Полный текст (756 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
٤٣٨ - فصل جرى في المجاراة
قال شيخ مرجئ في بعض المجالس التي خضرتها: قال الله تع: ﴿ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾. ومعلوم أن قوله ﴿لا يجزى إلا مثلها﴾ تمدح منه سح بالعدل، كما تمدح في قوله في الحسنة: ﴿فله عشر أمثالها﴾. وما خرج على سبيل المدحة لا يجوز أن ينفى عن الله سح بحال. لأن نفيه نقص، وحوشي من النقائص. ولهذا أمرنا بالعدل، فقال: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾. ومعلوم أن المماثلة لا من طريق الصورة ههنا، لأنه لا يشتم يوم الجزاء من شتم في الحياة، ولا يقتل من قتل ويقنع بذلك جزاءً. لم يبق إلا أنه أراد المثل مقدارًا بعلمه سح يوازي به مقدار الجريمة. كما أن الحد في دار الدنيا ضرب بالعصا أو رجم بالحجر أو حبس أو نفي أو قطع. والجرائم سرق وشرب خمر وغير ذلك، مما لا يماثل العقوبات. لكن المثل مقدار علمه الله سح، يصلح للردع والزجر في الدنيا، وما يستحق من مقدار العذاب في الآخرة. ثم عقب ذلك بقوله: ﴿وهم لا يظلمون﴾. ومعلوم أن هذا يكشف عن أن قصده بذكر المثل أنه لا يزيد على السيئة بأكثر من جريمتها. ومعلوم أنه يبطل جميع هذه المدح ويخرج عن الموضع الذي قصدت به بتخليد النار أبدًا بعد أبد بغير انقضاء.
стр. 492
قال له قائل: لعله أراد ﴿مثلها﴾ لا في المقدار ولا في الجنس، لكن أراد به أن يجازي على السيئة بالسيئة. ولأن الجريمة، إذا كانت معصية لصاحب رتبة، كانت عقوبتها بقدر رتبة المعصي. كمن ضرب ملكًا، استحق النكال؛ ولو ضرب واحدًا من جنده، لاستحق بحسبه. ولما كان الله سح لا غاية لعظمته، كانت عقوبة عاصيه بحسب ذلك.
قال المستدل: لا يجوز أن يكون المراد به: مثلها سيئة. لأنه ذكر في الحسنة تضاعف المقدار بقوله: ﴿فله عشر أمثالها﴾؛ دل بعد ذلك قوله ﴿من جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ أنه راجع إلى مثل في المقدار بمعنى ليس فيه تزايد يحصل به الحيف والظلم. وأما قولك إن العقوبة على قدر الرتبة، فليس ذلك لأجل الرتبة، لكن لما أدخل على صاحب الرتبة من المعيرة والضرر بما ألحقه به. كمن رجم ملكًا، أو لطم إمامًا أو قاضيًا؛ فإنه يكسر ذلك من جاهه ما يقتضي السياسة المبالغة في الردع عنه. فأما الباري سح فإنه لا تدخل عليه المضرة ولا المعيرة؛ وهو الغني عن العقاب. وكان العدل في حقه الموازنة بين الجريمة وعقوبتها من غير زيادة.
قال له قائل: فما لا تدخل به المعيرة والمضرة نقبح فيما بيننا العقوبة عليه. كالاستناد إلى ظل حائطه متعريًا عن ضرر، لا جرم لم تحسن العقوبة عليه؛ كذلك في حق الله تع ولو عاقب معاقب على ذلك، لعد ظالمًا. والله سح يعاقب على معاصر لا تضره، ولا يكون ظالمًا بأصل العقوبة. كذلك لا يوجب أن يكون ظالمًا بمقدارها وزيادتها.
стр. 493
٤٣٩ - فصل في الماء إذا خالطه غيره من المائعات التي لا ترفع الحدث
التحقيق في ذلك أن الخل، إذا جرى على العضو، لا يرفع حدثه. فهذه مقدمة صحيحة، متفق عليها بين الفقهاء. فإذا خالط الخل الماء، فغاية ما تنتهي إليه المخالطة نفي الأجسام التجاور بالأجزاء اللطيفة. إذ قد ثبت استحالة مداخلة الأجسام بعضها في بعض، مائعة كانت أو جامدة. لأن الجسم والجوهر يملآن الحيز الذي يقومان به من الخلاء. فإذا دفعنا إليه جزءًا آخر أو جسمًا آخر، فغاية فعل ذلك الجزء المدفوع، أو الجسم، أن يضامه أو يدفعه عن مكانه إن كان أقوى منه، ويدخل مكانه؛ كدخول الماء على الهواء الذي يكون في خلال الأجسام اليابسة المتخلخلة، كالرماد والتراب والجص. ويدل على إخراج الماء للهواء ما يحدث من النفاخات الخارجة منه. وإذا ثبتت هذه القاعدة، فلابد من مرور الأجزاء المتجاورة على الأعضاء المحدثة فما تم من أجزاء الخل لا يرفع مشتركًا كما لا يرفع منفردًا. وهذا التحقيق لا جواب عنه إلا بالمناقضات. فأما إذا سئل عنه وألزمه من لا يلزمه مذهب لمن أجاز ذلك، فلا محيص له عنه.
٤٤٠ - فصل في الأعذار هل يفسخ بها عقد الإجارة
قال حنفي إمام في أثناء كلامه عليه: في المقام على العقد ضرر.
стр. 494
فثبت له الفسخ. كما لو ضرب عليه ضرسه، فاستأجر قلاعًا، ثم سكن قبل القلع، فإنه لما كان في مقامه على العقد إضرار به، فسخ العقد. كذلك إذا اكترى جملًا ليحج عليه، فمرض، إن خرج أضر بنفسه، وإن أقام على العقد ولم يركب أضر بماله، فوجب أن يثبت له الفسخ. فأجاب حنبلي يليه: باطل بالعين. في الأجرة ضرر، ولا يوجب الفسخ عندك. والأصل صار سكون السن متعذرًا به القلع شرعًا وطبعًا. فصار كتلف العين المستأجرة والمبيع قبل القسم. وههنا لم يتعذر استيفاء المعقود عليه، ولا حصل نقص؛ وإنما حصل عذر في العاقد. فهو كما لو اشترى جملًا ليحج عليه ثم مرض، أو بستانًا فجف الشرب.
٤٤١ - وجرى من الشريف أبي طالب الزينبي فيها فصل
فقال: البقاء على العقد أحد موجبي الإجارة؛ فجاز مخالفته لعذر غير العيب، كرفع اليد بعد انقضاء مدة الإجارة. فإن موجب العقد التفريغ للعين المستأجرة عقيب انقضاء المدة من الزرع وغيره. ومع ذلك يجوز مخالفة هذا الموجب بالمقام واستدامة إشغالها إذا انقضت وزرع المستأجر لم يستحصد، ويكون عليه أجرة ما يبقى من المدة بعد انقضاء المدة الأولى.
стр. 495
فأجاب حنبلي بأنك أبعدت بين الشبهتين. لأن دوام العقد هناك تأكد، حتى تخلف عن المدة مراعاة لحق العقد وما استند إليه من المدة لأجل العرق الثابت به. فكيف يحصل هذا موجبًا لفسخ العقد قبل تمام المدة مع تهيؤ العين المستأجرة لاستيفاء ما عقد عليه من منافعها؟
قال الحنبلي: ولأن المستأجر لا يجد عن الأرض المستأجرة بدًا؛ لأن ما بقي على الغلة من التمام والنماء لا يجده في أرض أخرى بتفرعها عنه بل بقلة إتلافه؛ فبقينا المال لأجل الخوف عليه. وفي مسألتنا، له في العين المستأجرة ما عقد عليه، وغيره بذل عنه في اللبس والركوب والإجارة من غيره. وليس من تمام انتفاع العين أن يكون هو المستوفي؛ بدليل أن حال الصحة لا يتعين الاستيفاء به. ومن تمام الانتفاع بالأرض المستأجرة للزراعة أن يكون إبقاء المنفعة وتمام الزرع بها. ولأني لا أقول ببقاء الأرض المستأجرة، لكن تكون في يده أمانة. ولهذا تكون الأجرة فيما يبقى بعدة المدة أجرة المثل، زادت على المسمى الأول أو نقصت. وهنا ليس من أحكام العقد. ونحن كلامنا في العقد هل يفسخ أم لا. وبقاء الزرع بعدة المدة ليس مخالفًا لموجب العقد؛ لأن موجب العقد بقاء الزرع في الأرض بالعقد؛ وليس بباق عندنا بالعقد، ولكن بحكم أنه مال مشغول بمال الغير لا على وجه التعدي.
