبت بالشفقة وانتفاء تهمة الخيانة لا باسم الأبوة والأخوة.
стр. 457
٤١٤ - مسألة
قال القاضي أبو زيد الدبوسي في الأسرار: ومن شرط النكاح الشهود. وقال مالك: الشرط هو الإعلان؛ لأن الله تع ما شرط الشهود في النصوص المبيحة. وقال النبي صلعم: أعلنوا النكاح ولو بضرب الدفوف. فصار الإعلان شرطًا بأمر النبي صلع. ورفع إلى عمر رضه نكاح الشهادة رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه. فعلل في فساده بأنه سر؛ ولأن الشهادة حجة يحتاج إليها لفصل المنازعات. ولا منازعة في النكاح حال الوقوع؛ بل هو عقد تمليك بلا شهود؛ كالبيع والهبة. ولعامة العلماء قول النبي صلعم: لا نكاح إلا بشهود؛ وحقيقة، لا لنفي أدخل عليه عامًا. وعن عمر: أيما امرأة نكحت بغير بينة فاضربوها، الحد.
قال القاضي أبو زيد: والمعنى فيه أن النكاح مخصوص من بين سائر التمليكات، والمعاملات بشرط الإعلان، وأن لا يقع سرا. إلا أنا نقول هذا الإعلان بالشهود، وعندك بالإفشاء. والصحيح ما قلناه؛ لأن شرط الحد ما يقاربه، كحل المرأة، وعدم العدة، والردة؛ والشهادة تقاربه وتجتمع معه؛ والإفشاء والإساغة تتعقبه. ولأن المطلوب من الإعلان الصيانة عن التجاحد لعظم خطره. والصيانة عن ذلك إنما يكون بالشهادة. فإنها تكون حجة المدعي على الجاحد. والخبر الثابت هو المقصود، لا الخبر الذي لا يثبت. فعلم أن الأصل في إفشاء هذا ما كان بالشهود؛ إذ كان
стр. 458
القصد به الثبوت عند الجحود. هذا لأن النكاح حكمه حكم النفوس، لا حكم الأموال. وله زيادة خطر ليست بملك المال. والشروط الزائدة لجوازه تعلق بهذه الزيادة، لا بمطلق التمليك. فلا يبقى لهم شيء إلا أن يسعوا لإبطال الزيادة، وأنها غير مؤثرة. -والله أعلم.
٤١٥ - مسألة
قال القاضي أبو زيد: قال علماؤنا -رحمة الله عليهم -: عدد الرضعات ليس بشرط لإيجاب الحرمة. وقال الشافعي: العدد خمسًا، وهي خمس رضعات، ما يكتفي بها الصبي، لا خمس مصات، لما روى عبد الله بن الزبير عن النبي صلعم أنه قال: لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان؛ وعن عائشة رضها أنها قالت: وإن مما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فينسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن.
وأما المعنى فهو أن الرضاع إنما كان يثبت الحرمة؛ لأنه سبب النشوء. فإن الولد لا يكاد ينشؤ بغيره. فيصير معنى بعضها صفة لحمًا وزيادة. فأشبه الماء الذي خلق منه، فصار بعضًا منه أصلاً. وإليه أشار النبي صلعم فقال: الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم. والرضاع ما فتق الإمعاء ولهذا نسخ رضاع الكبير. لأن بدنيته لا تقوم بالرضاع عادة، ولا يكتفي؛ كما لا يكتفي الصغير بدون اللبن. فلا يثبت حكم الجزئية برضاع الكبير.
стр. 459
وتبين أن الحكم غير متعلق بنفس اللبن، ولكن بما يقع به النشؤ. ثم نفس اللبن لا يتعلق به النشؤ، ولا بمقدار. وعادات الصبيان في الرضاع بالمصة. واللبن نفسه في المصات يجري؛ فلا يمكن التقدير به. فقدرنا بالسبب الظاهر، وهو الرضعات؛ كما أقيم الوطء مقام الماء في إثبات الحرمة. لأن الماء أمر خفي فأقيم سببه مقامه. ولما قام الارتضاع الذي هو سبب ظاهر مقام اللبن، قيل: إذا كثر فعل الصبي ارتضاعًا، تعلقت به الحرمة، قل اللبن أم كثر؛ وإذا قل الفعل لم تتعلق به الحرمة، وإن كثر اللبن؛ كما في باب الرخص، لتعلقه بالمشقات. فإن السفر في مشقة الحركة، لما أقيم بكونه سببًا له مقام المشقة، تعلقث به الرخصة، بحقيقة المشقة أم لا. وقد ذكرنا أمثلته في غير موضع. فأما اللبن إذا خلط بالماء والماء غالب، فإن الحرمة لا تثبت عندي إلا بشرب الصبي مع اللبن قدر ما لو شربه وحده ثبتت الحرمة. إنما قول لا يسقط حكمه تغليبًا لما عليه وإن تغير جنسه؛ لأن ذاته لا يتبدل؛ ولكن يختفي لغلبة غيره عليه. فهو كما لو شرب اللبن، ثم ماءً كثيرًا بعده. وكذلك الحرمة تثبت وإن جعل اللبن أقطًا أو جبنًا مثلاً؛ لأنه ليس إلا بعين الجنس وحكم العين الأول عندي لا يسقطه. حتى لو كان غصبًا لا ينقطع المغضوب منه.
ولعلمائنا قول الله تع: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.
стр. 460
وتأويلها وأمهاتكم تسبب الإرضاع، كما قال في الأخوات؛ كما قال "أستاذك الذي علمك" -يعني سبب التعليم. كان ولا خلاف في تأويل الآية أن المراد به الأمهات بالرضاعة كالأخوات. وهذا الوصف ثبت بنفس الفعل دون الكثير منه. فإن الإرضاع فعل، كالضرب والإعطاء؛ فيتصف الفاعل به وإن قل الفعل.
فإن قيل: هذا هكذا لغة، ولكن بالشرع اسم لفعل مقدر؛ كالسفر قدر بثلاثة أيام شرعًا، وما كان يتعارف لغة. فالحيض بعشرة عندك وما يتعارف لغة. -قلنا: نعم؛ هنا جائز بدليله، ويكون زيادة على النص لأن الوصف بفعل لا يقتضي تكرار الوصف لغةً. كالقائم يسمى به بقومة واحدة، لا بقومات؛ والضارب، ونحوه. والزيادة تجري مجرى النسخ؛ فلا يجوز إثباتها بخبر الواحد، ولا بالقياس. وعن النبي عم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. والحرمة من جهة النسب لا تتعلق بتكرار سببه، وهو الوطء؛ بل يثبت بنفس الوطء وبالنكاح الذي يقصد للوطء عند الإمكان، بلا خلاف. وإن عدم، فبدل السببية به، لا غيره، لتكرار المضاف في الباب. على أن نفس الرضاع لا يقتضي عددًا، والعدد تارة علته.
وأما حديث عبد الله بن الزبير فقد رده عبد الله بن عمر، فقال، لما بلغه: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير -يعني ليس في الآية ذكر
следующие страницы →