← Джавами‘

Джавами‘ · id 18285

كتاب الفنون لابن عقيل

أبو الوفاء ابن عقيل

Полный текст (756 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

الولي. فكانت الولاية من الولي أهلًا للطلب. والنصوص تدل من كتاب الله تع على ما قاله أبو حنيفة، قوله تع: ﴿حتى تنكح زوجًا غيره﴾؛ ﴿أن ينكحن أزواجهن﴾؛ ﴿أن يتراجعا﴾؛ ﴿فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف﴾. وحقيقة هذه الإضافات على المباشرة، دون الطلب والأمر. ومن ذلك قوله: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها﴾. وهذه دلالة واضحة؛ لأنه ليس في الآية ذكر ولي. وكذلك الأخبار. فما روي عن عائشة رضها نص لا يحتمل التأويل. وإنه صحيح؛ رواه محمد وأثبته ي التصانيف. فلا يكون ما روي من الطعن فيه مقبولًا. ويحتمل أن الطاعن لم يثبت عنده بطريقة؛ وجهل طريقة مجيئه لا يدل على فساد طريق الثبوت عند من أثبته بطريقة. ويروى لأبي حنفية أخبار أخرى أنه خطب أم سلمة، فقالت: ((إن أوليائي غيب.)) فقال عم: ((ليس منهم من يكرهني.)) ثم قال لعمر ابنها: ((قم فزوج أمك مني.)) ففعل. فيكون بغير ولي. وعند محمد يحتمل أنه كان بالغًا؛ ويحتمل أن رسول الله كان مخصوصًا بالولاية، على ما نص عليه القرآن: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾؛ ولأنه كان سلطانا؛ وكان مخصوصًا بالإشفاق، معصومًا عن الخيانة والتهمة. والولاية تثبت بالسلطنة كما تثبت بالقرابة؛ والتقدم يثبت بالشفقة وانتفاء تهمة الخيانة لا باسم الأبوة والأخوة.

стр. 457

٤١٤ - مسألة قال القاضي أبو زيد الدبوسي في الأسرار: ومن شرط النكاح الشهود. وقال مالك: الشرط هو الإعلان؛ لأن الله تع ما شرط الشهود في النصوص المبيحة. وقال النبي صلعم: أعلنوا النكاح ولو بضرب الدفوف. فصار الإعلان شرطًا بأمر النبي صلع. ورفع إلى عمر رضه نكاح الشهادة رجل وامرأة، فقال: هذا نكاح السر، ولا أجيزه. فعلل في فساده بأنه سر؛ ولأن الشهادة حجة يحتاج إليها لفصل المنازعات. ولا منازعة في النكاح حال الوقوع؛ بل هو عقد تمليك بلا شهود؛ كالبيع والهبة. ولعامة العلماء قول النبي صلعم: لا نكاح إلا بشهود؛ وحقيقة، لا لنفي أدخل عليه عامًا. وعن عمر: أيما امرأة نكحت بغير بينة فاضربوها، الحد. قال القاضي أبو زيد: والمعنى فيه أن النكاح مخصوص من بين سائر التمليكات، والمعاملات بشرط الإعلان، وأن لا يقع سرا. إلا أنا نقول هذا الإعلان بالشهود، وعندك بالإفشاء. والصحيح ما قلناه؛ لأن شرط الحد ما يقاربه، كحل المرأة، وعدم العدة، والردة؛ والشهادة تقاربه وتجتمع معه؛ والإفشاء والإساغة تتعقبه. ولأن المطلوب من الإعلان الصيانة عن التجاحد لعظم خطره. والصيانة عن ذلك إنما يكون بالشهادة. فإنها تكون حجة المدعي على الجاحد. والخبر الثابت هو المقصود، لا الخبر الذي لا يثبت. فعلم أن الأصل في إفشاء هذا ما كان بالشهود؛ إذ كان

стр. 458

القصد به الثبوت عند الجحود. هذا لأن النكاح حكمه حكم النفوس، لا حكم الأموال. وله زيادة خطر ليست بملك المال. والشروط الزائدة لجوازه تعلق بهذه الزيادة، لا بمطلق التمليك. فلا يبقى لهم شيء إلا أن يسعوا لإبطال الزيادة، وأنها غير مؤثرة. -والله أعلم. ٤١٥ - مسألة قال القاضي أبو زيد: قال علماؤنا -رحمة الله عليهم -: عدد الرضعات ليس بشرط لإيجاب الحرمة. وقال الشافعي: العدد خمسًا، وهي خمس رضعات، ما يكتفي بها الصبي، لا خمس مصات، لما روى عبد الله بن الزبير عن النبي صلعم أنه قال: لا تحرم المصة والمصتان ولا الإملاجة والإملاجتان؛ وعن عائشة رضها أنها قالت: وإن مما أنزل الله في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن فينسخن بخمس رضعات معلومات يحرمن. وأما المعنى فهو أن الرضاع إنما كان يثبت الحرمة؛ لأنه سبب النشوء. فإن الولد لا يكاد ينشؤ بغيره. فيصير معنى بعضها صفة لحمًا وزيادة. فأشبه الماء الذي خلق منه، فصار بعضًا منه أصلاً. وإليه أشار النبي صلعم فقال: الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم. والرضاع ما فتق الإمعاء ولهذا نسخ رضاع الكبير. لأن بدنيته لا تقوم بالرضاع عادة، ولا يكتفي؛ كما لا يكتفي الصغير بدون اللبن. فلا يثبت حكم الجزئية برضاع الكبير.

стр. 459

وتبين أن الحكم غير متعلق بنفس اللبن، ولكن بما يقع به النشؤ. ثم نفس اللبن لا يتعلق به النشؤ، ولا بمقدار. وعادات الصبيان في الرضاع بالمصة. واللبن نفسه في المصات يجري؛ فلا يمكن التقدير به. فقدرنا بالسبب الظاهر، وهو الرضعات؛ كما أقيم الوطء مقام الماء في إثبات الحرمة. لأن الماء أمر خفي فأقيم سببه مقامه. ولما قام الارتضاع الذي هو سبب ظاهر مقام اللبن، قيل: إذا كثر فعل الصبي ارتضاعًا، تعلقت به الحرمة، قل اللبن أم كثر؛ وإذا قل الفعل لم تتعلق به الحرمة، وإن كثر اللبن؛ كما في باب الرخص، لتعلقه بالمشقات. فإن السفر في مشقة الحركة، لما أقيم بكونه سببًا له مقام المشقة، تعلقث به الرخصة، بحقيقة المشقة أم لا. وقد ذكرنا أمثلته في غير موضع. فأما اللبن إذا خلط بالماء والماء غالب، فإن الحرمة لا تثبت عندي إلا بشرب الصبي مع اللبن قدر ما لو شربه وحده ثبتت الحرمة. إنما قول لا يسقط حكمه تغليبًا لما عليه وإن تغير جنسه؛ لأن ذاته لا يتبدل؛ ولكن يختفي لغلبة غيره عليه. فهو كما لو شرب اللبن، ثم ماءً كثيرًا بعده. وكذلك الحرمة تثبت وإن جعل اللبن أقطًا أو جبنًا مثلاً؛ لأنه ليس إلا بعين الجنس وحكم العين الأول عندي لا يسقطه. حتى لو كان غصبًا لا ينقطع المغضوب منه. ولعلمائنا قول الله تع: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة﴾.

стр. 460

وتأويلها وأمهاتكم تسبب الإرضاع، كما قال في الأخوات؛ كما قال "أستاذك الذي علمك" -يعني سبب التعليم. كان ولا خلاف في تأويل الآية أن المراد به الأمهات بالرضاعة كالأخوات. وهذا الوصف ثبت بنفس الفعل دون الكثير منه. فإن الإرضاع فعل، كالضرب والإعطاء؛ فيتصف الفاعل به وإن قل الفعل. فإن قيل: هذا هكذا لغة، ولكن بالشرع اسم لفعل مقدر؛ كالسفر قدر بثلاثة أيام شرعًا، وما كان يتعارف لغة. فالحيض بعشرة عندك وما يتعارف لغة. -قلنا: نعم؛ هنا جائز بدليله، ويكون زيادة على النص لأن الوصف بفعل لا يقتضي تكرار الوصف لغةً. كالقائم يسمى به بقومة واحدة، لا بقومات؛ والضارب، ونحوه. والزيادة تجري مجرى النسخ؛ فلا يجوز إثباتها بخبر الواحد، ولا بالقياس. وعن النبي عم يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب. والحرمة من جهة النسب لا تتعلق بتكرار سببه، وهو الوطء؛ بل يثبت بنفس الوطء وبالنكاح الذي يقصد للوطء عند الإمكان، بلا خلاف. وإن عدم، فبدل السببية به، لا غيره، لتكرار المضاف في الباب. على أن نفس الرضاع لا يقتضي عددًا، والعدد تارة علته. وأما حديث عبد الله بن الزبير فقد رده عبد الله بن عمر، فقال، لما بلغه: قضاء الله أولى من قضاء ابن الزبير -يعني ليس في الآية ذكر