стр. 496
قال الحنفي: فكان يجب أن تقول في الأرض المستعارة للزراعة مدة، إذا انقضت المدة قبل استحصاد الزرع، أن تبقى. وأنت تقول ((له القلع)) - أعني للمعير الذي هو صاحب الأرض. ويكون عندك عوض ما نقص زرعه بالقلع. وعندي لا يستحق شيئا. فهلا جوزت هنا قلعة إذا كانت المدة قبل انقضت ويغرم له ما نقص؟
وأجاب الحنبلي أيضًا بأنه يجوز أن يستحق ما لم يعقد عليه ببقاء المعقود عليه للعذر، ولا يفسخ فيما عقد عليه. كالمشتري يستحق ما لم يعقد عليه، وهو نصب الشريك بالشفعة. ثم لا يفسخ البيع في بعض ما عقد عليه للحاجة. بيانه لو اشترى شيئًا ثم طرأ عليه عذر يمنع من استيعاب المبيع بالابتياع لعذر أغنى عن جمعه. كمن اشترى خفًا بمهاميز لحرب أو سفر؛ انطفت ثائرة الحرب واختل الطريق، فقعد عن السفر، واحتاج إلى الخف وحده؛ أو دارًا وبستانًا، فانقطع الشرب، فصار يستضر بالبستان وينتفع بالدار فقط، فإنه لا يفسخ في ذلك، ويقتطع ما يحتاج إليه خاصة. وبمثله مستقطع ملك الغير بالفعشة وما اشترى الشقص المشفوع بعوضه كما يستديم نفيًا من المدة ما لم يعقد عليه بعوض مثله.
٤٤٢ - استدل حنبلي على تحريم المصاهرة بمحظور الوطء بأنه فعل يحرم،
стр. 497
فاستوى مباحه ومحظوره في نشر الحرمة، كالرضاع.
قال شافعي: ليس الفعل في الرضاع هو المحرم. بدليل أن الصبي لو دب إلى يدي مجنونة أو نائمة فارتضع منها، نشر الحرمة. وإن كان فعل الطفل لا حكم له، والمجنونة والنائمة لا يضاف إليهما فعل، لكن المغلب في الرضاع حصول اللبن في جوف الصبي في الزمان المخصوص. ولو غلب الفعل، لكان جميع ما نقدمه من غصب اللبن وإكراه الظئر هدرًا. لأنه ينتهي إلى ارتضاع الصبي؛ وفعل الصبي لا يوصف بالخطر والإباحة. بخلاف الوطء؛ فإنه فعل، ويتصف بالتحريم والإباحة. ولأن الرضاع لا يقف على المقصود عندك، حتى إن لبن الميتة عندك يحرم والوطء يقف على المقصود؛ لأن وطء الميتة لا ينشر الحرمة.
قال الحنبلي: إذا حققنا عليك، فاللبن هو المحرم. لأن الشرع علقه على نشر العظم ونبت اللحم وفتق الإمعاء. وذلك فعل اللبن، دون الشارب والمرضعة. واللبن نفسه إذًا كان نجسًا محرم العين، وقد نشأت عنه الحرمة.
٤٤٣ - شذرة في الماء المتغير بالطاهرات
قال حنفي: طاهر؛ لم تسلب الماء اسمه، فلم تسلب حكمه؛ كالعود.
قال شافعي: إلا أنه سلبه إطلاقه، والعود لا تنتشر أجزاؤه، بل يغير ريح الماء مجاورة لا ممازجة.
стр. 498
قال الحنفي: اسم الماء غير معتبر به الإطلاق؛ بدليل: تغيره ريح العود. واعتذارك عن العود بأنه لا يمازج، فأليس النجاسة الرخوة تمازج، كالأرواث والأبعار، والنجاسة الصلبة لا تمازج، وهي شعر الخنزير وعظمه، ويستويان في تنجيس الماء؟ هلا تساويا ههنا في إزالة حكم التطهير عن الماء؟
٤٤٤ - حادثة
سئلت عن نسوة يغزل بعضهن لبعض، يسمونه ((نوبة روزجار.)) وصفته أن تخرج كل واحدة قطنا تفره عليهن. فتحصل مبادلة بالعمل. قلت- وبالله التوفيق: يجوز؛ لأن الأعمال لا يدخلها الربا. فأكثر ما فيه أن يكون غزل واحدة أجود من الأخرى؛ فهو ارتفاق بالأعمال. وقد جاز مثل ذلك في أعيان يدخلها الربا؛ وهو قرض الخبز والعجين ويرد الخبزان أقل وأكثر. ولما سألت عائشة رسول الله صلعم، قال لها: ذلك من مرافق الناس. فإذا كان الإرفاق والارتفاق أجاز قرض العجين والخبز وإن اختلف القضاء والمقترض، فأولى أن يجوز ذلك في الأعمال التي يجوز أن تدخلها المفاضلة.
стр. 499
٤٤٥ - فصل
أما ما كلفك من الفرض، فقد آتاك قدرة عليه استطاعة له. وأما ما ندبك إليه من الفضل، فقد أعد لك بإزائه ألطاف. فإذا أديت الفروض، أمدك بالألطاف ليكمل بفعل الزيادات من الفضائل. وأنت إذا أهملت الفروض، وقصرت في الحقوق، سولت لك نفسك أن تعتذر بعدم التوفيق والإعانة، فتقول: ((لو وفقني! لو أعانني! )) ما أغفلك عن الحجة له! وما أجراك على الاحتجاج عليه بما لا يورثك إلا بعدًا من الله! ما استزاد الله سح إلا متقاعدًا بحقوقه أو محتكرًا شره في حظوظه. وإلا فما أعدم الله أحدًا ما يوصله إلى طاعته. خذ إنصاف الحق من قوله لرسوله صلع: ﴿قم فأنذر﴾؛ ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾. ثم قال له من طريق الحث واستخراج ما عنده من الوسع: ﴿بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. وعلم أن في الطبع نوع انحساس من الناس فقال: ﴿والله يعصمك من الناس﴾. فما زال ما في النفس من الضعف بالخوف من الجنس بضمان العصمة منهم، حينئذ اشتطت النفس وثابت القوة. وإذا كان الحق لا يكلف إلا بالإعانة وإزالة العوائق، صار من خداع النفس طلبها للتكليف معاني زائدة على ما آتى. لأن ذلك نوع تسويف بالتكليف، لانتظار ما لا يلزم.
стр. 500
٤٤٦ - فصل
لو عرفت قبل الأعمال، سهلت عليك؛ لكنك لم تتقن المعارف، فثقلت عليك التكاليف. وما استعمل قط إلا المعارف. فينبغي لك أن تتقن عرفان المكلف، وتنظر كيف التكليف على أركانك، ثقيلًا أم خفيفًا. إذا فتحت عينيك ونظرت، ثم أمعنت فكرك، فخبرت حال هذا الدائر المرصع، وتصاريف هذا الكون المجنس المنوع، وتقلب هذا المبدد المجمع، وشهدت بعقلك ما وراء من المؤثر العظيم الذي خلق أبدع، فبصر وأسمع؛ ثم تنظر في حال السفير الذي أبهرت العقول معجزاته: إن انتقل عن الخطبة على جذع حن إليه، وإن تناول حصيات سبحن في يديه، وإن أشار إلى القمر انشق، وإن ترك يده في إناء فار بالماء وجاش، وإن استدعى شجرة أسرعت، وإن كلم ظبيًا أجاب، وإن استدعى ببعير سجد، وإن برك يده على صدر ضال اهتدى، وان تفل على ملدوغ برئ، وإن أشار إلى جو قد أجدب والتهب عاد بالغمام محتجبًا وبالغيث هاطلًا ساكبًا؛ ومن طوعت له الأشياء كذا، وجبت طاعته على سائر الورى؛ فإذا خبرت ونظرت إلى المعنى الذي إليه يشير، وعرفت مقدار الداعي إليه سح والسفير، تذللت لك نفسك بطاعته فيما إليه دعاك، ولم تعبد بعد الهدى والإيمان هواك. فهنالك- والله- هان عليك ما بذلت، وعظم عندك قدر من أطعت، وإليه بطاعتك تقربت.
стр. 501
٤٤٧ - قال بعض [أهل] العلم في قوله تع ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ - قال: معلوم أن الصور والأشكال لا تدل على أسمائها إلا بفهم معانيها؛ ومعانيها هي ما وضعت له. فإن كان قد عرض عليهم أشكال الأشياء وصورها، فيكون الامتحان لهم لا شيء يصلح حتى يعطي الامتحان حقه. إذ لا يعطى الفهم الاسم. والامتحان مما لا طريق إليه تكليف ما ليس في الوسع، ولا عليه دليل. وإن كان العرض للأسماء، فالسؤال لماذا يصلح من الصور؟
٤٤٨ - فصل في تأديب معترض بجهل
ترى آحاد هؤلاء العوام الطغام يتقاعد عن الأعمال ويتكاسل، حتى إذا ضاق به الرزق، ووقفت عليه الأمور، وتشعثت أحواله، رمق علجًا من علوج الأجناد، أو غاصبًا للأموال، قد احتشد الغصوب والنهوب، وجحد الودائع، ومد يده إلى مال اليتيم، وباع بالربا، وقامر، وقد عبل لحمه، وخرجت بطنه، وترفل في حلل الديباج والحرير، مخالفًا للباري في الأثمان، متعديًا على الشرع باللباس، وقد علا مركبه، وقلده فضته وذهبه، - فشفع توانيه في الاكتساب بصرف اللوم على باريه فيما جناه
стр. 502
ذاك من الاغتصاب: ((فقد أعطى هذا المتمرد ومنعني، وأشبعه ما أشبعني، ومتعه وما متعني، وأعطاه وحرمني)).
فيا سبحان الله ما أبخسكم لحقوق الله! وإلا فمعلوم أنه قد أمرك بالارتياد لتحصيل الرزق، وما حصلت. ونهى ذاك عن أخذ ما ليس بحق، فلم يصرف اللائمة إلى العاصي الطاغي، الخارج عن أمر الله، العاتي. وأنت تسمع ما ورد في القرآن من الوعيد لمن ارتكب ما ارتكب، واحتقب من الإثم ما احتقب. فلا صرفت اللوم إليه، لا عتبت في التشرد على الله عليه. عدت باللوم على الكريم الحكيم الناهي عن جميع ما ارتكب. فليتك لما ضاق بك الرزق، لمت نفسك في تقصيرك، حيث أقدرك وما تسكعت، وقواك وما تصرفت، ولمت ذلك الظالم على قبيح ما ارتكب. فأما أن تصرف الذم إلى الله تع، فما أطلق ألسنتكم بالذم لأفعاله والاعتراض على أفعاله! أعاذنا الله من الاعتراض على مقاديره!
٤٤٩ - استدل شافعي فاضل في مسألة القيم في الزكوات بدليل اختاره الشيخ الإمام أبو سعد المتولي- حفظه الله- وهو أن الإجماع منا حاصل على أن قيمة الأضاحي لا تقع موقع الأضاحي. ولابد من معنى لأجله وقفنا على نفس ما نص عليه الشرع من بهيمة الأنعام. وليس ذلك المعنى إلا أن الله سح لا يأمر إلا بما فيه حكم. فنحن إذا اتبعنا ما أمر به، علمنا موافقة مراده والمصلحة فيما أمر به. وكما أن له في أعيان الأموال إرادة وحكمة، ولنا فيه مصلحة
стр. 503
وفائدة، له في أوصاف الأموال كذلك. فكما لم تعدل عن المال إلى غيره لعلة هي أن لا تأمن تجنب المعالج، ومواقعة المفاسد، والعدول عما يرضي الله سح إلى ما يسخط، كذلك في عدولنا عن بهيمة الأنعام إلى غيرها من الماشية، اتباعًا للقيمة دون صفة العين المنصوصة.
قال حنبلي ناصرًا لإحدى الروايتين: بئس الوضع هذا. وذاك أن وضع الأضاحي على غير المعقول. لأن إيلام الحيوان لا مقابلة، ولا ضرورة وإلجاء، ولا دفعًا عن النفس، قبيح في العقل عند قوم لسنا منهم؛ حيث نقول إن العقل مطابق للشرع، وإنه لا يرد الشرع إلا بما يوافق العقل. غير أنا نقول، وإن كان العقل لا يقبح إيلام الحيوان فما يعقل وجه حسنه؛ وما لا يعرف ولا يعقل علة حسنه، لا يصح أن يقاس عليه. لأن القياس تعدية الحكم، باتفاق، في علة الحكم. ولا علة تظهر فنعدي بها. هذا في باب الأضاحي. فأما في مسألتنا، فإن العلة معقولة؛ وه يسد خلة الفقر. ولهذا أشار الشرع إلى ذلك، حيث أوجب الزكاة في القيم كما أوجبها في الأعيان؛ وجوز دفع القيم عن الأموال التي ليست فيها، كالعروض. وجعل ما بين السنين الأدنى والأعلى عشرين درهمًا، أو شاتين. ومعلوم أن ليس في الدراهم ما في السن من در، أو نسل، أو لحم. لم يبق أن يكون تقريب الدراهم من السن إلا حصول سد الخلة بها، وبالمالية التي فيها. وهذا موجود في الأصل. لأن ما تقومت صفاته وأسنانه تقوم في نفسه.
стр. 504
قال الشافعي: الأضحية معقولة، وإن القصد بها مؤاساة الفقراء بلحمها. ولهذا قال سح: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها﴾، ﴿وأطعموا البائس الفقير﴾، ﴿وأطعموا القانع المعتز﴾. وأما كراهية النفس الذبح واستبشاع العقل له، فمثله كراهية النفس لإخراج المال مجانًا بغير عوض؛ النفس مجبولة على كراهية ذلك. فأما إيلام الحيوان، فإن الرقة الداخلة على القلب والألم هو المستشبع للقتل لأجله. ولهذا تأباه النفس. وإن كان بحق، فلا اعتبار بإباء النفس له. وكل عقل قبح ما حسنه الشرع، فلا يعول عليه. ونحن اليوم نتكلم على ما نتفق عليه، لا على مذهب البراهمة، لا على مذهب من لا يفهم من الحشوية الذين يعتقدون أن في العقل ما يخالف الشرع، أو يرد الشرع بما يخالف العقل. فأما نحن فنتفق على أن الشرع لا يرد إلا بما يوافق العقل. فقولك ((إن الأضحية يتبشعها العقل)) كلام ساقط فيما بيننا. لم يبق إلا الرقة، والألم الحاصل بالذبح. وذلك قد حصل مع إقامة الحدود، وغير ذلك من الإيلام بحق؛ حتى إن النفوس لترق لبط الدبلة، وقطع الطرف من الآكلة. وإن كان العقل مستحسن ذلك حكمةً لحفظ الجملة وحراسة النفس، كذلك استبشاع النفس للذبح من علم العقل بحسن ذلك لحكمة الآمر به، وهو الشرع، وإن جهلت وجه المصلحة فيه.
ولهذا، من لا يعتقد الشرع كان يتمدح بعقر الأنعام للضيفان. ويتمادح الناس بالذبح، كما يتمادحون بإخراج المال والبذل للطعام. فإذا ندر من
стр. 505
يستقبح ذلك، كان بحكم فطرة العقل من غير إعماله في النظر والفكر لاستخراج علة الاستحسان. وكل شيء لحظ. وليس ما يدرك ببداية العقول كان لحظة؛ بخلاف ما ينتهي إلهي تواني العقول. لأن الأول في العقل أن إيلام الحيوان ظلم وعدوان. فإذا نظر الإنسان في بعض الآلام نظرًا صحيحًا، علم بتأني عقله، أعني بتأني أحوال نظره، أن بعض الآلام أحسن من الكف عنها وتركها؛ كبط الدبلة، وقطع اليد المتآكلة، وما شاكل ذلك من الآلام للمصالح. وكذلك أدب الصبيان، وضرب التعزير، وإقامة الردعة والزجر عما قبح في الشرع والعقل؛ كل ذلك آلام مستحسنة. فليس إيلام الحيوان قبيحًا لنفسه؛ لكن يقبح إذا تعرى عن حكمة وخلا عن غرض ومصلحة. وما هذه حال ذبح الأضاحي؛ فإنها لم تخل عن فائدة ومصلحة. فخرج عن تقبيح العقل والشرع، وصار معلوم المعنى؛ وهو مؤاساة الفقراء بلحومها. وما جاز العدول عن بهيمة الأنعام إلى ذبح غيرها، ولا إلى قيمة اللحم. كل ذلك مراعاة للتعبد الشرعي أولًا، وهو الأسبق، إلى أن نجيء إلى مقصود الفقراء، ولما قدمت ذكره. وهو أنا لا نأمن أن تكون المفسدة في تنكب المنصوص ووقوعنا في المفسدة. وأما الإشارة إلى ما أوجبه الشرع من الشاتين والعشرين درهمًا، بدلًا من سنن فوق سن، أو سن دون سن، أخذًا من رب المال أو إعطاء له، فذاك ليس بتقويم. لأن السن لا يقف على ذلك قيمة مع اختلاف
стр. 506
الأزمنة. لم يبق إلا أنه بدل شرعي، أو جبران شرعي. فهو كجبران الصلاة بسجود السهو؛ لا يجيء منه إلا نقيس عليه جبرها بركوع، أو وضع الحد على الأرض، أو قراءة، أو غير ذلك من الأركان الواجبة في الصلاة.