стр. 461

العدد. وشرط العدد يجري مجرى النسخ؛ فلا يجوز بخبر الواحد. ولأن العدد يثبت شرطًا ثم نسخ بالآية على ما روي عن ابن مسعود رضه إلى أمر الرضاع إلى أن قليله يحرم. والرضاع اسم الفعل. وعن علي رضه: قليل الرضاع وكثيره سواء في إيجاب الحرمة. وقيل لابن عباس رضه: الناس يقولون الرضعة تحرم ... وكان ظاهرًا شرط العدد حتى كان رضاع الكبير ثابتًا. وكان ذلك في الابتداء. ثم نسخ رضاع الكبير بقوله: الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم. وأما حديث عائشة فمداره على عبد الله بن أبي بكر. وعن سفيان بن عيينة: كنا نسخر ممن يكتب عن عبد الله بن أبي بكر. ولأن من مذهب عائشة أنها كانت تشترط عشرًا، فقد روي أن أم كلثوم أخت عائشة أرضعت رجلاً رضعات، فلم يبلغ عشرًا؛ فكان لا يدخل على عائشة، لأنها كانت تشترط العشر لإثبات الحرمة. فلو كانت الرواية ثابتة، لكانت لا تعمل بالمنسوخ. وتبين بهذا أن العدد كان شرطًا في رضاع الكبير، وذلك لا يوجب في رضاع الصغير، لأن الصغير محل التربي بالرضاع دون الكبير. والعلة أعمل في محلها منها في غير محلها. وزيادة شرط العمل في غير المحل ليلتحق بالمحل لا يدل على ثبوته شرطًا في المحل. ولأن أكثر ما في الباب أن يكون في القرآن خمس رضعات يحرمن؛ وفيه أن الرضاع نفسه

стр. 462

محرم. ولا يحمل المطلق على المقيد. بل إذا تم حرمت بالاثنتين؛ وتحرم بنفس الرضاع بالآية المطلقة، على ما عليه مذهبنا في أصول الفقه. وجواب آخر ما ذكرنا في الجواب عن عبد الله بن الزبير. وأما المعنى ما ذكرنا أن اللبن في حق الصغار الذين تربيتهم به جعل بمنزلة الماء في إثبات الحرمة، يسند لبعضه. ثم الحرمة لم تتعلق بالرضاع في جميع المدة. ولأن ما يروي الصبي به، ويرد جوعه، كله. فثبت أنه متعلق بأدنى ما ينطلق عليه الاسم ذو عدد معين منه. لأن الاسم لا يحتمل العدد، على ما قلنا في الطلاق. وإذا نوى عددًا فيه لم يصح. ولأن سببه الماء والحكم فيه متعلق بعينه وبسببه، وهو الوطء، وبسبب الوطء، وهو النكاح، احتياطًا لأمر الحرمة. لئن لا تتعلق الحرمة فيما نحن فيه بمقدار بعد وجود الأصل، لأن القليل تيسر بقدره، أولى وأحرى. ولهذا قلنا جميعًا إن الحرمة تثبت من الرجل، لأن سبب اللبن الولاد؛ وكان بالمائين جميعًا. فتعدت الحرمة إلى من هو سبب اللبن وإن لم يوجد منه اللبن. فثبت بأن العبرة بنفس اللبن، وسببه الرضاع متعلق بنفس الرضاع. فإن قيل: إن الرضاع أمر مندوب إليه للصيان، وهو من باب الحسبة، وهو متعارف أيضًا، فلو قيل "إن نفسه يحرم"، لضاق الاحتراز عنه؛ فقدر بفعل صيانة، لا من النكاح المحرم. فالإنسان قد يذهب عليه ابتداؤه، ثم يتذكر أنه محرم فيزجر. ولا كذلك الحرمة

стр. 463

بسبب الماء. فإنه مما لا يقع غفلة في العادات. فاحتيط في باب الماء لإيجاب الحرمة. وههنا لا يفيد الحل. ولهذا جعل الطلاق. فإن الزوج يطلقها تارة غضبًا وتارة غيرة. ثم يندم، فيجعل عددًا احتياطًا. فلم يحرم حتى يكون ثلاثًا. قلنا: حرمة الرضاع ليست نظير حرمة الطلاق. فإن حرمة الطلاق تنتهي بزوج آخر؛ وحرمة الرضاع لا. وهذا لأن حرمة الطلاق الثلاث ثبتت عقوبة وزجرًا للزوج عن التعدي عن الواحدة إلى الذي يقطع الملك، لأنه مبغض إلى الله سح وتع. إلا أن أصله أبيح للخلاص من النكاح إذا خاف التعدي عن حدود الله فيه إن حل أو حد به عدد، فلم تقرن الإباحة بزاجر. فأما استيفاء كله بلا حاجة إليه فلم تجعل الآية آخر تعليلاً لما ببعضه وإن أبيح له بحق ملكه. فأما حرمة النسب والرضاع فإنما تثبت بحكم البعضية. وقد تثبت على الاحتياط لإيجابها أو احترازًا عن التمتع من نفسه كرامة له. فكان المرور على هذا الاحتياط أولى من إثبات التقدير للرضعات، لمكان أنها معتادة دفعًا للحرج؛ لأنه لا يخرج فيما يثبت كرامة؛ إنما هو مما يثبت عقوبة وزجرًا. -والله أعلم. ٤١٦ - مسألة منقولة من أسرار الدبوسي قال: لا رضاع في الكبير. وقال بعض الناس: الكبير والصغير سواء. واحتجوا بحديث سالم بن عبد الله، وهو قول عائشة رضها؛ وبظاهر

стр. 464

النصوص لهم تعلق. ولنا أن الرضيع في اللغة اسم الصغير، دون الكبير. لأنه سمي به لتربيته باللبن، لا لوجود الفعل. ألا ترى أن الكبير لا يسمى رضيعًا، وأنه كاسم الصبي يزول بالكبر وإن كان الكبير قد يتصابى. وروي أن أبا موسى الأشعري سئل عن رضاع الكبير، فأوجب الحرمة. ثم أتوا عبد الله بن مسعود فسألوه عن ذلك، فقال: أترون هذا الأسمط رضيعًا فيكم؟ فلما بلغ أبا موسى الأشعري حلف أن لا يفتي ما دام عبد الله فيهم. فعبد الله علمهم. وجه الفتوى بفوات الوصف الذي تتعلق به الحرمة. هذا، كاسم المأكول، لا ينطلق على ما لا يتغذى به وإن أكل، بل يقال "فلان أكل غير مأكول." وينطلق على المأكول وإن لم يؤكل؛ لأنه صالح للتغذي به، لسببه كان فعل الأكل حكمه. فكذلك الرضيع اسم للصغير الذي تربيته باللبن لضعفه، وإن ربي بشيء آخر. وإذا لم يصر الكبير بشرب اللبن رضيعًا لا تصير مرضعةً. وهو مذهب ابن عباس وعمر وابن عمر وأزواج النبي صلعم عن عائشة. وكن يقلن: ما نرى رضاع الكبير إلا رخصة لسالم بن عبد الله. وقال عم: الرضاع ما أنبت اللحم وأنشر العظم وفتق الإمعاء. وهذا لا يكون إلا في الصغير الذي يسوغ طعامه اللبن بسائر الأخبار التي ذكرناها في بيان مدة الرضاع. -والله أعلم.

стр. 465

٤١٧ - مسألة إذا حلب لبن ميتة فشربه صبي، أو ارتضع، كذلك ثبتت الحرمة. وقال الشافعي: لا تثبت. وهذه تنبني على أصل قد مر في الزنا بنشر تحريم المصاهرة. وقد يتكلم فيها ابتداءً بأنها بالموت لا تتصف بالحل والحرمة. فكذلك اللبن المتولد منها. وصار لبنها بمنزلة لبن البهيمة. ألا ترى أنها لو وطئت، لم تثبت له الحرمة، كوطء البهيمة؛ كذا رضاعها. إلا أنا نقول إن اللبن كما كان قبل الموت صورة ومعنى، ثم الحرمة كانت تتعلق به قبل الموت، فكذلك بعده لعدم التغير بالموت في حقه. أما الصورة، فذلك محسوس؛ وأما المعنى، فالغذاء على ما ذكرنا أن الشرع حرم؛ لأنه غذاء الصغير، ويقع به النشؤ. ومعنى الغذاء باقٍ بعد موت الأصل لدليلين. أحدهما أن اللبن لا يموت بموت الأصل؛ كالشعر، والعظم، وجميع ما يبان من الحي، فلا يحس ولا يتألم به الحي، على ما قررناه في موضعه. وعن عمر رضه: اللبن لا يموت. فإن حلة الموت، فما فيه إلا النجاسة. فأما سقوط معنى الغذاء، فلا. فإن لحم الميت يغذي؛ ولهذا حل عند الضرورة. ولأنه لا فرق بين جرح الصيد وبين جرح الشاة، والصيد يحل بالجرح للغذاء، فدل على أن الجرح في الشاة لا يمنع الغذاء. وكذلك السمكة ميتة وتؤكل للغذاء. وإذا ثبت أن الموت لا يحدث إلا النجاسة، ولا يمنع الغذاء، صار بمثابة ما لو حلب حال الحياة في قارورة نجسة.