قال الحنبلي: أصل الإيلام في العقل مستنكر، إلى أن تقوم دلالة على تحسينه. وأصل المؤاساة بفاضل المال مستحسن، ولا يرد عقل ولا شرع بتقبيحه. وأصل بذل المال على وجه الدفع في الزكاة، وهو مؤاساة الفقراء، يستحسن. فلما جاء الشرع بالأضحية، زال تقبيح العقل لتحسين الشرع. حيث علمنا أنه تشريع حكيم، لا يبيح إيلامه إلا لغرض صحيح وحكمة. إلا أننا لم نجد علة تحسين ذلك، فنقيس غيره عليه ونبدله به.
قال: وأزيد في ذلك كشفًا، فأقول: إن الله سح ابتلى المكلفين بأشياء تشق على أركانهم من صلاة وصوم، وعلى أموالهم من زكاة وتكفير. فمهما أبدلنا الشيء بالشيء، فإنما نتحرى مثله في التكليف ونقربه إلى المنصوص غاية التقريب. وبين الدينار والثوب والشاة المدفوعة تقارب، هو المؤاساة، وإن كان بعضها لسد الخلة، وبعضها لستر العورة، وبعضها لشبع الجوعة. فأما في مسألة الأضحية التي استدللت بها، فإن الابتلاء فيها، قبل تفرقة اللحم، الذبح. وهو أعظم ما ابتلي به المكلف مع وضعه على الرقة والحنو والرحمة للحيوان. فإذا عدل إلى لحم مشترى، أو قيمة
стр. 507
يدفعها، أسقط أكبر الابتلائين واقتنع بآخرهما، وهو المالية التي تسد الخلة. والابتلاء بطاعة الله سح في الذبح الذي وضع على ضد ما بني عليه الطبع، من الرقة والحنو والرحمة والرأفة، لا يوازيها مكابدة شح النفس في بذلك المال فقط. فصار بمثابة من اقتصر من دفع الزكاة على إيواء الفقراء في البيوت، محتسبًا لمنافعها وسكناها، استخدام لهم العبيد والدواب، محتسبًا بذلك من الزكاة. فأما دفع القيمة التي تحصل بها المؤاساة ومكابدة النفس في إخراج ما تضن به من المال، فلم يترك معه تعبدًا؛ بخلاف ما يترك من الذبح في الأضاحي. قال: والدليل على أن الذي لله في الأضاحي هو الذبح، وهو التعبد الأول، أنه يحتاج أن يتولاه من هو من أهل القربة ممن يهل لله؛ ولو تولاه من لا يهل لله، سقط حكم اللحم، وخرج عن المالية، وصار ميتة. ولو فرق اللحم ذمي، جاز. وإذا غلب الذبح، فبالقيمة يفوت ذلك التعبد.
٤٥٠ - استدل شافعي في عين لفظ الإنكاح والتزويج
فقال: أقرر بأن المسألة لغوية، وأن الألفاظ وضع لغوي تترتب عليه الأحكام الشرعية، فأقول: إن العرب إذا وضعت فإنما تضع حقيقة أو استعارة من حقيقة. ولفظا الإنكاح والتزويج وضعا لهذا الأمر وهذا العقد؛ فلا يجعل غيرهما نائبًا عنهما إلا بوجود معناهما. وليس في الهبة معنى النكاح، ولا معنى لفظه؛ لأنه إنما هو الازدواج والاجتماع.
стр. 508
قال حنبلي مذنبًا على متفقه حنفي: أنا قائل بموجب هذا الدليل؛ وإنني ما استعملت إلا ما فيه معنى النكاح. فأقول أولًا: إن ما عولت عليه من أن النكاح الاجتماع والائتلاف، ليس بصحيح. لأنه لو صرح فقال ((جمعت هبتي إليك، وشفعتها بك، وشركتها معك)) فقد أتى بصريح الاجتماع والتشريك، ولا ينعقد النكاح. فصار لفظ الازدواج خلوًا مما أردت. لم يبق إلا أن وراء ذلك مقصود العقد. وهو إما ملك الرقبة، أو ملك المنفعة، أو الحل. وأيها كان فهو داخل في لفظ الهبة، لأن ملك الرقبة حاصل، ويتبع ذلك حلها. وملك منافعها ملكًا يزيد على النكاح. وهو أنه يستمتع بنفسه، ويأخذ العوض عند إتلاف المنفعة، ويعقد عليها. فثبت القول بموجب العلة، وأن في لفظ الهبة معنى النكاح.
قال الشافعي: في النكاح معنى التعبد. لهذا اعتبر له الشهادة، ويقدر العوض عندك. ووجب حكمًا، وإن لم يسم. واعتبر له الكفاءة، إما شرطًا، وإما اعتراضًا، لأجل العشيرة. وجعل ذلك تغليبًا لطلب المساواة.
قال الحنبلي: ذكرك للتعبد بعد تعويلك على اللغة رجوع عن الأول، أو زيادة في الدليل. وهذا انتقال في حكم الجدل. وأما تعويلك على المساواة، فليس بصحيح. لأن المغلب في حق الزوج حكم المالك. ولهذا جعل إليه الإزالة، وانفرد بها دون العقود الجائزة، كالشركة والمضاربة؛ وجعلت النفقة عليه وله؛ وله المطالبة بالاستمتاع وليس لها. وهذه كلها
стр. 509
علامات أن الملك له. فأما اعتبار أن يكون شريفًا، فهذا هو الدلالة على أن المغلب تملكه حتى لا يذلك بتملك الأدنى لها. كما منعنا تملك الكافر للمسلم، ومنعتم الاستدامة. ولو كان المغلب فيه الشركة والتسوية، لما منع؛ كما لا تمنع مشاركة الكافر للمسلم.
قال الشافعي: أما جعل الطلاق إليه، فلأنه أثبت وأعقل؛ فلا يتسرع بقطعة ورفضه. والمرأة سريعة الغضب، غير مكينة الرأي؛ فلا تثبت أن تطلق لو جعل إليها. وأما الحبس لها، فلأنها سريعة الانخداع، شديد السبق، قوية الشهوة، ضعيفة العقل؛ فلا يؤمن عليها الدخول فيما تختلط به المياه ويفسد به الفراش. والرجل مأمون ذلك من جنبيه. وأما الإنفاق، فيتبع للحبس؛ وعلة الحبس قد بينتها.
٤٥١ - جرى من شافعي في مسألة الزنا ينشر تحريم المصاهرة: إن الزنا محرم محض؛ ومحال أن ينشؤ من محظور محض محرمية؛ وهي كمال حرمة تعم وتتعلق عليها إباحة الخلوة والسفر وغير ذلك.
فأجاب حنبلي بأني لا أسلم أنه ينشؤ منه إباحة الخلوة. وإنما يوجب تحريمًا يصلح أن يكون عقوبة للزاني وتغليظًا عليه، ولا يحصل المحرمية نص عليه؛ حيث تعجب من قول أبي يوسف، وأنه ينظر إلى
стр. 510
شعر أم الزانية التي زنا بها، فقال: عجب نقيسه على الحلال. وإن سامحت بالكلام فليس يجب أن تكون الثمرة هنا من جنس الموجب والسبب. ألا ترى أن وطء الأب أمة ابنه محرم وإن لم يتمحض تحريمه لمكان شبهة الملك؟ وكذلك الأمة المشتركة. ثم نشأ من ذلك محرمية أباحت ما يباح من المباح المحض، هو العقد.
٤٥٢ - وجرى فيها فصل إلزام تحريم الجمع بين الأختين، هذه يزني بها، وهذه يتزوجها. فلما لم يحصل ذلك كذلك، لا يحصل تحريم المصاهرة.
فأجاب حنبلي شافعيًا بأني لا أسلم. فإن أحمد نص على تحريم تزويج امرأة إذا كان مصرًا على الزنا بأربعة. وإن سكت مسامحة فإن الجمع طريقه الجمع في الفراش، أو الجمع الذي به يتعادى به الأختان لأجل القسم. والزانية لا حق لها، ولا يظهر كونه معها. فيحصل التحاسد والتقاطع. ولو ظهر، ردعناه بالحد؛ فيزول حسد الأخت مع ردعه ومنعه. والتحريم لأجل الأخت تحريم دون رتبة تحريم الزنا. فلا يجوز أن نعلق على الزنا تحريم الجمع فنحطه رتبة، وتعلق الحكم على أضعف العلتين.
٤٥٣ - وجرى من الحنبلي أن قال: الموضع المكروه من زوجته لا يستباح
стр. 511
بحال؛ لا بعقد، ولا ملك يمين. ومع ذلك إذا وجد وطؤه في ذلك المحل من زوجه تعلق تحريم المصاهرة. فأحرى أن ينشؤ التحريم عن وطء في محل يستباح بعقد؛ أو لا يكون أولى، ولكن يتساويان. هذا لأنه فرج، إن لم يكن مملوكًا حال الوطء، فهو بحيث يستباح بعقد. والموضوع المكروه إن كان من امرأة مباحة بعقد، إلا أنه في نفسه لا يستباح بحال منها ولا من غيرها بعقد ولا ملك. فيجب أن يتساويا في نشوء من الوطء فيهما.
٤٥٤ - قال بعض العلماء: الوطء على ثلاثة أضرب: ما يقصد به النسل، ويقصد بالنسل كثرة الذكر والثناء، لا المكاثرة والمفاخرة؛ ما يقصد به طفي الشهوة، كيلا تطالبه نفسه بارتكاب الإثم، أو لتنطفي شهوته، فلا يكثر نظره إلى الصورة؛ والثالث أن يقصد قضاء حق الزوجة وطفوء شوتها، كيلا يحوجها إلى فعل ما لا يحل؛ والرابع وطء كوطء البهائم، بمجرد الطبع، لا لقصد.
٤٥٥ - فصل
من علم أن الآخرة إما بلى الأبدان وخراب البنية، أو دار مجازاة، اغتنم عبادة الله في هذه اللمحة. لأن بين قوله اليوم ((الحمد لله)) وبين قوله غدًا في دار السلام ((الحمد لله)) ما لا يستدرك مفاوتة بمعنى. لأن
стр. 512
حمد المنعم في دار التكليف عبادة وشكر؛ وغدًا، شكر بلا عبادة. والله لقد تحقق العارفون أن جمال الأركان بطاعات الإيمان أكثر من جمالها باستيفاء اللذات في دار المجازاة؛ واحتماءها عن الحرام في هذه الدار مراقبة لطاعة الله، وحذرًا من سخط الله، أكثر وأكبر من تناولها هناك وانبساطها في جوار الله. ولولا بقايا من الخدم في دار النعم، لما وازن ذلك البقاء السرمد هذا البقاء الذي عن قليل ينفد. لكن المعرف هناك تقوى، وعوارض الشكوك تنحسم باليقين.
وقد قال الرجال قبلي، كيحيى بن معاذ: والله إنهم اليوم في قراطق الخدمة، أحسن منهم غدًا في غلائل النعمة. وأنا أقول: الخدم أوجبت لهم مدحة الحق، والنعم أوجبت منه الحق؛ وبين المدحة والمنة بون. قال فيهم على سبيل المدحة: ﴿رجال صدقوا﴾، ﴿رجال لا تلهيهم﴾، ﴿رجال يحبون أن يتطهروا﴾، ﴿يوفون بالنذر ويخافون يومًا﴾، ﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنين مرصوص﴾. هذا أنبل وأجل في مسامع العقلاء المميزين من أوصافهم باستيفاء اللذات: ﴿وفاكهة مما يتخيرون﴾، ﴿ولحم طير مما يشتهون﴾، ﴿وحور عين﴾، ﴿متكئين فيها على الأرائك﴾، ﴿ويطوف عليهم ولدان مخلدون﴾، ﴿بأكواب وأباريق وكأس من معين﴾. لأن هذه أوصاف نعمة عليهم، وتلك أوصاف خدمتهم له؛ وأحسن حالتي العبيد حال الخدم وزي التبتل، لا الاستناد والتعطل. لكن تجملت الجنة على الدنيا بعلم اليقين.
стр. 513
٤٥٦ - شذرة
استدل حنبلي في مسألة الخلطة، فقال: قلة المؤونة مؤثرة في الإيجاب؛ بدليل السوم في الماشية والسيح في الزرع. فإنه لما خفت المؤونة، وجبت الزكاة وكمل العشر. كذلك ههنا تتحقق خفة المؤونة في الأربعين التي له، المختلطة بالأربعين التي لغيره. فيجب أن يكون الواجب نصف شاة.
فأجاب حنبلي معترضًا على دليله بأن خفة المؤونة لا تصلح أن تكون علة لإيجاب الزكاة، ولا سببًا. وإنما الذي يضاف إليه الإيجاب هو الغناء. والغناء هو تملك مال مخصوص جنسًا وقدرًا. ولا يجوز أن يعلق إيجاب الزكاة إلا على الغناء، كما لا يعلق استحقاق أخذ الزكاة إلا بالحاجة. فهذا الغني يجب عليه المؤاساة، لاحتمال ماله لها. وهذا الفقير والمسكين وسائر الأصناف يستحقون، للحاجة إليها. سوى العامل؛ فإنه يأخذها أجرة. إذا ثبتت هذه القاعدة للإيجاب، بقي الآن الارتفاق بقلة المونة، إما بسوم يقطع مونة العلف، أو بسقي سيح يكفي مؤونة النضح. فذلك ربما يصلح أن يكون شرطًا للإيجاب، لا سببًا للإيجاب. وإنما لم تصلح أن تكون علة، لأن الارتفاق بقلة المؤونة، علاوة على الغناء بالمال. لأن الغناء بالمال، الذي هو الأصل، والقدرة على الماساة به، وقلة المؤونة دون رتبة المال الذي قلت مؤونته. فالغناء بالسائمة، لا بالسوم. فتعليق الحكم على الآكد وقعًا في الغناء أولى من تعليقه على تخفيف هو فرع على الغناء.
فإذا ثبتت هذه القاعدة، قلنا: لا نقاضيك إلا أصولك. إذ
стр. 514
ليس يجوز أن تستنبط علة لفرع توفي على علة الأصل. وقد علمنا بأن هذا الارتفاق بالاختلاط أخذته من الارتفاق بالسوم ومن السقي بالسيح. ومعلوم أن الارتفاق بالسوم فيما دون النصاب لم يؤثر إيجابًا في الأصل؛ حتى إنك جعلت السوم في عشرين من الغنم كلا سوم؛ إذ لم تتم علة الإيجاب، أو سبب الإيجاب. فليكن ههنا مثله قلة المؤونة بالشركة بين اثنين، كل واحد منهما له عشرون، غير مؤثرة في إيجاب الزكاة لقصور سبب الإيجاب. وكذلك السيح يجب به العشر في خمسة أوسق، لا فيما دونها، عندك. وهذا لأن الشرط لا يعمل إلا تمشية وتصحيحًا للسبب؛ كالحب والطريق لا يوصل إلى الأغراض إلا بعد حصولها في أنفسها. ومتى لم تتحصل حقيقة الغرض لم يصح أن يكون موصلًا.
فإذا ثبت بطلان المذهب في أربعين مشتركة بين اثنين، بطل في ثمانين مشتركة. لأنك لا تفرق على أن أصل هذا الاستدلال باطل واه، لأنه لا يستقر على أمر واحد. فإنك جعلت قلة المؤونة ههنا موجبة للزكاة فيما ليس بمال يحتمل الإيجاب؛ وهي بعينها- أعني خفة المؤونة- حاصلة في ثمانين مشتركة. ثم تقيل الواجب على كل واحد منهما، فيوجب شاة عليهما. فيصير في كل أربعين نصف شاة. وهذا تقليل بنفس الشركة التي هي تقليل مؤونة وتخفيف لها. فكيف يستقيم لك أن تجعل خفة المؤونة علة أو سببًا للإيجاب، ثم تتبدل حكمها بعكسه، فتجعلها سببًا للتقليل والإسقاط؟ وليس هذا وضع الأصل الذي استفيت منه. لأن السوم
стр. 515
لا يعود شرطًا ولا سببًا لإسقاط الزكاة، ولا بعضها؛ ولا السيخ في السقي يعود سببًا لإسقاط شيء من الواجب، ولا لإسقاط جميعه. فبطل وضع دليلك.
٤٥٧ - جاءت مسألة من الأصول
هل إذا فعل المكلف كبيرة يخرج من الإيمان أم لا ؟
أجاب عنها بعض مشايخ الحنابلة بأنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام. واستدل بأخبار آحاد وردت في ذلك، وبما روي عن ابن عباس أنه ((يخرج كما يخرج من السربال)) أو قال ((كما يخلع السربال)) وقد روي عن أحمد مثل ما أجاب به. واختاره ابن بطة.