стр. 466

وهذا بخلاف الوطء. لأنه إنما يوجب المحرمية لما كان بمنزلة الماء؛ لأنه سبب الولاد الموجب للبعضية؛ ويكون سببًا في محل الحرث، وبالممات لا يكون محلا للحرث. ألا ترى أن المحل مما يستباح بالعقد. ولأنه لا يتصور على الميتة، فصار وطوها كاللواطة. ولأن الوطء إنما يكون سببًا للماء عادة في محل الشهوة. والإيلاج بلا شهوة لا يكون سببًا للماء قط. وبالماء يخرج عن حال الاشتهاء؛ بل تصير الطباع تنفر عن مقاربة الميت استيحاشًا منه قبل الوطء. وإنما إن ندر ذلك من بعض الأحياء، كان لغلبة الشهوة وفرط السبق؛ كما يكون بالاحتلام عن فكرة وبالنظر. ولا يكون هذا إيلاج وطء على المتعارف منه؛ ويكون كوطء صغيرة لا يشتهى مثلها. وذلك لا يوجب الحرمة عند أبي حنيفة ومحمد؛ بل أبعد. لأنها تنكح، وهذه لا تنكح. بل هو أشبه بالولد يخرج من بطنها بعد الموت، فإن الحرمات تتعلق بهذا الولد، كما لو ولدت في حال الحياة. لأن الولد لم يتغير عن حاله بموتها. وأم قوله اللبن فرعها، وهي لا توصف بالحل والحرمة، لا يحل للرجال غسلها، ولا النظر إلى عورتها، ويحل للنساء؛ فكذلك المحارم؛ هم يدفنونها، وكذلك هم يتهمونها بلا حرمة بين الأجانب؛ إلا أنها لا يعقد [عليها] العقد، لخروجها عن محل الوطء. فإنما خرجت عن محل الوطء لأنها ليست تحرث كالرجل؛ ولأن اللبن لا يتولد بعد الموت، وإنما يتولد حال الحياة، كالبيضة. والولد يتولد في الضرع وعاء له؛ واتصف بصفة

стр. 467

الأصل؛ وصار بمنزلة ما لو حلب اللبن منها وهي حية، ثم شرب الصبي بعد موتها. ألا ترى أنا نقول إذا وهب اللبن في الضرع، وأمره بالحلب فحلب، صحت الهبة. وكذلك إذا اشترى شاة لبونًا تلبن. فإن كان اللبن المنفصل أكثر مما في الضرع جاز ليكون اللبن بمثله والزيادة بأن الشاة ولو لم يعتبر ما في الشاة من اللبن قائمًا لم يثبت حكم الزنا. فثبت أن اللبن بمنزلة المودع فيه [من] وجه ومن وجه صفة قائمة للشاة، يقال شاة لبون. وعلى هذا يجب الاعتبار حال الفصل عوضًا. إلا أنا نترجح الشبه الأول احتياطًا لباب الحرمة كما لو جعل صلة في باب الربا احتياطا لأمر الربا. فهذه المسألة فرع الحقيقة لمسألتين. إحداهما أن الابن يموت، على أصل الشافعي، فيصير حرام التناول لعينه؛ كالمرأة بغير عقد حرام الوطء بعينه. ثم قد ثبت من مذهب الشافعي أن حرمة الصهر لا تثبت بالزنا. فكذلك الحرمة بلبن الميتة لا تثبت عنده. لأن هذه الحرمة تثبت كرامةً للنسب، كالنسب والصهر. وعندنا تثبت به الحرمة، ولئن سلمنا أن اللبن يموت، لأن معنى التربية باق، وذلك بخلق الله تع. ولا حرمة فيه، على ما قلناه في مسألة الزنا. -والله أعلم. ٤١٨ - مسألة من الأسرار فضولي زوج رجلاً امرأةً، أو زوجها من نفسه بشهود، لم يتوقف؟ وقال أبو يوسف في قوله الآخر: يتوقف لأن قوله "زوجت فلانةً فلانًا"

стр. 468

عقد تام متى كان عن إذن بينهما، على ما عرف. فإذا لم يكن عن إذن، توقف؛ كما إذا وجد عن اثنين. وهذا لأن كل تصرف، لو صدر عن ولاية، نفذ. فإذا صدر عن غير ولاية وله تخير، توقف، على أصول علمائنا. وتبين بالنفاذ إذا كان عن ولاية أن قول الواحد عقد تام وليس بشطر؛ بخلاف ما إذا حضر المتعاقدان فأوجب أحدهما ولم يقبل الآخر حتى تفرقا، بطل الإيجاب. ولو كان عقدًا تاما لبطل وراء المجلس. كما لو قبل عن الآخر رجل أجنبي ثم تفرقا. لأن كلام الواحد إنما يكون عقدًا تامًا إذا قام مقام العاقدين، عبارة عنهما. وإنما يقوم أحدهما مقام الآخر عند غيبة الآخر أو توكيله. فأما إذا حضر بنفسه للعبارة بنفسه، فالآخر لا يقوم مقامه. فيصير شطر العقد بدلالة المال. ولنا أن قول الفضولي "زوجت فلانةً فلانًا" أو تزوجت فلانة" شطر العقد، فلا يتوقف على الإجازة؛ كما إذا حضر الآخر، وكما في البيع. وهذا لأن شطر العقد ليس بعقد. فكيف يتوقف على الجواز بالإجازة ولا جواز له بحال؟ وإنما يتوقف على التمام بالجواز. والجواز إنما يصح من حاضر في المجلس ما بقي المجلس. والدليل على أنه شطر العقد أنه شطر إذا حضر الآخر. وصيغة الكلام لا تتبدل بحضرة الآخر وغيبته. ولأنه عقد معاوضة يحتاج إلى الإيجاب من الجانبين، كما في البيع، كما قاله الشافعي في المسألة الأولى. إلا أن عند الولاية يقوم مقامها في العبارة عنها، على ما تبين. فيكون كلامه كلامها، فيصير عقدًا

стр. 469

تامًا. فإذا عدمت الولاية لم يقم مقامها. فيكون كلامه شطرًا، كما قال أبو يوسف، فيما إذا حضر الآخر. والدليل عليه أنه إنما يستقيم عاقدًا إذا صار معبرًا عنها. ولا يمكنه ذلك إلا بولاية عليهما. ففعل عبارة الغير بعبارته صرف من التصرف عليه. ألا ترى أنه في باب الكتابة لم يستقم الواحد معبرًا عنهما، لما فيه من ملك اختيار التسمية، على ما بينا في المسألة الأولى. فلم يصر معبرًا في ذلك؛ فلم يصح. فهذا الذي عبر عن العقد بولاية نفسه وبصحة كلامه، وهو أمر مملوك له، فلئن لا يصح ملك الشطرين أولى وأحرى. ولما اقتصرت عليه صار البيع والنكاح سواء، والكتابة أيضًا. دل عليه ما قالوا في فضولي زوج رجلاً امرأة، ثم زوجه أختها، إن الأول لا يبطل. ولو نقلنا العبارة عنه إلى الزوج، لبطل؛ كما لو زوجته بإذنه. فإن قيل: هذا يبطل برجل طلق امرأته على ألف، فإنه يتوقف على إجازتها والطلاق بمال عقد معاوضة، وتوقف بالواحد. -قلنا: ما توقف؛ والمرأة إذا قالت "اخترت ما قال الزوج" لم يكن طلاقًا بمال. وإنما يتعلق بقبولها. لأن الطلاق بمال فيه تعليق الطلاق بالقبول؛ كما لو طلقها عن خمر، لم يقع إلا بالقبول. ومتى قبلت [أن] يقع بغير شيء رجعنا. وتعليق الطلاق بقبولها كتعليق الطلاق بمشيئتها أو شرط آخر؛ فيكون يمينًا. واليمين عقد فرد، لا عقد معاوضة يثمر بالحالف وحده.