فاعترض عليه حنبلي آخر، يعرف شيئًا من الأصول، اعتراضًا جيدًا، فقال: هذا يجيء على الأصل الذي لا يختلف المذهب فيه و [هو] أن الإيمان قول وعمل؛ يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. ولو كان يزول، لما كان لقولنا ((ينقص)) معنىً. وإنما يجيء هذا على مذهب المعتزلة، أو الخوارج. فإن الناس على مذاهب. فالأشعرية تقول: لا ينقص أصلًا؛ لأن الإيمان هو مجرد الاعتقاد، والأعمال توابع. ومذهب الخوارج: يخرج إلى الكفر؛ وهو مذهب الإباضية؛ وسموه ((كافر نعمة)) وقالت المعتزلة: يخجر إلى منزله بين المنزلتين؛ لا مؤمن، ولا كافر؛ لكنه فاسق.
стр. 516
واستدل المعترض على فساد مذهب من قال يخرج من الإيمان بقوله تع: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما﴾، إلى قوله ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾. فسماهم: مؤمنين مع البغي والخروج على الإمام، وذلك معصية كبيرة. وقوله صلعم: لا يزني الزاني حتى يزني وهو مؤمن. أراد به ((كامل)) كقوله: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد.
فاعترض عليه حنبلي، فقال: معلوم أن المتحقق من قولك أن لنا أربع مراتب: إيمان، ثم انتقاص من إيمان يخرج إليه بالمعصية، ثم إسلام، ثم كفر. وأنا أقول: إيمان؛ فإذا فعل كبيرة، خرج إلى الإسلام؛ فإذا ارتد، خرج إلى الكفر. فإذا قلت أنا ((نخرج من الإيمان إلى الإسلام)) لم أبق على نفسي رتبة نخرج إليها، سوى الكفر. وأنت تجعل لنا بين الإسلام والإيمان الكامل رتبة ينبغي أن تكشف لنا عن رتبة الإسلام منفردة. ما هي؟ وبم تحصل؟
فأجاب بأن لنا إيمانًا كاملًا، هو مجموع أعمال وأقوال؛ من جملة أقواله وأعماله الإسلام. فالإيمان مجموع من جملته؛ ومجموع الإسلام. وإذا ثبتت هذه القاعدة، فمحصول كلامك، إنما هي عبارة؛ وإلا فهو داخل في قولي. لأنك لو سئلت عن الإسلام ((ما هو؟ )) لقلت ((هو بعض الإيمان)) إذ كان الإيمان مجموع عدد بعدد، بنيف وتسعين خصلة. وكل اسم لمجموع، إذا زال بعض المجموع، لا يقال ((زال كله)) بل ((زال بعضه.)) ومهما بقي له بعض لا يقال ((خرج منه؛ )) إلا أن يقيد
стр. 517
بأن يقال ((خرج إلى بعضه)) أو ((بقي على بعضه)) فكان محصول قولك ((خرج من كمال الإيمان إلى الإسلام)) الذي هو بعض.
قال المعترض عليه: قد ثبت من أصلنا أن كل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمن. وقد فرق الله بينهما، ولم يجعل بينهما واسطة. فقال سح: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا﴾. فنفى عنهم الإيمان، وأخرجهم إلى الإسلام. فدل على أنه لا واسطة بينهما. ولما جاء جبريل إلى النبي صلعم، قال: ((ما الإسلام؟ )) قال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله.)) وساق الحديث. فقال له: ((فما الإيمان؟ )) ذكر أشياء، وهي الإيمان بالله، وملائكته. وساق خلال الإيمان.
فأجاب عن هذا بأن قال: ((كل مؤمن مسلم)) صحيح. لأن الإسلام بعض، على ما قررت. وكل بعض لجملة، فلابد أن يدخل فيها. كما أن الثلاثة، لما كانت بعض العشرة، ففي كل عشرة ثلاثة، وليس في الثلاثة عشرة. وأما قولهم ((ليس كل مسلم مؤمن)) يعنون به مجموع الإيمان. وأما الحديث، فلا حجة فيه. لأن فضل النبي صلعم للإيمان عن الإسلام. فليس نجعله جملتين منفصلتين؛ بل إجماعنا حاصل على ربط الخلال التي ذكرها في الإيمان بما تقدم من ذكر الإسلام. لأن الإيمان بالله وملائكته بإجماعنا لا يكون إيمانًا إلا في حق من شهد أن لا إله إلا الله، وأتى بجميع خلال الإسلام. وإذا كان كل واحدة من الجملتين مربوطة بالأخرى إجماعًا منا رواية واحدة، صح ما ذكرت، وأن الإسلام بعض الإيمان. فلا يصح على أصل من قال إنه أفعال وأقوال؛ إلا أن يكون
стр. 518
الإسلام بعضه، وأنه ما خرج من جميع الإيمان إلى غيره؛ بل خرج من كماله إلى بعضه ونقصانه. فصار كلام من قال ((خرج إلى الإسلام)) كلامًا معناه ما ذكره المعترض زعمًا.
٤٥٨ - استدل شافعي في الساحة المغصوبة بأن الإجماع انعقد على وجوب ردها قبل البناء عليها. فمدعي إسقاط الرد بالبناء، عليه الدليل.
فأجاب حنبلي بأن هذا ليس بدليل في المسألة. لأنك سئلت عن ساحة بني عليها؛ فذكرت دليلًا قام على وجوب رد ساحة لم يبن عليها.
قال الشافعي: الساحة واحدة. وإنما يستصحب حكم الإجماع إلى أن يمنعني منه دليل.
قال الحنبلي: أين الإجماع الآن في هذه المسألة؟ وأين العين، وهي متحصلة منها، وهي تابعة للملك العين؟ وذاك أن الإجماع تغير وتبدل حكمه بتبدل حكم الساحة وتبدل حالها. وذلك أن الإجماع، متى خولف، لم يسوغ اجتهاد معين في مخالفته. ومعلوم أن قبل أن يبنى عليها، كان الإجماع على وجوب ردها؛ بحيث من خالف فيه فسق. والآن صار من خالف في وجوب الرد، أو حكم حاكم حنفي بأن لا يجب الرد، وضمنها مالكها الغاصب، وسوغ اجتهاده، ونفذ حكمه. وهذا تبدل ظاهر. وإذا
стр. 519
خرج الإجماع عن حكمه الذي هو تفسيق مخالفه، صار في حيز مذهب فقيه. واجتماعهما على مذهب لا يكون حجة. فإذا بان تبدل بهذه القاعدة، خرج عن أبي يكون مستصحبًا للإجماع، واحتاج إلى دليل على هذه المسألة. وما دل إذًا.
٤٥٩ - استدل حنبلي في مسألة الجد، وأنه لا يسقط الإخوة، بأن الأخ والجد تساويا في قرابة الأب والإدلاء إليه. فهذا يقول ((أنا أبوه، )) وهذا يقول ((أنا ابنه.)) فوجب أن لا يسقط أحدهما صاحبه.
فأجاب حنبل ناصر لمذهب أبي حنيفة: في الجد أبوة. من ذلك إرثه بثلاث جهات، كالأب؛ حتى إنه مع الابن، إن سقط عن تعصيبه، لم يسقط عن استحقاقه بفرضه، ويسقط الإخوة، والأخوات للأم؛ والإخوة للأب لا يسقطون ولد الأم. وذكر أحكام الأبوة من امتناع القود، والقطع في سرقة ماله، وامتناع شهادته له، وغير ذلك.
قال: ذاك علته الإشفاق.
قال له المعترض: فالإشفاق إشفاق أبوة؛ وإذا تساويا في علة الأحكام، كان أكثر من تساويهما في الأحكام. فهذا تقريب، لا فرق في المعنى. وإذا قرب من الأب، بعد الأخ منه. بطل ادعاؤك لتساويهما.
стр. 520
٤٦٠ - استدل حنبلي في مسألة الخلطة بأن كثرة المؤونة أسقطت بعض الواجب ي الزرع؛ وهو نصف العشر في حق السقي بالنواضح. فينبغي أن تكون قلة المؤونة في الخلطة تؤثر إيجابًا.
قال له حنبلي: الإسقاط لبعض الواجب بكثرة المؤونة لا يعطي العكس؛ وهو الإيجاب بقلة المؤونة. ولو أعطى، لم يكن علة أصل الإيجاب؛ بل الزيادة في الواجب. وأنت تجعله ههنا لابتداء الإيجاب في عشرين لأجل عشرين مخالطة؛ وهذا بعيد. ألا ترى أن المشقة الحاصلة بالسفر، لما أسقطت شطر الصلاة، لم يجيء من ذلك أن تكون رفاهية الحضر توجب صلاة على من لا يجب عليه؛ بل إذا كمل سبب الإيجاب، وجب على المكلف الكامل. وكمال الشخص لإيجاب الصلاة، ككمال النصاب لاحتمال الزكاة. على أن المؤونة قد قلت بالخلطة في ثمانين مشتركة. فلم قل الخارج بإيجاب شاة، عندك، على كل واحد من الخلطتين، بعد أن كان الواجب في كل أربعين شاة؟
وجرى من الحنبلي المستدل أن قال: قد جعل مال كل واحد منهما كمال الآخر في جواز الأخذ- أعني أخذ الساعي.
قال الحنبلي المعترض: جواز الأخذ لا يدل على أنه كماله في تكملة النصاب. لكن لأن كل واحد منهما، لما خالط صاحبه، صار له تبسط في المال. ولهذا يرجع بالضمان. ولو كان قد جعل كماله، لا نبرم الأخذ ولم يضمن. فلما ضمن، صار كأنه أخذه من ماله. جواب آخر: إن
стр. 521
خلط الماشية بالماشية، بحيث لا يتميز، جعل كالإذن من كل واحد من المالكين للساعي بأخذ الزكاة من أيهما شاء.
٤٦١ - مسألة امتحان
قال: إذا وجد غزالًا مقرطًا هل يملكه، أو كان مغصوبًا؟
قال: لا يملكه؛ لأن القرط والحناء آثار تدل على حصوله في اليد. ويكفي في تملك الصيد حصوله في اليد. فيكون ذاك أثر الملك؛ وما عليه أثر ملك لا يملك؛ بدليل إحياء الموات. والكنز، إذا كان ضرب المسلمين، لا يملك بنفس الظهور؛ بل يكون لقطة، يجب تعريفه.
٤٦٢ - سئل حنبلي عن حادثة جرت في زمن الصحابة، فاختلفوا في حكمها على قولين؛ ثم أجمع التابعون على أحد الحكمين. فقال: لا يصير إجماعًا. والدليل عليه أن الصحابة، حيث اختلفوا في حكم الحادثة على قولين، حظر وإباحة، فقد أجمعوا من حث اختلفوا. فاختلافهم في التصويب واتفاقهم على التسويغ. والتسويغ حكم من أحكام الشرع يتعلق عليه تنفيذ الأحكام، ونفي التفسيق، وتجويز الفتوى. فإذًا كان يجب
стр. 522
اختلافهم على قولين في الإباحة والحظر إجماعًا على التسويغ. فإذا أجمع التابعون على أحد القولين، فمتى حكمنا بإجماعهم إجماعًا، أبطلنا ما أجمعت عليه الصحابة من تسويغ القول الآخر. وفي ذلك قول بإبطال إجماع الصحابة. ولا سبيل إليه؛ لأنه إجماع معصوم؛ سيما وإجماع التابعين مختلف فيه. فليس في قوة إجماع التبايعن ما يقضي على إجماع الصاحبة.
قال له معترض: فأليس هو اختلفت الصحابة في الحادثة، ثم أجمعوا على أحد القولين، قضي بالإجماع الثاني على الخلاف الأول؟
قال الحنبلي: أنا إن لم اشترط للإجماع انقراض العصر في صحة الإجماع، فلا أسلم جواز الاتفاق على أحد القولين بعد الاختلاف.
قالوا له: فلا يمتنع أن يكون إجماعهم مشروطًا بأن لا يجمع التابعون على خلافه.
قال الحنبلي: الإجماع مطلق إلى حين انقراض عصر الصحابة. فأما إذا ماتوا على ذلك، مدعي اشتراط نفي إجماع التابعين يحتاج إلى دليل.
قالوا له: فأليس لو اختلفت الصحابة في حادثة على قولين، ثم أجمعت على أحد القولين، صار الثاني إجماعًا، وخرج الأول [عن] أن يكون إجماعًا؟ كذلك هنا.
قال الحنبلي: أنا إذا اعتبرت انقراض العصر، تبينت أن الخلاف الأول لم يكن إجماعًا؛ لأن القائل نفسه قد رجع، وبان له الخطأ فيما كان أفتى به. وليس كذلك ههنا. لأنهم إذا ماتوا على اختلاف، كان
стр. 523
قول المخالف منهم باقيًا؛ وهو كالحي القائم، فلم يجز إسقاطه بالإجماع بعده. ألا ترى أن عليًا قال: كان رأيي وراي الجماعة أن لا تباع أمهات الأولاد؛ ورأيي الآن أن يبعن. ولو أجمعت الصحابة على قول، ثم أراد التابعون كلهم أن يقولوا كما قال علي، لم يجز لهم.
٤٦٣ - شذرة
قال شافعي في بيع الإيجازة: تصرف في مال غيره بغير ولاية ولا استنابة، فلم يصح؛ كما لو اشترى له بماله ﴿أولياء بعض﴾. ولأنه باطل بقضاء دين إنسان من غير علمه، وإيقاف القضاء على إجازته، فإنه متى أجاز، صار الدفع قضاء. والشرى لا نسلمه على مذهب.
٤٦٤ - شذرة في البيع الموقوف
قال شافعي: تصرف في حق الغير بغير نيابة ولا ولاية. أشبه القبول.
قال له حنفي: الإيمان ولاية. فلا أسلم: قال الله تع: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾. ولأنه تشكل بقضاء دينه بغير إذنه؛ فإنه يقف على إذنه. وجميع ما يتعلق به من الاقتيات عليه والفضول؛ حتى إنه يستحق العتب. كل ذلك موجود في قاضي دين الغير بغير إذنه.
стр. 524
قال الشافعي: قضاء الدين هو دفع ماله؛ فهو بأول الحال وبادرة التصرف إنما هو دفع لماله. وهنا يقول ((بعتك عبد زيد هذا)). وهذه بادرة تصرف فيملك الغير. فما استويا، ولا ينطبق أحدهما إلزامًا على الآخر. والولاية المذكورة في القرآن نشرها بقوله: ﴿يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾.
قال الحنفي: إن كان قضاء الدين ببادرة القضاء للغير تصرفًا في ماله، فهذا الإيجاب ببادرة القول تصرف فينطقه. وقوله لكنه عزاه إلى عين هي ملك لغيره، كما عزا القضاء هناك إلى تفريغ ذمة غيره، وإسقاط المطالبة، ثم وقف تحقيق ذلك ونفاذه على إذن المقضي عنه الدين، كان يحب أن يقف هنا على إذن المنطوق عنه بالإيجاب في بيع ماله؛ ولا فرق. وقوله: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ عام في الصلاة عليه، وتجهيزه عند الموت، والدفع عنه، وقضاء دينه، وتزويجه، والتزويح له؛ فلا يختص ببعض ذلك إلا بدلالة. وأما قوله: ﴿يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾، بيان لبعض ما تحصل به المولاة؛ بدليل ما بينا من الوجوه الزائدة على ما تضمنته الآية.
стр. 525
٤٦٥ - فصل تذكار
اعلم أنه لا تكتما العبودية فيك إلا بما كملت به الربوبية فيه سح. وكمال الإلهية أنه عظيم، مستوجب التعظيم. وعلى تعظيمه يدور التكليف. يطاع أمره، فلا يعصى؛ ويذكر إنعامه، فلا ينسى؛ ويسلم حكمه، فلا يعترض بـ ((لم)) قولًا ولا إضمارًا. مطلق بكل معنى؛ لا لكونه قاهرًا فقط، بللأنه حكيم غير مختل الصنع. فكما أن الأركان كلها خلقه يجب أن يتعبد له بالسجود تارة إذا أمر، وبالركوع أخرى، والانتصاب أخرى، وبالكف عن الشهوات، ويتناول في بعض الأوقات. كذلك العقل خلقه يقضي لأفعاله وأحكامه، ولا يقضي عليها بالتحكم الخارج عن التسليم. إن جمع، فحكمة ورحمة؛ وإن فرق، فحكمة وقدرة. فكما أن قدرته لا تقوى بالمدافعة، حكمته لا تقاوى بالمعارضة. كل شيء خلقه تحت تدبير العقل. والعقل تحت تدبير الرب. فإن أذعن العقل بالربوبية له، فينبغي له أن يذعن بالتسليم. لأن مربوبًا لا يرب، كما أن الرب لا يرب.