стр. 470

إلا أنها إذا كانت حاضرة فلم تقبل حتى قامت، بطلت اليمين، لا لعدم الجواب، ولكن لفوات شرط الحنث. لأن شرط الحنث اختيارها ذلك وقبولها. والطلاق متى علق بمشيئة المرأة واختيارها كان مقصورًا على مجلس علمها؛ كما لو قال "أنت طالق إن شئت." ألا ترى أنها إذا كانت غائبة وبلغها الخبر فلم ترض حتى قامت، بطلت. ولو كان عقدًا تامًا معاوضة، لم تبطل بالقيام عن مجلس العلم من غير جواب؛ كالبيع الموقوف. والخلع على مالها حتى صار عقدًا في حق المال عليها، فإنه لا يبطل بقيامها عن المجلس من غير جواب. فالقيام عن المجلس بلا جواب ليس بدلالة الرد. فإن الإنسان قد يسكت عن الجواب من غير رده لالتباس وجه الصواب عليه، فلا يثبت به رد. ولكنه نقض للمجلس؛ فيبطل به ما وقف صحته عن المجلس، وهو الخطاب المتعلق تمامه بالحول، لا غير. -والله أعلم. ولهذا قال أبو حنيفة ومحمد إن الكافر لا يصح لعانه ما لم يقبل عنه حاضر؛ لأن فيها عقد تمليك، كالهبة. فيكون كلا للتمليك، شطرًا للعقد، لأن تمامه بالتملك. وإنه يفتقر إلى جواب التمليك في الأصل لعدم ولاية الغير عليه. والله أعلم. ٤١٩ - قال حنبلي: مسألة القيم مال يجب على سبيل الظهرة؛ فلا تجري فيه القيمة، كالعتق.

стр. 471

قال حنفي: إنما لم يجر إخراج القيمة عن العتق لأنه يصير دفعًا إلى غير المستحق. فقال الحنبلي: بل كان يجب أن يجري دفعها إلى مكاتب يفك بها رقبته من الرق. فيكون دفعًا إلى المستحق عوضًا عن إيقاع العتق فيه، لحصول عتقه بما دفع إليه من قيمته. ولأن الفقراء مستحقين في الكفارة لما أقيم مقام العتق. وإذا كان الله سح قد جعل الإطعام عن العتق بدلاً، والفقراء بدلاً من العبد، فالبدل قريب إلى المبدل تقريب شرع. فكان قياس الرفق بالإطعام يسد الخلة، وقياس محل على محل، وهو محل الغرم في الدين، لتنفك ذمة المدين من دينه، كما تنفك بالعتق رقبة العبد من رقه. ألا ترى أن الله سح فرق بينهما، فقال: ﴿فلا اقتحم العقبة﴾، ﴿وما أدراك ما العقبة﴾، ﴿فك رقبة﴾، ﴿أو إطعام في يوم ذي مسغبة﴾، ﴿يتيمًا ذا مقربة﴾. ولأنا إذا حققنا رأينا أن المستحق هو الله سح، والعبد محل العتق. فصرف القيمة عن العتق إلى محل آخر لا يخرجه أن يكون منصرفًا إلى المستحق، وهو الله سح. ولأنه إن كان قد دفع في العتق إلى غير المستحق، فههنا قد دفع غير المستحق. ٤٢٠ - فصل أرى في القرآن آيات تفزعني؛ وأراهم يطمئنون بها؛ فأنا وهم

стр. 472

فيها طرفي نقيض. يقول الله سح وتع: ﴿الكافرون هم الظالمون﴾. ويقول من الوعيد ما يطبق على الفكار وما تقشعر منه الجلود، مثل قوله تع: ﴿لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون﴾، ﴿بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون﴾. وهذه كلمة تحتمل كفر الإلهية؛ وكفر هو الجحد بالبعث، وكفر هو كفران النعمة. ما يؤمني أن يكون واقعًا على كفران النعمة؟ فما وجه فرحي بتصوري أنها ترجع إلى كفر الجحد؟ ليس هذا من الحزم أن أجتهد في مجانية كفران النعم، خوفاً أن يكون الوعيد راجعًا إلي بكوني كافرًا للنعمة. وكما أن كفر الجحد كفر وتغطية للمنعم، وما يستحقه من الإتيان تغطية النعم بمقابلة الحياة واستعمالها فيما يسخط كفران أيضًا، لا آمن والله أن يكون قوله ﴿لا يكفون عن وجوههم النار﴾ راجعًا إلى من كان لا يلوي وجهه عن البهت والنظر الحرام، ﴿ولا عن ظهورهم﴾ راجعًا إلى من تجنب ظهره الحرام، وإلى من كان يلتجئ إلى الظلمة في استيفاء الحقوق، والاستقصاء بما يزيد على الحقوق، إلى أمثال ذلك. ألا تراه قال في الآية الأخرى في مانع الزكاة: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾؛ لأن الجبهة تنزوي بالتعبيس في وجه الفقير، والجنب يلوى به عن الفقير، والظهر يستدبر به الفقير.

стр. 473

ولكل عضو من هجران الحقوق حظ؛ فله من الوعيد مثله. ٤٢١ - شذرة قال شافعي لحنفي في مسألة إخراج القيمة في الزكوات: أليس لو أخرج صاعًا جيدًا عن صاعين، أو نصف صاع عن صاع، لم يجز؟ فدل على أن الاعتبار بالقيمة باطل. قال الحنفي: ذاك نقصان عن المقدار الشرعي. قال الحنفي: والمقدار معتبر بقوله: صاعًا من تمر. وقوله في الرقة: ربع العشر. والجودة تلغى، كما قلنا في باب الربا. قال الشافعي: كما أن المقدار معتبر، وهو كمية العين، فالعين معتبر. فإذا جاز أن تكون القيمة في بعض العين بدلاً من كل العين، فالجودة وزيادة القيمة في ذات العين لم لا تكون محسوبة عن بعض العين؟ سيما والقصد عندك سد الخلة. والجودة غير مستحقة إذا كانت زروعه ردية. فإذا أخرج الجيد، ففيه من الاقتيات والطعم زيادة. لأن ربع الجيد أكثر، وطعمه أطيب، وهو أغذى. فلم لا يكون ما فيه من القيمة لأجل الفضل يقوم بإزاء المقدار؟ فلما لم يقم، بطل حكم التقويم، وصار الحكم للتقدير؛ وهو معنى يعود إلى العين. لأن الكل هو العين، والنصف بعض العين. فإذا لم تسد القيمة مسد بعض العين، لا تسد مسد العين.

стр. 474

٤٢٢ - فصل إذا كان كل مخلوق يشتمل على نقائص وفضائل، فما أغنى المادح والذام عن الكذب إذا سخط أو رضي فإذا غضب وجد نقائص يكون بذكرها صادقًا. فما باله وإلحاق النقص بنفسه بكذبه؟ وإذا رضي فوجد فضائل، فما باله يكذب بذكر ما لا يجد مع وجود ما يمكنه المدح به ويكون صادقًا؟ فما باله ألحق المدحة بغيره والنقيضة بنفسه حيث زاد بما لم يجد؟ ألا ترى أن الله سح، لما ركب عيسى ما بين فضل هو النبوة وإظهار المعجز على يديه بإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص، وغلا فيه قومه فقالوا إنه إله، قال فيه: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾. وهذا مدح يقتضي النبوة. ثم قال: ﴿كانا يأكلان الطعام﴾. وهذا نقص في الكمال يقتضي التغذية، وهي في الحقيقة قيام الذات بغيرها، وحاجتها إلى التقويم بسواها. وهذه سمة تنافي عنا الإلهية. فإن الإله ما احتاجت إليه الأشياء، واستغنى بذاته عن الأشياء. وأراد بذكر هذا النقص نفي العلو فيه بدعوى الإلهية. فما [من] شيء إلا وقد ضمنه الله نقصًا وكمالاً. فما أغناك عن الكذب بالتزيد في النقائص أو الفضائل والخصائص؟