يا ناقصًا في التكليف بكل معنى! يا مفلسًا من العبودية بكل حقيقة! أنت عبد من طريق الخلق قهرًا؛ هل كنت عبدًا من طريق التخليق طوعًا؟ ما أشد طاعتك للهوى مع كثرة جناياته عليك! وما أشد تجنيك على الخالق مع كثرة إتقاناته فيك! هل أجارك الهوى قط من ورطة؟
стр. 526
هل أخذ بيدك من سقطة؟ أليس غوائله كلها وعواقبه فسادًا؟ أليس حلاواته مرارات؟ أليس هو الذي يجمع على دعوة، ويفرق عن عربدة؟ أليس هو الذي يحمل على بطنة ونهمة تكون غائلتها نغصة بتخمة؟ أليس هو الذي يحمل على إعفاءة تكون غائلتها البيات؟ كم حلا لك أوله وأمر عيشك آخر؟
تعال إلى فعل الحق فيك. إن أمر، حلاك؛ وإن منعك، فعن دائك حماك؛ وإن ناولك، شفاك؛ وإن أظمأك، سقاك، وإن دعيته بعد التشرد عليه، لباك. وربما قبل أن تدعو باداك: يا عبد هواه! اعبدني، أستعبد لك الهوى. ياأسير الشهوة! فك نفسك بالحمية. ياأسير الجهل! افكك علمك باليقظة. يا أسير العمل بالربا! افكك عملك بالإخلاص. يا أسير الطمع! فك رجاءك بالمعرفة بمقادير الخلق. لا تعبد بطمعك جهات الرزق؛ ولكن اعبد الموجه. أنا، والله، الموجه، وهم الجهات. أنا المحرك للقلوب المعطية، وهم أدوات. إن أردت أن تشكرهم دوني، فاشكر السحاب والمطر والزرع والشجر. فإن الجميع مني، والكل خلقي، ولهم عندي شكر التكليف. يا سبحان الله ما أعجب أمرك! تعافى بشربة أو بمفصدة، تشكر الدواء وتبلجه، وتمدح المبضع وتعظمه. ترى ما لي في فعل المبضع وخاصية الدواء فعل ولا صنع أستحق به بعض الشكر؟ هذا شرك عسى غدًا يصير توحيدًا. أنت لا تجعل لي قسمًا من الشكر.
فليتك كنت طبائعيًا خالصًا فتعرف بالطبيعة. فإن أفلحت ونجوت
стр. 527
من ذا، وقعت في بحر النجوم. فلا تعقد ولا تحل إلا بالمنجم. حتى صار دأبك: ((مطرنا بالسرطان))؛ و ((وقفت أموري بزجل))؛ و ((المريخ ما يدع لي السنة عيشًا صافيًا، ولا أمرًا ساكنًا؛ قد أوقع بيني وبين الناس الفتن)). أو تقول: ((السنة معيشي جيدة وعيشي طيب، لأن طالعي الزهرة، وفي بيت مالي المشتري)). ترى ما تقول عبده النجوم؟ حدثني بماذا يمتازون عنك؛ وبماذا تخرج من الشرك. أين الإثبات منك، فضلًا عن التوحيد؟
تعال اسمع مني تخليع إيمانك، وانصف في استماعك. تضيف الضرر الواقع بك إلى النجوم والأنواء، والمنافع الواصلة إليك إلى الطبيب والدواء. فإذا وقع منك مكروه، وتركت المفروض، تلهيت بنفسك في إضافته إلى قدر رب السماء، كأنك ما خصصته إلا بما عنه نهاك، حتى جعلته في الإثبات لإقامة عذرك في جفاك، وعذرك هذا لما أفلحت وأثبت، فإن لحقك من غيرك جفاء، أو نالك منه أذى، حنقت عليه حنق من ليس وراء فعله قدر ولا قضاء. ترى هذه الأقدار التي أثبتها، وهذه القضايا التي اعتقدتها، لا تحتك إلا فيك؟ أما هي على غيرك جارية؟ فإذا قامت لك الأعذار بها، هلا أقمتها لغيرك في الإساءة إليك عذرًا؟ ما يخلو في هذا من أمرين: إما أن تكون ساخرًا بدينك، أو مسخورًا بك، وإلا فمحال أن تكون تعتقد أن القدر مؤثر فيك شرًا دون غيرك. فلو أيقنت بالقدر حسبما ذكرت لعذرت غيرك في إساءات إليك، كما به عن نفسك اعتذرت.
стр. 528
ما أكشف حال زندقتك للمنتقد عليك! تضيف المنافع والمضار إلى الكواكب والطباع، والأرزاق والإساءات إلى المعطين والمسببين. كل ذلك لتخرج الباري عن الصنع، وتجيء إلى ما بقي من خطاب الشرع، من أداء فرض أو ترك ذنب. فتحيل بترك الواجب عليك، وفعل المحظور عليك، إلى قدر الله. ما ذكرت الله إلا هنا، لترد الأمر حيث جاء.
أما أنا، فلا أعرف إيمانك من كفرك. تارة تضيف الفقر والبلاء إلى نزول الذنب في بيت المال؛ وتارة تشقق عتبًا على الإله الذي لا يخطر منك في حال غنائك وسكونك ببال. فما يتخلص لي كفرك من إيمانك، ولا توحيدك من إشراكك، ولا نفيك من إثباتك. هذا، وأما أعمالك فعنوان الجحود والإنكار، ولا أرى عليك عنوانًا للإثبات والإقرار، ينخرق من ثوبك مكان عقدة، أو تنجذب فيه هدبة، لا تسكن عن الحركة بالبدن والمال، حتى تدفع إلى الرقاء أوفى الأجور والأعواض، ليعود إلى ما كان. وهذا فرضك يختل بأنواع الخلل، لا تتحرك في سد خلله، ولا تلافي علله، لا بسجود سهو ولا تكفير حنث، ولا إقامة حد، ولا توبة عن ذنب، ولا ندم على فارط جرم.
والله ما للإيمان فيك علامة. سوى كلمة تعودتها من الصغر، لا ثقل فيها على النفس ولا مؤونة، وهي كلمة قد عصمت الدم وحرست
стр. 529
المال، وقد عرفت ما في تركها من الوبال. وإلا فانصف وعين لي عملًا من أعمالك تتوسل به إلى الباري عند ضرورتك واختلال أحوالك. عين لي عملًا يصلح أن يكون مقطع الأجل ورأس الرزمة في العمل. وانتقده نقدًا يصلح لرؤية الحق، بلا تفريط فيه ولا خلل. فإن رأيت ذلك ووجدت، وإلا فابك على نفسك من إفلاسك من معنى اسم تسميت به عمرك ودهرك لما تحققت الحقيقة، ما أنسبك منه صحة تصلح لمطالعة الخليقة. قد أنست إلى الاعتذار بالرجاء والإرجاء والشفاعة ممن أطاع فيمن عصى.
ترى ثبت ذاك عندك بقولي وقول رسولي، والوعيد ممن جاء، ومن القائل له، ومن المتواعد به؟ وإن أبهجك وعدي، فهلا أزعك وعيدي؟ وإن كان وعدي يطمع، فما بال وعيدي لا يوجع؟ عن أي الأنبياء سمعت، أو الأولياء، أنه أسقط حكم الوعيد، حتى ظهر عليه الاعتماد على الرجاء والشفاعة؟ أما رأيتهم يحذرون، وهم أحذر، ويفزعون، وهم من الله أفزع؟ ما أفزعني من طمأنينتك أن تكون خدعة من الشيطان! إما لنفي وجحود، أو اغترار بالمعبود.
٤٦٦ - فصل
ما أجودك من معلم غير متعلم! وما أجودك من مؤدب، لكن لا يتأدب! تعلم الكلاب، مع نهمتها وتكلبها على الصيود وفرط حاجتها،
стр. 530
بأن تمسك عليك ولا تأكل من صيدها؛ وكذلك جوارح الطير والسباع. وتروض المهارة والحجورة حتى تتأدب لركوب الملوك. وأنت عاقل ناطق. الرسالة إليك، وكتاب الله ينزل عليك، والآباء، والمعلمون، والعلماء، والوعاظ، والمفتون، والقصاص؛ والقرآن يتلى، والعبرتتربى، وآثار الأمم البائدة والقرون الخالية، كما تسمع وترى. فلا الآداب بأخلاقك عبقت، ولا التعاليم بطباعك علقت. فسبحان من سخر الأشياء لك وجعلها طوع يدك وأمرك، وأنت تتشرد عليه كذا!
٤٦٧ - شذرة ذكرها بعض الأئمة في كتاب رموز وأسرار
قال: كثير من الفقهاء يقولون إن تعليق الطلاق على البعض يسري إلى الكل. وكذلك تعليق النكاح. وهذا ليس بصحيح. لأن السراية إنما تكون عما يثبت في البعض حكمه، ثم يتعدى ويسري كالجراحة؛ إنما تكون سرايتها بعد تأتي ثبوتها في بعض الحي. فهذا تبين في العتق. فإنه قد يثبت ويقف في عتق المعسر بحصته ويقف على ثلث العبد المعتق حال مرضه. فإذا أعتق وهو موسر قبل شراء عتقه. لأنه ثبت في ملك نفسه سراية إلى ملك غيره. وقد بان في حق المعسر والمريض وقوفه على البعض. فأما إضافة الطلاق إلى البعض، فلا يقال ((سرى)). لأنه لا
следующие страницы →