стр. 475

٤٢٣ - شذرة كره العلماء ترك النكاح في حق الصلحاء، خوفا عليهم من الرهبانية المبتدعة. وكرهوه في حق المتحرمين المتبذلين، خوفًا عليهم من مواقعة الزنا، وطلبًا لتحصينهم عنه. فلا خير في العزبة إذًا إلا لرجل لا شهوة له، يتخفف بالعزبة كيلا يتمون بحقوق لا قدرة له على الوفاء بها. روى في الحديث أن الصحابة سألت رسول الله: ﴿أنقضي شهواتنا ونثاب عليها؟ " فقال: "نعم." -يعنون في باب النكاح. وهذا منه صلعم يشير إلى معنى، لا إلى نفس قضاء وطر الفرج وشهوة النفس، لكن لأن في طي النكاح والمباضعة فيه إتباع سنة وإيثار إكثار لعبيد الله في هذه الأمة. ومعلوم أن من دعا إلى الله عبدًا موجودًا، فكان جهبذًا في دعايته وهدايته، كان ممدوحًا بذلك مثابًا. فكيف بمن سعى في إيجاد عبد من عبيد الله يكثر به أمة رسول الله، حيث قال: تناكحوا تناسلوا أكاثر بكم الأمم. وما أقدر المكلف أن يجعل جميع حركاته طاعات لله! كالنفقة على عياله، وأكل الطعام قصدًا لإحياء نفسه وتقويتها على طاعة ربه؛ كقول السفير صلعم: أكل الهريس لا يقوى به على قيام الليل. لو قصد قاصد بنومه تقليل معاصيه، أو تنفير نفسه عن شر اليقظة، لكان في نومه طائعًا. فاجتهد أن تجعل جميع أفعالك طاعات، حتى اللذات. ونيل الشهوات يقصد به تحلية الحمد لله إلى النفس والعيال والأهل، وتحبيب المنعم سح إلى الخلق.

стр. 476

٤٢٤ - مقابسة اجتمع جماعة من أهل العلم فتذاكروا شأن النكاح وهل الأفضل تركه لمن استغنى عنه بنوع صرف كإبردة، أو عنة، أو فتور نفس بضعف أو كبر، أم الأفضل التلبس به. فقال بعضهم: بل الأفضل تركه. لأن الله سح مدح يحيى بقوله: ﴿سيدًا وحصورًا ونبيًا من الصالحين﴾. ومعلوم أن الحصور الذي لا حاجة له ولا أرب في هذا الشأن. وإلى هذا المعنى أشار النبي صلع حيث قال: ليس منا إلا منهم، أو عصى، إلا أخي يحيى. وما مدح الله عليه، فهو الفضل. قال آخر مستدلاً على أن النكاح مع هذه الحال أفضل، فقال: الذي أشرع فيه أولاً أن أقول: معلوم أن الحصر ليس يتحصل به أكثر من المنع عن الزنا. ومعلوم أن نبينا صلع كانت عصمته مانعة من الكبائر. ومع ذلك نكح فأكثر، ولم يقنع بالواحدة. فكانت عصمة الله سح بالألطاف التي يصون بها النبوات مع التحصين بالواحدة والاثنتين معينًا له عماد زاد من تلك الأعداد. ثم إنه تزوج. ولا يجوز أن يحمل نكاحه على إفراط في قضاء وطر النفس وشهوة الفرج. فإنه أبان عن الغرض في أصل وضع النكاح. فخاطب به أمته، فقال: تناكحوا تناسلوا تكثروا، أباهي بكم الأمم. فتراه صلع يحث على النكاح لغرض، فضل وسلك غير مسلكه الذي حث عليه، من قصد الإيجاد لعباد الله، والمباهاة لأمم الأنبياء قبله؟ كلا!

стр. 477

قال في عرض كلامه: وأما يحيى فما أسلم أنه مدحه بحصر في الطبع. وهل ذلك مدح وما وضع نبينا صلع على ضده يكون مدحًا؟ فلو كان محو شهوة النكاح عن الطبع مدحة، لكان إيجادها مذمة. والنبي صلع ظهر من حاله بكثرة النكاح والميل إلى النساء ما دل على أنه شهي إليه ذلك، وما خص به من البنية والطبع فهو أفضل. لأنه صلع نبي على أكمل المباني وأفضلها. ثم حلي بأجمل الحلى وأكملها. ألا تراه كيف شق صدره وأخذ حظ الشيطان منه وغسل قلبه؛ فلو كانت شهوة النساء حظا للشيطان، لزالت عنه كما زال عنه الكبر والبخل والجبن والشح والكذب والخيانة. وكيف لا تكون محبة النساء فضلا في الطبع، وهي عناية الحكيم الأزلي بدوام العالم الكلي، جعلت الفصل الصحة لإيجاد النسل، حتى الأرض أفضلها المنبتة حتى سميت طيبة. فقال ابن عباس في قوله: ﴿صعيدًا طيبًا﴾ بأن الطيب القابل لماء المطر المنبت للربيع والزهر. وما ذلك إلا لأن النشؤ كمال. ومعلوم أن الجواد أهطل وجاد. والأرض إذا أنبتت، والريح إذا ألقحت، كانت أفضل؛ حتى إن الله سح وصف ريح قوم عاد بالعقيم لإعدام الإلقاح. وإذا كان في الطبع فضلاً، كان أيضًا في الشرع؛ حيث يكون التارك للجماع على وجه الحظر المعتصم بالسنة والأمر مثابًا على صرف الشهوة إلى السنة، فهو مثاب ببترك الزنا، ومدافعة النفس عنه مثاب على قصد الولد اتباعًا للسنة، وهو تكثير الأمة. لم يبق مع هذه القاعدة إلا أن يكون الحصر في يحيى عصمة، لا

стр. 478

إعدام شهوة. ولو كان كذلك، لكان مدحة له؛ حيث لطف به فلم يجعل له معرضًا بالهمة. والباري تارة يخفف بإعدام طرق المعصية والموصلات إليها، كإفقاره لمن أفقره، لعلمه أن الغناء يفسده؛ وتارة يجعل الغناء محنة وزيادة تكليف، ليقوم بشكر المال وينجنب بطره وأشره، فيكون زيادة ثواب. ٤٢٥ - قال بعض الحكماء لبعض الملوك: وعليك بالإحسان. فازرع ببذل المال مودة أوليائك؛ واحصد بالسيف رقاب أعدائك؛ وعاقب للأدب، لا للغضب؛ فالمعاقب للغضب يشفي نفسه، والمعاقب للأدب يصلح رعيته. ٤٢٦ - استدل حنبلي في مسألة الخلوة ، فقال: تمكنه من الاستيفاء للمنافع يقوم مقام الاستيفاء. فقيل له: ولم كان كذلك؟ هذا نفس الدعوى وشرح المذهب! فقال: لأن العقد على المنافع وضع للحاجة. لأن المنافع تذهب ضياعًا؛ وبالناس حاجة إلى عوضها، وبالمحتاجين إلى الانتفاع [بها] ولا أملاك، لهم حاجة إلى العقد عليها. فالحاجة من المالكين إلى أخذ عوضها، والحاجة من غير المالكين إلى الانتفاع بها. وقد نسخ المالكين عن الإعارة، فاحتيج إلى الإجارة. ومنافع الإبضاع لا يمكن استيفاؤها إلا في ملك.

стр. 479

فإذا كان كذلك، وكان العقد على المنافع، فالمنافع لا يمكن قبضها وهي توجد وتنعدم عقيب وجودها. فجعل قبض محلها، وهي الزوجة، قبضًا لها، وجعل التمكن بالخلوة. لأن الغالب من أحوال الناس طلب الخلوة له؛ ولا يتأتى منهم في الخلوة. فإذا كمل التسلم بالتمكن من الاستيفاء، صار التلف تحت اليد كتلف المبيع من الأعيان تحت قبض المبتاع. فإنه يكون من ضمانه كذلك تلف هذه المنافع تحت قبض الزوج. وصار كتسليم العين المستأجرة إلى المستأجر. وتلف المنفعة بمضي المدة من حين انتفاع فاته يقرر الأجرة. كذلك ههنا. والذي يوضح هذا أن النفقة في عقد النكاح، عندنا وعندك يا شافعي، عوض. ولهذا يفسخ بها عقد النكاح إذا أعتبر بها. ويحجب بالتسليم ويسقط بمنعه، وهو النشور. ولا يقف استحقاقه على إيجاد الوطء، بل التمكن جرى في استحقاقها مجرى نفس الاستمتاع. قال له شافعي: لو كان هذا كالتمكن في الإجارة، وفي باب النفقة إذا بذلت له الزوجة فلم ينقلها من بيت أبيها، تجب عليه النفقة. وكذلك إذا عقد على الأعيان المستأجرة، فبذلت له وقيل له "خذها" فلم يأخذها حتى انقضت المدة، فإنه تجب عليه الأجرة عندك. وكذلك الأعيان المعينة لو تلفت كانت من ضمانه. فقل ههنا إنها إذا بذلت وهي في بيت أبيها ولم يأخذها مدة كان مكنه استبقاء المنفعة أن يستقر المهر.

стр. 480

٤٢٧ - فصل جرى في مسألة القيمة في الزكاة فقال حنبلي: معلوم أن إغناء الفقير فرع على غناء رب المال. ثم الغناء لم يحصل بكل مال؛ يجب أن يكون الإغناء بمال مخصوص لا بكل مال. ومن أجاز أخذ القيمة أجازها بكل مقوم. فأجاب حنبلي ناصرًا للرواية الأخرى، فقال: رب المال هو الحجة. فإنه جعل غنيا بعروض لها قيمة في التجارة. فقل أنه يجوز إخراج العروض بالقيمة من مال التجارة. فلما لم يجز أخذ العروض بالقيمة ولا الإغناء بها، وجعلت الغني غنيًا بعروض تبلغ قيمتها نصابًا، بطل تعويلك على إيجاز الخارج والإغناء بالغناء في حق أرباب الأموال. وكذلك لا تجعل الغناء في حق أرباب الأموال بالمعلوفة ثم تخرج إلى الفقراء المعلوفة. فقد أخرت إخراج ما لم يحصل به إغناء أرباب الأموال، ومنعت إخراج ما حصلت به الغناء في حق أرباب الأموال؛ فبطل ما عولت عليه. ٤٢٨ - فصل يا مصنوعًا في أحسن تقويم، يا مخصوصًا بالاطلاع والتعليم، يا مخاطبًا من بين الناطق والبهيم، يا معظمًا على كل ملك كريم، يا قبلة المسبحين، يا صفوة الخلق أجمعين! لي بين جنبيك عقل هو هبتي، وكتاب هو حجتي؛ ولي إليك رسول بما كلفتك من عبادتي مويد ببرهاني ومعجزتي.

стр. 481

فهل مع هذه التحف كلها علقت بك الحكمة؟ هل شرفت منك الهمة؟ هل تأدبت في الخدمة؟ هل عرفت وإن قصرت مقدار النعمة عر على؟ ؟ ثبت مع الماء والطين هدمته بأصغر غرض وأقل عرض؟ افتح عينك وانظر من أنت، وعبد من أنت. فصن نفسك عن الذل والضرع للخلق، واحملها على الإجمال في الطلب، فيما زاد الحرص رزقًا. والثقة بالله حصن منيع من الضراعة، وذخر يوفي على البضاعة، والتوسل إلى الخلق في الرزق شناعة، وملاك الأمر مع الله الاستجابة والطاعة. ٤٢٩ - شذرة [في] إجبار العبد على النكاح قال حنبلي: لا يملك منفعته؛ فلا يملك العقد عليها، لأنه يفضي إلى أن يعقد على ما لا يملك. قيل له: بل يعقد على ما يملك. قال: خصائص الملك المقابلة بالعوض واستبقاء المنافع بنفسه. فما لم يوجد ذلك، فلا ملك. ومعلوم أنه ليس في العبد منافع تستوفى بملك؛ أعني منافع وطء. قيل له: بل قد بان الملك وإنه لمصالح أملاكه. فإن التزويج يحصن ظهره ويعف فرجه. وذلك مما يحفظ ملك السيد. فهو كالفصد، يملكه لما يزول إليه من الشفاء والعافية. فحسن أن يقال إنه يملك على عبده إنكاحه؛ إذ به تزيد المالية فيه ديانة وعفة وسلامة مما ينهكه من

стр. 482

الحد. وكل ما زاد به ماليته، ولم يمنع منه الشرع، ملكه؛ كما يملك عنه إسقاء الأدوية والفصد والحجامة. وإن كان صورة لا يملكه، فإنه جراحة وإضرار في الحال؛ لكن ملكه لما تحته من الانتفاع. ووزن المال الذي هو المهر كوزن أجرة الطبيب وثمن الدواء؛ فهو التزام مال في حال النفع في الثاني تحصل به مالية في الحال غالبًا. ومن جحد التحصين بالنكاح كابر الطباع، فليس يجبر على الوطء، وإنما يجبر على العقد. قيل له: غاية ما ينتهي إليه التحصين عن الزنا في حق العقلاء النكاح. والوطء استيفاء حقه، يقف على طبعه، وليس بعده إلا الاستيفاء. فأما أن يحتاج إلى الجبر عليه، فلا. قال: فكان يجب أن لا يجبر المولى على الوطء ولا يخاطب به، بل يوثق إلى طبعه. وكان يجب أن لا تطالب به الزوجة، بل يقف على شهوتها. قيل: ما يجبر المولى، لكن يقال له: إما أن تفي، أو تطلق. وكذلك المولى سيد الأمة، يقال له: إما أن تطأ أو تتزوج أو تزيل ملكك لما فيه من الإضرار. قال: فكما أن الأمة إذا زوجها يجبرها ويخاطبها بتسليم نفسها وتمكينها من الوطء، كان يجب أن يقال للعبد إذا امتنع "وف ما يستحق عليك

стр. 483

من الوطء" إن لو كان مملوكًا عليه. وجميع ما ذكرتم في الفصد والحجامة هو الحجة عليكم. لأن ذلك يعقد مع الحجام والفصاد بغير إذن العبد. ثم ملك إجباره على تمكين الفاصد من فصده. فقل ههنا إنه يملك العقد ويملك إجباره على إبقاء الحق الذي يملك السيد، تحصين فرجه ونفع بدنه به. ٤٣٠ - وجرى في هذه المسألة فصل قال قائل: لو كان العقد على الاستمتاع، لما صح العقد على العنين والمجبوب، ولا الرتقاء من النساء، لعدم عضو الانتفاع، أو منفعته التي بها يستوفى الجماع. قال: أما الصحة، فإنها وقعت على ما بقي من الانتفاع؛ وهو اللذة بالقبلة والضم والمعانقة. ويصح العقد على ما بقي؛ وملك الفسخ بما فقد من النفع الكامل. فأما أن يعدم العقد -مهما بقي -ما يتناوله من مقصوده، فلا. وهذا بمثابة المالية في الأعيان المتمولة مهما بقيت صح العقد ووقع عليها، لكن تفسخ لما فات منها؛ كالتشويش، والعفن في الأعيان التي يتولد فيها ذلك؛ ولا يمنع صحة أصل العقد.

стр. 484

٤٣١ - شذرة في اشتراك العامد والمخطئ قال مالكي: معلوم أن زنا العاقل بالمجنونة لم يتم فعله إلا بفعلها. وفعلها مقصر على إيجاب الحد. والحد أسبق إلى الإسقاط بالشبهة. ثم لم يوجب مشاركة المجنونة مع تقصير فعلها من نهوض فعله موجبا للحد؛ كذلك العامد. قال حنبلي ناصر للرواية التي لا توجب القتل على شريك الخاطئ: إن الزانيين جعل كل واحد منهما فعله فعلاً كاملاً في استدعاء الحد. وفعل الرجل تام. والتقصير في المرأة، وهي محل تقصير، لا يعود بتقصير الزاني؛ لأن لفرجها حرمة، وهو مشتهى كفرج العاقلة. فلم يبق للتقصير وجه سوى أنها لم تقصد. وعدم القصد منها لا يخرجها أن تكون محلا كاملاً لقضاء شهوة الفرج. فهي كالنائمة والجاهلة بتحريم الزنا المخدوعة. وفي مسألتنا اختلاط فعل الخاطئ بالعامد قصر فعل العامد. لأن النفس لم يتحقق زهوقها بهذا العمد؛ لأن للجراحة خطأ حط من الألم في إزهاق النفس، فلا يتميز لنا الخطأ من العمد. واختلاط ما يوجب ما يسقط يوجب إسقاط ما يسقط بالشبهة؛ كمحل الوطء في الجارية المشتركة. فإن كل واحد من الشريكين، إذا وطئ، فقد وطئ في ملك غيره؛ لكن لما كان مختلطًا بملك نفسه، غلب الإسقاط. وهذا أشبه من وطء العاقل للمجنونة.

стр. 485

٤٣٢ - قال حنبلي في مسألة بيع ما لم يره: المبيع مستور بغيره: فلم يصح البيع؛ كما لو باع الحمل في البطن. قال حنفي: ولم إذا كان كذلك منع الصحة؟ قال: لأن ستره بنفسه كبيع الصبر والجوز لو وقف صحة بيعه على كشفه لم يصبح بيع أصلاً، لما يعلم في ذلك من المشقة بقلب الصبر بطنًا لظهر، وكسر الجوز، وفي ذلك إتلاف له، لأن قشره يحصنه عن الزنخ والتلف. وإذا كان مستورًا بغيره، فذلك الغير يمكن فصله عنه، فلا يشق؛ كما أن لظهور الحمل غاية، فلا يشق الصبر عليه. وجرى في المسألة: إن الصفات معقود عليها. فقيل له: لا نسلم. فدل على ذلك بأنها هي المقعودة في البيع المغلب. بدليل أن بيع قفيز من صبره يصح. والعين بين القفزان الكثيرة مجهولة. لكن لما علمت صفات القفيز بعلم صفات الصبرة كلها التي القفيز جزء منها، لا جرم صح. فعلم أن المغلب في المبيع الصفات. ٤٣٣ - قال من كره المتعة، أو قدم عليها غيرها -أعني متعة الحج: إنه يفضي إلى فعل محظور الإحرام والحج في وقت الحج وأيامه. فأقل الأحوال أن يكون الإخلال بالإحلال وتأخيره إلى وقت إحلال الحج أولى. وذلك في القران والإفراد.

стр. 486

قيل له: إذا لم تتعين علة الإحرام في أيام الحج كلها، بل جاز أن يؤخر الإحرام إلى أن يضيق وقت الوقوف مع كونه فاعلاً جميع المحظورات في أوقات الحج، جاز أن يحرم من إحرام العمرة فيها ويتحلل؛ لأن التحلل ليس بأكثر من ترك الإحرام بالحج ابتداء. وقد جاز في أيام الحج، فجاز التحلل في أيام الحج. ولأنه الأولى من وجه مخالفة الجاهلية. لأنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور. فإذا فعل لك بجواز الشرع، وجعل الجواز مع مخالفة أهل الشرك، كان أفضل. ووضع المتعة إنما كانت لمخالفة عادتهم. ٤٣٤ - استدل المرتضى علم الهدى الموسوي نقيب الطالبيين في مسألة متعة النكاح وقد سئل عنها بنهر طابق في بعض الأعزية فاستدل بقول عمر رضه: متعتان كانتا على عهد رسول الله أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج، ومتعة النساء. وقرر الدلالة بأنه تضمن قوله رواية عن النبي صلعم حيث كانت في أيامه، ولا يجوز أن يكون في أيامه ذلك، ولا يعلمه. وتضمن نهيًا منه عما رواه عن النبي صلع. فقبلت روايته لكونه العدل الثقة الأمين. فدعا له الناس، وضجوا بالدعاء له. ثم قال: ولم أرجع إلى نهي رآه برأيه، وأترك روايته عن أمر أقر

стр. 487

النبي عليه؛ بل أحمل في تأويلي له، فأقول: إنه نهى لمصلحة رآها بأن كان قد جعل ذلك ذريعة إلى غيره من الفساد. وللإمام أن ينهي عن بعض المباحات، ويعاقب بحسب مصلحة زمانه. كما روي عن عائشة رضها: لو علم رسول الله ما أحدث النساء بعده، لمنعهن المساجد. ونهى النبي عن المثلة. ومثل أبي بكر وعلي ما رأياه بحسب الوقت ومصلحته. فأجاب القاضي أبو بكر -أو ولده -أشك في ذلك -بأنك لا تقول بأخبار الآحاد، ولا تعول على نهي من نهى عما أقر النبي عليه، ولا لعمر عندك أن يفعل ذلك. ومن فعل ما ليس له كيف تقبل روايته؟ فإذا لم يصح الدليل عندك، لم يصح أن تبني عليه صحة مذهبك، ولا إفساد مذهب غيرك. لأن إفساد مذهب الخصم، وتصحيح مذهب الإنسان، لا يجوز إلا بدليل يعتقد المستدل صحته. ٤٣٥ - قال بعض علماء المعتزلة: المعدوم لا يصح أن يكون معلومًا. لأن العلم نوع تعلق؛ وما ليس بشيء، لا يتعلق عليه، ولا يضاف إليه. قال له حنبلي: فليس بين العلم والجهل واسطة. فإذا لم يكن عالمًا به، فنقول إنه جاهل به. قال: [ليس] كما وقع لك؛ بل بينهما واسطة، لا علم ولا جهل. وهو أن المستحيل لا يوصف القادر على غيره، حيث لم يقدر عليه، بأنه

стр. 488

عاجز. لأن المستحيل في نفسه ممتنع الوجود، لا لأمر يرجع إلى قدرة القادر. فكذلك المعدوم، لا يتعلق العلم به، لا لمعنى يرجع إلى قصور العلم فيكون جهلاً، بل لأنه في نفسه يستحيل أن يكون معلقًا، أو متعلقًا عليه. فكما لا يكون المستحيل في نفسه يوجب للقادر عجزا، كذلك هنا استحالة تعلق العلم على المعدوم لا يوجب للعالم الذي لا يعلمه جهلاً. قال الحنبلي: فقد أكذبك القرآن بقوله: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه﴾. فأخبر عما لم يكن، إن لو كان، كيف كان يكون. قال المعتزلي: إنما أخبر عما علمه في نفوسهم. وذلك موجود عندهم. ومن علم شيئًا فأخبر عما يكون من حال ما علم بحسب ما علم، فما تعلق علمه إلا بموجود، لا بمعدوم، وهو ضميرهم بأن ﴿لو ردوا لعادوا﴾. ولهذا قال سح: ﴿وإنهم لكاذبون﴾. فعاد التكذيب إلى قولهم. ٤٣٦ - شذرة ذكر بعض أهل الكلام في نصرة منع النسخ: قولكم، يا معاشر القائلين بالنسخ لأجل المصالح الربانية، مثل نسخ تحريم الخمر بعد ما جرى من حمزة، ما أعجب قولكم بأنه صان المنع مصلحة! وكيف يكون في الثاني مصلحة وقد وقع فعل حمزة مفسدة؟ فما كان أحوجنا إلى تحريمه قبل وقوع تلك المفسدة! لأن الحكيم، كما يمنع من الفساد العام، يمنع من الفساد وإن قل. قال حنبلي: إن من الحكمة أن مكن من الشرب ليقع ما يكون له

стр. 489

وقع في الحس؛ ثم يجيء النسخ بعد ذوق وبال العربدة وحصول المفسدة. قال الخصم: وما معنى الأصلح في الزمان؟ والأصلح يعود إلى فعل الفاعل القادر على إصلاح كل فاسد. ولا صنع للزمان في الفعل، ولا للطباع. وإنما يعود الفعل على فعل الفاعل على صفة تبعد من الفساد، وتقرب من الصلاح. فهلا فعل ذلك أولا، ولم يفعل فعلاً فيحكم بحسنه، ثم يشرع شرعًا فيحكم بحسنه، ثم ينسخه فيصير قبيحًا؟ وهل هذا إلا نفس البداء، مع كون الفعل واحدًا، والزمان معطلاً من نفع وضر وإصلاح وإفساد؟ قال له متكلم محقق: المصالح، وإن كانت تختلف باختلاف الأزمان، فالله تع جعلها مصالح في زمان فأباحاها رفقًا بأهل الزمان بحسب ما خلقهم، وحرمها في زمان بحسب ما خلق. وقولك إنه قادر صحيح، غير أن مع خلق القدر للمكلفين وتركهم والتكليف من غير جبر على الخير، ولا منع عن الشر، فلا بد من مصالح بحسب دواعيهم وأحوالهم. وكما أنه يغير خلقهم وأرزاقهم من قلة إلى كثرة، ومن صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، مع قدرته على أن لا يفعل ذلك، ولا يكون بداءً، فكذلك تغير الأحكام في حقهم بحسب مصالحهم ولا يكون بداء، وكونه قادرًا على أن لا يغير حالاً، وقد غير، ولم يخرجه ذلك إلى عجز ولا سفه، وحاشاه! كذلك تغيير أحوال مللهم.

стр. 490

٤٣٧ - فصل لو لم يكن من بركات مجاهدة النفس في حقوق الله، والانتهاء عن محارم الله، إلا أنه يعطف عليك فيسخرها لك ويطوعها لأمرك حتى تنقاد لك، ويسقط عنك موونة النزاع لها والمجاهدة حتى تصير طوع يدك وأمرك، تعاف المستطاب عندها إذا كان عند الله خبيثًا، وتوثر العمل لله وإن كان عندها بالأمس كريهًا، وتستخفه وإن كان عليها ثقيلًا، حتى تصير رقًا لك بعد أن كانت تسترقك. وكذا كل من حقق العبودية لسيده استعبد له من كان يملكه، وألان له ما كان يعجزه. قال سح: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾، بعد إخباره ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾. فقد أبان عن أن له أقوامًا يوفيهم ويقيهم ما أحضره النفوس. وقال: ﴿وأصلحنا له زوجه﴾. وهو الذي قال: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوًا لكم فاحذروهم﴾. ما أبرك طاعة الله على المطيع! قوم سخر لهم الرياح والمياه والحيوانات؛ وقوم أعاق عليهم الحوائج، وكسرها في صدورهم، وجعل كرامتهم مسامحة النفس بما أعاق. وربما علت طبقة أقوام، فتلذذوا بالقضايا والأحكام.

стр. 491

٤٣٨ - فصل جرى في المجاراة قال شيخ مرجئ في بعض المجالس التي خضرتها: قال الله تع: ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾. ومعلوم أن قوله ﴿لا يجزى إلا مثلها﴾ تمدح منه سح بالعدل، كما تمدح في قوله في الحسنة: ﴿فله عشر أمثالها﴾. وما خرج على سبيل المدحة لا يجوز أن ينفى عن الله سح بحال. لأن نفيه نقص، وحوشي من النقائص. ولهذا أمرنا بالعدل، فقال: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. ومعلوم أن المماثلة لا من طريق الصورة ههنا، لأنه لا يشتم يوم الجزاء من شتم في الحياة، ولا يقتل من قتل ويقنع بذلك جزاءً. لم يبق إلا أنه أراد المثل مقدارًا بعلمه سح يوازي به مقدار الجريمة. كما أن الحد في دار الدنيا ضرب بالعصا أو رجم بالحجر أو حبس أو نفي أو قطع. والجرائم سرق وشرب خمر وغير ذلك، مما لا يماثل العقوبات. لكن المثل مقدار علمه الله سح، يصلح للردع والزجر في الدنيا، وما يستحق من مقدار العذاب في الآخرة. ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وهم لا يظلمون﴾. ومعلوم أن هذا يكشف عن أن قصده بذكر المثل أنه لا يزيد على السيئة بأكثر من جريمتها. ومعلوم أنه يبطل جميع هذه المدح ويخرج عن الموضع الذي قصدت به بتخليد النار أبدًا بعد أبد بغير انقضاء.

стр. 492

قال له قائل: لعله أراد ﴿مثلها﴾ لا في المقدار ولا في الجنس، لكن أراد به أن يجازي على السيئة بالسيئة. ولأن الجريمة، إذا كانت معصية لصاحب رتبة، كانت عقوبتها بقدر رتبة المعصي. كمن ضرب ملكًا، استحق النكال؛ ولو ضرب واحدًا من جنده، لاستحق بحسبه. ولما كان الله سح لا غاية لعظمته، كانت عقوبة عاصيه بحسب ذلك. قال المستدل: لا يجوز أن يكون المراد به: مثلها سيئة. لأنه ذكر في الحسنة تضاعف المقدار بقوله: ﴿فله عشر أمثالها﴾؛ دل بعد ذلك قوله ﴿من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ أنه راجع إلى مثل في المقدار بمعنى ليس فيه تزايد يحصل به الحيف والظلم. وأما قولك إن العقوبة على قدر الرتبة، فليس ذلك لأجل الرتبة، لكن لما أدخل على صاحب الرتبة من المعيرة والضرر بما ألحقه به. كمن رجم ملكًا، أو لطم إمامًا أو قاضيًا؛ فإنه يكسر ذلك من جاهه ما يقتضي السياسة المبالغة في الردع عنه. فأما الباري سح فإنه لا تدخل عليه المضرة ولا المعيرة؛ وهو الغني عن العقاب. وكان العدل في حقه الموازنة بين الجريمة وعقوبتها من غير زيادة. قال له قائل: فما لا تدخل به المعيرة والمضرة نقبح فيما بيننا العقوبة عليه. كالاستناد إلى ظل حائطه متعريًا عن ضرر، لا جرم لم تحسن العقوبة عليه؛ كذلك في حق الله تع ولو عاقب معاقب على ذلك، لعد ظالمًا. والله سح يعاقب على معاصر لا تضره، ولا يكون ظالمًا بأصل العقوبة. كذلك لا يوجب أن يكون ظالمًا بمقدارها وزيادتها.

стр. 493

٤٣٩ - فصل في الماء إذا خالطه غيره من المائعات التي لا ترفع الحدث التحقيق في ذلك أن الخل، إذا جرى على العضو، لا يرفع حدثه. فهذه مقدمة صحيحة، متفق عليها بين الفقهاء. فإذا خالط الخل الماء، فغاية ما تنتهي إليه المخالطة نفي الأجسام التجاور بالأجزاء اللطيفة. إذ قد ثبت استحالة مداخلة الأجسام بعضها في بعض، مائعة كانت أو جامدة. لأن الجسم والجوهر يملآن الحيز الذي يقومان به من الخلاء. فإذا دفعنا إليه جزءًا آخر أو جسمًا آخر، فغاية فعل ذلك الجزء المدفوع، أو الجسم، أن يضامه أو يدفعه عن مكانه إن كان أقوى منه، ويدخل مكانه؛ كدخول الماء على الهواء الذي يكون في خلال الأجسام اليابسة المتخلخلة، كالرماد والتراب والجص. ويدل على إخراج الماء للهواء ما يحدث من النفاخات الخارجة منه. وإذا ثبتت هذه القاعدة، فلابد من مرور الأجزاء المتجاورة على الأعضاء المحدثة فما تم من أجزاء الخل لا يرفع مشتركًا كما لا يرفع منفردًا. وهذا التحقيق لا جواب عنه إلا بالمناقضات. فأما إذا سئل عنه وألزمه من لا يلزمه مذهب لمن أجاز ذلك، فلا محيص له عنه. ٤٤٠ - فصل في الأعذار هل يفسخ بها عقد الإجارة قال حنفي إمام في أثناء كلامه عليه: في المقام على العقد ضرر.

стр. 494

فثبت له الفسخ. كما لو ضرب عليه ضرسه، فاستأجر قلاعًا، ثم سكن قبل القلع، فإنه لما كان في مقامه على العقد إضرار به، فسخ العقد. كذلك إذا اكترى جملًا ليحج عليه، فمرض، إن خرج أضر بنفسه، وإن أقام على العقد ولم يركب أضر بماله، فوجب أن يثبت له الفسخ. فأجاب حنبلي يليه: باطل بالعين. في الأجرة ضرر، ولا يوجب الفسخ عندك. والأصل صار سكون السن متعذرًا به القلع شرعًا وطبعًا. فصار كتلف العين المستأجرة والمبيع قبل القسم. وههنا لم يتعذر استيفاء المعقود عليه، ولا حصل نقص؛ وإنما حصل عذر في العاقد. فهو كما لو اشترى جملًا ليحج عليه ثم مرض، أو بستانًا فجف الشرب. ٤٤١ - وجرى من الشريف أبي طالب الزينبي فيها فصل فقال: البقاء على العقد أحد موجبي الإجارة؛ فجاز مخالفته لعذر غير العيب، كرفع اليد بعد انقضاء مدة الإجارة. فإن موجب العقد التفريغ للعين المستأجرة عقيب انقضاء المدة من الزرع وغيره. ومع ذلك يجوز مخالفة هذا الموجب بالمقام واستدامة إشغالها إذا انقضت وزرع المستأجر لم يستحصد، ويكون عليه أجرة ما يبقى من المدة بعد انقضاء المدة الأولى.

стр. 495

فأجاب حنبلي بأنك أبعدت بين الشبهتين. لأن دوام العقد هناك تأكد، حتى تخلف عن المدة مراعاة لحق العقد وما استند إليه من المدة لأجل العرق الثابت به. فكيف يحصل هذا موجبًا لفسخ العقد قبل تمام المدة مع تهيؤ العين المستأجرة لاستيفاء ما عقد عليه من منافعها؟ قال الحنبلي: ولأن المستأجر لا يجد عن الأرض المستأجرة بدًا؛ لأن ما بقي على الغلة من التمام والنماء لا يجده في أرض أخرى بتفرعها عنه بل بقلة إتلافه؛ فبقينا المال لأجل الخوف عليه. وفي مسألتنا، له في العين المستأجرة ما عقد عليه، وغيره بذل عنه في اللبس والركوب والإجارة من غيره. وليس من تمام انتفاع العين أن يكون هو المستوفي؛ بدليل أن حال الصحة لا يتعين الاستيفاء به. ومن تمام الانتفاع بالأرض المستأجرة للزراعة أن يكون إبقاء المنفعة وتمام الزرع بها. ولأني لا أقول ببقاء الأرض المستأجرة، لكن تكون في يده أمانة. ولهذا تكون الأجرة فيما يبقى بعدة المدة أجرة المثل، زادت على المسمى الأول أو نقصت. وهنا ليس من أحكام العقد. ونحن كلامنا في العقد هل يفسخ أم لا. وبقاء الزرع بعدة المدة ليس مخالفًا لموجب العقد؛ لأن موجب العقد بقاء الزرع في الأرض بالعقد؛ وليس بباق عندنا بالعقد، ولكن بحكم أنه مال مشغول بمال الغير لا على وجه التعدي.
следующие страницы →